الحدائق النديّة في شرح الفوائد الصمديّة

السيد علي خان المدني الشيرازي

الحدائق النديّة في شرح الفوائد الصمديّة

المؤلف:

السيد علي خان المدني الشيرازي


المحقق: الدكتور السيد أبو الفضل سجادي
الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: منشورات ذوي القربى
المطبعة: روح الأمين
الطبعة: ٠
ISBN: 978-964-518-296-8
الصفحات: ٩٤٧

مقدّمة

الحمد لله الّذي علّم بالقلم ، علّم الإنسان ما لم يعلم ، والصلاة والسّلام على نبي الأمم سيّدنا محمّد الأجلّ الأكرم.

علم النحو ، علم يعرف به صحّة وسقم اللغة ، وما يتعلّق بالألفاظ من حيث موقعها في الجملة ، والغرض منه الإحتراز عن الخطأ في التأليف ، والقدرة على الفهم والإيصال. وأهمية علم النحو متأتّية من وجوب الحفاظ على أصول وقواعد اللغة كفرض. إذ لا يحفظ دين ولا ثقافة إلا بحفظ اللغة ، وقد صدق من قال :

حفظ اللغات علينا

فرض كفرض الصلات

فليس يحفظ دين

إلا بحفظ اللغات

وانطلاقا من حرص المسلمين على فهم ما جاء به كلام الوحي بأفضل وجوهه ، فقد شكّل القرآن الكريم بالنسبة لهم نبعا ثرّا ، توفّروا منه على معارف غزيرة ، ساعدتهم في تطوير هذا الفهم ووضع أسس علميّة له ، وذلك بما توفّر لهم من وسائل وقدرات علمية. وإذا ما كان جمع القرآن يمثّل أولى الخطوات على طريق الاهتمام بالقرآن الكريم. فإنّ وضع علم النحو يمثّل الخطوة الثانية للحافظ على سلامة أداء النص القرآنيّ بعد شياع اللحن على ألسنة الناس. من هنا يمكن القول إنّ هاجس الحفاظ على سلامة النص القرآنيّ كان الدافع الرئيس لوضع علم النحو والإعراب ، ذلك لأنّ ظهور اللحن وتفشّيه بين الخاصّة والعامّة حتّى على لسان قرّاء القرآن الكريم كان الباعث على تدوين أصول اللغة واستنباط قواعد النحو.

وبهذا نرى أنّ السبب والدافع الرئيس في وضع القواعد النحوية كان حفظ القرآن الكريم من التحريف والخطأ والانحراف ، بحيث يمكن اعتبار العامل الدينيّ هنا أنّه شكّل العامل الأوّل فى وضع علم النحو بالإضافة إلى عوامل أخرى.

وقد قيل إنّ أوّل كلام في النحو أطلقه أبو الأسود الدؤلي المتوفي سنة ٦٧ ه‍. وإنّ اسم علم النحو جاء من مضمون ما جرى بين علي بن أبي طالب (ع) وأبي الأسود

١

الدؤلي حين ألقى عليه شيئا من أصول هذا النحو ، ثمّ قال له : «انح هذا النحو» فسمّي هذا العلم بـ «علم النحو».

بعد الدؤلّي ظهر كثير من العلماء الذين توافروا على علم النحو ، وقد كان للخليل بن أحمد الفراهيديّ ، أستاذ شيخ النحو سيبويه ، فضل كبير على هذا العلم. وقد أخذ عنه سيبويه ، وأكمل من بعده فروع هذا العلم ، وأكثر من أدلّته وشواهده وقواعده ، ووضع فيه كتابه المشهور «الكتاب».

في عصر الانحطاط وشيوع اللحن بصورة واسعة لدرجة أنّه غلب على سلامة اللغة ، ظهر نحاة كبار كابن مالك (٦٠٠ ـ ٦٧٢ ه‍) الّذي اشتهر بـ «ألفية» المعروفة في النحو ، وهي أرجوزة من ألف بيت وبيتين ، اختصر فيها أرجوزته «الكافية الشافية» الطويلة الّتي تقع في ١٧٥٧ بيتا.

وممّن ساهم في التإليف بعلم النحو أيضا عبد الله بن يوسف الأنصاري المعروف بابن هشام (٧٠٨ ـ ٧٦١ ه‍) الّذي نال شهرة واسعة بكتابه «مغني اللبيب» في النحو. واشتهر أيضا في النحو ابن آجروم (٦٧٣ ـ ٧٢٣ ه‍) ، وأهمّ مؤلّفاته «المقدّمة الآجروميّة في مبادي علم العربيّة».

ويمكن القول إنّ علم النحو الّذي اتّسع وتفرّعت أبوابه وازدادت الآراء فيه إبّان العصر العباسيّ ، وجد في عصر الانحطاط من يقصر من ذيوله ، ويحدّ من تشعباته كما نرى في ألفيّة ابن مالك والمغني لابن هشام وغيرهما.

وفي عصر الانحطاط أيضا ظهر الشيخ بهاء الدين العامليّ المعروف بالشيخ البهائيّ ، وهو من العلماء الّذين لو تبعهم المسلمون ، واستضاؤوا بأنوارهم الربّانيّة لوصلوا إلى أعلى المراتب والدرجات العلميّة في كلّ علم ولصاروا روّاد العلوم ، لأنّه (لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون / ١٤].

البهائي هو الّذي وضع كتابا في علم النحو سمّاه «الفوائد الصمدية». و «الفوائد الصمدية» كما جاء في مقدّمته «حوت من هذا الفن ما نفعه أعمّ ومعرفته للمبتدئين أهمّ ، وتضمّنت فوائد جليلة في قوانين الإعراب ، وفرائد لم يطّلع عليها إلا أولو الالباب». وقد حاول البهائيّ في هذا الكتاب أن يجمع آراء كبار النحاة في هذا المجال ، بحيث جاء كتابه حاويا لدقائق الأمور. فما من قاعدة من القواعد النحويّة إلا وأشار إليها بصورة موجزة ما جعل هذا الكتاب على الرغم من إيجازه الشديد وبلاغته حاويا لاهمّ القواعد النحويّة في اللغة العربية.

٢

وفي كتاب «الفوائد الصمديّة» تظهر ميول الشيخ البهائي لتبنّي المذهب البصري في النحو ، وذلك بسبب اشتغاله بعلمي الرياضة والهندسة ، ولأنّ أساس المذهب البصريّ يقوم على القياس ، في حين أنّ المذهب الكوفيّ يقوم على السماع. وكأنّ الهندسة أثّرت على أسلوب البهائيّ في علم النحو ، ويظهر ذلك جليّا في التقسيمات الّتي اعتمدها في توزيع مباحث كتابه «الفوائد الصمديّة» ما جعله يختلف عن سائر النّحويّين.

قسّم العامليّ الفوائد الصمديّة إلى خمس حدائق : في الحديقة الأولى جاء بمقدّمات علم النحو ، كتعريف علم النحو والكلمة والكلام وأقسام الاسم والفعل والإعراب والبناء وأنواعها وعلائم الرفع والنصب والجرّ ومواضع تقدير الإعراب.

واختصّ الحديقة الثانية بما يتعلّق بالأسماء ، وقسّم الاسم إلى المعرب والمبنيّ ، وقسّم المعربات إلى أنواع ، الأوّل : ما يرد مرفوعا لا غير ، وهو أربعة ؛ الأوّل : الفاعل ، والثاني : نائب الفاعل ، والثالث والرابع : المبتدأ والخبر ، ثمّ جعل النواسخ في فصل ، وقال : تدخل على المبتدإ والخبر أفعال وحروف ، فتجعل المبتدأ اسما لها ، والخبر خبرا لها ، وتسمّي النواسخ ، وهي خمسة أنواع : الأوّل : الأفعال الناقصة ، والثاني : الأحرف المشبّهة بالفعل ، الثالث : ما ولا المشبهتان بليس ، الرابع : لا النافية للجنس ، الخامس : الأفعال المقاربة. والنوع الثاني ما يرد منصوبا لا غير ، وهو ثمانية : الأوّل : المفعول به ، والثاني : المفعول المطلق ، الثالث : المفعول له ، الرابع : المفعول معه ، الخامس : المفعول فيه ، السادس : المنصوب بترع الخافض ، السابع : الحال ، والثامن : التمييز.

النوع الثالث : ما يرد مجرورا لا غير وهو اثنان : الأوّل : المضاف إليه ، والثاني : المجرور بالحرف.

النوع الرابع : ما يرد منصوبا وغير منصوب ، وهو أربعة : الأوّل : المستثنى ، والثاني : المشتغل عنه العامل ، الثالث : المنادى ، الرابع : مميّز أسماء العدد. وهذا الأسلوب في تقسيم المرفوعات والمنصوبات يختلف عن أسلوب النّحويّين ولا سيّما المتأخرين.

ثمّ يشرح المبنيّات ، ويقول إنّ منها : المضمر وأسماء الإشارة والموصول والمركّب. ثمّ يدخل بحث التوابع ، وقسّمها إلى خمسة ، النعت والمعطوف بالحروف والتأكيد والبدل وعطف البيان ، وقدّم النعت على سائرها كما هو عادة أكثر النّحويّين ، لأنّ استعماله أكثر ، ولكونه أشدّ متابعة وأوفر فائدة. ثمّ يدخل مبحث الأسماء العاملة المشبهة بالأفعال ويقول : وهي خمسة : الأوّل : المصدر ، والثاني والثالث : اسم الفاعل والمفعول ، والرابع : الصفة المشبهة ، والخامس : اسم التفضيل. وفي خاتمة الحديقة الثانية يأتي بالاسم الممنوع من الصرف.

٣

وخصّص العامليّ الحديقة الثالثة بالأفعال ، ويشرح إعراب الفعل المضارع ، ثمّ يأتي بثلاثة فصول ، وفي كلّ فصل يشرح أفعال المدح والذّمّ وفعلى التعجّب وأفعال القلوب ، وفي خاتمة هذه الحديقة يدخل مبحث التنازع.

تأثّر الشيخ البهائي بابن هشام في «مغني اللبيب» ، ويظهر هذا التأثّر جليّا في الحديقة الرابعة والخامسة ، بحيث يمكن القول : إنّ العاملي لخّص الباب الثاني من المغني في الحديقة الرابعة من «الفوائد الصمديّة» في تعريف الجمل واقسامها. بّ

والحديقة الخامسة وهي آخر حدائق «الفوائد الصمديّة» خصّصها للمفردات ، وهذه الحديقة مثل الحديقة الرابعة خلاصة الباب الأوّل من «مغني اللبيب» بإيجاز شديد.

يمكن القول إنّ الشيخ البهائي لم يأت بجديد في علم النحو ، وكان فضله أنّه قدّم القواعد النحوية كلّها بصورة موجزة في الفوائد الصمدية ، وهذا العمل عظيم في نوعه.

وبالرغم من إيجازه الشديد حاول البهائيّ أن يشرح القواعد بصورة واضحة ، ولا نرى غموضا كثيرا في هذا الكتاب إلا في مواضع قليلة ، منها في مبحث توابع المنادى ، حيث يقول : «أمّا المعطوف فإن كان مع أل فالخليل يختار رفعه ، ويونس نصبه ، والمبرّد إن كان كالخليل فكالخليل ، وإلا فكيونس ، وإلا فكالبدل».

وفي سنة ١٠٥٢ ه‍ ق ولد في المدينة المنورّة السّيّد على صدر الدين المدنيّ الشيرازيّ الملّقب بالسّيّد على خان الكبير الّذي ألّف كتاب «الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمديّة» الّذي يعتبر شرحا عظيما وافيا بالمقصود ، بيّن فيه كلّ ما أجمله الشيخ البهائيّ.

ويمكن القول إنّ «الحدائق الندية يعتبر كتابا كاملا في علم النحو ، واستفاد المؤلّف فيه من آراء كبار النّحويّين واللغويّين كالخليل وسيبويه والكسائيّ وابن جنيّ ، واعتمد في شرحه على آراء نحو ثلاثمائة نحويّ ولغويّ ، بحيث جاء الكتاب ، وكأنّه موسوعة لآرائهم.

ما تجدر الإشارة له هنا هو أنّ السّيّد على خان شدّد في تسويغه لوضع كتاب الحدائق الندية بأنّ تعلّم علم النحو واجبّ ، كما أكّد علماء الأمّة ، لأنّ النحو مفتاح اللغة العربيّة ، وهذه اللغة وسيلة فهم الشريعة الإسلاميّة ، ويقول الشارح : قيل : ومن ثمّ كانت معرفته واجبة ، لأنّ تعلّم الشرائع الواردة بلغة العرب لا تتمّ إلا به (أى علم النحو) ، وكلّ ما لا يتمّ الواجب المطلق إلا به فهو واجب.

استفاد السّيّد على خان فى «الحدائق الندية» من كتب نحويّة كثيرة ، ويظهر أثر مغني اللبيب واضحا في الحدائق ، إضافة لتأثّره بآراء الرضيّ بشكل واضح وشديد ، و

٤

لا نري أنّه خالف الرضيّ إلا في مواضع قليلة ، مثلا اختلف النحاة في أنّ الظرف والجارّ والمجرور هل هما نفسهما الخبر أو لا؟ حيث يعتقد الرضيّ أنّ الظرف والمجرور ومتعلّقهما هي الخبر ، ولكن السّيّد على خان خالفه ، حيث ذهب إلى أنّ الخبر في الحقيقة هو العامل المحذوف ، وأنّ تسمية الظرف والمجرور خبرا مجاز.

استشهد السّيّد على خان الكبير بآيات قرآنيّة كثيرة ، في حين أهمل الحديث إلى حدّ ما ، حيث يبدو أنّ الأحاديث لم تلبّ حاجته وما يريده من الشواهد ، ولعلّه في ذلك اتّبع سنّة العلماء الّذين تنكّبوا الاستشهاد بالأحاديث لعدم وثوقهم بأنّ ذلك لفظ النبيّ (ص) لأمرين :

أحدهما : أنّ الراوة جوّزوا النقل بالمعنى ، ولا سيّما مع تقادم الزمان والاتّكال على الحفظ ، فالضابط منهم من ضبط المعنى ، وأمّا من ضبط اللفظ فبعيد ، ولا سيّما في الأحاديث الطوال الّتي لم يسمعها الرواة إلا مرّة.

الثاني : أنّه وقع اللحن كثيرا في الحديث ، لأنّ كثيرا من الرواة كانوا غير عرب بالطبع ، ولا يعلمون لسانهم بصناعة النحو ، ورسول الله (ص) كان أفصح الناس ، وإذا تكلّم بلغة غير لغة أهله ، فإنّما ذلك مع أهل تلك اللغة على طريق الإعجاز وتعليم الله تعإلى.

وعلى رغم تعدّد شارحي كتاب الصمديّة للشيخ البهائيّ ، إلا أنّ شرح السّيّد على خان المدنيّ يعتبر الأفضل والأشهر بينها ، لجهة استشهاده بالآيات القرآنية بشكل كبير إلى جانب الأبيات الشعريّة ، فجاء شرحه حاويا لألف ومائة بيت من الشعر لشعراء من العصر الجاهليّ وصدر الإسلام والعصرين الأمويّ والعباسيّ وبعض شعراء عصر الانحطاط.

وبما أنّ السّيّد على خان الكبير كان من كبار العلماء والأدباء ، لذلك ضمّن شرحه للقواعد النحويّة مباحث تفسيريّة للقرآن الكريم ، مستفيدا كثيرا من تفسير الكشاف للزمخشريّ ، وكذلك ضمّن شرحه المسائل التاريخيّة أثيرت بين العلماء حول المسائل النحويّة واللغويّة ، وفي كثير من الأحيان يبدأ قبل دخول البحث بشرح قضايا الأصوات اللغويّة phonetics فيما يتعلّق بتلفظ المفردات إضافة إلى شرح فلسفة الإعراب والمباحث البلاغيّة والكلاميّة ، ويعدّ الكتاب من هذه الناحية من أكمل الكتب النحويّة ، ليس يغني من جوع فحسب بل يسمن أيضا.

وقد قدّم الشارح الكبير كلّ القواعد النحويّة وفوائدها بصورة استدلإلية وعقليّة ومنطقيّة ، ولم يترك مسألة منها إلا واستشهد فيها بالآيات القرآنيّة والقراءات

٥

المختلفة ، مستعرضا آراء النحاة واللغويّين ، مقارنا بينها بدقّة ، ردّا لبعضها ، موافقا للبعض الآخر. ويمكن القول هنا : إنّ هذا الكتاب يشبه «مغني اللبيب» لابن هشام ، إلا أنّه أكمل منه ، ومن حيث مقارنته بين النّحويّين وآرائهم واختلافاتهم ما جعله يشبه كتاب «الإنصاف في مسائل الخلاف» لابن الأنباريّ.

ومع أنّ كتاب الفوائد الصمديّة يعتبر كتابا كاملا في علم النحو ، لكن اتّسامه بالإيجاز الشديد جعله بحاجة إلى شرح وبسط ، حتّي يتمكّن الطالب من فهم القواعد النحويّة بسهولة ، وقد اهتمّ السّيّد على خان بذلك ، ومن هذه الناحية يمكن القول : إنّ هذا الكتاب ملأ فراغا في المكتبات والجامعات والحوزات العلميّة.

أسلوب التصحيح : إنّ تحقيق النصوص أمانة دينيّة وعلميّة وأخلاقيّة ، وعلى المحقّق إثبات ما قاله المصنّف ، خطأ كان أم صوابا ، وأن لا ينصب نفسه حكما على هذه النصوص ، فيبيح لنفسه تصحيحها أو تبديلها بنصوص أخرى ، وعليه أن يكدّ ذهنه ليصل إلى النص السليم الّذي كتبه المصنّف. ويجب أن يقارن بين النسخ المتعدّدة للوصول إلى الصواب. فالمقارنة بين النسخ المتعدّدة لها أهميّة خاصّة في كشف صحّة ما كتبه المصنّف ، وربّما تكون ضرورة للإضافة من هذه النسخ للنسخة الأصليّة ، تقتضيها سلامة النص كإتمام نقص أو تصحيح تحريف أو تصحيف أو سقط كلام ، ويأتي هذا بعد اختيار نسخة كأساس بعد دراستها دراسة علميّة دقيقة ، ثمّ مقارنتها بالنسخ الأخرى ، والإشارة إلى الفروق بين النسخ في حاشية الكتاب مع تحرّي الدقّة في عدم إضافة أيّ لفظ أو تغيير أيّ عبارة من النسخة الأصليّة ، أللهمّ إلا لضرورة علميّة لا مناص منها ، فعندئذ يلجأ المحقّق إلى الإضافة أو التبديل مستعينا بالنسخ الأخرى ، ولا يتمّ ذلك إلا بعد التمحيص الدقيق.

يعتبر تصحيح الكتب وتحقيقها من أشقّ الأعمال وأكبرها تبعة ، ولقد بيّن الجاحظ أبو عمرو في كتاب الحيوان ذلك أفضل تبيين ، فقال : ولربّما أراد مؤلّف الكتاب أن يصلح تصحيفا ، أو كلمة ساقطة ، فيكون إنشاء عشر ورقات من حرّ اللفظ وشريف المعاني أيسر عليه من إتمام ذلك النقص ، حتّي يردّه إلى موضعه.

وبعد اختيار تصحيح مخطوطة «الحدائق النديّة في شرح الفوائد الصمديّة» بدأت بجمع النسخ المتعدّدة للكتاب ، وحصلت على أربع نسخ ، وبعد مطالعتها ، اخترت أكمل النسخ وأقدمها تاريخا ، وجعلتها «المخطوطة الأم» ، وأصلا وأساسا في التصحيح.

٦

وقبل أن أبدأ عملي حصلت على عدّة كتب ومقالات حول أسلوب التصحيح للمخطوطات مثل «نقد وتصحيح متون» لنجيب مايل هروي ، و «قواعد تحقيق المخطوطات» لعبد السّلام محمد هارون ، و «منهج تحقيق المخطوطات» لإياد خالد الطباع ، و «قواعد تحقيق المخطوطات» للدكتور صلاح الدين المنجد ، وعدد من المقالات الّتي أخذتها من المواقع الإنترنتيّة ، وقرأتها بدقّة لكي يكون العمل في تصحيح هذه المخطوطة عملا علميّا دقيقا.

وبعد مطالعة الكتب بدأت بالتصحيح ، وكنت أطالع كلّ بحث في المخطوطة الأصليّة ، وأقارنه بسائر النسخ واحدة تلو أخرى ، وأكتب الفروق والاختلافات على الهامش ، والجدير بالذكر أنّ الفروق بين النسخ كانت كثيرة جدّا بعض الأحيان ، ولكنّي أهملت ما وجدته يعود إلى جهل الناسخ أو من سهوه ، وحاولت أن أدوّن تلك الّتي ذات قيمة وتأثير في قراءة النص ، وفي بعض النسخ كان التشويش والتحريف والحذف كثيرا ، وهذا ما ستردّ له الإشارة عند دراسة النسخ.

ولقد استفاد الشارح من آراء النّحويّين واللغويّين ، واستشهد بكثير من الكتب النحويّة المشهورة مثل «الكتاب» لسيبويه و «شرح الكافية في النحو» للرضيّ و «الخصائص» لابن جنّي و «مغني اللبيب» و «شذور الذهب» لابن هشام و «شرح ابن عقيل» و... فراجعت أثناء التصحيح هذه الكتب ، وطالعت المباحث المشروحة فيها ، لكي يكون عملي بعيدا من الخطأ.

وكما سبق ذكره يوجد في هذا الشرح كثير من الآيات القرآنيّة كشواهد نحويّة ، فراجعت القرآن الكريم ، واستخرجت الآيات ، وشكّلتها ، وأكملت بعضها ، وأصلحت بعض الأخطاء الّتي دخلت عليها أثناء النسخ ، وأشرت إليها في الهامش.

يضمّ كتاب «الحدائق النديّة» ما يقارب السبعين حديثا ، معظمها عن الرسول الأعظم (ص) ، فاستخرجت هذه الأحاديث من كتب الحديث ، وأكملت بعضها ، وشكّلتها ، وكتبت مصادرها ومراجعها في الهامش.

ومن ميّزات هذا الكتاب الإكثار من الاستشهاد بأبيات من الشعر كشواهد نحويّة ، والجدير بالذكر أنّ المؤلّف بعض الأحيان قد أتي بالمصرع الأوّل أو الثاني أو كلمات من وسط المصرعين ، لكنّي استخرجت هذه الأبيات الكثيرة الّتي تزيد عن ألف بيت ، إلا عددا قليلا لم أجد مصدره ، ولم أعثر عليه في دواوين الشعراء والكتب المتعلّقة بها ، نحو :

«خزانة الأدب» و «الأغاني» و «الكتاب» و «مغني اللبيب» و «جامع الشواهد» و «المعجم

٧

المفصّل في شواهد النحو الشعريّة» وسائر الكتب النحويّة ، وقد شكّلت هذه الأبيات ، وعيّنت قائلها وبحورها الشعريّة ، وشرحت مفرداتها الصعبة في الهامش.

وقد شرح المؤلّف في كتابه هذا القواعد النحويّة بأسلوب منطقيّ ودقيق ، ناسبا كلّ قول ورأي إلى صاحبه ، بحيث يشير إلى آراء النحاة في كلّ مسألة وإلى الكتب الّتي استفاد منها ، ويأتي بآراء أكثر من ثلاثمائة نحويّ ولغويّ وشاعر ، ويورد أسماء ما يقارب مائة من الكتب النحويّة واللغويّة ، فكان التعريف بالأعلام والكتب في الهامش جزء من عملي في هذا المجال.

وأمّا بالنسبة للحواشي والتعليقات فهناك مدرستان : الأولي : الاكتفاء ببيان فروق النسخ فحسب ، على اعتبار أنّ عدم إثقال النص بتعليقات وحواش هو أمر ليس من عمل المحقّق ، فالتحقيق ليس شرحا أو تحشية ، وإنّما هو إبراز الكتاب كما أراده المؤلّف ، والثانية : إثبات الشروح والتعليقات وإبداء الرأي في الغامض من العبارات ، وقد سلكت في هذه المسألة منهج التوسّط الّذي يظهر فيه مدي كفاءة المحقّق العلميّة والعمليّة.

يعتبر التشكيل من واجبات المحقّق الأساسيّة في تحقيق المخطوطات ، إذ لا قيمة لتحقيق أيّ أثر تراثيّ إن لم يقترن بتشكيل دقيق ، لأنّ من شأن ذلك ، الوقوف على دقائق الأفكار ومسارها الإعرابيّ الصحيح ، ويتمثّل ذلك خاصّة في تشكيل الآيات القرآنيّة والأحاديث الشريفة والأشعار والأمثال والأعلام والمواضع والعبارات الغامضة ، لذا حاولت إنجاز هذا العمل بالاستفادة من القرآن الكريم وكتب الحديث ودواوين الشعراء وشرح الشواهد الشعريّة وكتب الأمثال.

ومن أهمّ وظائف المحقّق في تصحيح المخطوطات وضع علامات الترقيم وتقسيم الجمل ، لكي يتّضح المعنى ، وتظهر فطنة المحقّق في كثير من الأحيان بوضع العلامة المناسبة في مكانها الملائم ، وكما أشرت سابقا بمطالعة الكتب المتعلّقة بتصحيح المخطوطات قمت بهذا الأمر بعد قراءة النص عدّة مرّات ، والله سبحانه وتعإلى أبعد من كلّ عيب وخطأ.

وتعدّ الفهارس الفنيّة المختلفة أهمّ مرشد للباحث في الكتاب المحقّق ، فهي الّتي تظهر مضمون الكتاب وجواهره ، لأنّ الكتاب بدونها خزانة مقفلة يعسر على القارئ والباحث استخراج ما يحتاجه منها ، وقد وردت بعض الفهارس في مخطوطة «م» ـ سيأتي ـ في الصفحات الأولي ، وعند الاستفادة منها أو من الكتب الأخرى عمدت إلى إكمال الفهارس ووضعتها بين معقوفتين [ ] ، لأبينّ أنّه ليس في نصّ المخطوطة ، وكي

٨

تكون الاستفادة من الكتاب سهلة. وفي النهاية أتيت بفهرس الآيات القرآنيّة والأبيات والأحاديث والأعلام والمصادر ، (وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) [هود / ٨٨].

والجدير بالذكر أنّني أتيت بعبارات من «الصمديّة» أوّلا ، وحدّدتها بعلامة «ص» ، ثمّ أتيت بعبارات من نصّ «الحدائق النديّة» في شرح الصمديّة معيّنا إيّاها بعلامة «ش» ، وبما أنّ السّيّد على خان جاء بعبارات من الصمديّة أثناء شرحه ، جعلت تلك العبارات بين علامتي التنصيص «» للدلالة على أنّها من نصّ الصمديّة.

٩

التعريف بالمخطوطات

الف : مخطوطة مجلس الشورى الإسلامي (مخطوطة الأمّ)

رمزها : م كاتبها : حسن علي بن محمود الشهركي.

عدد أوراقها : ٦٨٠. عدد سطور صفحاتها : ٢٥

تاريخ كتابتها : ١٠٨٠ ه

في هذه المخطوطة حذفت الهمزة المتطرّفة. والهمزة المتوسّطة كتبت ياء نحو : الفوايد ودايما وكتابة الهمزة المتوسّطة في معظم الكلمات خطأ. والصورة منها :

١٠

ب : مخطوطة جامعة طهران

رمزها : ط كاتبها : برهانبور عدد أوراقها : ٨٢٢

عدد سطور صفحاتها : ٢٥ تاريخ كتابتها : ١١٠٨

في هذه المخطوطة لا فرق بين الهاء والتاء المربوطة ، وكتابة الهمزة فيها خطأ على سبيل المثال يؤلّف كتبت يالف ، ومطابقة المذكّر والمؤنّث لا توجد فيها ، مثل الجملة الحإلية لا يصدر ، ومن العلائم الإختصاريّة فيها «ح» بدل حينئذ. والصورة منها :

١١

ج : مخطوطة الطبع على الحجر

رمزها : ح كاتبها : محمد هاشم بن الحسين

عدد أوراقها : ٥٨٣ عدد سطور صفحاتها : ٢٤

تاريخ كتابتها : ١٣٠٥

الأخطاء في هذه المخطوطة كثيرة جدآ ، مثلا كلمة خافض كتبت خافظ ، ومطابقة المذكّر والمونّث لا توجد فيها ، وكتابة الهمزة فيها خطأ ، وحذف الكلمات والجمل كثير فيها ، وبعض الآيات القرآنيّة كتبت فيها خطأ ، وبعض الأحيان أضيفت كلمات إلى الآيات القرآنيّة ، ومن العلائم الاختصاريّة فيها : لامح (لا محالة) لايخ (لا يخلو) مم (ممنوع) لايق (لا يقال) المش (المشهور) ، والصورة منها :

١٢

د : مخطوطة سبهسالار

رمزها : س كاتبها : مجهول عدد أوراقها : ٤٧٦ عدد سطور صفحاتها : ٢٤

تاريخ كتابتها : مجهول واقفها : ميرزا محمد خان سبهسالار

الأخطاء والحذف فيها كثيرة ، ولا يوجد فيها معظم الحديقة الخامسة ، ومن العلائم الاختصارية فيها يق (يقال) ، مم (ممنوع) ، أيض (أيضا) والصورة منها :

١٣

ترجمة الماتن

نسبته : هو الشيخ بهاء الدين محمد بن الحسين بن عبد الصمد بن محمد بن علي بن الحسين بن صالح الحارثي الهمداني العاملي الجبعي. و «الحارثي الهمداني» نسبة إلى الحارث الهمداني صاحب أمير المؤمنين علي (ع) ، و «الهمدانيّ» نسبة إلى همدان ، القبيلة العربية المشهورة ، وهم حيّ من اليمن (١).

ويقول الإمام علي (ع) في هذه القبيلة (٢) [من الطويل] :

جزى الله همدان الجنان فإنّهم

سمام العدى في كلّ يوم خصام (٣)

أناس يحبّون النبيّ ورهطه

سراع إلى الهيجاء غير كهام (٤)

إذا كنت بوّابا على باب جنّة

أقول لهمدان ادخلوا بسلام

مولده ووفاته ومدفنه : أقدم مصدر لأحوال الشيخ البهائيّ هو كتاب «سلافة العصر» للسيد عليخان المدنيّ ، وهو يقول : مولده بعلبك عند غروب الشمس يوم الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجّة الحرام سنة ٩٥٣ ه‍ (٥). وهذا المؤلّف في كتابه «الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمديّة» يقول : مولده عند غروب الشمس يوم الأربعاء سابع عشر ذي الحجّة سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة ، كذا نقلته من خطّ والده (٦).

وينقل العلّامة السّيّد محسن الأمين في كتاب «أعيان الشيعة» قول بعض العلماء : أمّا القول بأنّه ولد في بعلبك فبعيد عن الصواب ، بل هو خطأ محض ... والروايات تكاد تؤيد القول بأنّه ولد في آمل الإيرانية الكائنة على طريق مازندران. ثمّ يردّ صاحب أعيان الشيعة هذا القول. (٧)

وتوفّي في إصفهان في ١٢ شوال سنة ١٠٣١ ه‍ على أرجح الأقوال (٨) ، ونقل قبل الدفن إلى مشهد الرضا (ع) ودفن هناك في داره بجانب الحضرة المقدسة الرضويّة ، وقبره هناك مشهور يزار إلى اليوم.

__________________

(١) محسن الأمين ، أعيان الشيعة ، المجلّد التاسع ، لاط ، بيروت ، دار التعارف للمطبوعات ، ١٤٠٣ ه‍ ، ص ٢٣٤.

(٢) ديوان الإمام علي (ع) ، جمعه وضبطه حسين الأعلمي ، الطبعة الأولى ، بيروت ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، ١٤١٩ ه‍. ص ١٣٠.

(٣) السمام : جمع السّم.

(٤) كهام : بطيئون لا خير فيهم.

(٥) السّيّد علي صدر الدين المدني ، سلافة العصر ، الطبعة الأولى ، مصر ، ١٣٢٤ ه‍ ق ، ص ٢٩٠.

(٦) السّيّد علي صدر الدين المدتي ، مخطوطة «الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمديّة» ص ٢. يبدو أنّ تاريخ سابع عشر غير صحيح والصحيح سابع وعشرون ، وربّما هذا التحريف من النقل أو من الكتابة.

(٧) محسن الأمين ، ١١ / ٢٣٧.

(٨) الأميني ، الغدير ، المجلد الحادي عشر ، الطبعة الرابعة ، بيروت ، دار الكتب العربي ، ١٣٩٧ ، ص ٢٨٠.

١٤

يقول تلميذه الفاضل المحدّث الورع التقيّ القدسيّ المجلسيّ : وسمع قبل وفاته بستّة أشهر صوتا من قبر بابا ركن الدين (١) (ر ض) فكنت قريبا منه ، فنظر إلينا ، وقال : سمعتم ذلك الصوت؟ فقلنا : لا ، فاشتغل بالبكاء والتضرّع والتوجّه إلى الآخرة ، وبعد المبالغة العظيمة قال : إنّه أخبرت باستعداد الموت ، وبعد ذلك بستّة أشهر تقريبا توفّي رحمه الله ، وتشرّفت بالصلاة عليه مع جميع الطلبة والفضلاء وكثير من الناس يقربون من خمسين ألفا (٢).

أقوال العلماء في حقّه : يقول العلّامة الأميني فيه : شيخ الإسلام بهاء الملّة والدين ، وأستاذ الأساتذة والمجتهدين ... والعارف البارع والمؤلّف المبدع والأديب الشاعر ، والضليع من الفنون بأسرها ، فهو أحد نوابغ الأمة الاسلامية (٣).

وقال السّيّد مصطفي التفرشي في «نقد الرجال» : جليل القدر ، عظيم المترلة ، رفيع الشأن ، كثير الحفظ ، ما رأيت بكثرة علومه ووفور فضله وعلو مرتبته أحدا في كلّ فنون الاسلام كمن كان له فن واحد ، له كتب نفيسة جيدة (٤).

وقال السّيّد على خان في السلافة : علم الأئمة الأعلام ، وسيّد علماء الإسلام ، وبحر العلم المتلاطم بالفضائل أمواجه وفحل الفضل الناتجة لديه أفراده وأزواجه ، وطود المعارف الراسخ ، وفضاءها الّذي لا تحدّ له فراسخ ، وجوادها الّذي لا يؤمل له لحاق ، وبدرها الّذي لا يعتريه محاق ، الرحلة الّتي ضربت إليها أكباد الإبل ، والقبلة الّتي فطر كلّ قلب على حبّها ، فهو علامة البشر ومجدّد دين الأئمة على رأس القرن الحادي عشر ...

فما من فنّ إلا وله فيه القدح المعلى والمورد العذب المحلي ، إن قال لم يدع قولا لقائل ، أو طال لم يأت غيره بطائل (٥). وجاء في ريحانة الأدب : شيخ الفقهاء ، أستاد الحكماء ، رئيس الأدباء ، علّامة الدهر ، فهّامة العصر ، شيخ الاسلام والمسلمين ، ... مفسّر ، رياضيّ ، حكيم متكلّم ، أديب أريب ، شاعر ماهر (٦). وهناك كثير من الأقوال في حقّ هذا العالم الجليل ، ندعها خوفا من إطالة الكلام.

__________________

(١) كان من العرفاء بأصفهان.

(٢) العلامة الخوانساري ، روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات ، الجزء السابع ، لاط ، قم ، مطبعة استوار ، ١٣٩٢ ه‍ ق ، ص ٧٨.

(٣) الغدير ، ١١ / ٢٤٦.

(٤) مصطفي التفريشي ، نقد الرجال ، الجزء الرابع ، الطبعة الأولى ، بيروت ، مؤسسة آل البيت لاحياء التراث ، ١٤١٩ ه‍ ، ص ١٨٦.

(٥) السّيّد علي صدر الدين المدني ، سلافه العصر ، ص ٢٩٠.

(٦) محمد علي مدرسي ، ريحانة الأدب ، المجلّد الثالث ، الطبعة الرابعة ، منشورات خيام ، لاتا ، ص ٣٠١.

١٥

مشايخه وأساتذته : إنّ رحلات الشيخ البهائيّ لاقتناء العلوم ردحا من عمره ، وأسفاره البعيدة إلى أصقاع العالم دون ضالّته المنشودة ، وتجوّله دهرا في المدن والأمصار وراء أمنيته الوحيدة ، واجتماعه في الحواضر الإسلامية مع أساطين الدين ، وعباقرة المذهب وأعلام الأمّة ، وأساتذة كلّ علم وفن ، ونوابغ الفواضل والفضائل ، تستدعي كثرة مشايخه في الأخذ والقراءة والرواية ، غير أنّ المذكور منهم في غضون المعاجم (١) :

١ ـ الشيخ والده المقدس الحسين بن عبد الصمد.

٢ ـ الشيخ محمد بن محمد بن أبي اللطيف المقدسي الشافعي.

٣ ـ الشيخ المولي عبد الله اليزدي المتوفى سنة ٩٨١.

٤ ـ الشيخ احمد الكجائي (٢) المعروف بپير أحمد.

تلامذته : للشيخ تلامذة كبار وشخصيات مشهورة ، حيث يلاحظ بينهم أجلّة العلماء والفضلاء منهم :

١ ـ الشيخ حسين بن على بن محمد الحرّ العاملي المتوفى ١١٠٤ ه‍.

٢ ـ الملا محسن الفيض الكاشانيّ المتوفى سنة ١٠٩١ ه‍.

٣ ـ محمد تقي المجلسي المتوفى ١٠٧٠ ه‍.

مؤلّفاته : بالرغم من أسفاره الطويلة والمناصب التنفيذيّة والأعمال العمرانية والمباني الضخمة التذكارية الّتي شيّدها في كبريات المدن ، ألّف وصنّف في العلوم المختلفة قريبا من مائة كتاب. ومن بين مؤلّفاته :

١ ـ العروة الوثقى في التفسير.

٢ ـ الجامع العباسي في الفقه.

٣ ـ رسالة فارسية في الاسطرلاب.

٤ ـ رسالة عربية في الاسطرلاب.

٥ ـ حاشية على تفسير البيضاوي.

٦ ـ حاشية على خلاصة الأقوال.

٧ ـ عين الحياة في التفسير.

٨ ـ تشريح الافلاك.

٩ ـ حلّ حروف القرآن.

١٠ ـ رسالة في المواريث.

١١ ـ حاشية على المطول.

١٢ ـ أسرار البلاغة.

١٣ ـ الكشكول.

١٤ ـ بحر الحساب.

١٥ ـ لغز النحو.

١٦ ـ خلاصة الحساب.

__________________

(١) الغدير ، ١١ / ٢٥٠.

(٢) قرية من بلاد كيلان.

١٦

١٧ ـ الفوائد الصمدية.

١٨ ـ ديوان شعره.

شعره : للشيخ البهائي شعر كثير بالعربيّة والفارسيّة ، من أشعاره الفارسيّة مثنوي نان وحلوا ، شير وشكر ، نان وپنير. ومن أشعاره في مثنوي نان وحلوا [من الرمل] :

«في التأسّف والندامة على صرف العمر فيما لا ينفع في القيامة»

قد صرفت العمر في قيل وقال

يا نديمي قم فقد ضاق المجال

واسقني تلك المدام السلسبيل

إنّها تهدي إلى خير السبيل (١)

واخلع النعلين يا هذا النديم

إنّها نار أضاءت للكليم (٢)

هاتها صهباء من خمر الجنان

دع كؤوسا واسقنيها بالدّنان (٣)

علم رسمى سربسر قيل است وقال

نه ازو كيفتي حاصل نه حال

طبع را افسردگي بخشد مدام

مولوي باور ندارد اين كلام

وه چه خوش مي گفت در راه حجاز

آنعرب شعري به آهنگ حجاز

كلّ من لم يعشق الوجه الحسن

قرّب الرحل إليه والرسن

يعني آن كس را كه نبود عشق يار

بهر او پالان وافساري بيار

گر كسي گويد كه از عمرت همين

هفت روزي مانده وآن گردد يقين

تو درين يك هفته مشغول كدام

علم خواهي گشت اي مرد تمام

فلسفه يا نحو يا طب يا نجوم

هندسه يا رمل يا اعداد شوم

علم نبود غير علم عاشقي

مابقي تلبيس ابليس شقي

علم فقه وعلم تفسير وحديث

هست از تلبيس ابليس خبيث

زان نگردد بر تو هرگز كشف راز

گر بود شاگرد تو صد فخر راز (٤)

وقوله [من الرمل] :

با دف ونى دوش آن مرد عرب

وه چه خوش مي گفت از روي طرب

أيّها القوم الّذي في المدرسة

كلّ ما حصّلتموه وسوسة

فكر كم إن كان في غير الحبيب

ما لكم في النشاءة الأخرى نصيب

فاغسلوا يا قوم عن لوح الفؤاد

كلّ علم ليس ينجي في المعاد

__________________

(١) اللغة : المدام : الخمر. السلسبيل : الشراب السهل المرور في الحلق لعذوبته. واسم عين في الجنة.

(٢) أشار إلى آية (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً) ١٢ / ٢٠.

(٣) اللغة : الصهباء : الخمر. الدنان : جمع الدن : وعاء ضخم للخمر وغيرها.

(٤) ديوان شيخ بهايي ، مقدّمة من الأستاذ سعيد نفيسي ، لاط ، نشر چگامه ، ١٣٦١ ه‍ ش ، ١٢٠.

١٧

ومن أشهر أشعاره العربية قصيدة «الفوز والأمان في مدح صاحب الزمان (عج)» في ثلاثة وستين بيتا ، منها [من الطويل] :

خليفة ربّ العالمين وظلّه

على ساكني الغبراء من كلّ ديار (١)

هو العروة الوثقى الّذي من بذيله

تمسّك لا يخشي عظائم أوزار (٢)

علوم الورى في جنب أبحر علمه

كغرفة كفّ أو كغمسة منقار (٣)

فلو زار افلاطون أعتاب قدسه

ولم يعشه منها سواطع أنوار

رأى حكمة قدسية لا يشوبها

شوائب أنظار وأدناس أفكار (٤)

إمام الورى طود النهى منبع الهدى

وصاحب سرّ الله في هذه الدار (٥)

به العالم السفلى يسمو ويعتلي

على العالم العلوى من غير إنكار

ومنه العقول العشر تبغي كمالها

وليس عليها في التعلم من عار

همام لو السبع الطباق تطابقت

على نقض ما يقضيه من حكمه الجار

لنكس من أبراجها كلّ شامخ

وسكن من أفلاكها كلّ دوار

أيا حجّة الله الّذي ليس جاريا

بغير الّذي يرضاه سابق اقدار

أغث حوزة الاسلام واعمر ربوعه

فلم يبق منها غير دارس آثار (٦)

وانقذ كتاب الله من يد عصبة

عصوا وتمادوا في عتوّ وإصرار

وأنعش قلوبا في انتظارك قرّحت

واضجرها الأعداء أية إضجار

وخلّص عباد الله من كلّ غاشم

وطهّر بلاد الله من كلّ كفار

وعجّل فداك العالمون بأسرهم

وبادر على اسم الله من غير إنظار (٧)

__________________

(١) اللغة : الغبراء : الأرض.

(٢) اللغة : العروة : ما يستمسك به ويعتصم. الّذيل : أسفل الثوب. الأوزار : جمع الوزر : الذنب.

(٣) اللغة : الغمسة : المرّة من غمس الشيء في الماء : غمره به.

(٤) اللغة : الأدناس : جمع الدنس : الوسخ.

(٥) اللغة : الورى : الخلق ، الطود : الجبل العظيم.

(٦) اللغة : غث : أمر من أغاثه بمعني أعانه.

(٧) القصيدة موجودة في أعيان الشيعة ٩ / ٢٤٥ و ٢٤٦.

١٨

ترجمة الشارح

نسبه الشريف ، ولادته ونشأته : هو السّيّد علي خان صدر الدين المدنيّ الشيرازيّ المعروف بابن معصوم ، من أولاد زيد بن الإمام السّجاد زين العابدين علي بن الحسين بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السّلام (١).

ولد رحمه الله ليلة السبت الخامس عشر من جمادي الأولى سنة ١٠٥٢ ه‍ في المدينة المنوّرة ، ولذا لقّب بالمدنيّ ، ونشأ وترعرع فترة طفولته وصباه فيها وبجوار مكّة المكرمة. وقد سافر أبوه الفاضل الأديب السّيّد نظام الدين أحمد إلى حيدرآباد في الهند بطلب من السلطان عبد الله قطب الدين شاه حيث زوّجه ابنته ، وبقي السّيّد ابن المعصوم في أحضان والدته (٢).

واشتغل بالعلم إلى أن هاجر إلى حيدرآباد سنة ١٠٦٨ ه‍ ، وشرع بها في تإليف سلافة العصر سنة ١٠٨١ ه‍ ، وأقام بالهند ثماني وأربعين سنة. وكان في حضانة والده الطاهر إلى أن توفّي أبوه سنه ١٠٨٦ ه‍ ، فانتقل إلى برهان پور عند السلطان أورنك زيب ، وجعله رئيسا على ألف وثلاثمائة فارس ، وأعطاه لقب خان (٣).

إنّ السّيّد المدنيّ في حيدرآباد اغترف العلم ، خاصّة من روّاد مجلس أبيه الّذي كان منتدي يلتقي فيه العلماء والأدباء ، وخلال هذه الفترة ألّف كتاب «الحدائق النديّة» في شرح الصمديّة (٤).

وفي سنة ١١١٦ ه‍ طلب من السلطان إعفاءه والسماح له مع عائلته بزيارة الحرمين الشريفين ، فأذن له ، فغادر الهند ... وتوجّه إلى مكّة المكرّمة ، فأدّي مناسك الحجّ ... ثمّ قصد المدينة المنوّرة ، فتشرّف بزيارة قبر النبيّ الأكرم (ص) وقبور أئمة البقيع (ع) ، ثمّ عرج على العراق فحظي بزيارة العتبات المقدّسة في النجف وكربلاء والكاظمية وسامرّا (٥).

وزار مشهد الرضا (ع) وورد إصفهان في عهد السلطان حسين سنة ١١١٧ ه‍ ، وأقام بها سنتين ، ثمّ عاد إلى شيراز ، وحطّ بها عصى السير زعيما مدرّسا مفيدا (٦).

__________________

(١) الغدير ، ١١ / ٣٤٧.

(٢) السّيّد عليخان المدني ، رياض السالكين ، المجلّد الأوّل ، الطبعة الرابعة ، قم ، مؤسسة النشر الإسلامي ، ١٤١٥ ه‍ ق ، ص ٧.

(٣) الغدير ، ١١ / ٣٤٩.

(٤) رياض السالكين ، ١ / ٨.

(٥) المصدر السابق ، ص ١٠ و ١١.

(٦) الغدير ، ١١ / ٣٤٩.

١٩

وفاته : توفّي السّيّد علي خان سنة ١١٢٠ ه‍ على أرجح الروايات في شيراز ، ودفن بحرم السّيّد أحمد بن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) الملقّب بالشاه چراغ عند جدّه غياث الدين بن منصور صاحب المدرسة المنصوريّة (١).

أقوال العلماء فيه : قال العلّامة الشيخ عبد الحسين الأمينيّ صاحب الغدير : من أسرة كريمة طنّب (٢) سرادقها (٣) بالعلم والشرف والسؤدد ، ومن شجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، تؤتي أكلها كلّ حين ، إعترقت (٤) شجونها (٥) في أقطار الدنيا من الحجاز إلى العراق إلى إيران ، وهي مثمرة يانعة حتي اليوم (٦).

وشاعرنا صدر الدين من ذخائر الدهر ، وحسنات العالم كلّه ، وعباقرة الدنيا ، والعلم الهادي لكلّ فضيلة ، يحقّ للأمّة جمعاء أن تتباهي بمثله ، ويخصّ الشيعة الابتهاج بفضله الباهر ، وسؤدده الطاهر ، وشرفه المعلى ، ومجده الأثيل (٧).

وقال صاحب خلاصة الأثر ، العالم الفاضل المحبي في كتابه نفحة الريحانة : أقول فيه : إنّه أبرع من أظلّته الخضراء ، وأقلّته الغبراء (٨) ، وإذا أردت علاوة في الوصف قلت : هو الغاية القصوي والآية الكبري ، طلع بدر سعده فنسخ الأهلّة ، وأنهل سحاب فضله ، فأخجل السحب المنهلة (٩).

وقال العلّامة ميرزا محمد على مدرّسي بعد عبارات الثناء والإطراء : كلّ كتاب من تإليفاته الظريفة برهان قاطع وشاهد ساطع على علوّ درجاته العلمية ، وحدّة ذهنه ودقته وفطانته (١٠).

مؤلفاته : ١ ـ سلافة العصر : ترجم فيها لأدباء القرن الحادي عشر. فرغ منه سنة ١٠٨٢ ه‍. ٢ ـ سلوة الغريب وأسوة الأديب : وهي رحلته إلى حيدرآباد في الهند ، سنة ١٠٦٦ ه‍. ٣ ـ الدرجات الرفيعة في طبقات الإمامية من الشيعة. ٤ ـ أنوار الربيع في

__________________

(١) المصدر السابق ، ص ٣٤٩. والسّيّد علي خان الشيرازيّ ، الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة ، الطبعة الثانية ، بيروت ، مؤسسة الوفاء ، ١٤٠٣ ه‍ ، ص ١٥.

(٢) طنّب : جعل له أطنابا وشدّه بها.

(٣) السرادق : كل ما أحاط بشيء من حائط أو مضرب.

(٤) اعترقت : امتدت في الارض.

(٥) الشجون : ج الشّجن وهو الغصن المشتبك.

(٦) الغدير ، ١١ / ٣٤٧.

(٧) المصدر السابق ص ٣٤٧.

(٨) الخضراء : السماء. الغبراء : الأرض.

(٩) محسن الامين ، أعيان الشيعة ، ٨ / ١٥٢.

(١٠) محمد علي مدرسي ، ٢ / ٩٢.

٢٠

أنواع البديع : فرغ من تأليفه سنة ١٠٩٣ ه‍. وهو شرح لبديعيته ١٤٧ بيتا ، نظمها في اثنتي عشر ليلة. ٥ ـ الكلم الطيّب والغيث الصيّب في الأدعية المأثورة عن النبي (ص) وأهل البيت (ع). ٦ ـ رياض السالكين في شرح صحيفة سيّد الساجدين. ٧ ـ الحدائق النديّة في شرح الصمديّة : فرغ من تأليفه سنة ١٠٧٩ ه‍. قال عنه السّيّد محسن الأمين : وهو شرح لم يعمل مثله في علم النحو ، نقل فيه أقوال جميع النحاة من كتب كثيرة (١). ٨ ـ شرحان أيضا على الصمدية : المتوسط والصغير. ٩ ـ موضّح الرشاد في شرح الإرشاد : كتاب في النحو. ١٠ ـ رسالة في أغلاط الفيروزآبادي في القاموس. ١١ ـ الزهرة في النحو. ١٢ ـ نغمة الأغان في عشرة الإخوان. ١٣ ـ الطراز في اللغة. ١٤ ـ ديوان شعره.

شعره : قد جاء في مقدّمة كتاب «الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة» أن للسّيّد على خان ديوان شعر ، وهو مخطوط توجد منه في بعض خزائن الكتب في النجف الأشرف وغيرها ، وبعضها بخطّه الشريف ، وهو حافل بغرر الشعر بأنواعه العديدة ، منه قصيدة في مدح الإمام أمير المؤمنين (ع) (٢) [من الوافر] :

أمير المؤمنين فدتك نفسي

لنا من شأنك العجب العجاب

تولّاك الأولى سعدوا ففازوا

وناواك الّذين شقوا فخابوا

ولو علم الورى ما أنت أضحوا

لوجهك ساجدين ولم يحابوا

فلو لا أنت لم يخلق سماء

ولو لا أنت لم يخلق تراب

وفيك وفي ولائك يوم حشر

يعاقب من يعاقب أو يثاب

ومن غرر شعره أيضا قوله يمدح به الإمام أمير المؤمنين (ع) ، لّما ورد إلى النجف الأشرف مع جمع من حجّاج بيت الله الحرام [من السريع] :

يا صاح هذا المشهد الأقدس

قرّت به الأعين والأنفس

والنجف الأشرف بانت لنا

أعلامه والمعهد الأنفس

حضرة قدس لم ينل فضلها

لا المسجد الأقصي ولا المقدس

تودّ لو كانت حصى أرضها

شهب الدجى والكنّس الخنس (٣)

__________________

(١) أعيان الشيعة ، ٨ / ١٥٢.

(٢) السّيّد علي خان ، الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة ، ص ٨.

(٣) اللغة : الشهب : جمع الشهاب ، الدّجي : سواد الليل وظلمته ، الكنّس : الكواكب السيارة ، أو هي النجوم كلّها ، الخنس : الكواكب السيارة دون الثابتة.

٢١

أقسم بالله وآياته

إلية تنجي ولا تغمس (١)

أنّ على بن أبي طالب

منار دين الله لا يطمس

لولاه لم تخلق سماء ولا

أرض ولا نعمى ولا أبؤس

ولا عفا الرحمن عن آدم

ولا نجا من حوته يونس

هذا أمير المؤمنين الّذي

شرائع الله به تحرس

وحجة الله الّتي نورها

كالصبح لا يخفي ولا يبلس (٢)

صلّى عليك الله من سيّد

مولاه في الدارين لا يوكس (٣)

__________________

(١) اللغة : الإلية : اليمين.

(٢) اللغة : لا يبلس : لا ينقطع.

(٣) اللغة : لا يوكس : لا يخسر ، والقصيدة في الغدير ، ١١ / ٣٥٠.

٢٢

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الشارح

الحمد لله الصّمد بما له من المحامد الأبديّة ، والشّكر له على آمال توجّهت نحوه ، فصرفها بالفوائد الصمديّة ، أحمده حمد من نزه شأنه العلى عن الأشباه والنّظائر ، ففاز بتسهيل الفوائد وتكميل المقاصد في جميع الموارد والمصادر. وأشكره شكر من أيقن بأنّه العالم بما في الصّدور والضّمائر ، فحاز بذلك من الألطاف الكافية الشافية ما أشرق به الباطن والظاهر ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ، لا شريك له ، المتقدّس بذاته ، تمّت كلماته صدقا وعدلا ، لا مبدّل لكلماته ، سبحانه والفاعل لما يشاء ، لا مضادّ له في فعله ، عمّ الأنام كرما وجودا ، فكلّت جمل الكلام عن أن تقوم بوصف مفرد فضله ، تترّهت ذاته العلية عن سمات الحدوث في أوان ، فجلّت أن يحوط بها ظرف زمان أو ظرف مكان.

وأشهد أنّ سيدنا محمّدا عبده ورسوله ، المبعوث من خلاصة العرب ، الممدود بعباب (١) الكرم ، المقصور عليه لباب (٢) الظّفر بنجح الأرب (٣) ، المنعوت بأحسن الأسماء وأشرف الألقاب ، الموصوف فى كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه بفصل الخطاب ، وأصلّى وأسلّم عليه وعلى آله الّذين بضوء أنوارهم بهاء الدين ، وانتصب برفعهم وخفض أعدائهم أعلام الحقّ واليقين ، الهادين بأمرهم ونهيهم إلى أوضح المسالك ، المالكين أزمّة الفضل ، فما منهم إلا مالك لها وابن مالك ، منبع الفتوّة والهداية ، وبيت النبوّة والولاية (٤) على أصحابه الأكرمين أرباب النخوة (٥) المقتفين آثاره الناجين نحوه صلوة وسلاما ، أرجو بهما السّعادة الوافرة ، وأنال بهما جميل الذكر في الدنيا وجزيل الأجر في الآخرة (٦).

__________________

(١) العباب : أوّل الشئ وعباب الكرم أصله.

(٢) واللباب : خالص كلّ شئ.

(٣) الأرب : الحاجة.

(٤) عبارة «الى أوضح المسالك ... الولاية» سقطت في «س».

(٥) في بقية النسخ : التواضع والنخوة. والنخوة : الحماسة والمروءة والعظمة والتكبّر.

(٦) لقد بدأ الشارح مقدّمته ببراعة الاستهلال ، وأشار إلى بعض الكتب النحويّة والصرفيّة «الأشباه والنظائر» للسيوطيّ و «تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد» لابن مالك و «أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك» لابن هشام و «الكافية في النحو والشافية في الصرف» لابن حاجب ، وإلى بعض المباحث النحويّة مثل الضمائر والفاعل والفعل والجمل والوصف وظرف الزمان وظرف المكان والنصب والخفض والرفع ، وإلى عدد من العلماء النّحويّين مثل بهاء الدين (الشيخ البهائي) وابن مالك.

٢٣

التعريف بالمؤلّف والكتاب : أمّا بعد ، فيقول الفقير إلى ربّه الغنىّ المغنىّ ، عليّ صدر الدين المدنىّ بن أحمد نظام الدين الحسينىّ الحسنىّ ، أنالهما الله بكرمه من فضله السنىّ (١) غير خائف : إنّ علم العربية من أهمّ ما تصرف إليه الهمم العلية ، إذ هو المرقاة (٢) إلى فهم كتاب الله العظيم ، والوسيلة إلى معرفة حديث نبيه الكريم [ص] ، وهما الذريعة إلى السعادة الأبديّة ، والتخلّص من الشقاوة السرمدية ، ولا جرم أنّه لا يحصى ما فيه للسلف والخلف من مصنّف ومؤلّف.

وإنّ من أحسن ما صنّف فيه المختصر المسمّى بالفوائد الصمدية ، صنّفه شيخنا الإمام العلامة والهمام (٣) القدوة الفهّامة ، سيد العلماء المحقّقين ، سند العظماء المدقّقين ، نادرة دهره وزمانه ، باقعة (٤) عصره وأوانه (٥) ، ملاذ (٦) المجتهدين وشرفهم ، بحر أولى اليقين ومغترفهم ، شيخنا بهاء الدين محمد العامليّ ، سقي الله ثراه ، وجعل بحبوبة الفردوس مثواه (٧). فإنّه كتاب منفرد في بابه ، قد انطوى من هذا العلم على لبّ لبابه ، اشتمل على مفرداته وجمله وقواعده وضوابطه ، ومثله ما دخل إليه أحد من باب الاشتغال رائد ، إلا وكان عليه بفرائد الفوائد عائد ، لكنّه ربّما احتاج في بعض المباحث إلى توضيح العبارة ، وتصريح ما أومي إليه ببديع الإشارة ، ولم يقع له مع ذلك شرح يبذل مصونه ، ويبرز من خباياه (٨) مكنونه.

فاستخرت الله تعالى ، وشرحته شرحا يكشف رموزه ، ويظهر من مطاويه (٩) كنوزه ، ويرفع حجابه ، ويعقل شوارده (١٠) ، ويذلّل صعابه ، مع فوائد ألحقتها وفرائد في سلك الإفادة نظمتها ، فجاء بحمد الله سبحانه وافيا بالمراد ، منهلا (١١) صافيا للرّواد والورّاد ومنطويا على درر الفوائد ، محتويا على غرر الفرائد ، وسمّيته بالحدائق الندية في شرح الفواعد الصمدية ، ومزجت عبارتى بعبارته ، وقرنت صريح كلامى بخفىّ إشارته ، فاعتدل بتوفيق الله [تعالى] مزاجهما ، واستبان بنور التّأييد منهاجهما ، وعمدتى

__________________

(١) السنيّ : الرفيع.

(٢) المرقاة : وسيلة الرّقيّ أو ألته.

(٣) الهمام : السّيّد الشجاع السخيّ من الرجال.

(٤) الباقعة : الداهية ، الحذر ، ذو حيلة وبصيرة بالأمور.

(٥) الأوان : الحين.

(٦) الملاذ : الملجأ والحصن.

(٧) المثوي : المترل

(٨) الخبايا : جمع الخبيئة وهو ما عمّي من شئ ثم سئل عنه.

(٩) المطاوي : جمع المطوي ، داخل الشئ.

(١٠) الشوارد : جمع الشارد أي الغريب والنادر.

(١١) المنهل : المورد ، أي الموضع الّذي فيه المشرب.

٢٤

في النقل فيه على الكتب المعتبرة ، كما يصدّق إن شاء الله تعالى خبره خبره ، والله الهادى إلى الصّواب ، وإليه سبحانه المرجع والمآب.

ولنقدّم أمام المقصد كلاما مختصرا يتعلّق بترجمة المصنّف (ره) فنقول : هو الإمام الفاضل المحقّق النحرير (١) المحدّث الفقيه المجتهد النحويّ الكبير ، مالك أزمّة الفضائل والعلوم ، محرز قصبات السّبق (٢) في حلبتى (٣) المنطوق والمفهوم ، شيخ العلم وحامل لوائه ، بدر الفضل وكوكب سمائه ، أبو الفضائل بهاء الدين محمد بن الشّيخ عزّ الدين حسين بن الشّيخ عبد الصّمد بن الشيخ الإمام شمس الدين محمّد بن على بن حسين بن محمد بن صالح الجبعيّ العامليّ الحارثيّ الهمدانيّ. مولده عند غروب الشمس يوم الأربعاء سابع عشر ذى الحجّة الحرام سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة ، كذا نقلته من خطّ والده.

كان ذا فضل زاهر وأدب باهر ، ملك للعلوم فيادا (٤). وأعمل فيها رواسم (٥) وجيادا (٦) ، خبّ (٧) فى المعانى ، ووضع ورفع ما شاء ، ووضع فأصبح ، وهو المختلف إليه ، والمتّفق عليه ، حجّته قاطعة ، وبهجته ساطعة ، به يهتدي السارون ، ومنه يحتدي الممتارون (٨) ، لم يكن في زمانه من يجاريه ، ولا يباريه ، بل لا يقاربه ولا يدانيه ، إليه ترجع الأقوال إذا تصعّبت ، وعليه تجتمع الآراء إذا تشعّبت ، فلله هو من إمام ألبست كتابى بذكره تاجا ، وأوضحت له من سبيل اليمن منهاجا ، فأصبح بإكليل (٩) إليها مكلّلا ، وبسماء الفخار مظلّلا ، وناهيك ببهاء الدّين من بهاء ، منه مبدأ الفضل ، وإليه المنتهى.

وكان قد سلك في أوائل عمره نهج السّياحة ، واتّخذ الفقر درعه وسلاحه ، فطوى الأرض ، وذرع منها الطول والعرض ، فكان مدّة سياحته ثلاثين سنة ، لا يلذّ بنوم ، ولا تطيب له سنة إلى أن أقام ببلاد العجم ، تابعا لسلطانها راقيا من المكانة أرفع مكانها ، فغالت (١٠) تلك الدولة في قيمته ، وغالبت في نشر لطيمته (١١) ، فرسا (١٢) بها رسو ثبير (١٣) ، و

__________________

(١) النحرير : العالم الحاذق في عمله (ج) النحارير.

(٢) أحرز قصب السبق : أصله أنهم كانوا ينصبون في حلبة السباق قصبة فمن سبق اقتلعها ، وأخذها ليعلم أنّه السابق.

(٣) الحلبة : ميدان السباق.

(٤) الفيّاد : المتبختر.

(٥) الرواسم : جمع الراسمة بمعني المسرعات في سيرهنّ ، مأخوذ من الرسيم ، وهو ضرب من سير الإبل السريع.

(٦) الجياد : جمع الجواد : النحيب من الخيل.

(٧) خبّ في الأمر : أسرع فيه.

(٨) منه يحتدي الممتارون : تبعه الّذين يجمعون الطعام لأهلهم أو لأنفسهم.

(٩) الإلكيل : التاج.

(١٠) غال في قيمته : بالغ فيها.

(١١) اللطيمة : وعاء المسك.

(١٢) رسا : ثبت.

(١٣) الثبير : جبل بمكّة.

٢٥

ازدحم عليه الصغير والكبير ، فأينعت (١) رياض أصبهان بغوادى (٢) فضله وروائحه ، وطابت بلاد فارس بغوالى (٣) أدبه وروائحه ، وهناك ظهرت فضائله ، وتحقّقت لراجيه مخائله (٤) ، فاض بدرا ، وفاض بحرا ، وصنّف التصانيف الظاهرة ، وألّف التآليف الباهرة ، فأحيا بها من الفضل عافيا ، وأبدى بها من العلم خافيا ، ولم يزل مع ذلك مشوش البال ، كثير الهمّ والبلبال (٥) ، آنفا (٦) من الانحياش (٧) إلى السلطان ، مؤثّرا للغربة على الاستيطان ، يؤمّل العود إلى السياحة ، ويرجو الإقلاع عن تلك الساحة ، رغبة عن دار الفناء في دار البقاء ، فلم يقدر له حتى حواه رمسه (٨) ، وطواه عن غده أمسه ، فعطّلت له المدارس ، وأصبحت ربوع (٩) الفضل ، وهى دوراس (١٠) ، فـ (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) [البقرة / ١٥٦].

وحكى لي بعض أجلاء الأصحاب أنّ الشيخ (ره) قصد زيارة المقابر قبل وفاته بأيام قلائل في جمع من أصحابه ، فما استقرّ بهم الجلوس حتّى قال لهم الشيخ : أسمعتم ما سمعته؟ قالوا ما سمعنا شيئا ، وسألوه عمّا سمعه؟ فلم يجبهم ، ورجع إلى داره ، فأغلق بابه ، فلم يلبث أن أهاب به (١١) داعي الرّدى ، فأجابه ، وانتقل من دار الفناء إلى دار البقاء ، ومن محلّ الحجبة إلى محلّ اللقاء ، ولم يخبر أحدا بما سمعه.

وكانت وفاته ثاني عشر شوال سنة إحدى وثلاثين وألف بأصبهان ، ونقل قبل دفنه إلى طوس ، فدفن بها في داره قريبا من الحضرة الرضوية ، على صاحبها أفصل الصلاة والسّلام والتّحية ، والجبعيّ بضمّ الجيم وفتح الباء الموحدة فعين مهملة مكسورة نسبة إلى جبع ، وهى قرية من قرى جبل عاملة ، والعامليّ بفتح العين المهملة ، وبعدها ألف وميم مكسورة ، نسبة إلى جبل عاملة ، قطر (١٢) بأرض الشام إلى جهة الجنوب من أعمال مدينة صفد (١٣) باعتبار إقامته بها مدّة ، وإلا فمولده بعلبك (١٤) على ما سمع منه ، وعاملة

__________________

(١) أينع : طاب وحان قطافه.

(٢) الغوادي : جمع الغادية : السحابة تنشأ وتمطر غدوة ، وتقابلها الروائح جمع الرائحة.

(٣) الغوالي : جمع الغالية : أخلاط من الطيب كالمسك والعنبر.

(٤) المخائل : جمع مخيلة وهي السحابة الّتي تخالها ماطرة لرعدها وبرقها.

(٥) البلبال : شدّة الهمّ والوسواس ج بلابل وبلابيل.

(٦) آنفا : من أنف ـ بمعني استكف واستكبر.

(٧) الانحياش : الاجتماع.

(٨) الرمس : القبر.

(٩) الربوع : جمع الربع بمعني الدار.

(١٠) دوارس : جمع الدارس بمعني العافي والذاهب أثره.

(١١) أهاب به : دعاه للعمل أو لتركه.

(١٢) القطر : الناحية (ج) اقطار.

(١٣) صفد : مدينة في فلسطين بالجليل الأعلى شرقىّ عكّا.

(١٤) مدينة لبنانية وموقع أثرى من آثارها هيكل باخس والأعمدة الستة.

٢٦

أحد أولاد سبأ أقام بهذا القطر برهة ، فنسب إليه ، والحارثيّ نسبة إلى أبى زهير الحارث بن عبد الله الأعور الهمدانيّ ، لكون نسب المصنّف ينتهي إليه ، كان من أصحاب أمير المؤمنين علي (ع).

قال ابن أبى داود (١) كان من أفقه الناس وأفرضهم ، تعلّم الفرائض من علي (ع) ، مات سنة خمس وستين من الهجرة ، والهمدانيّ نسبة إلى همدان ، بسكون الميم ، قبيلة من اليمن ، ومن تصانيفه : التفسير المسمّى بالعروة الوثقى ، والتفسير المسمّى بعين الحياة والحبل المتين ومشرق الشمسين وشرح الاربعين والجامع العباسي الفارسي ومفتاح الفلاح والزبدة فى الأصول والرسالة الهلالية والأثنى عشريات الخمس ، وأجودهنّ الصلاتية ، ثمّ الصّومية وخلاصة الحساب والمخلاة والكشكول وتشريح الأفلاك والرسالة الأسطرلابية وحواشي الكشّاف وحاشيته على البيضاويّ وحاشيته على خلاصة الرجال ودراية الحديث والفوائد الصّمدية في علم العربية والتهذيب في النحو وحاشية الفقيه ، وله غير ذلك من الرسائل المختصرة ، والفوائد المحرّرة (ره) والله سبحانه أعلم ، وهذا أوان الشروع في المقصود واطلاع الشرح في أفق الوجود وسماء السعود (٢). إن شاء الله تعالى.

ص : بسم الله الرحمن الرحيم

أحسن كلمة يبتدأ بها الكلام ، وخير خبر يختتم به المرام ، حمدك اللهمّ على جزيل الإنعام والصّلاة والسّلام على سيّد الأنام محمّد وآله البررة الكرام ، سيّما ابن عمّه علي عليه السّلام ، الّذي نصبه علما للاسلام ، ورفعه لكسر الأصنام ، جازم أعناق النّواصب الّلئام ، وواضح علم النحو لحفظ الكلام.

الكلام على اسم الجلالة وكلمة التوحيد والرحمن الرحيم : ش : قال شيخنا ومولانا المصنّف : ـ روّح الله تعالى روحه ونوّر ضريحه ـ «بسم» الباء إمّا للإستعانة أو المصاحبة ، وقد ترجّح الأولى بإشعارها بكون ذكر الاسم الكريم عند ابتداء الفعل وسيلة إلى وقوعه على الوجه الأكمل الأتمّ ، حتّى كأنّه لا يتأتّى ولا يوجد بدون التبرّك بذكره والمصاحبة عرية عن ذلك الإشعار ، وأمّا متعلّق الباء فمقدّر خاصّ أو عامّ ، فعل أو

__________________

(١) أحمد بن داود بن جرير بن مالك الأيادي ، أحد القضاة المشهورين من المعتزلة ، ورأس فتنة القول بخلق القرآن. خير الدين الزركلي ، الأعلام ، ج ١ ، الطبعة الثالثة ، ١٩٦٩ م ، ص ١٢٠.

(٢) هذه الفقرة سقطت في «س».

٢٧

اسم ، مؤخّر أو مقدّم ، وأولى هذه الثمانية أوّلها ، أعني الخاصّ الفعليّ المؤخّر ، إذ العام كمطلق الابتداء ، يوهم بظاهره قصر الاستعانة على ابتداء الفعل ، فيفوت شمولها لجملته ، والخاصّ الاسميّ كقرائتي مثلا يوجب زيادة تقدير بإضمار خبره ، إذ تعلّق الظرف به يمنع جعله خبرا عنه ، والمقدّم ك اقرأ بسم الله ى فوت معه قصر الاستعانة على اسمه جلّ وعلا.

قال المصنّف (ره) في المفتاح : وكسرت الباء لاختصاصها بلزوم الجرّ والحرفية (١) ، والاسم لغة علامة الشىء ، وفيه عشر لغات ، وسيأتي معناه اصطلاحا ، وهو عند البصريّن من الأسماء العشرة الّتى حذفت أعجازها ، وأسكنت أوائلها ، وأدخل عليها مبتدأ بها همزة الوصل ، لأنّ من دأبهم أن يبتدئوا بمتحرّك ، ويقفوا على ساكن ، واشتقاقه من السّمّو ، وهو الارتفاع ، ومن السمة عند الكوفيّن ، وهى العلامة ، وأصله وسم ، حذفت الواو ، وعوّضت عنها همزة الوصل ليقلّ إعلاله (٢).

قال الزجاج (٣) : هذا غلط ، لأنّا لا نعرف شيئا دخلت عليه ألف الوصل فيما حذفت فاء فعله نحو : عدة وزنة ، فلو كان من الوسم ، كان تصغيره وسيما ، كما أنّ تصغير عدة وعيد. وحذفت الألف لكثرة الاستعمال وطوّلت الباء عوضا عنها ، ولا تحذف في غير ذلك ك باسم ربّك ، أو ل اسم الله.

قال ابن درستويه (٤) : لا يقاس خطّ المصحّف والعروض ، الله أصله إله ، حذفت الهمزة ، وعوّض منها حرف التعريف ، ثمّ جعل علما للذات المقدّسة الجامعة لصفات

__________________

(١) قال الزمخشريّ : فإن قلت : من حقّ حروف المعاني الّتي جاءت علي حرف واحد أن تبنى علي الفتحة الّتي هي أخت السكون ، نحو كاف التشبيه ولام الابتداء وواو العطف وفائه وغير ذلك ، فما بال لام الإضافة وبائها بنيتا على الكسر؟ قلت : أمّا اللام فللفصل بينها وبين لام الابتداء ، وأمّا الباء فلكونها لازمة للحرفيّة والجرّ. أبو القاسم جار الله الزمخشريّ ، الكشّاف ، بيروت ، دار الكتاب العربي ، لاط ، ١٤٠٧ ه‍ ق ، ١ / ٤.

(٢) قال الشارح : الاسم لغة علامة الشيء. وإن كان كذا فهو قبل مذهب الكوفيّين الّذين يذهبون إلى أنّ الاسم مشتقّ من الوسم وهو العلامة. ولكن هذا وإن كان صحيحا من جهة المعنى إلا أنّه فاسد من جهة اللفظ ، وهذه الصناعة لفظيّة ، فلا بدّ فيها من مراعاة اللفظ ، ووجه فساده من جهة اللفظ : أوّلا : إنّ الهمزة في أوّله همزة التعويض ، وهمزة التعويض إنّما تقع تعويضا عن حذف اللام ، لا عن حذف الفاء ، فهو مشتقّ من السّمو لا من الوسم ، ثانيا : تصغيره «سميّ» ولو كان مشتقّا من الوسم لكان تصغيره «وسيم» كما يجب أن تقول في تصغير عدة وعيدة ، لأن التصغير يردّ الأشياء إلى أصولها. ثالثا : جمع تكسيره «أسماء» ولو كان مشتقّا من الوسم لوجب أن تقول : أواسم ، وأواسيم. راجع : الأنباري ، الانصاف في مسائل الخلاف ، ج ١ ، بيروت ، المكتبة العصريّة ، لاط ، ١٤١٩ ه‍ ، ص ٦ إلى ١٦.

(٣) إبراهيم بن السري أبو إسحاق الزجاج ، عالم بالنحو واللغة ، من أهل بغداد ، تعلّم على المبرّد ، له : معانى القرآن ، فعلت وأفعلت ، شرح أبيات سيبويه و... جلال الدين عبد الرحمن السيوطي ، بغية الوعاة ، ج ١ ، المكتبة العصرية بيروت ، دون التاريخ ، ص ٤٢٣.

(٤) أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه بن المرزبان الفارسيّ الفسويّ ، محدث وأديب ولغويّ ونحويّ ، ولد في فسا بأقليم فارس (٢٥٨ / ٣٤٧ ه‍). ابن الخراساني وابن الكثير ، دائرة المعارف الإسلامية الكبرى ، ج ٣ ، مركز دائرة المعارف الإسلامية الكبرى ، طهران ١٣٧٧ ش ، ص ٧٨.

٢٨

الكمال ، وزعم بعضهم أنّه اسم جنس موضوع لمفهوم الواجب الوجود لذاته أو المستحقّ للعبودية ، وكلّ منهما كلّيّ انحصر في فرد.

قال العلامة التفتازانيّ (١) في شرح التلخيص : لو كان الأمر على ما زعم ، لما أفاد قولنا ـ لا إله إلا الله ـ التوحيد ، لأنّ المفهوم من حيث هو محتمل للكثرة ، ولا نزاع في أنّ هذه الجملة كلمة توحيد ، وأيضا فالمراد بالإله في هذه الكلمة أمّا المعبود بحقّ ، فيلزم استثناء الشيء من نفسه أو مطلق المعبود ، فيلزم الكذب لكثرة المعبودات الباطلة ، فيجب أن يكون الإله بمعنى المعبود بحقّ ، والله علما للفرد الموجود منه ، والمعنى لا مستحقّ للعبوديّة في الوجود أو لا موجود واجب إلا الفرد الّذى هو خالق العالم ، انتهى.

لكن قال عصام الدين (٢) في شرحه على التلخيص : ـ وفيه بحث ـ لأنّ الله إذا كان علما للفرد الموجود منه ، لم يكن حاصلا في عقولنا إلا بمفهوم الواجب لذاته والمتّصف به محتمل لمتعدّد كالإله بحقّ ، فلا يحصل باستثنائه اثبات ما هو المطلوب بالاستثناء على وجه يوجب التوحيد ، وأيضا لما انحصر الإله بحقّ فيه ، كان استثناؤه إخراج جميع ما تحت المستثنى منه ، فمناط التوحيد على نفى وجود ما يتوهّم معبودا بالحقّ ، وإثبات ما هو المستحقّ للعبوديّة في الواقع أو الواجب لذاته ، وهو يكفي لانحصاره في ذات واحدة ، فالمعنى لا إله يجوّز العقل كونه معبودا بالحقّ إلا الواجب لذاته في الواقع ، ولا يتفاوت في ذلك كون الله بمعنى الواجب لذاته ، أو بمعنى شخص معين ملحوظ بمفهوم الواجب لذاته ، نعم كونه بمعنى الشخص أنسب بمقام التوحيد كما لا يخفى ، انتهى ، وهو حسن.

«الرّحمن الرحيم» صفتان مشبّهتان من رحم بالكسر ، بعد نقله إلى رحم بالضّمّ ، أو بعد تتريل المتعدّي مترلة اللازم ، كما في قولهم فلان يعطي ، لأنّ الصفة المشبهة لا تصاغ من متعدّ. والرحمة رقة وانعطاف ، تقتضي التفضّل ، وأسماؤه تعالى إنّما تطلق باعتبار الغايات دون المبادى ، فالمراد هنا التفضّل أو إرادته ، والرّحمن أبلغ من الرّحيم جريا على القاعدة المشهورة من أنّ زيادة المبنى تدلّ على زيادة المعنى ، وذلك أنّ الأوّل يدلّ على جلائل النعم ، والثانى على دقائقها ، وهما مجروران على الوصفيّة من باب تعدّد

__________________

(١) مسعود بن عمر سعد الدين التفتازانيّ ، عالم بالنحو والتصريف والمعاني والبيان ، له : تهذيب المنطق ، المطول في البلاغة ، شرح التلخيص. مات سنة ٧٩١ ق. بغية الوعاة ٢ / ٢٨٥.

(٢) العلّامة الفاضل المحقق عصام الدين إبراهيم بن عربشاه الإسفرايني المتوفي سنة ٩٤٥ ه‍ ، وهو من الّذين شرح تلخيص المفتاح في المعاني والبيان للشيخ جلال الدين القزويني ، وشرحه ممزوج عظيم يقال له الأطول.

حاجي خليفة ، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون ، المجلّد الأوّل ، بيروت ، دار إحياء التراث العربي ، لاط ، لات ، ص ٤٧٧.

٢٩

الأوصاف على المشهور ، ويجوز على ذلك من حيث الصناعة قطعهما مرفوعين ومنصوبين وبالتفريق (١).

قال ابن جنىّ (٢) في الخصائص : وما أحسنه هاهنا ، ذلك أنّ الله تعالى إذا وصف ، فليس الغرض من ذلك تعريفه بما يتبعه من صفته ، لأنّ هذا الاسم لا يتعرّض شكّ فيه ، فيحتاج إلى وصف لتلخيصه ، لأنّه الاسم الذى لا يشارك فيه على وجه ، وبقيّة أسمائه جلّ وعلا كالأوصاف التابعة للاسم ، وإذا لم يعترّض شكّ فيه ، لم تجئ صفته لتلخيصه ، بل للثناء على الله تعالى ، وإذا كان ثناء ، فالعدول عن إعراب الأوّل أولى به ، وذلك أنّ اتباعه إعرابه جار في اللفظ مجرى ما يتبع للتلخيص والتخصيص ، فإذا هو عدل عن إعرابه علم أنّه للمدح أو للذمّ فى غير هذا عن الله تعالى ، فلم يبق هنا إلا المدح ، فلذلك قويّ عندنا اختلاف الإعراب بتلك الأوجه التّى ذكرناها ، انتهى.

وذهب الأعلم (٣) وابن مالك (٤) وابن هشام (٥) إلى أنّهما مجروران ، أمّا الرحمن فعلى البدلية من لفظ الجلالة ولا يجوز كونه وصفا ، لأنّه صار علما بالغلبة ، وأما الرحيم فلكونه وصفا للرحمن ، فلا يجوز كونه وصفا للجلالة ، لأنّ البدل لا يتقدّم على الوصف.

قال [ابن هشام] في المغني : فالسؤال الذى سأله الزمخشرى وغيره ، لم قدّم الرحمن مع أنّ عادتهم تقديم غير الأبلغ كقولهم : عالم نحرير وجواد فيّاض ، غير متّجه وممّا يوضح أنّ الرحمن غير صفة مجيئه كثيرا غير تابع ، نحو ، (الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ) [الرحمن / ١] ، (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ) [الإسراء / ١١٠] ، (وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ) [الفرقان / ٦٠] ، انتهى.

وابتدأ المصنّف ، رحمه الله ، كتابه بالبسملة ، اقتداء بالكتاب العزيز ، وما عليه الإجماع ، ولأنّه أمر ذو بال ، فينبغى افتتاحه بها لما ورد به الخبر «كلّ أمر ذى بال لم يبدأ

__________________

(١) يعني بما أنّ المنعوت «الله» متّضحا بدون الصفتين «الرحمن والرحيم» جاز فيهما الاتباع والقطع ، وإذا قطع النعت عن المنعوت رفع على إضمار مبتدأ ، أو نصب على إضمار فعل. وبالتفريق يعني برفع الأولى ونصب الثانية وبالعكس.

(٢) ابن جني : هو أبو الفتح عثمان بن جنيّ ، (٩٤٢ ـ ١٠٠٢) يونانىّ الأصل ، ولد فى الموصل قبل ٣٣٠ ه‍ ، من آثاره : الخصائص وسرّ صناعة الإعراب. فؤاد إفرام البستاني ، دائرة المعارف ، ج ٢ ، بيروت ، لاط ، ١٩٦٤ م ، ص ٤١٥.

(٣) يوسف بن سليمان النحويّ الشنتمرىّ المعروف بالأعلم ، كان عالما بالعربيّة واللغة ومعاني الأشعار ، اشتهر بشروحه منها : شرح المعلّقات وشواهد سيبويه ، بغية الوعاة ج ٢ ص ٣٥٦.

(٤) أبو عبد الله جمال الدين ، من الأئمة المشهورين فى علم النحو ، ولد بالأندلس سنة ٦٠٠ ه‍ ، من آثاره «الألفية في النحو» توفّي سنة ٦٧٢ ه‍ بدمشق. فؤاد إفرام البستانىّ ، دائرة المعارف ، ج ٤ ص ١٧.

(٥) عبد الله بن يوسف ابن هشام الأنصاريّ الشيخ جمال الدين النحويّ الفاضل والعلامة المشهور ، صنف : مغني اللبيب عن كتب الأعاريب ، شذور الذهب في معرفة كلام العرب و... ، بغية الوعاة ٢ / ٦٨.

٣٠

فيه ببسم الله فهو أبتر» (١) ، ثمّ أتبعها بالحمد لما روى أيضا ، كلّ أمر ذى بال لم يبدأ فيه بالحمد ، وفي رواية ، بحمد الله فهو أقطع ، والتوفيق بينهما بحمل الأوّل في الأوّل على الحقيقيّ ، وفي الثانى على الإضافيّ أو العرفيّ ، أو كليهما على العرفيّ.

«أحسن» اسم تفضيل من حسن ، ككرم ونصر. «كلمة» بفتح الكاف وكسر اللام أفصح من فتحها ، وكسرها مع سكون اللام الأولى ، لغة الحجازيّن ، وبها جاء التتريل ، والأخريان لغتا تميم (٢) ، ومثلها في جواز اللغات الثلاث ، كلّ ما (٣) كان على نحو : كتف وعلم ، فإن كان الوسط حرف حلق ، جاز فيه لغة رابعة ، وهي اتّباع الأوّل للثاني في الكسر ، نحو فخذ وشهد ، والمراد بالكلمة هاهنا ، الكلمة التى تطلق على الجمل المفيدة ، ليصحّ كون الخبر ، وهو قوله : حمدك اللهمّ كلمة ، ولا يصحّ حملها على الكلمة الاصطلاحية ، كما كابر (٤) فيه بعض الفضلاء المعاصرين.

«يبتدأ بها الكلام» ، أى يشرع بها في الكلام الّذي يهتمّ به ، حملا للكلام على الكامل منه ، وفي التعبير بالابتداء إشارة إلى الحديث الوارد في الحمد المقدّم ذكره. «وخير خبر» ، أصله أخير خبر ، حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال ، كما حذفت في شرّ ، وقد يستعملان على الأصل بقلّة ، وفي خير وخبر جناس التصحيف (٥). «يختم به المرام» ، أى يجعل خاتمة له ، والمرام مصدر ميمىّ من«رام يروم» أى طلب ، وهو هنا بمعنى المفعول أنسب من كونه بمعنى المصدر ، وفي يبتدي ويختتم صناعة الطباق (٦).

«حمدك اللهمّ» ، أى حمدك يا الله ، وإيثار الخطاب بالكاف على اسمه تعالى للدلالة على أنّه قويّ عنده ، محرّك الأقبال وداعي التوجّه إلى جنابه على الكمال ، حتّى خاطبه ، وحرف النداء من اللهمّ محذوف ، عوّض منه الميم في آخره على الأصحّ ، كما سنبيّنه في موضعه إن شاء الله تعالى.

والنداء بالياء مع كونها للبعيد ، وهو تعالى أقرب من حبل الوريد للإشارة إلى هضم نفسه والاستبعاد لها عن مظأنّ القرب ، وذكر اسمه تعالى بعد الكاف الوافية

__________________

(١) أحمد بن حنبل ، مسند ، لاط ، بيروت ، دار إحياء التراث العربي ، ٣ ، ١٩٩٤ / ٣٥٩.

(٢) تميم : قبيلة من مضر من قبائل عرب الشمال أو العدنانيّين.

(٣) كلّما «ح».

(٤) كابر : عاند وخالف.

(٥) جناس التصحيف : هو ما تماثل ركناه وضعا واختلفا نقطا ، بحيث لو زال إعجام أحدهما لم يتميّز عن الآخر ، نحو : غرّك عزّك. أحمد الهاشمي ، جواهر البلاغة ، مصر ، مكتبة الاعتماد ، لاط ، ١٣٥٨ ه‍ ، ص ٤١٨.

(٦) الطباق وتسمّى التضاد أيضا ، وهي الجمع بين متضادين أي معنيين متقابلين في الجملة. سعد الدين التفتازاني ، شرح المختصر ، قم ، منشورات دار الحكمة ، ج ٢ ، لاط ، لات ، ص ١٣٦.

٣١

بالدلالة على ذاته من غير احتياج إلى أمر آخر إرشاد إلى التبرّك به ، وتوصّل إلى ندائه بياء المفيدة لهضم نفسه ، كما ذكرنا ، ودفع للتفخيم المستفاد من الخطاب.

فإن قلت : قصده من قوله أحسن كلمة إلى آخره ، بداية كتابه بالحمد ليحصل له الفضل الوارد في ذلك ، وهذا ليس بحمد فضلا عن أن يكون حمدا مبدوّا به ، بل هو إخبار عن حكم من أحكام الحمد؟ قلت : حمد الله تعالى هو الثناء عليه بصيغة الحمد أو غيره ، فالثناء على حمده ثناء عليه ، وسلوكه هذه الطريقة دون غيرها ممّا اشتهر في المؤلفات إشارة إلى أنّ طرق التعبير فى هذا المقام غير منحصرة ، وعمل بمقتضى لكلّ جديد لذّة.

قال النيسابوريّ (١) في تفسيره : أوّل ما بلغت الرّوح إلى سرّة آدم عطس ، فقال : الحمد لله ربّ العالمين.

وآخر دعوى أهل الجنّة : (أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) [يونس / ١٠] ، ففاتحة العالم مبنيّة على الحمد ، وخاتمته على الحمد ، فاجهد أن يكون أوّل أعمالك وآخرها مقرونا بكلمة الحمد. فكأنّ المصنّف (ره) لاحظ هذا المعنى ، حيث عبّر بالابتداء والاختتام.

«على جزيل» متعلّق بالحمد ، أى على عظيم «الإنعام» ، وهو إيصال النّعمة ، وعرّفت النعمة لأنّها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير ، وإنّما لم يتعرّض للمنعم به إشعارا بقصور العبارة عن الإحاطة به ، ولئلا يتوهّم اختصاصه ببعض دون آخر ، ولتذهب نفس السامع كلّ مذهب ممكن.

«والصلاة» بمعنى الرّحمة على ما هو المشهور من أنّها من الله تعإلى مجاز ، إذ هي حقيقة بمعنى الدعاء من الله وغيره ، وقيل : هي منه تعالى الرحمة ، ومن الملائكة الاستغفار ، ومن الآدميّن التضرّع ، والأوّل أقوى للزوم الثاني الاشتراك ، والمجاز خير منه.

«والسّلام» اسم من التسليم ، وهو التحيّة ، وجمع بينهما عملا بظاهر قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [الأحزاب / ٢٣] ، وغاية السؤال بهما عائدة على السائل ، لأنّ الله تعالى قد أنعم على نبيه (ص) من المترلة والزّلفى (٢) ما لا يوثّر فيه صلوة مصلّ ولا سلام مسلّم ، كما نطقت به الأخبار ، وصرّحت (٣) به العلماء

__________________

(١) النيسابوريّ نظام الدين حسن بن محمد القمىّ النيسابوريّ المتوفّى سنة ٨٥٠ ه‍ ، أصله من قم ومنشأه في نيشابور ، له كتب «غرائب القرآن ورغائب الفرقان» يعرف بتفسير النيسابوري و «شرح الشافية» في الصرف. الأعلام للزركلي ٢ / ٢٣٤.

(٢) الزلفى : القربى والمترلة.

(٣) كلمة العلماء فاعل لفعل صرّحت والعلماء جمع تكسير لمذكر ، والفعل إذا أسند إلى جمع غير سلامة لمذكّر جاز إثبات التاء وحذفها ، يقول ابن مالك :

٣٢

الأخيار ، وهما أمّا معطوفان على الحمد ، فيكونان موصوفين بالأحسنيّة والأخيريّة ، وأمّا مبتدان ، فهما وخبرهما جملة مستأنفة.

«على سيد الأنام» متعلّق بالسّلام ، وهو مطلوب للأوّل معنى ، ولا يجوز تعلّقه به إن جعلناه عطفا على الحمد ، وإن جعلناه مبتدأ ، فهو خبر المبتدأ ، والمعطوف عليه فيتعلّق بكائنان ونحوه.

استعمال السّيد في غير الله تعالى ، وفيه ثلاثة أقوال : و «السيد» من ساد قومه يسودهم ، فهو سيد ، ووزنه فيعل ، فأصله سيود ، قلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء في الياء ، وفيه استعماله في غير الله ـ عزّ وجلّ ـ ، ويشهد له من الكتاب قوله تعالى : (وَسَيِّداً وَحَصُوراً) [آل عمران / ٣٩]. ومن السّنة قوله (ع) : أنا سيد ولد آدم (١).

وفي المقتفى لابن منير (٢) حكاية ثلاثة أقوال في المسألة ، جواز اطلاقه ، على الله تعالى وعلى غيره ، وامتناع اطلاقه على الله تعالى ، حكاه عن ابن مالك ، وامتناع إطلاقه إلا على الله ، تمسّكا بما روى من أنّه (ع) قيل له يا سيدنا ، فقال : إنّما السيّد الله ، (٣) وقد عرفت أنّ في الكتاب والسنّة ما يدلّ على خلاف ذلك.

«والأنام» كسحاب ، والآنام بالمدّ ، والأينم كأمير ، وهو الخلق ، أو الجنّ والإنس ، أو جميع ما على وجه الأرض ، كذا في القاموس (٤).

معنى الآل وأصله واستعماله والكلام على سيّما ولا سيّما : و «آله» ، آل الرجل أهله وعياله ، وآله أيضا أتباعه ، كذا في الصّحاح (٥) ، وآله صلّى الله عليه وآله وسلّم بنو هاشم وبنو المطّلب المؤمنون. وقيل : قرابته الأدنون ، وقيل : أتقياء المؤمنين ، وأصله أهل ، بدليل تصغيره على أهيل ، أبدلت الهاء همزة توصّلا إلى الألف ، ثمّ أبدلت الهمزة ألفا ، لأنّ قلب الهاء ألفا لم يجئ في موضع ، حتّى يقاس عليه ، وأمّا قلب الهمزة ألفا

__________________

والتاء مع جمع سوى السالم من

مذكر كالتاء مع احدى اللبن

(١) سنن أبي داود ، للحافظ أبي داود السجستاني ، الطبع الاول ، دار الفكر ، بيروت ، ١٤٢١ ه‍ ، ص ٨٧٥ برقم ٤٦٧٣.

(٢) ابن منير : أبو محمد فخر الدين عبد الواحد بن منصور بن محمد بن المنير الإسكندريّ ، فقيه ، مفسّر وناظم.

ولد ٦٥١ / ١٢٥٣ وتوفي ٧٣٣ ه‍ / ١٣٣٣. دائرة المعارف فؤاد إفرام البستانى ، ٤ / ٨٨.

(٣) السجستاني ، سنن أبي داود ، الطبعة الأولى ، بيروت دار الفكر ، ١٤٢١ ه‍ ق ، ص ٩٢٠ ، رقم ٤٨٠٦.

(٤) القاموس المحيط والقابوس الوسيط الجامع لما ذهب من كلام العرب شماطيط للفيروزآباديّ الشيرازيّ المتوفّى سنة ٨١٧ ه‍ ، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون ، ٢ / ١٣٠٦.

(٥) صحاح اللغة للامام الجوهري الفارابي المتوفى سنة ٣٩٣. كشف الظنون ، ٢ / ١٠٧١.

٣٣

فشائع ، وقيل : أصله أول ، واختار هذا غير واحد من المحقّقين ، ولا يضاف إلا لمن له شرف من العقلاء المذكّرين ، فلا يقال : آل الإسكاف (١) ، ولا آل مكّة ولا آل فاطمة ، وعن الأخفش (٢) أنّهم قالوا : آل المدينة وآل البصرة ، ولا يجوز إضافته إلى المضمر عند الكسائي (٣) وأبي جعفر النحاس (٤) والزبيدي (٥) ، وأجازها غيرهم ، وهو الصحيح.

«البررة» جمع بارّ ، وهو من الجموع المطّردة فى كلّ فاعل صحيح العين ، كسافر وسفرة ، وفاجر وفجرة. والبرّ الصلة والخير. «الكرام» جمع كريم ، والكرم إيثار الغير بالخير.

«سيّما ابن عمّه» ، أى لا سيما ابن عمّه ، حذفت «لا» تخفيفا مع أنّها مرادة ، كقوله تعالى : (تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ) [يوسف / ٨٥] ، أى : لا تفتأ. وهو تصرّف في لا سيما ، حكاه نجم الأئمة (٦) وغيره ، لكن ذكر البليانىّ (٧) في شرح تلخيص الجامع الكبير أن استعمال سيما بـ [دون] لا لا نظير له في كلام العرب ، والصواب أنّه لم يسمع في كلام العرب (٨) ، ولعلّ مراده نفي حذف لا في غير القسم ، وأمّا في القسم فشائع ، كما في الآية وقول امرئ القيس (٩) [من الطويل] :

١ ـ فقلت يمين الله أبرح قاعدا

ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالى (١٠)

أى لا أبرح.

__________________

(١) الاسكاف : الخرّاز ، وصانع الأحذية.

(٢) هو أبو عبد الله أحمد بن عمران بن سلامة الألهاني ، كان لغوييا ، نحويا ، شاعرا ، أصله من الشام ، وكانت وفاته سنة ٢٦٠ / ٨٧٤. فواد سزگين ، تاريخ التراث العربي ، ج ٨ ، الطبعة الثانية ، مكتبة آية الله مرعشي ، ١٤١٢ ق ، ص ٤٦٥.

(٣) هو أبو الحسن عليّ بن حمزة بن عبد الله ، المتوفى سنة ١٨٩ / ٨٠٥ ، نحويّ مشهور ، وهو أحد القرّاء السبعة ، ويعدّ من اللغويّن ، وله كتاب «معاني القرآن ومتشابه القرآن و...» المصدر السابق ، ٨ ، / ٢٠٢.

(٤) أحمد بن محمد بن إسماعيل يعرف بابن النحاس ، أبو جعفر المصري ، صنف : إعراب القرآن ، معاني القرآن ، شرح شواهد الكتاب و... توفي سنة ٣٣٨. بغية الوعاة ١ / ٣٦٢.

(٥) هو أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد الله ولد سنة ٣١٦ / ٩٢٨ بأشبيلية وأصل أسرته من حمص ، وقد برع الزبيديّ في اللغة والنحو ، ومن آثاره : مختصر كتاب العين للخليل بن أحمد و... ، فواد سزگين ، ٨ / ٣٦٥.

(٦) نجم الأئمة لقب الرضيّ الإمام المشهور صاحب شرح الكافية لابن الحاجب ، فرغ من تأليف هذا الشرح سنة ٦٨٣ ه‍ ، وله شرح علي الشافية. بغية الوعاة ١ / ٥٦٧.

(٧) لعلّه ابن بليان الفارسي الحنفيّ المتوفّى سنة ٧٣١ ه‍ ، وهو من الّذين شرح تلخيص الجامع الكبير في الفروع للشيخ الإمام كمال الدين محمد بن عباد المتوفي سنة ٦٥٢ ه‍. كشف الظنون ، ١ / ٤٧٢.

(٨) قال الرضيّ : واعلم أنّ الواو الّتي تدخل على لا سيّما في بعض المواضع كقوله : ولا سيّما يوما بدارة جلجل ، اعتراضيّة ، ... وتصرف في هذه اللفظة تصرفات كثيرة لكثرة استعمالها ، فقيل : سيّما بحذف لا ولا سيما بتخفيف إلياء مع وجود لا وحذفها. ابن حاجب ، الكافية في النحو ، شرحه رضي الدين الأسترآباذي ، بيروت ، دار الكتب العلميّة ، لاط ، ١٤٠٥ ه‍ ، ١ / ٢٤٩.

(٩) امرئ القيس من أصحاب المعلقات ، يلقب بذى القروح والملك الضليل ويعدّ أبا للشعر الجاهلى (ت ٥٤٠ م).

(١٠) ديوان إمرئ القيس ، تحقيق محمد رضا مروة ، الطبعة الأولى ، بيروت ، الدار العالميّة ، ١٤١٣ ، ص ٦٠. اللغة : الأوصال : جمع الوصل : المفصل أو مجتمع العظام.

٣٤

قال بعض المحقّقين ـ وهو يعنى استعمال «سيما» بدون «لا» ـ كثيرا ما يوجد في كلام المتأخّرين من علماء العجم ، فينبغي تجويزه. وقال العلامة أثير الدين أبو حيان (١) في شرح التسهيل : لا يجوز حذف «لا» من لا سيما ، لأنّ حذف الحرف خارج عن القياس ، فلا يقال بشيء منه إلا حيث سمع ، وسبب ذلك أنّهم يقولون : إنّ حروف المعاني إنّما وضعت بدلا من الأفعال طلبا لإختصار ، ولذلك أصل وضعها أن يكون على حرف أو حرفين ، وما وضع مؤدّيا معنى الفعل واختصر في حروف وضعه لا يناسبه الحذف. انتهى.

وهى أعني «لا» لنفى الجنس وسيّ ، كمثل وزنا ومعنى ، وعينه في الأصل واو ، وهو اسم لا عند الجمهور ، وما بعد لا سيما إذا كان مفردا أمّا مجرور على أنّه مضاف إليه ، وما زائدة ، وأمّا مرفوع خبر مبتدأ محذوف ، والجملة صلة ، إن جعلت ما موصولة ، وصفة ، إن جعلت نكرة موصوفة ، والجرّ أولى من هذا الوجه لقلّة حذف صدر الجملة الواقعة صلة أو صفة ، كما صرّح به الرضيّ على أنّه يقدح في اطّراده لزوم إطلاق ما على من يعقل ، وهو ممنوع ، وعلى الوجهين ففتحة سىّ إعراب ، لأنّه مضاف ، وأمّا منصوب على تقدير أعني ، أو على أنّه تمييز ، إن كان نكرة ، كما يقع التمييز بعد مثل في نحو : (وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً) [الكهف / ١٠٩] ، وما كافّة عن الإضافة ، والفتحة بنائية مثلها في لارجل ، وقيل على الاستثناء فى الوجهين ، فمنع جواز نصب إذا كان معرفة وهم ، وردّ بأنّ المستثنى مخرج ، وما بعدها داخل في باب الأولى ، وأجيب بأنّه مخرج ممّا أفهمه الكلام السابق من مساواته لما قبلها ، وعلى هذا فيكون استثناء منقطعا ، قيل : ويقدح في الاستثناء اقترانها بالواو ، ولا يقال : جاء القوم وإلا زيدا ، إذ القول بزيادها ضعيف ، بل قيل اقترانها بها واجب.

قال الثعلب (٢) من استعمالها على خلاف ما جاء فى قوله : [من الطويل]

٢ ـ ...

ولا سيّما يوم بدارة جلجل (٣)

فهو مخطئ.

وأجيب بأنّ مراد القائل بالاستثناء أنّ لا سيما مع واو وبدونها نزّلت مترلة أداة الإستثناء ، وعلى التقدير الأوّل خبر لا محذوف عند غير الأخفش ، أى لا مثل ابن عمّه

__________________

(١) العلّامة أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسيّ نحويّ عصره ولغويّه ومفسّره ومؤرّخه ، له من التصانيف : البحر المحيط في التفسير ، التذييل والتكميل في شرح التسهيل ، مات سنة ٧٤٥ ه‍ ، بغية الوعاة ، ١ / ٢٨١.

(٢) أحمد بن يحيى ابو العباس ثعلب إمام الكوفيين في النحو اللغة ، صنف : المصون في النحو ، اختلاف النّحويّين ، معاني القرآن ، معاني الشعر و... ومات سنة ٢٩١. المصدر السابق ص ٣٩٦.

(٣) صدره «ألا ربّ يوم لك منهنّ صالح» وهو لامري القيس. اللغة : دارة الجلجل : غدير بعينه.

٣٥

موجود من الآل ، فينبغى أن يكون الصّلاة والسّلام عليه أبلغ من الصّلاة والسّلام على غيره ، والجملة حالية ، إذ هي أعني لا سيما مع ما بعدها بتقديرها جملة مستقلّة ، كما قاله الرضيّ ، وعند الأخفش ما خبر لا ، ويلزمه قطع سيّ عن الإضافة من غير عوض. قيل : ويلزم كون خبر «لا» معرفة ، وأجيب بأنّه قد يقدّر ما نكرة موصوفة أو يكون قد رجع إلى قول سيبويه (١) في «لا رجل قائم» إنّ إرتفاع الخبر بما كان مرتفعا به لا بلاء النافية ، قاله ابن هشام في المغنى ، ولا يخفى أنّ الجواب الثاني لا يجدي نفعا فيما نحن فيه ، كما أشار إليه بعض المحقّقين.

وفي الهيتيات لأبي علي الفارسي (٢) ، إذا قيل : قاموا لا سيما زيد «فلا» مهملة ، وسيّ حال ، أى : قاموا غير ممّاثلين لزيد فى القيام.

قال ابن هشام : ويردّه صحّة دخول الواو ، وهي لا تدخل على الحال المفردة وعدم تكرّر لا ، وذلك واجب مع الحال المفردة ، كما تقول : رأيت زيدا لا مثل عمرو ولا مثل خالد.

وأجاب الدمامينيّ (٣) عن شقّي الاعتراض (٤) ، أمّا عن الأوّل فبالتزام دخول الواو عند اعتقاد أنّه منصوب على الحال ، ودخولها في قولك : قاموا ولا سيما زيد ، لا يرد ، لأنّ سيّا حينئذ لا يكون حالا ، بل هو اسم لا التبرئة ، فلم يلزم دخول واو الحال حينئذ على اسم مفرد. وأمّا عن الثاني فبالتزام وجوب التكرار ، وقد وجد معنى ، وإن انتفى لفظا ، والتكرير اللفظيّ ليس بشرط على ما ذهب إليه الزمخشريّ (٥) في قوله تعالى : (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) [البلد / ١١] ، إنّه في معنى فلا فكّ رقبة ، ولا أطعم مسكينا. ووجه ذلك هنا أنّ قولك : قام القوم لا ممّاثلين زيدا ، في معنى قولك لا مساوين لزيد في حكم القيام ، ولا أولى منه به على ما تقرّر في أنّ المذكور بعد لا سيّما أولى بالحكم ، انتهى.

__________________

(١) عمرو بن عثمان بن قنبر إمام البصريّين سيبويه أبو بشر أصله من البيضاء قرب شيراز ونشأ فى البصرة وأخذ عن الخليل ويونس وكتابه فى النحو هو الكتاب. وقيل مات بشيراز سنة ١٨٠. المصدر السابق ، ٢ / ٢٣١.

(٢) أبو عليّ الفارسيّ : أبو الحسن بن أحمد بن عبد الغفّار بن محمد بن سليمان بن أبان الفارسي ، من أئمة النحو المذكورين في القرن الرابع الهجرى ولد بمدينة فسا من بلاد فارس من شيراز ، قدم بغداد وأخذ النحو عن أعيان علمائه ، من آثاره كتاب «الإيضاح في النحو» توفي سنة ٣٧٧ ه‍ ق. دائرة المعارف فؤاد افرام البستاني ، ٤ / ٤٧٠. جاء في مغني اللبيب الهيتيات مسائل نحويّة أملاها في هيت. مغني اللبيب ص ٤١٢.

(٣) الدمامينىّ بدر الدّين محمّد (١٣٦٢ ـ ١٤٢٤) : عالم بالشريعة وفنون الأدب ، ولد في الإسكندرية وتوفّي في الهند ، من كتبه «تحفة الغريب فى شرح مغنى اللبيب» المنجد في الأعلام ، الطبعة الثانية ، دار الفقه ، ١٤٢٢ ه‍ ، ص ٢٤٥.

(٤) يعني صحّة دخول الواو وعدم تكرّر لا.

(٥) محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الزمخشريّ أبو القاسم جار الله ، كان واسع العلم ، كثير الفضل ، متفننا في كلّ علم ، من تصانيفه : الكشاف في التفسير ، المفصل في النحو و... مات سنة ٥٣٨. بغية الوعاة ، ٢ / ٢٧٩.

٣٦

وقد نوقش في كلا الجوابين بما لا نطول بذكره ، وقد بقي فضل الكلام في لا سيما ، طويناه هنا على غرّة ، ولعلّنا نلمّ به في بحث الاستثناء ، إن شاء الله تعالى.

طرف من ذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام : «علي» بدل من قوله : «ابن عمه» أو عطف بيان ، ويحتمل الأوجه الثلاثة المذكورة في الإعراب ، وإن لم يساعد رسم الخط النصب ، وهو أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطّلب ، واسمه شيبة الحمد ، وعنده يجتمع نسبه بنسب النبيّ (ص) ، فهو ابن عمه ، لأنّ أبا طالب أخو عبد الله بن المطّلب ، وهو ابن هاشم ، واسمه عمرو بن عبد مناف ، واسمه المغيرة بن قصيّ ، واسمه زيد بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لوي بن غالب بن فهر بن كنانة ، وأمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف ، وهى أوّل هاشميّة ولدت هاشميّا.

أقوال حول ولادة علي (ع): قال ابن الصّبّاغ المالكىّ (١) : ولد علي (ع) بمكّة المشرّفة داخل البيت الحرام فى يوم الجمعة الثالث عشر من شهر الله الأصمّ (٢) رجب الفرد الحرام سنة ثلاثين من عام الفيل قبل الهجرة بثلاث وعشرين سنة ، وقيل بخمس وعشرين ، وقبل المبعث باثنتي عشرة سنة ، وقيل : بعشر سنين ، ولم يولد في البيت الحرام قبلة أحد سواه ، وهي فضيلة خصّه الله تعالى بها إجلالا له وإعلاما لمرتبته وإظهارا لتكرّمه ، وكان (ع) هاشميّا من هاشميين ، فأوّل من ولده هاشم مرّتين (٣) ، انتهى.

حكى ابو عمر والزّاهد (٤) في كتاب اليواقيت ، قال قال ابن الأعرابي (٥) : كانت فاطمة بنت اسد أمّ علي (ع) حاملا بعلي (ع) وأبو طالب غائب ، فوضعته ، فسمّته أسدا لتحيى به ذكر أبيها ، فلما قدم أبو طالب ، فسمّاه عليّا ، انتهى. وفى ذلك يقول أبو طالب [من البسيط] : ب

٣ ـ سمّيته بعليّ كى يدوم له

عزّ العلوّ وفخر العزّ أدومه

__________________

(١) لم أجد ترجمة حياته.

(٢) سمّي شهر رجب بالشهر الأصم ، أو شهر الله الأصم ، لعدم سماع السلاح فيه للحرب. ابن منظور ، لسان العرب ، ج ١ ، الطبعة الأولى ، بيروت ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، ٢٠٠٥ م ، ص ٢٢٤٠.

(٣) أي أبوه وأمّه من هاشميّين.

(٤) محمد بن عبد الواحد أبو عمر الزاهد المطّرز اللغويّ ، له من التصانيف : إليواقيت في اللغة ، شرح الفصيح الموشح و... مات سنة ٣٤٥ ببغداد. بغية الوعاة ، ١ / ١٦٤.

(٥) محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي علامة باللغة من أهل الكوفة ، له كتاب النوادر ومعاني الشعر. الأعلام للزركلي ، ٦ / ٣٦٦.

٣٧

وهو أوّل من آمن بالله تعالى ورسوله (ص) ، قاله ابن عباس (١) وأنس (٢) وزيد بن أرقم (٣) وسلمان الفارسىّ (٤) وجماعة ، ونقل بعضهم الإجماع على ذلك ، ولم يعبد الأصنام قطّ ، وهو أخو رسول الله (ص) بالمؤاخاة وصهره على فاطمة سيدة نساء العالمين وأبو السبطين وسيد العلماء الربانين والشجعان المشهورين والزهّاد المذكورين.

أخرج الطبرانيّ (٥) وابن حاتم (٦) عن ابن عباس (رض) ، قال : ما أنزل الله (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) [البقرة / ١٥٣] إلا وعليّ أميرها وشريفها. وأخرج ابن عساكر (٧) عن ابن عباس قال : ما نزل فى أحد من كتاب الله ما (٨) نزل في علي (ع) هذا ، وأنا لو ذهبت أذكر يسيرا من مناقبه الجليلة وأوصافه الجميلة ، لخرجت عن المقصود ، وكنت كمن قال لذكاء (٩) : ما أنورك ولخضارة (١٠) ما أغزرك. وفي الكتب المفردة لذلك ما فيه الكفاية ، وقد صحّ النقل أنّه (ع) ضربه عبد الرحمن بن ملجم ليلة الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان المعظّم سنة أربعين من الهجرة ، ومات من ضربته ليلة الأحد ، وهي الليلة الثالثة من ليلة ضرب ، واختلف في موضع دفنه ، والمشهور أنّه بالغرى ، موضع معروف وهو الّذى يزار الآن ، وما كان المقصود من التعرّض لهذا الطرف من ذكره إلا التبرّك به ، ولأنّ المصنّف (ره) نوّه باسمه الشريف ، فكان علينا ذكر شئ من ترجمته الشريفة ، وإنّما خصّه بالذكر لما فيه من براعة الاستهلال ، لأنّه الواضع لعلم النحو ، كما سيأتي عن قريب إن شاء الله تعالى.

__________________

(١) ابن عباس عبد الله (ت ٦٨ ه‍) ابن عمّ النبي لقّب «حبر الأمّة» ، روي الكثير من حديث الرسول. المنجد في الأعلام ص ١.

(٢) أنس بن مالك بن النضر ، صاحب رسول الله (ص) وخادمه ، روي عنه رجال الحديث ٢٢٨٦ حديثا ، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة سنة ٩٣ ه‍. الأعلام للزركلي ، ١ / ٣٦٥.

(٣) زيد بن أرقم الخزرجيّ الأنصاريّ ، صحابّي ، غزا مع النبيّ (ص) سبع عشرة غزوة ، له في كتب الحديث ٧٠ حديثا ، مات بالكوفة سنة ٦٨ ه‍. المصدر السابق ، ٢ / ٩٥.

(٤) سلمان فارسي صحابيّ من مقدّميهم وكان قويّ الجسم ، صحيح الرأي. قال رسول الله : سلمان منّا أهل البيت. له في كتب الحديث ٦٠ حديثا. توفّي سنة ٣٦ ه‍. المصدر السابق ٣ / ١٦٩.

(٥) الطبراني (٢٦٠ ـ ٣٦٠ ه‍ ق) هو سليمان بن أحمد بن أيّوب من كبار المحدثين ، له ثلاثة معاجم في الحديث. الأعلام للزركلي ، ٣ / ١٨١.

(٦) سهل بن محمد أبو حاتم السجستاني ، كان إماما في علوم اللقرآن واللغة والشعر ، صنف «إعراب القرآن ، لحن العامة ، ومات سنة ٢٥٠ ه‍. بغية الوعاة ١ / ٦٠٦.

(٧) علي بن الحسن ابن عساكر الدمشقيّ ، له تاريخ دمشق الكبير ، يعرف بتاريخ ابن عساكر ، مات سنة ٥٧١ ه‍. الأعلام للزركلي ٥ / ٨٤.

(٨) ما موصولة.

(٩) الذكاء : الشمس.

(١٠) خضارة : البحر ، سمي بذلك لخضرة مائه.

٣٨

«والّذى نصبه» ، أى رفعه ، وأقامه «علما للإسلام» العلم بالتحريك ما ينصب فى الطريق ، ليهتدي به ، وفيه استعارة مرشّحة ، شبّهه (ع) بالعلم وقرنها بما يلائم المستعار منه ، وهو النّصب.

معنى الإسلام وحكاية كسر الأصنام الّتى كانت على البيت الشريف : والإسلام عبارة عن الإقرار باللّسان ، وقيل : الإقرار باللّسان ، والتّصديق بالجنان ، والعمل بالأركان (١) ، فيكون مرادفا للإيمان ، وهو في الأصل الانقياد والاتّباع ، ولا يطلق على غير هذا الدين الشريف.

«ورفعه لكسر الأصنام» ، جمع صنم بالتّحريك ، وهو ما اتّخذ من دون الله تعالى كالوثن ، ويقال إنّه معرب الشمن ، يشير إلى كسره الصنم الّذى كان على البيت ، لمّا رفعه النبيّ (ص) على منكبيه ، وإنّما عبّر عنه (٢) بالجمع إشارة إلى عظمه ، لأنّه كان أكبر أصنامهم. فكأنّه كان عندهم بمترلة أصنام كثيرة ، وحكاية كسره الصنم المذكور ما ذكره في الرياض النضرة (٣) ، قال : روي عن علىّ (ع) أنّه قال : حين أتينا الكعبة ، قال لى رسول الله (ص) اجلس ، فجلست إلى جنب الكعبة ، فصعد على منكبي ، فذهبت لأنهض به ، فرأى منّى ضعفا تحته ، فقال لى : اجلس فجلست ، فترل عنّى ، وجلس لى رسول الله (ص) وقال : اصعد على منكبى فصعدت على منكبيه ، فنهض بى ، فإنّه تخيّل لي أنّي لو شئت لنلت أفق السماء ، حتّى صعدت البيت.

وفي شواهد النبوّة سأل رسول الله (ص) عليا (ع) حين صعد على منكبيه ، كيف تراك؟ قال عليّ (ع) أراني كأنّ الحجب (٤) قد ارتفعت ، ويخيّل لي أنّي لو شئت لنلت أفق السماء. فقال رسول الله (ص) : طوبى لك ، تعمل للحقّ ، وطوبى لي أن أحمل للحقّ ، انتهى.

قال فصعدت البيت ، وكان عليه تمثال من صفر أو نحاس ، وهو أكبر أصنامهم ، وتنحّى رسول الله (ص) وقال لى : ألق صنمهم الأكبر ، وكان موتّدا على البيت بأوتاد

__________________

(١) التصديق والعمل بالأركان «س».

(٢) الضمير يعود إلى الصنم.

(٣) الرياض النضرة في فضائل العشرة ـ لمحبّ الدين أبى جعفر أحمد بن محمد الطبرى المتوفّى سنة ٦٩٤ ه‍ ، ذكر أنّه جمع ما روي فيهم في مجلة بحذف الأسانيد من كتب عديدة وشرح غريب الحديث. كشف الظنون ، ١ / ٩٣٦.

(٤) الحجب : جمع الحجاب بمعني الساتر.

٣٩

حديد إلى الأرض. فقال رسول الله : إيه إيه (١)(جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ ، إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً) [الإسراء / ٨١] ، فجعلت أزاوله ، أو قال : أعالجه عن يمينه وعن شماله ومن بين يديه ومن خلفه ، حتى استمكنت منه ، قال لي رسول الله (ص) : اقذف به ، فقذفت به ، فتكسّر كما تنكسر القوارير (٢) ، فما صعدت حتّى الساعة ، ويروى أنّه كان من قوارير ، رواه الطبرى ، (٣) وقال أخرجه أحمد (٤) ، ورواه الزوندىّ (٥). ثمّ إنّ عليا (ع) أراد أن يترل ، فألقى نفسه من صوب الميزاب (٦) تأدّبا وشفقة على النبيّ (ص) ، ولّما وقع على الأرض تبسّم ، فسأله النبيّ (ص) : عن تبسّمه؟ فقال : إنّي ألقيت نفسي من هذا المكان الرفيع ، وما أصابني ألم. قال قال : فكيف يصيبك ألم؟ لقد رفعك محمّد ، وأنزلك جبرئيل (٧) ، انتهى.

قلت : وفي كتاب المناقب للمؤبّد الخوارزميّ (٨) ما يشعر بأنّ هذه الحكاية كانت قبل الهجرة ، وصرّح في المواهب الدنيّة (٩) بأنّ ذلك كان يوم الفتح ، وهو ظاهر ، والله أعلم.

معنى النواصب وحكاية لطيفة في ذلك : «جازم» أى قاطع ، من الجزم ، وهو لغة القطع ، «أعناق النواصب اللئام» ، الأعناق جمع عنق ، وهو الجيد ، والنواصب والناصبيّة وأهل النّصب ، بفتح النون وسكون الصاد المهملة ، المتديّنون ببغض علي (ع) ، لأنّهم نصبوا له ، أى عادوه ، يقال نصبت لفلان إذا عاديته.

وعلى ذكر النصب فما ألطف ما حكاه القاضي أحمد بن خلكان (١٠) الشافعيّ في تاريخه «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» ، قال : ذكر أبو الفتح ابن جنيّ في بعض

__________________

(١) إيه : كلمة استزادة واستنطاق ، وهي مبنية على الكسر ، وقد تنوّن ، تقول للرجل إذ استتردته من حديث أو عمل : إيه. لسان العرب ، ١ / ٢١٠.

(٢) القوارير : جمع القارورة ، وهي وعاء من الزجاج تحفظ فيه السوائل.

(٣) الطبرى أبو جعفر محمد بن جرير (ت ٣١٠ ه‍ ٩٢٣ م) مؤرّخ ومفسّر وفقيه شافعىّ ولد في آمل بطبرستان ، من كتبه جامع البيان في تفسير القرآن. الأعلام للزركلي / ٣٢١.

(٤) أحمد بن محمد بن حنبل ، إمام المذهب الحنبليّ ، صنف «المسند» ستّة مجلّدات ، يحتوي علي ثلاثين ألف حديثا ، وله كتب أخرى ، مات سنة ٢٤١ ه‍. المصدر السابق ، ١ / ١٩٢.

(٥) لم أجد ترجمه حياته.

(٦) الميزاب : المئزاب ، وهو قناة أو انبوبة يصرف بها الماء من سطح بناء أو موضع عال.

(٧) ما وجدت الحديث.

(٨) أبو المؤيد محمد بن محمود الخوارزمي المتوفي سنة ٦٦٥. كشف الظنون ٢ / ١٦٨٠.

(٩) المواهب الدنية بالمنح المحمديّة في السيرة النبوية للشيخ شهاب الدين القسطلاني المصريّ المتوفّى سنة ٩٢٣ ه‍. المصدر السابق ٢ / ١٨٩٦.

(١٠) ابن خلكان مؤرخ ولد في أربيل ، له وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان وهو معجم تاريخيّ شهير ، مات سنة ١٢٨٢ م. المنجد في الأعلام ص ٧.

٤٠

مجاميعه أنّ الشريف الرضي الموسويّ ـ رحمه الله ـ أحضر إلى ابن السيرافيّ النحويّ (١) ، وهو طفل جدّا لم يبلغ عمره عشر سنين ، فلقّنه النحو ، وقعد معه في الحلقة ، فذاكره بشيء من الإعراب على عادة التعليم ، فقال له : إذا قلنا : رأيت عمر ، فما علامة النّصب في عمر؟ فقال له الرضيّ : بغض علي (ع) ، فعجب السيرافىّ والحاضرون من حدّة خاطره (٢) ، انتهى.

واللؤم ضد الكرم في الأخلاق والحسب ، وبغض على (ع) فوق اللؤم ، لما ورد في ذلك من الآثار الكثيرة والأخبار الشهيرة ، منها ما رواه عبد الله بن مسعود (٣) ، قال : سمعت رسول الله (ص) يقول : من زعم أنّه آمن بي وبما جئت به وهو يبغض عليا فهو كاذب ، ليس بمؤمن ، وكم من هذا. (٤)

أوّل من وضع النحو وحكاية وضعه وشرف علم العربية : «وواضع علم النحو لحفظ الكلام» إتّفق العلماء على أنّ أوّل من وضع علم النحو وابتدعه وأنشأه علي (ع).

قال أبو القاسم الزّجاجيّ (٥) في أماليه : حدّثنا أبو جعفر محمد بن رستم الطبريّ ، حدّثنا أبو حاتم السجستانيّ ، حدّثني يعقوب بن إسحق الحضرميّ (٦) ، حدّثنا سعيد بن مسلم الباهليّ (٧) ، حدّثنا أبي عن جدّي عن أبي الأسود الدئلي (٨) قال ، قال : دخلت على عليّ بن أبي طالب (ع) فرأيته متفكّرا فقلت له : فيم تفكّر يا امير المؤمنين؟ قال إنّى سمعت ببلدكم هذا لحنا ، فأردت له أن أصنع كتابا في أصول العربية ، فقلت : إن فعلت هذا أحييتنا ، وبقيت فينا هذه اللغة ، ثمّ أتيته بعد ثلاث فألقى إليّ صحيفة فيها بسم الله الرحمن الرحيم. الكلام كلّه اسم وفعل وحرف.

__________________

(١) الحسن بن عبد الله أبو سعيد السيرافيّ النحويّ ، عالم بالنحو والفقه واللغة والشعر والعروض والقرآن ، من كتبه «شرح كتاب سيبويه ، الإقناع في النحو و... بغية الوعاة ٢ / ٥٠٩.

(٢) ما ذكرت هذه الحكاية في «ح وط».

(٣) عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي صحابي من أكابرهم فضلا وعقلا وقربا من رسول الله (ص) وهو من أهل مكة ، وأول من جهر بقراءة القرآن بمكة. الأعلام للزركلي ٤ / ٢٨٠

(٤) سنن نسائي لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي ، الطبعة الثانية ، دار الفكر ، بيروت ، ١٤٢١ ه‍. كتاب ايمان ص ١٩٢٠.

(٥) يوسف بن عبد الله الزجاجيّ أبو القاسم ، كان غزير العلم في الأدب واللغة ، صنف : شرح الفصيح ، اشتقاق الأسماء ، الإيضاح في علل النحو والأمالى ، مات سنة ٤١٥. بغية الوعاة ٢ / ٣٧٥.

(٦) يعقوب بن إسحاق بن زيد الحضرميّ البصريّ ، أحد القرّاء العشرة. له في القراءآت رواية مشهورة وله كتب منها : الجامع ووجوه القراءآت. مات سنة ٢٠٥ ه‍ بالبصرة. الأعلام للزركلي ، ٩ / ٢٥٥.

(٧) لم أجد ترجمة حياته.

(٨) ظالم بن عمرو بن ظالم أبو الأسود الدئلي البصريّ كان شيعيا شاعرا ، وهو أوّل من نقط المصنّف ، مات سنة ٦٠٩ ه‍ ق. بغية الوعاة ٢ / ٢٢.

٤١

فالاسم ما أنبأ عن المسمّى ، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى ، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل ، ثمّ قال لى : تتبعه ، وزد فيه ما وقع لك ، واعلم يا أبا الأسود ، أنّ الاشياء ثلاثة ، ظاهر ومضمر ، وشئ ليس بظاهر ولا مضمر ، وإنّما تتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بظاهر ولا مضمر.

قال أبو الأسود فجمعت منه أشياء ، وعرّضتها عليه ، فكان من ذلك حروف النصب ، فذكرت منها «إنّ وأنّ وليت ولعلّ وكأنّ» ولم أذكر «لكنّ» فقال لى : لم تركتها ، فقلت : لم أحسبها منها ، فقال : بلى هى منها ، فزدها فيها ، انتهى.

ثمّ من عناية الله سبحانه بهذه اللغة أن قيّض لها في كلّ زمان قوما يبحثون عن حقائق هذا العلم ودقائقه ، حتّى صنّفوا فيه الكتب المعتبرة والرسائل المحرّرة ، وأشرب القلوب محبّة هذا العلم حتى أنّه يتعلّمه من ليس من العرب ، ولا له غرض في إصلاح لغتهم لطفا من الله تعالى بهذه اللغة الشريفة ، لئلا تضيع أو تختلّ قواعدها ، فبقيت على مرّ الزمان ، وهى مشيّدة الأركان ، وما أحسن ما أنشده العلّامة أثير الدين أبو حيان لنفسه من قصيدة طويلة يمدح فيها النحو وسيبويه والخليل (١) ثم خصّها بمدح ابن الأحمر : (٢) [من الطويل]

٤ ـ هو العلم لا كالعلم شئ تراوده

لقد فاز باغيه وأنجح قاصده (٣)

وما فضّل الإنسان إلا لعلمه

ولا امتاز إلا ثاقب الذهن واقده

وقد قصرت أعمارنا وعلومنا

يطول علينا حصرها ونكابده (٤)

وفى كلها خير ولكنّ أصلها

هو النحو فاحذر من جهول يعانده (٥)

وناهيك من علم علىّ مشيّد

مبانيه أكرم بالّذي هو شايده (٦)

وما زال هذا العلم تنميه سادة

جهابذة تختاره وتقاصده (٧)

__________________

(١) الخليل بن أحمد الفراهيديّ البصريّ صاحب العربيّة والعروض ، وهو أستاذ سيبويه. وله كتاب «العين». بغية الوعاة ، ١ / ٥٥٧.

(٢) إسماعيل بن يوسف الخزرجيّ المعروف بابن الأحمر ، مؤرخ أريب ، من كتبه «نثر الجمان» و... مات سنة ٨٠٧ ه‍. الأعلام للرزكلي ، ١ / ٣٢٩.

(٣) اللغة : تراوده : تطلبه. الباغي : الطالب.

(٤) اللغة : الحصر : الإحصاء. نكابد : نقاسي شدّته.

(٥) اللغة : يعانده : يخالفه.

(٦) اللغة : ناهيك : كافيك. شائده : رافعه.

(٧) اللغة : السادة : جمع السّيّد. الجهابذة : جمع جهبذ أي النّقّاد الخبير بغوامض الأمور.

٤٢

ولقد أبدع المصنّف (ره) في براعة الاستهلال من ذكر الكلمة والكلام والإبتداء والخبر والعلم والرفع والنصب والكسر والجزم ، وهو من محاسن البديع المرغوب فيها.

ص : وبعد فهذه الفوائد الصّمديّة ، في علم العربيّة. حوت من هذا الفنّ ما نفعه أعمّ ، ومعرفته للمبتدئين أهمّ ، وتضمّنت فوائد جليلة في قواعد الإعراب ، وفرائد لم يطلّع عليها إلا أولو الالباب. ووضعتها للأخ الاعزّ عبد الصّمد ؛ جعله الله من العلماء العاملين ، ونفعه بها وجميع المؤمنين. وتشتمل على خمس حدائق :

معنى الإشارة إلى المصنّفات وإنّها مجازية : ش : «وبعد» بالبناء على الضّمّ لقطعه عن الإضافة لفظا ، وهو ظرف زمان كثيرا ومكان قليلا ، وهنا صالح للأولى باعتبار اللفظ ، وللثّاني باعتبار الرّقم ، والواو للإستئناف ، والعامل فى الظرف ما يفهم من السياق مثل أقول ، أو أعلم ، وهذه الفاء زائدة ، دخلت على توهّم أمّا إشعارا بلزوم ما بعدها لما قبلها ، وقيل : الأصل أمّا بعد ، فحذفت أمّا ، وعوّض عنها الواو تخفيفا لدلالة الفاء عليها ، والإشارة مجازية ، لأنّ الحقيقة أنّما يكون للمشاهد المحسوس الحاضر ، فإذا أشير بها إلى المعدومات أو الموجودات المجرّدة أو المادية الغائبة عن الحسّ ، كان ذلك مجازا تتريلا لحضوره عند العقل مترلة المحسوس الحاضر.

ثمّ الإشارة هنا إلى المتن المعبّر عنه بالفوائد الصمديّة ، والمراد منه أمّا الألفاظ المخصوصة من حيث دلالتها على المعاني المخصوصة ، وأمّا المعاني المخصوصة من حيث عبّر عنها بالألفاظ المخصوصة ، وأمّا عن النقوش المخصوصة من حيث دلالتها على الألفاظ المخصوصة (١) أوّلا والمعاني ثانيا ، وأمّا المركّب من الثلاثة أو الإثنين منها ، وليس لشئ منها حضور في الخارج سوى النّقوش.

أمّا الألفاظ فلعدم حضورها فى الخارج مجتمعة ، وأمّا المعاني فظاهر ، وأمّا المركّبات فلاشتمالها لاأقل على جزء معدوم في الخارج ، ثمّ مجموع النقوش الحاضرة ليس إلا شخصا ما هو معنى المتن ، وهو مطلق النقوش الدالّة على تلك الألفاظ ، فإنّ أسماء الكتب ليست من الأعلام الشخصية ، وإلا كان إطلاقها على غير شخص واحد ممّا يسمّى به مجازا ، بل من الأعلام الجنسية الموضوعة لإشارة إلى الحقائق الكلية ، وليس لها حضور في الخارج ، فعلى تقدير الإشارة إلى النقوش تكون الإشارة إلى الحاضر في

__________________

(١) من أمّا عن النقوش سقطت فى «ط».

٤٣

الذّهن ، هكذا حرّره غير واحد من المحقّقين ، وهو التحقيق ، فما وقع في كثير من كتب المؤلّفين من أنّ الإشارة في مثل هذا تارة تكون حقيقيّة وتارة تكون مجازيّة بحسب وضع الخطبة ليس بشئ الفوائد الصمدية.

النسبة إلى المركّب الإضافىّ المعرّف صدره بعجزه : «أل» للعهد الحضوري ، نحو : هذا الرّجل ، و «الفوائد» جمع فائدة ، وسيأتي معناه لغة وعرفا ، و «الصّمدية» نسبة إلى عبد الصّمد ، على ما تقرّر من أنّ المركّب الإضافىّ المعرّف صدره بعجزه تكون النسبة إلى عجزه ، ويحذف لها الصّدر ، لأنّ العجر هو المقصود بمدلوله ، كالزبيريّ نسبة إلى ابن الزبير ، وكذا إذا كان كنية ككلثوميّ نسبة إلى أمّ كلثوم ، وألحق بها ما خيف منه من اللبس ، كأشهلي نسبة إلى عبد الأشهل ، ومنافيّ نسبة إلى عبد مناف ، وهى هنا كذلك.

وأمّا بناء «فعلل» من جزئى المضاف منسوبا إليه كعبشميّ نسبة إلى عبد الشمس فشاذّ ، والمحفوظ منه ألفاظ يسيرة ، فلا يقاس عليه.

«في علم العربية» أى كائنة فيه على تشبيه ملابسة ما بين اللفظ والمعنى بملابسة الظرفية ، فتارة يجعل المعنى ظرفا للفظ ، كما فعل المصنّف من جهة كونه حاضرا له آخذا بجوانبه بحيث لا يخرج طرف من اللفظ عن طرف من المعنى ، وهو أمر شائع ، يقال هذه الآية في حكم كذا ، وهذا الكتاب في علم كذا ، وتارة يجعل اللفظ ظرفا للمعنى ، كما يقال هذه المسئلة في كتاب كذا ، وهو ظاهر ، حتّى شاع أنّ الألفاظ أوعية للمعاني وقوالب لها وبمترلة الكسوة واللباس.

معنى علم العربية وعلم الأدب وانقسامه إلى اثني عشر قسما : والمراد بعلم العربية هنا علم النحو فقط ، إذ لم يشتمل الكتاب على غيره ، وكثيرا ما يطلق عليه على الخصوص ، وقد يطلق على ما هو أعمّ منه ، كما صرّح به بعضهم حيث قال : علم العربية وعلم الأدب مترادفان ، وهو ـ أعنى علم الأدب ـ علم يحترز به عن الخلل في كلام العرب لفظا أو كتابة.

وقد صرّح الزمخشريّ وغيره بانقسامه إلى اثني عشر قسما ، فمنها أصول ، والبحث فيها أمّا عن المفردات ، فإن كان من حيث جواهرها وموادّها فهو علم اللغة ، وإن كان من حيث صورها وهيأتها فهو علم التصريف ، وإن كان من حيث انتساب بعضها إلى بعضها ببعض بالإصالة والفرعيّة فهو علم الاشتقاق.

٤٤

وأمّا عن المركّبات على الإطلاق أى موزونة أو غير موزونة ، فإن كان باعتبار هيأتها التركيبيّة وتأديتها لمعانيها الأصلية فهو علم النحو ، وإن كان باعتبار إفادتها لمعان مغايرة لأصل المعنى فهو علم المعاني ، وإن كان باعتبار تلك الإفادة في مراتب الوضوح فهو علم البيان.

وأمّا عن المركّبات الموزونة ، فإن كان من حيث وزنها ، فهو علم العروض. وإن كان من حيث أواخر أبياتها ، فهو علم القافية.

ومنها فروع ، والبحث فيها أمّا أن يتعلّق بنقوش الكتابة ، فهو علم الخطّ ، أو يختصّ المنظوم باعتبار النظر فى محاسنه ومعايبه من حيث هو منظوم ، وهذا هو العلم المسمّى بقرض الشعر ، أو يختصّ بالمنثور ، وهو علم إنشاء النثر من الرسائل والخطب ونحوها ، أو لا يختصّ بشئ منها ، بل يكون شاملا لهما ، وهو علم المحاضرات ، ومنه التواريخ.

وأمّا البديع فقد جعلوه ذيلا لعلمى المعاني والبيان. وبعضهم يجعله قسما برأسه ، وهو الأولى ، فتكون الأقسام حينئذ ثلاثة عشر.

«حوت» أى جمعت ، أو أحرزت. يقال : حواه ، أى : جمعه ، أو أحرزه ، «من هذا الفنّ» ، أى فنّ العربية ، والإشارة هنا أيضا مجازية ، ومن للتبعيض ، «ما» نكرة موصوفة ، أى شيئا. «نفعه أعمّ» من نفع ما لم تحوه ، فيجوز أن يكون الجارّ والمجرور (١) حالا منها أو موصولة بمعنى الّذي ، فلا تجوز الحالية حينئذ ، بل الجارّ والمجرور متعلّقان بحوت لا غير.

«ومعرفته للمبتدئين» في هذا العلم ، وهو الّذي ابتدأ فيه ولم يصل منه إلى حالة يستقلّ فيها بتصوير المسائل ، فإن بلغ إلى حالة يستقلّ فيها بتصوير المسائل فهو المتوسّط ، وإن استقلّ التصوير واستحفظ غالب أحكام ذلك العلم وأمكنه إقامة الأدلّة عليه فهو المنتهى ، «أهمّ» من معرفة ما لم يحوه.

معنى الفائدة والغرض والغاية : «وتضمّنت» أى اشتملت على «فوائد» جمع فائدة ، وهي لغة ما حصّلته ، أو حصّل لك من علم أو مال ، وعرفا ما يترتّب من المصلحة على فعل من حيث ترتّبه عليه ، وهو من حيث إنّه على طرف الفعل ونهايته يسمّى غاية فيختلفان اعتبارا ، ويعمّان الأفعال الاختيارية وغيرها.

وأمّا الغرض فقد يفسّر بما لأجله إقدام الفاعل على فعله ، ويسمّى علة غائية له باعتبارين ، فإنّ العلّة بالقياس إلى الفعل والغرض بالقياس إلى الفاعل (٢) ، وعلى هذا

__________________

(١) المجرور سقط في «س».

(٢) الغرض بالقياس إلى الفاعل سقطت في «س».

٤٥

لا يلزم فيه الترتّب ، فيكون أعمّ من الفائدة والغاية من وجه ، ولذلك قيل : قد يخالف الغرض فائدة الفعل كما إذا أخطأ فى اعتقادها. وقد يفسّر بفائدة مترتّبة على الشئ من حيث هي مطلوبة بالإقدام عليه ، وعلى هذا يجب فيه الترتّب ، فيكون أخصّ من الفائدة والغاية صدقا ، «جليلة» أى : عظيمة ، من جلّ الشئ إذا عظم ، ومنه الجليّ للأمر العظيم.

«في قواعد الإعراب» ، أي النّحو ، وإنّما سمّي به مع أنّه باحث عن الإعراب والبناء معا لكونه أشرف ، إذ هو الأصل في الأسماء على الأصح ، ويطلق الإعراب أيضا على إجراء الألفاظ المركّبة على ما تقتضيه الأحكام النحوية ، كما يقال : أعرب هذه القصيدة ، إذا تتّبع ألفاظها ، وبيّن كيفية جريها على قواعد النّحو ، فلو أريد هذا المعنى أيضا هنا لصحّ.

و «فرائد» جمع فريدة ، وهي الدّرّة الكبيرة ، أو الفرائد هي الدرر الكبار الّتي نظمت ، وفصّلت بغيرها ، والمراد بها هنا النكت الحسان والفوائد المرغوب فيها.

«لم يطّلع» كيفتعل ، أي لم يظهر عليها «إلا أولو» أى ذوو ، وهو اسم جمع ، لا واحد له من لفظه ، بل من معناه كما سيأتي بيانه «الألباب» أى العقول جمع لبّ ، فإنّ لبّ كلّ شئ خالصه ، ولبّ الإنسان عقله ، إذ هو سبب الفوز بالسعادة كلّها في الدارين.

قال ابن النفيس (١) فى كتاب «الطريق إلى الفصاحة» : ولفظ اللّب بمعنى العقل يقبح مفردا ، ولا يقبح مجموعا ، كقوله تعالى : (لِأُولِي الْأَلْبابِ) [آل عمران / ١٩٠] ، قال : ولم يرد لفظ اللبّ مفردا إلا مضافا ، كقوله (ص) : «ما رأيت من ناقصات العقل والدين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحدا كنّ» (٢). أو مضافا إليه ، كقول جرير (٣) [من البسيط] :

٥ ـ يصرعن ذا اللّبّ حتّى لا حراك به

وهنّ أضعف خلق الله إنسانا (٤)

انتهى.

قيل : هذا البيت والّذي قبله أغزل شعر قالته العرب قبله :

٦ ـ إنّ العيون الّتي في طرفها حور

قتلتنا ثمّ لا يحيين قتلانا (٥)

__________________

(١) أبو الحسن علي بن أبي الحزم المعروف بابن النفيس ، كان يعدّ من كبار العلماء عصره في الطّب واللغة والفلسفة والفقه والحديث ، توفّي سنه ٦٨٧ ه‍. دائرة المعارف فؤاد إفرام البستاني ٤ / ١٠٦.

(٢) صحيح بخاري ، لأبي عبد الله البخاري ، الطبعة الثالثة ، دار الأرقم ، بيروت ، ١٤١٨ ه‍ ق ، ١ / ١٩٣ برقم ٢٩٣.

(٣) جرير بن عطية شاعر العصر الأموى ، أحد شعراء النقائص (٦٥٣ ـ ٧٣٣).

(٤) اللغة : يصرعن : يطرحن على الأرض ، الحراك : الحركة.

(٥) اللغة : الحور : شدة بياض بياض العين مع شدّة سواد سوادها ، القتلي : جمع القيتل بمعني المقتول.

٤٦

معنى الصّمد ومعنى الإيمان : «وضعتها» أى صنّفتها ، وأنشأتها «للأخ الأعزّ» أي لأجله. وفى القاموس الأعزّ : العزيز ، أبي تراب عبد الصّمد بن حسين بن عبد الصمد العامليّ ، وهو أخوه الأصغر ، كان شيخا فاضلا نبيلا ، إلا أنّه لم يكن في رتبة أخيه ، وله خلف إلى زماننا هذا ، مستوطنون ببلاد العجم. والصّمد السيد المصمود إليه في الحوائج ، من صمد إذا قصد ، والدائم الرفيع. وعن ابن عباس (رض) ، الصّمد : السيّد الّذى كمل في سودده ، وفسّره المشبهة (١) لعنهم الله بالمصمت الّذى لا جوف له ، وردّ بأنّ ذلك لا يكون إلا من صفة الجسم ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

«جعله الله» أى صيّره ، وهي جملة خبرية لفظا ، إنشائية معنى ، «من العلماء العاملين» بعلمهم. والدّعاء له بذلك نهاية إرادة الخير له ، لما ورد في ذلك من الآثار وصحيح الأخبار.

«ونفعه بها وجميع المؤمنين». الإيمان أخصّ من الإسلام ، إذ هو إقرار باللسان ، ومعرفة بالجنان وعمل بالأركان. والإسلام هو الأوّل فقط. أو هما مترادفان كما مرّ. وفيه أربعة أقوال آخر ، والكلام فى ذلك يطول ، وليس هذا محلّه.

و «تشتمل» أى هذه الفوائد الصّمدية «على خمس حدائق» ، جمع حديقة ، وهي الروضة ذات الشجر والبستان من النخل ، أو كلّ ما أحاط به البناء أو القطعة من النخل ، كذا في القاموس ، وفيه استعارة مطلقة. فإن قلت هذه الحدائق هي نفس الفوائد ولا معنى لاشتمال الشئ على نفسه؟ قلت : اشتمالها عليها من قبيل اشتمال الكلّ على أجزاءه باعتبار أنّ المشتمل مجموع الأجزاء ، والمشتمل عليه كلّ واحد منها ، أو أنّ الأوّل مجموعها معا ، والثاني مجموعها لا معا ، أعني أحاد الأجزاء بالأسر ، ويحتمل أن يراد بالفوائد الألفاظ والنقوش ، وبالحدائق المعاني أو بالعكس ، إذ يصحّ أن يقال : الألفاظ قوالب المعاني ، كما يصحّ أن يقال : إنّ المعاني قوالب الألفاظ باعتبارين كما مرّ.

ووجه الحصر في هذه الخمسة أنّ المذكور فيها أمّا مقصود بالذات لا غير ، أو ما يتوصّل به إليه مع شئ مقصود بالذات ، الثاني الحديقة الأولى ، والأول إمّا أن يبحث فيه عمّا يتعلّق بالأسماء أو لا ، الأولي الحديقة الثانية ، والثاني إمّا أن يبحث فيه عمّا يتعلّق بالأفعال أولا ، الأول الحديقة الثالثة ، والثاني إمّا أن يبحث فيه عن الجمل والمفردات ، الأوّل الحديقة الرابعة ، والثاني الحديقة الخامسة ، ولا يضرّ خروج الديباجة ، لأنّ المراد حصر المقصد بالذات ، أو ما يتوصّل به إليه.

__________________

(١) هم فرقة شبهوا الله سبحانه بالأجسام.

٤٧
٤٨

الفصل الأول الحديقة الأولى

٤٩
٥٠

معنى النحو في الأصل وحدّه اصطلاحا

ص : الحديقة الأولى : فيما أردت تقديمه.

غرّة : النحو علم بقوانين ألفاظ العرب ، من حيث الإعراب والبناء ، وفائدته حفظ اللسان عن الخطأ في المقال ، وموضوعه : الكلمة والكلام. فالكلمة : لفظ موضوع مفرد : وهي اسم وفعل وحرف. والكلام لفظ مفيد بالإسناد ، ولا يتأتّى إلا في اسمين ، أو فعل واسم.

ش : «الحديقه الأولى فيما أردت تقديمه» من بيان تعريف العلم الّذي هو بصدده وفائدته وموضوعه وتعريف موضوعه وأشياء أخر تمرّ عليك بالتفضيل إن شاء الله تعالى ، وإنّما قدّم ذلك لما قد تقرّر من أنّه من أراد الخوض بعلم من العلوم على الوجه الأكمل ، ينبغي له أن يتصوّر أوّلا حقيقة ذلك العلم بحدّه ليحصل له الإحاطة بجهة الوحدة الّتي باعتبارها جعلت المسائل الكثيرة علما واحدا ، فيا من فوات ما يعنيه والاشتغال بما لا يعنيه ، وإن يعرف فائدته وغايته ليصون سعيه عن العبث ، وإن يعرف موضوعه الّذي به يعدّ ليكون على زيادة بصيرة في طلبه.

فبيّن ذلك كلّه مقدّما له فقال : «غرّة» أي هذه غرّة ، بضمّ الغين المعجمة وتشديد الراء المهملة ، وهي بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم ، والغرّة من الشهر ليلة استهلال القمر. وفي الصحاح ، غرّة كلّ شيء أوّله وأكرمه. فعلى التفسيرين الأوّلين يكون فيه استعارة مطلقة للنحو. قال أبو الفتح بن جنّي في الخصائص : هو في الأصل مصدر شائع ، أي نحوت نحوا ، كقصدت قصدا ، ثمّ خصّ به انتحاء هذا القبيل من العلم ، كما أنّ الفقه في الاصل مصدر فقهت الشيء أي : عرفته ، ثمّ خصّ به علم الشريعة من التحليل والتحريم ، وذكر له نظائر في قصر ما كان شائعا في جنسه على حدّ أنواعه.

قال : وقد استعملته العرب ظرفا ، أنشد أبو الحسن (١) [من الرجز] :

__________________

(١) علي بن مؤمن أبو الحسن بن عصفور ، حامل لواء العربية في زمانه بالأندلس ، صنّف الممتع في التصريف ، شرح الجزولية ، ثلاثة شروح علي الجمل ومات سنة ٦٦٩ ، بغية الوعاة ، ٢ / ٢١٠.

٥١

٧ ـ يحدو بها كلّ فتى هيّات

وهنّ نحو البيت عامدات (١)

قيل : وإنّما سمّي هذا العلم به ، لأنّ أمير المؤمنين (ع) لمّا أملى أصوله على أبي الأسود كما تقدّم ، قال له : انح هذا النحو يا أبا الأسود ، فسمّي به تبرّكا بلفظه الشريف.

واصطلاحا «علم» وهو كالجنس ، يدخل فيه جميع العلوم على تفاوت معانيها. «بقوانين ألفاظ العرب» : القوانين جمع قانون ، وهو في الأصل لفظ يونانيّ أو سرياني موضوع لمسطر الكتابة ، وفي الاصطلاح قضيّة كليّة يتعرّف منها أحكام جزئيات موضوعها كقولنا : كلّ فاعل يجب رفعه ، وكلّ مفعول يجب نصبه (٢) وكلّ مضاف إليه يجب جرّه. وترادفه القاعدة والأصل والضابط. وهذا فصل أخرج به ما ليس بقوانين ألفاظ العرب وعلم اللغة ، فإنّه ليس بقواعد كليّة بل بجرئيّات ، وقوله : «من حيث الإعراب والبناء» أخرج به ما عدا العلم المقصود ، فانطبق التعريف عليه جامعا مانعا.

واعلم أنّ هذا الحدّ جار على عرف الناس الآن من جعل علم التصريف قسما برأسه غير داخل في علم النحو ، والمتعارف قديما شمول علم النحو له ، وكثيرا ما ينجرّ مسائل من أحد الفنّين إلى الآخر لما بينهما من شدّة الارتباط ، ولم يكن السلف كسيبويه فمن بعده يفردون أحدهما عن الآخر بالتصنيف إلا ما كان عن أبي عثمان المازنيّ (٣) ، وتلاه أبو الفتح بن جنيّ والزمخشريّ وابن الحاجب (٤) وابن هشام وغيرهم كالمصنّف هنا ، وفي التهذيب (٥) وممّن سلك عرف المتقدّمين من المتأخّرين جمال الدّين ابن مالك وناظر الجيش (٦) وأبو حيّان ، وفيقال : عوضا من قولهم من حيث الإعراب والبناء ، من حيث الإفراد والتركيب.

__________________

(١) لم يسمّ قائله ، اللغة : يحدو بها : أي إبل الحجيج أي يزجرها للمشي ، هيّات : فعّال بمعنى الصياح من هيّت به إذا صاح به ، وهو مجرور لأنّه صفة ، عامدات : قاصدات ، وهي حال من الضمير المستكن في الظرف.

(٢) سقطت «وكل مفعول يجب نصبه» في «س».

(٣) بكر بن محمد أبو عثمان المازنيّ كان إماما في العربيّة ، قيل : لم يكن بعد سيبويه أعلم بالنحو من أبي عثمان ، من تصانيفه : كتاب في القرآن ، علل النحو ، تفاسير كتاب سيبويه و... مات سنة ٢٤٩ ه‍ ، المصدر السابق ١ / ٤٦٣.

(٤) عثمان بن عمر بن أبي بكر العلّامة أبو عمرو بن الحاجب ، كان من أذكياء العالم ، صنف في النحو : الكافية وشرحها ونظمها ، الوافية وشرحها ، وفي التصريف : الشافية وشرحها. وله الأمالي في النحو مجلّد ضخم في غاية التحقيق ، مات سنة ٦٤٦ ه‍ ، بغية الوعاة ٢ / ١٣٤.

(٥) التهذيب في النحو لأبي البقاء العكبري المتوفّى سنة ٥٣٨ ه‍. كشف الظنون ، ١ / ٥١٨.

(٦) محمد بن يوسف عبد الدائم الحلبيّ محب الدين ناظر الجيش مهر في العربية وغيرها ، شرح التلخيص والتسهيل ومات سنة ٧٧٨ ه‍ ، بغية الوعاة ، ١ / ٢٧٥.

٥٢

فائدة علم النحو وموضوعه وتعريف الكلمة واللفظ : «وفائدته حفظ اللسان عن الخطاء في المقال» أي في الكلام والاستعانة على فهم كتاب الله تعالى والسّنّة ومسائل الفقه ومخاطبة العرب بعضهم بعضا. قيل : ومن ثمّ كانت معرفته واجبة ، لأنّ تعلّم الشرائع الواردة بلغة العرب لا يتمّ إلا به ، وكلّ ما لا يتمّ الواجب المطلق إلا به فهو واجب.

ثمّ اللحن من أقبح الأشياء في الانسان ، قال بعضهم : «لئن أقرأ فاسقط فأحبّ إلى من أن أقرأ فالحن» وكتب كاتب لأبي موسي الأشعري (١) ، إلى عمر ، من أبو موسى الأشعريّ ، فكتب إليه عمر : عزمت عليك لما قنعت كاتبك سوطا. وذكر أبو عبيدة (٢) أنّ هذا الكاتب هو حصين بن أبي الحرّ العنبريّ وأولاده ينكرون ذلك أشد الإنكار. وقال رجل لبنيه : يا بنيّ أصلحوا من ألسنتكم ، فإنّ الرجل تنوبه النائبة ، فيجب أن يتجمّل فيها ، فيستعير من أخيه دابته وثوبه ، ولا يجد من يعيره لسانه ، ولله درّ من قال [من الكامل] :

٨ ـ النحو يبسط من لسان الألكن

والمرء يكرمه إذا لم يلحن

فإذا طلبت من العلوم أجلّها

فأجلّها منه مقيم الألسن (٣)

«وموضوعه» موضوع كلّ علم ما يبحث في ذلك العلم عن عوارضه الذاتيّة ، وهي اللاحقة له أو لجزئه أو لغرض يساوي ذاته كالتعجّب اللاحق للذات لا بواسطة وكالحركة الإراديّة اللاحقة للإنسان بواسطة أنّه حيوان ، ولا شك أنّه جزء الإنسان وكالضحك العارض للإنسان بواسطة التعجّب. «الكلمة والكلام» هذا أحد الأقوال الثلاثة في موضوع علم النحو ، فقد قيل : إنّ موضوعه الكلمة فقط ، لأنّه إنّما يبحث فيه عن الإعراب والبناء وما يتعلّق بهما ، ولا ريب أنّ ذلك من الأحوال اللاحقة للكلمة ، وأمّا الحكم على بعض الجمل بالإعراب المحليّ فلتتريلها مترلة المفرد ووقوعها موقعه ، وقيل : إنّ موضوعه الكلام فقط ، لأنّ الكلمة لعدم استقلالها وحدّها وعدم حسن السكوت عليها لا تقع في المحاورات إلا في ضمن الكلام ، بل لا يظهر أثر الإعراب والبناء في آخرها إلا في ضمنه ، لا سيّما عند من ذهب إلى أنّها قبل التركيب لا معربة ولا مبنيّة.

وقيل : موضوعه كلاهما ، نظرا إلى كلا الوجهين. وقيل : بناء على تعارف القدماء إدراج الصرف تحت النحو وعليه ، فكان على المصنّف أن لا يذكر إلا موضوع علم

__________________

(١) الأشعري (أبو موسى) (ت ٤٤ ه‍ / ٦٦٥ م) صحابيّ ، أحد الحكمين مع عمرو بن العاص في تحكيم بعد صفّين ، المنجد في الأعلام ص ٥٠.

(٢) هو أبو عبيدة معمر بن المثنّى ولد سنة ١١٠ / ٧٢٨ ومن المرجّح جدّا أنّ مولده كان بالبصرة ، وكان يعدّ من أجمع الناس علما بلغة العرب القدامي وتاريخهم. تاريخ التراث العربي ، فؤاد سزگين ٨٠ / ١١١.

(٣) لم أقف علي قائلهما.

٥٣

النحو مجرّدا عن غيره ، لأنّ كتابه لم يشمل إلا عليه لا غيره ، واستمداده من الكلام العربيّ ومسائله المطالب الّتي يبرهن عليها فيه ، كعلمنا بأنّ الفاعل مرفوع والمفعول منصوب إلى غير ذلك (١).

وأل في الكلمة والكلام للعهد الذهنيّ ، أي المصطلح عليهما عند النحاة ، فالكلمة شرع في الكلام على حقيقة الكلمة والكلام ، لأنه إنّما يبحث عنها ، والفاء فصيحة ، أي إذا عرفت أنّ موضوعه الكلمة والكلام. «فالكلمة» وأل فيها للعهد الذكريّ ، فإنّ المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت عين الأولى ، كما إذا أعيدت النكرة معرفة ، وهذا أغلبيّ لا كليّ. وفيه كلام طويل ، ليس هذا محلّه. وهي لغة تقال للجمل المفيدة والقصيدة كقوله تعإلى : (وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا) [التوبة / ٤٠] ، أي لا إله إلا الله. وقولهم كلمة الحويدرة أي قصيدته ، والحويدرة لقب شاعر ، تصغير حادرة ، واسمه قطبة بن يحصن ، روي أن حسانا (٢) إذا قيل له : أنشدنا ، قال : أنشدكم كلمة الحويدرة ، يعني قصيدته الّتي مستهلها [من الكامل] :

٩ ـ بكرت سميّة غدوة فتمتّع

وغدت غدوّ مفارق لم يربع (٣)

وهو أمّا من باب إطلاق الجزء مرادا به الكلّ ، أو من باب الاستعارة المصرّحة من حيث إنّ الكلام لارتباط أجزائه بعضها ببعض كالكلمة الواحده ، واصطلاحا عند المنطقيّ الفعل على ما قيل ، وعند النحويّ «لفظ» أي : ملفوظ ، وهو في الأصل مصدر بمعنى الرمي مطلقا ، ثمّ خصّ بالرمي من الفم ، ثمّ أطلق عليه من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول كالخلق بمعنى المخلوق ، إلا أنّ هذا الإطلاق صار حقيقة عرفيّة ، والخلق بمعنى المخلوق مجاز لغويّ ، واشتهر تعريف اللفظ بأنّه الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائيّة.

لكن انتقد بأنّه لا يشمل اللفظ البسيط ، فمن ثمّ اختير في تعريفه ما قيل صوت معتمد على مقطع الفم حقيقة أو حكما ، فالأوّل كزيد ، والثاني كالمنويّ في فم المقدّر بانت بنا على جواز استعمال المشترك في معنييه الحقيقين إن كان حقيقة فيهما أو الحقيقيّ والمجازيّ ، إن كان حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر ، ولا مخلص عند مانعي

__________________

(١) سقطت هذه الجملة في «س».

(٢) أبو عبد الرحمن حسان بن ثابت بن المنذر ، من قبيلة الخزرج ، ولد بالمدينة ، اتّصل بالغساسنة ، ومدحهم كما اتّصل ببلاط الحيرة ، انتقل إلى الإسلام وناصره بلسانه فلقب شاعر النبي (ص) توفّي سنة ٦٧٤ م / ٥٤ ه‍. حنا الفاخوري ، الجامع في تاريخ الأدب العربي ، الأدب القديم ، لاط ، دار الجيل ، بيروت ، لات ، ص ٤١٣.

(٣) هو للحادرة. اللغة : بكرت : خرجت أوّل النهار قبل طلوع الشمس. غدوة : ما بين الفجر وطلوع الشمس.

٥٤

المسألة ، وهم الأكثر إلا بدعوي أنّه «موضوع» لأمر يعمّها كما قاله ابن هشام في شرح اللمحة.

وإنّما لم يقل لفظه لكونه في الأصل مصدرا ، ومن حقّه أن لا يؤنّث ولا يجمع ، لأنّه موضوع للحقيقه الّتي من شأنها ذلك ، مع أنّ اللفظ أخصّ ، ولو عبّر بالقول بدلا عن اللفظ لكان أولي ، لأنّ القول أخصّ منه لاختصاصه بالموضوع على الأشهر ، فكلّ قول لفظ ولا عكس بالمعنى اللغويّ ، ولم يكن يحتاج إلى التعقيد بقوله موضوع.

معنى الوضع والمفرد ومعنى الاحتراز بالجنس : الوضع لغة جعل الشيء في حيّز معيّن ، واصطلاحا قيل : تخصيص شيء بشيء بحيث (١) متي أطلق المخصّص به فهم المخصّص ، وقيل : تعيين شيء بشيء بحيث إذا علم الشيء الأوّل ، فهم منه الشيء الثاني ، ويسمّى الأوّل دالّا والثاني مدلولا.

«مفرد» وهو ما لا يقصد بجرئه الدالّة على جزء المعنى المقصود حين الجزئيّة كزيد ، فإنّ أجزاءه وهي ذوات حروفه الثلاثة الّتي هي «ز ي د» كلّ منها لا يدلّ على معنى ، ووقع في عبارة كثير من المؤلّفين أنّ المفرد ما لا يدلّ جزءه على جزء معناه ، فإنّ أجزاءه وهي الزاي والياء والدال لا تدلّ على معنى في زيد وهو غلط ، لأن الزاي والياء والدّال ليست أجزاءه ، بل هذه أسماء مسمّياتها ، وأجزاءه ومسمّياتها لا تدلّ على معنى ، إنّما يقال لها حروف المباني ، وتطلق بإزاء حروف المعاني الّتي هي الأسماء والأفعال ، نبّه عليه بعض المحقّقين.

واندرج في المفرد ما لا جزء له كهمزة الاستفهام ، وما له جزء غير دالّ على معنى كما مرّ ، وما له جزء يدلّ على معنى ليس جزء المعنى المقصود كعبد الله علما. وما له جزء دالّ على معنى هو جزء المعنى المقصود ، لكن لم تقصد دلالته حين الجزئية كالحيوان الناطق علما للآدمي ، فالمعنى غير مقصود في عبد الله ، والدلالة غير مقصودة في الحيوان الناطق ، فافترقا.

قال بعضهم : واعلم أنّ الإفراد لللفظ بالذات وللمعنى بالعرض ، يظهر ذلك بالتأمّل الصادق في حقيقتهما ، فجعله صفة لللفظ كما وقع في عبارته أولي من جعله صفة للمعنى كما وقع في عبارة ابن حاجب ، انتهى.

__________________

(١) سقط بحيث في «ح».

٥٥

هذا مفهوم حدّ الكلمة ، وأمّا احترازاته فاللفظ وإن كان في التعريف بمثابة الجنس ، وهو إنّما يؤتى به لبيان أصل الذات لا لإخراج شيء ، إذ ليس قبله غير المعرّف ، إلا أنّه يؤذن بمباينة ما عداه للمعرّف ، وهذا معنى الاحتراز بالجنس كما أفاده ابن هشام في شرح اللمحة. ولذلك لا يقال : يخرج عنه أو يقال : إنّ الجنس هنا وهو اللفظ لما كان أخصّ من الفصل من وجه صحّ الاحتراز به من جهة خصوصه ، وأمّا تعيّنه حينئذ للجنسية دون الفصليّة فلكونه أظهر أوصاف الكلمة ، فقدّم ، وجعل جنسا ، واحترز به عمّا ليس بلفظ ، كالدّوال الأربع ، وهي الإشارات. والنّصب والعقد والخطوط ، فإنّها موضوعة وليست بكلمات ، وخرج بالموضوع غير الموضوع كالمهملات والمحرفات والألفاظ الدّالة بالطبع والعقل ، وبالمفرد المركّب ، وهو ما يدلّ جزؤه على جزء معناه. فإن حسن السكوت عليه فهو التامّ ، وإلا فهو الناقص كزيد قائم وعبد الله غير علم.

معنى المركّب وهل هو موضوع أم لا : وأورد أنّ نحو ضرب مفرد ، مع أنّه لا يصدق عليه تعريفه ، ويصدق عليه تعريف المركّب ، لأنّ جزءه وهو المادّة يدلّ على الحدث ، وجزءه الآخر وهو الهيئة يدلّ على الزمان ، وعلى نسبة ذلك الحدث إلى الفاعل المعيّن أو المبهم على الخلاف في ذلك.

والتحقيق هو الأوّل ، فانتقض التعريف جمعا ومنعا ، وأجيب بأنّ المراد بالجزء المعتبر في التركيب ما يكون مرتّبا في السمع ، والهيئة مع المادّة ليست كذلك ، بل يوجدان مسموعين معا ، فلا انتقاض ، هذا وإنّما يخرج المركّب بقيد المفرد على القول بأنّه موضوع ، وإلا فقد خرج بقيد الوضع كما هو مذهب جمع من المحقّقين منهم الرازيّ (١) وابن الحاجب وابن مالك ، قالوا : ليس المركّب بموضوع ، ودلالته على معناه عقليّة لا وضعيّة ، واحتجّ له ابن مالك في كتاب الفيصل على المفصّل بوجهين : أحدهما أنّ من لا يعرف من كلام العرب إلا لفظين مفردين صالحين لإسناد أحدهما إلى الآخر ، فإنّه لا يفتقر عند سماعهما مع الإسناد إلى معرفة معنى الإسناد ، بل يدركه ضرورة ثانيها أنّ الدالّ بالوضع لا بدّ من إحصائه ومنع الاستيناف فيه كما كان في المفردات والمركّبات القائمة مقامها.

__________________

(١) الرازي : هو أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريّا ، كان من أكابر أئمة اللغة ، أخذ عنه بديع الزمان الهمداني وغيره ، له تصانيف كثيرة منها : المجزل في اللغة ، وغريب إعراب القرآن ، توفّي سنة ٣٩٥ ه‍. محمد فريد وحدي ، دائرة معارف القرن العشرين ، المجلد الرابع ، الطبعة الثالثة ، بيروت ، دار المعرفة ، ١٩٧١ م ، ص ٣٩٥.

٥٦

فلو كان الكلام دالا بالوضع ، وجب ذلك فيه ، ولم يكن لنا أن نتكلّم بكلام لم نسبق إليه ، كما لا يستعمل في المفردات إلا ما سبق استعماله ، وفي عدم ذلك برهان على أنّ الكلام ليس دالا بالوضع ، انتهى.

والأصحّ كما قال القرافيّ (١) ، ويعزى إلى الجمهور : أنّ المركّب موضوع ، أي : بالنوع لا بالشخص ، فيكون خارجا بقيد المفرد كما قرّرناه ، وبيانه أنّ الوضع إمّا شخصيّ أن تعلّق بألفاظ معيّنة سماعيّة ، يحتاج في معرفتها إلى علم اللغة ، ونوعيّ أن تعلّق بألفاظ معيّنة ، يعرف به مفردات قياسيّة ، يحتاج في معرفتها إلى علم الصرف ، كما بيّن أنّ كلّ اسم فاعل من الثلاثيّ المجرّد على زنة فاعل ، وكلّ اسم مفعول منه على زنة مفعول ، إلى غير ذلك من القوانين الصرفيّة ، أو يعرف به مركّبات قياسيّة ، يحتاج في معرفتها إلى علم النحو ، كما بيّن أنّ كلّ مضاف مقدّم على المضاف إليه ، والفعل على الفاعل إلى غير ذلك من القوانين النحويّة ، فالوضع جار في المفردات والمركّبات معا.

زاد ابن مالك في التسهيل (٢) في تعريف الكلمة قيد الاستقلال لإخراج أبعاض الكلمات كحروف المضارعة وألف المفاعلة وتاء قائمة وياء النسب ، فإنّها ليست بكلمات لعدم استقلالها ، ومن أسقط هذا القيد كالمصنّف رأي ما جنح إليه الرضيّ من أنّها وما هي فيه كلمتان ، صارتا لشدّة الامتزاج كالكلمة الواحدة ، على أنّه أورد على ابن مالك أنّ مقتضى هذه الزيادة مخرج ضمير الفاعل كقمت مثلا ، فإنّه غير مستقلّ ، مع أنّه كلمة ، وأجيب بأنّ المراد بالمستقلّ ما يشمل المستقلّ بمرادفه ، وبأنّ الأصل في الضمير أن يكون مستقلّا ، نحو أنا وأنت وهو ، فلا يضرّ عروض اتّصاله لمعنى الثاني.

للمفرد ستّة معان : للمفرد ستّة معان ، فإنّه كما يطلق على ما يقابل المركّب كما هنا يطلق على ما يقابل (٣) المثنّى والمجموع على حدّه ، كما في باب الإعراب بالحركات وعلى مقابل المضاف وشبهه ، كما في باب النداء ولا النافية للجنس ، وعلى ما يقابل الجملة ، كما في قولهم الأصل في الخبر أن يكون مفردا ، وعلى ما يقابل العلم المزجيّ والإضافيّ والاسناديّ ، كما في باب العلم وعلى معنى الواحد كما في باب أسماء العدد ،

__________________

(١) شيخ شهاب الدين القرافي أحمد بن إدريس (ـ ٦٨٤ ه‍ ق) مغربيّ عاش ومات في مصر ، من علماء المالكية ، له مؤلفات في الفقه والاصول والعربية. مغني اللبيب ص ١٦٨.

(٢) التسهيل هو كتاب «تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد» في النحو ، للشيخ جمال الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الله المعروف بابن مالك النحويّ المتوفّي سنه ٦٧٢ ه‍. كشف الظنون. ١ / ٤٠٥.

(٣) هذه الجملة محذوفة في «ط».

٥٧

لا يقال فاستعماله حينئذ في التعريف مخلّ ، لأنّا نقول : إنّما يكون استعمال الألفاظ المشتركة في الحدود مخلّا ، إذا لم تقم قرينة تعيّن المقصود ، أمّا إذا قامت قرينة تعيّنه فلا.

أقسام الكلمة الثلاثة وأدلّة الانحصار فيها : قدّم تعريف الكلمة على الكلام ، لأنّها جزءه ، والجزء مقدّم على الكلّ طبعا ، فقدّمها وضعا ليوافق الوضع الطبع ، ومن قدّم الكلام فلأنّه المقصود بالذات ، وهي أي الكلمة باعتبار مفهومها ثلاثة (١) اسم وفعل وحرف ، أي منقسمة إلى هذه الأنواع ، منحصرة فيها ، كما يفيده السكوت في مقام البيان والتقسيم أيضا ، إذ الأصل فيه أن يكون حاضرا ، والأدلّة على هذا الانحصار ثلاثة : أحدها الأثر ، وهو ما روي عن أمير المؤمنين (ع) وقد مرّ. الثاني : الاستقراء التامّ من أئمة العربيّة ، فإنّهم تتبّعوا كلمات العرب ، فلم يظفروا بغير هذه الثلاثة ، ولو كان ثمّ نوع آخر لعثروا عليه ، الثالث : الدليل العقليّ ، ولهم في ذلك عبارات : منها أنّ الكلمة موضوعة ـ كما مرّ ـ فتكون دالة لا محالة ، لأنّ الوضع من أسباب الدلالة.

فنقول : إمّا أن تدلّ على معنى غير مستقلّ بالمفهومية ، أو لا ، الأوّل حرف ، والثاني إمّا أن يدلّ على اقتران معناها بأحد الأزمنة الثلاثة أولا ، الأوّل الفعل ، والثاني الاسم ، ومنها أنّ الكلمة إمّا أن يصحّ إسنادها إلى غيرها أو لا ، فإن لم يصحّ فهي الحرف ، وإن صحّ فإمّا أن تقترن بأحد الأزمنة الثلاثة أو لا ، فإن اقترنت فهي الفعل ، وإلّا فهي الاسم.

ومنها أنّ العبارات بحسب المعبّر عنه ، والمعبّر عنه (٢) من المعاني ثلاث : ذات وحدث عن ذات وواسطة بين الذات ، والحدث يدلّ على إثباته لها أو نفيه عنها ، فالذات الاسم ، والحدث الفعل ، والواسطة الحرف.

وزاد أبو جعفر بن صابر (٣) قسما رابعا ، سمّاه الخالفة ، وهو اسم الفعل ، لأنّه خلف عن الفعل ، ولم يقل بذلك أحد غيره ، ولم يلتفت إليه أحد.

واعلم أنّ تقسيم الكلمة إلى هذه الثلاثة من تقسيم الكليّ إلى جزئيّاته ، كانقسام الحيوان إلى إنسان وفرس وغيرهما ، فيصحّ إطلاق المقسّم على كلّ من أقسامه ، وبهذا يندفع ما قد يقال : إنّ العطف بواو الجمع يقتضي أن تكون الكلمة مجموع هذه الثلاثة ، ومن جعلها أقساما للكلام فهو من تقسيم الكلّ إلى أجزائه ، كانقسام السكنجبين إلى خلّ وعسل ، فلا يصحّ إطلاق المقسّم على كلّ من أقسامه.

__________________

(١) من وهي حتي هنا سقطت في «ح».

(٢) والمعبر عنه سقط في «ط».

(٣) أحمد بن صابر أبو جعفر النحويّ ، الذاهب إلى أنّ للكلمة قسما رابعا ، وسمّاه الخالفة ، بغية الوعاة ١ / ٣١١. ولم يذكر تاريخ وفاته.

٥٨

قال بعض المحقّقين : جرت عادة أرباب التاليف بالتعقيب الحدود بالتقسيمات ، وفائدته أمّا تكميل معرفة المحدود ، أو تحصيل مفهومات الأقسام (١) ببيان ما يختصّ بكل من الأحكام ، انتهى.

وسمّي الاسم اسما آخذا من السّمة ، أو من السمو على ما تقدّم ، لأنّه علامة على مسمّاه ، أو لسموّه على أخويه باستغنائه عنهما للإخبارية وعنه ، ولهذا قدّم عليهما في الذكر.

[وسمّي] الفعل فعلا ، لدلالته بالتضمّن على الفعل اللغويّ الّذي هو الحدث ، واتّبع به الاسم للاخبار به لا عنه ، والحرف حرفا لكونه على حرف ، أي طرف من الكلام من حيث إنّه لا يدلّ على معنى في نفسه ، وإنّه لا يقع عمدة في الكلام بخلافه فيهما ، ولهذا أخّر عنهما.

الكلام ومعناه لغة وحدّه اصطلاحا : «الكلام» لغة يطلق على ستّة معان : الخط ، وشرطه أن يكون معبّرا عنه باللفظ المفيد ، ومنه تسميتهم ما بين دفّتي (٢) المصحف كلام الله تعإلى ، والإشارة المفهمة ومنه قوله [من الطويل] :

١٠ ـ إذا كلّمتني بالعيون الفواتر

رددت عليها بالدموع البوادر (٣)

واللفظ الّذي لا يفيد ، قيل : ومنه الحديث «هذه الصلاة لا يصحّ فيها شئ من كلام الناس ، فإنّها تبطل ولو بالكلمة الواحدة (٤)». وما فهم من حال الشئ وهو المسمّى بلسان الحال ، ومنه قوله [من الرجز] :

١١ ـ شكا إلى جملي طول السّرى

 ... (٥)

ومعلوم أنّ الجمل لا يتكلّم ، وإنّما فهمت الشكوي من لسان حاله.

واسم الحديث الّذي هو التكليم ، ومنه قوله [من البسيط] :

١٢ ـ قالوا كلامك هندا وهي مصغية

 ... (٦)

أي تكليمك هندا.

__________________

(١) محدودات الأقسام «س».

(٢) الدّف : الجنب من كلّ شيء أو صفحته.

(٣) لم يسمّ قائله. اللغة : الفواتر : جمع الفاترة. يقال : عين فاترة اي : فيها ضعف مستحسن. البوادر : جمع البادرة ، بمعنى سريعة.

(٤) ويروى إنّ هذه الصلاة لا يحلّ فيهما ... سنن أبي داود ، للحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستانيّ ، ص ١٧٩ ، رقم الحديث ٩٣٠.

(٥) تمامه «صبر جميل فكلانا مبتلي» ، ولم يسمّ قائله اللغة : السّرى : سير عامة الليل (يذكّر ويؤنث).

(٦) تمامه «يشفيك قلت صحيح ذاك لو كانا» ، وهو مجهول القائل. اللغة : مصغية : اسم فاعل من أصغى بمعنى أحسن الاستماع.

٥٩

وما في النّفس من المعنى ويعبّر عنه باللفظ المفيد ، وذلك كأن يقوم بنفسك معنى قام زيد ، وقعد عمرو ، فيسمّي ذلك الّذي تخيلته كلاما ، وهو المسمّى بحديث النفس ومنه قول الأخطل [من الوافر] :

١٣ ـ إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما

جعل اللسان على الفواد دليلا (١)

قال أبو حيّان في الإرتشاف : والّذي يصحّ أنّ ذلك كلّه على سبيل المجاز لا على سبيل الاشتراك خلافا لزاعمي ذلك.

واصطلاحا «لفظ» ، أي ملفوظ ، ولو عبّر عنه بالقول لكان أولي لما مرّ ، واحترز به عمّا ليس بلفظ ، إن كان جنسا لما تقدّم.

معنى المفيد والفائده في الاصطلاح : «مفيد» أي دالّ على معنى يحسن السكوت عليه ، لأنّ الفائدة في الإصطلاح حيث وقعت قيدا للفظ أو القول ، فالمراد بها الفائدة التامة أي التركيبة لا النّاقصة الّتي هي الإفراديّة ، إذ هي غير معتدّ بها في نظرهم.

والمراد بحسن السكوت عليه ، أن لا يكون مفتقرا إلى شيء ، كافتقار المحكوم عليه للمحكوم به وعكسه ، فلا أثر لافتقاره إلى المتعلّقات من المفاعيل ونحوها ، وهل المراد سكوت المتكلّم أو السامع أو هما؟ أقوال ، أرجحها الأوّل ، لأنّه خلاف التّكلّم ، فكما أن التّكلّم صفة المتكلّم ، كذلك السكوت صفة له ، وخرج به ما لا فائدة فيه كالمركّب الإضافيّ والمزجيّ والإسناديّ المسمّى به كشاب قرناها ، ودخل فيه ما لا يجهل معناه ، كالسماء فوقنا ، والأرض تحتنا ، والنّار حارّة ، إلا أن يراد بالمفيد ، المفيد بالفعل فلا يسمّى كلاما ، وعليه جرى جمع ، وصرّح به ابن مالك في شرح التسهيل ، ونقله عن سيبويه وغيره ، والمحقّقون بل الأكثرون على خلافه ، وإلا لم يكن شيء من القضايا البديهيّة مع كثرتها كلاما مع أنها خبر بلا شكّ وكلّ خبر كلام.

ونازع أبو حيّان في شرحه على التسهيل فيما نقل ابن مالك عن سيبويه ، وقال ما أعلم أحدا يمنع ، قال زيد : النّار حارّة ، ولا قال : الكلّ أعظم من الجزء ، قال : وكان بعض أهل عصرنا يقول : العجب من هؤلاء النحاة يجيبون لا يصدق القضايا ، فيجعلونها ليست بكلام ، كقولنا : النقيضان لا يجمتعان ولا يرتفعان ، والضدّان لا يجتمعان ، وقد يرتفعان. ويلزمهم بأنّهم لمّا شرحوا الكلام بأنّه الّذي يفيد السامع ، علم ما لم يكن يعلم أنّ الكلام إذا طرق سمع الإنسان ، فاستفاد منه شيئا ، ثمّ طرقه ثانيا ، وقد علم مضمونه

__________________

(١) اللغة : الفؤاد : القلب.

٦٠

أوّلا أنّه لا يكون كلاما باعتبار المرّة الثانية ، لأنّه لم يفده علم ما لم يكن يعلم ، فيكون الشيء الواحد كلاما بحسب إفادته السامع ، انتهى.

قوله : «بالإسناد» وهو ضمّ إحدى الكلمتين إلى الأخرى ليفيد المخاطب فائدة تامّة ، والباء للسببيّة ، أو الاستعانة أو الإلصاق أو المصاحبة ، متعلّقة بالمفيد ، أو صفة مصدرة ، أي إفادة متلبّسة به ، وذكره من قبيل التصريح بما علم التزاما لأنّ المفيد بالمعنى المذكور مستلزم للإسناد ، لكن لما كانت دلالة الألتزام مهجورة في التعريف صرّح به ، اذ المقصود من الحدّ بيان الماهيّة ، وهي لا تعرف إلا بذكر جميع أجزائها تصريحا ، وقد يقال : إنّه احترز به عن مثل : غلام زيد عمرو ، على سبيل التعداد ، إذ لا خفاء في أنّه لفظ مفيد. مع أنّه ليس بكلام قطعا ، فتأمّل.

واعتبر بعضهم في الكلام القصد ، أي قصد المتكلّم إفادة السامع لإخراج كلام النائم ونحوه ، فإنّه عار عن القصد ، وقد يمنع كون ذلك ليس بكلام كما صحّحه أبو حيّان. ولو سلم فلا حاجة إلى التصريح بالقصد كما في التصريح ، لأنّ حسن سكوت المتكلّم يستدعي أن يكون قاصدا لما تكلّم به ، أو لأنّ ما خرج به ، قد خرج بقيد الإفادة. واعتبر بعضهم إتّحاد الناطق أيضا احترازا من أن يصطلح شخصان ، على أن يذكر أحدهما اسما أو فعلا ويذكر الآخر خبر المبتدأ أو فاعل الفعل. قال ابن مالك : وهذا غير محتاج إليه لوجهين ، أحدهما : أنّه كما لا يعتبر اتّحاد الكاتب في كون الخطّ خطّا ، كذلك لا يعتبر اتّحاد الناطق في كون الكلام كلاما ، والثاني : أنّ كلّ واحد من المصطلحين متكلّم بكلام ، وإنّما اقتصر على كلمة واحدة اتّكالا على نطق الآخر بالأخري.

وفي الوجه الأوّل تسليم أنّ الكلام الواحد قد يصدر من اثنين ، وهو لا يتصوّر ألبتّة ضرورة كلّ كلام مشتمل على نسبة أحد طرفيه إلى الآخر ، والنسبة أمر نفسانيّ لا يقبل التجزّي ، ولا يقوم إلا بمحلّ واحد ، نبّه عليه المراديّ (١). قال بعضهم : وهذا يعني اعتبار اتّحاد الناطق لم ينقل عن نحويّ فيما نعلم ، وإنّما ذكره بعض من تكلّم في الأصول ، انتهى.

قال البدر الدمامينيّ في شرحه على التسهيل : ولا أكاد أقصي العجب من الشيخ جمال الدين عبد الرحيم الإسنويّ (٢) ، حيث ذكر هذه المسئلة في كتابه المسمّى بالكوكب الدريّ الموضوع لتتريل الفروع الفقهيّة على الأحكام النحويّة ، فرتّب على الاختلاف في

__________________

(١) الحسن بن قاسم المرادي النحويّ اللغويّ بدر الدين المعروف بابن أمّ قاسم ، وله : شرح التسهيل ، شرح المفصّل ، شرح الألفية والجني الداني في حروف المعاني. توفّي سنة ٧٤٩ ه‍. ق. بغية الوعاة ، ١ / ٥١٧.

(٢) الإسنويّ (جمال الدين عبد الرحيم) (ت ٧٧٢ ه‍) : فقيه أصوليّ وعالم بالعربية ، من كتبه «نهاية السول في شرح منهاج الأصول» و «التمهيد» و «شرح الفية ابن مالك» المصدر السابق ، ٢ / ٩٢.

٦١

هذه القاعدة فروعا منها : لو وكّل وكيلين بطلاق زوجته ، فقال أحدهما : فلانة ، يعني الزوجة المذكورة وقال الآخر : طالق. وقال : إن بنيناه على اشتراط اتّحاد الناطق بالكلام لم يقع الطّلاق ، وإلا وقع ، وقد علمت استحالة الوجه الأوّل ، فكيف يبني عليه حكم شرعيّ فتأمّله ، انتهى.

قلت : تأمّلته فوجدته محض تقوّل على الإسنويّ ، فإنّه لم يقل بذلك في كتابه المذكور أصلا ، وهذه عبارته ، قال بعد أن ذكر المسألة ، وصحّح عدم اشتراط ذلك في الكلام : ومن فروعها ما إذا كان له وكيلان بإعتاق عبد أو وقفه أو غير ذلك ، واتّفقا على أن يقول أحدهما : مثلا هذا ، ويقول الثاني : حرّ ، ولا استحضر فيها الآن نقلا ، انتهى.

وكلامه في الكواكب الدّري ينصّه ، ومنه نقلت ، فأين ما نقله من بناء الحكم الشرعيّ على المسألة ، وهل هذا إلا تشنيع بحت؟

«ولا يتأتى» أي لا يحصل الكلام إلا في ضمن «اسمين» ، ولهما أربع صور : مبتدأ وخبر ، كزيد قائم. ومبتدأ وفاعل أو نائب سدّا مسدّ الخبر ، نحو : أقائم الزيدان ، وما مضروب العمران. واسم فعل وفاعل ، نحو : هيهات العقيق ، ملفوظين كان الاسمان كما ذكر ، أو مقدّرين ، كنعم في جواب أزيد قائم ، أو أحدهما مقدّرا كزيد في جواب من ذا؟ أو في ضمن فعل واسم هو فاعله أو نائب عنه ، كقام زيد ، وضرب عمرو ، ملفوظين كانا ، كما ذكر ، أو مقدّرين كنعم في جواب أقام زيد؟ أو أحدهما مقدّرا ، نحو : بلي زيد في جواب لم يقم أحد ، أي لا يتحقّق هذا العامّ إلا في ضمن هذين الخاصّين.

قال بعض المحقّقين : والأنسب جعل «في» بمعنى «عن» (١) ، ووجه عدم تأتّي الكلام إلا فيما ذكر أنّ التركيب العقليّ الثنائيّ بين الثلاثة الأقسام ، لا يعدو أقساما ستّة ، اسمان وفعلان وحرفان واسم وفعل واسم وحرف وفعل وحرف.

فالكلام لا بدّ له من الإسناد ، وهو لا بدّ له من المسند والمسند إليه ، وهما لا يتحقّقان إلا في اسمين ، ليكون أحدهما مسندا ، والآخر مسندا إليه ، أو فعل واسم ليكون الفعل مسندا ، والاسم مسندا إليه.

وأما الأقسام الباقية ففي الفعلين المسند إليه مفقود ، وكذا في الفعل والحرف ، وفي الحرفين المسند والمسند إليه كلاهما مفقود ، وفي الاسم والحرف أحدهما مفقود ، إذ لو

__________________

(١) سقط «عن» في «س».

٦٢

جعلت الاسم مسندا فلا مسند إليه ، وإن جعلته مسندا إليه فلا مسند ، وأمّا نحو : يا زيد ، فلسدّ «يا» مسدّ أدعو ، خلافا لأبي علي (١) حيث جعل ذلك كلاما.

وذهب ابن طلحة (٢) إلى أنّ اللفظة الواحدة وجودا وتقديرا قد تكون كلاما ، إذا قامت مقام الكلام ، وجعل من ذلك نعم ولا في الجواب ، وهو خلاف المشهور ، والصحيح ما مرّ. فعلم أنّ مدار الكلام على المسند والمسند إليه ، وأن تأتي من أكثر منهما ، وله أربع صور ، جملتان أمّا شرط وجزاء ، نحو : إن قام زيد قمت ، أو قسم وجوابه ، نحو : أحلف بالله لزيد قائم ، وفعل واسمان ، نحو : كان زيد قائما ، أو ثلاثة ، نحو : علمت زيدا قاضيا ، أو أربعة ، نحو : أعلمت زيدا عمرا فاضلا ، فصور تاليف الكلام ستّة.

انقسام الكلام إلى خبر وإنشاء : تنبيهان : الأوّل : ينقسم الكلام إلى خبر وإنشاء ، لأنّه إن احتمل التصديق والتكذيب ، كان خبرا ، وإلا فانشاء ، والأصحّ انحصاره فيهما ، كما عليه الحذّاق من النّحاة وغيرهم وأهل البيان قاطبة.

وذهب كثير إلى انقسامه إلى خبر وطلب وانشاء. قالوا : لأنّ الكلام أمّا أن يحتمل التصديق والتكذيب أولا ، الأوّل الخبر ، الثاني إن اقترن معناه بلفظه فهو الإنشاء ، وإن لم يقترن بل تأخّر عنه فهو الطلب.

والمحقّقون على دخول الطلب في الإنشاء ، وأنّ معنى «إضرب» مثلا وهو طلب الضرب مقترن بلفظه ، وأمّا الضرب الّذي يوجد بعد ذلك ، فهو متعلّق الطلب لا نفسه. قال بعض المحقّقين ونعم ما قال : لك أن تجعل الخلاف بين من ثنّى القسمة وثلّثها لفظيّا ، فمن ثنّاها جعل لفظ الطلب إن قال : إنّ الكلام خبر وطلب ، كابن مالك في الكافية ، أو لفظ الإنشاء إن قال : إنّه خبر وإنشاء لمعنى واحد ، وهو ما لا يحتمل التصديق والتكذيب ، غير أنّ له قسمين متحالفين ما يتأخّر وجود معناه عن وجود لفظه ، وما يقارن وجود معناه وجود لفظه ومن ثلّثها جعل لفظ الطلب اسما للقسم الأوّل من ذلك المعنى ولفظ الإنشاء للقسم الثاني منه ، انتهى.

__________________

(١) أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفّار بن محمد بن سليمان الفارسيّ من أئمة النحو ، ولد في إيران وعاش في بغداد ، أخذ عن ابن السّراج والزّجاج وأخذ عنه ابن جني ، من تصانيفه : الإيضاح في النحو ، أبيات الإعراب ، وتوفي سنة ٣٧٧ ه‍ المصدر السابق ، ١ / ٤٩٦.

(٢) محمد بن طلحه المعروف بابن طلحة كان إماما في صناعة العربية درس العربية والآداب باشبيلية أكثر من خمسين سنة ، ومات سنة ٥٤٥ ه‍. المصدر السابق ، ١ / ١٢١.

٦٣

الثّاني : الخلاف المشهور عند النّظّام (١) في كون الخبر والطلب بديهيّن ، فلا يحتاجان إلى التعريف أولا ، فيحتاجان إليه جار في الكلام ، لأنّ بداهة الأخصّ تستلزم بداهة الأعمّ ، وقد نقل الخلاف في الكلام يحدّ أم لا بعض كبار الأئمة ، حكاه بعض المتأخّرين.

الاسم والفعل والحرف

ص : إيضاح : الاسم كلمة معناها مستقلّ ، غير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة ، ويختصّ بالجرّ والنداء ، واللام والتنوين ، والتثنية والجمع.

والفعل : كلمة معناها مستقلّ ، مقترن بأحدها ، ويختصّ بقد ولم وتاء التأنيث ونون التاكيد.

والحرف : كلمة معناها غير مستقلّ ، ولا مقترن بأحدها ، ويعرف بعدم قبول شيء من خواصّ أخويه.

ش : هذا إيضاح لكلّ واحد من الكلم الثلاث بحدّه ، وبعض خواص الاسم والفعل وما يعرف به الحرف. «الاسم كلمة معناها مستقلّ» بالمفهوميّة ، أي لا يحتاج في تعقّله ، والدلالة عليه بها إلى ضمّ ضميمة ، فقوله : كلمة شامل للكلم الثلاث ، وقوله : معناه مستقلّ مخرج للحرف ، فإنّ معناه غير مستقلّ كما سيأتي في حدّه عن قريب ، إن شاء الله تعالى. وقوله : «غير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة» أي الماضي والحال والمستقبل ، مخرج للفعل ، فإنّه مقترن بأحدها ، كما سيأتي ، والمراد بعدم الاقتران كونه بحسب الوضع الأوّل لتدخل أسماء الأفعال ، نحو : رويد وهيهات ، لأنّها دوال (٢) على معنى مستقلّ ، هو الحدث غير مقترن في الوضع الأوّل ، لأنّ الوضع الأوّل لها نفس الحدث ، فهذا المعنى المستقلّ في الوضع الأوّل غير مقترن. ودخل نحو : يزيد ويشكر علمين ، لأنّ معناهما العلميّ غير مقترن بحسب الوضع الأوّل ، وخرج عنه الأفعال المنسلخة ، نحو : عسى وكاد ، لأنّ معاينها مستقلّة مقترنة في الوضع الأوّل ، وهو الوضع الفعليّ لها ، فإنّها فيه موضوعة لهذا الحدث والزمان.

ويخرج عنه المضارع المشترك بين الحال والاستقبال على رأي أيضا ، لأنّه في الوضع الأوّل لأحد الزمانين معيّنا ، واللّبس أنّما حصل عند السامع بالاشتراك ، وكذا يخرج

__________________

(١) النّظام إبراهيم بن سيار (ت ٢٣١ ه‍). متكلّم معتزلي منطقي وشاعر ، معلّم الجاحظ ، عارض آراء الفقهاء وانتقد الجبريّة والمرجئة. المنجد في الأعلام ص ٥٧٤.

(٢) الدوال : جمع دال.

٦٤

اسما الفاعل والمفعول ، لأنّها وإن كانا لا يعملان إلا مع اشتراط الحال أو إلاستقبال إلا أنّ ذلك الزمان مدلول عملها العارض لا مدلولهما بحسب الوضع الأوّل.

وكذا نحو : القتل والضرب ، فإنّه وإن وجب وقوعه في أحد الأزمنة الثلاثة معيّنا في نفس الأمر ، لكن ذلك الزمان المعيّن لا يدلّ عليه المصدر بحسب الوضع ، وأمّا نحو : الصبوح والغبوق (١) فلم يقترن بزمان معيّن من الأزمنة المذكورة ، وإن اقترن بالزمان ، لأنّ معناهما يصلح لأن يقع ماضيا أو حالا أو مستقبلا ، ولهذا يحتاج إلى تجديد صيغة لإفادة أحدهما كاصطبح (٢) ويصطبح ، ولا ينتقض الحدّ بلفظ الماضي والمستقبل ، لأنّهما يدلّان على نفس الزمان ، والزمان غير مقترن بزمان ، فإذا أريد بهما الفعل الّذي انقضى ، والّذي لم يأت ، فالمعنى ماض زمانه ومستقبل زمانه ، فحذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه فتوهّم أنّه له ، ولو سلم أنّه له ، فالماضي حدث له العدم بعد الوجود ، والمستقبل حدث معدوم له انتظار الوجود ، وليس في مدلول شيء منها زمان معيّن ، بل الزمان المعيّن من لوازم تحقّقهما كالمصادر.

ولمّا حدّ الاسم أخذ يذكر بعض خواصه ليزداد الطالب معرفة به ، فقال : «ويختصّ» الاسم «بالجرّ» أي بدخوله عليه ، لأنّه من خواصّه ، وهو الكسرة الّتي يحدثها العامل في آخره ، سواء كان العامل حرفا أو مضافا ، وخاصّة الشيء اصطلاحا ما يوجد في الشيء ، ولا يوجد في غيره ، فإن وجدت في جميع أفراده فهي خاصّة شاملة ، ثمّ إن لم توجد في شيء من أغياره فهي خاصّة حقيقيّة وإلا فإضافيّة.

هذا هو المشهور ، وقال بعض المحقّقين من شرّاح الكافية خاصّة الشيء عند النحاة ما لا توجد بدون ذلك الشيء (٣) ، ويوجد ذلك الشيء بدونها ، صرّح به المصنّف في شرح المنظومة وغيره ، وما اشتهر من جواز شمولها لجميع أفراد الشيء فهو عند المنطقي ، انتهى.

وأمّا الحدّ فهو المعرّف الجامع المانع ، سواء دلّ على مجرّد الماهية كالحيوان الناطق في تعريف الإنسان ، ويختصّ عند المنطقيّ باسم الحدّ أم لا ، كالحيوان الضاحك في تعريفه ، ويسمّي عنده رسما فإن قلت : الّذي يسبق إلى الفهم من اختصاص شيء بآخر ، هو كونه مقصورا على الآخر ، لأنّ معناه كونه بحيث يختصّ الآخر ، ولا يعمّه وغيره ، فكان عليه أن يقول : ويختص الجرّ بالاسم.

__________________

(١) الصبوح : شراب الصباح والغبوق : ما يشرب بالعشيّ.

(٢) اصطبح : شرب الصّبوح.

(٣) سقط الشئ في «ح».

٦٥

استعمال لفظ الخصوص وما يتفرّع منه : قلت : الأصل في لفظ الخصوص وما يتفرّع منه أن يستعمل بإدخال الباء على المقصور عليه ، أعني ما له الخاصّة ، فيقال : اختصّ المال بزيد ، أي المال له دون غيره ، وذلك كما لو قلنا : ويختصّ الجرّ بالاسم ، وهذا هو الاستعمال العربيّ الّذي يسبق إلى الفهم.

ولكن شاع في العرف إدخال الباء على المقصور ، أعني الخاصّة ، كما استعمله المصنّف وذلك إمّا بناء على جعل التخصيص مجازا عن التمييز مشهورا في العرف ، أو على تضمين معنى التمييز والاقتران ، فيلاحظ المعنيان معا ، وحاصله يرجع إلى ملاحظة معنى التمييز ، لأنّ تخصيص شيء بشيء في قوّة تمييز الآخر به ، وهو الأنسب بمثل هذا المقام كما لا يخفي ، وأبي بعضهم إلا هذا الاستعمال ، وشدّد النكير (١) على من خالفه. قيل : وإنّما اختصّ الاسم بالجرّ ، لكونه أثر حرف الجرّ ، وهو من خواصّ الاسم ، فكذا الجرّ ، وإلا لزم تخلّف الأثر عن المؤثّر.

قال الفاضل الهنديّ (٢) : ـ وفيه نظر ـ ووجهه أنّه لا يلزم من اختصاص المؤثّر اختصاص الأثر ، فإنّ الأثر قد يثبت بمؤثرات شتّي ، ألا ترى أنّ لن من خواصّ الفعل ، وأثرها وهو النّصب لا يختصّ الفعل به ، بل يدخل في الاسم بمؤثر آخر ، وأجيب بأنّ ذلك فيما إذا كان للأثر مؤثّرات شتّي كالنصب ، أمّا إذا كان له مؤثّر خاصّ فلا ، وهو هاهنا كذلك ، إذ ليس للجرّ مؤثّر سوى حرف الجرّ ، وهو بناء على أنّ العامل في المضاف إليه حرف الجرّ مقدرا ، والأصحّ خلافه كما سيأتي.

وأحسن ما قيل في تعليل ذلك أنّ الاسم أصل في الإعراب ، والمضارع فرع ، فحطّ إعراب الفرع عن إعراب الأصل بجعل ما هو أصل البناء إعرابا فيه ، وهو الجزم ، ومنع الجرّ عنه ، لئلا يزيد إعراب الفرع على الثلاثة ، ويختصّ بدخول اللّام الساكنة المسبوقة بهمزة الوصل ، ويعبّر عنها بأل ، فخرج نحو لام الابتداء وجواب القسم وجواب لو ولولا لدخولهنّ على الفعل ، والمراد باللام المذكورة اللام المعرفة ، إذ هي المتبادرة عند الأطلاق ، حتّى إذا أريد غيرها قيّدت ، فيقال : أل الموصولة أو الزائدة.

قيل : وإنّما اختصّ بها ، لأنّها موضوعة لتعريف الذات ، والموضوع للذات هو الاسم ، وفيه نظر ، ويجوز أن يراد باللام ما هو أعمّ من المعرفة لتدخل الموصولة والزائدة ، ويحمل دخولها على المضارع كإلى جدّع في قوله [من الطويل] :

__________________

(١) النكير : الإنكار.

(٢) لعلّه شهاب الدين أحمد بن عمر الهنديّ المتوفي سنة ٨٤٩ ه‍ من شرّاح الكافية في النحو. كشف الظنون ٢ / ١٣٧١.

٦٦

١٤ ـ ...

إلى ربّه صوت الحمار اليجدّع (١)

على أنّه ضرورة ، خلافا للأخفش وبعض الكوفيّين وابن مالك ، فتدبّر.

وفي تعبيره باللام إشارة إلى اختياره مذهب سيبويه ، فيما اشتهر عنه أنّ أداة التعريف هي اللّام وحدها ، وسيأتي تفصيل الأقوال فيها إن شاء الله.

أقسام التنوين ومعنى التقفية والتصريع والعروض والضرب : «و» يختصّ بدخول «التنوين» عليه ، وهو في الأصل مصدر نوّنت الكلمة ، إذا ألحقتها نونا ، ثمّ غلب على نون تثبت لفظا لا خطّا ، استغناء عنها بتكرار الحركة. فخرج بقولنا : لا خطّا ، سائر النونات المزيدة ، ساكنة كانت أو غيرها ، لثبوتها خطا ، وهذا الحدّ أحسن الحدود وأخصرها كما قيل.

وأنواعه ستّة على المشهور ، والمختصّ بالاسم منها أربعة ، الأوّل : تنوين التمكين ، وهو اللّاحق للاسم المعرب المنصرف ، ما عدا الجمع بألف وتاء ، والجمع غير المنصرف ، إعلاما ببقائه على أصالته ، بحيث لم يشبه الحرف فيبنى ، ولا الفعل فيمنع من الصرف ، ويسمّى تنوين الأمكنية أيضا ، وتنوين الصرف ، وذلك كزيد ورجل ورجال ، والثاني : تنوين التنكير ، وهو اللّاحق لبعض الأسماء المبنيّة ، فرقا بين معرفتها ونكرتها ، ويقع سماعا في باب اسم الفعل ، كصه ومه وإيه ، وقياسا في العلم المختوم بويه كسيبويه وسيبويه آخر.

وزعم بعضهم أنّ تنوين رجل للتنكير ، وردّه ابن حاجب ببقائه بعد جعله علما. قال الرضيّ : وأنا لا أري منعا من أن يكون تنوين واحد للتمكين والتنكير معا ، فربّ حرف يفيد فائدتين كالألف والواو في مسلمان ومسلمون ، فنقول : التنوين في رجل يفيد التنكير أيضا ، فإذا سمّيت بالاسم تمحّضت للتمكين ، انتهى.

وعلى هذا يكون تنوين التنكير المختصّ بالصّوت ، واسم الفعل هو المتحمّض للدلالة على التنكير كما قاله بعضهم.

الثالث : تنوين المقابلة ، وهو اللّاحق للجمع بألف وتاء ، نحو : مسلمات ، جعل في مقابلة النون في جمع المذكّر السالم ، إذ ليس للتمكين ، وإلا لم يثبت مع التسمية به ، كعرفات ، وتنوين التمكين لا يجامع العلّتين ولا التنكير ، لأنّه إنّما يلحق المبنيّات كما

__________________

(١) صدره «يقول الخنى وأبغض العجم ناطقا» ، وهو لذي الخرق الطهوي ، اللغة : الخنا : الفحش في الكلام.

العجم : جمع أعجم وهو الحيوان ، أو جمع عجماء وهي البهيمة. إلى جدّع : ال موصولة ويجدّع : يقطع طرف من أطرافه.

٦٧

مرّ ، ولا عوضا عن المضاف إليه ، إذ لا إضافة ، ولا عن الفتحة نصبا ، كما قيل ، وإلا لم يوجد في الرّفع والجرّ ، على أنّ الفتحة قد عوّض عنها الكسرة ، فما هذا العوض الثاني ؛ فتعيّن كونه للمقابلة ، وهو معنى مناسب يمكن اعتبارة.

الرابع : تنوين العوض ، وهو اللاحق للاسم عوضا عن حرف أصلي أو زائد ، ومضاف إليه ، مفردا أو جملة.

فالأوّل كجوار وغواش ، فالتّنوين فيهما عوض عن الياء المحذوفة على الصحيح ، وهو مذهب سيبويه ، والجمهور لا عن ضمّة الياء وفتحتها النائبة عن الكسرة خلافا للمبرّد (١) ، ولا هو تنوين صرف لصيرورته بعد الحذف ، مثل سلام وكلام عند قطع النظر عن المحذوف خلافا للأخفش.

والثّاني : كجندل (٢) ، فإنّ تنوينه عوض عن الألف في جنادل ، قاله ابن مالك. قال ابن هشام : والّذي يظهر أنّه للصّرف ، ولهذا يجرّ بالكسرة.

الثّالث : تنوين كلّ وبعض وأيّ ، إذا حذف مضاف إليها ، نحو (كُلٌّ فِي فَلَكٍ) [الأنبياء / ٣٣] ، (فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) [البقرة / ٢٥٣] ، (أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) [الإسراء / ١١٠]. والمحقّقون على أنّ التنوين في ذلك للتمكين رجع لزوال الإضافة الّتي كانت تعارضه.

الرابع : اللاحق لإذ ، في نحو : (وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ) [الواقعة / ٨٤] ، أي حين إذ بلغت الروح الحلقوم ، فحذفت الجملة المضاف إليها تخفيفا ، وعوّض عنها التّنوين ، وكسرت الذّال للساكنين. وقال الأخفش : هو للتمكين ، والكسرة إعراب المضاف إليه ، وإنّما اختصّ الاسم بهذه الأقسام الأربعة من التنوين ، لأنّها لمعان لا توجد إلا فيه.

وأمّا النوعان الآخرآن ، فأحدهما : تنوين الترنّم ، وهو اللاحق للقوافي المطلقة ، بدلا من حرف الإطلاق ، وهو الألف والواو والياء في إنشاد كثير من تميم كقوله [من الوافر] :

١٥ ـ ...

وقولي إن أصبت لقد أصابن (٣)

__________________

(١) محمد بن يزيد أبو العباس المبرّد إمام العربيّة ببغداد ، له من التصانيف : معاني القرآن ، الكامل ، المقتضب و... مات سنة ٢٨٥ ه‍. بغية الوعاة ١ / ٢٦٩.

(٢) الجندل : الصخرة ، والجمع جنادل.

(٣) صدره «أقلّي اللّوم عاذل والعتابن» ، وهو لجرير ، اللغة : أقلّي : أراد منه في هذا البيت معنى أتركي ، اللوم : العذل والتعنيف. عاذل : اسم فاعل مؤنّث بالتاء المحذوفة للترخيم ، وأصله عاذلة من العذل ، وهو اللوم في تسخط ، العتاب : التقريع علي فعل شيء أو تركه.

٦٨

وكذا الأعاريض المصرّعة والمقفاة (١) ، كقوله [من الطويل] :

١٦ ـ قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان

 ... (٢)

وقوله [من الطويل] :

١٧ ـ قفانبك من ذكرى حبيب ومترل

 ... (٣)

والفرق بين التقفية والتصريع أنّ التقفية على المشهور جعل العروض الموافق للضّرب في الزنة موافقا له في الرويّ ، والتصريع جعل العروض الّذي حقّه أن يخالف الضّرب في الوزن موافقا له فيه ، والعروض اسم لآخر جزء في النصف الأوّل من البيت ، والضرب اسم لآخر جزء من البيت ، والرويّ هو الحرف الّذي تعزّى إليه القصيدة ، وأمّا القافية فالمختار عندهم من أقوال سبعة أنّها عبارة عن المحرّك قبل الساكنين إلى آخر البيت وعمّا بينهما.

أيضا إن كان كما قرّر في محلّه وظاهر كلام جماعة أنّ هذا التنوين محصّل للترنّم ، وبه صرّح ابن يعيش (٤) ، زاعما أن الترنّم يحصل بالنّون نفسها ، لأنّها حرف أغنّ ، وتبعه السّيّد في شرح اللباب (٥) فقال : هذا التنوين يستعمل في القوافي للتّطريب ، وذلك لأنّ حرف العلّة مدّه في الحلق ، فإذا أبدل منها التنوين حصل الترنّم ، لأنّ الترنّم غنّة ، في الخيشوم ، انتهى.

وعلى هذا تكون تسميته بتنوين الترنّم حقيقة ، والمحقّقون على أنّه جيء به لقطع التّرنّم الحاصل من حرف الإطلاق لقبوله لمدّ الصّوت بها ، فإذا أنشدوا ، ولم يترنّموا ، جاؤوا بالنون بدلا منه لقطعه ، فعلى هذا تكون تسميته إمّا مجازا من باب الحذف ، أي تنوين ترك الترنّم ، أو من باب التّضاد ، كقولهم : داود القياسيّ (٦) ، وفي الحديث ، القدريّة

__________________

(١) المصرّع هو الّذي دخله التصريع ، فتتوافق عروضه مع ضربه في الوزن والرويّ. المقفي هو الّذي وافقت عروضه ضربه في الوزن والرويّ دون أن تودّي هذه الموافقة إلى تغيير في العروض بزيادة أو نقص. إميل بديع يعقوب ، المعجم المفصّل في علم العروض والقافية وفنون الشعر. الطبعة الاولي ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، ١٤١١ ه‍ ، ص ١٧٧.

(٢) هذا البيت مطلع قصيدة لامري القيس بن حجر الكندي وتمامه «وربع عفت آثاره منذ أزمان» ، اللغة : عرفان الديار : معرفتها ، الربع : الدار عفت : محت.

(٣) هو لامرئ القيس ، مطلع معلّقته ، وتمامه : بسقط اللوي بين الدخول فحومل ، اللغة : السقط : منقطع الرمل حيث يستدقّ من طرفه. الدخول وحومل : موضعان.

(٤) يعيش بن علي بن يعيش أبو البقاء المشهور بابن يعيش وكان يعرف بابن الصانع ، وكان من كبار ائمة العربية ، ماهرا في النحو والتصريف ، صنف : شرح المفصّل ، شرح تصريف ابن جني. بغية الوعاة ، ٢ / ٣٥١.

(٥) اللباب في النحو. للعلامة الإمام تاج الدين محمّد بن محمّد ابن أحمد بن السيف المعروف بالفاضل الإسفرايني المتوفي سنة ٦٨٤ ه‍ ، وعليه شروح ، منها العباب للسيد جمال الدين عبد الله بن محمد الحسيني المتوفّي سنة ٧٧٦ ه‍ ، كشف الظنون ، ٣ / ١٥٤٣.

(٦) داود الظاهري (٢٠١ ـ ٢٧٠ ه‍) داود بن علي بن خلف الإصبهاني الملقّب بالظاهري ، أحد الأئمة المجتهدين في الإسلام تنسب إليه الطائفة الظاهرية ، سمّيت بذالك لأخذها بظاهر الكتاب والسنة وإعراضها عن التأويل والرأي والقياس. الأعلام للزركلي ٣ / ٨.

٦٩

مجوس هذه الأمّة (١) ، وداود ينفي القياس ، والمقدريّة ينفون القدر ويقولون : الأمر أنف (٢) ، قاله ابن عقيل (٣) ، وهو مبنيّ على أنّ القدريّة طائفة ينكرون أنّ الله تعإلى قدّر الأشياء في القدم ، وقد انقرضوا ، وصار القدريّة لقبا للمعتزلة (٤) لإسنادهم أفعال العباد إلى أنفسهم وإثباتهم القدرة فيها لهم.

فقول ابن هشام في حواشي التسهيل : إنّ قول ابن عقيل ليس بشيء ، لأنّ القدريّة أثبتوا القدرة لأنفسهم مبنيّ على الثاني ، وكلام ابن عقيل على الأوّل ، نبّه عليه التقي الشمنيّ (٥) في حاشية المغني.

الثاني : تنوين الغإلى ، وهو اللاحق للقوافي المقيّدة ، أي الّتي آخرها ساكن ، ليس حرف مدّ ، كقوله [من الرجز] :

١٨ ـ ...

كان فقيرا معدما قالت وإن (٦)

وكذا الأعاريض المصرّعة ، كقوله [من الرجز] :

١٩ ـ وقائم الأعماق خاوي المخترقن

 ... (٧)

وسمّي غإلى ا ، من الغلوّ ، إما لقلّة وقوعه في الكلام ، أو لتجاوزه حدّ الوزن ، وفائدته الفرق بين الوقف والوصل ، فإذا جيء به أذن بالوقف ، وجعله ابن يعيش من نوع الترنّم.

والّذي يصحّ أنّ تسمية هذين القسمين تنوينا مجاز لعدم اختصاصهما بالاسم ، ومجامعتهما أل ، وثبوتهما خطّا ووقفا ، وحذفهما في الوصل. نصّ عليه ابن مالك في التحفة (٨). وزاد بعضهم تنوين الضرورة ، وهو اللاحق لما لا ينصرف ، كقوله [من الطويل] :

٢٠ ـ ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة

 ... (٩)

_________________

(١) لم أجد هذا الحديث ولكن يوجد حديث قريب منه وهو «أنّ مجوس هذه الأمّة المكذّبون بأقدار الله» سنن ابن ماجه ، للحافظ القزويني ، الطبعة الأولي ، بيروت ، دار الفكر ، ١٤٢١ ه‍ ، ط ٤٢ و ٤٣ ، رقم ٦٢.

(٢) الأنف : جديد.

(٣) عبد الله بن عقيل الهمداني الأصل نحويّ الديار المصريّة ، كان اماما في العربية والبيان ، له تصانيف منها :

شرح الالفية. مات ٧٦٩ ه‍. بغية الوعاة ، ٢ / ٤٧.

(٤) المعتزلة : فرقة كلامية اسلاميّة ، اعتمد أصحابها علي المنطق والقياس في مناقشة القضايا الكلامية. المنجد في الأعلام ٥٣٧.

(٥) أحمد بن محمد تقي الدين الشمنيّ إمام النحاة في زمانه وشيخ العلماء في أوانه ، صنف : شرح المغني لابن هشام ، حاشية علي الشفاء و... مات ٨٧٢ ه‍ .. بغية الوعاة ، ١ / ٣٧٥.

(٦) صدره «قالت بنات العم يا سلمي وإن» ، وهو لرؤبة بن العجاج. اللغة : المعدم : المفتقر.

(٧) تمامه «مشتبه الأعلام لمّاع الخفقن» ، وهو لرؤبة بن العجاج. اللغة : قاتم : المغبر ، والقتام : الغبار ، الخاوي : الخإلى ، المخترقن : الممر ، الأعلام : جمع العلم ، وهي الجبال ، الخفقن : الاضطراب.

(٨) التحفة الوردية ـ منظومة في النحو للشيخ زين الدين عمر بن مظفر بن عمر الوردي المتوفّي سنة ٧٤٩ ه‍. كشف الظنون ، ١ / ٣٧٤.

(٩) تمامه «فقالت لك الويلات إنّك مرجلي» ، وهو من معقلة امري القيس اللغة : الخدر : الهودج ، والجمع خدور ، عنيأة : اسم عشيقته ، الويلات : جمع الويل وهو كلمة العذاب.

٧٠

وللمنادي المضموم ، كقوله [من الوافر] :

٢١ ـ سلام الله يا مطر عليها

 ... (١)

وتنوين الشذود كقول بعضهم : هولاء قومك ، حكاه أبو زيد (٢) ، وتنوين الحكاية ، مثل أن تسمّي رجلا بعاقلة لبيبة ، فتحكيه بتنوينه ، وجعل ابن الخباز (٣) كلّا من تنوين ما لا ينصرف وتنوين المنادى قسما برأسه ، فيكون الأقسام على هذا عشرة ، ونظمها بعضهم فقال [من البسيط] :

٢٢ ـ أقسام تنوينهم عشر عليك به

فإنّ تقسيمها من خير ما حرزا

مكّن وعوّض وقابل والمنكّر زد

رنّم واحك اضطرر غال وما همزا (٤)

ويختصّ بالنداء بالمدّ مع كسر النون وضمّها ، وهو دعاء مسمّ الكلمة بحرف نائب عن أدعو ك يا زيد ، ويا فل ، بمعنى يا رجل ، قيل : وإنّما اختصّ به لأنّ المنادى مفعول به ، والمفعول به لا يكون إلا اسما ، قيل : فكان الأولي أن يخصّص بمطلق المفعول به ، لا بخصوص النداء ، وأجيب بأنّ تلك خاصّة خفيّة ، لا يدركها المبتدي بخلاف النداء. والمقصود من ذكر الخواصّ تقريب الفهم المبتدي ، وإلا فالحدّ مغن عنها.

ما إذا ولي «يا» ما ليس بمنادى : تنبيه : إذا ولي «يا» ما ، ليس بمنادى كالفعل في «ألا يا اسجدوا» ، وقوله [من الطويل] :

٢٣ ـ ألا يا اسقياني قبل غارة سنجال

 ... (٥)

والحرف في (يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ) [النساء / ٧٣] ، «يا ربّ كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة (٦)» والجملة الاسميّة ، كقوله [من البسيط] :

٢٤ ـ يا لعنة الله والأقوام كلّهم

والصالحين على سمعان من جار (٧)

__________________

(١) تمام البيت «وليس عليك يا مطر السّلام» ، وهو للأحوص الأنصاري ، كان يهوي امرأة ويشبب بها ، ولا يفصح عنها ، فتزوّجها رجل اسمه مطر ، فغلب الأحوص على أمره ، فقال هذا الشعر.

(٢) سعيد بن أوس أبو زيد الأنصاريّ ، كان إماما نحويّا ، صاحب تصانيف أدبيّة ولغويّة ، من تصانيفه : لغات القرآن ، النوادر و... ومات ٢١٥ ه‍. بغية الوعاة ، ١ / ٥٨٢.

(٣) أحمد بن الحسين الشيخ شمس الدين بن الخباز الموصليّ النحويّ الضرير ، كان أستاذا بارعا علّامة زمانه في النحو واللغه والفقه والعروض ، له المصنّفات المفيدة منها : النهاية في النحو ، شرح ألفية بن معط ، مات سنة ٦٣٧ ه‍. المصدر السابق ١ / ٣٠٤.

(٤) لم يذكر قائله. اللغة : حرز مجهول من حرزه بمعنى صانه.

(٥) هو للشماخ الأسدي واسمه معقل يرثي رجلا من ليث بن عبد مناف اسمه سنجال حين قتل بسنجال وهو أيضا بلد بناحية آذربيجان ، والمصرع الثاني «وقبل صروف غاديات وآجال» ، اللغة : الغارة : الهجوم على العدوّ ، الغاديات : جمع الغادية وهو وقت الصبح ، آجال : جمع أجل.

(٦) صحيح البخاري ، ١ / ١٢٠ ، رقم ١١٣. وروي «عارية في الاخرة».

(٦) صحيح البخاري ، ١ / ١٢٠ ، رقم ١١٣. وروي «عارية في الاخرة».

٧١

وقيل : هي للنداء ، والمنادى محذوف ، وقيل : هي لمجرّد التنبيه ، لئلا يلزم الاجحاف بحذف الجملة كلّها. (١)

وقال ابن مالك : إن وليها دعاء كهذا البيت ، أو أمر كتلك الآية ، فهي للنداء ، لكثرة وقوع النداء قبلهما ، نحو : (يا آدَمُ اسْكُنْ) [البقرة / ٣٥] ، (يا نُوحُ اهْبِطْ) [يونس / ٤٨] ، ونحو (يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا) [الزخرف / ٧٧] ، وإلا فهي للتنبيه ، قاله ابن هشام في المغني.

«و» يختصّ «بالتثنية والجمع» ، لأنّ فيهما معنى النعت ، والنعت من خواصّ الاسم ، لأنّ المراد منه اختصاص المنعوت ، ليفيد الأخبار عنه ، والفعل والحرف لا يخبر عنهما ، فلا يصحّ نعمتهما ، وهذا التعليل أحسن من غيره.

وأمّا نحو : يضربان ويضربون فالتثنية والجمع إنّما وردا على الضمير الّذي هو الاسم لا الفعل ، وقول الحجّاج (٢) : يا «حرسي اضربا عنقه» أي اضرب اضرب ، وقوله تعإلى : (رَبِّ ارْجِعُونِ) [المومنون / ٩٩] على تأويل ارجعني ارجعني ارجعني ، فليس الأول تثنية ، ولا الثاني جمعا ، إذ التثنية ضمّ مفرد إلى مثله في اللفظ ، غيره في المعنى ، والجمع ضمّ مثليه أو أكثر في اللفظ ، غيره في المعنى. واضربا وارجعون بمعنى التكرير كما ذكرنا ، والتكرير ضمّ شيء إلى مثله في اللفظ ، والمعنى للتأكيد والتقرير ، والغالب في التأكيد أن يذكر بلفظين فصاعدا ، لكنّهم اختصروا في بعض المواضع بإجرائه مجري المثنّى والمجموع لمشابهته لهما من حيث إنّ التأكيد اللفظيّ أيضا ضمّ شيء إلى مثله في اللفظ ، وإن كان إيّاه في المعنى أيضا. فقوله. اضربا عنقه ، مثل لبيّك وسعديك ، وقوله تعإلى : (ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ) [الملك / ٦٧] ، في كون اللفظ في صورة المثنّى ، وليس به ، قاله الرضيّ.

تنبيه : كتب المصنّف في الهامش ، وجعل بعضهم التصغير أيضا من خواصّه ، وأورد عليه ما أحيسنه ، ودفع بأنّه شاذّ ، انتهى.

قلت : ومثله قول الشاعر [من البسيط] :

٢٥ ـ يا ما أميلح غزلانا شدنّ لنا

من هؤليائكنّ الضّال والسّمر (٣)

قال ابن هشام في المغني : لم يسمع تصغير أفعل في التعجب ، إلا في أحسن وأملح ،

__________________

(١) لم يسمّ قائله ، كلمه يا للنداء والمنادى محذوف أي يا قوم ، أو للتنبيه ، ولعنة مبتدا وعلي سمعان خبره.

(٢) الحجاج بن يوسف الثقفي (ت ٩٥ ه‍) قائد وخطيب عربي. اشتهر بالبلاغة في الخطابة والشدّة في الحكم. المنجد في الأعلام ص ١١٣.

(٣) البيت لعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان العرجي أو للمجنون أو غيرهما ، اللغة : أميلح : وهو فعل التعجب من ملح فلان أي صار ذاملح. الغزلان : جمع غزال. الضال والسمر : نوعان من الشجر.

٧٢

ذكره الجوهريّ (١) ، ولكنّ النّحويّين مع هذا قاسوه حملا له على أفعل التفضيل لشبهه به وزنا وأصلا وإفادة للمبالغة. ولم يحك ابن مالك اقتباسه إلا عن ابن كيسان (٢) ، وليس كذلك ، قال أبو بكر بن الأنباري (٣) : ولا يقال إلا لمن صغر سنّه ، انتهى.

قيل : وهو ممّا أقيم فيه الفعل مقام المصدر ، للدلالة عليه بلفظه ، وقيل : إنّ التصغير راجع إلى المتعجّب منه ، أي هنّ مليحات على معنى الشفقة ، نحو : يا بنيّ ، فهو ممّا وضع في غير موضعه كتاء قامت هند ، وقيل إنّه راجع إلى ما ، لأنّها واقعة على السّبب الخفيّ ، والتصغير يناسب الخفاء ، لكن لمّا لم يمكن تصغيرها ، جعلوا علامة التصغير في فعل التعجّب الّذي هو خبر عنها.

حدّ الفعل وخواصه : «والفعل كلمة معناها مستقلّ» بالمفهومية ، أي لا يحتاج في تعقّله ، والدلالة عليه بما إلى ضمّ ضميمة ، كما قلنا في الاسم ، واعلم أنّ الفعل مشتمل على ثلاثة معان. الحدث الّذي هو المصدر ، والزمان ، والنسبة إلى الفاعل ، وهي نسبة حكميّة ملحوظة من حيث إنّها حالة بين طرفيها ، وآلة لتعرّف حالهما مرتبطا أحدهما بالآخر ، ولا خفاء في أنّ هذه النسبة معنى حرفيّ ، لا يستقلّ بالمفهوميّة ، فالمراد باستقلال معنى الفعل ليس تلك النسبة ، ووصف المعنى بالاقتران بالزمان يعيّن كون المراد به الحدث ، فالمراد بالمعنى ليس معناه المطابقيّ ، بل أعمّ ، لكن لا يتحقّق إلا في ضمن التضمنيّ.

فقوله : «كلمة» شامل للكلمات الثلاث ، وقوله : «معناها مستقلّ» مخرج للحرف ، وقوله : «مقترن بأحدها» أي بأحد الأزمنة الثلاثة المقدّم ذكرها مخرج للاسم ، لأنّه غير مقترن كما مرّ ، والمراد باقترانه بأحدها اقترانه بحسب الوضع الأوّل ، ليخرج أسماء الأفعال ، وتدخل الأفعال المنسلخة لاقتران معناها بالزمان بحسب الوضع الأوّل ، كما مرّ بيانه.

«ويختصّ» الفعل «بقد» الحرفيّة ، إذا كان متصرّفا خبريّا مثبتا مجرّدا عن ناصب وجازم وحرف تنفيس ، نحو : قد يقوم ، فهي معه كالجزء ، فلا يفصل منه شيء إلا بالقسم ، كقوله [من الوافر] :

__________________

(١) إسماعيل بن حماد الجوهريّ صاحب الصحاح الإمام أبو نصر الفارابيّ ، كان إماما في اللغة والأدب ، صنّف كتابا في العروض ومقدمة في النحو ، والصحاح في اللغة و... مات سنة ٣٩٣ ه‍ بغية الوعاة ١ / ٤٤٧.

(٢) محمد بن أحمد بن إبراهيم بن كيسان النحوي ، حفظ المذهب البصريّ والكوفيّ في النحو ، لأنه أخذ عن المبرّد وثعلب ، من تصانيفه : المهذب في النحو ، معاني القرآن ، علل النحو ، ... مات سنة ٢٩٩ ه‍. المصدر السابق ، ١ / ١٨.

(٣) محمد بن القاسم أبو بكر بن الأنباريّ النحويّ اللغويّ ، كان من أعلم الناس بالنحو والأدب ، وأملى كتبا كثيرة ، منها الواضح في النحو ، أدب الكاتب و... مات سنه ٣٢٨ ببغداد. المصدر السابق ١ / ٢١٣.

٧٣

٢٦ ـ فقد والله بيّن لي عنائي

 ... (١)

وسمع «قد لعمري بتّ ساهرا» ، وقد يحذف ما بعدها لدليل ، كقول النابغة [من الكامل] :

٢٧ ـ أزف الترحّل غير أنّ ركابنا

لمّا تزل برحالنا وكأن قد (٢)

أي وكان قد زالت.

لقد ستّة معان : وإنّما اختصّ بها ، لأنّها لمعان لا تصلح إلا له ، وهي ستّة. أحدها : تقريب الماضي من الحال ، نحو : قد قامت الصلوة. الثاني : التحقيق ، نحو : (قَدْ يَعْلَمُ اللهُ) [الأحزاب / ١٨]. الثالث : التقليل ، نحو : إنّ الكذوب قد يصدق. وسيأتي مزيد كلام على هذه المعاني في حديقة المفردات إن شاء الله تعإلى. الرابع : النفي ، حكي ابن سيدة (٣) [من الكامل] :

٢٨ ـ قد كنت في خبر فتعرفه

 ... (٤)

بنصب نعرف ، وإليه أشار في التسهيل بقوله ، وربّما نفي «بقد» فنصب الجواب بعدها ، قال ابن هشام : وهو غريب ، وحمله على خلاف ذلك.

الخامس : التكثير. كقوله [من البسيط] :

٢٩ ـ قد أترك القرن مصفرّا أنامله

كأنّ أثوابه مجّت بفرصاد (٥)

والأحسن الاستشهاد على ذلك ببيت العروض [من البسيط] :

٣٠ ـ قد أشهد الغارة الشّعواء تحملني

جرداء معروقة اللّحيين سرحوب (٦)

السادس : التوقّع ، نحو : قد يقدم المسافر ، وهو مع المضارع واضح ، وأمّا مع الماضي فأثبته الأكثرون. قال الخليل يقال : قد فعل لقوم ينتظرون الخبر.

__________________

(١) لم يسمّ قائله وتمامه : «بوشك فراقهم صرد يصيح» ، اللغة : الصرد : الطائر.

(٢) اللغة : أزف : دنا وقرب ، ويروي «أفد» وهو بوزنه ومعناه ، الترحّل : الارتحال ، تزل : مضارع زال. لمّا تزل : لم تفارق بعد ، الرحال : ما يوضع علي ظهر المطيّة لتركب ، كأن قد : أي كأن قد زالت لاقتراب موعد الرحيل.

(٣) علي بن أحمد بن سيدة اللغويّ والنحويّ الأندلسي ، كان حافظا لم يكن في زمانه أعلم منه بالنحو واللغة والأشعار. صنّف : المحكم والمحيط الاعظم في اللغة ، شرح كتاب الأخفش. مات سنة ٤٥٨ ه‍ ق. المصدر السابق ، ١ / ١٤٣.

(٤) لم أقف على عجزه وقائله.

(٥) هو لعبيد بن الأبرص أو لأبي ذويب الهذلي. اللغة : قرنك : هو مكافئك في الشجاعة والأنامل : جمع أنملة وهي أطراف الأصايع ، مجّت : ترشّشت ، الفرصاد : التوت.

(٦) هو لامرئ القيس أو لعمران بن إبراهيم الأنصاريّ. اللغة : الغارة : الهجوم علي العدو ، الشعواء : المنتشرة المتفرقة الغاشية ، جرداء : مونث أجرد ، وفرس أجرد : قصير الشعر ، المعروقة : قليلة اللحم ، السرحوب : فرس سرحوب : طويلة علي وجه الأرض.

٧٤

ويختصّ «بلم» لأنّها لنفي الفعل ، وهو معنى لا يتصوّر إلا فيه ، وهي مختصّة بالمضارع كما سيأتي.

حدّ الحرف : «والحرف كلمة معناها غير مستقلّ» بالمفهوميّة ، أي يحتاج في تعقّله والدّلالة عليه بها إلى ضمّ ضميمة ، لأنّه إنّما يكون ملحوظا باعتبار أنّه آلة للغير ، فيحتاج إلى ملاحظة الغير ، من حيث إنّه متبوع له ، فلا يكون مستقلّا كالابتداء الّذي هو مدلول من في قولك : سرت من البصرة ، فإنّه لا يتصوّر ولا يتميّز إلا بذكر السّير والبصرة ، ولا يتعقّل إلا بتعقلهما ، وقس على ذلك سائر معاني الحروف.

وأمّا الابتداء الّذي هو مدلول لفظ الابتداء ، فهو معنى مستقلّ ملحوظ للعقل بالذات ، يمكنه أن يحكم عليه وبه ، ولا ترد الأسماء الموضوعة للنسب ، لأنّ معانيها مفهومات كليّة مستقلة بالمفهوميّة. هذا ، وتحقيق المقام يتوقّف على تمهيد مقدمات :

إحداها : إنّ وضع الحروف كلّها من وضع العامّ (١) لموضوع له خاصّ ، وإنّ وضع الأسماء الموضوعة للنسب إنّما هو من قبيل وضع العامّ (٢) لموضوع له عام.

الثانية : إنّ النسبة بين الأمرين إنّما يتعقّل بتعقّلهما ، إن عاما فعامّا وإن خاصّا فخاصّا ، غايته إنّ افراد النسب ليست إلا حصصا لها لا افرادا حقيقة ، إذ مفهوم الكلية والجزئية مخصوص بالمعاني المستقلّة.

الثالثة : إنّ مدار كون مدلول اللفظ مستقلّا بالمفهوميّة منه على أحد أمرين : إمّا أن يكون ملحوظا بالذات لتعرف أحواله لا بالتّبع بأن يكون آلة لملاحظة ما هو حالة من أحواله ، أو بأن يكون اللفظ الدالّ عليه كافيا في إحضاره في الذهن ، بحيث لا يتوقّف على ذكر ضميمة ، وإن لوحظ بالتبع ، إذا تمهّد هذا فنقول : إنّما كانت مدلولات الحروف غير مستقلّة بالمفهوميّة ، لأنّها لما كانت بموجب المقدّمة الأولى موضوعة لنسب جزئيّة توقّف تعقّلها بمقتضي المقدّمة الثانية على تعقل متعلّقاتها المعيّنة ، ثمّ لمّا كان تعقّلها آلة لملاحظة تلك المتعلّقات ، ولم تكف ألفاظ الحروف في إحضارها في الذهن ، بل لا بدّ معها من الضمائم ، وهي الألفاظ الدالّة عليها لم تكن مدلولاتها بمقتضي المقدّمة الثالثة مستقلّة بالمفهومية منها بخلاف مدلولات الأسماء الموضوعة للنسب ، فإنّها لما كانت موضوعة لنسب كليّة يكفي في تعقّلها تعقّل متعلقاتها إجمالا ، وكانت هي كافية في إحضار تلك المتعلّقات ، كانت مدلولاتها مستقلّة بالمفهوميّة ، لكن لمّا كانت لا تستعمل في

__________________

(١) هذه الكلمة غير موجودة في «ح».

(٢) إنّما هو من قبيل وضع العامّ سقطت في «س».

٧٥

مفهوماتها إلا مضافة إلى متعلّقات مخصوصة ، لأنّه الغرض من وضعها لزم ذكرها لفهم هذه الخصوصيّات ، فاندفع ما يتوهّم من اختلال حدّ الاسم بها جمعا وحدّ الحرف منعا.

فقوله : كلمة شامل للكلمات الثلاث ، وما بعده مخرج للاسم والفعل ، وقوله : «ولا مقترن» قيد لتحقيق ماهيّة الحرف ، لا للاحتراز به عن شيء ، ولا يجب في القيد أن يكون للاحتراز ، بل قد يكون لتحقيق الماهيّة أو للإيضاح.

وقال ابن الخبّاز (١) : في شرح الدّرّة الألفية لابن معط (٢) : وأرى أنّه لا يحتاج في الحقيقة إلى حدّ الحرف ، لأنّه كلمة محصورة.

«ويعرف» أي يتميّز الحرف «بعدم قبول شيء من خواصّ أخويه» ، الاسم والفعل المذكورة أو غيرها ، وإنّما ميّزه بذلك مع أنّ الحدّ مغن عنه تسهيلا على المبتدئ وتفهيما له ، لأنّ حدّ الحرف ممّا أطال فيه المحقّقون الكلام ، واضطربت فيه آراء الأئمة الأعلام ، ونحن بحمد الله قد أتينا بلباب التحقيق ، فعليك بالتمسّك به ، فإنّه بذلك حقيق.

تنبيه : قال ابن الخباز في شرح الدرة ما معناه أنّ تمييز الحرف بعدم قبوله شيئا من خواصّ أخويه رديّ ، لأنّه حينئذ يتوقّف معرفة الحرف على معرفة تلك الخواصّ ، ومنها ما هو حرف فيلزم الدّور ، وأجيب بأنّ توقّف معرفة الحرف على تلك الخواص ، إنّما هو من حيث إنّها علامات ، وأمّا توقّفها عليه فمن حيث إنّها حرف فاختلف الجهة فلا دور.

تقسيم الاسم إلى اسم عين واسم معنى ومشتقّ :

ص : تقسيم : الاسم إن وضع لذات ، فاسم عين ، كزيد ، أو لحدث ، فإسم معنى ، كضرب. أو لمنسوب إليه حدث ، فمشتقّ ، كضارب.

أيضا : إن وضع لشيء بعينه فمعرفة كزيد والرجل وذا والّذي وهو والمضاف إلى أحدها معنى والمعرف بالنّداء وإلا فنكرة.

أيضا : ان وجد فيه علامة التانيث ، ولو تقديرا كنافة ونار فمؤنّث ، وإلّا فمذكّر ، والمؤنّث إن كان له فرج فحقيقيّ ، وإلّا فلفظيّ.

__________________

(١) أحمد بن الحسين بن الخباز النحويّ الضرير ، كان أستاذا بارعا في النحو واللغة. العروض ، له المصنّفات المفيدة ، منها : شرح ألفية ابن معط ، مات سنة ٦٣٧ ه‍ ، المصدر السابق ١ / ٣٠٤.

(٢) يحيي بن معط المغربيّ النحويّ كان إماما مبرّزا في العربيّة ، شاعرا محسنا ، له : العقود والقوانين في النحو ، كتاب شرح الجمل في النحو و... ومات سنة ٦٢٨ ه‍ ، المصدر السابق ، ٢ / ٣٤٤.

٧٦

ش : هذا تقسيم للاسم من تقسيم الكليّ إلى جزئيّاته ، وهو أن يضمّ إليه قيود متباينة أو متغايرة فقط ، ليحصل من انضمام كلّ قيد إليه ، قسم منه «الاسم إن وضع لذات» أي معنى قائم بنفسه بقرينة مقابلة «فاسم عين» ، وقد يقال : اسم شخص وهما بمعنى ، والأوّل أشهر كزيد ورجل ، «أو» وضع «لحدث» أي معنى قائم بغيره ، سواء صدر عنه كالضرب والمشي أو لم يصدر كالطول والقصر «فاسم معنى كضرب».

وقول بعضهم : إنّ العين يطلق على المعنى ، نحو : عين إليقين وعين الريا ، فكيف يجعل قسيما للمعنى ليس بشيء ، لأنّ العين مشترك بين الشخص والحقيقة.

تنبيه : المراد بالقيام بالغير كونه ناعتا له ، أي بحيث يصحّ أن يشتقّ منه اسم محمول عليه كالضارب من الضرب ، أو كونه حاصلا في الغير ومختصّا به ، بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما تحقيقا كالضرب في الضارب ، وتقديرا كالأصوات القائمة بالأجسام والعلوم والمعارف القائمة بالمجرّدات والصفات القائمة بالمجرّدات والصفات القائمة بذاته تعالى.

فإنّ شيئا من هذه الأمور سوي الأجسام غير مشار إليه بحسب الحسّ ، ولكنّ كلّ واحد منها بحالة لو أمكن الإشارة إليه حسّا لكانت الإشارة إليه عين الإشارة إلى ما حلّ فيه إن كان محلّا لشئ ، وعين الإشارة إلى محلّه ، إن كان حالا في محلّه ، وأمّا تفسيره بالتّبعيّة في التخيّر فينتقض بصفات البارئ تعإلى وصفات المجرّدات ، بل بالصفات الاعتباريّة للمتخيّرات ، كذا قرّره بعض المحقّقين ، فتامّله.

أو «وضع لمنسوب إليه حدث» نسبته تقييديّة «فمشتقّ» ، وهو أعني المنسوب إليه الحدث إمّا أن يكون ذاتا ما ، أي مبهمة لا تعيّن لها أصلا ، ويسمّونه صفة ، وهو إمّا ينسب إليه الحدث على الوجه الحدوث (١) ، وهو اسم الفاعل ، «كضارب» ، أو على وجه الثّبوت ، وهو الصفة المشبهة ، كحسن ، أو وقوعه عليه ، وهو اسم المفعول كمضروب ، أو زيادة موصوفة على غيره فيه وهو اسم التفضيل كأفضل ، وهو إمّا أن يكون ذاتا متعيّنة باعتبار فإمّا أن يعتبر كونه زمانا للحدث ، وهو اسم الزمان أو كون مكانا له ، وهو اسم المكان ، أو كونه آلة لحصوله ، وهو اسم الآلة.

وإنّما قلنا : إنّه متغيّر في هذه الثلاثة باعتبار دون الصفات ، لأنّ معنى مقام مثلا مكان فيه القيام ، لا شئ آخر ، أو ذات ما فيه القيام بخلاف القائم ، فإنّ معناه ذات ما له القيام ، كذا قرّره غير واحد من المحقّقين ، فتدبّر.

__________________

(١) سقط الحدوث في «س».

٧٧

والمراد بالذات هنا ما يستقلّ بالمفهوميّة ، لا ما يقوم بنفسه ليدخل نحو مفهوم ومضمر ممّا يقوم بغيره من المشتقّات.

و «أيضا» مصدر آض ، إذا رجع ، وهي كلمة لا تستعمل إلا مع شيئين ، بينهما توافق ، ويمكن استعناء كلّ منهما عن الآخر ، فخرج بالشئين ، نحو : جاء زيد أيضا مقتصرا عليه لفظا وتقديرا ، وبالتوافق ، نحو : جاء ومات أيضا ، وبإمكان الاستغناء ، نحو : اختصم زيد وعمرو أيضا ، فلا يقال في شيء من ذلك ، وهو مفعول مطلق ، حذف عامله سماعا كما نقل ، أو حال ، حذف عاملها وصاحبها ، أي وأرجع إلى تقسيم الاسم رجوعا ، أو أقول راجعا.

المعرفة ، وأقسامها سبعة : الاسم «إن وضع لشيء بعينه فمعرفة» ، والمراد ليستعمل في شئ بعينه ، وليس المراد التعيين الشخصيّ ، بل التعيين بوجه ما ، وقيل : الحيثية مراد ، أي ليستعمل في شيء بعينه ، من حيث إنّه بعينه ، وحاصله الإشارة إلى معيّن عند السّامع من حيث هو معيّن بوجه ما.

وبهذا تخرج النكرات عن التعريف ، لأنّ معانيها وإن وجب تعيينها عند السامع ، لكن ليس في اللفظ إشارة إليه بخلاف الضمائر الراجعة إليها ، فإنّ فيها إشارة إلى ذلك التعيّن ، وكذا المعرّف بلام العهد إذا كان المعهود منكرّا كما في قوله تعإلى : (أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً* فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) [المزمل / ١٦ و ١٥] ، فإنّ الأوّل نكرة ، والثاني معرفة ، ولا فرق بينهما إلا بما ذكرنا من الإشارة وعدمها ، ثمّ الشئ المذكور في التعريف أعمّ ممّا وضع له اللفظ كما في الأعلام ، وممّا وضع لما يصدق عليه كسائر المعارف ، وهذا مبنيّ على ما اشتهر من أنّ المعتبر في المعرفة هو التّعيين عند الاستعمال دون الوضع ، سواء ، كان معيّنا في الوضع أم لا ، ليندرج فيه الأعلام الشخصيّة وغيرها من المضمرات والمبهمات وسائر المعارف ، فإنّ لفظ أنا مثلا لا يستعمل إلا في أشخاص معيّنة (١) ، إذ لا يصحّ أن يقال : أنا ويراد به متكلّم لا بعينه ، وليست موضوعة لواحد منها ، وإلا لكانت في غيره مجازا ، ولا لكلّ واحد منها ، وإلا لكانت مشتركة موضوعة أوضاعا بعدد أفراد المتكلّم ، وهو باطل اتّفاقا ، إذ لا يمكن أن يتصوّر واضع اللغة اصطلاحا كلّ واحدة من المخصوصات الّتي يطلق عليها لفظة أنا ، فوجب أن تكون موضوعة لمفهوم كليّ شامل لتلك الأفراد ، ويكون الغرض من وضعها له استعمالها له في أفراد المعينة دونه ، وقس عليه سائر المعارف سوي العلم.

__________________

(١) سقطت كلمه معيّنة في «ح».

٧٨

ولهذا صرّح العلامة التفتازانيّ أنّ ما سوي العلم إنّما وضع لمعان كليّة ، لتستعمل في أفرادها المعيّنة ، هذا هو المشهور عن أهل العربيّة ، ونسب إلى الجمهور ، ولكن انتقده بعض المتأخّرين باستلزامه كون هذه الألفاظ الشائعة الاستعمال مجازات لا حقائق لها ، إذ لم تستعمل فيما وضعت هي لها من المفهومات الكليّة ، بل لا يصحّ استعمالها فيها أصلا ، وهذا مستعبد جدّا ، كيف لا؟ ولو كانت كذلك لما اختلف أئمة اللغة في عدم استلزام المجاز الحقيقة ، ولما احتاج من نفي الاستلزام إلى أن يتمسّك في ذلك بأمثلة نادرة.

قال : والحقّ ما أفاده بعض المحقّقين من أنّها موضوعة لكلّ واحد من جزئيات تلك المفهومات الكليّة وضعا واحدا عامّا ، وتلك المفهومات جعلها الواضع آلة لملاحظتها عند الوضع ، فلا تستلزم الاشتراك ، ولا كونها مجازا في شيء منها ، ولا وجود المجاز بدون الحقيقة ، وتعريف المعرفة محمول على ظاهره. فتفهّم.

والمعارف على المشهور كلّها سبعة ، بإدخال المعرّف بالنداء ، كما ذهب إليه ابن مالك ، واختاره المصنّف ، ووجه الانحصار فيها أنّ تعيين المشار إليه في لفظ المعرفة إمّا أن يفيده جوهر اللفظ ، وهو العلم ، وهو إمّا جنسيّ ، إن كان الحاضر المعهود جنسا وماهيّة ، كأسامة ، أو شخصيّ ، إن كان فردا منها كزيد ، أو يفيده حرف وهو قسمان :

ما لا يحتاج إلى القصد ، وهو المعرّف باللام ، وما يحتاج إليه ، وهو المعرّف بالنداء. أو تفيده القرينة في الكلام ، وهو المضمر ، أو تفيده الإشارة الحسيّة إلى نفسه ، وهو اسم الإشارة ، أو تفيده الإشاره العقلية إلى نسبة معلومة للسامع ، إمّا خبريّة وهو الموصول ، أو لا ، فهو الاضافة ، لكنّ الإضافة إلى غير معيّن لا تفيده تعيينا ، فهو المضاف إلى أحد الخمسة.

العلم وانقسامه إلى مرتجل ومنقول : الأوّل من المعارف العلم ، وهو ما وضع لمعيّن ، لا يتناول غيره ، فخرج بالمعيّن النكرة ، وبما بعده بقية المعارف ، وهو نوعان : ـ كما علمت ـ شخصيّ وجنسيّ ، فالشخصيّ مسمّاه نوعان : أولو العلم كزيد وخرنق (١) ، وما يولّف كالقبائل كقرن ، والبلاد كعدن ، والخيل كلاحق ، والإبل كشذقم ، والبقر كعرار ، والغنم كهيلة ، والكلاب كواشق.

وينقسم إلى مرتجل ، وهو ما استعمل من أوّل الأمر علما كسعاد ، وفقعس وموهب ، ومنقول ، وهو الغالب ، وهو ما استمعل قبل العمليّة لغيرها ، ونقله إمّا من

__________________

(١) اسم امرأة من شواعر العرب.

٧٩

اسم عين كأسد وثور ، أو اسم معنى كفضل وزيد ، أو من مشتقّ ، إمّا وصف لفاعل كحارث وحاتم وحسن ، أو لمفعول كمنصور ومحمّد أو غير ذلك.

وما وقع لابن معط في ألفيته من أنّ محمدا مرتجل ، حيث قال [من الرجز] :

٣١ ـ تمّ الّذي في الناس منه مفرد

مرتجل مثاله محمّد

فسهو ظاهر.

وإمّا من فعل ، إمّا ماض كشمر وكعب ، أو مضارع كيشكر وتغلب ، أو أمر كأصمت بقطع الهمزة ، ليدلّ على النقل علم لبريّة معيّنة ، وقيل : هو علم جنس لكلّ مكان قفر كأسامة ، وكسرت ميمه ، والمسموع في الأمر الضمّ ، لأنّ الأعلام كثيرا ما يغيّر لفظها عند النقل كما قيل في شمس بن مالك : شمس بضمّ الشين ، وإمّا من جملة إمّا فعليّة كشاب قرناها ، أو إسميّة ، كزيد منطلق ، وليس بمسموع ، ولكنّهم قاسوه.

ثمّ التقسيم إلى مرتجل ومنقول ، هو رأي الأكثرين ، وقيل : الأعلام كلّها منقولة ، ولا يضرّ جهل أصلها. وقيل : هو ظاهر مذهب سيبويه ، وقيل : كلّها مرتجلة ، وهو رأي الزّجاج ، والمرتجل عنده ما لم يقصد في وضعه النقل من محل آخر إلى هذا ، وموافقتها للنكرات بالعرض لا بالقصد.

قالوا : والتقسيم إنّما هو بالنسبة إلى الأعمّ الأغلب ، وإلا فما هو علم بالغلبة لا منقول ولا مرتجل.

انقسام العلم إلى مفرد ومركب : وينقسم أيضا إلى مفرد كزيد وهند ، وإلى مركب وهو ثلاثه أنواع : مركب إسناديّ ، كبرق نحره (١) ، وشاب قرناها ، وحكمه الحكاية ، كقوله [من الطويل] :

٣٢ ـ كذبتم وبيت الله لا تنكحونها

بني شاب قرناها تصرّ وتحلب (٢)

ومزجيّ ، وهو كلّ اسمين جعلا اسما واحدا ، ونزّل ثانيها مترلة تاء التأنيث ، فيبنى الأوّل على الفتح ، ما لم يكن آخره ياء ، فيبنى على السكون كبعلبك ومعدي كرب ، وأمّا الثاني فيعرب ما لم يكن اسم صوت «كويه» من سيبويه ، فيبنى على الكسر ، وإضافيّ وهو الغالب ، هو كلّ اسمين نزّل ثانيهما مترلة التنوين ممّا قبله ، كعبد الله وأبي سعيد ، وحكمه أن يجري الأوّل بحسب العوامل ، ويجرّ الثاني بالإضافة.

__________________

(١) اسم رجل.

(٢) هو للأسدي ، اللغة : تصرّ : من صرّ الناقة ـ وصرّا : شدّ ضرعها بالصرار لئلا يرضعها ولدها. تحلب : من حلب الناقة ـ حلبا : استخرج ما في ضرعها من لبن.

٨٠

والعلم الجنسيّ مسمّاه ثلاثة أنواع أعيان لا تؤلف كالسّباع والحشرات ، نحو : أسامة وأمّ عريط للاسد والعقرب ، وأعيان تؤلف كهيان بن بيان للمجهول العين والنسب ، وأبي المضا للفرس ، وأمور معنويّة كسبحان للتسبيح ، ويسار للميسرة وبرّة للمبرّة وفجار للفجرة.

انقسام العلم إلى اسم ولقب وكنية : ثمّ العلم باعتبار ذاته شخصيّا كان أو جنسيّا ، إمّا اسم ، وهو الّذي لا يقصد به مدح ولا ذمّ ، كزيد وعمر ، أو لقب ، وهو يقصد به أحدهما كالمصطفي والمرتضى وتاج الدين في المدح ، وقفّة (١) وبطة وعائذ الكلب في الذّمّ ، أو كنية ، وهو ما صدر بأب وأمّ ، كأبي الحسن وأمّ كلثوم ، وأبي مضاء للفرس وأمّ عريط للعقرب. وزاد الرضيّ ، أو ابن أو بنت كابن آوي وبنت وردان (٢).

قال : والفرق بينها وبين اللقب معنى أنّ اللّقب يمدح الملقّب به أو يذمّ بمعنى ذلك اللفظ بخلاف الكنية ، فإنّه لا يعظّم المكني بمعناها ، بل بعدم التصريح بالاسم ، فإنّ بعض النفوس تأنف بأن تخاطب باسمها ، وردّه بعضهم بقول الشاعر [من الوافر] :

٣٣ ـ فصدت أبا المحاسن كي أراه

بشوق كاد يجذبني إليه

فلمّا أن رأيت رأيت فردا

ولم أر من بنيه ابنا لديه (٣)

قال : فلاحظ في الكنية ما دلّت عليه من المعنى الأصليّ ، وسلبه عن المكني به ، وأجيب بأنه لعلّ مراد الرضيّ أنّ الكنية من حيث إنّها كنية لا يعظّم المكنّي بها لا مطلقا ، وإفادتها للتعظيم فيما ذكر ليس من حيث إنّها كنية بل لخصوص المادة فلا اعتراض ، فليتأمّل.

وقال شعبان (٤) في ألفيته [من الرجز] :

٣٤ ـ بكينة عظّم وخيّر في اللقب

وقيل في تبّت يدا أبي لهب

تهكّم أو لاحمرار يعزى

في وجهه أو لاسم عبد العزّى

وقد يكنى الشخص بالأولاد الّذين له كأبي الحسن لأمير المؤمنين عليّ (ع) ، وقد يكنى في الصغر تفاؤلا ، لأن يعيش حتي يصير له ولد اسمه (٥) ذاك ، كابي القاسم.

__________________

(١) القفّة : الرجل الصغير الجثة.

(٢) بيت وردان : دويبة نحو الخنفساء حمراء اللون.

(٣) لم يسمّ قائلهما.

(٤) شعبان بن محمد بن داود ، المعروف بالآثاري ، أديب ، له شعر كثير ، فيه هجو ومجون ، له أكثر من ثلاثين كتابا في الأدب والنحو ، منها «لسان العرب في علوم الأدب» و «ألفية» في النحو و... مات منة ٨٢٨ ه‍. الأعلام للزركلي ، ٣ / ٢٤١.

(٥) سقط اسمه في «س».

٨١

وإذا اجتمع الاسم واللقب ، أخّر اللقب عن الاسم غالبا لكون اللقب أشهر ، لأنّ فيه العلميّة مع شيء من معنى النعت ، فلو أتي به أوّلا لأغني عن الاسم فلم يجتمعا ، ومن غير الغالب قوله [من الوافر] :

٣٥ ـ أنا ابن مزيقيا عمرو وجدّي

أبوه منذر ماء السماء (١)

ولا ترتيب بين الكنية وغيرها ، ثمّ إن كان اللّقب وما قبله مفردين ، أضيف الاسم إلى اللقب ، نحو : هذا زيد بطة وسعيد كرز ، على تأويل الأوّل بالمسمّى ، والثاني بالاسم ، كأنّك قلت : هذا صاحب هذا الاسم ، ولم يجز عند البصريّين أو جمهورهم في ذلك إلا الإضافة ، وأجاز الكوفيّون فيه الاتّباع والقطع بالرفع والنصب ، وهو الأولي لقولهم : هذا يحيي عينان ، وأمّا إذا لم يكونا مفردين ، فلا بدّ من الاتّباع ، سواء كانا مركّبين ، نحو : هذا عبد الله أنف الناقة ، أو أحدهما مركّبا ، نحو : هذا يزيد عائذ الكلب ، وهذا عبد الله بطّة وصرّح بعض المتأخّرين بجواز الإضافة ، إذا كان مجرّد الاسم مفردا.

تنبيه : محلّ الإضافة في المفردين حيث لا مانع كأن يكون الاسم مقرونا بأل كالحارث قفه ، أو كان اللقب وصفا في الأصل مقرونا بأل كهارون الرّشيد ومحمّد المهدي ، فلا يضاف الأوّل إلى الثاني ، نصّ على ذلك ابن خروف (٢) ، قاله في التصريح.

فلان وفلانة وأسماء الأيّام : ومن العلم ما كنّي به عنه كفلان وفلانة ، فيجري مجرى المكنّى عنه ، وأسماء الأيام عند الجمهور أعلام توهّمت فيها الصفة ، فدخلت عليها أل لللمح كالحارث والعباس ، ثمّ غلبت ، فصارت كالدّبران (٣).

فالسّبت مشتق من معنى القطع ، والجمعة من معنى الأجتماع ، وباقيها من الواحد والثاني والثالث والرّابع والخامس.

وذهب المبرّد إلى أنّها غير أعلام ، ولا ماتها للتعريف ، فإذا زالت ، صارت نكرات ، والأوّل أصحّ ، واعلم أنّه إذا قصد بكلمة ذلك اللّفظ دون معناها كقولك : أين كلمة استفهام ، وضربت فعل ماض ، فهي علم ، ذلك لأنّ مثل هذا موضوع لشئ بعينه ، غير

__________________

(١) قاله بعض الانصار. ماء السماء ، قال [الجوهريّ] في الصحاح : هو لقب عامر بن حارثة الأزدي ، وهو أبو عمرو مزيقيا الذي خرج من إليمن لما أحس بسيل العرم ، فسمّي بذلك ، لأنّه كان إذا أجدب قومه مانهم حتّي يأتيهم الخصب ، فقالوا : هو ماء السماء ، لأنّه خلف منه. البغدادي ، خزانة الأدب ، ج ٤ ، الطبعة الأولي ، بيروت ، دار الكتب العلميّة ، ١٤١٨ ه‍ ، ص ٣٣٧.

(٢) علي بن محمد بن علي أبو الحسن ابن خروف الاندلسيّ النحويّ ، كان اماما في العربية ، محقّقا مدقّقا ، صنّف : شرح سيبويه ، شرح الجمل ، مات سنة ٦٠٩ ه‍. بغية الوعاة ٢ / ٢٠٣.

(٣) الدّبران : نجم بين الثّريا والجوزاء وهو من منازل القمر. قال الجوهريّ : الدبران خمسة كواكب من الثور يقال إنّه سنامه ، وهو من منازل القمر. لسان العرب ١ / ١٢٢٣ (دبر).

٨٢

متناول غيره ، وهو منقول ، لأنّه نقل من مدلول هو المعنى إلى مدلول آخر هو اللفظ ، قاله الرّضيّ.

التصغير لا يبطل العلميّة : ولا يبطل التصغير العمليّة ، سواء كان تصغير ترخيم أو غيره ، وما قيل من أنّ تصغير الترخيم يبطلها مردود بقول الشاعر [من الطويل] :

٣٦ ـ ...

وكان حريث عن عطائي جامدا (١)

يريد الحرث بن وعلة ، ولو كان منكّرا لأدخل عليه اللام ، قاله ابن جنّي.

قالوا : وقد ينكّر العلم ، وصوّروا ذلك بوجهين ، أحدهما : أن يراد به مسمّي بكذا ، وجعل منه قولهم : لا زيد كزيد بن ثابت ، والثاني : أن يراد به الصفة ، كقولهم : لكلّ فرعون موسي ، أي لكلّ جبّار قهّار ، أو لكلّ مبطل محقّ.

قال بعض المحقّقين : ولا يخفي أنّ مدار التعريف هو الوضع ، فباستعمال العلم في أحد هذين المعنيين ، وهو مجاز قطعا ، لم يخرج عن كونه معرفة ، فالقول بتتكيره مبنيّ على المسامحة ، وهو حسن. وقدّم المصنّف التمثيل للعلم بناء على أنّه أعرف المعارف ، وهو قول الصميريّ (٢) ، وينسب إلى سيبويه والكوفيّين ، وفي ترتيبها اختلاف ، سيأتي ذكره في آخر البحث إن شاء الله تعالى.

المعرفة بالأداة والخلاف في ال : والثاني من المعارف المعرّف بالأداة ، نحو : «الرّجل» وكونها أل كهل هو مذهب الخليل ، والهمزة عنده أصليّة قطعيّة حذفت في الوصل لكثرة الاستعمال ، وصحّحه ابن مالك ، ونقل عن سيبويه ما يوافقه في كونها أل أيضا ، لكن يخالفه في أصالة الهمزة ، فهي عنده زائدة معتدّ بها في الوضع ، والمشهور عنه أنّها اللام وحدها ، والهمزة وصليّة ، جلبت قبلها لتعذّر الابتداء بالساكن ، وفتحت مع أنّ الأصل في همزات الوصل الكسر لكثرة الاستعمال.

ونقل أبو حيّان هذا القول عن جميع النّحويّين إلا ابن كيسان ، وعزاه صاحب البسيط (٣) إلى المحقّقين ، وتظهر فائدة الخلاف في نحو : قام القوم ، فعلى الأوّل حذفت

__________________

(١) صدره

«أتيت حريثا زائرا عن جنابه» ،

وهو للأعشى.

(٢) عبد الله بن علي بن إسحاق الصميري النحويّ ، له تبصرة في النحو ، كتاب جليل أكثر ما يشتغل به أهل المغرب ، بغية الوعاة ، ٢ / ٤٩.

(٣) صاحب البسيط هو السّيّد ركن الدين حسن بن محمد الأسترآباذي. صنّف ثلاثة شروح على الكافيّة ، كبير وهو المسمّى بالبسيط ، ومتوسّط وهو المسمّى بالوافيّة وهو المتداول ، وصغير ، وتوفّي سنة ٧١٧ ه‍. كشف الظنون ٢ / ١٣٧٠.

٨٣

الهمزة لتحرّك ما قبلها ، وعلى الثاني لم تكن ثمّ همزة حتّى يقال : حذفت ، بل لم يؤت بها لعدم الحاجة إليها لتحرك ما قبل اللام. وذهب المبرّد إلى أنّ أداة التعريف هي الهمزة وحدها ، وجلبت اللام للفرق بينها وبين همزة الاستفهمام.

فائدة : قال المراديّ في الجنى : إعلم أنّ من جعل حرف التعريف ثنائيا ، وهمزته أصليّة عبّر عنه بأل ، ولا يحسن أن يقول : الألف واللام كما لا يقال في قد : القاف والدّال.

وكذلك ذكر عن خليل قال : ابن جنيّ كان يقول : أل ولا يقول : الألف واللام ، ومن جعله اللام وحدها عبّر باللام ، كما فعل المتأخّرون ، ومن جعله ثنائيا ، وهمزته همزة وصل زائدة فله أن يقول : أل ، وأن يقول : الألف واللام ، وقد وقع في كتاب سيبويه التعبير بالأمرين ، والأوّل أقيس ، انتهى.

تقسيم أل إلى عهديّة وجنسيّة وزائدة : وهي على كلّ قول إمّا جنسية ، أو عهديّة ، أو زائدة ، فالجنسيّة أن خلفها كلّ من دون تجوّز ، نحو : (إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ) [العصر / ٢] وهي لشمول الافراد ، وأن خلفها بتجوّز ، نحو : أنت الرّجل أدبا ، فهي لشمول خصائص الجنس مبالغة ، وأن لم يخلفها كلّ ، نحو : (جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ) [الأنبياء / ٣٠] ، فهي لبيان الحقيقة.

والعهديّة أمّا أن يكون مصحوبها معهودا ذكريّا ، نحو : (كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً* فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) [المزمل / ١٦ و ١٥] ونحو : (فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ) [النور / ٣٥] ، أو معهودا ذهنيّا ، نحو : (إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) [الفتح / ١٨] ، أو معهودا وحضوريّا ، نحو : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) [المائدة / ٣].

والزائدة نوعان : لازمة وغير لازمة. فالأولى كالّتي في الأسماء الموصولة على القول بأنّ تعريفها بالصّلة ، وكالواقعة في الأعلام بشرط مقارنتها لنقلها ، كالنّضر والنّعمان واللّات والعزّى (١) ، أو لارتجالها كالسمؤل (٢) ، أو لغلبتها على بعض من هي له ، كالبيت لكعبة والمدينة للطيبة ، والنجم للثريا ، وهذه في الأصل للعهد الذهنيّ.

البتّة والكلام على إعرابها ومعناها : تنبيه : أل في ألبتّة غير لازمة ، كما يشعر به ما في الصحاح ، حيث قال : لا أفعله بتّة ، ولا أفعله ألبتّة ، لكلّ أمر لا رجعة فيه ، ونصبه على

__________________

(١) اللات صنم كان في الجاهلية لثقيف بالطائف. العزّي : صنم عبدته قريش في الجاهليّة إلى جانب اللات ومناة.

(٢) هو السّموأل بن عادياء إليهودي شاعر العصر الجاهليّ ، صاحب الحصن المعروف بالأبلق ، وبه يضرب المثل في الوفاء. وقد توفّي نحو سنة ٥٦٠ للميلاد. الجامع في تاريخ الأدب العربي ، الأدب القديم ، ص ٢٨٢.

٨٤

المصدر ، وكذا في العباب للصغائيّ (١) والقاموس لمحمد بن يعقوب (٢) ، ونقل عن سيبويه أنّها لازمة مع كونها للتعريف ، وقطع الهمزة سماعيّ.

والثانية أعني غير اللازمة نوعان ، واقعة في الفصيح بكثرة أو لا ، فالأولي هي الداخلة على علم منقول من مجرّد صالح لها ، كحرث وعباس تقول فيهما : الحرث والعباس ، وهو يتوقّف على السّماع ، فلا يقال في محمد وأحمد : المحمّد والأحمد. والثانية ضربان ، واقعة في شعر أو شذوذ من النّثر. فالأولي الداخلة على علم لا للمح الأصل كعمرو يزيد في قول [من الرجز] :

٣٧ ـ باعد أمّ العمرو من أسيرها

حرّاس أبواب على قصورها (٣)

وقوله [من الطويل] :

٣٨ ـ رأيت الوليد بن إليزيد مباركا

 ... (٤)

وأمّا الداخلة على الوليد فللمح الأصل ، والثانية كالداخلة على ما هو واجب التنكير ، نحو : أدخلوا الأوّل فالأوّل. وجاؤوا الجماء الغفير وأرسلها العراك (٥) ، و (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ) [المنافقون / ٨] على قراءة من فتح إلياء. ولم يعتبر الأذلّ مفعولا مطلقا على حذف مضاف ، أي خروج الأذلّ ، ومن اعتبر ذلك لم يحتجّ إلى دعوي الزيادة.

نيابة أل عن الضمير المضاف إليه : مسألة : أجاز الكوفيّون وبعض البصريّين وكثير من المتأخرين نيابة «أل» عن الضمير المضاف إليه ، وخرّجوا على ذلك (فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ

__________________

(١) الصغائي (أبو الفضائل الحسن) (١١٨١ ـ ١٢٥٢) : لغويّ ومحدّث وفقيه حنفي ، من كتبه معجمان : «كتاب التكملة والّذيل والصلة» لصحاح الجوهريّ و «كتاب العباب الزاخر واللباب الفاخر» ومات قبل أن يكمله ، استعملها الفيروزآباديّ لتاليف القاموس. المنجد في الأعلام ص ٣٤٥.

(٢) محمد بن يعقوب الفيروزآباديّ صاحب القاموس المحيط في اللغة ، مات سنة ٨١٦ ه‍. بغية الوعاة ١ / ٢٧٣.

(٣) هو لابي النجم العجلي. اللغة : أسيرها : أي أسير حبها ، أراد به نفسه. الحراس : جمع الحارس وهو الّذي يحرسك ليلا ونهارا.

(٤) تمامه «شديدا بأعباء الخلافة كاهله» ، وهو من قصيدة لابن ميّادة ، واسمه الرماح بن أبرد بن ثوبان ، وميّادة اسم أمّه سوداء نسب إليها. اللغة : الأعباء : جمع عبء ، وهو الحمل الّذي يثقل عليك ، كاهله : أصل الكاهل ما بين الكتفين ، ويكني بشدّة الكاهل عن القوّة وعظيم التحمّل لمهام الأمور.

(٥) «أرسلها العراك» جزء من بيت للبيد بن ربيعة من بحر الوافر :

فأرسلها العراك ولم يذدها

ولم يشفق علي نغض الدّخال

اللغة : العراك : إزدحام الإبل أو غيرها حين ورود الماء ، يذدها : يطردها ، يشفق : يرحم ، نغض : مصدر نغض الرجل : إذا لم يتمّ مراده ، ونغض البعير إذا لم يتمّ شربه ، الدخال في الورد : أن يدخل بعيرا قد شرب بين بعيرين ناهلين.

٨٥

الْمَأْوى) [النازعات / ٤١] ، ومررت برجل حسن الوجه ، وضرب زيد الظهر والبطن ، إذا رفع الوجه والظهر والبطن.

والمانعون يقدّرون له في الآية ، ومنه في الأمثلة ، وقيّد ابن مالك الجواز بغير الصلة.

قال الزمخشريّ في (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها) [البقرة / ٤١] : إنّ الأصل أسماء المسمّيات.

وقال أبو شامة (١) في قوله [من الطويل] :

٣٩ ـ بدأت بسم الله في النظم أوّلا

 ... (٢)

إنّ الأصل : في نظمي ، فجوّزا نيابتها عن الظاهر ، وعن ضمير الحاضر ، والمعروف من كلامهم أنّما هو التمثيل بضمير الغائب قاله في المغني.

اسم الإشارة : والثالث من المعارف اسم الإشارة ، نحو : «ذا» ، بألف ساكنة للمفرد المذكّر ، ويقال : ذا بهمزة مكسورة بعد الألف ، وذائه بهاء مكسورة بعد الهمزة المكسورة ، وذاؤه بهاء مضمومة بعد همزة مضمومة ، قال [من الرجز] :

٤٠ ـ هذاؤه الدفتر خير دفتر

في كفّ قوم ماجد مصوّر (٣)

يروى بكسر الهاء وضمّها ، وفي كتاب أبي الحسن الهيثم (٤) إنّما حرّكت الهاء فيها للضرورة ، والأصل فيهما ذا ، وألفه أصليّة عند البصريّين ، لا زائدة خلافا للكوفيّين ، وهو ثلاثيّ الأصل ، حذفت لامه على الأصحّ ، لا عينه ، وعينه مفتوحة لا ساكنة على الأصحّ ، قاله في التصريح.

وفي الدّرّ المصون (٥) اختلف البصريّون : هل عينه ولامه ياء ، فيكون من باب يحيى ، أو عينه واو ، ولامه ياء ، فيكون من باب طويت ، ثمّ حذفت لامه تخفيفا ، أو قلبت العين ألفا ، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها ، وهذا كلّه على سبيل التمرين ، وإلا فهذا مبنيّ ، والمبنيّ لا يدخله التصريف ، وقال أبو حيّان : لو قيل : بأنّ ذا ثنائيّ الوضع ، نحو : ما وإن ، والألف أصل بنفسها غير منقلبة عن شيء ، وأصل الأسماء المبنيّة أن يوضع على حرف أو

__________________

(١) عبد الرحمن بن إسماعيل الإمام ذو الفنون المشهور بأبي شامه ، أتقن الفقه ، وبرع في العربية ، وصنف : نظم المفصّل للزمخشريّ ، مقدمة في النحو و... مات سنة ٦٦٥ ه‍. المصدر السابق ، ٢ / ٧٧.

(٢) تمامه «تبارك رحمانا رحيما وموئلا» ، وهو للشاطبي (قاسم بن فيره). اللغة : الموئل : المرجع والملجأ.

(٣) لم يذكر قائله.

(٤) أبو علي الحسن بن الهيثم (٩٦٥ ـ ١٠٣٩ م) فلكيّ ورياضيّ من أهل البصرة ، اشتهر بكتابه «المناظر» المنجد في الاعلام ص ١٦.

(٥) ما وجدت عنوانه.

٨٦

حرفين لكان مذهبا جيّدا سهلا قليل الدعوي ، وقال : ثمّ رأيت هذا المذهب للسيرافيّ وللخشينيّ (١) ، ونقله عن قوم ، انتهى.

الموصول والمضمر : والرّابع من المعارف ، الموصول الاسميّ ، نحو : «الّذي» للمفرد المذكّر العالم وغيره ، والّتي المفرد المونث كذلك. والخامس من المعارف المضمر ، نحو : «هو» ، وسيأتي الكلام على هذه الثلاثة مستوفيا في المبنيّات ، إن شاء الله تعإلى ، فلينتظر.

تنبيه : في الضمير العائد على النكرة أربعة مذاهب : أحدها : أنّه نكرة مطلقا. الثّاني : أنّه معرفة مطلقا. الثّالث : إن رجع إلى واجب التنكير ، كما في ربّه رجلا فهي نكرة وإلا فمعرفة ، وإنّما قلنا : إنّ رجلا في المثال واجب التنكير ، لأنّه تمييز ، والتمييز واجب التنكير (٢). الرابع : إن رجع إلى نكرة مخصوصة بصفة أو حكم ، نحو : مررت برجل كريم وأخيه ، وجاءني رجل فضربته ، فهو معرفة وإلا فنكرة.

والحقّ أنّ الضّمير العائد إلى نكرة معرفة مطلقا ، لأنّ التعريف هو التعيين أي الإشارة إلى معلوم حاضر في ذهن السامع من حيث هو معلوم وإن كان مبهما في نفسه ، وهذا المعنى موجود ، في الضمير العائد إلى النكره ، ولهذا يجري عليه أحكام المعارف اتّفاقا.

المضاف إلى أحد المعارف : «و» السّادس من المعارف «المضاف إلى أحدها» ، أي إلى أحد الخمسة المذكورة ولو بواسطة ، نحو : غلام أبيك.

«معنى» مفعول مطلق ، أي إضافة مفيدة معنى ، واحترز به عن المضاف إلى أحدها إضافة لفظيّة ، فإنّها لا تفيد تعريفا ، وإنّما يتعرّف بالإضافة ما ليس من الأسماء المتوغّلة في الإبهام ، كغير ومثل ، على ما سيأتي بيانه في باب الإضافة ، إن شاء الله تعإلى.

المعرّف بالنداء : «و» السّابع من المعارف «المعرف بالنداء» ، نحو : يا رجل ، لا نحو : يا رجلا فإنّه نكرة ، ولا نحو : يا زيد ، فإنّه معرفة بغير النداء على الصحيح المختار عند ابن مالك ، وازداد بالنداء وضوحا ، وأغفل أكثرهم هذا النوع لكونه داخلا في المعرّف بأل بناء على أنّ تعريفه بها مقدّرة ، وهو مذهب المتقدّمين.

__________________

(١) سليمان بن عبد الله أبو الربيع الخشينيّ اللغويّ النحويّ ، كان ضريرا من أئمة التجويد للقرآن ، ذا حظّ وافر من النحو ورواية الحديث. بغية الوعاة ١ / ٥٩٩.

(٢) التمييز واجب التنكير سقطت في «س».

٨٧

قال أبو حيّان : إنّه الّذي صحّحه أصحابنا ، أو لكونه فرع الضمير ، لأنّ تعريفه لوقوعه موقع كاف الخطاب ، واستظهره بعضهم ، والمفهوم من ظاهر قول سيبويه أنّ تعريفه بالإشارة والمواجهة.

قال ابن مالك : وإذا كانت الإشارة دون مواجهة معرفة لإسم الاشارة فلأن تكون معرفة ، ومعها المواجهة أولي وأحري ، قال : وهو أظهر وأبعد من التكلّف ، فجعله قسما سابعا برأسه أولى.

ترتيب المعارف : تنبيهات : الأوّل : كتب المصنّف في الهامش إنّما أخّر ذكره ، يعني المعرّف بالنداء عن المضاف إلى أحدها لئلّا يرد عليه ما ورد على ابن الحاجب ، انتهى.

يريد أنّ ابن الحاجب أخّر ذكر المضاف إلى أحدها عن جميع المعارف فأوردوا عليه ، أنّه يلزم من ذلك صحّة الإضافة إلى المنادى أيضا ، والمنادى لا يضاف إليه أصلا ، فأخّر المصنّف ذكره ، فسلم من ذلك.

ورام صاحب الفوائد الضيائية (١) التّقصّيّ عن ذلك فقال : لا يستلزم صحّة الإضافة إلى أحدها صحّتها بالنسبة إلى كلّ واحد ، فلا يرد ما أوردوه ، انتهى. قال عصام الدين : لا يخفي أنّه تكلّف جدّا ، والمتبادر صحّة الإضافة إلى كلّ من الخمسة.

الثاني : هذا الترتيب الّذي استعمله المصنّف في المعارف لم أرض ذكره ، والّذي عليه الجمهور أنّ الأعرف المضمر ، ثمّ العلم ، ثمّ اسم الإشارة ، ثمّ الموصول ، والمعرّف باللام أو النداء ، والمضاف في رتبة المضاف إليه ، إلا المضاف إلى المضمر فهو في رتبة العلم.

ومذهب الكوفيّين أنّ الأعرف العلم ، ثمّ المضمر ، ثمّ المبهم ، ثمّ ذو الأداة. وعند ابن كيسان أنّ الأعرف المضمر ، ثمّ العلم ، ثمّ اسم الاشارة وذو اللام ، ثمّ الموصول. وعند ابن السّراج (٢) أنّ أعرفها اسم الإشارة ، ثمّ المضمر ، ثمّ العلم ، ثمّ ذو اللام.

قال ابن مالك أعرفها ضمير المتكلّم ، ثمّ ضمير المخاطب ، ثمّ العلم ، ثمّ ضمير الغائب السالم عن إبهام ، ثمّ المشار به والمنادى ، ثمّ الموصول وذو الأداة ، والمضاف بحسب ما يضاف إليه (٣).

__________________

(١) صاحب الفوائد الضيائية هو نور الدين عبد الرحمن بن أحمد نور الدين الجامي المتوفّي سنه ٨٩٨ ه‍ ، وهذا الكتاب في شرح «الكافية في النحو» لابن الحاجب. كشف الظنون ، ٢ / ١٣٧٢.

(٢) محمد بن السري البغدادي أبو بكر ابن السراج ، له من الكتب : الأصول الكبير ، شرح سيبويه. الشعر والشعراء ، الجمل ، مات سنة ٣١٦ ه‍. بغية الوعاة ، ١ / ١٠٩.

(٣) يذهب أكثر النّحويّين إلى أنّ المضمر بعد اسم الجلالة أعرف المعارف ، وجاء في حاشية الصبان : ضمير المتكلّم والمخاطب أعرف المعارف ، فلا حاجة لهما إلى التوضيح ، وحمل عليهما ضمير الغائب. حاشية الصبان علي شرح الأشموني ، محمد بن علي بن الصبان ، قم ، منشورات زاهدي ، ١٤١٢ ه‍ ، ص ١٠٠.

ويعتقد سيبويه أيضا أنّ أعرف المعارف المضمر. ومن بين الآراء الّتي جاء بها الشارح يبدو أنّ رأي ابن مالك أفضل الآراء وأدقّها عقلا ومنطقا ، لأنّ معرفة الإنسان بنفسه أكمل وأكثر من معرفته بالآخرين.

٨٨

وقد يعرض للمعرّف ما يجعله مساويا أو فائقا ، كقول من لا شركة في اسمه لمن قال له : من أنت؟ أنا فلان ، ومنه أنا يوسف. فالبيان لم يستفد بأنا ، بل بالعلم كالموصول في قولك لمن قال لك : من أنت؟ أنا الّذي فعل كذا. من هذا القبيل سلام الله على من أنزل عليه القرآن ، وعلى من سجدت له الملائكة ، ومن حفر بئر زمرماه.

وقد اختلف في أعرفها اختلافا كثيرا ، حتّي قال ابن هشام : سمعت من يقول : إنّه قد قيل في كلّ واحد من المعارف : إنّه أعرفها (١) ، وقال أبو حيّان : لم يذهب أحد إلى أنّ المضاف أعرف المعارف.

الثالث : قال غير واحد : يستثنى ممّا تقرّر اسم الله تعإلى فهو أعرف المعارف بالإجماع ، انتهى.

قال بعض المحقّقين : وقد يقال : لا حاجة إلى هذا الاستثناء ، لأنّ الكلام في التفاضل بين الأنواع ، وإلا يكن الاسم وضع لشئ بعينه بل لشىء لا بعينه فنكرة ، كرجل وفرس ، وليست إلا هنا للاستثناء ، كما قد يتوهّم ، وإنّما هي إن قرنت بلا النافية ، نحو قوله تعإلى : (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ) [التوبة / ٤٠].

تنبيه : قال بعض المحقّقين : تقسيم الاسم إلى المعرفة والنكرة المراد به منع الخلوّ لا منع الجمع أيضا لثبوتهما في المقرون بأل الجنسية ، كاللئيم في قوله [من الكامل] :

٤١ ـ ولقد أمرّ على اللئيم يسبّني

 ... (٢)

ومن ثمّة جوّزوا في الجملة بعده أن تكون حالا وصفة ، انتهى.

قال بعضهم ، وفيه نظر : فإنّ المتبادر من التقسيم منع الجمع والخلوّ معا ، والاستدال على الاجتماع بالمقرون بأل الجنسيّة أنّما يتمّ لو كان يعدّ في اصطلاح القوم نكرة حقيقة ، كما أنّه عندهم معرفة حقيقة ، وكلامهم كالصريح أو صريح في خلافه ، انتهى.

تقسيم الاسم إلى مذكّر ومؤنّث : «أيضا» تقسيم آخر للاسم باعتبار التذكير والتأنيث «إن وجد فيه» أي في الاسم «علامة التأنيث» وهي التاء المبدلة هاء في الوقف ، خلافا لمن زعم أنّ التأنيث بالهاء ، أو أنّها تبدل تاء في الوصل ، والألف المقصورة ، و

__________________

(١) سقطت إنّه أعرفها ، في «س».

(٢) تمامه : «فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني» وهو لرجل من بني سلول. اللغة : اللئيم : الشحيح ، الدنيّ النفس.

٨٩

الهمزة الّتي قبلها مدّة ، وهي عند البصريّين بدل من الألف المقصورة ، ومذهب الكوفيّين والزجاجيّ أنّ الهمزة ليست مبدلة من الألف ، وإنّما هي علامة التأنيث ، ومذهب الأخفش (١) أنّ الألف والهمزة معا علامة التأنيث (٢).

وزاد الكوفيّون في علامة التأنيث تاء بنت وأخت ، والألف والتاء في نحو المسلمات ونحوه ، قاله في الإرتشاف. وذهب الزمخشريّ إلى أنّ إلياء أيضا علامة التأنيث في نحو ذي ، والأخفش والمازنيّ في نحو : قومي وتقومين ، والفاعل مستتر.

قال الرضيّ : والأولي أن يقال في ذي : هذه الصيغة بكمالها موضوعة للمؤنّث ، وليس في اسم الإشارة ما هو على حرف واحد ، وأمّا إلياء في تفعلين ، فالأولي أنّه اسم لا حرف تانيث ، انتهى.

المذكّر هو الأصل : «ولو» كان وجودها «تقديرا» ، أي : مقدّرا ، فما وجد فيه علامة التأنيث لفظا «كناقة» ، وتقديرا «كنار فمونث ، وإلا» توجد فيه علامة التأنيث لا لفظا ولا تقديرا «فمذكر» وهو الأصل لدليلين : أحدهما : أنّه ما من مذكّر ولا مؤنّث إلا ويطلق عليه شئ ، وشيء مذكّر ، والثاني : أنّه لا يفتقر إلى زيادة ، والتانيث لا يحصل إلا بزيادة ، وعلى هذا فكان الأنسب تقديم المذكّر ، إلا أنّه أخّره ، لأنّ تعريفه يشمل على سلب تعريف المؤنّث ، والسلب مسبوق بالإيجاب في التعقل ، فجعل في الذكر كذلك.

إذا قصد لفظ الاسم جاز تذكيره وتأنيثه : تنبيهات : الأوّل : لا يتحقّق التذكير والتأنيث في الأسماء إلا إذا قصد مدلولها ، فإن قصد الاسم جاز تذكيره باعتبار اللفظ ، وتأنيثه باعتبار الكلمة ، وكذا الفعل والحرف وحروف الهجاء ، يجوز فيها الوجهان بالاعتبارين. وزعم الفراء (٣) أنّ تذكير حروف الهجاء لا يجوز إلا في الشعر ، قاله المراديّ في شرح التسهيل.

__________________

(١) حذف الأخفش في «ح» ، ومن مذهب الكوفيّين حتي الأخفش محذوف في «س».

(٢) يبدو أنّ مذهب الأخفش أصحّ ، لأنّ الألف والهمزة إذا اجتمعتا في كلمة وكانتا زائدتين نحكم بأنّها مؤنّث ، وهذا هو رأي ابن مالك حيث يقول :

علامة التأنيث تاء أو ألف

وفي أسام قدّروا التا كالكتف

وألف التأنيث ذات قصر

وذات مدّ نحو أنثي الغرّ

(شرح ابن عقيل ٢ / ٤٢٩)

(٣) يحيي بن زياد بن عبد الله إمام العربية أبو زكرياء المعروف بالفرّاء ، كان أعلم الكوفيّين ، بالنحو بعد الكسائيّ ، صنّف : معاني القرآن ، المصادر في القرآن و... مات سنة ٢٠٧ ه‍ ، المصدر السابق ، ٢ / ٣٣٣.

٩٠

الثاني : لا يقدّر من علامات التأنيث إلا التاء ، لأنّ وضعها على العروض والانفكاك ، فيجوز أن تحذف لفظا ، وتقدّر بخلاف الألف (١) ، وهي تقدّر قياسا في الصفات المختصّة بالمؤنّث على وزن «فاعل» ومفعل» ، كحائض ومرضع ، إن أريد الثبوت بتأويل شخص حائض وإنسان مرضع عند سيبويه ، وبمعنى النسبة ، أي ذات حيض وذات رضاع عند الخليل ، لا لاختصاصها بالمؤنّث ، كما ذهب إليه الكوفيّون لورود الضامر بلا اختصاص ، والمرضعة مع الاختصاص ، وسماعا نحو العين والأذن.

قال الرضيّ : ودليل كون التاء مقدرة دون الألف رجوعها في التصغير ، في نحو : هنيدة في هند ، وقديرة في قدر ، وأمّا الزائد على الثّلاثي ، فحكموا فيه أيضا بتقدير التاء قياسا على الثلاثي ، إذ هو الأصل ، وقد ترجع التاء فيه أيضا شاذّا ، نحو : قديديمة (٢) ووريئة (٣) ، انتهى.

ما يعرف به تأنيث ما لم تظهر العلامة فيه (٤) : الثالث : يعرف تانيث ما لم تظهر العلامة فيه بتصغيره ، إن كان المكبّر ثلاثيّا ، ويقع في غيره شذوذا ، كما ذكر ، وبوصفة ، ونعني به المعنويّ لا الصناعيّ ليشمل النعت ، نحو : (وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ) [الحاقة / ١٢] ، (فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ) [الغاشية / ١٢] ، (بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ* بَيْضاءَ) [الصّافات / ٤٦ و ٤٥] ، والخبر ، نحو : دارك واسعة ، والحال ، نحو : (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً) [الأنبياء / ٨١] وبضميره ، نحو : (وَالشَّمْسِ وَضُحاها) [الشمس / ١] ، وبالإشارة ، نحو : (تِلْكَ الدَّارُ) [القصص / ٨٣] ، وبتجرّد عدده من الثّلاثة إلى العشرة ، نحو : ثلث أزرع ، وعشر أرجل ، وبجمعه على مثال خاصّ بالمؤنّث ، كفواعل من الصفات ، كطوالق وحوائض ، أو على مثال غالب فيه ، وذلك فيما هو على وزن عناق وذراع وكراع (٥) ويمين ، فجمعهما في المؤنّث غالبا على أفعل. وقد جاء في المذكّر قليلا ، كمكان وأمكن ، ويعلم أيضا بالحاق علامة التأنيث بفعله المسند إليه ، نحو : طلعت الشمس ، و (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ) [القيامة / ٢٩].

__________________

(١) هذا هو رأي صاحب الكافية في النحو (٢ / ١٦١). وذهب ابن عقيل إلى أنّ التاء أكثر في الاستعمال من الألف ، ولذلك قدّرت في بعض الأسماء كعين وكتف. (شرح ابن عقيل ٢ / ٤٢٩).

(٢) قديديمة : تصغير قدّام ، ظرف مكان بمعنى أمام.

(٣) ورئيية : تصغير وراء.

(٤) قد جاء في حاشية الصبان : ما لا يتميّز مذكّره عن مؤنّثه فإن كان فيه التاء فهو مؤنث مطلقا كالنملة والقملة للمذكّر والمؤنّث ، وإن كان مجرّدا من التاء فهو مذكر مطلقا كالبرغوث للمذكّر والمؤنّث ، قاله أبو حيان. حاشية الصبان ، ص ١٢٠.

(٥) الكراع : من الإنسان : ما دون الركبة إلى الكعب.

٩١

المونث اللفظيّ والحقيقيّ : «والمؤنّث» ينقسم إلى حقيقيّ التأنيث ولفظيّة ، فهو «إن كان ذا فرج» سواء كان ظاهر العلامة كضاربة وحبلي ونفساء ، أو مقدّرها كزينب وسعاد ، «فحقيقيّ» التأنيث ، ولا يكون إلا حيوانا ، و «إلا» يكن ذا فرج ، سواء كان ظاهر العلامة أيضا كغرفة وصحراء وبشري ، أو مقدرها كما تقدّم ، «فلفظيّ» التأنيث ، وهو قد يكون حيوانا أيضا كدجاجة ذكر وحمامة ذكر.

قد يذكّر المؤنّث وبالعكس : فائدتان : الأولى : قد يذكّر المؤنّث وبالعكس ، حملا على المعنى ، فالأوّل كقولة [من الطويل] :

٤٢ ـ أري رجلا منهم أسيفا كأنّما

يضمّ إلى كشحيه كفّا مخضّبا (١)

ذكّره على معنى العضو.

والثاني كقول بعضهم : جاءته كتابي فاحتقرها ، فيما حكاه الأصمعيّ (٢) عن أبي عمر. وقال سمعت رجلا من أهل إليمن يقول : فلان لغوب جاءته كتابي فاحتقرها ، فقلت له : أتقول : جاءته كتابي؟ فقال : نعم أليس بصحيفة ، قلت : فما اللّغوب؟ قال : الأحمق.

ومن تأنيث المذكّر حملا على المعنى تأنيث المخبر عنه لتأنيث الخبر ، نحو : قوله تعإلى (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ...) [الأنعام / ٢٣] ، أنّث المصدر المنسبك من أنّ والفعل ، وهو المخبر عنه لتأنيث الخبر ، وهو فتنتهم.

إذا اجتمع المذكّر والمؤنّث غلب المذكّر : [الفائدة] الثانية : إذا اجتمع المذكّر والمؤنّث ، غلب المذكّر ، وبذلك استدلّ على أنّه الأصل ، وهذا التغليب يكون في التثنية وفي الجمع وفي عود الضمير وفي الوصف وفي العدد ، قاله في الأشباه والنظائر.

__________________

(١) هو للأعشى ، والشاهد في قوله : كفّا مخضّبا ، فإنّ الظاهر أنّ قوله : مخضّبا نعت لقوله : كفّا ومخضّب وصف مذكّر ، ومن المعلوم أن النعت الحقيقيّ يجب أن يطابق منعوته في التذكير والتأنيث ، ولهذا قال النحاة : أنّه النعت حملا على المعنى ، فالكفّ يطلق عليها لفظ «عضو» والعضو مذكّر ، ويجوز أن يكون : مخضّبا صفة لرجل أو حالا من الضمير المستتر في يضمّ ، أو من المخفوض في كشحيحه. إميل بديع يعقوب ، المعجم المفصل في شواهد النحو الشعرية ، المجلد الأوّل ، الطبعه الأولي ، دار الكتب العلميّة ، بيروت ١٤١٣ ه‍ ق ، ص ٤٢.

(٢) عبد الملك بن قريب أبو سعيد الأصمعي البصريّ اللغويّ أحد أئمة اللغة ، روي عن أبي عمرو بن العلاء ، صنّف : الاشتقاق ، كتاب اللغات النوادر و... مات سنة ٢١٦ ه‍ ق. بغية الوعاة ، ٢ / ١٢.

٩٢

أقسام الفعل ، أحدها الماضي

ص : تقسيم آخر : الفعل إما أن يقترن بزمان سابق وضعا فماض. ويختصّ بلحوق إحدي التّاءات الأربع ، أو بزمان مستقبل ، أو حال وضعا فمضارع ، ويختصّ بالسين وسوف ولم ، واحدي زوائد أنيت ، أو بالحال فقط وضعا فأمر ، ويعرف بفهم الأمر منه مع قبوله نوني التأكيد.

تبصرة : الماضي مبنيّ على الفتح إلا إذا كان آخره ألفا أو اتّصل به ضمير رفع متحرّك أو واو.

والمضارع إذا اتّصل به نون إناث كيضربن ، بني على السكون ، أو نون التأكيد مباشرة فعلى الفتح كيضربنّ ، وإلا فمرفوع إن تجرّد عن ناصب وجازم ، وإلا فمنصوب أو مجزوم. وفعل الأمر يبني على ما يجزم به مضارعه.

ش : هذا «تقسيم آخر» للفعل ، «الفعل أمّا أن يقترن بزمان سابق وضعا ، فماض».

كتب المصنّف في الهامش : كثيرا ما يقولون الفعل مقترن ، ويريدون الحدث ، أعني الفعل اللغويّ ، وهو المراد هاهنا ، وقوله : فماض خبر مبتدأ محذوف ، أي فهو ماض ، ويمكن أن يردّ عليه أن الضمير حينئذ راجع إلى الحدث ، وليس هو المراد هاهنا ، وقد يدفع بمراعاة الاستخدام ، انتهى كلامه.

الاستخدام : والاستخدام هو أن يراد بلفظ له معنى ان أحدهما ، ثمّ يراد (١) بضميره الآخر ، وبيانه هنا أنّ الفعل له معنيان : اصطلاحيّ ولغويّ ، فأراد به أوّلا اللغويّ ، ثمّ أعاد عليه الضمير مريدا به المعنى الآخر ، وهو اصطلاحيّ ، وينبغي أن يراد بالحدث حينئذ أعمّ ممّا هو مدلول مادة الكلمة أو صيغتها ، لئلا يختلّ المقسم بحدث الأمر ، فإنّه جعله مقترنا بالحال كما ستراه ، وليس حدثه المقترن بالحال مدلول مادّته ، بل مدلول صيغته كما سنبيّنه ، بخلاف الماضي والمضارع ، فإنّ حدثهما المقترن بالزّمان السابق أو المستقبل أو الحال ، إنّما هو مدلول مادتهما ، فيكون حدث الأمر غير مندرج في الحدث الّذي هو المقسم.

ويصحّ أن يراد بالفعل الّذي هو المقسم ، الفعل الاصطلاحيّ ، ويراد باقترانه اقتران حدثه تضمنا على التعميم المذكور ، فتكون الأقسام داخلة فيه ، وقوله : «وضعا» أي بأصل الوضع ، فلا ينقص منعه بلم يضرب ولمّا يضرب ، ونحو ذلك من المضارع الّذي

__________________

(١) من الاستخدام حتي هنا سقطت «س».

٩٣

انصرف إلى المعنى المضي بأداة كما سيأتي ، ولا جمعه بأن ضربت وبعث واشتريت مريدا للإنشاء ونحو ذلك ، ممّا الماضي فيه مصروف إلى الحال أو الاستقبال ، نحو : غفر الله لك ، فإنّ دلالته على ذلك ليس من حيث أصل الوضع ، وإنّما هي لعارض. وسمّي هذا الفعل ماضيا باعتبار زمانه المستفاد منه ، وقدّمه في التقسيم ، لأنّه جاء على الأصل ، إذ هو متّفق على بنائه.

تاء التأنيث : «ويختصّ» أي الماضي «بلحوق إحدي التاءات الأربع» ، وهي راجعة إلى تائين ، إحداهما تاء التأنيث الساكنه ، وهي تلحقه ، متصرّفا كان أو جامدا ، إلا أفعل في التعجّب ، وحبّذا في المدح ، وما عدا وما خلا وحاشا في الاستثناء ، وكفي في قولهم : كفي بهند ، ولا يقدح في كونها أفعالا ماضية ، لأنّ العرب التزمت تذكير فاعلها ، واختصّت الساكنة به ، لأنّها إنّما سكنت للفرق بين تا الأفعال وتا الأسماء ، وكانت أولي بالسكون لخفّته لتجبر ثقل الفعل بتركّب معناه أبدا من الحدث والزمان والنسبة بخلاف غيره ، فإنّه خفيف لبساطة معناه غالبا.

والمراد بالساكنة الساكنة بالذّات ، فلا يضرّ تحركها العارض كالتقاء الساكنين ، نحو : (قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ) [يوسف / ٥١] ، (وَقالَتِ اخْرُجْ) [يوسف / ٣١] ، بكسر الأولي وضمّ الثانية في قراءة أبي عمر. والتقييد بالساكنة للاحتراز عن المتحرّكة ، فإنّها تلحق الأسماء كقائمة ، والحروف كربّت وثمّت ، إلا أنّ حركتها في الاسم حركة إعراب ، وفي الحرف حركة بناء ، وقد تكون في الاسم حركة بناء كلا حول ولا قوّة.

والثانية : تاء الفاعل ، قال ابن مالك : وتقييد هذه التاء بإضافتها إلى الفاعل أولى من تقييدها بالإضافة إلى المتكلّم أو المخاطب ، لأنّ الفاعل يعمّهما ، وذكره مانع من دخول تاء الخطاب اللاحقة في أنت ، فإنّها حرف ، وقد اتّصل باسم ، فلو قيل بدل تاء الفاعل تاء المخاطب لدخلت تاء أنت ، فيلزم كون ما اتصلت به فعلا ، انتهى.

وإنّما اختصّت هذه التاء بالفعل ، لأنّها فاعل ، فلا بدّ لها من فعل ، وهو ما اتّصلت به ، وهي تنقسم إلى ثلاثة أنواع ؛ تاء المتكلّم ، نحو : ضربت بضمّها ، وتاء المخاطب ، نحو : ضربت بفتحها ، وتاء المخاطبة ، نحو : ضربت بكسرها ، فالتاءات أربع ، وهذا تفننّ من المصنّف ـ رحمه الله ـ في العبارة.

٩٤

وقد انفردت تاء التأنيث بلحاقها بنعم ، كما انفردت تاء الفاعل بلحاقها بتبارك ، كذا قيل ، وقال الشهاب البخاريّ (١) : إنّ تبارك تقبل التاءين تقول : تباركت يا الله وتباركت أسماء الله ، وهو حسن إن ساعفه السّماع ، وإلا فلا عبرة به ، إذ اللغة لأثبتت بالقياس.

الفعل المضارع ، الخلاف في مدلوله من الزمان : «أو» يقترن الفعل «بزمان مستقبل» وهو بكسر الباء وفتحتها ، والأوّل أرجح والثاني أشهر ، وهو الزمان الممتدّ من بعد زمان التّكلّم إلى آخر زمان الإمكان «أو» بزمن «حال» ، وهو زمان التّكلّم ، وليس هو قسما ثالثا من الزمان خارجا عن الماضي والمستقبل ، بل هو أجزاء ملفّقة من أواخر الماضي وأوائل المستقبل. «وضعا فمضارع». فهو حقيقة في المستقبل والحال معا.

هذا قوله ، وفيه أربعة أقوال أخر : أحدها : أنّه حقيقة في الحال ، مجاز في الاستقبال ، الثاني : عكسه ، والثالث : أنّه حقيقة في الحال ، ولا يستعمل في الاستقبال أصلا لا حقيقة (٢) ولا مجازا ، الرابع : عكسه.

وما ذهب إليه المصنّف هو المشهور ، وهو ظاهر كلام سيبويه على ما ذكره أبو حيّان في الإرتشاف. قال ابن الحاجب في شرحه على المفصّل ، هو الصحيح ، لأنّه يطلق عليهما إطلاقا واحدا كأطلاق المشترك ، فوجب القول به كسائر المشتركات.

واختار الرضيّ القول الأوّل من الأقوال الأربعة ، وهو كونه حقيقة في الحال مجازا في الاستقبال ، قال : لأنّه إذا خلا من القرائن لم يحمل إلا على الحال ، ولا يصرف إلى الاستقبال إلا لقرينة ، وهذا شأن الحقيقة والمجاز.

وقوله : وضعا ، أي : بأصل الوضع ، فلا ينتقض منعه بالماضي المنصرف إلى الحال أو الاستقبال لعارض كما مرّ ، ولا جمعه بما انصرف منه إلى المضيّ بأداة ، نحو : لم ولمّا الجازمة ولو الشرطية غالبا ، وإذ وربّما وقد التعليليّة دائما ، والتحقيقيّة في بعض المواضع ، فإنّه ينصرف بذلك إلى المضيّ ، لكن ليس ذلك بأصل الوضع فلا نقض ، وسمّي هذا الفعل مضارعا من المضارعة ، وهي المشابهة لمشابهته الاسم في أنّ كلّا منهما تطرأ عليه بعد التركيب معان مختلفة ، تتعاقب على صيغة واحدة فيفتقر بالتمييز بينهما إلى الإعراب.

__________________

(١) لعلّه أبو بكر بن يعقوب بن سالم النحويّ شهاب الدين ، كان من تلامذة ابن مالك ، كان ماهرا في العلوم وصنّف تصانيف مفيدة ، مات سنة ٧٠٣ ه‍ ، المصدر السابق ١ / ٤٧٣.

(٢) من حقيقة في الحال حتي هنا سقطت في «س».

٩٥

فالاسم كما في نحو : ما أحسن زيد ، ترفع زيدا ، إذا قصدت النفي ، وتنصبه إذا قصدت التعجّب ، وتخفضه مع رفع أحسن إذا قصدت الاستفهام عمّا هو الأحسن منه.

والفعل كما في نحو : لا تاكل سمكا وتشرب لبنا ، ترفع تشرب ، إذا أردت النّهي عن الأوّل وإباحة الثاني ، وتنصبه إذا أردت النهي عن الجمع بينهما ، أي لا يكن منك أكل سمك مع شرب لبن. وتجزمه إذا أردت النهي عن كلّ منهما.

وقضيّة ذلك الاشتراك في الإعراب ، لكن لمّا كانت المعاني المتعاقبة على الاسم لا يميّزها إلا الإعراب ، لأنّ الرافع والناصب والخافض إنّما هو أحسن المعاني المتعاقبة على المضارع ، يميّزها غيره أيضا كإظهار العوامل المقدّرة من أنّ في النّصب ، ولا النّاهية في الجزم ، والقطع في الرفع ، كان الاسم أشدّ احتياجا إلى الإعراب من المضارع ، فكان أصلا في الإعراب ، وذلك فرعا فيه ، هذا قول ابن مالك. قال : وهو أولي من الجمع بينهما بالإبهام والتخصيص ودخول لام الابتداء ومحاذاة (١) اسم الفاعل ، لأنّ المشابهة بهذه الأمور بمعزل عمّا جيء بالإعراب لأجله بخلاف الّتي اعتبرتها.

قال ابن هشام : وهذا مركّب من مذهب البصريّين والكوفيّين ، فإنّ البصريّين لا يسلمون قبوله ، ويرون إعرابه بالشبه ، والكوفيّين يسلّمون ، ويرون إعرابه أصالة كالاسم ، وابن مالك يسلّمه ، وادّعي أنّ الإعراب بالشبه لا أصالة.

سين الاستقبال : «ويختصّ» المضارع «بالسين» ، أي سين الاستقبال ، فاللام للعهد ، وهي بمترلة الجزء منه ، ولذا لم تعمل فيه مع اختصاصه بها ، كذا كلّ حرف اختصّ به شئ وتترل مترلة الجزء ، فإنّه لا يعمل بخلاف ما إذا لم يترّل ، وليست السين مقتطعة من سوف خلافا للكوفيّين ، ولا مدّة الاستقبال معها أضيق منها مع سوف خلافا للبصريّين.

ومعنى قول المعرّبين فيها حرف تنفيس حرف توسيع ، وذلك أنّها نقلت المضارع من الزّمن الضّيّق ، وهو الحال إلى الزمن الواسع ، وهو الاستقبال ، وأوضح من عبارتهم قول الزمخشريّ وغيره حرف استقبال ، قاله في المغني (٢) ، وإنّما اختصّ المضارع بها ، لأنّها تخلّصه إلى الاستقبال ، هو معنى يختصّ به.

قال ابن هشام ، وزعم الزمخشريّ أنّها إذا دخلت على فعل محبوب أو مكروه أفادت أنّه واقع لا محالة ، ولم أر من فهم وجه ذلك ، ووجهه أنّها تفيد الوعد بحصول الفعل ، فدخولها على ما يفيد الوعد أو الوعيد مقتض لتوكيده وتثبيت معناه ، وقد أومأ إلى

__________________

(١) المحاذاة : مصدر حاذاه بمعنى صار بحذائه ووازاه.

(٢) ابن هشام الانصاري ، مغني اللبيب ، الطبعة الخامسة ، بيروت ، ١٩٧٩ م ، ص ١٨٤.

٩٦

ذلك في سورة البقرة ، فقال في (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ) [البقرة / ١٣٧] ، معنى السين أنّ ذلك كائن لا محالة وإن تأخّر إلى حين ، وصرّح به في سورة براءة فقال : (أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ) [التوبة / ٧١] السين مفيدة وجود الرحمة لا محالة ، فهي تؤكّد الوعد كما تؤكّد الوعيد ، إذا قلت : سأنتقم منك (١) ، انتهى.

«و» يختصّ «بلم» وكذا كلّ الجوازم ، وإنّما اختصّ بلم ، لأنّها لمعنى لا يصلح إلا له ، وهو قلبه ماضيا. وذهب قوم إلى أنّها تدخل على لفظ الماضي فتصرفه إلى لفظ المضارع ، ومعنى المضيّ باق فيه ، ووجهّوه بأنّ المحافظة على المعنى أولي من المحافظة على اللّفظ.

قال المراديّ في الجنى الداني (٢) : والأوّل هو الصحيح ، لأنّ له نظيرا ، وهو المضارع بعد لولا ، والقول الثاني لا نظير له. قال ابن مالك في شرح الكافية : وتمييز المضارع بلم مغن عن علاماته الأخر ، وإن تساوت في الاختصاص به.

«و» يختصّ بافتتاحه «بإحدى زوائد أنيت» ، أي : الزوائد الّتي جمعتها كلمة أنيت ، أي أدركت ، وإنّما سمّيت زوائد ، لأنّها ليست أصليّة في الفعل ، وتسمّى حروف المضارعة ، وإذا أريد تمييز المضارع بها ، اشترط في الهمزة أن تكون للمتكلّم وحده ، مذكّرا كان أو مؤنّثا ، وفي النّون أن تكون للمتكلّم (٣) ، ومعه غيره ، مذكّرا كان أو مؤنّثا أو مختلطا أو للمعظّم نفسه ، ولو ادّعاء ، وفي الياء أن تكون للغائب المذكّر واحدا كان أو اثنين أو جماعة أو لجمع الغائبات ، وفي التاء أن تكون للمخاطب واحدا كان أو اثنتين أو جماعة ، مذكّرا كان أو مؤنّثا ، أو للغائبة أو للغائبتين.

وبهذا يظهر أنّ تعبير المصنّف «بأنيت» أنسب بالنسبة التضعيفية من تعبير غيره بنأيت وأتين وأنتي ، وغيره ذلك ، وإنّما اشترطنا هذا الشرط ، لأنّ هذه الحروف بعدمه توجد في الماضي ، نحو : أكرمت زيدا ، ونصبت العلم ، ويممت عمرا ، وتمّمت الكتاب ، فلا يصحّ حينئذ أن يميّز بها المضارع ، ولا يكون مختصّا بها.

فعل الأمر ، تحقيق نفيس في زمان فعل الأمر : «أو» يقترن «بالحال» وقد عرفت معناه «فقط» بفتح القاف وسكون الطاء ، أي فحسب. «وضعا فأمر» فخرج بقيد الوضع المضارع ، فإنّه وإن دلّ في بعض الأحيان على الحال فقط ، إلا أنّه في أصل الوضع

__________________

(١) المصدر السابق ، ص ١٨٥.

(٢) «الجنى الداني في حروف المعاني» كتاب للشيخ بدر الدين حسن بن قاسم المرادي. كشف الظنون ١ / ٦٠٧.

(٣) وفي النّون أن تكون للمتكلّم سقطت في «ط».

٩٧

مشترك بين الحال والاستقبال ، قاله المصنّف في الحاشية. قلت : وهذا مخالف لما عليه جميع النّحويّين من أنّ الأمر مقترن بالاستقبال فقط وإلا لزم تحصيل الحاصل.

قال شيخ شيوخنا العّلامة محمد الحرفوشيّ (١) في شرحه على تهذيب المصنّف : والحقّ أن يقال : إن فسّر الأمر بطلب الفعل على جهة الاستعلاء كما هو عند أرباب الاصول ، فهو للحال كما ذكر ، وإن فسّر بأنّه حدث واقع في زمن الاستقبال ، فهو للمستقبل ، انتهى.

ولشيخنا الإمام العلّامة محمد بن عليّ الشامي (٢) ـ أطال الله بقاه ـ كلام في تحقيق المقام ، به يتبيّن مغزى كلام المصنّف بما لا مزيد عليه ، وهو غاية ما يقال فيه ، ونصّه : الحقّ عند النحاة أنّ الأمر بالصيغة قسم من الفعل برأسه ، لا مندرج تحت قسم المضارع ، وأنّه موضوع في أصل اللغة بالوضع النوعيّ على وجه القانون الكليّ لطلب إدخال حقيقة الفعل ، أو فرد منها ، منتشر في جنسه في الوجود على النّحو الّذي لذلك الفعل من الوجود من فاعل معيّن بالخطاب ، وأنّ معنى الطلب مستفاد من نفس الصيغة بسبب وضعها له ، لا من لام الأمر (٣) المقدّرة ، والطلب لكونه نسبة يقتضي بطبعه التعلّق بمطلوب ، فيجعل معنى هذه الصيغة إلى حدثين : أحدهما مسند في المعنى إلى المتكلّم ، وهو الطلب في الحال ، والآخر مسند في اللفظ إلى المخاطب ، وهو ما تعلّق الطلب بإيقاعه في المستقبل ، والأوّل مدلول لهيئة الكلمة ، والثاني مدلول لمادّتها ، والمقصود باللفظ أنّما هو إفهام الحدث الأوّل ، والثاني أنّما وقع قيدا له ، وإن كان الغرض من إفهام الأوّل هو التوصّل به إلى وقوع الثاني.

فمن نظر إلى جانب اللفظ حكم بأنّ الأمر للاستقبال ، ومن نظر إلى جهة المعنى حكم بأنّه للحال ، لكنّ الأوّل أنسب بمصطلحات الفنون الباحثة عن الأحوال اللفظيّة ، والثاني أليق بتعارف العلوم المتكفّلة بالمباحث المعنويّة.

فالجري على خلاف ذلك خلط بين الاصطلاحين ، فإن احتجّ على كونه للاستقبال على كلّ حال بأنّه أنّما يدلّ عليه بالتضمّن ، لأنّ دلالته عليه من جهة كونه فعلا وعلى الحال بالالتزام ، لأنّ دلالته عليه إنّما هي لضرورة وقوعه إنشاء ، لكنّ كلامنا إنّها هو في الزمان الّذي يقترن به الحدث في الفهم عن لفظ الفعل عارضناه بالمثل بأن نقول هو إنّما

__________________

(١) محمد بن علي الحرفوشي العامليّ كان فاضلا أديبا شاعرا ، له كتب كثيرة الفوائد منها : «نهج النجاة في ما اختلف به النحاة» «اللآلى السنية في شرح الآجرومية» ، وتوفّي سنة ١٠٨٠. روضات الجنّات ٧ / ٨٥.

(٢) محمد بن علي الشامي الغرناطيّ المتوفّا سنة ٨١٥ ه‍ ، له «شرح الجمل في النحو» لابن إسحاق الزجاجيّ النحويّ المتوفي سنة ٣٣٩. كشف الظنون ١ / ٦٠٤.

(٣) بسبب وضعها له أو من لام الأمر «ح».

٩٨

يدلّ على الحال بالتضمّن ، لأنّ دلالته عليه من حيث كونه فعلا ، والمعتبر في فعليّته أنّما هو الحدث الّذي وضع له ، لا الحدث الّذي أوقع عليه ما وضع له وعلى الاستقبال بالالتزام ، لأنّ دلالته عليه لضرورة امتناع تحصيل الحاصل غاية ما في الباب أنّ رعاية جانب اللفظ أوجبت أن نقول إنّه يتضمّن كلا الزمانين لتضمّنه لكلا الحدثين ، فتدبّر.

هذا كلامه ، وسمّي هذا الفعل أمرا ، أمّا عند المصنّف فظاهر ، لكونه موضوعا لطلب الفعل على جهة الاستعلاء ، واستعماله عنده في غير ذلك مجاز كما صرّح به في الزبدة (١) ، وأمّا عند النّحويّين فلاستعماله غالبا في طلب الفعل على جهة الاستعلاء.

«ويعرف» أي : يميّز عن قسميه «بفهم الأمر منه» أي من نفسه لا بانضمام غيره إليه ، ليخرج نحو : لتقم ، فإنّه وإن فهم الأمر منه ، لكن ليس من الصيغة نفسها ، بل نشأ من اللام ، والمراد بالأمر المفهوم الأمر اللغويّ ، فلا يقال : أخذ الأمر فيما يعرف به الأمر يستلزم الدور.

نونا التوكيد الخفيفة والثقيلة : ولا بدّ مع فهم الأمر منه من قبوله إحدى نوني التوكيد الثقيلة أو الخفيفة ، نحو : قومنّ وقومن ، فلو فهم الأمر من كلمة ، ولم تقبل إحدى نوني التأكيد ، فهي اسم فعل ، كترال بمعنى انزل ، ودراك بمعنى أدرك ، أو مصدر ك ضربا زيدا ، أو حرف ، نحو : كلّا بمعنى انته ، أو قبلتها ولم يفهم منها الأمر ، فهي مضارع ، نحو : (لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً) [يوسف / ٣٢] أو فعل تعجّب ، نحو : أحسننّ بزيد ، فإنّه ليس بأمر على الأصحّ بل علي صورته.

تنبيه : كلّ من نوني التأكيد أصل برأسه عند سيبويه والبصريّين ، وقال الكوفيّون : الثقيلة أصل ، والخفيفة فرع ، ومعناهما التأكيد.

قال الخليل : والتوكيد بالثقلية أبلغ. قال في التصريح : ويدلّ له قوله تعإلى : (لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ) فإنّ امرأة العزيز كانت أشدّ حرصا علي سجنه من كينونته (٢) صاغرا ، وهما من خصائص الفعل ، وأمّا قوله [من الرجز] :

٤٣ ـ أقائلنّ أحضروا الشّهودا (٣)

__________________

(١) زبدة الأصول من آثار الشيخ البهايي.

(٢) كينونة من مصادر كان.

(٣) قبله

«أريت إن جاءت به أملودا

مرجّلا ويلبس البرودا»

وينسب لرؤبة بن العجاج ، اللغة :

أريت : أصله أرأيت ، بمعنى أخبرني ، حذفت الهمزة تخفيفا. الأملود : الناعم الليّن. مرجّلا : مسرّحا. البرود : جمع برد ، نوع من الثياب معروف. وقوله : أقائلن : خبر مبتدا محذوف ، والتقدير : أفأنتم قائلنّ.

٩٩

فضرورة ، سوّغها شبه الفعل بالوصف ، وتوكّد بهما صيغ الأمر مطلقا ولو كان دعائيّا ، كقوله [من الرجز] :

٤٤ ـ ...

فأنزلن سكينة علينا (١)

ولا يؤكد بهما الماضي مطلقا وشذّ قوله [من الكامل] :

٤٥ ـ دامنّ سعدك إن رحمت متيّما

لولاك لم يك للصبابة جانحا (٢)

والّذي سهّله أنّه بمعنى أفعل.

وأمّا المضارع فله حالات ، ذكرها في الأوضح (٣) إحداها : أن يكون توكيده بهما واجبا ، وذلك إذا كان مثبتا مستقبلا جوابا لقسم ، غير مفصول من لامه بفاصل ، نحو : (وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ) [الأنبياء / ٥٧] ، ولا يجوز توكيده بهما إن كان منفيّا ، نحو : (تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ) [يوسف / ٨٥] ، إذ التقدير لا تفتأ. أو كان حالا كقراءة ابن كثير (٤) لأقسم بيوم القيامة [القيامة / ١] ، وقول الشاعر [من المتقارب] :

٤٦ ـ يمينا لأبغض كلّ امري

يزخرف قولا ولا يفعل (٥)

أو كان مفصولا من اللام ، مثل : (وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ) [آل عمران / ١٥٨].

الثانية : أن يكون قريبا من الواجب ، وذلك إذا كان شرطا ، لأنّ الشرطيّة المؤكّدة بما ، نحو : وإمّا تخافنّ فإمّا تذهبنّ فإمّا ترينّ ، ومن ترك توكيده قوله [من البسيط] :

٤٧ ـ يا صاح أمّا تجدني غير ذي جدة

فما التخلّي عن الخلّان من شيمي (٦)

وهو قليل ، وقيل : يختصّ بالضرورة.

الثالثة : أن يكون كثيرا ، وذلك إذا وقع بعد أداة الطلب ، كقوله تعالى (وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً) [إبراهيم / ٤٢].

الرابعة : أن يكون قليلا ، وذلك بعد لا النافية وما الزائدة الّتي لم تسبق بأن الشرطية ، كقوله تعإلى : (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) [الأنفال / ٢٥] ، وقوله [من الطويل] :

__________________

(١) قاله عبد الله بن رواحه. وقبله :

ونحن عن فضلك ما استغنيا

فثبت الأقدام إن لاقينا.

(٢) لم يسم قائله. اللغة : دامنّ : ماض مؤكّد من الدوام بمعنى البقاء. المتيّم : اسم مفعول وهو الّذي تيمّه الحبّ أي : ذلّله ، الصبابة : الشوق أورقته ، الجانح : اسم فاعل من جنح بمعنى مال إليه.

(٣) أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك لابن هشام.

(٤) عبد الله بن كثير أحد أئمة القراءات العشر ، ولد بمكة وتولّى قضاءها ، مات سنة ١٢٠ ه‍ ق. المنجد في الأعلام ص ١٣.

(٥) لم يذكر قائله. اللغة : زخرف القول : حسنّه بترقيش الكذب.

(٦) لم يسمّ قائله : اللغة : الخلّان : جمع الخليل وهو الصديق الخالص ، الشيم : جمع الشيمة بمعنى الخلق.

١٠٠

٤٨ ـ ...

ومن عضة ما ينبتنّ شكيرها (١)

وقوله [من الطويل] :

٤٩ ـ قليلا به ما يحمدنّك وارث

 ... (٢)

الخامسة أن يكون أقلّ ، وذلك بعد لم ، وبعد أداة جزاء غير أمّا كقوله [من الرجز] :

٥٠ ـ يحسبه الجاهل ما لم يعلما

شيخا على كرسيه معممّا (٣)

وكقوله [من الكامل] :

٥١ ـ من نثقفن منهم فليس بآئب

 ... (٤)

أحكام أقسام الفعل

حكم الفعل الماضي : هذه «تبصرة» تتعلّق بأحكام أقسام الفعل ، إذ قد تحقّقت مدلول كلّ من الأفعال ، فاعلم أنّ لكلّ أحكاما (٥) تخصّه ، فالفعل الماضي مبنيّ ، وهو على وفق الأصل ، إذ الأصل في الأفعال البناء لاستغنائها عن الإعراب باختلاف صيغها لاختلاف المعاني المعتورة عليها ، وبناؤه على الفتح ، ثلاثيّا كان أو رباعيّا أو خماسيّا أو سداسيّا ، ولا يزيد على ذلك ، وبني على الحركة لمشابهة المضارع في الجملة لوقوعه صفة ، نحو : مررت برجل ضرب ، وصلة ، نحو : مررت بالّذي قام ، وشرطا وجزاء ، نحو : إن ضربتني ضربتك ، وحالا نحو : جاءني رجل وقد ضرب.

وخصّ بالفتحة طلبا للخفّة ، «إلا إذا كان آخره ألفا» ، سواء كانت منقلبة عن واو ، نحو : غزا ، أو ياء ، نحو : رمي ، فأنّ أصلهما «غزو» و «رمى» ، قلبت الواو والياء ألفين ، لتحرّكهما وانفتاح ما قبلهما ، فيكون مبنيّا على السكون للاعلال المذكور.

ما خالف فيه المصنّف النحاة من أنّ المعتلّ الاخر مبنيّ على السكون : هذا مفهوم كلامه ، وهو خلاف ما صرّح به النحاة من أنّ المعتلّ الآخر مبنيّ على الفتح تقديرا ، والسكون عارض ، ولهذا إذا قدّر سكون الآخر ، رجعت الواو والياء ، فقيل : غزوت ورميت.

__________________

(١) تمام البيت «إذا مات منهم ميّت سرق ابنه» ، اللغة : العضة. كلّ شجر عظام ، الشكير : ما ينبت في أطراف أصل الشجر وأغصانه.

(٢) تمامه «إذا نال ممّا كنت تجمع مغنما» ، وهو لحاتم الطائي. اللغة : ما : زائدة. المغنم : الغنيمة.

(٣) البيت للعجاج أو لأبي الصمعاء وهو شاعر مخضرم.

(٤) تمامه «أبدا وقتل بني قتيبة شافي» ، وهو لبنت مرة بن عاهان أبي الحصين الحارثي. اللغة : نثقفن : ندركه ونظفر به ، آئب. راجع.

(٥) أنّ لكلّ أفعال تخصه «ح».

١٠١

نعم ، وقع في شرح الزنجانيّ للعلّامة التفتازانيّ ما يوافق كلام المصنّف ، ولعلّ المصنّف منه أخذ ، فإنّه قال : يبنى الفعل الماضي على الفتح ، إلا إذا اعتلّ آخره ، نحو : غزا ورمي ، لكن تعقّبه المحقّق اللقانيّ (١) في حاشيته عليه ، فقال في كون الفعل المعتلّ (٢) آخره ألف (٣) مستثنى من قوله على الفتح نظر ، لأنّ وجود الألف فرع عن فتح ما انقلبت عنه. فإن قلت : هو مستثنى باعتبار الألف فإنّها الآن آخر : قلت : قد استوفي البناء مقتضاه في الحرف الأصليّ ، فلا يكون السكون في الألف بناء ، انتهى. وهو في محلّه.

«أو اتّصل به ضمير رفع متحرّك» ، فيكون مبنيّا على السّكون أيضا ، نحو : ضربت ، بتثليث التاء كراهة توالي أربع حركات ، فيما هو كالكلمة الواحدة لشدّة اتّصال الفاعل بفعله ، وخرج بقيد الرفع ضمير النصب ، نحو : ضربك فإنّه مفعول ، وليس كالفاعل في شدّة الاتّصال ، وبالتحرّك الساكن غير الواو ، فهو في هاتين الحالتين مبنيّ على الفتح ، كما إذا تجرّد ، وقد شمل ذلك كلّه عموم المستثنى منه.

«أو» اتّصل به «واو» الجماعة فيكون مبنيّا على الضّمّ لمجانسة الواو ، نحو : ضربوا ، وأمّا نحو : دعوا واشتروا ، فالأصل دعووا ، بواوين ، أولاهما مضمومة ، واشتريوا بياء مضمومة ، فقبلت الواو والياء ألفين ، لتحرّكهما وانفتاح ما قبلهما ، ثمّ حذفت الألف لالتقاء الساكنين هي والواو ، كذا قال غير واحد ، وظاهر أنّه لا يتعيّن ذلك ، بل يجوز أن يقال : استثقلت الضمّة على الواو والياء ، فحذفت [الضمّة] ، ثمّ حذفت الواو والياء لالتقاء الساكنين هي وواو الجماعة.

وذهب بعضهم إلى أنّ الماضي مبنيّ على الفتح مطلقا ، وأمّا نحو : ضربت وضربوا ، فالسكون والضّم عارضان ، أوجبهما ما مرّ.

قال بعضهم ـ وهو التحقيق ، ولا ينافي ذلك قولهم : الأصل في المبنيّ أن يسكّن ، لأنّ ذلك في المبنيّ من حيث هو ، وهذا في الماضي فقط ، قال بعض المحقّقين : ويعارض القول بأنّ نحو : ضربوا مبنيّ على الضّمّ تصريحهم عند الكلام على ألقاب البناء أنّ الضّمّ لا يدخل الفعل وكذا الكسر ، فلتأمّل.

حكم الفعل المضارع : «و» الفعل «المضارع إذا اتّصل به نون إناث» ، سواء كان ضميرا أم حرفا ، ولم يقيّدها بالمباشرة ، لأنّها لا تكون إلا كذلك ، «كيضربن» من نحو : الهندات

__________________

(١) اللقانيّ إبراهيم بن إبراهيم من علماء الحديث. ولد في لقانة بمصر. له «جوهر التوحيد» و «بهجة المحافل» مات سنة ١٠٤١ ه‍ ق. الأعلام. للزركلي ، ١ / ٢١.

(٢) من الفعل الماضي حتي هنا سقط في «س».

(٣) سقط الألف في «م وح وس».

١٠٢

يضربن ، ويضربن النساء ، «بني على السكون» ردّا إلى الأصل من بناء الفعل لفوات شبهه بالاسم المقتضي لإعرابه باتّصاله بالنّون الّتي لا تتّصل إلا بالفعل ، وبني على السكون ، لأنّه الأصل في البناء.

ولك تعليل الحكمين معا بالحمل على الماضي المتّصل بضمير رفع متحرّك وتعليلها فيما إذا كانت النون ضميرا ، بأنّ الضمير يردّ الأشياء إلى أصولها ، وفيها إذا كانت حرفا بالحمل عليه طردا للباب.

وقال بعضهم : هو معرب لضعف علّة البناء ، مقدرا الإعراب لإلزامهم محلّه السكون ، ولم تعوّض النّون من الاعراب خوفا من اجتماع النونين ، وعزاه أبو حيّان فى شرح التسهيل (١) إلى السهيلى (٢) وابن طلحة وطائفة من النحويين رادّا به على ابن مالك فى دعواه الاتّفاق على بنائه.

«أو» اتّصلت به «نون تأكيد» ، خفيفه كانت أو ثقلية ، «مباشرة» أى : متّصلة به من غير حاجز لفظا أو تقديرا ، فينبى «على الفتح كيضربنّ» من نحو : زيد ليضربنّ أو (لَنَسْفَعاً) [العلق / ١٥].

هذا مذهب الجمهور ، وعلّة البناء تركيبه وصيرورته معها كالكلمة الواحدة ، فلو دخل الإعراب قبلها لزم دخوله فى وسط الكلمه ، ولا إعراب فى الوسط ، ولو دخل لزم عليها دخوله على الحرف ، ولا حظّ للحرف فى الإعراب.

قيل : هو معرب مطلقا ، وإنّ ما اتّصل به نون التأكيد منه باق على إعرابه ، كما أنّ الاسم مع التنوين معرب ، لكن لمّا اشتغل حرف الإعراب بالحركة المجتلبة قبل إعراب الكلمة لأجل الفرق ، صار الإعراب مقدّرا ، كما فى غلامى ، على ما ذهب إليه بعضهم.

وتقييده بقوله : «مباشرة» احتراز عن المفصول بينهما وبين الفعل بألف الاثنين ، أو واو الجماعة ، أو ياء المخاطبة ، فإنّ الفعل باق على إعرابه معها ، نحو : قوله تعالى (وَلا تَتَّبِعانِ) [يونس / ٨٩] ، فإنّ الألف حاجز لفظا ، ونحو (لَتُبْلَوُنَ) [آل عمران / ١٨٦] ، (وَلا يَصُدُّنَّكَ) [القصص / ٧٨] ، فإن الواو فى الأوّل حاجز لفظا ، وفى الثانى تقديرا ، أو نحو : (فَإِمَّا تَرَيِنَ) [مريم / ٢٦] ، فإنّ الياء حاجز لفظا.

وذهب قوم إلى البناء مطلقا ، لأنّه اتّصل به ما يختصّ بالفعل ، وأمّا قوله :

__________________

(١) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد فى النحو لابن مالك ، ومن شراحه العلّامة أثير الدين أبو حيان. كشف الظنون ، ١ / ٤٠٥.

(٢) عبد الرحمن بن عبد الله أبو القاسم السهيلي الأندلسي ، كان عالما بالعربية واللغة والقراءات ، صنّف : شرح الجمل ، التعريف والإعلام بما فى القرآن من الأسماء والأعلام و... مات سنة ٥٨١ ه‍. ق بغية الوعاة ٢ / ٨١.

١٠٣

٥٢ ـ ...

أقائلنّ أحضروا الشّهودا (١)

فضرورة كما تقدّم.

وأما ما حكى عن الإمام أبى الفتح بن جنىّ من قوله : دلّ هذا على أنّ نون التأكيد لا يختصّ بالفعل ، فغريب. وردّ ابن مالك هذا المذهب ، ودليله بأنّه كان يلزم بناء المجزوم والمقرون بحرف التنفيس والمسند إلى ياء المخاطبة ، لأنّها تختصّ بالفعل ، بل هى أليق من جهة أنّها ناسبت لفظا ومعنى ، والنّون ناسبت لفظا لا معنى ، لأنّ معناها يصلح للاسم ، وهو التأكيد ، قاله المرادىّ فى شرح التسهيل. «وإلّا» يتّصل به نون إناث ، ولا نون تأكيد مباشرة «فمرفوع ، إن تجرّد عن ناصب وجازم» ، أى عن كلّ ناصب وجازم.

النكرة فى الإثبات قد تكون للعموم : والنكرة فى الإثبات قد تكون للعموم ، وأمّا قول أبي طالب يخاطب النبىّ (ص) [من السريع] :

٥٣ ـ محمّد تفد نفسك كلّ نفس

إذا ما خفت من أمر تبالا (٢)

فعلى تقدير الجازم ، وهو لام الطلب ، أى لتفد ، والتبال : الوبال ، أبدلت الواو تاء ، كما قالوا فى وراث ووجاه : تراث وتجاه ، وأمّا قول امرئ القيس [من السريع] :

٥٤ ـ فاليوم أشرب غير مستحقب

إثما من الله ولا واغل (٣)

فليس قوله : أشرب مجزوما ، وإنّما هو مرفوع ، ولكن حذفت الضّمّة للضرورة ، أو على تتريل ربع بالضمّ من قوله : أشرب غير مترلة عضد بالضّمّ ، فإنّهم قد يجرون المنفصل مجرى المتّصل ، فكما يقال فى عضد بالضمّ : عضد بالسكون ، كذلك قيل في ربع بالضم : ربع بالإسكان ، قاله ابن هشام فى شرح الشذور (٤).

وفيه أمران : أحدهما حذف لام الطلب فى الأوّل ، والثانى حركة الإعراب في الثانى ، وكلاهما ممّا اختلف في جوازه ، أمّا حذف لام الطلب فالّذى حقّقه في المغنى ، وصحّحه غيره أنّه مختصّ بالشعر وقيل : باطّراده في نحو : قل له : ليفعل ، وعليه الكسائيّ ، وقيل بجوازه بعد القول مطلقا ، وعليه ابن مالك ، وقيل بالمنع مطلقا ، وعليه المبرّد.

__________________

(١) تقدم برقم ٤٣.

(٢) هو لأبي طالب عمّ محمد (ص). اللغة : تفد : حذفت منه اللام للضرورة وهو مضارع فديته أى صيرت فداءه.

(٣) اللغة : المستحقب : أصله الّذي يجمع حاجاته في الحقيبة ، والمراد غير مكتسب ، الواغل : الداخل على طعام القوم وشرابهم من غير دعوة.

(٤) الأنصاري جمال الدين ابن هشام ، شرح شذور الذهب ، قم ، دار الهجرة ، الطبعة الثالثة ، ١٤١٤ ه‍ ، ص ٢١٣.

١٠٤

وقال فى البيت : إنّه لا يعرف قائله مع احتماله لأن يكون دعاء بلفظ الخبر مثل : يغفر لك الله ويرحمك ، وحذفت الياء تخفيفا ، واجتزئ عنها بالكسرة.

حذف حركة الإعراب : وأمّا حذف حركة الإعراب ، فقيل بجوازه مطلقا ، وعليه ابن مالك ، وقال : إنّ أبا عمرو حكاه عن لغة تميم ، وخرّج عليه آيات من القرآن ، منها قوله تعالى : (وَبُعُولَتُهُنَ) [البقرة / ٢٨٨] ، فيمن قرأ بسكون التّاء ، وقول الشاعر [من السريع] :

٥٥ ـ ...

وقد بدا هنك من المئزر (١)

وقوله [من السريع] :

٥٦ ـ فاليوم أشرب غير مستحقب

 ... (٢)

وقيل بالمنع مطلقا ، وعليه المبرّد. وقال : الرواية فى البيتين ، وقد بدا ذاك ، فاليوم اسقي ، وقيل بالجواز في الشعر ، والمنع في الاختيار ، وعليه الجمهور.

وقال أبو حيان : وإذا ثبت نقل أبى عمرو كان حجّة على المذهبين ، قاله فى الهمع (٣) : وسيأتي بيان الخلاف فى رافع المضارع فى الحديقة الرابعة إن شاء الله تعالى ، فلينتظر.

«وإلا» يتجرّد عن ناصب وجازم «فمنصوب» بحرف واحد من أربعة ، سيأتى ذكرها في حديقة الأفعال ، أو مجزوم بحروف سيأتى عدّها ثمّة.

حكم فعل الأمر : «وفعل الأمر يبنى» على وفق الأصل كما مرّ ، وبناؤه «على ما يجزم به مضارعه» المبدوّ بتاء الخطاب ، فيبنى على السّكون إذا كان صحيحا ، لم يتّصل بآخره ألف الاثنين ، ولا واو الجماعة ، ولا ياء الواحدة المخاطبة ، نحو : اضرب وانطلق واستخرج ، فإنّ مضارعه يجزم بالسكون إلا إذا كان مضعّفا نحو : ردّ ، فيجوز تحريكه بالحركات الثلاث ، وبها روى قول جرير [من الكامل] :

٥٧ ـ ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى

والعيش بعد أولئك الأيّام (٤)

__________________

(١) صدره «رحت وفى رجيلك ما فيها» ، وهو للأقشير الأسدى. اللغة : المئزر : الإزار.

(٢) تقدّم برقم ٥٤.

(٣) همع الموامع في شرح جمع الجوامع في النحو للسيوطي المتوفى ٩١١ ه‍. ق كشف الظنون ١ / ٥٩٨.

(٤) اللغة : ذمّ فعل أمر من الذم ، ويجوز فى ميمه تحريكها بأحدي الحركات الثلاث : الكسر ، لأنّه الأصل في التخلص من التقاء الساكنين ، فهو مبني على السكون وحرّك بالكسر للتخلّص من التقاء الساكنين ، والفتح للتخفيف ، لأنّ الفتحة أخفّ الحركات ، وهذه لغة بني أسد ، والضم ، لاتّباع حركة الذال ، وهذا الوجه

١٠٥

وعلى حذف النّون ، إذا اتّصلت به إحدى المذكورات ، سواء كان صحيحا أو معتلّا ، نحو : إضربا واغزوا واخشيا وارميا واضربوا (١) واغزوا واخشوا وارموا واضربي واغزي واخشي وارمي ، فإنّ مضارعه يجزم (٢) بحذفها وعلى حذف حرف العلة إذا كان معتلّا ، ولم يتّصل به نون الإناث ولا نون التوكيد المباشرة نحو : اغز واخش وارم ، فإنّ مضارعه ى يجزم بحذفه ، فإن اتّصلت به نون الإناث بني على السكون ، نحو : اغزون واخشين وارمين يا هندات ، أو نون التوكيد بنى على فتح ، نحو : اغزونّ واخشينّ وارمينّ يا زيد ، كالصحيح فى الموضعين.

هذا هو الأصحّ عند جمهور البصريين ، وذهب الكوفيون والأخفش من البصريين إلى أنّه مقتطع من المضارع ، فهو معرب مجزوم بلام الأمر إلا أنّها حذفت حذفا مستمرّا في نحو : قم واقعد ، والأصل لتقم ولتقعد فحذفت اللّام للتخفيف ، وتبعها حرف المضارعة.

واختاره ابن هشام في المغني ، قال وبقولهم أقول : لأنّ الأمر معنى حقّه أن يؤدّى بالحرف ، ولأنّه أخو النهى ، ولم يدلّ عليه إلا بالحرف ، ولأنّ الفعل إنّما وضع لتقييد الحدث بالزمان المحصّل ، وكونه أمرا أو خبرا خارج عن مقصوده ، ولأنّهم قد نطقوا بذلك الأصل ، كقوله [من الخفيف] :

٥٨ ـ لتقم أنت يا ابن خير قريش

كى لتقضى حوائج المسلمينا (٣)

وكقراءة جماعة فبذلك فلتفرحوا [يونس / ٥٨] ، وفى الحديث : لتأخذوا مصافكم (٤) ، ولأنّك تقول : اغز ، واخش ، وارم ، واضربا واضربوا واضربي ، كما تقول في الجزم ، ولأنّ البناء لم يعهد كونه بالحذف ، ولأنّ المحقّقين على أنّ أفعال الإنشاء مجرّده عن الزمان ، كبعت وأقسمت وقبلت ، وأجابوا عن كونها مع ذلك أفعالا بأنّ تجرّدها عارض لها عند نقلها عن الخبر ، ولا يمكنهم ادعاء ذلك في نحو : قم ، لأنّه ليس له حالة غير هذه وحينئذ فتشكل فعليته ، فإذا ادّعي أنّ أصله «لتقم» كان الدّال على الإنشاء اللام لا الفعل ، انتهى بنصّه.

وقال الدمامينىّ فى شرحه : لا إشكال ، فإنّ أفعال الإنشاء إنّما قلنا بتجرّدها عن الزمان من حيث هى إنشاء ، والأمر لا دلالة له على الزّمان بحسب الوضع من حيث

__________________

أضعف الوجود الثلاثة. اللوى : موضع بعينه. ابن عقيل ، شرح ابن عقيل ، ج ١ ، الطبعة السابعة ، قم ، ١٤١١ ه‍ ص ١٣٢.

(١) سقط «اضربوا» في «ح».

(٢) يحذف بحذفها «ط».

(٣) لم يسمّ قائله.

(٤) ما وجدت الحديث.

١٠٦

إنشائيته ، وليست هذه الحيثية هى جهة كونه فعلا ، بل فعليته باعتبار دلالته على الحدث المطلوب من المخاطب وعلى زمان ذلك الحدث ، وهو المستقبل فقد ثبت كونه فعلا لدلالته بحسب الوضع على الحدث وزمانه ، وإن كان لا دلالة له على الزّمان من حيث كونه إنشاء.

قال : وكذا إذا قلنا بأنّ الأنشاء لا بدّ له من زمان حال ، كما ذهب إليه بعضهم في سائر الإنشاءات لم يشكل الأمر لأنّا نقول : له زمنان : زمن إيقاعه من المتكلّم ، وهذا زمنه من حيث هو إنشاء ، وهو الحال وزمن حدثه المسند إلى المخاطب ، وهذا زمنه من حيث هو فعل ، وحينئذ فالأنشاء نوعان : إنشاء حدثه مسند إلى غير المخاطب كـ «بعت» وهذا حال فقط ، ليست الحال من دلالته بل من ضرورة وقوعه ، وإنشاء حدثه مسند إلى المخاطب ، وهو الأمر المدلول عليه بالصيغة ، وهذا واقع فى حال من حيث هو إنشاء وأمّا من حيث إسناد حدثه إلى المخاطب المأمور فهو مستقبل ، ولا شكّ أنّه فعل بهذا الاعتبار ، انتهى.

وفيه بحث يظهر من مراجعة كلام شيخنا الذى أسلفناه عند ذكر الأمر في تقسيم الفعل ، فليرجع إليه.

فصل في حدّ الإعراب والبناء وأنواعها ومعنى الإعراب لغة واصطلاحا

ص : فائدة : الإعراب أثر يجلبه العامل في آخر الكلمة لفظا أو تقديرا ، وأنواعه : رفع ونصب وخفض وجزم ، فالأوّلان يوجدان في الاسم والفعل ، والثالث : يختصّ بالاسم ، والرابع : بالفعل.

والبناء : كيفية فى آخر الكلمه : لا يجلبها عامل ، وأنواعه : ضمّ وكسر وفتح وسكون ، فالأوّلان يوجدان في الاسم والحرف ، نحو : حيث وأمس ومنذ ولام الجرّ والأخيران : يوجدان في الكلم الثلاث : نحو أين وقام وسوف وكم وقم وهل.

ش : هذا فصل في حدّ الإعراب والبناء وأنواعهما. الإعراب لغة يطلق على معان كثيرة. قال ابن فلاح (١) في المغني وفي نقله من اللغة إلى اصطلاح النّحويّين خمسة أوجه ، أحدها : أنّه منقول من الإعراب الذى هو البيان ، ومنه قوله (ص) : الثّيّب يعرب عنها لسانها (٢) ، أى يبيّن ، والمعنى على هذا أنّ الإعراب يبيّن معنى الكلمة ، كما يبيّن الانسان

__________________

(١) منصور بن فلّاح الشيخ تقي الدين المشهور بابن فلاح النحويّ ، له مؤلّفات في العربية منها : الكافي ، مات سنة ٦٨٠ ه‍. بغية الوعاة ٢ / ٣٠٢.

(٢) قزويني ، سنن ابن ماجه ، الطبعة الأولى ، دار الفكر ، بيروت ، ١٤٤١ ه‍ ق ، ص ٤٣٩ رقم ١٨٧١.

١٠٧

عمّا في نفسه ، الثانى : أنّه مشتقّ من قولهم : عربت معدة البعير ، إذا فسدت ، وأعربتها ، أي أصلحتها ، والهمزة للسلب ، كما تقول : أشكيت الرّجل (١) ، إذا أزلت (٢) شكايته ، والمعنى على هذا أنّ الإعراب أزال عن الكلام التباس معانيه ، الثالث : أنّه مشتقّ من ذلك ، والهمزة للتعدية لا للسبب ، والمعنى على هذا أن الكلام كان فاسدا لالتباس المعاني ، فلمّا أعرب فسد بالتغيير الذى لحقه ، وظاهر التغيير فساد ، وإن كان صلاحا في المعنى ، الرابع : أنّه منقول من التحبّب ، ومنه امرأة عروب ، إذا كانت متحبّبة إلى زوجها ، والمعنى على هذا أنّ المتكلّم بالإعراب يتحبّب إلى السامع ، الخامس : أنّه منقول من أعرب الرجل ، إذا تكلّم بالعربية ، لأنّ المتكلّم بغير الإعرب غير المتكلّم بالعربية ، لأنّ اللغة الفاسدة ليست من العربية ، والمعنى على هذا أنّ المتكلّم بالاعراب موافق للّغة العربية ، انتهى.

معنى العامل :

ويجوز كونه من الوجه الثالث بعلاقة التضاد ، واصطلاحا على القول بأنّه لفظىّ أثر من حركة أو حرف أو سكون أو حذف. «يجلبه» بضمّ اللام وكسرها ، أي يحدثه العامل ، وهو ما أثّر فى آخر الكلمة أثرا ، له تعلّق بالمعنى التركيبي بخلاف ما لا يجلبه عامل كحركة النقل والإتّباع والحكاية والتقاء الساكنين ، فليس إعرابا في آخر الكلمة من اسم متمكّن وفعل مضارع مجرّد عن نوني الإناث والتوكيد ، إذ لا يعرب من الكلمات سواهما ، والتقييد بالآخر بيان لمحلّ الإعراب لا للاحتراز به عن شيء ، إذ العامل لا يجلب أثرا في غير الآخر خلافا للكوفيين.

والمراد به ما كان حقيقة كدال زيد ، أو منزّلا منزلته كدال يد ، وكذا الأفعال الخمسة ، فإنّ علامات الإعراب فيها النون وحذفها ، وليست آخر الكلمة ، ولا متّصلة بالآخر ، بل بالضمير الذّى هو فاعل ، لكنّ الفاعل بمترلة (٣) الجزء من الفعل ، وكذا اثنا عشر واثنتا عشرة ، فإنّ الإعراب فيهما في جزء أوّل الكلمة ، وأمّا الجزء الثاني ، فقال ابن هشام : الذي يظهر لي في الجواب أنّه حالّ محلّ النون ، وهي بمترلة التنوين ، وهو لا يخرج ما قبله عن أن يكون آخرا ، كما أنّ النّون في نحو مسلمان ومسلمون.

__________________

(١) سقط الرجل في «س».

(٢) زالت شكايته «س».

(٣) في «ط» هذه الكلمه مطموسة.

١٠٨

كذلك ولا يخفى أنّ إدخال ذلك كلّه أنّما هو بالعناية ، وإلا فالحدّ غير شامل له ، فالأحسن أن يقال في الآخر ، وما ينزّل مترلته ، أو في الآخر حقيقة أو مجازا ، وإنّما كان الإعراب في الآخر ، لأنّه صفة المعرب ، وهي لا تكون إلا بعد تمام الموصوف.

تقسيم الإعراب إلى لفظىّ وتقديرىّ : «لفظا» أى ملفوظا به ، ويعبّر عنه بالظاهر كزيد يقوم ، وأنّ زيدا لن يقوم ، ومررت بزيد ولم يقم. «أو تقديرا» أي مقدّرا وجوده لمانع ، كالفتى يخشى ، وأنّ الفتى لن يخشى ، ومررت بالفتى ولم يقم الفتى ، وهما حالان من الأثر ، وتقسيمه إليهما هو المعروف.

وقسّمه بعضهم إلى ظاهر ومقدّر ومنويّ ، وخصّ المقدّر بما ألفه منقلبة عن ياء مقدّرة ، نحو ملهى ، والمنويّ بما ألفه غير منقلبة عن شيء ، نحو : حبلى وأرطى (١) ، وبغير الألف كغلامي. قاله في الهمع ، ثمّ القول بأنّ الإعراب لفظيّ هو اختيار ابن خروف (٢) والشلوبين (٣) والأستاذ أبي على وابن الحاجب ، وذهب إليه ابن مالك ، وقال : إنّه مذهب المحقّقين.

وعلى القول بأنّه معنوىّ هو تغيير آخر الكلمة ، أو ما نزّل مترلته لاختلاف العوامل الدّاخلة عليها لفظا أو تقديرا ، قيل : ويدلّ عليه أنّه يقال : حركات الإعراب ، فلو كانت الحركات وما يجرى مجراها إعرابا ، لم يضف إلى الإعراب ، لأنّ الشئ لا يضاف إلى نفسه.

قال ابن مالك : وهذا قول صادر عمّن لا تأمّل له ، لأنّ إضافة أحد الاسمين إلى الآخر مع توافقهما معنى أو تقاربها واقعة في كلامهم بإجماع ، وأكثر ذلك فيما يقدّر أوّلهما بعضا أو نوعا ، والثاني كلّا أو جنسا ، وكلا التقديرين في حركات الإعراب صالح ، فلم يلزم من استعماله خلاف ما ذكرنا. هذا والقول به مذهب كثير من المتأخّرين ، بل جعله ابن ابان (٤) قول أكثر أهل العربية ، وتقسيمه إلى اللفظي والتقديري هو المعروف أيضا ، كما مرّ في اللفظي.

__________________

(١) الأرطي : من نبات الرمل يستعمل في الدّباغ. واحدته : أرطاة.

(٢) علي بن محمد بن على أبو الحسن ابن الخروف الأندلسي النحوي كان إماما في العربية ، صنّف : شرح سيبويه ، شرح الجمل و... مات سنة ٦٠٩ ه‍ ق. المصدر السابق ٢ / ٣٠٢.

(٣) عمر بن محمد بن عمر الاستاذ أبو على الإشبيلى الإزدى المعروف بالشّلوبين ، كان إمام عصره في العربية بلا مدافع ، صنّف تعليقا على كتاب سيبويه ، وله كتاب في النحو سماه التوطئة. مات سنة ٦٤٥ ه‍ ق. المصدر السابق ٢ / ٢٢٤.

(٤) أحمد بن أبّان ، عالم أندلسى كبير ، هو مصنف كتاب العالم في اللغة نحو مائة جلد ، مات سنة ٣٨٢ ه‍ ق. الأعلام للزرلكي ، ١ / ٨١.

١٠٩

وقسمّه بعضهم إلى لفظي وتقديري ومحلي ، وفسّر المحلي بموضع الاسم المبني ، بمعنى أنّه لو كان فيه كلمة معربة لظهر فيها الإعراب.

تنبيهات : الأوّل : ما فسّرنا به العامل ، هو معناه الأعمّ ، وهو الذى ينبغى إرادته هنا ، لينطبق على عامل الاسم والفعل ، وله معنى أخصّ ، وهو ما به يتقوّم المعنى المقتضي للإعراب ، وهذا إنّما ينطبق على عامل الاسم ، فلا تصحّ إرادته في هذا الباب ، إذ المقصود تعريف الإعراب مطلقا ، سواء كان في الاسم أو في الفعل ، وبهذا يندفع ما توهّمه بعضهم من استلزام الدور في تعريف الإعراب.

الثانى : الأصل في العامل أن يكون من الفعل ، ثمّ من الحرف ، ثمّ من الاسم ، والأصل مخالفته مع المعمول في النوع ، فإن كانا من نوع واحد فلمشابهته ما لا يكون من نوع المعمول ، كاسم الفاعل العامل ، ولا يؤثّر العامل أثرين في محلّ واحد ، ولا يجتمع عاملان على معمول واحد إلا في التقدير ، نحو : ليس زيد بجبان ، خلافا للفرّاء في نحو : قام وقعد زيد ، ولا يمتنع أن يكون للعامل معمولات ، قاله في الإرتشاف (١).

الصحيح في الإعراب أنّه زائدة على ماهية الكلمة : فائدة : الصحيح في الإعراب أنّه زائدة على ماهية الكلمة ، كما جزم به أبو حيان ، خلافا لابن مالك في أنّه جزء منها وبعضها ، وذكر الزجاجىّ في أسرار النحّو ، أنّ الكلام سابق على الإعراب في المرتبة ، وهل تلفّظت العرب به زمانا غير معرب ، ثمّ رأت اشتباه المعانى ، فاعربت أو نطقت به معربا في أوّل تبلبل (٢) ألسنتها به ، ولا يقدح ذلك في سبق رتبة الكلام كتقدّم الجسم الأسود على السّواد ، وإن لم يزائله خلافا للنحاة.

وفي اللّباب (٣) لأبي البقاء أنّ المحقّقين على الثاني ، لأنّ واضع اللغة حكيم يعلم أنّ الكلام عند التركيب لا بدّ أن يعرض فيه لبس ، فحكمته تقتضي أن يضع الإعراب مقارنا للكلام ، قاله في الهمع ، وهو عند البصريّين أصل في الأسماء فرع في الأفعال ، كما مرّ ، وعند الكوفيّين أصل فيهما ، وعند بعض المتأخّرين أنّ الفعل أحقّ بالإعراب من الاسم.

قال أبو حيّان : وهو من الخلاف الّذي لا يكون فيه كبير منفعة.

__________________

(١) إرتشاف الضرب في لسان العرب ، في النحو ، مجلّدان ، لأثير الدين أبي حيان. كشف الظنون ١ / ٦١.

(٢) التبلبل : اختلاط.

(٣) اللباب في علل البناء والإعراب في النحو لأبي البقاء عبد الله بن حسين العكبري النحويّ المتوفّى سنة ٦١٦ ه‍ ق. المصدر السابق ٢ / ١٥٤٢.

١١٠

أنواع الإعراب

والاعراب جنس ، تحته أنواع ، «وأنواعه» عند النحاة أربعة بالاستقراء : «رفع» بحركة ، أو حرف ، «ونصب» بذلك ، أو بحذف «وخفض» بحركة ، أو حرف ، ويقال : جرّ «وجزم» بسكون أو حذف ، وإنّما كانت أربعة ، لأنّه أمّا سكون ، وهو واحد ، أو حركة وهي ثلاثة.

وعن المازنيّ أنّ الجزم ليس بإعراب ، وأنّما هو عدم الإعراب. قال في الهمع ، وهو مذهب الكوفيّين ، وفيه نظر.

التعبير بالأنواع أولي من التعبير بالألقاب : تنبيهات : الأوّل : التعبير بالأنواع كما فعل ، أولى من تعبير بعضهم بالألقاب ، لأنّ حقّ الألقاب مساواة كلّ منهما البقية ، والملقّب أن يطلق كلّ منهما على البقيّة ، كأن يقال : الرفع النصب ، وعلى الملقّب ، كأن يقال الإعراب الرفع ، وكلّ منهما ممتنع لاستلزام الأوّل حمل الشي على مباينه.

والثّاني : حمل الأخصّ على الأعمّ ، فثبت أنّ هذه الأمور أنواع داخلة تحت الإعراب ، وهو جنس لها لأنّها ألقاب له ، وهو ملقّب بها. قاله القاضي (١) في شرح الشذور وغيره ، وإنّما قال أولي لإمكان أن يقال : إنّ من عبّر بالألقاب ، فمراده ألقاب الأنواع ، فيصحّ التعبير بها أيضا.

تحقيق ربط الخبر بالمبتدإ إذا كان معطوفا عليه : الثاني : خبر قوله «أنواعه» مجموع قوله «رفع ونصب وجر وجزم» لا مجرّد الرفع ، والبواقي معطوفة عليه ، وإلا لزم أن يكون كلّ من الأربعة أنواعه ، وتحقيق ذلك أنّ العطف في الشائع يتأخّر عن ربط الشئ بالمعطوف عليه ، وربط المعطوف عليه (٢) بشيء. وربّما يتقدّم فيفيد ربط المجموع ، أو الربط بالمجموع ، وما نحن فيه من قبيل الثاني ، لكن جعل هذا داخلا في المعطوف مشكل ، لأنّ المعطوف تابع مقصود بالنسبة ، ولا نسبة هنا ، ولا تبعية في الإعراب ، لأنّ المعنى المقتضي للإعراب قائم بالمجموع لا بكلّ واحد.

فالمجموع يستحقّ إعرابا واحدا ، إلا أنّه لمّا تعدّد ذلك المستحقّ مع صلاحية كلّ واحد للإعراب ، أجري إعراب الكلّ على الكلّ دفعا للتحكّم ، ونظير ذلك قولهم : جاءني

__________________

(١) زين الدين القاضي زكريا ابن محمد الأنصاري المصريّ المتوفّى سنة ٩٢٦ ه‍ ق. وهو ممّن شرح «شذور الذهب» في علم النحو لابن هشام. المصدر السابق ٢ / ١٠٢٩.

(٢) ربط المعطوف عليه سقطت في «ح».

١١١

القوم ثلاثة ثلاثة. فإنّ الحال هو المجموع المفصّل بهذا التفضيل ، فالمستحقّ للمجموع إعراب واحد إلا أنّه أجري على الاسمين دفعا للتحكّم ، فليس هنا عطف بل صورته ، وما قيل من أنّ العطف مقدّم على الربط مسامحة.

كذا قال عصام الدين في شرح الكافية ، وقدّم الرفع كما فعله كثيرون ، إذ هو الأشرف ، لأنّه إعراب العمدة ، ولا يخلو منه كلام ، ثمّ النصب لاشتراك الاسم والفعل فيه ، ولأنّ عامله قد يكون فعلا ، والعمل له بالإصالة ، فيكون معموله أصلا بالنسبة إلى المجرور ، ثمّ الجّر لاختصاصه بالأشرف.

وسيبويه قدّم النصب ، لأنّه أوسع مجالا ، فإنّ أنواعه أكثر ، قال أبو حيّان : ولو قدّم الجرّ ، لأنّه مختصّ بالاسم الّذي الإعراب فيه أصل لاتّجه أيضا.

«فالأوّلان» من أنواع الإعراب ، وهما الرفع والنصب ، «يوجدان في» كلّ واحد من «الاسم والفعل» نحو : زيد يقوم ، وأنّ زيدا لن يقوم. أمّا وجودهما في الاسم فبالإصالة ، لأنّ الرفع علم الفاعليّة ، والنصب علم المفعوليّة ، والفاعل والمفعول لا يكونان إلا اسمين ، وأمّا وجودهما في الفعل فبطريق الحمل والتفريع على الاسم ، وذلك لقوّة عامليهما بالاستقلال.

«والثالث» من الأنواع ، وهو الخفض ، «يختصّ بالاسم» ، لأنّ عامله لا يستقلّ لافتقاره لما يتعلّق به ، فلا يمكن حمل غيره عليه لضعفه.

«والرابع» وهو الجزم يختصّ «بالفعل» ، لكونه كالعوض من الجرّ فيه ، لما فاته من المشاركة ، فجعل لكلّ واحد من صنفي المعرب ثلاثة أوجه من الإعراب.

وقيل : إنّما اختصّ به لأنّه لو دخل الاسم لأدّى وجوده إلى عدمه ، وما أدّى وجوده إلى عدمه (١) كان باطلا ، وذلك أنّ المنوّن من الأسماء إن جزم التقي فيه ساكنان :

الحرف المجزوم والتنوين ، فيحرّك الساكن الأوّل ، فيؤدّي وجود الجزم إلى عدمه ، وغير المنوّن محمول عليه.

تعليل الوضعيات والسؤال عن مبادي اللغات ممنوع : قال أبو حيّان : والصواب في ذلك ما حرّره بعض أصحابنا ، إنّ التعرّض لامتناع الجرّ من الفعل ، والجزم من الاسم ، ولحوق التاء السّاكنة للماضي ، وأشباه ذلك من تعليل الوضعيّات والسؤال عن مبادي اللّغات ، وذلك ممنوع ، لأنّه يؤدي إلى تسلسل السؤالات ، إذ ما من شيء إلا ويقال فيه ، لم كان كذلك ، وإنّما يسأل عمّا كان يجب قياسا ، فامتنع ، والّذي كان يجب

__________________

(١) وما أدّي وجوده إلى عدمه سقطت في «ح».

١١٢

قياسا هنا جرّ الفعل المضارع ، إذا أضيف إليه أسماء الزمان ، نحو : (هذا يَوْمُ يَنْفَعُ) [المائدة / ١١٩] ، وجزم الأسماء الّتي لا تنصرف لشبهها بالفعل.

وعلّة الامتناع الأوّل أنّ الإضافة في المعنى المصدر المفهوم من الفعل لا للفعل ، وعلّة الامتناع الثاني ما يلزم من الإجحاف لو حذفت الحركة بعد حذف التنوين ، إذ ليس في كلامهم حذف شيئين من جهة واحدة ، ولا إعلالان من جهة واحدة ، انتهى.

البناء ومعناه لغة واصطلاحا : «والبناء» لغة وضع شيء على صفة يراد بها الثبوت ، واصطلاحا على القول لأنّه لفظيّ ، «كيفيّة» وهي في الأصل الهيئة الّتي يكون عليها الشئ حال وجوده ، والمراد بها هنا هيئة من شبه الإعراب لا يجلبها عامل ، ولا تختلف باختلاف العوامل ، وليست حكاية أو اتباعا أو نقلا أو تخلّصا من سكونين ، فقولنا : من شبه الإعراب بيان للهيئة ، أي من الأمر المشابه للاعراب في كونه حركة ضمّ أو فتح أو كسر أو سكون ، وفي كونها «في آخر الكلمة» لا في أوّلها ، ولا في حشوها وعلى الثاني لزوم آخر الكلمة حالة واحدة لغير عامل ولا اعتلال.

وحدّ المصنّف هذا قابل لحمله على القولين ، لكنّ الأولى حمله على الأوّل كما فعلنا ليطابق حدّه للإعراب ، إذ هو لفظيّ كما عرفت ، ولا يخفى أنّه مختلّ على أيّها حملناه لاحتياجه إلى زيادة فيه ، ليتمّ بها ، وإلا فهو ناقص ، وأمّا إذا حملناه على الأوّل ، فلاحتياجه إلى ما زدناه فيه من بيان الكيفيّة ، وإلا انتقض بكلّ كيفيّة.

«لا يجلبها عامل» في الكلمة ، سواء كانت في أوّل الكلمة أو في حشوها ، وإلى تقييدها بكونها ليست حكاية ، نحو : من زيدا ، في جواب من قال : رأيت زيدا. فإنّ الصحيح أنّها ليست حركة إعراب خلافا للكوفيّين ، أو اتّباعا لما بعده كقراءة بعضهم (الْحَمْدُ لِلَّهِ) [الحمد / ١] ، بكسر الدّال ، أو نقلا كقراءة ورش (١) : (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ) [البقرة / ١٠٧] ، أو تخلّصا من سكونين ، نحو : (مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ) [الأنعام / ٣٩] كما ذكرنا ، وإلا انتقض بذلك كلّه أيضا.

وأمّا إذا حملناه على الثاني فلاحتياجه إلى تفييد الكيفيّة بكونها في الآخر ، وإلا انتقض بما علمت ، وإلى تقييدها بكونها لغير إعلال ، وإلا انتقض بمثل لزوم «رمى» الفتح للاعلال بقلب يائه ألفا.

__________________

(١) عثمان بن سعيد بن عديّ المصري ، من كبار القراء ، غلب عليه لقب «ورش» وفاته بمصر سنة ١٩٧ ه‍ ق. الأعلام للزركلي ، ٤ / ٣٦٦.

١١٣

فإن قلت : كيف خفي على المصنّف اختلال هذا الحدّ؟ قلت : الظاهر أنّه قصد تعريفه تعريف اللفظ ، وهو قد أجيز فيه أن يكون أعمّ من المعرّف كما قرّر في محلّه.

تنبيهان : الأوّل : قال في الهمع : محلّ البناء آخر الكلمة ، ولا يكون فيما نزّل مترلته فيما أعلم ، انتهى. قال بعض المحقّقين : وفيه نظر ، كيف وقد صرّحوا بأنّ نحو : يا حار ، ويا منص ، مرخّما على لغة من لا ينتظر مبنيّ على هذه الضّمّة الّتي على العين دون اللام الّتي هي الآخر ، وكذا نحو : لا رجلين ولا مسلمين ، ويا زيدان ويا زيدون وإحدى عشرة وبعلبك وبين بين ويوم يوم وبيت بيت وقوما وقوموا وقومي وأمثالها ، فالبناء في هذه كلّها واقع فيما نزّل مترلة الآخر ، فتدبّر ، انتهى.

الحركات والسكون من صفات الأجسام : الثاني : ليس المراد بقولهم : الإعراب والبناء محلّها الآخر أن يكونا على الحرف الأخير من الكلمة ، لأنّ الحرف على ما قرّر في محلّه صفة والحركات والسكون من صفات الأجسام ، فلا تحلّ الصفات ، بل المراد أنّه لمّا كان يأتي عقيب الحرف الأخير بلا فصل بعض حروف المدّ سمّي الحرف متحرّكا ، كأنّك حرّكت الحرف إلى مخرج حرف المدّ ، وبضدّ ذلك سكون الحرف ، فالحركة إذن بعد الحرف ، لكنّها من فرط اتّصالها به يتوهّم أنّها معه بلا فصل ، فإذا اشبعت الحركة ، وهي بعض حروف المدّ صارت حرف مدّ تاما فاعلمه ، انتهى ملخّصا من اللآلى الدّرّية لشيخ شيوخنا الحرفوشي ، وفيه كلام طويل ، أضربنا عن ذكره طلبا للإيجاز.

والبناء أيضا جنس تحته أنواع ، «وأنواعه» أربعة بالاستقراء : «ضمّ وكسر وفتح وسكون» ، ويقال فيه وقف ، وهو الأصل لخفّته واستصحابا للأصل ، وهو عدم الحركة ، فلا يبنى عليها إلا بسبب كالتقاء الساكنين في نحو : أمس ، وكون الكلمة على حرف واحد كتاء قمت وكونها عرضة للابتداء بها كلام الابتداء ، وكونها لها أصلا في التمكين ، كأوّل وكشبهها بالمعرب كضرب ، قاله في التصريح.

تنبيهات : الأوّل : لم يفّرق المصنّف في التعبير في جانبي الإعراب والبناء ، فعبّر في الموضعين بالأنواع ، وابن الحاجب فرقّ بينهما ، فعبّر في جانب الإعراب بالأنواع ، وفي جانب البناء بالألقاب.

ووجّهه بعض شرّاح كلامه بأنّه أنّما لم يقل : لحركات البناء والوقف أنواع لفقد ما يكون جنسا شاملا لها بالنّظر إلى الأصل ، إذ الأصل أن يكون جنس البناء منحصرا في نوع واحد ، وهو السكون بالفعل ، فإنّهم قالوا : الأصل في البناء السكون ، فلمّا كان من

١١٤

حقّ البناء أن لا يشمل هذه الأشياء نظرا إلى الأصل لم يطلق عليها اسم الأنواع رعاية لجانب الأصل ، انتهى.

الثاني : إنّما سمّي (١) الأوّل ضمّا ، لأنّه ينشأ من ضمّ الشفتين أوّلا ، ثمّ رفعهما ثانيا ، والثاني كسرا ، لأنّه ينشأ من انجرار اللّحي الأسفل إلى أسفل انجرارا قويّا ، والثّالث فتحا ، لأنّه يتوّلد من مجرّد فتح الفم ، قاله في التصريح.

الثالث : اختلفوا في حركات الإعراب ، هل هي سابقة على حركات البناء ، أو بالعكس ، أو هما متطابقان من غير ترتيب ، والأوّل هو الأقوي قاله في التبيين (٢) ، وهو خلاف لا ثمرة له.

الخلاف في ألقاب المعربات والمبنيات ، هل يطلق كلّ منهما على الآخر : الرّابع : اختلفوا في ألقاب المعربات والمبنيّات ، هل يطلق كلّ منها على الآخر ، فيقال مثلا للمعرب مضموم ، وللمبنيّ مرفوع ، أم لا ، على ثلاثة مذاهب ، فمنهم من قال : لا يجوز إطلاق واحد منهما على الآخر ، لأنّ المراد الفرق ، وذلك يعدمه ، ومنهم من قال : يجوز مجازا ، والمجاز لا بدّ له من قرينة ، تلك القرينة تبيّنه ، ومنهم من قال : يجوز إطلاق اسم البناء على الإعراب ولا ينعكس ، قاله الشيخ بهاء الدين النحاس (٣) في تعليقه على المقرّب (٤).

وفي شرح الكافيّة للرضي ، إذا أطلق الضمّ والفتح والكسر في عبارات البصريّة ، فهي لا تقع إلا على حركات غير إعرابيّة بنائية ، كانت كضمّة حيث أو لا كضمّة قاف قفل ، ومع القرينة يطلق على حركات الإعراب أيضا ، والكوفيّون يطلقون ألقاب أحد النوعين على الآخر مطلقا ، انتهى.

«فالأوّلان» من أنواع البناء ، وهما الضّمّ والكسر «يوجدان في» كلّ واحد من «الاسم والحرف» لخفّتها بدلالتهما على شئ واحد ، وإنّما لم يوجدا في الفعل لكونها ثقلين لاحتياجهما إلى إحدي العضلتين ، أو كليهما ، والفعل ثقيل كما عرفت فلم يجمعوا بين ثقلين ، أمّا وجود الضمّ في الاسم فهو «نحو : حيث» ، وبنيت عند غير فقعس (٥)

__________________

(١) سقط سمّي في «س».

(٢) في كشف الظنون كتابان باسم التبيين ، الأوّل : تبيين النصوص في العروض ـ لحجة الدين عيسي النحوي المتوفي سنة ٦٥٠ ه‍. الثاني : التبيين في المعاني والبيان ليوسف بن الحسين الكرماسيّ المتوفى سنة ٧٠٦ ه‍. كشف الظنون ١ / ٣٤٣.

(٣) محمد بن إبراهيم بن محمد بهاء الدين ابن النحاس النحوي شيخ الديار المصريّة في علم اللسان ، لم يصنّف شيئا إلا ما أملاه شرحا للكتاب المقرّب ، مات سنة ٦٩٨ ه‍. بغية الوعاة ١ / ١٣.

(٤) المقرّب في النحو لأبي العباس محمد بن زيد المعروف بالنحوّي المتوفي سنة ٢٨٥ ه‍. كشف الظنون ٢ / ١٨٠٥.

(٥) فقعس حيّ من أسد.

١١٥

لافتقارها إلى جملة افتقارا لازما ، وكان البناء على حركة فرقا بين ما أصله البناء ، وبين ما طرأ عليه للإشعار بأنّ لها أصلا في الإعراب ، وكانت الحركة ضمّة لشبهها بالغايات ، ووجه الشبه أنّها كانت مستحقّة للإضافة إلى المفرد كسائر أخواتها ، فمنعت من ذلك كما منعت قبل وبعد الإضافة.

حيث والكلام على بنائها ومعناها : وذهب الزّجاج إلى أنّ حيث موصولة ، وليست مضافة ، فهي بمترلة الّذي ، كذا قيل ، وفيه نظر ، وقد تفتح للخفّة ، وتكسر على أصل التقاء الساكنين ، ويقال : حوث وحاث بتثليث الثاء فيها.

أيضا ففيها عشر لغات ، وقراءة بعضهم : (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) [الأعراف / ١٨٢] ، بالكسر تحتمل لغة فقعس ، ولغة البناء على الكسر ، وهي ظرف مكان اتّفاقا قال الأخفش : وترد للزّمان ، ووافقه ابن هشام في المغني ، والغائب كونها في محل نصب بالظرفيّة ، أو خفض بمن ، وقد تخفض بغيرها كقوله [من الطويل] :

٥٩ ـ .......................

لدي حيث ألقت رحلها أمّ قشعم (١)

وجوّز قوم وقوعها مفعولا به في قوله تعإلى : (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ) [الأنعام / ١٢٤] ، قالوا : ولا تكون ظرفا ، لأنّه تعإلى لا يكون في مكان أعلم منه في مكان ، ولأنّ المعنى أنّه يعلم نفس المكان المستحقّ لوضع الرسالة فيه لا شيئا في المكان ، وعلى هذا فالناصب لها يعلم محذوفا مدلولا عليه بأعلم ، لا به ، لأنّ أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به ، إلا إن أوّلته بعالم في رأي بعضهم. وقال أبو حيّان : الظاهر إقرارها على الظرفيّة المجازيّة وتضمين أعلم معنى ما يتعدّي إلى الظرف ، فالتقدير : الله أنفذ علما حيث يجعل ، أي نافذ العلم في هذا الموضوع.

قال ابن هشام : ولم تقع اسما لأنّ ، خلافا لابن مالك ، ولا دليل في قوله [من الخفيف] :

٦٠ ـ إنّ حيث استقرّ من أنت راعي

 ... ه حمى فيه عزّة وأمان (٢)

لجواز تقدير حيث خبرا ، وحمي اسما ، فإن قيل : يؤدّي إلى جعل المكان حالا في المكان ، قلنا : هو نظير قولك : إنّ في مكّة دار زيد ، ونظيره في الزّمان : إنّ في يوم الجمعة ساعة الأجابة ، انتهى.

__________________

(١) صدره «فشّد فلم يفزع بيوتا كثيرة» ، وهو من معلقة زهير. اللغة : شدّ : حمل ، أم قشعم : المنية. وفاعل شد يعود إلى حصين بن ضمضم أحد مورثي حرب داحسن والغبراء.

(٢) لم يذكر قائله. اللغة : الحمى : الشئ المحميّ.

١١٦

قال أبو حيّان : والصحيح أنّها لا تتصرّف ، لكنّها جرّت بمن كثيرا ، وبفي شاذّا ، وبعلى والباء وإلى ولدي ، ولم تجئ فاعلا ولا مفعولا به ولا مبتدأ ، انتهى. وسيأتي الكلام على لزوم إضافتها إلى الجملة في بحث الإضافة ، إن شاء الله تعإلى.

أمس ومنذ : وأمّا وجود الكسر في الاسم فنحو : أمس عند أهل الحجاز مطلقا إن أريد به معيّن ، ولم يضف ، ولم يعرّف بأل ولم يكسر (١) ولم يصغّر ، وبني لتضمّنه معنى لام التعريف ، وكان البناء على حركة إشعارا بأنّ له أصلا في الإعراب ، وكانت كسرة لأنّها الأصل في التخلّص من التقاء الساكنين ، وأكثر بني تميم يوافقهم إلا في حالة الرفع ، فيعربه إعراب ما لا ينصرف للعلميّة والعدل عن الأمس ، ومنهم من أعربه كذلك مطلقا ، فإنّ فقد شرط من الشروط المتقدّمة فلا خلاف في إعرابه وصرفه ، وإن استعملت المجرّد المراد به معيّن ظرفا كان مبنيّا على الكسر بالإجماع لتضمّنه معنى الحرف.

وقد نظم العلامة شرف المدرّسين الشيخ عبد الرحمن بن عيسي المرشدي (٢) شروط بناء أمس فقال [من الرجز] :

٦١ ـ جرّد عن أل أمسا إذا شئت بناء

ولا تضف ولا تقل أمسينا

مصغّرا وأفردن وعيّن

ظرفا فجامع لهذه بيّن

بالاتّفاق عند كلّ العرب

وإن فقدت واحدا فأعرب

بلا خلاف في سوى الأخير

ومع خلاف بينهم شهير

في فقدك الأخير منها وحده

كأمس خير من غد فعدّه

فساكنوا الحجاز قالوا بالبناء

أيضا كما لو كان ظرفا بيّنا

أمّا التميميّون قالوا يعرب

ممنوع صرف ذا لبعض مذهب

وبعضهم أعربه منصرفا

فاشكر لنظم بالشروط قد وفى

قلت : قد علمت أنّ أكثر التميميّين يوافق الحجازيّين إلا في حالة الرفع ، وغير الأكثر يمنعه مطلقا ، هذا هو المشهور عنهم ، فالأولى أن يقال بدل البيت الأخير :

وجلّهم يخصّ ذا الإعرابا

بحال رفع فافهم الصوابا

__________________

(١) سقط لم يكسّر في «ح».

(٢) عبد الرحمن بن عيسى ، أبو الوجاهة العمري المرشدي ، أحد الشعراء العلماء في الحجاز ، من كتبه «الترصيف في فن التصريف» أرجوزة في علم الصرف «الوافي في شرح الكافي» و... مات سنة ١٠٣٧ ه‍. الأعلام للزركلي ، ٤ / ٩٥.

١١٧

وأمّا وجود الضّمّ في الحرف فنحو : منذ ، تصلح للتمثيل لوجود الضّمّ في الاسم ، فإنّها في لغة من جرّ بها حرف ، وفي لغة من رفع بها اسم. وبنيت الاسميّة لقطعها عن إضافة مرادة في المعنى ، لأنّ معنى قولك : منذ يوم الجمعة ، أوّل المدّة يوم الجمعة فقد تضمّنت المضاف إليه (١) كتضمّن قبل وبعد عند الحذف ، وكان البناء على حركة لما مرّ ، وكانت ضمّة لشبهها بالغايات.

تنبيه : قال ابن الدّهّان (٢) في الغرّة لم يبن من الحروف على الضمّ إلا منذ. قال بعض المحقّقين : وهو منقوض بنحو ربّ بالضمّ في لغة والكاف في ذلكم وذلكما وذلكنّ والتاء في أنتما وأنتم وأنتنّ والهاء في إيّاه وإيّاهما وإيّاهنّ ، وأمّا وجود الكسر فيه فنحو لام الجرّ الداخلة على ظاهر غير مستغاث نحو : لزيد. قال الرضيّ : ونقل فتحها مع جميع المظهرات.

«والأخيران» وهما الفتح والسكون «يوجدان في الكلم الثلاث» : الاسم والفعل والحرف : أمّا السكون فلخفّته ، وأمّا الفتح فلكونه أقرب الحركات إلى السكون لحصوله بأدني فتح الضم بخلاف الضّمّ والكسر ، فإنّ الأوّل إنّما يحصل بإعمال العضلتين معا الواصلتين إلى طرفي الشفة ، والثاني إنّما يحصل بالعضلة الواحدة الجاذبة إلى أسفل.

الخلاف في الكلم هل هو جمع أم لا : الكلم ليس جمعا للكلمة خلافا للجرجانيّ (٣) وجماعة ، لأنّه يجوز تذكير ضميره ، والغالب على الجمع التأنيث ، ولا اسم جمع خلافا لبعضهم ، لأنّ له واحدا من لفظه ، والغالب على اسم الجمع خلاف ذلك ، بل هو اسم جنس لدلالته على الماهيّة من حيث هي ، وهل هو إفراديّ أو جمعيّ خلاف ، ذهب إلى الأوّل جماعة تمسّكا بقوله تعإلى : (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) [فاطر / ١٠] ، والمختار عند المحقّقين الثاني ، فهو لا يقع إلا على ما فوق كلمتين ، وعند الأكثرين لا يطلق إلا على ما فوق العشرة (٤) فوجود الفتح في الاسم نحو : «أين» استفهاميّة كانت أو شرطيّة ، وبنيت لتضمّنها حرف الاستفهام أو الشرط ، وكان البناء على حركة لما مرّ ، وكانت فتحة

__________________

(١) من كلمه إضافه حتى هنا سقطت في «س».

(٢) سعيد بن المبارك ناصح الدين بن الدهان النحويّ ، كان من أعيان النحاة المشهورين بالفصل ومعرفة العربية ، صنّف : شرح الإيضاح في أربعين مجّلدا ، شرح اللمع لابن جني ، الدروس في النحو و... مات سنة ٥٦٩ ه‍. بغية الوعاة ٢ / ٥٨٧.

(٣) أبو بكر عبد القاهر الجرجاني نحويّ بيانيّ مفسّر شاعر ، صنّف : المغني ، العوامل المأئة في النحو ، دلائل الإعجاز ، أسرار البلاغة و... مات سنة ٤٧١ ه‍. عبد القاهر الجرجاني ، دلائل الإعجاز ، بيروت ، المكتبة العصرية ، ١٤٢٤ ه‍ ، ص ٤٤.

(٤) سقطت كلمة العشرة في «س».

١١٨

لاستثقال الضّمّ والكسر بعد الياء ، ووجوده في الفعل ، نحو : «قام و» ضرب ، وكان بناؤه على الفتح لما مرّ ، ووجوده في الحرف ، نحو : «سوف» ، وبنيت على الحركة ، وكانت فتحة لما قلنا في أين ، وهي مرادفة للسين كما مرّ.

سوف : وقال البصريّون : هي أوسع زمانا منها ، لأنّ كثرة الحروف تدلّ على كثرة المعنى ، ويقال فيها : «سف» بحذف الوسط ، و «سو» بحذف الأخير ، و «سي» بحذفه وقلب الوسط ياء ، مبالغة في التخفيف ، حكاه صاحب المحكم (١) ، وتنفرد عن السين بدخول اللام عليها نحو : (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ) [الضّحي / ٥]. قال أبو حيّان : وإنّما امتنع دخول اللام على السين كراهة توإلي الحركات في «لسيدحرج» ، ثمّ طرد الباقي.

قال ابن بابشاذ (٢) : والغالب على «سوف» استعمالها في الوعيد والتهديد ، وعلى السين استعمالها في الوعد ، وقد تستعمل سوف في الوعد ، والسين في الوعيد ، انتهى.

ووجود السّكون فى الاسم ، نحو : «كم» ، سواء كانت استفهاميّة بمعنى أيّ عدد ، أو خبريّة بمعنى عدد كثير ، وبنيت في الموضعين لشبهها بالحرف وضعا لتضمّن الاستفهاميّة همزة الاستفهام ، والخبريّة ، حرف تكثير ، إمّا محقّقا وضعه ، نحو : ربّ ، ومن الجنسيّة ، وإمّا مقدّرا ، وسنستوفي الكلام عليها في حديقة المفردات ، إن شاء الله تعإلى.

ووجوده في الفعل نحو : «قم» على الأصحّ عند جمهور البصريّين كما مرّ ، ووجوده في الحرف نحو : هل ، وقد تكون حركات البناء مقدّرة كتقدير الضّمّ في باء سيبويه ، والفتح في نحو : لا فتى إلا عليّ.

فائدة : إذا جاء شيء ممّا الأصل فيه البناء مبنيّا فلا يسأل عن سبب بنائه لمجيئه على أصله ، ثمّ إن جاء مبنيّا على السكون ، فلا يسأل أيضا عن سبب بنائه عليه لذلك ، أو على حركة يسأل عنه سؤالات : لم عدل إلى الحركة؟ ولم كانت الحركة كذا؟ وإن جاء شئ ممّا الأصل فيه الإعراب مبنيّا على السكون سئل عنه سؤال واحد لم بني؟ أو حركة سئل عنه ثلاثة أسئلة ، لم بني؟ ولم عدل إلى الحركة؟ ولم كانت الحركة كذا؟ ذكرنا ذلك كلّه فيما مرّ من الأمثلة.

__________________

(١) صاحب المحكم هو أبو الحسن علي بن اسماعيل المعروف بابن سيدة اللغوي المتوّفى سنة ٤٥٨ ه‍. وهذا الكتاب كبير مشتمل على أنواع اللغة. كشف الظنون ٢ / ١٦١٦.

(٢) طاهر بن أحمد بن بابشاذ ـ ومعناه الفرح والسرور ـ أبو الحسن النحوي المصريّ أحد الائمة في هذا الشأن ، من تصانيفه : شرح جمل الزجاجي ، المحتسب في النحو و... مات سنة ٤٦٩ ه‍. بغية الوعاة ٢ / ١٧.

١١٩

فصل في علامات الرّفع

ص : توضيح : علائم الرفع أربع ، الضّمة ، والألف ، والواو ، والنون. فالضّمّة : في الاسم المفرد والجمع المكسّر والجمع المؤنّث السالم والمضارع. والألف : في المثنّي ، وهو ما دلّ على اثنين ، وأغني عن متعاطفين ، وملحقاته ، وهي كلا وكلتا مضافين إلى مضمر ، واثنان وفرعاه ، والواو في الجمع المذكّر السالم وملحقاته ، وهي أولو وعشرون وبابه ، والأسماء السّتّة ، وهي : أبوه وأخوه وحموها وفوه وهنوه وذومال ، مفردة مكبّرة ، مضافة إلى غير الياء والنّون في المضارع المتّصل به ضمير رفع ، لمثنّى أو جمع أو مخاطبة ؛ نحو يفعلان وتفعلان ويفعلون وتفعلون وتفعلين.

ش : هذا فصل في علامات الرفع : «علائم الرفع» وهو ما يحدثه عامله سواء كان لفظيّا أو معنويّا ، وهذا هو النّوع الأوّل من أنواع الإعراب ، وهي «أربع» بالاستقراء ، لا زائد عليها ، فإن قلت : ما وجه جمع المصنّف العلامة جمع كثرة ، والعلامات كلّها أربع. وجمع الكثرة أقلّه باتّفاق النّحاة أحد عشر؟ قلت قد يعتذر عنه بأنّه من وضع جمع الكثرة موضع جمع القلّة ، كقوله تعإلى : (ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة / ٢٢٨] ، أو إنّه أراد التنبيه على مسألة غريبة ، ذكرها السعد التفتازانيّ في التلويح (١) ، والمشهور خلافها ، وهي أنّ جمعي الكثرة والقلّة متّفقان باعتبار المبدأ مفترقان باعتبار المنتهى ، فمبدأ كلّ منهما الثلاثة ، ومنتهي جمع القلّة العشرة ، ولا نهاية لجمع الكثرة ، قال : وهذا أوفق بالاستعمالات ، وإن صرّح بخلافه كثير من الثقات ، فيصحّ على هذا تعبير المصنّف من غير تجوّز ، وبه ينحلّ استشكال اتّفاق الفقهاء على من أقرّ بدراهم ، يقبل منه تفسيرها بثلاثة ، ولا حاجة إلى دعوي المجاز واستشكالها بعدم قبول التفسير من الناطق بحقائق الألفاظ في الأقارير بالمجاز.

والعلائم «الأربع» : إحداها «الضمّة» ، وهي الأصل ، لأنّ الإعراب بالحركات أصل الإعراب بالحروف ، ومن ثمّ لا يقوم مقامها غيرها ، إلا عند تعذّرها ، ولذلك قدّمها.

«و» الثانية : «الألف» ، وهي فرع نائب عن الضّمّة عند تعذّرها لكونها أخت الواو المتولّدة عنها عند إشباعها ، إذ هما من حروف المدّ واللين ، فكان الأنسب أن يقدّم

__________________

(١) التلويح علي التنقيح في أصول الفقه من مصنّفات التفتازانيّ.

١٢٠

الواو عليها ، كما فعل صاحب جروميّة (١) ، وغيره ، لكنّه أراد أن يرتّب على تقديمها تقديم المثنّي على المجموع في المواضع الّتي تنوب فيها هذه الفروع كما سيأتي ، فقدّمها فما خلا ذلك عن فائدة.

«و» الثالثة : «الواو» ، وهي أيضا فرع نائب عن الضّمّة عند تعذّرها لكونها متولّدة منها عند إشباعها ، كما قلنا ، فهي بنتها.

«و» الرابعة : «النّون» ، وهي أيضا كذلك ، لكونها مقاربة للواو في المخرج ، ولهذا تدغم فيها ، ولكلّ من هذه العلائم مواضع تخصّها.

فأمّا «الضمّة» فتكون علامة للرفع أصالة «في» أربعة مواضع : أحدها : «الاسم المفرد» ، والمراد به ما ليس مثنّى ولا مجموعا ولا من الأسماء السّتّة منصرفا كان ، نحو : جاء زيد ، أو غير منصرف ، نحو : قال إبراهيم. لمؤنّث ، نحو : جاءت هند ، أو مذكّر ، كما مرّ ، ظاهرة فيه الضمّة ، أو مقدّرة ، كقام عمرو ، وقال موسى.

تنبيه : قال بعضهم : استشكل هذا الإطلاق بأنّ من المفرد ما لا يرفع بالضمّة ، كملحقات المثنّي والمجموع ، ويمكن الجواب بأنّ هذه القاعدة وأمثالها غالبيّة ، وبأنّ الألف واللام في المفرد للجنس ، ولأنّ المراد بالمثنّى ما يشمل المثنّى حقيقة أو حكما ، وكذا المجموع.

جمع التكسير : «و» ثانيها : «الجمع المكسّر» ، وهو ما تغيّر فيه بناء مفرده إمّا بزيادة ليست عوضا ، كصنو وصنوان ، أو نقص كتخمة وتخم ، أو بتغيير شكل من غير زيادة ولا نقصان ، كأسد وأسد ، أو مع زيادة كرجل ورجال ، أو مع نقص كرسول ورسل ، أو معهما ، كغلام وغلمان ، تحقيقا كما مرّ ، أو تقديرا ، كفلك ، ممّا الجمع والواحد فيه متّحدان في الصورة ، نحو (فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) [الشعراء / ١١٩] ، (وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ) [فاطر / ١٢].

فالضّمّة فيه إذا كان مفردا ضمّة قفل ، وإذا كان جمعا ضمّة أسد ، وأمّا جنب وإن كان يطلق على الواحد والجمع بلفظ واحد ، نحو : زيد جنب ، والزيدان جنب ، والزّيدون جنب ، فإنّهم لم يعدّوه من هذا الباب ، وإن أمكن التقدير فيجعل جنب المفرد ، كعنق ، والجمع ككتب ، وذلك لأنّه لم تسمع له تثنية تقوم دليلا على أنّهم قصدوا تغيير اللفظ عند أختلاف مدلولاته ، بل استعمل بلفظ واحد في الحالات الثلاث ، بخلاف فلك ،

__________________

(١) صاحب الجروميّة هو محمد بن محمد بن داود الصنهاجي النحويّ المشهور بابن آجروم ، كانت وفاته سنة ٧٢٣ ه‍. المصدر السابق ، ١ / ٢٣٨.

١٢١

فإنّه سمع تثنيته حيث قيل : فلكان ، فدلّ ذلك على أنّهم قصدوا تغيير اللفظ عند اختلاف المدلول ، فسلك بالجمع سبيل المثنّي تقديرا فكان الفرق واضحا ، وأمّا من ثنّى جنبا ، فقد جمعه أيضا. قال ابن مالك في باب أمثلة الجمع من التسهيل : والأصح كونه ، يعني باب فلك ، اسم جمع مستغنيا عن تقدير التغيير ، انتهى.

تنبيهان : الأوّل : ما ذكرناه من التقسيم هو تقسيم ابن مالك ، واعترض عليه بأنّه لا تحرير فيه ، لأنّ صنوان من باب زيادة وتبديل شكل ، وتخم من باب نقص وتبديل شكل ، لأنّ الحركات الّتي في الجمع غير الحركات الّتي في المفرد ، قاله المراديّ. ويجاب عنه بأنّه نظر إلى ظاهر اللفظ ، أو أنّه لا يري تقدير التغيير كما يؤخذ من كلامه ، قاله في التصريح ، وفي الجواب الثاني نظر.

الثاني : يرد على إطلاق المصنّف أنّ من جمع التكسير ما لا يرفع بالضّمة كملحقات جمع المذكّر السالم ، نحو : سنين وأرضين ، ويجاب بأنّ هذه القاعدة وأمثالها غالبيّة ، كما تقدّم ، وبأنّ المراد بجمع التكسير جنسه.

فائدتان : الأولى : يفارق جمع التكسير جمع السلامة في أربعة أشياء ، أحدها : أنّ جمع السلامة يختصّ بالعقلاء ، والتكسير لا يختصّ ، والثاني : أنّه يسلم فيه بناء المفرد ، ولا يسلم في التكسير ، والثالث : أنّه يعرب بالحروف ، وجمع التكسير بالحركات ، والرابع : أنّ الفعل (١) المسند إلى جمع السلامة لا يؤنّث ، ويؤنّث مع التكسير ، قاله أبو البقاء (٢) ، وذكره في التصريح.

الثّانية : مطلق الجمع على ضربين : قلّة وكثرة ، والقلّة : أفعال وأفعل وأفعلة وفعلة ، ومطلق الصحيح وما عدا ذلك جمع كثرة ، والمراد بالقليل من الثلاثة إلى العشرة ، وغير ذلك كثير ، وقد نظم بعضهم (٣) جموع القلّة ، فقال [من الطويل] :

٦٢ ـ ألا إنّ أفعالا مثالا وأفعلا

وفعلة للجمع القليل وأفعلة

كحمل وأحمال وفلس وأفلس

وفتية صدق والقذال وأقذلة

ومن جمعه الجمع المصحح كله

كزيدون والهندات نحوك مقبلة

جمع المؤنّث السالم : «و» ثالثها «الجمع المؤنّث السالم» : وهو ما سلم فيه بناء مفرده ، سواء كان اسما أو وصفا ، وعبّر بعضهم بما جمع بألف وتاء مزيدتين ، وهو أولي ،

__________________

(١) سقط الفعل في «ح».

(٢) عبد الله الحسين أبو البقاء العكبري البغداديّ الضرير النحوي ، صنّف : إعراب القرآن ، اللباب في علل البناء والإعراب و... مات سنة ٦١٦ ه‍ ق. المصدر السابق ٢ / ٣٨.

(٣) «بعضهم» سقط في «س».

١٢٢

ليشمل ما كان مفرده مذكّرا ، كاصطبلات وحمامات ، وما سلم فيه بناء الواحد ، وما تغيّر فيه ذلك ، كسجدات.

لا يقال : يردّ ذلك على تعبير المصنّف ، لأنّا نقول : التعبير به جري على الغالب ، أو إنّ في الكلام حذف مضاف ، أي صيغة جمع المؤنّث السالم أو حذف معطوف ، أي الجمع المونث السالم ، وما على صيغته ، فلا يخرج ما جمع بألف وتاء من جمع المذكّر ، ولا ما تغيّر (١) فيه بناء مفرده ، لأنّ صيغته صيغة جمع المؤنّث السالم في عرف النحاة ، وإن كان في الحقيقة جمع مذكّر أو مكسّر ، أو إنّه لم يلتفت لما جمع بالألف والتاء من جمع المذكّر أو المكسّر لقلّته.

ودأبهم المألوف ذكر ما هو الأغلب والأكثر ، لا ما هو الأقلّ والأندر ، أو إنّ المراد بجمع المؤنّث السالم ما جمع بألف وتاء مزيدتين مجازا بطريق ذكر الملزوم (٢) وإرادة اللازم ، لأنّ جمع المؤنّث السالم في عرف النحاة واقع على الجمع بالألف والتاء ، والملازمة العرفيّة تكفي في صحّة المجاز.

فإن قلت : فيلزم أن يكون جمع المؤنّث السالم مستعملا إمّا حقيقته ومجازه أن استعمل فيهما جميعا ، أو في مجازه فقط أن استعمل في معنى شامل لهما ، وعلى التقديرين يلزم المجاز على الخلاف في جواز الأوّل؟ قلت : هو مجاز مشهور على أنّه يمكن أن يدّعي أنّ نحو : اصطبلات وحبليات جمع مؤنث سالم حقيقة عرفيّة لا مجاز.

تنبيهات : الأوّل : قوله السالم صفة للجمع كما قال بعضهم. وجوّز بعض المحقّقين كونه صفة للمؤنث ، فإنّه موصوف بالسلامة حقيقة ، لأنّه واقع على المفرد.

الثاني : أورد على قولهم : ما جمع بألف وتاء مزيدتين ، أنّ الّذي جمع بهما هو المفرد ، وليس هو المراد في مقام الجمع المذكور ، وأجيب بأنّ الّذي جمع بها معناه الّذي وقع عليه ما يجمع بهما ، وهو المجموع بهما فهو المفرد بوصف ضمّ غيره إليه ، لا المفرد قبل ضمّ.

ضابط فيما يجمع بألف وتاء قياسا : ضابط الّذي يجمع بألف وتاء قياسا (٣) مطّردا خمسة أنواع : أحدها ذو التاء مطلقا إلا نحو : شاة وشفة وأمة ومرآة وامرأة وفلانة وفلة (٤) ، ونقل في أمة : أميات وأموات ، ويحتاج إلى نقل من العرب : الثاني : علم المؤنّث مطلقا

__________________

(١) ولا تغيّر «ط».

(٢) بطريق الملزوم «س».

(٣) سقط قياسا في «س».

(٤) الفلّة : الثلمة في السيف وجمعها فلول.

١٢٣

إلا قطام على لغة من بني ، واشترط ابن أبي الربيع (١) العقل ، الثالث : صفة مذكّر لا يعقل بخلاف صفة المؤنّث والعاقل ، الرابع : مصغّره بخلاف مصغّر المؤنّث ، الخامس : اسم الجنس المؤنّث بالألف إلا فعلاء فعلان أو أفعل غير منقولين إلى الاسميّة.

وتجمع حروف المعجم ، فما كان فيه ألف جاز قصره ومدّه بالإجماع ، فيقال فيه على القصر : بيات ، بقلب الألف المقصورة ياء ، وعلى المدّ باءات بالإقرار بالهمزة.

الفعل المضارع : «و» رابعها (٢) الفعل «المضارع» الّذي لم يتّصل به ما يوجب بناءه ، كما مرّ ، أو ينقل إعرابه ، كما إذا اتّصل به ضمير تثنية ، أو ضمير جمع أو ضمير المؤنّث المخاطبة ، فيكون علامة رفعه ما ستعرفه ، ولا فرق بين أن يكون الفعل المضارع المذكور صحيح الأخر أو معتلّا ، فإذا كان معتلّا ، كانت الضمّة فيه مقدّرة نحو : يدعو ويخشى ، كما سيأتي.

المثنّى : «و» أمّا «الألف» فتكون علامة للرّفع نيابة عن الضمّة «في» موضع واحد ، وهو «المثنّى» ، وحدّه المصنّف تبعا لابن هشام في الأوضح (٣) بقوله : «وهو ما دلّ على اثنين ، وأغني عن متعاطفين». قال شارحه فقوله : «ما» وضع جنس ، وقوله : لاثنين فصل أوّل مخرج لما وضع لأقل كرجلان ، أو لأكثر كصنوان ، وقوله : «أغني عن المتعاطفين» فصل ثان مخرج لنحو : كلا وكلتا واثنين واثنتين وشفع وزوج وزكا (٤) بالتنوين اسم للشيئين ودخل فيه نحو : القمران للشمس والقمر ، انتهى.

واعترض بعضهم على هذا التعريف بأنّه صادق على الضمير في أنتما وعلى اثنين واثنتين ، إذ هي مغنية عن أنت وأنت ، وعن رجل ورجل ، وامراة وامرأة ، وفي صدقه على الأخيرين بحث ، إذ ما صدق كلّ من الاثنين والاثنتين ذات متّصفة بالأثنينية مطلقا ، دون تعرّض لكونه رجلا أو امرأة ، فتدبّر.

القمرين والعمرين : وزاد بعضهم في الحدّ قوله من لفظه احترازا عن القمرين والعمرين من ألفاظ التغليب ، فليس مثنّى ، بل ملحق به ، وسكوت المصنّف عن ذلك و

__________________

(١) عبد الله بن أحمد أبو الحسين بن أبي الربيع ، إمام أهل النحو في زمانه ، صنّف : شرح الإيضاح ، شرح سيبويه ، المخلص ، القوانين ، كلاهما في النحو. مات سنة ٦٨٨ ه‍ ق. المصدر السابق ٢ / ١٢٥.

(٢) يعني الرابع من الكلمات الّتي ترفع بالضمة.

(٣) «أوضح المسالك إلى الفية ابن مالك» شرح علي الالفية لابن هشام ، كشف الظنون ١ / ١٥٤.

(٤) الزكا : الزوج من العدد.

١٢٤

عدم عدّه في الملحقات دالّ على إدخاله في حدّ المثنّى ، والمسألة موضع خلاف ، فمن أخرجه من باب المثنّى ، وأدخله في ملحقاته ابن مالك في تسهيل ، حيث قال : وما أعرب إعراب المثنّى مخالفا لمعناه ، أو غير صالح للتجريد ، وعطف مثله عليه ، فملحق به.

وقال ابن هشام : والّذي أراه أنّ النّحويّين يسمّون هذا النوع مثنّى لعدم ذكرهم له فيما حمل على المثنّى ، وأوضح ذلك في بعض تعإليقه بزيادة ، فقال : إخراج هذا النوع من باب المثنّى لا يعرف بغير ابن مالك ، ولا نجد أحدا يذكره فيما حمل على المثنّى سواه ، لعلمهم بشمول اسم المثنّى له ، وذلك أنّما جاز بعد أن قدّر تسمية الشمس قمرا ونحوه ، انتهى.

فإن قلت : هذا إنّما يصحّ عند من لم يشترط اتّفاق المعنى في التثنية كابن مالك تبعا لابن الأنباريّ ، وأمّا عند من اشترطه فلا يصحّ ، وقد ذهب إلى اشتراطه أكثر المتأخّرين ، فلا يقال : العينين للشمس والذهب ، ولحّنوا الحريري (١) في قوله [من الخفيف] :

٦٣ ـ جاء بالعين حين أعمي هواه

عينه فانثني بلا عينين

قلت : قال العلامة التفتازانيّ في شرح التخليص (٢) بناء على هذا القول يكون مجازا.

التغليب من المجاز : وجميع باب التغليب من المجاز ، لأنّ اللفظ لم يستعمل فيما وضع له ، وقال في شرح المفتاح وأمّا بيان التغليب والعلاقه فيه وإنّه من أيّ نوع منه فلم أر أحدا حام حوله ، انتهى.

المشاكلة : وقال الدمامينيّ في المنهل أقول : يمكن أن يجعل ما نحن فيه من قبيل المشاكلة ، فعبّر عن مدلول أبي بكر مثلا بلفظ عمر ، وعن مدلول الشمس بلفظ القمر لوقوعه في صحبته تخفيفا ، وظاهر كلامهم في المشاكلة أنّ جهة التجوّز في وقوع مدلول هذا اللفظ في صحبة الأخر تحقيقا أو تقديرا ، فهو من قبيل ما العلاقة فيه المجاورة ، انتهى.

وكون ما ذكره ، هو ظاهر كلامهم في جهة التجوّز ليس على إطلاقه ، قال المحقّق الشريف (٣) في شرح المفتاح : المشاكلة هي أن يذكر الشئ بلفط غيره لوقوعه في صحبته ،

__________________

(١) القاسم بن علي الأمام أبو محمد الحريري ، كان في غاية الذكاء والفطنة والفصاحة والبلاغة ، من تصانيفه : درة الغواص في أوهام الخواص ، الملحمة وشرحها ، المقامات و... مات سنة ٥١٦ ه‍. المصدر السابق ٢ / ٢٥٧.

(٢) تلخيص المفتاح في المعاني والبيان للشيخ الامام جلال الدين محمد قزويني المتوفّى سنة ٧٣٩ ه‍. فكتب العلماء له شروحا منها شرح العلّامة سعد الدين التفتازاني ، المتوفّى سنة ٧٩٢ ه‍. كشف الظنون ١ / ٤٧٣.

(٣) هو السّيّد الشريف علي بن محمد الجرجاني المتوفّى سنة ٨١٦ ه‍ ق ، وهو من الّذين شرح مفتاح العلوم للعلّامة السكاكي المتوفّى سنة ٦٢ ه‍ المصدر السابق ١٧٦٣ ، ٢.

١٢٥

فإن كان بين ذلك الشئ والغير علاقة مجوّزة للتجوّز من العلاقات المشهورة ، فلا إشكال ، وتكون المشاكلة موجبة لمزيد الحسن ، كما بين السيئة وجزائها ، وإن (١) لم تكن فلا بدّ أن يجعل الوقوع في الصحبة علاقة مصحّحة للمجاز في الجملة ، وإلا فلا وجه للتعبير عنه ، انتهى.

وفي فصول البدائع والتحقيق (٢) إنّ عدّ الصحبة علاقة باعتبار أنّها دليل المجاورة في الخيال فهي العلاقة في الحقيقة ، وإلا فالمصاحبة في الذكر بعد الاستعمال ، والعلاقة تصحّح الاستعمال فتكون قبله ، انتهى.

اشكال التغليب مطلقا من باب المجاز : تنبيهات : الأوّل : قال بعض المحقّقين هاهنا إشكال ، وهو أنّ التغليب مطلقا من باب المجاز ، كما صرّح به ، ولا يخفى أنّ فيه جمعا بين الحقيقة والمجاز ، لا يقال : الكلّ معنى مجازيّ ، إذ اللفظ لم يوضع له ، لأنّا نقول : فيلزم أن لا يوجد أصلا لجريان هذه العلّة في كلّ جمع ، والجواب ما أشار إليه المحقّق الشريف في حاشية الكشّاف ، وهو أنّ الجمع أنّما يلزم إذا كان كلّ واحد منهما مرادا باللفظ ، وهاهنا أريد معنى واحد مركّب من المعنى الحقيقيّ والمجازيّ ، ولم يستعمل اللفظ في واحد منهما ، بل في المجموع مجازا ، ولا يلزم جريان ذلك في جميع المعاني الحقيقية والمجازيّة ، لجواز أن لا يكون هناك ارتباط يجعلها معنى واحدا عرفا يقصد إليه بإرادة واحدة في استعمالات الألفاظ ، انتهى.

نحو القمرين والعمرين يحفظ ولا يقاس عليه : الثاني : هذا النوع من نحو القمرين والعمرين مسموع يحفظ ، ولا يقاس عليه ، ثمّ تارة يغلب الأشرف ، كالأبوين ، وتارة الأخفّ كالعمرين ، وتارة الأعظم ، نحو : مرج البحرين. قال في الهمع : وإنّما كان هذا من قبيل التغليب ، لأنّ المراد بالبحرين الملح والعذاب ، والبحر خاصّ بالملح ، كذا قيل ، ودعوى اختصاصه به مبنيّة على المشهور ، وإلا فقد صرّح جماعة من أهل اللغة أنّ البحر هو الماء الكثير ، ملحا كان ، أو عذبا ، فعلى هذا لا يكون من باب التغليب.

يشترط في كلّ ما يثنّى عند الأكثرين سبعة أمور : الثالث : يشترط في كلّ ما يثنّى عند الأكثرين سبعة أمور : الإفراد والاعراب وعدم التركيب والتنكير ، فالعلم ينكّر ثمّ

__________________

(١) من الغير حتى هنا سقط في «س».

(٢) ما وجدت هذا العنوان.

١٢٦

يثنّى ، واتّفاق اللفظ والمعنى ، وقد علمت ما فيها ، وأن لا يستغنى بتثنيته غيره عن تثنيّته ، فلا يثنّى سواء استغناء بسيّان ، وهذه الشروط تعتبر في الجمع أيضا كما صرّح به في الهمع وغيره.

حكم بنية الاسم إذا ثنّي : الرابع : الاسم إذا ثنّي ، وكان صحيحا غير مهموز ، أو منزّلا مترلته لحقته العلامة من غير تغيير ، كرجلان وامراتان ودلوان وظبيان ، وشذّ إليان (١) وخصيان ، أو مهموزا ، فإن كان ما قبل الهمزة ألف زائدة ، والهمزة أصل أقرّت ، كقرّاءان في قرّاء ، بضمّ القاف وتشديد الرّاء المهملة ، وهو الناسك ، أو مبدلة من أصل ، فإقرارها أولي ككساءان في كساء أصله كساو ، وشذّ كسايان ، أو ملحقة بأصل ، فقلبها واوا أولى ، كعلياوان في عليا ، أصلها علياي بياء ، لتلحقها بقرطاس ، ثمّ أبدلت الياء همزة ، أو بدل من ألف التأنيث كحمراوان في حمراء ، أو كان معتلا منقوصا لحقته العلامة من غير تغيير أيضا سواء ردّ ياؤه كقاضيان في قاض ، أو مقصورا ، فألفه إن كانت زائدة على ثلاثة ؛ أو بدلا عن ياء ، أو مجهولة الأصل ، وأميلت ، قلبت ياء كجبليان في حلبى ، وفتيان في فتى ، ومتيان في متى مسمّي به ، وإلا فواوا كعصوان في عصى وكذوان في كذا مسمّى به.

ملحقات : «وملحقاتة» أي ملحقات المثنّى ، والمراد بها ألفاظ شابهته في الدلالة على معناه ، وليست منه ، لفقد ما اعتبر فيه من الشروط ، وهي خمسة ألفاظ ، «كلا» للمذكّرين ، و «كلتا» للمؤنّثين ، ولا ينفكّان عن الإضافة إلى ظاهر أو مضمر ، وإنّما يكونان ملحقين للمثنّي حال كونها «مضافين» التذكير مبنيّ على التغليب أو التأويل «إلى مضمر» ، وهو ثلاثة ألفاظ : كما وهما ونا ، نحو : كلاكما وكلاهما وكلانا ، فلا تكون الألف فيهما علامة للرفع ، ما لم يكونا كذلك ، وأمّا إذا أضيفا إلى ظاهر ، فألفها لازمة ، وإعرابهما بحركات مقدّرة عليهما ، لأنّها لا تقبل الحركات ، وذلك لأنّهما باعتبار لفظهما مفردان ، وباعتبار معناها مثنّيان ، فلفظهما يقتضي الإعراب بالحركات ، ومعناهما يقتضي الإعراب بالحروف ، فروعي فيهما كلا الاعتبارين.

__________________

(١) الإلى : النعمة.

١٢٧

فإذا أضيفا إلى الظاهر الّذي هو الأصل روعي جانب لفظهما الّذي هو الأصل وأعربا بالحركات الّتي هي الأصل ، نحو : جاءني كلا أخويك ، رأيت كلا أخويك ، ومررت بكلا أخويك.

وإذا أضيفا إلى المضمر الّذي هو الفرع روعي جانب معناهما الّذي هو الفرع أعربا بالحروف (١) الّتي هي الفرع ، نحو : جاءني كلاهما ورأيت كليهما مررت بكليهما. ووراء هذه التفرقة اطلاقان : أحدهما : الإعراب بالحروف مطلقا ، وهي لغة كنانة (٢) والثاني : الإعراب بالحركات مطلقا ، وهي لغة بلحارث (٣) ، حكاها الفرّاء وغيره. قال الرضّي ولا أدري ما صحّته ، انتهى.

وزعم بعضهم أنّهما في لغة الجمهور معربان بحركات مقدّرة ، وأنّ انقلاب ألفهما جرّا ونصبا للتشبيه بألفي «على ولدى» قال ابن مالك : وفي لغة كنانة دليل على ضعف هذا القول.

تتمّة : ولكون كلا وكلتا مفردين لفظا مثنّين معنى ، جاز في ضميرهما الحمل على اللفظ مرّة ، وعلى المعنى [مرّة] أخرى ، وقد اجتمع الأمران في قوله [من البسيط] :

٦٤ ـ كلاهما حين جدّ الجري بينهما

قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي (٤)

وقال الله تعإلى : (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ) [الكهف / ٣٣] ، ثمّ قال (وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً) [الكهف / ٣٣]. قال ابن طاهر (٥) : وقوم لا يجيزون كلاهما قام ، لأنّهم جعلوها مثنّى حقيقة.

والثلاث الملحقات الاخر ، «اثنان» للمذكّرين و «فرعاه» وهما اثنان في لغة الحجاز وثنتان في لغة تميم (٦) ، وكلاهما للمؤنّثين ، ولم يقيّدهما بما مرّ في الملحقين السابقين ، لأنّها ملحقة بالمثنّى مطلقا ، سواء أضيفت إلى مضمر أم لا ، لأنّ وضعها وضع المثنّى ، وإن لم تكن مثنّيات حقيقة ، إذ لم يثبت لها مفرد ، لا يقال : اثن ولا اثنت ولا ثنت.

__________________

(١) «روعي جانب معناهما الّذي هو الفرع» محذوف في «م وط».

(٢) كنانة من القبائل العربية من عرب الشمال أو العدنانيون. الجامع في تاريخ الأدب العربي ١ / ٧٩.

(٣) من القبائل العربية.

(٤) البيت للفرزدق في صفة فرسين ، اللغة : الجري : السير ، أقلعا : كفّا عن الجري ، الرابي : اسم الفاعل من ربا يربو. وربو الأنف ارتفاعه عند التعب من جري ونحوه.

(٥) محمد بن طاهر ، أبو عبد الله الانصاري الأندلسي ، عالم بالعربية ، من كتبه «عين الذهب من معدن جوهر الأدب في علم مجازات العرب» و «كتاب التحصيل» مات سنة ٥١٩ ه‍. الأعلام للزركلي ، ٧ / ٤٢.

(٦) تميم من قبائل عرب الشمال أو العدنانيون. الجامع في تارخ الأدب العربي ، ١ / ٧٩.

١٢٨

تنبيهات : الأوّل : قيل : هذا الإطلاق يوهم جواز إضافة الثلاثة إلى كلّ ضمير ، وليس كذلك ، فإنّها لا تضاف إلى ضمير مثنّى ، فلا يقال : جاء الرجلان اثناهما ، والمراتان اثنتاهما أو ثنتاهما ، قياسا على جاءني ثلاثتهم ، لأنّ ضمير الثنية نصّ في الاثنين ، فإضافة الاثنين إليه من إضافتة الشئ إلى نفسه ، وقد أجبت عن ذلك في شرح الإرشاد (١) ، وأوردت ما ذكره الحريري في درّة الغواص في هذا البحث وتكلّمت عليه فليرجع إليه.

الثاني : ألحق بالمثنّى أيضا ما سمّي به كزيدان علما ، فيرفع بالألف كهو ، وينصب ويجرّ بالياء مثله أيضا كما سيأتي ، ويجوز فيه أن يجري مجري سلمان ، فيعرب إعراب ما لا ينصرف للعلميّة وزيادة الألف والنون ، وإذا دخل عليه الألف واللام جرّ بالكسر.

الكلام على نون المثنّى : الثالث : نون المثنّى لا يجوز إلّا كسرها مطلقا عند البصريّين ، وأجاز الكسائيّ والفرّاء فتحها مع الياء لا مع الألف ، وأجازه بعضهم. وضمّها مع الألف لغة وأمّا مع الياء فلا يجوز حكاه الشيبانيّ (٢).

وقيل من العرب من يجعلها معقّب الإعراب ، فعلى هذا تفتح مع الياء نصبا وتكسر جرّا ، وحذفها للاضافة ، كثير ، ولشبه الإضافة في اثني عشر واثنتي عشره ولتقدير الإضافة ، نحو : رأيت يدي ورجلي زيد. ولتقصير الصلة مطلقا عند سيبويه والفرّاء خلافا للمبرّد ، إذ قصر ذلك على قولك : اللذا واللتا ، قاله في الإرتشاف.

جمع المذكّر السالم : «و» أمّا «الواو» فتكون علامة للرفع نيابة عن الضمة «في» موضعين : أحدهما «الجمع المذكّر السالم» ، وهو ما دلّ على أكثر من اثنين بزيادة في آخره ، مع سلامة بناء مفرده ، ومن ثمّ سمّي سالما ، ويسمّى بالجمع الّذي على حدّ المثنّى لشبهه له في كونه أعرب بحرفين ، وسلم فيه الواحد ، وختم بنون تحذف للإضافة ، وقد يقال له : الجمع بالواو والنّون تسمية له باشرف حإليه ، والجمع على هجائين لكونها يأتي على وجهين : تارة بالواو ، وتارة بالياء. قال السخاويّ (٣) في شرح المفصّل : وقد عدّ بعضهم لهذا الواو ثمانية معان ، فقال : هي علامة الجمع والسلامة و

__________________

(١) موضّح الرشاد في شرح الإرشاد : كتاب في النحو ، من مولّفات الشارح.

(٢) إسحاق بن مرار الشيباني لغويّ أديب من الكوفة ، جمع أشعار نيف وثمانين قبيلة من العرب ، من تصانيفه «كتاب اللغات» و «النوادر في اللغة» مات سنة ٢٦٠ ه‍. الأعلام للزركلي ١ / ٢٨٩.

(٣) علي بن محمد أبو الحسن السخاوي ، كان اماما علامة بصيرا بالقراءات إماما في النحو واللغة له من تصانيف : شرحان علي المفصّل ، شرح أحاجي الزمخشري النحوية ، مات سنة ٦٤٣ ه‍ ، بغية الوعاة ٢ / ١٩٢.

١٢٩

العقل والعلميّة والقلّة والرفع وحرف الإعراب والتذكير ، انتهى ، وفيه من المساحمة لا يخفى.

ويشترط في كلّ ما يجمع هذا الجمع ثلاثة شروط : أحدها : الخلوّ من تاء التأنيث ، فلا يجمع نحو : طلحة وعلّامة. الثاني : أن يكون لمذكّر فلا يجمع نحو : زينب ، ولا حائض ، الثالث : أن يكون لعاقل فلا يجمع نحو واشق علما للكلب ، وسابق صفة لفرس. ثمّ يشترط أن يكون إمّا علما غير مركّب تركيبا إسنادّيا ولا مزجيّا ، فلا يجمع نحو : برق نحره ومعدي كرب ، وإمّا صفة تقبل التاء ، أو تدلّ على التفضيل ، نحو : قائم ومذنب والأفضل ، فلا يجمع هذا الجمع (١) نحو : جريح وصبور وسكران وأحمر ، قاله ابن هشام في الأوضح.

تنبيهات : الأوّل : ينبغي تقييد تاء التأنيث بكونها غير عوض ، فلو كانت عوضا عن فاء الكلمة نحو : عدة ، أو لامها نحو : ثبة ، وجعلت ما هي فيه علما جاز جمعه بالواو والنّون ، كعدون وثبون ، ما لم يكسر قبل العلميّة كشفة ، فيلزم تكسيرة كشفاة ، أو يعتل لامه كدية ، فيلزم جمعه بالألف والتاء كديات ، هذا مذهب سيبويه ، وخالف المبرّد ، فقال : لا يجوز في عدة إلا عدات ، ولا يجوز عدون.

الثاني : قال ابن مالك : المراد بالمذكّر المسمّى لا اللفظ ، فإنّ تذكير الأسماء ليس شرطا في هذا الباب ، بل الشرط خلوّه من تاء التأنيث ، فلو سمّيت رجلا بزنيب وسعدى ، جاز أن يقال في جمعة : زينبون ، كما لو سمّي بزيد مؤنّث جمع بالف وتاء كزيدات.

الثالث : التصغير قائم مقام الوصف ، فلذلك لو صغّر رجل وغلام جمع بالواو والنون ، مع أنّه ليس بعلم ولا صفة ، وذلك لأنّ التصغير وصف في المعنى ، قاله المرادي ، وكذا المنسوب ، نحو : بصريّ وبصريون.

الرابع : ما وقع في الأوضح من التّعبير بلفظ العاقل هو المشهور ، وقال غير واحد : الأولي التعبير بالعالم ليشتمل : (فَنِعْمَ الْماهِدُونَ) [الذاريات / ٤٨] ، إذ لا يطلق عليه تعإلى أنّه عاقل لإيهام العقل المنع من القبائح الجائزة على صاحبه ، تعإلى الله عنها علوّا كبيرا ، قيل : وفيه إنّه ليس قياسا بل مقصورا على السماع ، صرّح به في التسهيل (٢) ، وإنّه جمع مجازي بجعل الواحد بمترلة متعدّد ، فتأمّل.

الخامس : اشترط المازنيّ في العلم أن لا يكون معدولا ولا يجوز في نحو : عمر أن يجمع هذا الجمع ، بل أن لا يثنّى ، ولا يجمع مطلقا ، والجمهور على خلافة.

__________________

(١) من كلمة برق نحره حتي هنا سقط في «س».

(٢) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد في النحو لابن مالك المتوفّى سنة ٦٧٢ ، كشف الظنون ١ / ٤٠٥.

١٣٠

فإن قلت : الاسم العلم إذا جمع زالت العلميّة منه ضرورة أنّ تثنية العلم وجمعه يقتضي إخراجه عن حقيقة كونه علما إذ يصير نكرة ، لأنّ العلم إنّما يكون معرفة على تقدير أفراده لموضوعه لكونه لم يوضع علما إلا مفردا فهو دالّ على الوحدة ، والتثنية والجمع يدلّان على التعدّد ، والوحدة والتعدّد متضادّان ، قلت : أجيب بأنّ معنى كلامهم أنّ الاسم إذا كان علما بشروطه صحّ إيراد الجمع عليه ، وذلك بعد أن تنكّره ، وليس المراد أنّه يبقي علما ، ويجمع على تلك الحال فيؤوّل الأمر إلى أنّ ما يشترط وجوده شرط للإقدام على الحكم ، وعدمه شرط لثبوت ذلك الحكم.

لغز للبدر الدمامينيّ : وقد نظم الدّمامينيّ في ذلك لغزا فقال [من الطويل] :

٦٥ ـ أيا علماء الهند لا زال فضلكم

مدي الدّهر يبدو في منازل سعده

ألمّ بكم شخص غريب لتحسنوا

بإرشاده عند السؤال لقصده

وها هو يبدي ما تعسّر فهمه

عليه لتهدوه إلى سبل رشده

فيسأل ما أمر شرطتم وجوده

لحكم فلم تقض النحاة برده

فلمّا وجدنا ذلك الأمر حاصلا

منعتم ثبوت الحكم إلا بفقده

وهذا لعمري في الغرابة غاية

فهل من جواب تنعمون بسرده

السادس : قال بعضهم : إن أريد بجمع المذكور ما هو جمع في الأصل أو في الحال ورد عليه جمع جعلت نونه معتقب الإعراب ، نحو : قنسرين (١) ، فإنّه يعرب بالحركات ، والياء ملتزمة كالألف في المثنّى ، كذلك وإن أريد الجمع في الحال خرج الجمع العلم المعرب بالواو والياء ، انتهى. وأجاب بعض المحقّقين باختيار الأخير ، ولا يضرّ خروج الجمع العلم لأنّه شاة.

السابع : حكم الاسم إذا جمع هذا الجمع كما إذا ثنّي من لحوق العلامة من غير تغيير ولا يستثنى إلا المنقوص والمقصور ، فإنّ آخرهما يحذف لالتقاء الساكنين ، ثمّ يضمّ ما قبل آخر المنقوص في الرّفع ، ويكسر في غيره مناسبة للحرف ، نحو : جاء القاضون ، ورأيت القاضين ، ومررت بالقاضين ، ويفتح ما قبل آخر المقصور دلالة على ما حذف ، نحو : (وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ) [ص / ٤٧].

__________________

(١) القنسر : الكبير المسن والقديم.

١٣١

ملحقات الجمع المذكّر السالم : و «ملحقاته» وقد مرّ معناها ، وهي أربعة أنواع :

أحدها : أسماء جموع ، وهي «أولو» بمعنى صاحب ، اسم جمع ، لا واحد له من لفظه ، بل من معناه ، وهو ذو كقوله تعإلى : (وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ.) [النور / ٢٢] ، وتكتب بواو بعد الهمزة (١) حملا على أولى ، وكتبت أولى بالواو لئلّا تشتبه بإلى.

عشرون وبابه : و «عشرون وبابه» وهو سائر العقود إلى تسعين بإدخال الغاية ، فكلّها أسماء جموع ، وليس عشرون جمعا لعشرة ، ولا ثلاثون جمعا لثلاثة ، وإلا لصحّ إطلاق عشرين على ثلاثين ، وثلاثين على تسعة لوجوب إطلاق الجمع على ثلاثة مقادير الواحد ، وعلى هذا القياس البواقي ، وأيضا هذه الكلمات تدلّ على معان معيّنة ، ولا تعيين في معاني الجموع كذا قيل.

قال بعض المحقّقين وفي كلا التعليلين نظر. أمّا الأوّل فإن أريد الإطلاق على سبيل الحقيقة ، فالصحّة على ثلاثين ممنوعة لجواز كون عشرين منقولا عرفيّا من معنى الجمع إلى هذا العدد المعيّن ، وإطلاق المنقول على المعنى الأصليّ مجاز ، وإن أريد به الإطلاق على سبيل الحقيقة وعلى سبيل المجاز فمسلم ، لكن بطلان الثاني ممنوع لجواز أن يكون استعمال عشرين في ثلاثين على سبيل المجاز ، وقس على ذلك أخواتها. وأما الثاني فإن أريد أنّه لا تعيين في المجموع أصلا فهو ممنوع لجواز وضع الجمع لشئ معيّن ، وإن أريد أنّه لا تعيين في الجموع من حيث إنّها جموع فمسلّم ، لكن لا يلزم منه عدم كون عشرين جمعا ، انتهى.

والأولى أن يقال هذه الأعداد ملتئمة من الأحاد حاصلة من تكرار الأحاد لا من تكرار مراتب الأعداد ، فهذه الأعداد كأولي في أنّها لا واحد لها من لفظها.

عالمون ليس جمعا لعالم بل اسم جمع له ـ والأعراب ليس جمعا لعرب : ومن أسماء الجموع المذكورة عالمون ، بفتح اللام ، اسم جمع لعالم ، وهو ما سوى الله تعالى من الأجناس ، فزيد ليس بعالم ، بل من العالم ، وإنّما لم يكن جمعا لعالم لاختصاصه بمن يعقل ، والعالم عام فيه وفي غيره ، والجمع لا يكون أخصّ من مفرده ، ولذلك أبى سيبويه أن يجعل الأعراب جمع عرب ، لأنّ العرب يعمّ الحاضرين والبادين ، والأعراب خاصّ بالبادين ، وهذا قول ابن مالك ومن تبعه ، وذهب كثير إلى أنّه جمع لعالم فيكون

__________________

(١) بعد الألف «ح».

١٣٢

جمع تصحيح لم يستوف الشروط من حيث إنّ عالما اسم جنس ، وليس بعلم ولا صفة ، وبالجملة فهو من ملحقات الجمع المذكور.

من الملحقات : الثاني : جموع تصحيح لم تستوف الشروط ، منها أهلون ووابلون (١) ، جمع أهل ووابل ، لأنّها ليسا علمين ولا صفتين ، ولأنّ وابلا غير عاقل.

الثالث : جموع تكسير منها أرضون بفتح الرّاء ، جمع أرض ، وسنون بكسر السين جمع سنة بفتحها وبابه ، وهو كلّ ما كان جمعا لثلاثي حذفت لامه ، وعوّض عنها هاء التأنيث ، ولم تكسر كعزة وعزين وعظة وعظين بخلاف نحو : تمرة ، لعدم الحذف ، ونحو عدة وزنة ، لأنّ المحذوف الفاء ونحو : يد ودم ، لعدم التعويض ، وشذّ أبون وأخون ، ونحو : اسم وبنت ، لأنّ العوض غير الهاء ، وشذّ بنون ، ونحو : شاة وشفة لتكسرهما على شياه وشفاة.

الرابع : ما سمّي به منه أو ممّا ألحق به كزيدون علما ، وعلّيّون اسم لأعلى الجنة ، وهو في الأصل جمع علّي ، بكسر العين واللام مع تشديد اللام (٢) والياء ، وزنه فعيل من العلو.

تنبيهات : الأوّل : يجوز في هذا النوع المسمّى به أن يجري مجرى عليين في لزوم الياء ، والإعراب بالحركات ظاهرة على النّون منوّنة إن لم يكن أعجميّا ، فإن كان كقنسرين امتنع التنوين ، وأعرب إعراب ما لا ينصرف ، ودون هذا أن يجري مجرى هارون في لزوم الواو والإعراب على النّون غير منوّنة للعلميّة وشبه العجمة كحمدون ، أو مجري عربون في لزوم الواو والإعراب بالحركات الثلاث على النون منوّنة ، ودون هذا لزوم الواو وفتح النون مطلقا ، ذكره السيرافيّ ، وبعضهم يجري بنين وباب سنين ، وإن لم يكن علما مجرى غسلين بالتنوين على لغة بني عامر ، وبدونه على لغة تميم. قال [من الوافر] :

٦٦ ـ وكان لنا أبو حسن عليّ

أبا برّا ونحن له بنين (٣)

وقال [من الطويل] :

__________________

(١) الوابل : المطر الشديد الضخم القطر.

(٢) سقط «مع تشديد اللام» في «ح».

(٣) هو لأحد أولاد علي بن ابي طالب (ع) أو لسعيد بن قيس الهمداني. اللغة : البرّ : من أسماء الله تعإلى بمعنى المحسن والصالح. واشار ابن مالك في الألفية إلى هذه ويقول :

والخبر الجزء المتمّ الفائده

كالله برّ والأيادي شاهده

(شرح ابن عقيل ١ / ٢٠١).

١٣٣

٦٧ ـ دعاني من نجد فإنّ سنينه

لعبن بنا شيبا وشيّبننا مردا (١)

وبعضهم يطّرد هذه اللغة ، أعني لزوم الياء والإعراب على النون منوّنة في جمع المذكّر السالم وكلّ ما حمل عليه.

الكلام على نون الجمع المذكور وملحقاته : الثاني : نون الجمع المذكور وملحقاته مفتوحة ، وقد تكسر ضرورة ، وقيل : من العرب من يكسرها على الأصل ، وتسقط للإضافة وفي صلة ، كقراءة الحسن (٢)(وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ) [الحج / ٣٥] ، بنصب التاء وفي الّذي كقوله [من الطويل] :

٦٨ ـ وإنّ الّذي حانت بفلج دماؤهم

 ... (٣)

أي : وإنّ الّذين ، وقبل لام ساكنة ، كقراءة من قرأ (غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ) [التوبة / ٢] ، بفتح الهاء وفي شذوذ كقراءه الأعمش (٤) وما هم بضاري به [البقرة / ١٠٢] ، وفي ضرورة كقوله [من البسيط] :

٦٩ ـ لو كنتم منجدي حين استعنتكم

 ... (٥)

قاله في الإرتشاف.

الأسماء السّتّة : «و» الثاني : «الأسماء الستّة ، وهي أبوه وأخوه وحموها» أنّث الضمير لأنّ الحم قريب المراة من زوجها كأبيه ، وقد يطلق على قريب الرّجل من زوجته كأبيها ، وصرّح في القاموس بإطلاقه عليهما بلا تفصيل. «وفوه وهنوه ، وذو مال» ، أي صاحبه ، ولكن ذو يقتضي تعظيم ما أضيفت إليه ، والموصف بها بخلاف صاحب فيهما.

وأسماء الستّة علم بالغلبة على هذه الأمثلة كلفظ العبادلة في عرف الفقهاء والمحدّثين ، ومنهم من عدّها خمسة بنقص الهن ، منكرا جواز إتمامه والحقّ الجواز في لغة

__________________

(١) البيت للصمة بن عبد الله ، أحد شعراء عصر الدولة الأمويّة. اللغة : دعاني : أتركاني ، الشيب : جمع أشيب ، وهو الّذي وخط الشيب شعر رأسه ، المرد : جمع أمرد وهو من لم ينبت بوجهه شعر.

(٢) الحسن البصري هو الحسن بن يسار البصري ، أبو سعيد ، هو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء شب في كنف علي (ع) ، مات سنة ١١٠ ه‍. الأعلام للزركي ، ٢ / ٢٤٢.

(٣) تمامه «هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد» ، وهو للأشهب بن رميلة ، أو لحريث بن محفض. اللغة : حانت : هلكت ، من الحين ، وهو الهلاك ، فلج : موضع في طريق البصرة ، دماؤهم : نفوسهم.

(٤) سليمان مهران أبو محمد الملقب بالأعمش ، تابعي مشهور ، كان عالما بالقرآن والحديث مات سنه ١٤٨ ه‍. المصدر السابق. ٣ / ١٩٨.

(٥) تمامه «لم تعدموا ساعدا منّي ولا عضدا» ، وهو مجهول القائل.

١٣٤

قليلة ، ولقلّتها وعدم شهرتها أنكرها من أنكر وكان على المصنّف التنبيه (١) على قلّته لئلا يتوهّم مساواته لهن.

قال ابن مالك : ومن لم ينبّه على قلّته فليس بمصيب ، ولو حظى من الفصل بأوفر نصيب ، وقال غير واحد : الأفصح فيه النقص ، أي حذف الأخر ، وجعل ما قبله آخرا ، فيعرب بالحركات الثلاث ظاهرة عليه.

قال ابن هشام : وهذه اللغة مع كونها أكثر استعمالا هي أفصح قياسا ، لأنّ ما كان ناقصا في الإفراد فحقّه أن يبقي على نقصه في الإضافة كما في يد ، لمّا حذفت لامها في الافراد ، وجعل الإعراب على ما قبل اللام ، استصحبوا ذلك حال الإضافة ، فأعربت بالحركات. قيل : وهو اسم يكنّى به عن أسماء الأجناس كرجل وفرس وغير ذلك ، وقيل : عمّا يستقبح التصريح به ، وقيل : عن الفرج خاصّة.

واحترز بإضافة ذو إلى مال عن ذو الموصولة فيلزمها الواو ، مبنيّة على السكون لا على الواو ، وخلافا لمن وهم ، وتسمّي ذو الطائية ، لأنّها إنّما تكون في لغة طي (٢) وقد تعرب كهذه ، نحو قوله [من الطويل] :

٧٠ ـ ...

فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا (٣)

في رواية ذي بالياء ، فكان الأحسن تفييدها بالمعربة كما في الكافية والعمدة (٤) لابن مالك ، لأنّ الاحتراز أنّما هو عن ذو بمعنى الّذي ، فأمّا على لغة إعرابها فإنّها تجري مجري ذو بمعنى صاحب ، فينبغي إدخالها ، وإنّما تكون الواو علامة للرفع نيابة عن الضمّة في هذه الأسماء ، وكذا الألف والياء عن الفتحة والكسرة فيها كما سيأتي حالة كونها «مفردة» ، فلو كانت مثنّاة أو مجموعة أعربت إعراب المثنّي ، وذلك المجموع «مكبّرة» ، فلو كانت مصغّرة أعربت بحركات ظاهرة ، وذلك في غير ذو ، إذ لا تصغّر. «مضافة إلى غير الياء» وعدل عن قول كثير ياء المتكلم ، لأنّ التقييد بذلك كما قاله ابن هشام حشو ، إذ ليس لنا ما يضاف إليها سواها ، سواء كانت الإضافة لفظا كما مرّ ، أو تقديرا ، كقوله [من الرجز] :

٧١ ـ خالط من سلمي خياشيم وفا (٥)

__________________

(١) سقط «التنبيه» في «س».

(٢) كان طىّ قبيلة من عرب الجنوب أو القحطانبين.

(٣) تمامه «فأمّا كرام موسرون لقيتهم» ، هو لمنظور بن سحيم الفقعسى ، اللغة : موسرون : ذوو ميسرة وغني.

(٤) العمدة في النحو والكافية الشافية في النحو لابن مالك النحوّي المتوّفى سنة ٦٧٢ ه‍ ق. كشف الظنون ٢ / ١١٧٠.

(٥) هو للعجّاج. اللغة : الخياشيم : غر الضيف في أقصي الأنف بينه وبين الدماغ ، وقيل : هي عروق في باطن الأنف. لسان العرب ، ١ / ١٠٩٠.

١٣٥

إذ التقدير خياشيمها وفاها.

فلو كانت مضافة إلى الياء أعربت على الأصحّ بحركات مقدّرة كما سيأتي ، وكلّها تضاف إلى الياء إلا ذو ، فإنّها لا تستعمل إلا مضافة لغير الياء ، بل لا تضاف إلى ضمير أصلا ، وأمّا قوله [من مجزوء الرمل] :

٧٢ ـ إنّما يعرف ذا الفض

 ... ل من الناس ذووه (١)

فشاذّ ، أو لحن.

وزاد بعضهم قيدا رابعا ، وهو أن تكون غير منسوب إليها ، فلو نسب إليها كانت معربة بالحركات ، وهو مستغنى عنه بقيد الإضافة ، قيل : وقد يستغني عن ذكر هذه القيود بالنطق بالأسماء المذكورة ، كذلك واعتذر عمّن لم يذكرها بذلك ، وهو غير سديد ، إذ لا استغناء عن ذكرها ، لأنّ النطق بها كذلك يوهم أنّ الشرط إضافتها إلى ضمير الغائب خاصّة ، فلذلك لم يكتف المصنّف في بيانه بالمثال ، وكذا ابن الحاجب مع اكتفائه به في غيره ، نعم الاكتفاء بنطق فوه كذلك عن تقييده بالخلو عن الميم صحيح ، فإن لم يخل منها ، أعرب بحركات ظاهرة مع تضعيف ميمه ، ودونه منقوصا وبحركات مقدّرة مقصورا كعسى ، ولك تثليث فائه تضعيفا وقصرا ونقصا ، اتباعها لميمه. فهذه عشر لغات كاملة ، ذكرها أبو حيّان في الإرتشاف وغيره ، واقتصر في التسهيل على تسع.

تنبيهان : الأوّل : ما ذكر من إعراب هذه الأسماء بحركات مقدّرة حال إضافتها للياء ، قال بعض المحقّقين : لا يظهر في «فيّ» إذ الفرق بينه وبين مسلمي تحكم ، إلا أن يقال : لو قيل في حال النصب فاي لوجب الحكم بأنّ الياء في «فيّ» إعراب ، أو بدل منه ، فلمّا قيل : فيّ مطلقا ، علم أنّ الياء المدغمة في «فيّ» في الأحوال الثلاث على نحو واحد ، وأنّ إعرابه على ما كان عليه في حال افراده دون حال إضافته ، انتهى. وقد يقال في الفرق : إنّ الياء في «فيّ» أعيدت حال الإضافة ، لئلّا يبقي الاسم المتمكّن على حرف واحد بخلافها في مسلميّ ، فتدبّر.

الثاني : لا يختصّ النّقص بالهن ، بل يجوز في الأب والأخ والحم بقلّة ، ومنه قول رؤبه [من الرجز] :

٧٣ ـ بأبه اقتدي عديّ في الكرم

ومن يشابه أبه فما ظلم (٢)

__________________

(١) لم يذكر قائله.

(٢) هو لرؤبة بن العجاج. اللغة : عدي : أراد به عدي بن حاتم الطائي ، اقتدي : يريد أنه جعله لنفسه قدوة فسار علي نهج سيرته.

١٣٦

وحكي أبو زيد : جاءني أخك ، والفرّاء : هذا حمك.

وقصرهنّ أولي من نقصهنّ كقوله [من الرجز] :

٧٤ ـ إنّ أباها وأبا أباها

قد بلغا في المجد غايتاها (١)

وقول بعضهم : مكره أخاك لا بطل ، وقولهم للمرأة حماها. حكاه الأصمعيّ.

الأفعال الخمسة : «و» أمّا «النّون» فتكون علامة للرفع ، نيابة عن الضّمّة «في» الفعل «المضارع المتّصل به ضمير رفع لمثنّى» ، وهو الألف ، سواء كان ذو الضمير حاضرا أو غالبا ، والنّون بعده مكسورة غالبا ، وقرئ : (أَتَعِدانِنِي) [الأحقاف / ١٧] بفتحها ، و: (تُرْزَقانِهِ) [يوسف / ٣٧] ، بضمّها ، «أو لجمع» وهو الواو كذلك ، «أو» لمؤنّثة «مخاطبة» وهو الياء ، والنون بعدها مفتوحة ، «نحو : يفعلان» بالياء المثنّاة التحتيّة للاثنين الغائبين ، «وتفعلان» بالتاء المثنّاة الفوقيّة للاثنين المخاطبين والتثنيتين المخاطبتين والغائبتين ، «ويفعلون» بالياء المثنّاة التحتيّة للجماعة الذكور الغائبين ، «وتفعلون» بالتاء المثنّاة الفوقيّة لجماعة الذكور المخاطبين «وتفعلين» للواحدة المخاطبة.

وتسمّي هذه الافعال الأمثلة الخمسة ، لأنّها ليست أفعالا بأعيانها ، كما أنّ الأسماء السّتّة أسماء بأعيانها ، وإنّما هي أمثلة يكنّى بها عن كلّ فعل كان بمترلتها ، فإنّ يفعلان كناية عن يذهبان ، ويستخرجان ، ونحوهما ، وكذلك البواقي.

وإنّما حسبوها خمسة (٢) نظرا إلى لفظها كما هو الأنسب بنظر الفنّ ، ولو عبّر المصنّف هنا بذلك ، ولم يصرّح بالضمير لكان أولى ، ليكون الألف والواو أعمّ من أن يكونا ضميرين ، نحو : الزيدان يفعلان ، والزيدون يفعلون ، أو علامتين ، نحو : يفعلان الزيدان ، ويفعلون الزيدون ، وأمّا ياء المخاطبة فلا تكون إلا ضميرا.

__________________

(١) هذا البيت نسب لأبي النجم العجلي ولرؤبه بن العجاج.

(٢) سقطت خمسة في «ح».

١٣٧

فصل في علامات النصب

ص : إكمال : علائم النصب خمس : الفتحة والألف والياء والكسرة وحذف النون ، فالفتحة : في الاسم المفرد والجمع المكسر والمضارع ، والألف : في الأسماء الستّة ، والياء : في المثنّى والجمع وملحقاتهما ، والكسرة : في الجمع المؤنّث السالم ، وحذف النون : في الأفعال الخمسة.

ش : فصل في علامات النصب ، «وعلائم النصب» وهو ما يحدثه عامله ، سواء كان العامل اسما أو فعلا أو حرفا «خمس» لا زائد عليها بالاستقراء أصالة ونيابة ، إحداها «الفتحة» ، وهي الأصل لما مرّ ، ولهذا لا يقوم غيرها مقامها إلا عند تعذّرها ، ومن ثمّ قدّمها ، «و» الثانية : «الألف» ، وهي فرع نائب عن الفتحة عند تعذّرها ، لكونها ناشئة عنها عند إشباعها ، فهي بنتها. «و» الثالثة : «الياء» وهي أيضا فرع نائب عند تعذّرها ، لكونها ، أخت الألف ، فنائب كأختها ، «و» الرّابعة : «الكسرة» ، وهي أيضا كذلك لكونها أصل الياء والّتي هي علامة النصب في بعض المواضع ، فنابت حملا على فرعها ، «و» الخامسة : «حذف النّون» ، وهو أيضا فرع نائب عن الفتحة عند تعذّرها ، لأنّه لمّا كان ثبوتها علامة للرفع ، لم يبق إلا أن يكون حذفها علامة للنصب ، ولكلّ من هذه العلامات مواضع تخصّه.

فأمّا «الفتحة» الّتي هي الأصل فتكون علامة للنصب «في» ثلاثة مواضع :

أحدها : «الاسم المفرد» المقدّم ذكره ، سواء كان منصرفا كرأيت زيدا ، أو غير منصرف ، كرأيت أحمد ، ظاهرة فيه الفتحة ، كما مرّ ، أو مقدّرة ، كرأيت موسى.

«و» الثاني : «الجمع المكسّر» المقدّم بيانه ، منصرفا كان ، كرأيت رجالا ، أو غير منصرف ، كدخلت مساجد ، ظاهرة فيه الفتحة ، كما مرّ ، أو مقدّرة ، كقوله تعإلى : (وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ) [النور / ٣٢].

«و» الثالث : «الفعل المضارع» ، إذا دخل عليه ناصب من نواصبه الأتي ذكرها ، ولم يتّصل مع ذلك بآخره شئ يوجب بناءه ، أو ينقل إعرابه كما مرّ ، صحيحا كان آخره ، نحو : لن يضرب أو معتلّا ، نحو : لن يخشى ، فالفتحة في هذا مقدّرة كما سيأتي بيانه.

«و» أمّا «الألف» فتكون علامة للنصب ، نيابة عن الفتحة «في» موضع واحد ، وهو «الأسماء الستّة» المقدّم ذكرها ، نحو : رأيت أباك إلى آخرها.

«و» أمّا «الياء» فتكون علامة للنصب ، نيابة عن الفتحة «في» موضعين وهما «المثنّى والجمع» المذكّر السالم المقدّم ذكرها «وملحقاتهما». وقد مرّ ذكرهما ، نحو :

١٣٨

رأيت الزيدين والزيدين ، بفتح ما قبل الياء في الأول ، وكسرها في الثاني ، ورأيت الرجلين كليهما والمراتين كلتيهما ، وعددت عشرين من الدارهم ، وقس على هذا.

«و» أمّا «الكسرة» فتكون علامة للنصب ، نيابة عن الفتحة «في» موضع واحد ، وهو «الجمع المونث السالم» المقدّم بيانه ، نحو : رأيت الهندات ، وحمل عليه أولات ، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه ، بل من معناه ، وهو ذات بمعنى صاحبة ، نحو : (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ) [الطلاق / ٦] ، وكتبت الواو بعد ألفه ، حملا على مذكّره ، أو لغوا ، وما سمّي به منه كعرفات.

وإنّما نصب هذا الجمع بالكسرة ، حملا للنصب على الجرّ كما في أصله ، وهو الجمع المذكّر السالم ، وقضية إطلاقه أنّ الكسرة علامة للنصب فيه ، وإن كان محذوف اللام ، كثبة (١) ولغة ، وهو ما ذهب إليه البصريّون ، وذهب بعضهم إلى أنّ المحذوف لامه ، إذا لم تردّ إليه اللام في حال الجمع ، ويكون نصبه بالفتح ، وابن مالك في التسهيل على أن ذلك لغة ، والكسرة فيه إعراب ، خلافا للأخفش والمبرّد ، في أنّها بناء.

«و» أمّا «حذف النون» فيكون علامة للنصب نيابة عن الفتحة عند تعذّرها «في» موضع واحد ، وهو «الأفعال الخمسة» المقدّم ذكرها ، نحو : الزيدان لن يفعلا ، وقس على هذا ، وأمّا قوله تعإلى : (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) [البقرة / ٢٣٧] ، فالواو فيه لام الكلمة ، والنّون ضمير النسوة عائد إلى المطلقات ، ووزنه يفعلن ، فلهذا لم يحذف عند دخول الناصب بخلاف قولك : الرجال يعفون ، فالواو فيه ضمير الجماعة المذكّرين ، والنّون علامة الرّفع ، فتحذف عند دخول الناصب ، فتقول : لن يعفوا : قال تعإلى : (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) [البقرة / ٢٣٧] ، وأصله تعفوون بواوين ، أولاهما لام الكلمة ، والثانية واو الجماعة ، فاستثقلت الضمّة على واو ، قبلها ضمّة ، وبعدها واو ساكنة ، فحذفت الضمّة ، فالتقى ساكنان ، وهما الواوان ، فحذفت الأولى ، ثمّ دخل الناصب ، فحذفت النون ، ووزنه يعفوا ، وإنّما اختصّت الأولي بالحذف دون الثانية ، لأنّها جزء الكلمة والثانية كلمة وحذف جزء أسهل من حذف كلّ ، ولأنّها آخر الفعل ، والحذف بالأواخر أولى ، ولأنّها لا تدلّ على معنى بخلاف الثانية ، وحذف ما لا يدلّ أولى من حذف ما يدلّ (٢).

__________________

(١) الثبة : من ثبي ـ الجماعة.

(٢) ما لا يدلّ «ط».

١٣٩

ولهذه الأوجه الثلاثة ، حذفوا لام الكلمة في غاز وقاض ونحوهما دون التنوين ، لأنه جيء به لمعنى ، وهو كلمة مستقلّة ، ولا يوصف بأنّه آخر ، ويريد وجها رابعا ، وهو أنّه صحيح ، والياء معتلّة ، قاله ابن هشام في شرح الشذور.

تنبيه : قال ابن هشام في شرح اللمحة (١) سمّيت الأفعال المذكورة خمسة على إدراج المخاطبتين تحت المخاطبين ، والأحسن أن تعدّ ستّة ، انتهى.

قال بعض المحقّقين وفيه بحث من وجهين : أحدهما ما قدّمناه من أنّ عدّها خمسة نظرا إلى اللفظ هو الأنسب بنظر الفن ، والثاني أنّ تسميتها خمسة ليس مبنيّا على إدراج المخاطبين فقط (٢) تحت المخاطبين ، بل على إدراج الغائبين أيضا تحت المخاطبين كما علم ممّا مرّ في علامات الرفع ، ومن هنا توجّه القدح في قوله : والأحسن أن تعدّ ستّة ، إذ الأحسن على رأيه بناء على ما بيّنا أن تعدّ سبعة ، تأمّل.

فصل في علامات الجرّ

ص : توضيح : علائم الجرّ ثلاث : الكسرة والياء والفتحة : فالكسرة في الاسم المفرد والجمع المكسّر المنصرفين والجمع المؤنّث السالم. والياء في الاسماء الستّة ، والمثنّي ، والجمع ، والفتحة في غير المنصرف.

ش : فصل في علامات الجرّ و «علائم الجرّ» ـ وهو ما يحدثه عامله ، سواء كان العامل حرفا أم اسما. «ثلاث» لا زائد عليها بالاستقراء أصالة ونيابة ، إحداها «الكسرة» ، وهي الأصل في بابها لما مرّ (٣) ، ولذا قدّمها ، «و» الثانية «الياء» ، وهي فرع نائب عن الكسرة عند تعذّرها ، لأنّها تنشأ عنها عند إشباعها ، فهي بنتها ، فقامت مقامها ، «و» الثالثة : «الفتحة» ، وهي أيضا فرع نائب عن الكسرة عند تعذّرها ، لأنّ الكسرة نابت عنها في جمع المؤنّث السالم فكافأتها هنا.

فأمّا «الكسرة» فتكون علامة للجرّ أصالة «في» ثلاثة مواضع : إحداها «الاسم المفرد و» الثاني «الجمع المكسّر» المقدّم ذكرهما «المنصرفين» بفتح ما قبل الياء صفة للمفرد والجمع ، وأمّا غير المنصرفين فجرّهما بالفتحة كما سيأتي.

__________________

(١) اللمحة ـ مختصر في النحو للشيخ أبي حيان محمد بن يوسف الأندلسي المتوفّى سنة ٧٤٥ ه‍ ، شرحه ابن هشام النحوي المتوفى سنة ٧٦٣. المصدر السابق ٢ / ١٥٦١.

(٢) سقطت فقط في «ح».

(٣) سقط مرّ في «س».

١٤٠

المراد بالمنصرف : والمراد بالمنصرف ما دخلة الصرف الّذي هو التنوين الدّالّ على الأمكنية ، وجرّ بالكسرة.

وقد تلخّص ممّا مرّ إلى هنا أنّ الاسم المفرد والجمع المكسّر المنصرفين يرفعان بالضّمّة ، وينصبان بالفتحة ، ويجرّان بالكسرة هذا هو الأصل ، نحو : جاء زيد ورجال ، ورأيت زيدا ورجالا ، ومررت بزيد ورجال ، وما عدا ذلك فرع ، كما اتّضح ويتّضح.

«و» الثالث : «الجمع المؤنّث السالم» ، فهو يرفع بالضّمّة ، وينصب ويجّر بالكسرة ، نحو : جاءت الهندات ، ورأيت الهندات ، ومررت بالهندات ، وكذا ما حمل عليه.

«و» أمّا «الياء» فتكون علامة للجرّ نيابة عن الكسرة «في» ثلاثة مواضع : أحدها «الأسماء السّتّة» المقدّم ذكرها ، فتلخّص أنّها ترفع بالواو ، وتنصب بالألف ، وتجرّ بالياء نيابة عن الحركات.

هذا هو المشهور من أقوال عشرة ، ذكرها أبو حيّان في الإرتشاف ، وشرحه على التسهيل ، وهو مذهب قطرب (١) والزياديّ (٢) والزجاجيّ من البصريّين وهشام من الكوفيّين.

وردّ بأنّ الإعراب زائد على الكلمة ، فيؤدّي إلى بقاء «فيك» و «ذي مال» على حرف واحد ، ولا نظير لذلك ، وأجاب الرّضيّ بأنّه لا محذور في جعل الإعراب من سنخ الكلمة لغرض التخفيف ، فيقتصر على ما يصلح للإعراب من سنخها ، كما اقتصر في المثنّى والمجموع على ما يصلح للإعراب من سنخها (٣) ، أعني علامة التثنية والجمع ، إذ هي من سنخ المثنّى والمجموع ، انتهى.

قالوا : وإنّما أعربت هذه الأسماء بالحروف ، لأنّهم لمّا أعربوا المثنّى والمجموع بالحروف ، أرادوا أن يجعلوا إعراب بعض الآحاد أيضا كذلك ، لئلا يكون بينهما وبين الآحاد منافرة تامّة ، ولأنّ الحروف وإن كانت فروعا للحركات إلا أنّها أقوي منها ، لأنّ كلّ حرف علّة كحركتين ، فكرهوا استبداد المثنّي والمجموع الفرعين عن المفرد بالاعراب بالأقوي ، فاختاروا هذه الأسماء ، وجعلوها معربة بالحروف ، ليكون في المفردات الإعراب بالأصل ، وهو الحركة ، وبالأقوي وهو الحرف.

__________________

(١) محمد بن مستنير أبو علي النحوي المعروف بقطرب ، له من التصانيف ، العلل في النحو ، إعراب القرآن ، المصنّف الغريب في اللغة ، مات سنة ٢٠٦ ، بغية الوعاة ١ / ٢٤٢.

(٢) إبراهيم بن سفيان أبو إسحاق الزيادي ، كان نحوّيا لعّويا راوية ، صنّف : النقط والشكل ، شرح نكت سيبويه. مات سنة ٢٤٩ ه‍ ، المصدر السابق ص ٤١٤.

(٣) هذه الجملة سقطت في «س».

١٤١

وإنّما اختاروا أسماء ستّة ، لأنّ إعراب كلّ من المثنّى والمجموع ثلاثة ، فجعلوا في مقابلة كلّ إعراب اسما ، وإنّما اختاروا هذه الأسماء الستّة كمشابهتما لهما في أنّ معانيها منبئة عن التعدّد كالاخ للأخ والأب للابن مع وجود حرف صالح للإعراب في أواخرها حين الإعراب سماعا بخلاف سائر الأسماء المحذوفة الأعجاز كيد ودم ، فإنّه لم يسمع فيها من العرب إعادة الحرف ، وخصّوا ما ذكر بحالة إضافتها لتقوّي المشابهة بظهور التعدّد.

وقال أبو حيّان : والصحيح أنّها معربة بحركات مقدّرة في الحروف ، وأنّها ما قبل الآخر وللآخر ، فإذا قلت : قام أبوك ، فأصله «أبوك» بوزن فرسك ، ثمّ اتبّعت حركة الباء لحركة الواو ، فصار أبوك ، فاستثقلت الضمّة على الواو فحذفت ، وإذا قلت : رأيت أباك ، فأصله أبوك ، بوزن فرسك. قيل : فتحرّكت الواو ، وانفتح ما قبلها ، فقبلت ألفا ، وقيل ذهبت حركة الباء لتتبع حركة الواو ثمّ انقلبت الواو ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها ، فإذا قلت : مررت بأبيك ، فأصله مررت بأبوك ، على وزن فرسك ، ثمّ اتّبعت حركة الباء لحركة الواو وفصارت بأبوك ، فاستثقلت الكسرة على الواو ، فحذفت ، وسكنت ، وقبلها كسرة ، فانقلبت ياء ، كما انقلبت في ميزان.

الكلام على ابنم وامرئ : قال : وهذا الاتّباع وجد نظيره في امرئ وابنم على أجود اللغتين فيهما فتقول : هذا ابنم وامرؤ ، ورايت امرء وابنما ، ومررت بابنم وامرئ.

وهذا مذهب البصريّين ، وذهب الكوفيّون إلى أنّ امرء وابنما معربان من مكانين ، فالحركة في الرّاء والنّون ليست اتباعا لحركة الهمزة والميم.

واللغة الأخري فيهما فتح الرّاء والنون في الأحوال الثلاثة ، ولم يسمع بتأنيث ابنم ، ولا بجمعه بالواو والنّون ولا بتكسيره ، قال : وهذا المذهب من اتّباع ما قبل الآخر للآخر هو مذهب سيبويه والفارسيّ والجمهور من البصريّين وأصحابنا ، انتهى.

قال الدمامينيّ : ولا خفاء بما في هذا التقدير من التكلّف للإتيان بما يوجب زيادة النقل من غير داع إليه.

ما وجد بيد إليهود بخط علي (ع) ، كتبه علي بن أبو طالب : تنبيه : لا يرد على ما تقرّر ما وجد بيد إليهود بخطّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) كتبه علي بن أبو طالب (١) قيل : لأنّ خطّه ذلك (ع) كان بالكوفيّ ، والياء فيه قريبة من الواو في الشكل ، فاشتبه

__________________

(١) كتبه علي بن أبو طالب سقطت في «ط».

١٤٢

على من قرأ خطّه (ع) الياء بالواو ، فظنّها واوا ، وإنّما هي ياء ، وهذا الخطّ المعروف الآن إنّما هو حادث. قال ابن خلّكان : أوّل من نقل هذه الطريقة من الخط الكوفيّ وأبزارها في هذه الصورة عليّ بن مقلة الوزير (١). انتهى.

وقيل بل هي ياء (٢) ، وهو محمول على الحكاية ، وعليه حديث قابل بن حجر من محمد رسول الله (ص) إلى شيخ المهاجرين أبو أمية (٣). قال ابن الورديّ (٤) في شرح النفحة الورديّة (٥) : وعندي أنّ الواو في أبو هنا إنّما هي تنبيه على الأصل في الخطّ ، ولا ينطق بها في اللفظ ، كالواو في الصلوة والزكوة ، فاعرفه فهو حسن ، انتهى.

وفي شرح الكافية لابن مالك : يمكن أن يكون من الحكاية ما كتب بواو في خطّ الصحابة ، فلان ابن أبو فلان بالواو ، كأنّه قال : فلان ابن المقول فيه أبو فلان.

والمختار عند المحقّقين أن يقرأ بالياء ، وإن كان مكتوبا بالواو ، كما تقرأ الصلوة والزكوة بالألف ، وإن كانتا مكتوبين بالواو وتنبيها على أن المنطوق منقلب عن واو ، انتهى.

وقال الشيخ خالد الأزهريّ (٦) في التصريح : وعندي أن تقرأ بالواو لوجهين : أحدهما أنّ الفرض أنّه محكيّ ، وقراءته بالياء تقوّي ذلك بخلاف الصلوة والزكوة ، فإنّهما غير محكيين. والثاني : أنّه يحتمل أن يكون وضع بالواو ، فيكون من استعمال الاسم على أوّل أحواله وذلك لا يغيّر ، انتهى.

«و» الثاني والثالث : «المثنّى والجمع المذكّر السالم» وملحقاتهما ، فتلخّص أنّ المثنّى يرفع بالألف والجمع بالواو ، وكلاهما يجرّان وينصبان بالياء نيابة عن الحركات الثلاث ، وكذا ملحقاتهما ، وإنّما أعربا بذلك ، أعني بالحروف ، لأنّهما فرعا الواحد ، وفي آخرهما حرف يصلح للإعراب ، وهو علامة التثنية والجمع ، فناسب أن يجعل ذلك الحرف إعرابهما ، ليكون إعرابهما (٧) فرعا لإعرابه ، كما أنّهما فرعان له ، لأنّ الإعراب بالحروف فرع الإعراب بالحركات ، واختصّ المثنّى في الرفع بالألف ، والمجموع فيه

__________________

(١) ما وجدت ترجمه حياته.

(٢) في «ح» هي واو.

(٣) أبي أميّة في «ح».

(٤) ابن الوردي هو زين الدين عمر المعروف بابن الوردي ولد ٦٨٩ ه‍ في معّرة النعمان في عهد الانحطاط ، وكتب في التاريخ والنحو والشعر ، وتوّفي في حلب سنة ٧٤٩ ه‍. الجامع في تاريخ الادب العربي ١ / ١٠٤٨.

(٥) النفحة الوردية ـ في النحو ، منظومة لابن الوردي شرحها عبد الشكور. كشف الظنون ٢ / ١٩٦٩.

(٦) خالد بن عبد الله الأزهري ، نحوي من أهل المصر ، له «المقدمة الأزهرّية في العربية» و «موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب» و «التصريح بمضمون التوضيح» و... مات سنة ٩٠٥ ه‍. الأعلام للزركلي ٢ / ٣٣٨.

(٧) ليكون إعرابها محذوف «ط».

١٤٣

بالواو ، لأنّ المثنّى أكثر دورانا في الكلام من الجمع والألف خفيفة ، والواو ثقلية بالنسبة إليه (١) فجعلوا الخفيف في الكثير والثقيل في القليل ، ليكثر في كلامهم ما يستخفّون ويقلّ ما يستثقلون.

قاله ابن أياز (٢) في شرح الفصول : وفيه نظر إذ لقائل أن يقول : لم لم يجعلوا الألف علامة للنصب أو الجرّ في المثنّى ، والواو كذلك في الجمع مع بقاء هذا التعليل ، فيحتاج إلى تعليل آخر ، نعم هذا يصلح تعليلا لجعل الألف علامة للتثنية والواو علامة للجمع ، والصواب أن يقال : «إنّما أعرب المثنّى والمجموع هذا الاعراب المعيّن ، أي بالألف في المثنّى والواو في المجموع رفعا ، والياء فيهما جرّا ونصبا ، لأنّ الألف كان قد جلب قبل الإعراب في المثنّى علامة للتثنية والواو في الجمع علامة للجمع ، وهما يصلحان للإعراب كما مرّ ، وأسبق إعراب الرفع ، لأنّه علامة العمدة ، فجعلوا ألف المثنّى وواو المجموع علامة للرفع فيهما ، فلم يبق إلا الياء للجرّ والنصب فيهما ، والجرّ أولي بها ، إذ علامته الأصلية الكسرة ، وهي بعض الياء ، وحمل عليه النصب ، لكونها علامتي الفضلات.

وفرّق ما بين المثنّى والمجموع بأن فتحوا ما قبل الياء في التثنية لخفّة الفتحة وكثرة المثنّى ، وكسروه في الجمع لثقل الكسرة وقلّة المجموع ، وكسرت النون المزيدة لرفع توهّم إضافة أو افراد في المثنّى ، لأنّها ساكنة في الأصل ، والأصل في تحريك الساكن أن يكون بالكسرة ، وفتحت النون المزيدة أيضا لدفع توهّم إضافة أو افراد في الجمع للفرق في نحو المصطفين وطرد الباب في الباقي.

حدّ ما لا ينصرف : «و» أمّا «الفتحة» فتكون علامة للجرّ نيابة عن الكسرة عند تعذّرها «في» موضع واحد ، وهو «غير المنصرف» ، ويقال : ما لا ينصرف ، وهو ما فيه علّتان مؤثّرتان من علل تسع ، أو واحدة تقوم مقام العلّتين ، وسيأتي بيانها إن شاء الله تعإلى في آخر الحديقة الثانية ، سواء كان مفردا أو جمع تكسير كقوله تعالى : (وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ) [النساء / ١٦٣] ، و (يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ) [سباء / ١٣] ، وإذا دخلت عليه أل أو أضيف ، جرّ بالكسرة ، كما سيأتي ، نحو : (وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ) [البقرة / ١٨٧] ، (خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين / ٤].

__________________

(١) سقط إليه في «س وط».

(٢) جمال الدين أبو محمد حسين بن بدر بن أياز بن عبد الله النحوي المتوّفى سنة ٦٨١ ، من تصانيفه : قواعد المطارحة ، والإسعاف في الخلاف ، وله شرح فصول ابن معط. بغية الوعاة ١ / ٥٣٢.

١٤٤

الكلام على عرفات : تنبيهات : الأوّل : قيل يرد عليه نحو : عرفات من قوله تعإلى : (فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ) [البقرة / ١٩٨] لكونه غير منصرف ، وجرّه بالكسرة ، وقد يجاب بأنّا لا نسلم أنّ عرفات غير منصرف ، بل منصرف كما صرّح به الزمخشريّ وغيره ، أو يوصف بالانصراف وعدمه ، كما ذهب إليه بعضهم ، قاله الدمامينيّ في شرح التسهيل.

قال بعض المحقّقين : والأوجه أن يجاب بأن الغرض ، كما هو ظاهر ، بيان غير منصرف من حيث إنّه غير منصرف ، وجرّ مثل عرفات بالكسرة على القول : بأنّه غير منصرف ، كما ذهب إليه الجمهور ، واختاره ابن الحاجب وابن مالك وغيرها ليس من هذه الحيثيّة ، بل هو من حيث إنّه كان في الأصل يجرّ بالكسرة ، فقصد استصحاب ذلك الحكم ، انتهى.

الثاني : قال بعضهم : الّذي لا يندفع مثل جوار من نحو : مررت بجوار ، فإن الفتحة ليست علامة للجرّ نيابة عن الكسرة لا لفظا ولا تقديرا ، وإلا كان مفتوحا لفظا لخفّته ، انتهى.

وأجيب بأنّ الفتحة مقدّرة ، وإن كانت في نفسها خفيفة ، لكنّها لمّا كانت هنا نائبة عن الكسرة الّتي حقّ هذه الكلمة أن تعرب بها ، والكسرة على الياء ثقيلة بلا شكّ ، أعطي نائبها ، وهو الفتحة ، حكمها في الاستثقال ، فقدّرت على أنّ المفهوم من كلام المصنّف ، فيما سيأتي ، أنّ المقدّر هنا في حالة الجرّ هي الكسرة لا الفتحة ، كما ستراه.

علامة الجزم

ص : وعلامتها الجزم : السكون ، والحذف ، فالسكون في المضارع صحيحا ، والحذف فيه معتلا ، وفي الأفعال الخمسة.

ش : «وعلامتا الجزم» وهو حذف الحركة أو الحرف للجازم اثنتان (١). أصالة ونيابة ، إحداهما : «السكون» وهو حذف الحركة ، وهو الأصل ، لذا قدّمه. والثانية : الحذف وهو إسقاط حرف العلة أو النون للجازم ، وهو فرع نائب عن السكون ، إذ الأصل في الإعراب أن يكون بالحركات أو بالسكون ، ومتى كان بالحروف أو «بالحذف» كان على خلاف ذلك.

__________________

(١) سقط اثنتان في «ح».

١٤٥

الصحيح والمعتلّ في اصطلاح النّحويّين والصرفيّين : فأمّا «السكون» فيكون علامة للجزم أصالة لفظا أو تقديرا «في» موضع واحد ، وهو الفعل «المضارع» حال كونه «صحيحا» وهو في اصطلاح النّحويّين ما ليس لامه حرف علّة ، أي واوا أو ألفا أو ياء ، ولذلك لم يحتج إلى ذكر الآخر بل لا يصحّ ذكره.

نعم يتّجه ذلك على اصطلاح الصرفيّين ، فإنّ الصحيح عندهم ما ليس أحد أصوله حرف علّة ، سواء كان فاء أو عينا أو لاما ، وسمّيت هذه الأحرف أحرف علّة ، لأنّ من شأنها أن ينقلب بعضها إلى بعض ، وحقيقة العلّة تغيير الشئ عن حالة ، وقيّده بذلك لإخراج المعتلّ ، فإنّ حكمه سيأتي ، وينبغي تقييده أيضا بكونه غير متّصل به شىء ممّا مرّ ، نحو : (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) [الإخلاص / ٤] ، و (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ) [البينة / ١].

«و» أمّا «الحذف» فيكون علامة للجزم نيابة عن السكون في موضعين : أحدهما «فيه» ، أي في الفعل المضارع حال كونه «معتلّا» ، وهو في اصطلاح النّحويّين ما لامه حرف علّة ، ولذلك لم يحتج إلى ذكر الآخر كما مرّ بخلافه في اصطلاح الصرفيّين ، فإنّه ما أحد أصوله حرف علّة ، وإنّما جزم بحذف الآخر نيابة عن السكون ، لأنّ أحرف العلّة لضعفها بسكونها صارت كالحركات في الخفّة ، فتسلّط عليها العامل تسلّطة على الحركات ، وذلك نحو : لم يغز ولم يخش ولم يرم ، بحذف آخرهنّ ، والحركات أدلّة عليهنّ.

وأمّا قوله تعإلى : (لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى) [طه / ٧٧] بإثبات الألف ، فمؤوّل بحذف الالف الّتي هي لام الفعل (١) ، وهذه الألف ألف أخري ، جئ بها للفواصل كما في : (الظُّنُونَا) [الأحزاب / ١٠] ، و (السَّبِيلَا) [الأحزاب / ٦٧] ، قاله السيرافيّ. قال ابن هشام : إنّ لاء الثانية نافية ، فالواو للاستيناف أي : وأنت لا تخشى ، وأما قوله [من البسيط] :

٧٥ ـ هجوت زبّان ثمّ جئت معتذرا

من هجو زبّان لم تهجو ولم تدع (٢)

وقوله [من الوافر] :

٧٦ ـ ألم يأتيك والأنباء تنمي

بما لاقت لبون بني زياد (٣)

وقوله [من الرجز] :

٧٧ ـ إذا العجوز غضبت فطّلق

ولا ترضّاها ولا تملّق (٤)

__________________

(١) باثبات الالف الّتي هي لام الفعل «ح».

(٢) هو لزبان بن العلاء. اللغة : هجوت : شتمت.

(٣) هو مطلع قصيدة لقيس بن زهير : اللغة : الأنباء : جمع النباء : الخبر ، تنمي : ترتفع وتنشر ، اللبون : ذات اللبن ، أي الإبل.

١٤٦

فضرورة : قدر لأجلها الجزم في الجميع على حرف العلّة ، لأنّه آخر الكلمة ، وهو محلّ الإعراب ظاهرا ومقدّرا ، قاله ابن مالك ، وقيل : هذه الأحرف إشباع ، والحروف الأصليّة محذوفة للجازم.

تنبيهات : الأوّل : ما ذكره من أنّ علامة الجزم في الأفعال المذكورة حذف حرف العّلة ، إنّما يتمشّى على قول ابن السراج ومتابعيه ، من أنّ هذه الأفعال لا يقدّر فيه الإعراب بالضّمة في حالة الرفع والفتحة في حالة النصب ، وعلّل ذلك بأنّ الإعراب إنّما قدّرناه في الاسم ، لأنّه فيه أصل ، فتجب المحافظة عليه ، وأمّا الفعل فهو فيه فرع فلا حاجة لتقديره فيه ، وجعل الجازم كالدواء المسهّل ، إن وجد فضلة أزالها ، وإلا أخذ من قوي البدن.

وذهب سيبويه إلى تقدير الإعراب فيها ، فعليه لمّا دخل الجازم حذف الحركة المقدّرة ، واكتفى بها ، ثمّ لمّا صارت صورة المجزوم والمرفوع واحدة فرّقوا بينهما بحذف حرف العلّة ، فحرف العلّة محذوف عند الجازم لا به.

وعلى قول ابن السراج الجازم حذف حرف العلّة نفسه ، فظهر أنّ من يقول بعدم التقدير يقول : إنّ الجزم بحذف حرف العلّة ، ومن يقول بالتقدير يقول : إنّ الجزم ليس بحذف الآخر بل بحذف الحركة ، وحذف الآخر للفرق ، نبّه عليه ابن هشام وغيره ، فقول المصنّف هنا إنّ الحذف علامة الجزم ، أي الجزم به لا يناسب ما ذهب إليه فيما سيأتي عن قريب ، إن شاء الله تعالى ، من أنّ الفعل المضارع مقدّر فيه الإعراب ، فتدبّر.

الثاني : إذا كان حرف العلّة بدلا من همزة كيقرأ ، مضارع قرأ ، ويقرئ مضارع أقرأ ، ويوضؤ مضارع وضؤ بضمّ الضّاد المعجمة بمعنى حسن وجمل جاز فيه وجهان : حذف حرف العلّة مع الجازم وبقاؤه ، وهذان الوجهان مبنيّان على أنّ إبدال حرف العلّة هل هو بدل قياسيّ أو غير قياسيّ ، فإن قلنا : إنّه قياسيّ ثبت حرف العلّة مع الجازم ، لأنّه همزة كما كان قبل البدل ، وإن قلنا : إنّه بدل غير قياسيّ صار حرف العلّة متمحّضا ، وليس همزة فيحذف ، كما يحذف حرف العلّة المحض في يغزو ويخشى ويرمى ، قاله ابن النحاس. وقال ابن هشام في الأوضح : إن كان الإبدال بعد دخول الجازم فهو قياسيّ ، ويمتنع حينئذ الحذف لاستيفاء الجازم مقتضاه ، وإن كان قبله فهو إبدال شاذّ ، ويجوز مع الجازم الإثبات والحذف بناء على عدم الاعتداد بالعارض وهو الأكثر والاعتداد به ، انتهى.

١٤٧

وما ذكره من جواز الأمرين ، هو قول ابن عصفور ، والصحيح القول بوجوب الإثبات ، وهو ما عليه الأكثرون ، فلا ينافي ذلك ما اقتضاه كلام المصنّف هنا لاحتمال بنائه على هذا القول.

والثاني (١) : «وفي الأفعال الخمسة» ، يعني الأمثلة الخمسة المقدّم ذكرها ، فتلخّص أنّها ترفع بثبوت النون ، وتنصب وتجزم بحذفها ، نحو : يفعلون ولم يفعلوا ، ولن تفعلوا ، حملوا النصب على الجزم كما حملوه على الجرّ في المثنّى وجمع المذكّر السالم ، لأنّ الجزم نظير الجرّ في الاختصاص ، ويفعلان كالزيدان ، ويفعلون كالزيدون.

وقد استعمل المصنّف في تعداد هذه العلامات ، وذكر مواضعها ما فعله صاحب الاجرومية. قيل : وهي من أرذل العبارت لما فيها من تشويش الخاطر على المبتدئ بكثرة التكرار ، وكان الأولى أن يبيّن ما جاء على غير الأصل ، ويترك ما جاء على الأصل إذ أمره بيّن كما فعله أكثر المؤلّفين في مختصراتهم ومطوّلاتهم.

فصل في الإعراب التقديري

ص : فائدة : تقدير الإعراب في سبعة مواضع ، كما هو المشهور ، فمطلقا في الاسم المقصور : كموسي والمضاف إلى الياء كغلامي ، والمضارع المتّصل به نون التأكيد غير مباشرة ، كيضربان ، ورفعا وجرّا في المنقوص كقاض ، ورفعا ونصبا في المضارع المعتلّ بالألف كيحيى ، ورفعا في المضارع المعتلّ بالواو والياء كـ «يدعو» و «يرمي» والجمع المذكّر السالم المضاف إلى ياء المتكلّم كمسلميّ.

ش : هذا فصل في الإعرب التقديريّ ، تعرّض لتعيين المقدّر إعرابه لإمكان ضبطه فيبقي ما عداه ظاهر الإعراب. «تقدير الإعراب» حركة كان كان أو حرفا «في سبعة» أشياء من اسم أو فعل «كما هو المشهور» أي على ما هو المشهور عند النّحويّين ، وأمّا غير المشهور ففوق السبعة كما سنبيّنه.

«فمطلقا» أي فيقدّر تقديرا مطلقا ، أو حال كونه مطلقا ، أو زمانا مطلقا ، أي في الحالات الثلاثة : الرّفع والنصب والجرّ (٢) ، أو الرفع والنصب والجزم.

الاسم المقصور : فالثلاث الأوّل «في الاسم المقصور» ، وهو كلّ اسم معرب بالحركات ، آخره ألف لازمة ، قبلها فتحة «كموسى» لتعذّر تحريك الألف مع بقاء

__________________

(١) سقط الثاني في «ح».

(٢) في «س» الجزم.

١٤٨

كونها ألفا ، وسمّي مقصورا من القصر لامتناع مدّه ، أو لأنّه مقصور عن الحركة. والقصر الحبس ، قال الرّضيّ : والأوّل أولي ، لما يلزم على هذا من إطلاق المقصور على المضاف إلى الياء ، انتهى.

وجه المناسبة لا يوجب التسمية : وظاهر أنّ المراد من قوله : يلزم اللزوم بحسب الظاهر دون التحقيق ، لأنّ ما ذكر وجه مناسب للتسمية ، ووجه المناسبة لا يوجب التسمية كما هو مشهور.

قال صاحب المفتاح : واعتبار التناسب في التسمية مزّلة أقدام ، وربّما شاهدت فيها من الزلل ما تعجّبت ، فإيّاك والتسوية بين تسمية إنسان له حمرة بأحمر وبين وصفه بأحمر أن تزلّ ، فإنّ اعتبار المعنى في التسمية لترجيح الاسم على غيره حال تخصيصه بالمسمّى ، واعتبار المعنى في الوصف لصحّة إطلاقه عليه ، فأين أحدهما عن الأخر ، انتهى.

وقال بعضهم : لك أن تجعل المقصور من القصر كعنب خلاف الطول ، فإنّ الممدود طويل بالنسبة إلى المقصور.

تنبيه : في تمثيلة بموسي إشارة إلى اختياره قول ابن فلاح إليمنيّ من أنّ المقصور غير المنصرف يعرب بالحركات الثلاث تقديرا ، قال : لأنّ الكسرة إنّما امتنعت فيما لا ينصرف كأحسن للثّقل ، ولا ثقل مع التقدير ، والّذي عليه الجمهور أنّ إعرابه بالحركات الثلاث مقدّرة مخصوص بالمنصرف منه (١) أما غير المنصرف منه كـ «موسى» ، فالمقدّر فيه الضّمّة والفتحة فقط ، دون الكسرة لعدم دخولها فيه وفي الاسم المعرب بالحركات.

الاسم المضاف إلى الياء كغلامي : «والمضاف إلى الياء كغلامي» لالتزامهم الإتيان بحركة قبل الياء تجانسها هي الكسرة ، فإذا استحقّ الاسم الإعراب بالتركيب لم يمكن المجيء (٢) بحركات الإعراب ، إذ لا يقبل المحلّ الواحد في الآن الواحد حركتين متماثلتين أو مختلفتين. وبهذا يردّ على ابن مالك في دعواه أنّ الكسرة لم تقدّر في حالة الجرّ ، بل هي إعراب لأنّها تستحقّه قبل التركيب ، كذا قال غير واحد.

قال بعض المحقّقين المتأخّرين : وفي الحكم بتقدّم كسرة المناسبة مع تقدّم عامل الجرّ حسّا نظر. قال الدّمامينيّ في شرح التسهيل : وينبغي لابن مالك إذ زعم في نحو : غلامي ،

__________________

(١) بالمنصرف منه كموسى «ح».

(٢) لم يكن المجئ «ح».

١٤٩

أنّ الجرّ فيه ظاهر ، أن يقول في نحو : مسلماتي ، أي ما جمع بألف وتاء مزيدتين أنّه في حال النصب كذلك ، انتهى.

وذهب الجرجانيّ وابن الخشاب (١) والمطرزيّ (٢) ، ونقله الرضي عن النحاة أنّ نحو : غلامي مبنيّ لإضافته إلى المبنيّ ، والحقّ أنّه معرب مقدّر الإعراب ، كما ذهب إليه المصنّف وفاقا للمحقّقين بدليل إعراب نحو : غلامه وغلامك وغلاماي ، والإضافة إلى المبنيّ مطلقا ليست من أسباب البناء.

وقال أبو البقاء في اللباب : ذهب قوم إلى أنّه غير مبنيّ ، إذ لا علّة فيه توجب البناء ، وغير معرب إذ لا يمكن ظهور الإعراب فيه مع صحّة إعرابه وسمّوه خصيّا ، والّذي ذهبوا إليه فاسد ، لأنّه معرب عند قوم ، ومبنيّ عند آخرين ، على أنّ تسميتهم إياه خصيّا خطأ ، لأنّ الخصيّ ذكر حقيقيّ ، وأحكام الذكور ثابتة له ، وكان الأشبه بما ذهبوا إليه أن يسمّوه خنثى مشكلا ، انتهى.

«و» تقدّر الثلاث الآخر ، وهي الرّفع والنصب والجزم «في المضارع المتّصل به نون تأكيد غير مباشرة كيضربان» من نحو قولك : هل تضربانّ ، وأن لا تضربانّ ولا تضربانّ يا زيدان ، مقدّرا في كلّ ذلك الإعراب ، هذا مفهوم كلامه ، وهو سهو منه ، رحمه الله.

فإنّ الإعراب إنّما يقدّر في الصورة الأولي فقط ، وهي قولنا : هل تضربانّ ، فإنّه المقدّر فيه ثبوت النون ، والأصل هل تضرباننّ بثلاث نونات. الأولى : نون الرفع ، والثانية : نون التأكيد الثقيلة ، حذفت نون الرفع لثقل اجتماع النونات ، فحيث حذفت قدّر ثبوتها ، لأنّها علامة الرفع بخلاف نحو : أن لا تضربانّ من قولك : أمرتكما يا زيدان أن لا تضربانّ عمرا ، فأنّ أصله قبل دخول الناصب «لا تضربان» بتخفيف نون الرفع ولا نافية ، فدخل الناصب فحذفت نون الرفع علامة للنصب ، ثمّ أكّد بالنون الثقيلة ، وجاز تاكيده بها لمكان لا النافية ، فإنّه يجوز تأكيده بها لمكان لا النافية ، فإنّه يجوز تاكيده بها بعدها بقّلة كما مرّ ، وكذا نحو : لا تضربانّ.

__________________

(١) عبد الله بن أحمد ابن الخشاب أبو محمد النحوى ، كان أعلم أهل زمانه بالنحو ، صنّف : شرح الجمل للجرجاني ، الرّد على الحريريّ في مقاماته و... توفّي سنة ٥٦٧ ه‍. المصدر السابق ٢ / ٢٩.

(٢) ناصر بن سعيد ابو الفتح النحويّ الأديب المشهور بالمطرزّي من أهل الخوارزم ، برع في النحو واللغة والفقه ، صنّف : شرح المقامات ، الاقناع في اللغة ، مختصر المصباح في النحو و... مات سنة ٦١٦ ه‍. المصدر السابق ص ٣١١.

١٥٠

المضارع المتّصل به نون تأكيد غير مباشرة : وحرّكت نون التاكيد في الصور الثلاث لالتقاء الساكنين الألف والنون المدغمة ، ولم تحذف الألف لئلا يلتبس بفعل الواحد ولا النّون لفوات المقصود منها وحرّكت بالكسر تشبيها بنون التثنية الواقعة بعد الألف وقد ظهر أنّ المضارع المتّصل به نون تأكيد غير مباشرة لا يقدّر فيه إلا الرفع فقط بخلاف النّصب والجزم ، فإنهما فيه لفظيّان.

واحترز بقيد غير المباشرة عن المباشرة ، فإنّ الفعل مبنيّ معهما كما مرّ ، وأظنّ المصنّف تبع في هذا السهو ابن هشام في الأوضح ، لكنّ ابن هشام لم يذكر التقدير إلا في صورة الجزم ، والمصنّف قاس النصب عليه على أنّ تأكيد المضارع بالنون بعد الناصب غير مسموع ، ولا يجوز إلا في نحو المثال الّذي ذكرناه على تقدير أن تكون لا نافية وأن مصدريّة ، وإلا فيجوز تقديرها ناهية ، فتكون أن مفسّرة ، لا مصدريّة ، فيجب الجزم حينئذ ، ويجوز الرفع أيضا على تقدير (١) لا نافية وأن مفسّرة.

تتمة : ويقدّر الإعراب بالحركات مطلقا أيضا ، أعني الرفع والنصب والجرّ في الاسم الّذي يسكن آخره للإدغام ، كجاء قاضيّ ، ورأيت قاضيّ ، ومررت بقاضيّ ، بكسر الضّاد وتشديد الياء المفتوحة في الثلاث ، والأصل قاضيي بياء محركة وساكنة ، أدغمت إحداهما في الأخري ، فالمانع من ظهور الحركة استحالة ظهورها لوجود إدغام حرف الاعراب ، فسكونه واجب ، إذ المدغم لا يكون إلا ساكنا.

ومثّل أبو حيّان للمدغم في حالة الرّفع بنحو : (وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ) [البقرة / ٢٥١] بإدغام دال داود في جيم جالوت ، فداود مرفوع بضّمّة مقدّرة ، وفي حالة النصب بنحو : (وَتَرَى النَّاسَ سُكارى) [الحج / ٢] ، بإدغام السّين في السّين ، فالناس منصوب بفتحة مقدّرة ، وفي حالة الجرّ بنحو : (وَالْعادِياتِ ضَبْحاً) [العاديات / ١] بإدغام التاء في الضاد ، فالعاديات مجرور بكسرة مقدّرة.

وتقدّر أيضا في الحكايات على قول البصريّين ، نحو : من زيد ، لمن قال : جاء زيد ، ومن زيدا ، لمن قال : رأيت زيدا ، ومن زيد ، لمن قال : مررت بزيد.

وتقدّر مطلقا في الحروف في نحو : جاءني أبو القوم ، ورأيت أبا القوم ، ومررت بأبي القوم ، بأنّه لمّا أسقطت حروف الإعراب عن اللفظ بالتقاء الساكنين لم يبق الإعراب لفظيّا ، بل صار تقديريا ، وهذه الصور الثلاث زيادة على السبعة الّتي ذكرها المصنّف ، وظاهر كلامة أنّها غير مشهورة ، وليس كذلك.

__________________

(١) سقط تقدير في «س».

١٥١

الاسم المنقوص : «و» تقدير الإعراب «رفعا وجرّا» أي في حالة الرفع والجرّ لا غير ، كائن «في» الاسم «المنقوص» ، وهو كلّ اسم معرب بالحركات ، آخره ياء لازمة بعد كسرة ، كقاض ، تقول : جاء قاض ، ومررت بقاض ، مقدّرا الضّمّة والكسرة لاستثقالهما على الياء ، وأمّا الفتحة فتظهر لخفّتها عليها ، نحو (فَلْيَدْعُ نادِيَهُ) [العلق / ١٧] ، وينبغي على رأي ابن فلاح ومختار المصنّف كما أفهمه ما مرّ من تمثيله بموسى أن يكون هنا فرق بين ما كان على صيغة منتهي الجموع وغيره في أنّ الكسرة هي المقدّرة كما تقدّم في المقصور ، فتأمّل.

وأمّا على مذهب الجمهور فلا يقدّر فيما كان على صيغة منتهي الجموع إلا الضّمّة والفتحة ، وأمّا الكسرة فلا ، لعدم دخولها فيه.

قالوا : وإنّما لم تظهر الفتحة فيه لنيابتها عن حركة ثقيلة كما تقدّم ، وقد جاء ظهورها عن بعض العرب ، قال الفرزدق [من الطويل] :

٧٨ ـ فلو كان عبد الله مولى هجوته

ولكنّ عبد الله مولى مواليا (١)

وهي لغة قليلة ، واختارها يونس (٢) والكسائيّ ، وسمّي هذا الاسم منقوصا لكونه نقص بعض الحركات منه ، وقيل لحذف لامه بسبب التنوين.

تنبيه : قال ابن هشام في بعض كتبه : يستثنى من هذه القاعدة منقوص ، هو أول جزئين ، جعل مجموعهما اسما واحدا على لغة من جعلها اسمين متضايفين نصّ عليه من النحاة أبو علي وعبد القاهر وغيرهما لثقل التركيب.

قال أبو حيّان : ما أعرب من مركّب إعراب متضائفين وآخر أوّلهما ياء نحو : رأيت معدي كرب ، ونزلت قالى قلا (٣) ، فإنّه يقدّر في آخر الأوّل منهما الفتحة في حالة النّصب بلا خلاف استصحابا لحكمة في حالتي البناء ومنع الصرف ، انتهى.

فإن قلت : هذه الصورة واردة على كلام المصنّف. قلت : لا ورود ، إذ لا منقوص في ذلك على التحقيق ، كما يظهر بتأمّل تعريفه السابق ، وأمّا استثناء ابن هشام فبناء على الظاهر دون نفس الأمر ، قاله بعض المحقّقين.

__________________

(١) اللغة : عبد الله هو عبد الله بن أبي اسحاق الزياديّ الخضري.

(٢) يونس بن جيب الضبيّ ، بارع في النحو من أصحاب أبي عمرو بن العلاء ، وله القياس في النحو ، ومذاهب يتفرّد بها ومات سنة ١٨٢ ه‍ ق ، المصدر السابق ٣٦٥.

(٣) قالى قلا : اسمان جعلا واحدا. لسان العرب ، ٣ / ٣٣١٢.

١٥٢

الفعل المضارع المعتلّ الألف كيحيا : «ورفعا ونصبا» أي في حالّتي الرفع والنصب لا غير كائن «في» الفعل «المضارع المعتل» بالالف لتعذّر تحريكها كيحيا ويخشى ، وأمّا الجزم فقد مرّ بيانه.

كتابة نحو يحيا والفرق بينه علما وفعلا : تنبيه : كلّ ألف رابعة فصاعدا سبقت بياء تكتب بالالف ، سواء كانت منقبلة عن ياء أو واو كـ «يحيا» وأحيا والدنيا ، كراهة اجتماع اليائين ، إلا في يحيي علما ، فإنّها تكتب بالياء للعلمية ، ولا يقاس عليه علم مثله ، وقيل للفرق بينه فعلا وبينه اسما ، وإنّما لم يعكسوا لأنّ الاسم أخفّ من الفعل فكان أحمل للاجتماع المثلين ، قيل : ويبتني (١) على هذا الخلاف ، الخلاف في كتابته بعد التنكير ، فإن علّلناه بالعلميّة كتبناه بالألف لأنّه قد زالت علميّته ، وإن علّلناه بالفرق كتبناه بالياء ، لأنّ الاسميّة موجودة فيه ، انتهى ، وفيه بحث ، فقد مرّ عن بعض المحقّقين أنّ العلم المنكّر باق على تعريفه وعلميّته ، فراجعه.

المضارع المعتلّ بالواو أو الياء : «ورفعا» أي في حالة الرفع فقط كائن «في» الفعل «المضارع المعتل بالواو أو الياء» لثقل الضمّة عليهما كـ «يدعو» و «يرمي» ، وأمّا في حالة النصب فلا يقدّر لخفّة الفتحة فتظهر ، وقد تظهر الضّمّة في الضرورة كقوله [من الطويل] :

٧٩ ـ إذا قلت علّ القلب يسلو قيّضت

هواجس لا تنفكّ تغريه بالوجد (٢)

وقوله [من الطويل] :

٨٠ ـ فعوّضني عنها غنائي ولم تكن

تساوي عنزي غير خمس دراهم (٣)

وقد تقدّر أيضا الفتحة كقوله [من الطويل] :

٨١ ـ وما سوّدتني عامر عن وراثة

أبى الله أن أسمو بأم ولا أب (٤)

تنبيه : قد مرّ أنّ من يقول بتقدير الحركات في المعتلّ ، يقول : إنّ جزمه بحذف الحركة ، ومن يقول بعدم تقديرها فيه يقول : أنّ جزمه بحذف آخره ، والمصنّف جمع بين

__________________

(١) ينبغي و «س».

(٢) لم يذكر قائله. اللغة : يسلو : ينكشف ، ينسي. الهواجس : جمع الهاجس بمعنى الخاطر.

(٣) لم يسمّ قائله.

(٤) هذا البيت لعامر بن الطفيل. اللغة : أسمو : مضارع سما بمعنى علا وارتفع.

١٥٣

دعوي (١) تقدير الحركة ، وحذف الحرف للجازم ، وهو في ذلك مخالف للقولين جميعا ، وقد تبع في ذلك ابن هشام في أكثر مؤلفاته.

جمع المذكّر السالم المضاف إلى الياء : «و» في «جمع المذكّر السالم المضاف إلى الياء كمسلميّ» ، لأنّ علامة الرفع فيه الواو ، وقد أبدلت في حالة الرفع بالياء ، وذلك لأنّ أصله «مسلموي» اجتمعت الواو والياء ، وسبقت إحداهما بالسكون ، فقلبت ياء ، وأدغمت الياء في الياء ، وكسر ما قبل الياء اتماما للتخفيف ، فلمّا لم تبق الواو لفظا ، قدّرت ضرورة.

ولا يجوز الحكم بأنّ هذه الياء المنقلبة عن الواو علامة الرفع ، كما كانت علامة الجمع ، لأنّ كون الواو علامة الجمع من حيث هي حرف لين وهو باق وعلامة الرفع من حيث الخصوصيّة الواو وهو زائل بالابدال.

وأمّا في حالتي النصب والجرّ فإعرابه لفظيّ ، نحو : رأيت مسلميّ ، ومررت بمسلميّ ، لأنّ الياء الّتي بها إعرابه في هاتين الحالتين ثابتة لفظا ، غاية ما هناك أنّها مدغمة فيما بعدها ، والإدغام لا يخرج الحرف عن حقيقته بخلاف الإبدال.

فإن قيل : خصوصية الواو وإن لم تبق لكن بقي بدلها وهو خصوصيّة الياء فلم لا يجوز أن يكون معربا بالإعراب اللفظيّ في حالة الرفع لوجود بدل خصوصيّة الواو كما أنّهم حكموا على غير المنصرف وعلى جمع المؤنّث السالم في النصب بالإعراب اللفظيّ لوجود البدل (٢) فيهما ، وهو الفتحة في الأوّل والكثرة في الثاني؟ فالجواب عن ذلك أمّا أوّلا فبأنّ ذلك من قبيل الحمل ، والحمل في باب الإعراب إنّما يكون بين النصب والجرّ لا بينهما والرفع ، وأمّا ثانيا فبأنّ الواو في حكم الموجود ، أمّا لأنّ المقدّر الأصليّ يعتبر قطعا ، وأمّا لأنّ الزائل بالإعلال في حكم الباقي ، وإذا كان في حكم الموجود يكون الرفع بالواو التقديريّ ، لأنّا لا نعني بالاعراب التقديري إلا الإعراب بما هو في حكم الموجود ، فلو كان خصوصيّة الياء إعرابا لكان لكلمة واحدة إعرابان : تقديريّ ولفظيّ ، ولم يعهد مثله بخلاف الكسرة في غير المنصرف ، والفتحة في الجمع المؤنّث السالم فإنّهما ليسا في حكم الموجود ، قاله نجم الدين سعيد (٣) في شرح الكافية.

__________________

(١) سقط «دعوي» في «ح».

(٢) بالإعراب اللفظي في حالة الرفع لوجود البدل «س».

(٣) نجم الدين سعيد العجمي من شراح الكافية في النحو لابن الحاجب ، يقال له الشرح السعيدي ، وهو كبير وفيه أبحاث حسنة. كشف الظنون ٢ / ١٣٧١.

١٥٤

ثمّ القول بأنّ الإعراب في هذه الحالة مقدّر كما ذكره المصنّف ، هو مذهب ابن الحاجب وابن مالك وزعم أبو حيّان أنّه لا تحقيق فيه ، لأنّ المقدّر ما لم يوجد والواو فيه موجودة ، إلا أنّها انقلبت ياء كما في ميزان ، فكذلك هنا ، وبما مرّ يعلم أنّ هذا هو الّذي لا تحقيق فيه.

تنبيه : من ذهب إلى أنّ الإعراب في الأسماء السّتّة والمثنّي والمجموع على حدّه بحركات مقدّرة فيحتاج إلى عدّها في قسم التقدير كما لا يخفى.

١٥٥
١٥٦

الفصل الثاني الحديقة الثانية

١٥٧
١٥٨

ص : الحديقة الثانية : فيما يتعلّق بالأسماء.

الاسم : إن أشبه الحرف فمبنيّ وإلا فمعرب. والمعربات أنواع : الأوّل ما يرد مرفوعا لا غير ، وهو أربعة :

ش : الحديقة الثانية فيما يتعلّق بالأسماء ، وذكر غيرها من الأفعال والحروف استطرادا ، وضرورة تعلّق الأسماء بها كما ستراه ، إن شاء الله تعالى.

المعرب والمبنيّ وأسباب البناء

«الاسم» ضربان ، معرب ومبنيّ ، لأنّه «إن أشبه الحرف» شبها قويا يدنيه منه في وصفه أو معناه أو استعماله أو افتقاره أو إهماله أو لفظه «فمبنيّ ، وإلا» يشبه الحرف ، بأن سلم من شبهه «فمعرب».

هذا مذهب ابن مالك ، وتعقبه أبو حيّان بأنّ الناس ذكروا للبناء أسبابا غير ذلك ، وأجيب بأنّه لم ينفرد به ، فقد نقله جماعة عن ظاهر كلام سيبويه ، ونقله ابن القواس (١) عن أبي على الفارسيّ وغيره ، وصرّح به ابن جنيّ في الخصائص وأبو البقاء في التعلى ق (٢) ، وابن السرّاج في الأصول ، والزّجاجيّ في الجمل.

وذكر بعض شراحه أنّه مذهب الحذّاق من النّحويّين ، وذهب الزمخشريّ والجزوليّ (٣) وابن معط وجماعة آخرون إلى أنّ سبب البناء ليس الشبه المذكور وحده ، بل والوقوع موقع المبنيّ ، ومناسبة المبنيّ ، والإضافة إلى المبنيّ.

__________________

(١) لعلّه ابن القواس (عبد العزيز بن جمعة) النحويّ صاحب شرح الكافية علاء الدين بن علي الأربلي ، جواهر الأدب ، الطبعة الأولى ، دار النفائس ، بيروت ، ١٤١٢ ه‍ ، ص ٢٠٩.

(٢) التعليق في الخلاف من تصانيف ابو البقاء العكبري.

(٣) الجزولي هو أبو موسى عيسى بن يللبخت قرأ على ابن بريّ كتاب الجمل للزجاجي ، وجرى فيها بحث نتج عنه مقال طويل جعله مؤلفا «المقدّمة» ومات سنة ٦٠٥ ه‍. محمد الطنطاوي ، نشأة النحو ، الطبعة الأولى ، بيروت ، عالم الكتب ، ١٤١٧ ه‍. ص ١٣٧.

١٥٩

وزاد بعضهم غير ذلك ، ثمّ على كلا القولين هل السبب مجوّز للبناء أو موجبه؟ قولان : ذهب الشيخ عبد القاهر إلى الأوّل ، مستدلّا بأيّ الموصولة ، والجمهور إلى الثاني ، واعتذروا عن إعراب أيّ ، ويحتاجون إلى الاعتذار عن إعراب قد الاسميّة ، فإنّهم قالوا ببنائها مع جواز الإعراب.

ونعني بالشبه الوضعيّ أن يكون الاسم موضوعا في الأصل على حرف أو حرفين ، «كتاء» قمت ، ونا من قمنا ، والشبّه المعنويّ أن يتضمّن الاسم معنى من معاني الحروف ، سواء وضع لذلك المعنى حرف أو لا ، فالأوّل كمتى ، والثاني كهنا.

والشبه الاستعمإلى أن يكون الاسم نائبا عن الفعل ، ولا يتأثّر بالعامل كهيهات ، والشبه الافتقاريّ أن يكون الاسم لازم الافتقار إلى جملة ، يتمّ بها معناه كالّذي ، والشبه الإهمإلي أن يكون الاسم مشبها للحرف في كونه لا عاملا ولا معمولا كأوائل السور والأسماء قبل التركيب ، وأدخل بعضهم هذا القسم تحت الشبه الاستعمالي ، والشبه اللفظيّ أن يكون الاسم مشبها للحرف في صورة لفظه ، كحاشا الاسميّة بنيت لشبهها بحاشا الحرفيّة ، ذكره ابن مالك ، وأورد عليه أنّ مجرّد الشبه لفظا غير كاف بدليل «إلى» الاسميّة الّتي بمعنى النعمة ، إذ هي معربة قطعا مع مشابهتهما لفظا إلى ، الّتي هي حرف جرّ.

تنبيهات : الأوّل : قد يجتمع في مبنيّ شبهان فأكثر ، ومنه المضمرات ، فإنّ فيها الشبه المعنويّ ، إذ التّكلّم والخطاب والغيبة من معاني الحروف ، والافتقاريّ ، لأنّ كلّ ضمير يفتقر إلى ما يفسّره ، والوضعيّ ، إذ غالب الضمائر على حرف أو حرفين ، وحمل الباقي عليه طردا للباب (١).

الثاني : ما ذكرناه من أنّ الأوائل السّور مبنيّة للشبه الإهمإلي ، أنّما هو على القول بأنّها لا محلّ لها من الإعراب ، لأنّها من المتشابه الّذي لا يدرك معناه ، وقيل : إنّها في محلّ رفع على الابتداء أو الخبر ، أو نصب باقرأ ، أو جرّ بالقسم ، والله أعلم.

الكلام في إثبات واسطة بين المعرب والمبنيّ : الثالث : الأصحّ انحصار الاسم في المعرب والمبنيّ خلافا لمن أثبت واسطة بينهما لا توصف بالإعراب ولا بالبناء ، وذلك في أشياء ، منها الأسماء قبل التركيب.

وذهب قوم إلى أنّها واسطة ، لا معربة ولا مبنيّة ، لفقد موجب الإعراب والبناء والسكون آخرها وصلا بعد ساكن ، نحو : قاف سين ، وليس في المبنيّات ما يكون كذلك ،

__________________

(١) أي يمكن أن نجعله قياسا للباقي.

١٦٠

وهو مختار أبي حيّان ، وتبعه جماعة من المحقّقين ، واختار ابن مالك أنّها مبنيّة كما مرّ ، والزمخشريّ أنّها معربة ، ومنها المنادى المفرد ، نحو : يا زيد.

ذهب قوم إلى أنه واسطة بين المعرب والمبنيّ ، حكاه ابن يعيش في المفصّل ، والصحيح أنّه مبنيّ ، ومنها المضاف إلى ياء المتكلّم ، وقد مرّ الكلام عليه.

الرابع : إذا عارض الشبه للحرف معارض يقتضي الإعراب ، اعتبر فيقدح في تأثير الشبه ، وذلك كإضافة أيّ الشّرطيّة والموصولة والاستفهاميّة ، وتثنية ذين وتين واللذين والّتين ، وسيأتي الكلام على كلّ منهما في محلّه ، إن شاء الله تعالى.

الخامس : المعرب يسمّى متمكّنا وأمكن ، إن لم يمنع من الصرف ، وإلا فغير أمكن.

«والمعربات» من الأسماء بقرينة السياق «أنواع» ، منها ما يرد مرفوعا لا غير ، ومنها ما يرد منصوبا لا غير ، ومنها ما يرد مجرورا لا غير ، ومنها ما يرد منصوبا وغير منصوب.

النوع «الأوّل ما يرد مرفوعا لا غير» بضمّ الرّاء بناء لقطعها عمّا أضيف إليه لفظا ونيّة معنى ، كقبل وبعد ، أي لا غيره ، ومنع ابن هشام في شرح الشذور قطعها بعد لا ، قال : لا يجوز حذف ما أضيفت إليه غير ، إلا بعد ليس ، وأمّا ما يقطع في عبارة العلماء من قولهم : لا غير ، فلم يتكلّم به العرب ، فأمّا أنّهم قاسوا لا على ليس ، أو قالوا ذلك سهوا عن شرط المسألة ، فقال في المغني : قولهم «لا غير» لحن ، انتهى.

وقد استعمل في مواضع من كتابه المذكور ، فيكون قوله هنا شاهدا عليه بارتكاب اللحن ، والصحيح جوازه من غير توقّف ، وقد ذكره جماعة من أئمة العربيّة ، منهم ابن السراج في الأصول ، والسيرافيّ في شرح الكتاب وابن مالك في شرح الكافيّة وأبو حيّان وابن الحاجب في الكافيّة والزمخشري في المفصّل ، وتبعهما شارحو كلامهما ، ومنهم محقّقون. قال الرضيّ : ولا يحذف منها المضاف إليه إلا مع لا التبرئة ، وليس نحو افعل هذا لا غير وجاءني زيد ليس غير ، لكثرة استعمال غير بعد لا وليس ، انتهى.

وقال الأندلسيّ (١) ، وهو علم الدين القاسم بن أحمد اللورقي في شرح المفصّل ، أمّا لا غير. فأبو العباس (٢) كان يقول : إنّه مبنيّ على الضمّ مثل قبل وبعد ، وأما ليس غير فكذلك ، إلا أنّ غيرا في موضع نصب على خبر ليس ، واسم ليس مضمر ، لا يظهر لأنّها هنا للاستثناء ، انتهى.

__________________

(١) علم الدين قاسم بن أحمد اللّورقي الأندلسي ، من مؤلفاته : شرح مقدمة الجزولي وشرح المفصل ، توفّي بدمشق سنة ٦٦١. المصدر السابق ص ١٥٤.

(٢) لعلّه أبو العباس ثعلب أو أبو العباس المبرّد ، وقد تقدّم ذكرهما.

١٦١

وقال محمد بن يعقوب في القاموس : قولهم : لا غير لحن غير جيّد ، لأنّ لا غير كذا مسموع في قول الشاعر [من الطويل] :

٨٢ ـ جوابا به تنجو اعتمد فو ربّنا

لعن عمل أسلفت لا غير تسأل (١)

وقد احتجّ به ابن مالك في باب القسم من شرح التسهيل ، وكأنّ قولهم لحن مأخوذ من قول السيرافيّ : الحذف إنّما يستعمل إذا كانت إلا وغير بعد ليس ، ولو كان مكان ليس غيرها من ألفاظ الجحد ، لم يجز الحذف ، ولا يتجاوز بذلك مورد السماع ، انتهى كلامه. وقد سمع. انتهى ، ولا هذه للتبرئة كما صرّح به الرضيّ. والظاهر من كلام المفتاح والتلخيص أنّها عاطفة.

الفاعل

ص : الأوّل : الفاعل : وهو ما أسند إليه العامل فيه قائما به ، وهو ظاهر ومضمر ، فالظاهر ظاهر ، والمضمر : بارز أو مستتر ، والاستتار يجب في الفعل في ستّة مواضع : فعل الأمر للواحد المذكّر ، والمضارع المبدوّ بتاء الخطاب ، للواحد أو بالهمزة أو بالنون ، والفعل الاستثنائي وفعل التعجّب ، وألحق بذلك : زيد قام أو يقوم ، وما يظهر في بعض هذه المواضع ، كأقوم أنا ، فتأكيد للفاعل كقمت أنا.

تبصرة : وتلازم الفعل علامة التأنيث إن كان فاعله ظاهرا حقيقيّ التأنيث كقامت هند. أو ضميرا متصلا مطلقا كهند قامت ، والشمس طلعت ، ولك الخيار مع الظاهر اللفظيّ كطلعت أو طلع الشمس ، ويترجّح ذكرها مع الفصل بغير إلا نحو : دخلت أو دخل الدّار هند ، وتركها مع الفصل بها نحو : ما قام إلا أمراة ، وكذا في باب نعم وبئس ، نحو : نعم المراة هند.

مسألة : والأصل في الفاعل تقدّمه على المفعول ، ويجب ذلك إذا خيف اللّبس ، أو كان الفاعل ضميرا متّصلا ، والمفعول متأخّرا عن الفعل ، ويمتنع إذا اتّصل به ضمير المفعول ، أو اتّصل ضمير المفعول بالفعل وهو غير متّصل ، وما وقع منهما بعد إلا أو بعد معناها وجب تأخيره.

ش : «وهو» أي «ما يرد مرفوعا لا غير أربعة ، الأوّل : الفاعل» ، وبدأ به لكونه الأصل في استحقاق الرفع عند الأكثر ، وقيل : الأصل هو المبتدأ. قال ابن يعيش : ذهب سيبويه وابن السّراج إلى أنّ المبتدأ هو الأصل في استحقاق الرفع ، وغيره من المرفوعات

__________________

(١) لم يسم قائله.

١٦٢

محمول عليه ، وذلك لأنّ المبتدأ يكون معرّي عن العوامل اللفظيّة ، وتعرّي الاسم في التقدير قبل أن يقترن به غيره ، قال : والّذي عليه حذّاق أصحابنا أنّ الفاعل هو الأصل ، لأنّه يظهر برفعه فائدة دخول الإعراب للكلام من حيث كان تكلّف زيادة الإعراب أنّما احتمل للفرق بين المعاني الّتي لولاها وقع لبس.

فالرفع إنّما للفرق بين الفاعل والمفعول اللذين يجوز أن يكون كلّ واحد منهما فاعلا ومفعولا ، ورفع المبتدأ والخبر لم يكن لأمر يخشى التباسه ، بل لضرب من الاستحسان وتشبيه بالفاعل من حيث كان كلّ واحد منهما مخبرا عنه ، وافتقار المبتدأ إلى الخبر الّذي بعده كافتقار الفاعل إلى الفعل الّذي قبله ، ولذلك رفع المبتدأ والخبر ، انتهى.

وقيل : كلّ منهما أصل ، وهو مرتضى الرضيّ ، قال ابن هشام في شرح اللمحة : وبالجملة فإنّ هذا الخلاف طويل الذيل عديم النيل. قال الدمامينيّ في شرح التسهيل : بل تظهر جدوى الخلاف في أولوية المقدّر عند الاحتمال ، كما إذا وجدنا محلّا دار الأمر فيه بين أن يكون المحذوف فعلا ، والباقي فاعلا ، وأن يكون المحذوف خبرا ، والباقي مبتدأ ، كما إذا قيل : من قام ، فقيل في جوابه زيد ، فإنّه يحتمل كون زيد فاعلا ، والتقدير قام زيد (١) ، ويحتمل كونه مبتدأ ، والتقدير زيد قام ، فإن قلنا : الفاعل أصل ترجّح الأوّل ، وإن قلنا : المبتدأ أصل ترجّح الثاني ، انتهى. وإن قلنا : كلاهما أصل ، استوي التقديران لفقد المرجّح ، فقد ظهر جدوى الخلاف كما رأيت.

«وهو» أي الفاعل لغة من أوجد الفعل ، واصطلاحا ما أي اسم أو مؤوّل به «أسند إليه» أي نسب إليه ، والمراد بالإسناد هنا النسبة ، سواء تعلّق بها إدراك الوقوع أو إدراك عدم الوقوع أو الطّلب أو الإنشاء. فالحاصل في «ما قام زيد» سلب الوقوع ، لا سلب الإسناد ، وفي أن قام زيد ، فرض الوقوع لا فرض الإسناد ، فلا حاجة في شمول التعريف لفاعل النفي والشرط إلى ما اشتهر من تكلّف أنّ المراد بالإسناد أعمّ من الإسناد ايجابا أو سلبا ، محقّقا أو مفروضا ، كذا قال بعضهم.

«العامل فيه» المجرور متعلّق بالعامل ، أي في ذلك الاسم أو المؤوّل به ، سواء كان العامل فعلا ، أو ما يشبهه في العمل من المصدر واسمي الفاعل والمفعول والصفة المشبهة واسم التفضيل ، فخرج المبتدأ ، نحو : زيد قام ، وزيد قائم ، فإنّ زيدا فيهما مسند إليه ، لكنّ المسند غير عامل فيه ، نعم على قول بعض إنّ المبتدأ يرتفع بالخبر ، وهو عامل فيه ، فيبقي داخلا ، وهو قول ضعيف.

__________________

(١) سقطت هذه الجملة في «س».

١٦٣

«قائما به» حال من العامل ، أي حال كونه قائما بالاسم ، أو المؤوّل به ، لا يقال : يخرج عن هذا التعريف الفاعل في نحو : قرب زيد ، ومات عمرو ، فإنّ القرب والموت لا يقومان بزيد وعمرو ، فكان عليه أن يقول : على جهة القيام به كما قال غيره ، ليدخل نحو ذلك ، ممّا أسند إليه العامل على طريق القيام لأنّا نقول : معنى القيام الاختصاص الناعت كما تقدّم بيانه ، وصحّة جعل الصوت والقرب نعتا لزيد واضحة ، ولو لا القيام لكان الدّال على القيام كاذبا. قال بعضهم : بقي أنّ إسناد القائم وأمثاله إلى فاعلها ليس قائما به بل متّحد ، إلا أن يقال : والمراد قيام المبدأ كما في الفعل ، انتهى.

وخرج بهذا القيد نائب الفاعل بناء على أنّه لا يسمّى فاعلا اصطلاحا ، نحو : ضرب عمرو ، فإنّه وإن صدق عليه أنّه اسم أسند إليه العامل فيه ، لكن ليس العامل فيه قائما به ، بل واقعا عليه ، وأورد عليه أنّ ضرب عمرو يدلّ على قيام الفعل المبنيّ للمفعول ، وهو المضروبيّة بالمسند إليه ، أعني عمرا ، وكذا مضروب أبوه ، فكيف يخرج نائب الفاعل بهذا القيد ، ثمّ أجاب هذا المعترض بأنّ هذا الكلام مبنيّ على أنّ الداخل في مفهوم المشتقّ المصدر المبنيّ للفاعل دون المبنيّ للمفعول ، انتهى.

ولبعض المحقّقين هاهنا تحقيق نفيس لا بأس بإيراده لما له من العلاقة ، قال : الفاعل إذا صدر منه الفعل المتعديّ لا بدّ هناك من حصول أثر حسيّ أو معنويّ ناشيء من الفاعل بلا واسطة واقع على المفعول بتأثير من الفاعل أو غيره قائم من حيث الصدور بالفاعل ، ومن حيث الوقوع بالمفعول ، فإذا نظرت إلى قيام ذلك الأثر بذات الفاعل ، ولاحظت كون الذات بحيث قام به الفعل كان ذلك الكون ما يعبّر عنه بالمصدر المبنيّ للفاعل ، وإذا نظرت إلى وقوعه على المفعول ولا حظت كون الذات بحيث وقع عليه الفعل كان ذلك الكون ما يعبّر عنه بالمصدر المبنيّ للمفعول ، وإذا نظرت إلى عين ذلك الأثر كان ذلك الحاصل بالمصدر ، وصيغة المصدر مشتركة بين هذه الثلاثة ، وقد يستعمل مجازا في الفاعل والمفعول.

ومعنى قولهم : إنّ المصدر المبنيّ للفاعل جزء من الفعل المعلوم ، والمبنيّ للمفعول جزء من الفعل المجهول ، اعتبار الكونين في مفهوميهما ، فمعنى ضرب زيد ، كونه بحيث قام به الضرب ، ومعنى ضرب عمرو ، كونه بحيث وقع عليه الضرب ، لا كونه بحيث قام به الكون الأوّل في المعلوم ، وكونه بحيث قام به الكون الثاني في المجهول ، كما لا يخفى على من له تأمّل صادق وانصاف بأهل العلم لائق ، فلا يتّجه أنّ المصدر المبنيّ للمفعول إذا كان جزء من المجهول كان على طريقه القيام ، لأنّه مبنيّ على زعم اعتبار قيام الكونين في مفهومي المعلوم والمجهول ، وقد تبيّن أنّ الملحوظ فيهما الأثر من حيث القيام في الأوّل ،

١٦٤

ومن حيث الوقوع في الثاني ، فأنّي يتحقّق طريقة القيام فيه ، وأمّا الفعل اللازم فلا يتحقّق فيه إلا المصدر المبنيّ للفاعل ، والحاصل بالمصدر الّذي هو الأثر ، لأنّه لم يتعدّ إلى المفعول ، ويستعمل مجازا في الفاعل ، انتهى.

العامل في الفاعل : تنبيهان : الأوّل : اختلف في العامل في الفاعل الرّفع ، فقيل : هو المسند حقيقة إن خلا من «من والباء» الزائدتين ، وحكما إن جرّ بأحدهما ، نحو : ما قام من رجل ، (وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً) [النساء / ٧٩] ، أو بإضافة المسند ، نحو : (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ) [البقرة / ٢٥١] ، وهو مذهب الجمهور ، وعليه المصنّف ، وقيل : رافعه الإسناد ، وهو مذهب خلف وابن جنيّ ، وذهب بعض الكوفيّين إلى أنّه إحداث الفعل ، وأجابوا عن «تحرّكت الشجر» و «أهلكهم الدهر» و «مرض زيد» ، بأنّه لما صدر من الشجر ما هو كحركة المتحرّك بالإرادة ، وجعل الدهر قائما مقام المهلك وتعاطي زيد أسباب المرض ، جعل كلّ واحد كأنّه فاعل.

نصب الفاعل ورفع المفعول : الثاني : قد ينصب الفاعل شذوذا ، إذا فهم المعنى ، كقولهم : خرق الثوب المسمار ، برفع الثوب ونصب المسمار ، وجعله ابن الطّراوة (١) قياسا مطّردا ، وقراءة بعضهم (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ) [البقرة / ٣٧] بنصب آدم ، ورفع كلمات ، فيمكن حمله على الأصل ، لأنّ من تلقّي شيئا فقد تلقّاه الآخر.

انقسام الفاعل إلى ظاهر ومضمر : و «هو» أي الفاعل قسمان : قسم «ظاهر» وقسم «مضمر» ، وسيأتي حدّه أنّه ما وضع لمتكلّم أو مخاطب أو غائب. والظاهر ما عداه ، «فالظاهر ظاهر» أي لا يحتاج إلى بيانه لظهوره ، كجاء زيد ، وأقائم الزيدان. «والمضمر» قسمان : «بارز» ، وهو ما له صورة في اللفظ ، كقمت ، «ومستتر» ، وهو ما ليس له صورة في اللفظ ، بل ينوى ، «والاستتار» أي استتار الضمير «يجب في الفعل في ستّة مواضع».

أحدها : «فعل الأمر للواحد المذكّر» ، كقم ، بخلاف فعل الأمر للمثنى أو المجموع أو الواحدة ، فإنّه يبرز في الجميع ، نحو : قوما وقوموا وقمن وقومي. وذهب الأخفش والمازنيّ إلى أنّ الياء في قومي حرف تأنيث ، والفاعل مستتر كقم. قيل : ويلزمهما الجمع

__________________

(١) سليمان بن محمد ابن الطراوة ، كان نحويّا ماهرا ، أديبا ماهرا ، ألّف : الترشيح في النحو ومات سنة ٥٢٨ ه‍. بغية الوعاة ١ / ٦٠٢.

١٦٥

بين علامتى التأنيث في نحو : تقومين. قال ابن هشام في شرح اللمحة : وليس بشيء ، لأنّ التاء للخطاب مثلها في أنت تقوم ، والياء وحدها للتأنيث.

«و» الثاني والثالث والرابع : الفعل «المضارع المبدوّ بتاء الخطاب للواحد» كتقوم بخلاف المبدوّ بتاء الغائبة ، نحو : هند تقوم ، فإنّ الاستتار جائز فيه لا واجب ، وبخلاف المبدوّ بتاء خطاب الواحدة والتثنية والجمع ، فإنّه يبرز في الجميع ، نحو : تقومين وتقومان وتقومون وتقمن ، «أو» المبدوّ «بالهمزة» للمتكلّم وحده ، مذكّرا كان أو مؤنّثا ، كأقوم ، وأضرب ، «أو» المبدوّ «بالنون» للمتكلّم ، ومن معه ، مذكّرا كان أو مؤنّثا كنقوم ونضرب.

«و» الخامس : «الفعل الاستثنائيّ» كخلا وعدا وليس ولا يكون ، نحو ما خلا زيدا وما عدا عمرا ، وليس بكرا ، ولا يكون زيدا ، ففي خلا وعدا وليس ولا يكون ضمير مستتر وجوبا [على خلاف الأصل] عائد على البعض المفهوم من كليّة السابق أو على اسم الفاعل المفهوم من الفعل السابق ، أو على المصدر المفهوم من الفعل أيضا على الخلاف الآتي بيانه في باب الاستثناء ، إن شاء الله تعالى.

«و» السادس «فعل التّعجّب» ك ما أحسن الزيدين ، ففي أحسن ضمير مستتر وجوبا [على خلاف الأصل] مرفوع على الفاعلية.

وأهمل [المصنّف] موضعين آخرين في غير الفعل ، يجب فيهما الاستتار ، أحدهما : اسم الفعل غير الماضي ك أوّه ، ونزال. والثّاني : المصدر النائب عن فعله ، نحو : (فَضَرْبَ الرِّقابِ) [محمد / ٤] ، ففيهما أيضا ضمير مستتر وجوبا مرفوع على الفاعلية.

فالمواضع مطلقا ثمانية ، وعدّ ابن هشام في الأوضح ممّا يجب فيه الاستتار أفعل التفضيل ، وهو غير ظاهر ، لأنّه قد يرفع الظاهر في مسألة الكحل (١) عند جميع العرب ، ويرفع الضمير البارز على لغة ، نحو : مررت برجل أفضل منه أنت ، إذا لم يعرب أنت مبتدأ ، ولقد أحسن المصنّف في عدم ذكره له ، «وألحق بذلك» أي بالمذكور من المواضع الّتي يجب فيها الاستتار ، نحو : «زيد قام أو زيد يقوم» ، ففي كلّ منهما ضمير

__________________

(١) مسألة الكحل هي المسألة المتعلّقة برفع اسم التفضيل للاسم الظاهر ، ومن المعروف أنّ اسم التفضيل يرفع الضمير المستتر ، ولا يرفع الاسم الظاهر غالبا إلا إذا سبقه نفي ، وكان مرفوعه أجنبيّا مفضلا على نفسه باعتبارين ، نحو «ما رأيت رجلا أحسن في عينيه الكحل كحسنه في عين زيد» فـ «أحسن» اسم تفضيل فاعله «الكحل» ، والّذي سوّغ رفعه الفاعل سبقه بنفي ، ومرفوعه أجنبيّ عنه ومفضلّ على حاله باعتبارين : أحدهما كونه في عين زيد والآخر كونه في عين غيره. وقد سمّيت هذه المسألة بمسألة الكحل ، لأن النحاة قد مثلوّا لها بمثال يتضمّن الحديث عن الكحل نفسه. إميل بديع يعقوب ، موسولة النحو والصرف والإعراب ، الطبعة الثالثة ، منشورات استقلال ١٣٨٣ ش ، ص ٦٢٤.

١٦٦

مستتر وجوبا مرفوع على الفاعلية ، والملحق لذلك جماعة منهم ابن هشام في الأوضح خلافا لابن يعيش وابن مالك (١).

وذلك أنّهما قسّما المستتر إلى مستتر وجوبا ومستتر جوازا ، فالأوّل : ما لا يخلفه ظاهر ولا ضمير منفصل وهو المستتر في المواضع المذكورة أوّلا. والثاني : ما يخلفه ذلك ، وهو المرفوع بفعل الغائب ، نحو : زيد قام أو يقوم ، أو الغائبة ، نحو : هند قامت أو تقوم ، أو الصفات المحضة ، نحو : زيد قائم أو مضروب أو حسن ، أو اسم الفعل الماضي ، نحو : زيد هيهات.

قالا : فالضمير في هذه الأمثلة وما شابهها مستتر جوازا بدليل أنّه يخلفه الظاهر أو الضمير المنفصل ، فيقال : قام أبوه ، وما قام إلا هو. وتعقبهما ابن هشام بأنّ استتار الضمير في نحو : زيد قام ، واجب لا جائز ، إذ لا يصحّ أن يقال : زيد قام هو مثلا على أن يكون هو فاعلا لقام ، وكون الظاهر أو الضمير المنفصل قد يقع في موقع هذا الضمير المستتر لا يوجب إثبات جواز الاستتار له ، وذلك لأنّ تركيب زيد قام أبوه ، أو ما قام إلا هو غير تركيب زيد قام ، وليس الكلام فيه. أمّا زيد قام فضميره واجب الاستتار دائما ، ولا يظهر في حين من الأحيان ، ولو قلت : زيد قام هو ، فهو توكيد للضمير المستتر ، لا فاعل.

وكذا قال الرضيّ بوجوب الاستتار في ذلك ، وفي جميع الصفات ، وما نفاه من أن يكون هو في نحو : قام هو فاعلا ، فيه بحث. قال في التصريح : والمنقول عن سيبويه أنّه أجاز في هو من نحو : قوله تعالى : (أَنْ يُمِلَّ هُوَ) [البقرة / ٢٨٢] ، أن يكون فاعلا ، وأن يكون توكيدا ، ونقل المراديّ عنه أيضا في شرح التسهيل أنه أجاز في هو من نحو : مررت برجل مكرمك هو ، أن يكون فاعلا ، وأن يكون توكيدا ، وكذلك إذا جرى الوصف على غير من هو له وأبرز الضمير يكون فاعلا باتّفاق البصريّين والكوفيّين.

قال : والنظر الجيّد أن يقال : ما ذهب إليه ابن مالك وابن يعيش وغيرهما مشكل ، لأنّه لا يخلو إمّا أن يريدوا بجواز الاستتار أنّه يجوز إبراز الضمير متّصلا أو منفصلا والأوّل متعذر ، والثاني مخالف لما أصّلوه من القواعد ، وهو أنّه إذا أمكن الاتّصال لا يعدل عنه إلى الانفصال إلا فيما يستثني ، وليس هذا منه ، انتهى.

__________________

(١) يبدو أنّ الحقّ مع النّحويّين الّذين يقولون بأنّ الفاعل في هاتين الصيغتين ضمير مستتر جوازا ، لأنّنا إذا قارنّاهما بالصيغ الّتي الفاعل فيها ضمير مستتر وجوبا رأينا بأنّ الاسم الظاهر لا يقع بعدها أبدا ، ولكن بعد هذه الصيغ يمكن أن يأتي اسم ظاهر كفاعلهما.

١٦٧

وقال المحقّق اللقانيّ في حاشيته على الأوضح : قول ابن مالك ومن وافقه : ما يخلفه ذلك ليس معناه أنّ ذلك يخلفه في تأدية معناه ، بل في رفع عامله إيّاه ، فمعنى وجوب الاستتار وجوازه عندهم وجوب كون المرفوع بالعامل ضميرا مستترا ، وجوازه لا وجوب كون الاستتار في الضمير المستتر واجبا وجائزا ، إذ ليس لنا ضمير متّصف بالاستتار يجوز ظهوره ، انتهى.

ولمّا كان هاهنا مظنّة سؤال ، وهو أن يقال : أنّ نحو قم أنت ، وأقوم أنا ، قد ظهر فيه الضمير ، وقد ذكرت أنّه من المواضع الّتي يجب فيها استتاره ، أشار إلى الجواب عن ذلك بقوله : «وما يظهر من الضمائر في بعض هذه المواضع ، كأقوم أنا ، فتأكيد» للضمير المستتر ، لا فاعل ، بدليل أنّك لا تقول : لا أفعل إلا أنا ، ولا تفعل إلا أنت ، وهو «كقمت أنا» ، في كون أنا تاكيدا للفاعل الّذي هو ضمير بارز متصل فلا نقص به. وسيأتي تتّمة ذكر المضمرات في المبنيّات ، إن شاء الله تعالى ، فلينتظر.

ملازمة الفعل تاء التأنيث في باب الفاعل : هذه «تبصرة» في لحوق علامة التأنيث لعامل الفاعل وجوبا وجوازا ، أو رجحان الأول والثاني ، و «تلازم الفعل» المسند إلى الفاعل : أي تلحقه وجوبا من لازم الشيء ، إذا لم يفارقه ، جامدا كان أو متصرّفا تأمّا ، أو ناقصا «علامة التانيث» وهي التاء في آخره إن كان ماضيا ، وفي أوّله إن كان مضارعا. «إن كان فاعله» أي فاعل الفعل المسند الفاعل ، «ظاهرا حقيقيّ التأنيث» ، وهو ما له فرج كما مرّ ، إذا لم يفصل بينهما في غير باب نعم وبئس كما سيأتي بيانه ، إيذانا من أوّل الأمر بتأنيث الفاعل ، مفردا كان ، «كقامت هند» ، وتقوم هند ، أو مثنى كقامت الهندان ، وتقوم الهندان ، أو مجموعا بالألف والتاء ، كقامت الهندات ، وتقوم الهندات ، وأجاز الكوفيّون : قام الهندات (١) ، واختاره أبو علي ، واستدلّوا بالآية : (إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ) [الممتحنة / ١٠] ، وبقوله [من الطويل] :

٨٣ ـ عشيّة قام النائحات وشقّقت

جيوب بأيدي مأتم وخدود (٢)

__________________

(١) هذا مذهب ابن مالك أيضا حيث يقول في الألفيّة :

والتاء مع جمع سوى السالم من

مذكّر كالتاء مع إحدى اللبن

يعني إذا اسند الفعل إلى جمع غير جمع سلامة لمذكّر جاز إتبات التاء وحذفها ، مثل : قامت الرجال ، وقام الرجال ، وقام الهندات ، وقامت الهندات ، (شرح ابن عقيل ١ / ٤٨١). ويبدو أنّه أحسن من المذاهب الأخرى.

(٢) هو لأبي عطاء السندب. اللغة : العشية : الوقت من زوال الشمس إلى المغرب ، أو من صلاة المغرب إلى العتمة والنائحات : الباكيات على الميّت بجزع وعويل. الجيوب : جميع جيب ، وجيب القميص ونحوه : ما يدخل منه الراس عند لبسه. الخدود : جمع خد وهو جانب الوجه.

١٦٨

والجواب عن الآية أنّ حذف التاء فيها للفضل بالمفعول ، وعن البيت بأنّه على تقدير موصوف ، أي النسوة النائحات ، فروعي حال محذوف ، وحكى سيبويه عن بعض العرب : قال فلانة ، استغناء بالمؤنّث الظاهر عن علامته ، فقيل : هو شاذّ ، لا يقاس عليه ، وقيل يقاس على قلّة. وأجازه الأخفش والرّمانيّ (١) ، وأنكره المبرّد. قال الرضيّ : ولا وجه لإنكار ما حكى سيبويه مع أمانته وثقته. قال الشاعر [من الوافر] :

٨٤ ـ إذا قالت حذام فصدّقوها

فإنّ القول ما قالت حذام (٢)

وأمّا قول الآخر [من الطويل] :

٨٥ ـ تمنّي ابنتاي أن يعيش أبوهما

وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر (٣)

فضرروة ، إن قدّر الفعل ماضيا ، فإن قدّر مضارعا وأصله تتمنّي ، فحذفت إحدى التائين ، كما قال تعالى : (فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى) [الليل / ١٤] ، فلا ضرورة. قال ابن هشام في شرح الشذور : في هذا المحذوف ثلاثة أقوال ، أصحّها أنّه الثانية.

تنبيه : قال بعضهم علم من تعبيرهم بالهندان والهندات من أمثلة القاعدة المذكورة عدم الاعتداد بأل فاصلا ، وعدّ الفصل بها كلا فصل لتتريلها من مصحوبها مترلة الجزء ، وهذا ممّا يلغز به ، فيقال : أيّ صورة يجب فيها تانيث الفعل مع كون فاعله المؤنّث مفصولا عنه ، وإن شيءت نظم ذلك فقل [من السريع] :

٨٦ ـ أين غدا التأنيث للفعل

لديهم حتما مع الفصل

انتهى.

أو كان فاعل الفعل ضميرا متّصلا لغائبة مطلقا ، أي سواء كان حقيقيّ التأنيث أو لفظيّة ، كهند قامت ، وتقوم ، «والشمس طلعت» ، وتطلع ، وإنّما وجب هنا مطلقا لئلا يتوّهم أنّ ثمّ فاعلا مذكّرا منتظرا ، إذ يجوز أن يقال : هند قام أبوها ، والشمس طلع قرنها ، وقد يجوز تركها في الشعر ، إن كان التأنيث مجازيا كقوله [من المتقارب] :

٨٧ ـ فلا مزنة ودقت ودقها

ولا أرض أبقل إبقالها (٤)

__________________

(١) علي بن عيسى أبو الحسن الرمانيّ ، كان إماما في العربية ، قال أبو حيّان : لم ير مثله قطّ علما بالنحو ، شرح اصول ابن السّراج ، شرح سيبويه و... مات سنة ٣٨٤ ه‍. بغية الوعاة ٢ / ١٨٠.

(٢) هذا البيت قيل إنه لديسم بن طارق أحد شعراء الجاهلية ، وقد جرى مجرى المثل ، وصار يضرب لكلّ من يعتدّ بكلامه ، ويتمسك بمقاله ، ولا يلتفت إلى ما يقول غيره ، وفي هذا جاء به الشارح ، وهو يريد أن سيبويه هو الرجل الّذي يعتد بقوله ويعتبر نقله لأنه الّذي شافه العرب ، وعنهم أخذ ، ومن ألسنتهم استمدّ. ابن عقيل ١ / ١٠٥.

(٣) هو للبيد بن ربيعة. اللغة : ربيعة أو مضر : هما ابنا نزار بن معد بن عدنان ، وهما أبو العرب العدنانيين.

(٤) البيت لعامر بن جوين الطائي : اللغة : المزنة : السحابة المثقلة بالماء ، الودق : المطر ، أبقل : أنبت البقل ، وهو النبات.

١٦٩

وأجازه ابن كيسان في النثر أيضا ، فيقال : الشمس طلع ، كما يقال : طلع الشمس ، لأنّ التأنيث مجازيّ ، ولا فرق بين المضمر والظاهر ، واستدلّ على ذلك لأنّ الشاعر كان يمكنه أن يقول : أبقلت إبقالها بالنقل ، فلمّا عدل عن ذلك مع تمكّنه منه علم أنّه مختار ، لا مضطر (١) ، وأجيب بأنّه إنّما يثبت ما ذكره بعد ثبوت أنّ هذا الشاعر ممّن يخفّف الهمزة بالنّقل وغيره ، فإنّ من العرب من لا يجيز في الهمزة إلا التحقيق ، وقد يعارض بالمثل ، فيقال : إنّما تثبت دعوى الضرورة بعد ثبوت كونه ممّن لا يخفّف الهمزة بالنقل ، ويؤيّد ما قاله ابن كيسان إنّ الأعلم حكى في شرح أبيات كتاب سيبويه أنّه روى أبقلت أبقالها بتخفيف الهمزة ، قال : ولا ضرورة فيه على هذا ، إذ هو دليل على أنّ قائله يجيز النقل ، قال : وعلى رواية تخفيف الهمزة إنّما هو لتأويل الأرض بالمكان فلا ضرورة.

وفي هذا التأويل نظر ، لأنّ الهاء في ابقالها تأباه ، قاله في التصريح ، واحترز بالمتّصل عن المنفصل ، نحو : هند ما قام إلا هي ، أو يقوم إلا هي ، والشمس ما طلع إلا هي ، أو يطلع إلا هي.

فالتذكير واجب لعدم التوهّم الّذي يحصل هناك ، لأنّ الفعل لا يكون له فاعلان ، والتقييد بالغائبة احتراز عن الحاضرة ، نحو : قمت ، وأقوم ، فإنّه لا يمكن تأنيثه ، وإن كان ضميرا متّصلا لمؤنث ، وأمّا نحو : طلحة علما للرّجل فلا يجوز في ضميره المتّصل إلحاق التاء ، فلا يقال : طلحة قامت ، وأجازه بعض الكوفيّين ، نظرا إلى اللّفظ ، وهو بعيد ، إذ يلزم منه اشتباه المذكّر بالمؤنّث ، فيحصل اللّبس مع انتفاء القرينة ، وهو محذور.

«ولك الخيار» في إلحاق علامة التأنيث للفعل وتركها «مع ظاهر» المؤنّث «اللفظي» في السعة ، «كطلعت» الشمس ، وتطلع الشمس ، «أو طلع الشمس» ، ويطلع الشمس ، ما لم يكن علما للمذكّر الحقيقيّ ، نحو : طلحة ، فليس فيه خيار ، بل يجب التذكير ، خلافا لبعض الكوفيّين ، وإنّما جاز هنا الوجهان ، لأنّه مؤنّث لفظا ، غير مؤنّث معنى ، فجاز الأمران باعتبار الوجهين ، ومثله جمع تكسير لمذكّر ، نحو : قالت الزّيود ، وقال الزّيود ، أو المؤنّث كقامت الهنود ، وقام الهنود ، واسم الجمع المذكّر كقامت قومك ، وقام قومك ، أو لمؤنث ، كقامت النّساء ، وقام النّساء ، واسم الجنس كأورقت الشجر ، وأورق الشجر ، فالتأنيث في ذلك كلّه على التأويل بالجماعة ، والتذكير على التأويل بالجمع.

وأمّا جمع تصحيح المذكّر فكمفرده ، لأنّ سلامة نظم مفرده تدلّ على التذكير ، وكذا جمع تصحيح المؤنّث ، كما مرّ قيل ، وقضية هذا التعليل جواز الوجهين في نحو : جاء

__________________

(١) هذا خطأ ظاهر ، لأنّه في «الشمس طلع» الفاعل ضمير «هو» مذكّر ومرجعه «الشمس» مؤنّث.

١٧٠

البنون والبنات لتغير نظم المفرد فيهما ، وبه صرّح ابن مالك في التسهيل ، بل نقل الرضيّ والشاطبيّ (١) الإجماع على ذلك.

«و» لك الخيار أيضا مع المؤنّث الحقيقيّ المنفصل ، فإن شيءت ذكرت العلامة ، وإن شيءت تركتها ، لكن «يترجّح ذكرها مع الفصل بغير إلا» الاستثنائية الإيجابية ، «نحو : دخلت الدار هند ،» لأنّ المسند إليه (٢) في الحقيقة هو المؤنّث ، سواء كان ثمّ فصل أو لم يكن.

وإنّما اغتفروا تركها مع الفصل لطول الكلام ، ولأنّ الفعل بعد عن الفاعل المؤنّث ، وضعفت العناية به ، وصار الفعل كالعوض من تاء التأنيث ، فأجازوا الترك ، وإليه أشار ممثلا بقوله ، أو دخل الدار هند. قال الشاعر [من البسيط] :

٨٨ ـ إنّ امرء غرّه منكنّ واحدة

بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور (٣)

وقال المبرّد : لا يجوز مع الفصل بغير إلا غير التأنيث ، وما ذكره المصنّف هو الصحيح المشهور ، والتقييد بالحقيقيّ هو المفهوم من تمثيله ، ولو كان المؤنّث غير حقيقيّ ، وفصّل ، ترجّح تركها ، إظهارا لفضل الحقيقيّ على غيره ، سواء كان بإلا أو غيرها ، كذا قالوا.

قال الدمامينيّ : والّذي يظهر لي عكس ذلك ، وهو أن يكون الإتيان بالعلامة في الصورة المذكورة أرجح بدليل كثرته في الكتاب العزير وفشوه فيه جدّا ، فوقع فيه من ذلك ما يزيد على مأتي موضع ، والوارد فيه بترك العلامة خمسون موضعا ، أو نحوها وأكثرية أحد الاستعمإلين دليل أرجحيته ، فينبغي المصير إلى القول : بأنّ الإتيان بالعلامة في ذلك أحسن وأفصح ، وتركها حسن فصيح ، «و» يرجّح تركها «مع الفصل بها» أي بإلّا ، «نحو : ما قام إلا امرأة» ، مع جواز ما قامت إلا امراة ، على المرجوحية. والبصريّون إلّا الأخفش أوجبوا التّرك ، قالوا : لأنّ الفاعل في الحقيقة مذكّر محذوف ، والتقدير ما قام أحد إلا امرأة ، وأمّا المذكور بعد إلا فهو بدل منه.

وخصّص بعضهم جواز التأنيث بالشعر ، كقوله [من الرجز] :

٨٩ ـ ما برئت من ريبة وذمّ

في حربنا إلّا بنات العمّ (٤)

__________________

(١) الشاطبي هو أبو إسحاق إبراهيم بن موسى ، تلقّي العربيّة عن أئمة المغاربة ، صنف : شرحا على الألفية ، ومن آرائه الصائبة الاستشهاد بالحديث ، توفي بالأندلس سنة ٧٩٠ ه‍. نشأة النحاة ص ١٥٧.

(٢) لأنّ المسند «م وط».

(٣) لم يسمّ قائله.

(٤) هو مجهول الشاعر. اللغة : الربية : الشك.

١٧١

والصحيح جوازه في النثر أيضا نظرا إلى ظاهر اللفظ ، ومنه قراءة بعضهم إن كانت إلا صحيحة واحدة [يس / ٢٩] ، بالرفع فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم [الأحقاف / ٢٥] ، بضمّ التاء من ترى ، ورفع مساكنهم.

«ويرجّح» الترك أيضا «في باب نعم وبئس ، نحو : نعم أو بئس المرأة هند» ، مع (١) جواز نعمت ، أو بئست المرأة هند. فالتذكير على إرادة الجنس ، إذ ليس المراد امرأة واحدة ، بل المراد الجنس ، فمدحوه ، أو ذمّوه عموما ، ثمّ خصّوا من أرادوا مدحه أو ذمّه ، مبالغة بذكره مرّتين ، والتأنيث على مقتضي الظاهر.

تنبيه : حكم الوصف حكم الفعل المذكور ، فتلازمه العلامة إن كان الفاعل مؤنّثا حقيقيّا ، نحو : زيد قائمة أمّه ، ويجوز الوجهان في اللفظيّ ، نحو : اليوم طالعة أو طالع الشمس.

تتمّة : اللغة المشهورة أن لا يلحق عامل الفاعل إذا كان مثنّى أو مجموعا علامة تدلّ على تثنيته أو جمعه ، كما دلّت التاء على تأنيثه ، لأنّهما يعلمان من لفظه دائما بخلاف تانيثه ، فإنّه قد لا يعلم من لفظه بأن يكون مقدّرا لتأنيث ، مع أنّ في الإلحاق هنا زيادة ثقل بخلاف ثمّ ، ومن العرب من ألحق ظاهرا أو ضميرا منفصلا ألف التثنية وواو الجمع ونون الإناث ، فيقول : قاما أخواك ، وقاموا إخوتك ، وقمن الهندات ، وما قاما إلا هما ، وما قاموا إلا هم ، وما قمن إلا هنّ ، ومنه قوله عليه الصلوة والسّلام : أو مخرجي هم (٢).

قال أبو حيّان في الإرتشاف ، وذكر بعضهم أنّها من لغة أزد شنوءة (٣) وأباهم سيبويه فقال : وأعلم أنّ من العرب من يقول : ضربوني قومك وضرباني أخواك. ويسمّيها بعضهم لغة «أكلوني البراغيث» ، وابن مالك يقول : لغة يتعاقبون فيكم ملائكة ، قال : والمختار أنّها علامات تدلّ على التثنية والجمع. وذهب بعض النحاة إلى أنّها ضمائر ، واختلفوا ، فقال قوم ما بعدها منها ، وقال قوم مبتدأ ، والجملة السابقة خبر (٤) ، وهذه اللغة عند جمهور النّحويّين ضعيفة ، وكثرة ورود ذلك تدلّ على أنها غير ضعيفة ، انتهى. ثمّ الصحيح أنّها لا تمتنع مع المفردين أو المفردات المتعاطفة خلافا للخضراويّ (٥).

__________________

(١) في «س» من الأية حتى هنا محذوف.

(٢) صحيح البخاري ، ١ / ٦٠ رقم ٣.

(٣) هم حيّ باليمن ، ينسب إليهم شنائي. خزانة الأدب ٦ / ٤٦٠.

(٤) يبدو أنّ أحسن إعراب لمثل هذه الجملة هو أن نقول : الضمير البارز هو الفاعل ، والاسم الظاهر بدل من الضمير.

(٥) محمد بن يحيي بن هشام الخضراويّ ، صنّف : فصل المقال في أبنية الأفعال ، الافصاح بفوائد الايضاح ، ومات سنة ٦٤٦ ه‍. بغية الوعاة ١ / ٢٦٧.

١٧٢

الأصل تقدّم الفاعل على المفعول : مسألة تتعلّق بالفاعل : «والأصل (١)» أي الراجح «في الفاعل» الّذي ينبغي أن يكون عليه إن لم يمنع مانع «تقدّمه على المفعول» بان يلي العامل ، لأنّه كالجزء منه ، ولذا يسكن له آخر الفعل إذا كان ضميرا لكراهتهم توإلى أربع حركات ، وإنّما يكرهون ذلك في كلمة واحدة ، فدلّ ذلك على أنّها كالكلمة الواحدة بخلاف المفعول ، والأصل فيه تأخره عن الفاعل لأنّه فضله.

وقد يجوز خلاف الأصل ، فيتقدّم المفعول ، ويتأخّر الفاعل ، كما في قوله تعالى : (وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ) [القمر / ٤١] ، وقول الشاعر [من البسيط] :

٩٠ ـ جاء الخلافة أو كانت له قدرا

كما أتى ربّه موسى على قدر (٢)

«ويجب ذلك» الأصل «إذا خيف اللبس» في الفاعل لعدم ظهور الإعراب ، وعدم قرينة تمييز الفاعل من المفعول ، سواء كانا مقصورين أم اسمي إشارة أم موصولين أم مضافين إلى الياء نحو : ضرب موسى عيسى ، أو هذا ذاك ، أو من في الدّار من على الباب ، أو غلامي أبي. فيتعيّن في مثل هذه أن يكون الأوّل فاعلا ، والثاني مفعولا ، خلافا لابن الحاجّ (٣) في نقده على المقرّب (٤) لابن عصفور محتجّا بأنّ العرب يجيز تصغير عمرو وعمر على عمير مع وجود اللبس ، وبأنّ الإجمال من مقاصد العقلاء وبأنّه يجوز أن يقال : زيد وعمرو ضرب أحدهما الآخره ، وبأنّ تأخير البيان لوقت الحاجة جائز عقلا باتّفاق ، وشرعا على الأصحّ ، وبأنّ الزجاج نقل في معانيه (٥) أنّه لا خلاف بين النّحويّين في أنّه يجوز في نحو : فما زالت تلك دعواهم ، كون تلك اسمها ، ودعواهم الخبر ، وبالعكس ، هذا كلامه.

قال المراديّ : ولا يلزم من إجازة الزجاج الوجهين في الآية جواز مثل ذلك في ضرب موسى عيسى ، لأنّ التباس الفاعل بالمفعول ليس كالتباس اسم «زال» بخبرها ، انتهى.

ولو كان ثمّ ما يؤمن معه اللبس من قرينة لفظيّة كالإعراب الظاهر في تابع أحدهما أو كليهما ، نحو : ضرب موسى عيسى الظريف ، أو اتّصال علامة الفاعل بالفعل ، نحو :

__________________

(١) هذه الجملة سقطت في «س».

(٢) هو لجرير بن عطية ، من كلمة يمدح بها عمر بن عبد العزيز بن مروان.

(٣) أحمد بن محمد أحمد أبو العباس الاشبيلي يعرف بابن الحاج ، قرأ على الشلوبين وأمثاله. وله على كتاب سيبريه املاء ، ومصنف في علوم القوافي ونقود على الصحاح و... ، مات سنة ٦٤٧ ه‍. المصدر السابق ١ / ٣٥٩.

(٤) المقرّب في النحو : لابن عصفور على بن مؤمن الحضرمي المتوفى سنة ٦٦٣ شرح على هذا الكتاب. كشف الظنون ٢ / ١٨٠٥.

(٥) أشار إلى كتاب «معاني القرآن» لجماعة منهم أبو إسحاق إبراهيم السري المعروف بالزجاج النحويّ المتوفى سنة ٣١١ ه‍. المصدر السابق ٢ / ١٧٣٠.

١٧٣

ضربت موسى سعدى ، أو اتّصال ضمير الثاني بالأوّل ، نحو : ضرب فتاه موسى ، أو معنويّة ، نحو : أرضعت الصغرى الكبرى ، لا يجب ذلك الأصل ، بل يجوز تقدّم المفعول.

تنبيه : معنى وجوب تقديم الفاعل في الصورة المذكورة أنّه لا يجوز أن يتقدّم المفعول على مجرّد الفاعل ، لكنّه يجوز تقديم المفعول على الفعل والفاعل معا ، فيجوز : موسى ضرب عيسى ، على أن يكون عيسى فاعلا ، لأنّه لا يلتبس المفعول حينئذ بالفاعل ، لعدم جواز تقديم الفاعل على الفعل (١) ، صرّح به الفاضل الهنديّ. قال بعضهم : ويمكن أن يقال تنتفي هاهنا القرينة ، لأنّ تقدّم موسى قرينة على أنّ الفاعل هو عيسى.

«أو كان الفاعل ضميرا متّصلا ، و» كان «المفعول متأخّرا عن الفعل» معا ، فيجب ذلك الأصل أيضا ، سواء كان الضمير بارزا كضربت زيدا ، أو مستترا كضرب غلامه ، وسواء كان اسما ظاهرا كما مرّ أو مضمرا منفصلا ، ك ما ضربت إلا إيّاك ، أو متّصلا كضربتك ، وقيّده بكونه متأخّرا ، لئلا ينتقض بنحو زيدا ضربت ، وإنّما وجب الأصل هنا لتعذّر التأخير من حيث إنّ الفاعل متّصل ، وتأخيره مع كونه كذلك لا يمكن.

وجوب تأخير الفاعل وتقديم المفعول : «ويمتنع» الأصل المذكور ، أي يجب تأخير الفاعل وتقديم المفعول عليه «إذا اتّصل به» أي بالفاعل «ضمير المفعول» ، نحو قوله : (وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ) [البقرة / ١٢٤] ، وقوله : (يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ) [غافر / ٥٢] ، إذ لو قدّم الفاعل وأخّر المفعول في ذلك للزم عود الضمير على متأخّر لفظا ورتبة ، وذلك لا يجوز إلا في الضرورة ومواضع مخصوصة ، وسيأتي ذكرها في بحث الضمائر إن شاء الله تعالى.

وأجازه الأخفش وابن جنيّ من البصريّين وأبو عبد الله الطوال (٢) من الكوفيّين في غير ضرورة بقلّة ، وتبعهم ابن مالك نظرا إلى أنّ استلزام الفعل للمفعول يقوم مقام تقديمه ، والشواهد على وروده كثيرة جدّا ، منها قوله [من الطويل] :

٩١ ـ ولو أنّ مجدا أخلد الدّهر واحدا

من النّاس أبقى مجده الدّهر مطعما (٣)

وقوله [من الطويل] :

__________________

(١) في هذه الجملة أيضا إبهام في تعيين الفاعل والمفعول لأنّه يمكن أن نعتبر عيسى مفعولا به والفاعل ضمير مستتر يعود إلى موسى ، مثل على نصر محمدا ، إذن لإيزال الإشكال باقيا ، فالأفضل أن نقول : لا يجوز تقديم المفعول على الفاعل والفعل إذا كان إعرابهما تقديريا.

(٢) محمد بن أحمد بن عبد الله الطوال النحوي ، أحد اصحاب الكسائي ، مات سنة ٢٤٣. بغية الوعاة ١ / ٥٠.

(٣) البيت لحسان بن ثابت يرثي مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي أحد أجواد مكة.

١٧٤

٩٢ ـ كسا حلمه ذا الحلم أثواب سؤدد

ورقّي نداه ذا الندّي في ذرا المجد (١)

وقوله [من الطويل] :

٩٣ ـ ألا ليت شعري هل يلومنّ قومه

زهيرا على ما جرّ من كلّ جانب (٢)

وقوله [من السريع] :

٩٤ ـ لمّا عصي أصحابه مصعبا

أدّي إليه الكيل صاعا بصاع (٣)

وقوله [من البسيط] :

٩٥ ـ جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر

وحسن فعل كما يجزى سنمّار (٤)

وقوله [من البسيط] :

٩٦ ـ لمّا رأى طالبوه مصعبا ذعروا

وكاد لو ساعد المقدور ينتصر (٥)

وقوله [من الرجز] :

٩٧ ـ تغني حلاها هند عن حلى

 ... (٦)

قال الدمامينيّ : ورام بعضهم تأويل هذه الشواهد الدّالة عليه وهو بعيد ، إذا تأمّلت. قال ابن هشام في الأوضح : والصحيح جوازه في الشعر فقط ، وهو الإنصاف ، لأنّ ذلك إنّما ورد في الشعر ، فلا يقاس عليه.

«أو اتّصل المفعول» ، أي ويجب تأخير الفاعل إذا كان المفعول ضميرا متّصلا ، «وهو» أي والحال أنّ الفاعل «غير» ضمير «متّصل» وغيره ، أمّا ضمير منفصل ، نحو : ما ضربك إلا أنا ، أو ظاهر ، نحو : ضربك زيد ، فلو قدّم الفاعل والحال هذه ، لانفصل الضمير مع تأتّي اتّصاله ، وقد تقدّم أنّه لا يعدل عن الاتّصال مع إمكانه.

وإنّما قيّده بقوله : «وهو غير متّصل» ، لأنّه لو كان متّصلا لوجب التقديم ، نحو : أكرمتك ، كما مرّ ، «وما وقع منهما» أي من الفاعل والمفعول ، بعد إلا أو بعد معناها ، وهو إنّما ، فإنّها بمعنى إلا في إفادة الحصر على ما هو المشهور عند النحاة والأصوليّين ، والمراد أنّها بمعنى ما وإلا ، لا بمعنى إلا فقط.

ففي العبارة تسامح ، وهل هي بمعنى ما وإلا ، وحتى كأنّهما لفظان مترادفان ، أو متضمّنة معنى ذلك ، الصحيح الثاني.

__________________

(١) لم يسم قائله. اللغة : سؤدد : هو السيادة ، الذري : جمع ذروة ، وهي أعلى الشيء.

(٢) البيت لأبي جندب. اللغة : جرّ : جنى ، أي جرّ على نفسه جرائر من كلّ جانب.

(٣) هو للسفاح بن لكبير. اللغة : الكليل : ما يكال به من حديد أو خشب أو نحوهما ، الصاع : مكيال تكال به الحبوب ونحوها.

(٤) نسب هذا البيت لسليط بن سعد.

(٥) البيت لأحد أصحاب مصعب بن الزبير يرثيه. اللغة : طالبوه : الّذين قصدوا قتاله ، ذعروا : أخذهم الخوف.

(٦) ما وجدت البيت ولا قائله.

١٧٥

وإنّما لم يقل : أو إنّما ، لأنّ الواقع في إنّما ضرب عمرا زيد ، وإنّما ضرب زيد عمرا بعد إنّما هو الفعل لا الفاعل والمفعول ، وهما إنّما (١) وقعا بعد معنى إلا ، لأنّ إنّما تضمّن معنى ما وإلا ، ومعنى النّفي ملحوظ في صدر الكلام ، ومعنى إلا قبل آخر جزء من الكلام ، فالفاعل والمفعول واقعان بعد معنى إلا ، لا بعد إنّما وجب تأخّره ، فيجب تأخّر الفاعل في نحو : ما ضرب عمرا إلا زيد ، وإنّما ضرب عمرا زيد ، اذ المقصود حصر مضروبيّة عمرو في زيد ، أي ليس لعمرو ضارب إلا زيد مع جواز أن يكون زيد ضاربا لغير عمرو ، فلو قدّم والحال هذه ، وقيل ما ضرب زيد إلا عمرا ، وإنّما ضرب زيد عمرا ، كان معناه انحصار ضاربيّة زيد في عمرو ، أي ليس لزيد مضروب إلا عمرو ، مع جواز كونه مضروبا لغير زيد.

وهذا عكس الأول ، فينقلب المعنى ، ويجب تأخّر المفعول في نحو : ما ضرب زيد إلا عمرا ، وإنّما ضرب زيد عمرا ، كما وجب تأخّر الفاعل فيما تقدّم لئلا ينقلب الحصر المطلوب إذا قدّم.

وخالف الكسائي في المحصور بإلا ، وأجاز تقديمه مطلقا ، واستدلّ عليه فاعلا ، بقوله [من البسيط] :

٩٨ ـ ما عاب إلا لئيم فعل ذي كرم

ولا جفا قطّ إلا جبّأ بطلا (٢)

ومفعولا ، بقوله [من الطويل] :

٩٩ ـ تزوّدت من ليلى بتكليم ساعة

فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها (٣)

ووافقه ابن الانباريّ (٤) والفرّاء وجماعة على جوازه في هذه المسألة دون الأولى فارقين بأنّ الفاعل إذا تأخّر ، وكان المفعول المقصور عليه متقدّما ، كان تأخيره في اللفظ فقط ، لأنّه من المعلوم أنّه متقدّم في النية ، فحصل للمقصور عليه تأخير من وجه ، وهو النيّة بخلاف ما إذا كان الفاعل المقصور عليه متقدّما ، فإنّه عند تقدّمه وقع كلّ من الفاعل والمفعول في مرتبته فلم يحصل حينئذ ما يقتضيه الحال من تقديم غير المقصور عليه لفظا ورتبة ، وإنّما جاز ذلك في إلا دون إنّما ، لأنّ المقصور عليه بإلا معلوم ، تقدّم ، أو تأخّر ، فإنّ اقتران الاسم بإلا دليل على القصر عليه بخلاف إنّما ، فإنّه لا دليل معها على القصر إلا تأخير المقصور عليه.

__________________

(١) من «إنّما لم يقل» حتى هنا غير موجود في «س».

(٢) لم يسمّ قائله. اللغة : الجبّأ : الجبان.

(٣) نسب هذا البيت لمجنون بني عامر قيس بن الملوح.

(٤) عبد الرحمن بن محمد أبو البركات الأنباري النحويّ ، له المؤلفات المشهورة ، منها : الأنصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين ، ميزان العربية ، حلية العربية و... مات سنة ٥٧٧ ه‍. المصدر السابق ٢ / ٨٧.

١٧٦

وذهب الزجاجيّ إلى عدم وجوب تأخيره مع أنّما أيضا قال : بل قد يكون المتأخّر غيره أيضا ، ويفهم بالقرينة ، حكاه الشيخ بهاء الدين السبكيّ (١) وغيره ، فنقل بعضهم الإجماع على وجوب التأخير معها غير مرضيّ.

حذف فعل الفاعل : قد يحذف الفعل لقيام قرينة تدلّ عليه جوازا ، إذا أجيب به نفي كقولك : بلي زيد ، لمن قال : ما قام أحد ، أو استفهام محقّق كقولك : زيد لمن قال : من قام ، أو مقدّر كقوله [من الطويل] :

١٠٠ ـ ليبك يزيد ضارع لخصومة

ومختبط ممّا تطيح الطّوائح (٢)

على رواية ليبك بالبناء للمفعول ، كأنّه قيل : من يبكيه؟ فقال : ضارع ، أي يبكيه ضارع ، وإنّما قدّر الفعل دون الخبر ، لأنّ تقدير الخبر يوجب حذف الجملة ، وتقدير الفعل يوجب حذف جزئها ، والتقليل في الحذف أولى.

قال بعض المحقّقين ، وفيه بحث : فإنّ في حذف الخبر حفظ المناسبة بين السؤال والجواب ، وفي حذف الفعل تقليل الحذف ، والثاني لا يعارض الأوّل ، فضلا عن أن يترجّح عليه ، ألا ترى أنّهم يرجّحون رعاية المناسبة على رعاية السلامة عن الحذف في باب الإضمار على شرطية التفسير ، انتهى ، وفيه نظر.

ويحذف وجوبا إذا حذف ، ثمّ فسّر لرفع الإبهام الناشئ عن الحذف نحو قوله تعالى : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ) [التوبة / ٦] ، فأحد فاعل فعل محذوف وجوبا ، يفسّره المذكور ، فلو ذكر معه كان ضائعا بخلاف المفسّر الّذي فيه إبهام بدون حذفه ، فإنّه يجوز الجمع بينه وبين مفسّره ، كقولك : جاءني رجل أي زيد. وقد يحذف الفعل والفاعل معا جوازا للقرينة في نحو : نعم ، لمن قال : أقام زيد.

__________________

(١) أحمد بن على السبكي العلّامة بهاء الدين ، كانت له اليد الطوطى في اللسان العربي والمعاني والبيان ، صنف : عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح ، شرح مطول على مختصر ابن الحاجب و... مات سنة ٧٧٣ ه‍. المصدر السابق ١ / ٣٤٢.

(٢) هو للحارث بن نهيك. اللغة : الضارع : الخاضع والمستكين. المختبط : السائل بلا وسيلة ، أو قرابة ، تطيح : تهلك ، الطوئح : المصائب والمهالك.

١٧٧

نائب الفاعل

ص : الثاني : نائب الفاعل ، وهو المفعول القائم مقامه ، وصيغة فعله فعل أو يفعل ، ولا يقع ثاني باب علمت ، ولا ثالث باب أعلمت ، ولا مفعول له ولا معه ويتعيّن المفعول به له ، فإن لم يكن فالجميع سواء.

ش : «الثاني» ممّا يرد مرفوعا لا غير «نائب الفاعل» ، ويترجم عنه الجمهور بمفعول ما لم يسمّ فاعله ، وهذه العبارة لابن مالك. قال أبو حيّان : ولم أرها لغيره. قال ابن هشام : وهي أولى من عبارة الجمهور لما في عبارتهم من الطول والخفاء ، وصدقها على نحو : دينارا من قولك : أعطى زيد دينارا ، فهو مفعول لأعطى ، وأعطى لم يسمّ فاعله ، ولأنّ نائب الفاعل قد يكون مفعولا وغيره ، انتهى.

قال بعضهم : ولأنّها تصدق بالفعل الّذي لا فاعل له أصلا ، وهو المكفوف عن الفعل بما الزائدة ، نحو : قلّما وطالما ، وأجيب بأنّ عبارتهم صارت علما بالغلبة في عرفهم على ما يقوم مقام الفاعل من مفعول أو غيره ، بحيث لو أطلق فهم منه ذلك ، فلا يخرج عنه شيء ، ولا يدخل فيه غيره ، وقد يجاب بأنّ المراد بالصدق ، الصدق عليه في بادي النظر ، وذلك كاف في الأولويّة ، وإنّما جعل نائب الفاعل تلو الفاعل لشدّة اتّصاله به ، حتى ذهب أكثر البصريّين والجرجانيّ والزمخشريّ والتفتازانيّ إلى أنّه فاعل ، وهو أي نائب الفاعل المفعول صريحا ، أو ما في حكمه المحذوف فاعله لغرض ما قال أبو حيّان.

وذكر المتأخّرون البواعث على حذف الفاعل ، وقد (١) نظمت ذلك في أرجوزتي في قولي [من الرجز] :

١٠١ ـ وحذفه للخوف والإبهام

والوزن والتّحقير والإعظام

والعلم والجهل والاختصار

والسّجع والوقار والإيثار

«القائم مقامه» بضمّ الميم ، اسم مكان من أقام ، أي مقام الفاعل في إسناد العامل (٢) إليه ، ووجوب تأخيره عنه ، واستحقاقه للاتصال به ، وامتناع حذفه ، وتأنيث عامله لتأنيثه ، كذا قيل ، وفيه أنّه إن أريد قيامه مقامه في أصل الإسناد إليه ، فهذا المعنى ثابت له قبل صيرورته نائب فاعل ، وإن أريد قيامه مقامه في الإسناد إليه على جهة قيامه به أو وقوعه عليه فظاهر أنّه لا مجال لهذا المعنى أصلا مع خفاء المراد ، إذ لم تعلم جميع هذه الأحكام ، والمراد بالفاعل ، الفاعل النحويّ ، فلا إشكال بنحو : أنبت الربيع البقل.

__________________

(١) في «س» من هو اي نائب الفاعل حتى هنا سقط.

(٢) في إسناد الفاعل «ط».

١٧٨

«وصيغة فعله» المسند إليه «فعل» بضمّ أوّله وكسر ما قبل آخره ، إن كان ماضيا ، أو «يفعل» بضمّ أوّله وفتح ما قبل آخره ، إن كان مضارعا ، والمراد بهما التمثيل ، أي فعل أو يفعل ونحوهما ، ليعمّ نحو : افتعل واستفعل ويفتعل ويستفعل وغيرهما من الأفعال المجهولة المزيد فيها.

واقتصر على الثلاثيّ لكونه أصلا ، وما قيل من أنّ المراد بهما الماضي المجهول أو المضارع المجهول فهو تاويل لعلم الوزن بصفته المشتهرة ، كما في «لكل فرعون موسى» ، أي لكلّ ظالم عادل ، ففيه أنّ الصفة المشتهرة بها فعل أو يفعل ، فهو الماضي المجهول أو المضارع المجهول من الثلاثي المجرّد ، لا الماضي المجهول والمضارع المجهول مطلقا كذا قيل.

حكم بناء الماضي للمفعول إذا اعتلّت عينه وهو ثلاثيّ : تنبيهات : الأوّل : إذا اعتلّت عين الماضي ، وهو ثلاثي كقام وباع ، ففيه لغات ثلاث ، الأولى الكسر مخلصا ، كقيل وبيع ، وهي اللغة العليا ، الثانية : الكسر مشمّا ضمّا تنبيها على أنّ الضمّ هو الأصل ، ومعنى الإشمام هنا الإشارة إلى الضّمّ مع التلفظ بالكسر ، وهي اللغة الوسطي. الثالثة : الضمّ مخلصا نحو : قول وبوع ، وهي أضعفها وتجرى اللغات الثلاث في نحو : اختار وانقاد ، ممّا أعلّ عينه.

وأوجب الجمهور ضمّ فاء الثلاثي المضعّف ، نحو : شدّ ومدّ قال ابن هشام : والحقّ قول بعض الكوفيّين أنّ الكسر جائز ، وهي لغة بني ضبّة وبعض تميم ، وقرأ علقمه (١)(رُدَّتْ إِلَيْنا) [يوسف / ٦٥] ، (وَلَوْ رَدُّوهُ) [النساء / ٨٣] ، بالكسر ، وجوّز ابن مالك الإشمام أيضا ، وقال المهاباذيّ (٢) : من أشمّ في قيل وبيع أشمّ هنا ، انتهى.

قال في التصريح : وعلى الكسر يلغز ، ويقال : ما وجه رفع الماء في قولهم : إنّ الماء بكسر الهمزة ورفع الماء؟ وجوابه أنّ أصله «أنّ الماء في الحوض» إذا صبّه ، فحذف الفاعل ، وأنيب عنه المفعول ، وكسرت الهمزة على حدّ : (رُدَّتْ إِلَيْنا) بكسر الراء ، انتهى.

الثاني : لا يخلو العامل في هذا الباب من أن يكون فعلا أو اسم مفعول أو مصدرا ، فالفعل نحو : ضرب أو يضرب عمرو ، واسم مفعول نحو : زيد مضروب غلاماه ، والمصدر نحو : عجبت من أكل الطعام ، بتنوين أكل ورفع الطعام ، ويكون في موضع

__________________

(١) علقمة بن قيس ، تابعي ، كان فقيه العراق ، ولد في حياة النبي (ص) ، وروى الحديث عن الصحابة ، ورواه عنه كثيرون ، مات سنة ٦٢ ه‍. الأعلام للزركلي ، ٥ / ٤٨.

(٢) أحمد بن عبد الله المهاباذي الضرير من تلاميذ عبد القاهر الجرجاني ، له شرح كتاب اللمع ، بغية الوعاة ١ / ٣.

١٧٩

رفع ، كما يجوز أن تقدرّه في موضع نصب على أنّ الفاعل حذف ، ولم ينب عنه شيء كما في : (أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً) [البلد / ١٤] ، قاله ابن هشام في شرح اللمحة.

واختلف في نحو : عجبت من ضرب عمرو ، برفع عمرو ، وهل يجوز أن يكون نائبا كما يجوز بالإجماع أن يكون فاعلا ، أجازه الجمهور ومنعه الأخفش للالتباس ، واختاره الشلوبين ، وأجازه ابن خروف ، حيث لا لبس ، نحو : عجبت من جنون بالعلم زيد ، ومن أكل الطعام ، أي من أن جنّ زيد بالعلم ، ومن أن أكل الطعام.

وفي الإيضاح (١) أجاز جماعة أن يذكر مرفوع بعد المصدر ، وتقدير المصدر بأن والفعل الّذي لم يسمّ فاعله ، ويكون ما بعده مرفوعا بالنيابة ، ومن الناس من منعه ، وهو الأصحّ ، لأنّ ما يرفع الفاعل من الفعل ، أو الصفة لا يكون على صيغة ما يرفع المفعول ، والمصادر لا تختلف صيغها ، فلا يصلح فيها ذلك ، انتهى.

الثالث : ظاهر كلامه حيث قال : وصيغة فعله «فعل أو يفعل» ولم يعبّر بالتغيير أو التحويل كما فعله كثيرون أنّ صيغته أصل برأسه ، وهو مذهب الكوفيّين وابن الطراوة (٢) ، ونقله [الرضي] في شرح الكافية عن سيبويه والمازنيّ ، وذهب جمهور البصريّين إلى أنّه فرع عن فعل الفاعل ، ونقل عن سيبويه ، قال أبو حيّان : وهذا خلاف لا يجدي كبير فائدة.

الرابع : فعله لايبنى إلا من متصرّف ، وأمّا الجامد فلا يبنى منه اتّفاقا ، وفي كان وكاد وأخواتها خلاف ، والجمهور على جواز البناء منها وعليه ، فالأصحّ أن لا يقام خبرها بل إن قلنا : إنّها إن تعمل في الظرف أقيم وإلا تعيّن ضمير المصدر.

لا يقع نائب الفاعل ثاني باب علمت ولا ثالث باب أعلمت : «ولا يقع» نائب الفاعل «ثاني» مفعولي «باب علمت» ، فلا يقال : علم قائم زيدا ، «ولا ثالث» مفاعيل «باب أعلمت» ، فلا يقال : أعلم قائم زيدا عمرا ، وعلّلوا ذلك بأن كلّا من هذين المفعولين مسند إلى المفعول الأوّل في باب علمت وإلى الثاني في باب أعلمت ، فلو قام مقام الفاعل ، والفاعل مسند إليه ، صار في حالة واحدة مسندا إليه ، فامتنع.

__________________

(١) الإيضاح في النحو لأبي القاسم الزجاجي المتوفى سنة ٣٣٧ ، أو لأبي على الفارسي النحوي المتوفى ٣٧٧ ه‍.

(٢) سليمان بن محمد أبو الحسن ابن الطراوة ، كان نحويّا ماهرا ، أديبا بارعا ، يقرض الشعر ، له آراء في النحو تفرّد بها ، وخالف فيها جمهور النحاة ، وكان مبرزا في علوم اللسان نحوا وأدبا ، ألف : الترشيح في النحو ، المقدمات على كتاب سيبويه ، مات سنة ٥٢٨ ه‍ ، بغية الوعاة ١ / ٦٠٢.

١٨٠

قال الرضيّ : وفيما قالوا نظر ، لأنّ كون الشيء مسندا ومسندا إليه شيء آخر في حالة واحدة لا يضرّ كما في قولنا : أعجبني ضرب زيد عمرا ، فأعجب مسند إلى ضرب ، وضرب مسند إلى زيد ، وأجيب بالفرق ، فإنّ كلا من المفعولين مسند ومسند إليه بإسناد تامّ بخلاف المثال ، فإنّ المصدر وإن كان مسندا إليه بإسناد تامّ ، إلا أنّه لم يكن مسندا بإسناد تامّ ، وردّ بأنّ كون الإسناد تامّا لا يعقل تاثيره في المنع ، ويؤيّده عدم قيام المفعول الثاني مقام الفاعل في نحو : زيد معلوم أبوه قائما مع عدم الإسناد التامّ ، فلو كان تمام الإسناد مانعا لأقيم لارتفاع المانع ، وإنّما المؤثر في امتناع كون الشيء مسندا ومسندا إليه هو قيام أحد الشيئين بالآخر ، وذلك فيما يكون بالنسبة إلى شيء واحد.

هذا ، والمنع مطلقا هو مذهب المتقدّمين ، وأمّا المتأخّرون فأجازوه في الأمن من اللّبس ، وذلك كما إذا كان الثاني في باب علمت ، والثالث في باب أعلمت نكرة ، والآخر فيهما معرفة ، نحو : علم زيدا قائم ، وأعلم زيدا عمرا قائم ، لأنّ التنكير يرشد إلى أنّه الخبر في الأصل ، وأمّا إذا حصل الالتباس فلا.

قال الرضيّ : والّذي أري أنّ النيابة عن الفاعل في الثاني ، والثالث يجوز قياسا ، معرفة كان النائب أو نكرة ، واللّبس مرتفع مع إلزام كلّ من المفعولين مركزه ، وذلك بأن يكون ما كان خبرا في الأصل بعدها ما كان مبتدأ ، فتقول في علمت زيدا أباك ، علم زيدا أبوك ، وفي أعلمتك زيدا أباك ، أعلمك زيدا أبوك.

وليس معنى المفعول مقام الفاعل أن يلي الفعل ، بل معناه أن يرتفع بالفعل ارتفاع الفاعل ، فالمرفوع في المثال الأوّل ثاني المفعولين ، وفي المثال الآخر ثالث المفاعيل ، ولا لبس مع لزوم المركز ، كما قالوا في ضرب موسى عيسى. قال : هذا من حيث القياس ، ولا شكّ أنّ السماع لم يات إلا بقيام مفعولي علمت لكون مرتبته بعد الفاعل بلا فصل ، والجار أحقّ بصفته ، وكذا لم يسمع إلا قيام أول مفاعيل أعلمت ، كقوله [من الكامل] :

١٠٢ ـ نبّئت عمرا غير شاكر نعمتي

والكفر مخبثة لنفس المنعم (١)

لا يقع نائب الفاعل مفعولا له ولا معه : «ولا» يقع نائب الفاعل «مفعولا له» ، سواء كان باللام أو بدونها ، كما يقتضيه الإطلاق ، فلا يقال : ضرب تاديب ، ولا ضرب للتأديب ، وهو مذهب الجمهور ، وأجاز بعضهم وقوعه إذا كان بالام ، معلّلا بأنّ

__________________

(١) هو من معلقة عنترة بن شداد العبسي. اللغة : التنبئة والتنبئ مثل الانباء ، وهذه من سبعة أفعال تتعدّى إلى ثلاثة مفاعيل وهي : أعلمت وأرايت وأنبات ونبّأت وأخبرت وخبّرت وحدثت ، وإنّما تعدت الخمسة الّتي هي غير أعلمت وأ رأيت إلى ثلاثة مفاعيل لتضمنها معنى أعلمت. المخبثة : المفسدة.

١٨١

المنصوب إنّما امتنع ، لأنّه لو أقيم مقام الفاعل ، صار مرفوعا ، فيفوت الإشعار بالعلية ، بخلاف ما إذا كان باللام ، فإنّ المفيد بالعلية هو اللام ، وهي موجودة فيه.

وردّ بأنّه يلزم منه جواز قيامة ، لو قامت قرينة تشعر بالعلية وليس كذلك ، بل المنع مطلقا حاصل ، وبأنّ النصب في الظرف مشعر بالظرفيّة مع جواز قيامه ، نحو : سير يوم الجمعة.

والجواب عن الأوّل بأنّ وجود القرينة محمول على فقدانها طردا للباب ، وعن الثاني بالفرق ، فإنّ ذات الظرف تقتضي الظرفيّة ، والنصب يدلّ على قصدها بخلاف المفعول له ، فإنّ ذاته لا تقتضي العلية ، وإنّما تعلم عليته بالنصب فافترقا.

وعلّل الرضيّ المنع مطلقا بأنّ النائب مناب الفاعل ينبغي أن يكون مثله في كونه من ضروريّات الفعل من حيث المعنى ، وليس المفعول له كذلك ، إذ ربّ فعل يفعل بلا غرض لكونه عبثا ، ولهذا كان كلّ مجرور ليس من ضروريات الفعل لا يقام مقام الفاعل ، كالمجرور بلام التعليل ، نحو : جئتك للسّمن ، فلا يقال جئ للسمن ، انتهى.

«ولا» مفعولا «معه» ، لأنّ الواو فيه تدلّ على المصاحبة ، فلو حذفت فاتت ، ويخرج عن كونه مفعولا معه ، ووجودها مانع من النيابة للزوم الانفصال ، إذ أصلها العطف ، فهي دليل الانفصال ، ونائب الفاعل كالفاعل في الاتّصال ، ولأنّه ليس من ضروريّات الفعل ، ولهذا امتنع نيابة التمييز والمستثنى أيضا ، وأجاز الكسائيّ نيابة التمييز لكونه في الاصل فاعلا ، فقال في طاب زيد نفسا : طيبت نفس ، وأمّا الحال فإنّها وإن كانت من ضروريّات الفعل ، لكنّ قلّة مجيئها في الكلام منعتها من النيابة عن الفاعل الّذي لا بدّ لكلّ فعل منه.

تعيين المفعول به له وإن لم يكن فالجميع سواء : «ويتعيّن المفعول به له» أي لوقوعه موقع الفاعل إذا وجد في الكلام بلا واسطة مع غيره من سائر المفاعيل الّتي تقع موقع الفاعل ، وهي المفعول المطلق الّذي ليس للتاكيد ، وظرف الزمان والمكان والمجرور بحروف ، تقول : ضرب زيد يوم الجمعة أمام الأمير ضربا شديدا في داره ، فيتعيّن زيد تعيّن وجوب عند البصريّين ، وذلك لأنّ غيره إنّما ينوب بعد أن يقدر مفعولا به مجازا ، فإذا وجد المفعول به حقيقة لم يقدّم عليه غيره ، لأنّ تقديم غيره عليه من تقديم الفرع على الأصل من غير موجب.

قال ابن هشام : ولأنّ المفعول به قد يكون فاعلا في المعنى كقولك : أعطيت عمرا دينارا ، ألا ترى أنّه أخذ ، وأوضح من هذا : ضارب زيد عمرا ، لأنّ الفعل صادر من زيد

١٨٢

وعمرو ، حتى أنّ بعضهم جوّز في هذا المفعول أن يرفع وصفه ، نحو : ضارب زيد عمرا الجاهل ، برفع الجاهل ، لأنّه نعت لمرفوع في المعنى ، انتهى.

وخالف الكوفيّون والأخفش من البصريّين ، فقالوا : إنّما هو تعيين أولوّية ، لكن الكوفيّون أجازوا وقوع غيره مطلقا كقراءة أبي جعفر (١) : (لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) [الجاثية / ١٤] ، والأخفش يشترط تقدّم النائب على المفعول تمسّكا بقراءة شاذّة : (لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ) [الفرقان / ٣٢] بالنصب ، وبقوله [من الرجز] :

١٠٣ ـ مادام معينا بذكر قلبه

 ... (٢)

وبأبيات أخر ، والكلّ متأوّل عند المانعين. قال بعض المحقّقين : وحمل التعيين على الأولويّة أشدّ مناسبة بقوله فيما يأتي.

«فإن لم يكن فالجميع سواء» ، أي فإن لم يوجد المفعول به بلا واسطة في الكلام ، فالجميع أي جميع ما سواه من المفاعيل سواء ، أي مستوية في الوقوع موقع الفاعل ، لا يفضل بعضها بعضا ، فإذا حذفت زيدا من قولك : ضربت زيدا يوم الجمعة ضربا شديدا في داره ، وأردت إقامة غيره أقمت ما شيءت ، نصّ عليه غير واحد ، منهم الجزوليّ وابن الحاجب.

ورجّح بعضهم المجرور ، لأنّه مفعول به ، وإن كان بواسطة ، ورجّح بعضهم المصدر والظرفين ، لأنّها مفاعيل بلا واسطة ، ورجّح بعضهم المصدر لذلك ، ولأنّ دلالة الفعل عليه أقوي ، ورجّح أبو حيّان ظرف المكان لأنّه أقرب إلى المفعول به ، لأنّ دلالة الفعل عليه بالالتزام خلاف المصدر والزمان. قال الرضي : والأولى أن يقال : كلّ ما كان أدخل في عناية المتكلّم واهتمامه بذكره وتخصيص الفعل به فهو أولى بالنيابة ، وذلك إذن مفوّض إلى اختياره ، انتهى.

تنبيهات : الأوّل : يشترط في المصدر والظرف الاختصاص والتصرّف ، فلا يجوز ضرب ضرب ، ولا صيم زمن ، ولا اعتكف مكان ، لعدم اختصاصها ، فإن قلت : ضرب ضرب شديد ، وصيم زمن طويل ، واعتكف مكان حسن ، جاز لحصول الاختصاص بالوصف ، ولا يجوز سبحان الله ، على أن يكون نائبا عن فاعل فعله المقدّر أي يسبّح سبحان الله ، ولا حبس عندك أو معك لعدم التصرّف.

__________________

(١) أبو جعفر يزيد بن القعقاع القارئ ، كان إمام الناس في القرأءة إلى أن توفّي سنة ١٣٣ ه‍ بالمدينة. ابن خلكان ، وفيات الأعيان ، ج ٦ ، بيروت دار صادر ، ١٩٧٧ م ، ص ٢٧٤.

(٢) ما وجدت البيت.

١٨٣

ومنع البصريّون إقامة وصف المصدر والظرف مقام موصوفها ، فلا يقال في ضرب ضرب شديد : ضرب شديد ، ولا في صيم زمن طويل ، صيم طويل ، وأجازه الكوفيّون ، ويشترط في المجرور أن لا يلزم الجار وجها واحدا في الاستعمال ، كمذ ومنذ وربّ والكاف وما خصّ بقسم أو استثناء.

الثاني : المجرور إن جرّ بحروف زائد فلا خلاف في كونه هو النائب وحده ، وهو محلّ رفع بالنيابة كأحد ، فيما ضرب من أحد ، وإن جرّ بغيره ففيه أقوال : أحدها : وعليه الجمهور ، أنّ النائب هو المجرور وحده ، كما لو كان الجار زائدا ، الثاني : أنّه حرف الجرّ وحده ، وهو مذهب الفرّاء ، قال ابن هشام : ولقد أبعد في ذلك ، لأنّ الحروف لاحظّ لها في الإعراب لا لفظا ولا محلّا. الثالث : أنّه الجارّ والمجرور معا ، وهو قول ابن مالك. قال أبو حيّان : ولم يقل بذلك أحد غيره. وقال ابن هشام : إنّه غير ظاهر ، أي لأنّ نائب الفاعل مسند إليه ، ولا إسناد إلى مجموع الجار والمجرور. الرابع : أنّ النائب ضمير مبهم مستتر في الفعل ، وجعل مبهما ليحتمل ما يدلّ عليه الفعل من مصدر أو ظرف مكان أو زمان ، إذ لا دليل على تعيين أحدها. الخامس : أنّ النائب ضمير عائد على المصدر المفهوم من الفعل ، وهو قول ابن درستويه.

الثالث : إذا بني فعل لازم للمفعول ، ففي النائب أقوال : أحدها : ضمير المصدر ، نحو : جلس ، أي الجلوس ، وعليه الزجاجيّ وابن السّيّد (١). وجعل أبو حيّان فيه اختصاصا ، أي الجلوس المعهود. ثانيها : ضمير مجهول ، وعليه الكسائيّ وهشام ، لأنّه لمّا حذف الفاعل أسند الفعل إلى أحد ما يعمل فيه المصدر أو الوقت أو المكان ، فلم يعلم أيّ ها المقصود ، فأضمر ضمير مجهول. الثالث : أنّه فارغ ، لا ضمير فيه ، وعليه الفرّاء ، قاله في الهمع.

__________________

(١) أحمد بن أبان بن السّيّد اللغويّ الأندلسيّ ، كان عالما وإماما في اللغة والعربية ، صنّف : العالم في اللغة مائة مجلد ، شرح كتاب الأخفش ، مات سنة ٣٨٢ ه‍. المصدر السابق ١ / ٢٩١.

١٨٤

المبتدأ والخبر

ص : الثالث والرابع : المبتدأ والخبر.

فالمبتدأ : هو المجرّد عن العوامل اللفظيّة ، مسندا إليه أو الصفة الواقعة بعد نفي أو استفهام رافعة لظاهر أو ما في حكمه ، فإن طابقت مفردا فوجهان ، نحو : زيد قائم ، وأقائم وما قائم الزيدان ، أو زيد ، وقد يذكر المبتدأ بدون الخبر ، نحو : كلّ رجل وضيعته ، وضربي زيدا قائما ، وأكثر شربي السويق ملتوتا ، ولو لا علي (ع) لهلك عمر ، ولعمرك لأقومنّ ، ولا يكون نكرة إلا مع الفائدة.

ش : «الثالث والرابع» ممّا يرد مرفوعا لا غير ، «المبتدأ والخبر» ، وسمّي الأوّل مبتدأ ، تنبيها على أنّ حقّه التقديم ، والثاني خبرا تنبيها على أنّه مناط الفائدة حتى كأنّه الخبر الّذي هو كلام احتمل الصدق والكذب ، أو أنّه نفس الأخبار والأعلام.

«فالمبتدأ هو» الاسم حقيقة أو حكما ، وهذا كالجنس شامل للمحدود وغيره من الأسماء «المجرّد عن العوامل» جمع عامل ، وقد عرفت له معنيين ، والمقام صالح لكلّ منهما. «اللفظيّة» المنسوبة إلى اللفظ نسبة الفرد إلى كليّة أو المفعول إلى المصدر ، والمراد بها غير الزائدة إذ وجود الزائدة كالعدم ، وخرج به بقيّة المرفوعات.

فإن قيل : التجريد عن العوامل يقتضي سبق وجودها ، ولم يوجد في المبتدأ عامل قطّ ، قيل : قد ينزّل الإمكان مترلة الوجود ، كقولك للحفّار : ضيّق فم الركيّة (١) ، وقولهم : سبحان من صغّر جسم البعوضة ، وكبّر جسم الفيل ، وهو هنا من هذا القبيل.

لا يقال : التجريد سلب الوجود من حيث المعنى ، واللام في العوامل للاستغراق ، فيكون المعنى : المبتدأ هو الاسم الّذي لم يوجد فيه كلّ عامل لفظيّ ، وسلب الكلّ يوجب سلب العموم ، لا عموم السلب ، فيصدق عند عدم بعض العوامل ووجود البعض ، لأنّ التجريد عن شمول الوجود ، كما يكون بشمول العدم يكون بالافتراق أيضا ، لأنّا نقول : اللام في العوامل ليست للاستغراق ، بل للماهيّة وسلب ماهية العوامل يستلزم سلب كلّ فرد من أفرادها ، سلمنا أنّها للاستغراق ، فالتجريد وإن كان سلبا من حيث المعنى ، لكنّه ليس سلبا بسيطا ، بل على وجه العدول ، إذ النسبة إيجابيّة ، وإثبات التجريد عن جميع العوامل بأن لا يوجد فيه عامل على سبيل عموم السلب لا سلب العموم فيكون المعنى : هو الاسم الّذي لم يوجد فيه عامل لفظيّ ، سلّمنا أنّه بسيط فيفيد سلب العموم ، وسلب العموم يحتمل شمول العدم والافتراق ، إلا أنّ الأوّل متعيّن هنا

__________________

(١) الركيّة : البئر لم تطو.

١٨٥

بالقرينة ، وهو الاصطلاح على أنّ المبتدأ هو الاسم الّذي لم يوجد فيه عامل لفظيّ ، قاله الفاضل الهنديّ.

«مسندا إليه» حال من الضمير المستكن في قوله «المجرّد» ، وخرج به الأسماء المعدودة وأسماء العدد والأفعال وأسماء الحروف التهجّي والأصوات.

«أو الصفة» عطف على قوله الاسم ، وأو لمنع الخلود دون الجمع ، وليست للشكّ والتشكيك ، ولا تنافي التعريف ، والمراد بالصّفة المشتقّ الّذي له عمل كاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة واسم التفضيل ، أو الجاري مجرى المشتقّ كالمنسوب حال كونها واقعة بعد نفي بحرف أو اسم كما سيأتي أو استفهام (١) كذلك.

«رافعة» حال ثانية من الصفة ، أي حال كونها رافعة «لظاهر» ، نحو : أقائم الزيدان «أو ما في حكمه» وهو الضمير المنفصل ، فإنّه في حكم الظاهر من حيث الاستقلال ، نحو : (أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي) [مريم / ٤٦]. هذا مذهب البصريّين ، ومنع الكوفيّون رفع الصفة للضمير المنفصل فأوجبوا في نحو : أقائم أنت ، كون الاسمين مبتدأ وخبرا ، على التقديم والتأخير ، وتبعهم الزمخشريّ والسهيليّ (٢) ، ونقل ابن الحاجب الإجماع على ذلك في أمإليه (٣) ، وهو وهم منه ، كما قال ابن هشام.

فظهر بطلان قول كثير من شرّاح كافية من أنّ المراد بالظاهر في قوله «رافعة لظاهر» اللغويّ ، ليتناول الضمير المنفصل ، فعمدوا إلى إخراج الظاهر عن الظاهر ، وحكموا بأنّه أراد ما لم يرده ، وكيف وهو يصرّح بالإجماع على أنّ الصفة لا ترفع ضميرا منفصلا.

وحجّة الكوفيّين أنّ الضمير المرتفع بالفعل لا يجاوره منفصلا عنه ، لا يقال : قام أنت ، فكذا الوصف ، وأجيب بالفرق ، وذلك أنّه إنّما انفصل مع الوصف لئلّا يجهل معناه ، لأنّه يكون معه مستتر بخلافه مع الفعل ، فإنّه يكون بارزا كقمت ، ولأنّ طلب الوصف لمعموله دون طلب الفعل ، فلذلك احتمل معه الوصف ، ولأنّ المرفوع بالوصف سدّ في اللفظ مسدّ واجب الفصل ، وهو الخبر بخلاف فاعل الفعل ، قال ابن هشام ، وممّا يقطع به على بطلان مذهبهم قوله تعالى : (أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي) [مريم / ٤٦] ، وقول الشاعر [من الطويل] :

__________________

(١) بعد نفي أو الصفة بحرف أو اسم كما سيأتي او استفهام بعد نفي «ط».

(٢) عبد الرحمن بن عبد الله أبو القاسم السهيلي ، كان عالما بالعربية واللغة والقراءات ، صنّف : الروض الأنف في شرح السيرة ، التعريف والإعلام بما في القرآن من الأسماء والأعلام ، توفّي سنة ٥٨١ ه‍ ، المصدر السابق ٢ / ٨١.

(٣) أمإلى ابن الحاجب مجلّد فيه تفسير بعض الآيات وفوائد شتي من النحو على مواضع من المفصل ومواضع من الكافية في غاية التحقيق. كشف الظنون ١ / ١٦٢.

١٨٦

١٠٤ ـ خليليّ ما واف بعهدي أنتما

إذا لم تكونا لي على من أقاطع (١)

فإنّ القول بأنّ الضمير في الأية مبتدأ كما زعم الزمخشريّ مؤدّ إلى فصل العامل عن معموله بالأجنبيّ ، والقول بذلك في البيت مؤدّ إلى الاخبار عن الاثنين بالواحد.

وأجاب الإمام الحديثيّ (٢) عن الآية يمتنع تعلّق الجار براغب المذكور ليلزم المحذور ، بل يجعل متعلّقا بمقدّر بعد أنت مدلول عليه بالمتقدّم أراغب أنت ترغب عن آلهتي ، وعن البيت باحتمال أن يكون أنتما مبتدأ ، خبره الجملة الشرطيّة بعده مع الجواب المحذوف المدلول عليه بقوله : ما واف بعهدي ، والتقدير ما أنتما خليليّ إذا لم تكونا لي على من أقاطعه ، فما أحد واف بعهدي ، أي إنّ عدم قيامكما معي على من أقاطعه سبب لأن لا يكون أحد يفي بعهدي ، لأنّ من سواكما ليس عندي في مرتبتكما من خلوص المودّة وصدق الإخاء ، فإذا لم تساعداني ولم تكونا لي على من أقاطعه ، لم يف أحد بعهدي لاتّسائه بكما وادّعائه أنّه أحقّ بعدم الوفاء.

تنبيهات : الأوّل : قيل هذا الحدّ منقوض بالمجرور بلعلّ ولو لا وربّ في نحو : لعلّ زيد قائم ، ولولاك لكان كذا ، وربّ رجل صالح لقيته ، فإنّ المجرور في هذه المواضع مرفوع محلّا ، على أنّه مبتدأ كما قاله ابن هشام في المغني وغيره ، مع أنّه ليس مجرّدا عن العوامل اللفظيّة غير الزائدة ، وأجيب بأنّها في حكم الزائدة لشبهها بها في كونها لا تتعلّق بشيء.

الثاني : قيل هذا الحدّ منقوض أيضا بقولهم : لا نولك أن تفعل كذا (٣) ، فإنّ النول هنا مبتدأ ، وأن تفعل فاعل به مغن عن الخبر ، مع أنّه غير صفة ، انتهى. وقد يجاب بمنع أن تفعل فاعلا به ، وإنّما هو خبر للنّول كما قال أبو حيّان.

الثالث : وقوع الصّفة بعد نفي أو استفهام شرط لازم عند جمهور البصريّين ، وعن سيبويه جواز الابتداء بها من غير شرط مع قبح ، واختاره ابن مالك.

وذهب الأخفش والكوفيّون إلى جوازه دون قبح ، «فإن طابقت» الصفة الواقعة بعد نفي أو استفهام اسما مرفوعا بها مفردا واقعا بعدها ، ففيه «وجهان» : كون الصفة مبتدأ وما بعدها مرفوعا سدّ مسدّ الخبر ، وكونها خبرا وما بعدها مبتدأ ، وقدّم الخبر للاستفهام الّذي حقّه الصّدر وبخلاف ما إذا لم تطابق مفردا وعدم مطابقتها للمفرد ،

__________________

(١) لم يسمّ قائله. اللغة : أقاطع : فعل مضارع من المقاطعة ، وهي الهجر.

(٢) الإمام ركن الدين الحديثي الحسن محمد العلويّ ، من شراح الكافية ، المتوفى سنة ٧١٥ ه‍ بالموصل.

المصدر السابق ٢ / ١٣٧٦.

(٣) لا نولك أن تفعل كذا : لا ينبغي لك.

١٨٧

إمّا بان لا تطابق المذكور بعدها أصلا ، أو تطابقه ، ولكن لا مفردا ، فالأوّل مثل : «أقائم الزيدان وأقائمان زيد».

ففي الصورة الأولى يتعيّن أن تكون الصفة مبتدأ ، وما بعدها مرفوعا بها ، إذ لو كانت خبرا لما بعدها لوجبت المطابقة في التثنية والجمع ، فإنّ المطابقة واجبة في هذا النوع بين المبتدأ والخبر ، وفي الصورة الثانية ممتنعة لأنّها تركيب فاسد.

والثاني كقولك : أقائمان الزيدان؟ وأقائمون الزيدون؟ فتتعيّن الصفة أن تكون خبرا مقدّما ، إذ لو كانت رافعة للظاهر هنا لما ثنّيت ولا جمعت على اللغة الفصحي ، ويجوز ذلك على غيرها.

ولمّا فرغ من حدّ المبتدأ ، أراد أن يمثّل له ليزداد وضوحا ، فقال : نحو زيد قائم مثال للاسم المجرّد عن العوامل اللفظيّة مسندا إليه ، ومثله (أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) [البقرة / ١٨٤] ، فإنّ المؤوّل كالصريح و (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ) [فاطر / ٣] ، وبحسبك درهم ، وقوله [من الطويل] :

١٠٥ ـ ...

لعلّ أبي المغوار منك قريب (١)

وما قائم الزيدان مثال للصفة الواقعة بعد حرف نفي ، ومثله : إن قائم الزيدان ، وغير مضروب العمروان ، أو أقائم الزيدان؟ مثال للصفة بعد حرف استفهام ، ومثله هل قائم الزيدان؟ ومتى قائم الزيدان؟ وأين قاعد الزيدان؟ وكيف مقيم العمروان؟ وكم ماكث البكران؟ وأيّان قادم الخالدان؟ إذ النفي والاستفهام بالاسم مثلهما بالحرف ، فلا وجه لتخصيص الحرف كما صنع غير واحد.

أو أقائم زيد؟ مثال للصفة المطابقة للمفرد ، فقائم يجوز أن يكون مبتدأ ، وما بعده فاعلا سدّ مسدّ الخبر ، وزيد يجوز أن يكون مبتدأ مؤخّرا ، وما قبله خبرا مقدّما ، كما تقدّم ، فإن رجّح الأوّل بأنّ الأصل في المقدّم الابتداء عورض بأنّ الأصل في الصفة الخبريّة ، فلمّا تعارض الأصلان تساقطا.

وبما تقّرر علم أنّ المبتدأ نوعان : مبتدأ له الخبر : وهو الاسم المسند إليه ، ومبتدأ لا خبر له ، وهو الصّفة ، واستغنت عن الخبر ، لأنّها في معنى الفعل ، والفعل لا يخبر عنه ، لكن لها مرفوع يغني عن الخبر.

__________________

(١) البيت لكعب بن سعد الغنوي ، من قصيدة مستجادة يرثي فبها أخاه أبا المغوار وصدر البيت «فقلت أدع أخري وارفع الصوت جهرة» اللغة : جهرة : علنا.

١٨٨

حذف الخبر وجوبا : وقد يجئ النوع الأوّل من المبتدأ ، محذوف الخبر وجوبا ، وذلك في أربع مسائل : إحداها : بعد واو صريحة في المعيّة ، «نحو : كلّ رجل وضيعته» ، بفتح الضاد المعجمة ، أي حرفته ، وسمّيت بذلك لأنّها تضيع بالترك ، أو لأنّ صاحبها يضيع بتركها ، فكلّ مبتدأ ، ورجل مضاف إليه ، وضيعته معطوف على المبتدأ ، والخبر محذوف وجوبا ، أي مقرونان ، وإنّما حذف لدلالة الواو وما بعدها على المصحوبيّة ، ووجب الحذف لقيام الواو مقام مع ، ولو جئ بمع مكان الواو كان كلاما تامّا.

هذا مذهب جمهور البصريّين ، وذهب الكوفيّون والأخفش إلى أنّه مبتدأ لا يحتاج إلى خبر لتمامه وصحّة معناه أي مع ضيعته ، واختاره ابن خروف ، والتقييد بالصريحة في المعيّة احتراز عن المحتملة لها وللعطف ، نحو : زيد وعمرو ، فلك أن تأتي بالخبر وتقول : مقرونان ، وأن تحذفه اعتمادا على فهم السامع من الاقتصار عليهما معنى المصاحبة والاقتران ، ومن ذكره قوله [من الطويل] :

١٠٦ ـ ...

وكلّ امرئ والموت يلتقيان (١)

تنبيه : ذكر بعضهم في نحو المثال المذكور إشكالا ، وهو أنّ الضمير في ضيعته لا يجوز أن يعود إلى كلّ ، ولا إلى رجل. أمّا الأوّل فلأنّ التقدير عليه كلّ وضيعة كلّ ، وهذا ليس المرجع ، لأنّه مطلق ، وذاك مقيّد بالنسبة الإضافيّة. وأمّا الثاني فلأنّ التقدير كلّ رجل وضيعة رجل ، وهذا لا يصحّ أيضا ، لأنّ الّذي ذكر ، شامل لجميع الأفراد بقرينة أداة العموم ، ورجل وحده لا يفيد ذلك.

والجواب أنّ الضمير يرجع إلى كلّ رجل ، وكما أنّه نائب عن أفراد متكثرة ، فضميره نائب عن ضمائر كثيرة يعود بكلّ اعتبار إلى رجل ، فكأنّه قيل : زيد وضيعته ، وعمرو وضيعته ، وهكذا لأنّ الضمير عين مرجعه ، فإذا كان مرجعه عاما ، كان هو عامّا كذلك ، ولذلك حكم بعضهم أنّ الضمير إذا عاد إلى نكرة ، أو فسّر نكرة ، كانت نكرة.

والثانية : قبل الحال الممتنع كونها خبرا عن المبتدأ المذكور قبلها بأن يكون المبتدأ مصدرا عاملا في اسم مفسّر لضمير ذي حال لا يصحّ كونها خبرا عن المبتدأ المذكور ، نحو : «ضربي زيدا قائما» ، أو مضافا إلى المذكور ، نحو : «أكثر شربي السوى ق ملتوتا» ، أو إلى مؤوّل به ، نحو : أخطب ما يكون الأمير قائما ، فقائما في الصورة الأولى والثالثة ، وملتوتا في الثانية أحوال لا تصحّ أخبارا عن المبتداءات المذكورة ، لأنّها لا توصف بالقيام ونحوه ، والأولى محتملة لأن تكون من الفاعل ومن المفعول كما قال الزمخشريّ ، و

__________________

(١) البيت للفرزدق وأوّله : تمنّوا إلى الموت الّذي يشعب الفتى. اللغة : يشعب : يفرّق.

١٨٩

زعم أبو حيّان أنّه لا يجوز كونها من المفعول إلا بدليل ، لأنّ التقييدات بالأحوال والصفات وعود الضمائر لا تكون إلا لأقرب مذكور ، والثانية متعيّنة لأن تكون من المفعول ، والثالثة من الفاعل ، وكلّ من ضربي وشربي وما يكون المؤوّل بالكون مصادر عاملة في مفسّر ذي الحال ، وهو الضمير المستتر فيها يقدّر من الخبر المحذوف وجوبا.

واختلف فيه ، فمذهب سيبويه وجمهور البصريّين إلى أنّه ظرف زمان مضاف إلى فعله ، والتقدير ضربي زيدا إذ كان قائما في المضيّ. وإذا كان في الاستقبال ، والخبر في الحقيقة متعلّق هذا الظرف من وصف أو فعل ، وكان المقدّرة تامّة لا ناقصة ، والحال من الضمير المستتر فيها ، وهي العامل في الحال ، ومفسّر هذا الضمير هو معمول المصدر كزيد والسوى ق والأمير في الأمثلة ، وإنّما لم تقدّر كان ناقصة ، والمنصوب خبرا لها لأمرين : أحدهما التزامهم تنكيره فلا يقال ضربي زيدا القائم ، والثاني وقوع الجملة الاسميّة مقرونة بالواو موقعه كالحديث : أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد (١).

قال ابن هشام : وهو أقوي دلالة على أنّه حال ، لأنّ الخبر لا يقترن بالواو ، والدّالّ على تعيين الخبر الّذي هو حاصل أو نحوه الأخبار عن الضرب بكونه مقيّدا بالقيام مثلا ، إذ لا يمكن تقييده إلا بعد حصوله (٢) ، واللفظ السادّ مسدّ الخبر هو الحال ، فقد وجد شرط وجوب الحذف.

وذهب الأخفش وتبعه عضد الدولة (٣) إلى أنّه مصدر مضاف إلى ذي الحال ، والتقدير ضربي زيدا ضربه إذا كان قائما ، وشربي السوى ق شربه ، وأخطب كون الأمير كونه ، فضربه خبر ضربي ، وهو مضاف إلى ذي الحال ، وهو الهاء وكذا شربه ، وكونه خبران لأكثر وأخطب ، واختاره ابن مالك في التسهيل. قال ابن هشام : إنّه أولى لأنّه قدّر اثنين ، وقدّروا خمسة ، ولأنّ التقدير في اللفظ أولى ، انتهى.

قيل : ولأنّ حذف إذا مع الجملة المضاف إليها لم يثبت في غير هذا الموضع وللمعدول عن ظاهر معنى كان الناقصة إلى التامّة ، إلا أنّه يرد عليه حذف المصدر مع بقاء معموله ، وهو ممتنع عند الأكثر إلا أن يقال : القرينة الدّالّة على حذفه قويّة ، فلا بأس بالحذف ، كما قال سيبويه : إنّ تقدير ما لك وزيدا ، ما لك وملابستك زيدا ، ولا يجوز تقدير الخبر بعد الحال كما نقله ابن السّيّد عن الكوفيّين ، لأنّه تقدير ليس في اللفظ ما

__________________

(١) صحيح مسلم ١ / ٣٥٠.

(٢) بعد حصوله ممكنا «ح».

(٣) عضد الدولة «فنّا خسرو) (ت ٣٧٢ ه‍ / ٩٨٣ م) أعظم ملوك بني بويه رعي العلماء والأدباء مدحه المبتني. المنجد في الأعلام ص ٣٧٥.

١٩٠

يدلّ عليه ، فكما يجوز أن تقدّره ثابت مثلا يجوز أن تقدّره منفيّ ، ولأنّه حينئذ يكون من الحذف الجائزة لا الواجب ، لأنّ قائما إذ ذاك يكون حالا من زيد ، والعامل فيه المصدر ، فيعمل في الحال فلا يسدّ مسدّه ، لأنّها من صلته.

وقيل : الخبر نفس الحال ، كما قيل به في الظرف ، وقيل : الحال أغنت عنه ، كما أغني مرفوع الوصف عن الخبر ، والصحيح ما قدّمناه من أنّ الخبر محذوف وجوبا لسدّ الحال مسدّه. قال ابن عصفور : وإنّما صحّ للحال أن تسدّ مسدّ الخبر ، لأنّها بمترلة الظرف في المعنى ، ألا ترى أنّه لا فرق بين ضربي زيدا قائما ، وضربي زيدا وقت قيامة ، فكلّ منهما سدّ مسدّ الخبر ، وكلّ منهما على معنى في ، والظرف يسدّ مسدّ الخبر فكذا الحال ، انتهى.

تنبيهان : الأوّل : تقييد المبتدإ بكونه مصدرا أو مضافا إليه أو مؤوّلا به يؤخذ منه أنّ المبتدأ نفسه لا يكون مؤوّلا بالمصدر ، ولا يجوز أن تضرب زيدا قائما خلافا لبعض الكوفيّين ، وتقييد المصدر بالعمل في اسم مفسّر لضمير ذي الحال احتراز من أن يكون المصدر عاملا في صاحب الحال نفسه ، فإنّ الحال لا تسدّ مسدّ الخبر حينئذ ، نحو : ضربي زيدا قائما شديدا ، فإنّ قائما حال من زيد ، والعامل فيها هو العامل في زيد ، وهو ضربي ، فلا تغني عن الخبر ، لأنّها حينئذ من صلته ، وتقييد الحال بكونها غير صالحة للخبريّة احتراز من نحو : ضربي زيدا شديدا ، فالرفع واجب لصلاحيّتها للخبريّة ، وشذّ قولهم لرجل حكموه عليهم ، وأجازوا حكمه ، حكمك مسمّطا بتشديد الميم وطاء مهملة ، أي حكمك لك مثبتا.

الثّاني : يجوز عند الأخفش والمبرّد والفارسيّ رفع الحال في الصورة الثالثة ، وهي أفعل المضاف إلى ما المصدريّة ، نحو : أخطب ما يكون الأمير قائما ، ومنعه سيبويه ، قال الرضيّ : والأولى جوازه ، لأنّك جعلت ذلك الكون أخطب مجازا ، فجاز جعله قائما أيضا بخلاف المصدر الصريح ، كما في ضربي زيدا مجازا ، فجاز جعله قائما أيضا بخلاف المصدر الصريح ، كما في ضربي زيدا قائما ، إذ لا مجاز في أوّل الكلام ، ولا شكّ أنّ المجاز يؤنس بالمجاز ، انتهى.

والثالثة : بعد لو لا الامتناعيّة إن كان كونا مطلقا ، نحو : «لولا على لهلك عمر» ، أي لولا على موجود ونحوه ، فجاز حذفه للعلم به من لو لا الدالّة على امتناع الشيء لوجود غيره ، ووجب لسدّ الجواب مسدّه ، وسيأتي الكلام على هذه المسألة مستوفيا في حديقة المفردات ، إن شاء الله تعالى.

١٩١

الرابعة : بعد مبتدأ صريح في القسم ، نحو : «لعمرك» أو ليمين الله «لأقومنّ» ، أي لعمرك أو ليمين الله قسمي ، فحذف الخبر للعلم به ، إذ تعيّن ذلك للقسم دالّ على تعيين المحذوف ، ووجب الحذف لسدّ جوابه مسدّه ، ووجه تعيّنها للقسم أنّ اللام لا تستعمل معها إلا فيه ، ولا يجوز كونهما خبرين ، والمحذوف المبتدأ كما [قال أبو حيّان] في الإرتشاف ، وهي لا تكون في الخبر. قال أبو حيّان : وليست جواب قسم محذوف. قيل : لأنّ القسم لا يدخل على القسم ، وفيه نظر ، فقد ورد : (وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللهُ يَشْهَدُ) [التوبة / ١٠٧] ، انتهى.

وجوّز ابن عصفور أن يكون المحذوف في ذلك هو المبتدأ ، والتقدير لقسمي عمرك ، والأوّل أولى ، لأنّ الحذف بالاعجاز أولى منه بالأوائل والاحتراز بالصريح من غير الصريح في القسم ، وهو ما يصلح له ولغيره ، نحو : عهد الله لأفعلنّ ، أي على ، فيجوز حذف على وإثباته ، لأنّه لا يشعر بالقسم ، حتى يذكر المقسم عليه ، بخلاف نحو : لعمرك وأيمن الله وأمانة الله ممّا هو صريح في القسم.

والعمر بضمّ العين وفتحها ، ويلزمه الفتح مع اللام ، لأنّ القسم موضع التخفيف لكثرة استعماله ، وهو مصدر محذوف الزوائد ، أصله تعميرك ، ومعناه البقاء والحياة ، فمعنى لعمرك لأقومنّ : وحياتك لأقومنّ ، ويلزم الإضافة إلى الظاهر والمضمر مع اللام ودونها. وللنحاة فيه كلام منتشرة لا نطوّل بذكره ، ويجوز إدخال الباء عليه كقوله [من الوافر] :

١٠٧ ـ رقيّ بعمركم لا تهجرينا

ومنّينا المني ثمّ امطلينا (١)

حذف خبر المبتدإ جوازا : واعلم أنّ المصنّف لو أخّر ذكر هذه المسائل بعد الخبر لكان أولى كما فعله جميع المصنّفين ، إذ قد تعرّض لذلك هنا ، فلنتمّم الفائدة بذكر حذف الخبر جوازا وحذف المبتدأ جوازا ووجوبا.

أمّا حذف الخبر جوازا فعند قيام القرينة ، نحو : قولك بعد الاستفهام عن المخبر عنه : زيد ، لمن قال : من عندك ، أي عندي زيد ، والعطف عليه ، نحو : زيد قائم وعمرو ، قال تعالى : (أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها) [الرعد / ٣٥] أي دائم ، وفي غير ذلك ، نحو : (وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ ... وَالْمُحْصَناتُ) [المائدة / ٥] أي حلّ لكم.

__________________

(١) هو لعبيد الله بن قيس الرقيات. اللغة : رقّي : ترخيم رقية ، وهي امرأة كان يتغزل بها الشاعر ، لا تهجرينا : لا تتركينا.

١٩٢

قال ابن مالك : وبعد إذا الفجائية ، نحو : خرجت فإذا السبع ، أي حاضر ، وهو قليل ، وتبعه ابن هشام في الأوضح ، وهو بناء على أنّ إذا حرف ، أمّا القائل بأنّها للمكان فلا يقدّر محذوفا ، بل يجعلها هي الخبر كما سيأتي تحقيقه في حديقه المفردات ، إن شاء الله تعالى.

وأمّا حذف المبتدأ فعند قيام القرينة أيضا ، نحو قولك : زيد ، لمن قال : من هذا ، أي هذا زيد ، وهو كثير بعد الاستفهام ، قال الله تعالى : (وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ* نارُ اللهِ) [الهمزة ٦ و ٥] ، أي هي نار الله ، (وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ* نارٌ حامِيَةٌ) [القارعة ١١ و ١٠] ، (ما أَصْحابُ الْيَمِينِ* فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ) [الواقعة / ٢٧ و ٢٨] ، (أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ) [الحج / ٧٢] ، وبعد فاء الجواب (مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها) [فصلت / ٤٦] ، أي فعمله لنفسه وإساءته عليها ، (وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ) [البقرة / ٢٢٠] ، أي فهم (فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌ) [البقرة / ٢٦٥] ، (وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ) [فصلت / ٤٩] ، وبعد القول نحو : (وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) [الفرقان / ٥] ، (قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) [الذاريات / ٥٢] ، (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ) [الكهف / ٢٢] ، وفي غير ذلك نحو قوله تعالى : (لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ) [الأحقاف / ٣٥] ، أي هذا بلاغ بدليل (هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ) [إبراهيم / ٥٢] ، (سُورَةٌ أَنْزَلْناها) [النور / ١] ، أي هذه سورة. وقد اجتمع حذف كلّ من المبتدأ والخبر جوازا في قوله تعالى : (سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) [الذاريات / ٢٥] ، أي سلام عليكم أنتم قوم منكرون ، فحذف خبر الأوّل ومبتدأ الثاني.

وقد يحتمل المحذوف الأمرين ، ويكثر بعد الفاء نحو : (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) [النساء / ٩٢] ، (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة / ١٨٥] ، (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) [البقرة / ١٩٦] ، (فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ) [البقرة / ٢٨٠] ، أي فالواجب ، كذا وفعليه أو فعليكم كذا ، ويأتي في غيره ، نحو : (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) [يوسف / ٨٣] ، أي أمري أو أمثل ومثله : (طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) [محمد / ٢١] ، أي أمرنا أو أمثل وإذا دار الأمريين كون المحذوف مبتدا وكونه خبرا كما ذكر.

فقال الواسطيّ (١) : الأولى كونه مبتدأ ، لأنّ الخبر محطّ الفائدة ، وقال العبديّ (٢) : الأولى كونه الخبر ، لأنّ الحذف بالأعجاز والأواخر اليق منه بالصدور والأوائل ، حكاه ابن أياز.

__________________

(١) القاسم بن القاسم أبو محمد الوسطي ، عالم بالعربية ، من كتبه «شرح اللمع لابن جني» و «فعلت وأفعلت» و «شرح المقامات الحريرية» ، مات سنة ٦٢٦ ه‍. الأعلام للزركلي ، ٦ / ١٤.

(٢) أحمد بن بكر بن أحمد بن بقية العبديّ أحد أئمة النحاة المشهورين ، كان نحويّا لغويّا ، له شرح الإيضاح و... مات سنة ٤٠٦ ه‍ .. بغية الوعاة ١ / ٢٩٨.

١٩٣

حذف المبتدإ وجوبا : وأمّا حذف المبتدأ وجوبا فحيث كان مخبرا عنه بنعت مقطوع إلى الرفع لمجرّد مدح ، نحو : الحمد لله الحميد ، أي هو الحميد ، أو لمجرّد ذمّ ، نحو : أعوذ بالله من إبليس عدوّ المؤمنين ، أو ترحّم ، نحو : أللهمّ ارحم عبدك المسكين.

وإن كان النعت لغير ذلك كالتخصيص (١) ، نحو : مررت بزيد الخياط ، جاز الإظهار والحذف ، أو أخبر عنه بمصدر جئ به بدلا من اللفظ بفعله نحو : سمع وطاعة ، قال [من الطويل] :

١٠٨ ـ وقالت حنان ما أتي بك ههنا

 ... (٢)

أي أمري سمع وطاعة وامري حنان.

أو بمخصوص نعم وبئس مؤخّرا عنهما ، نحو : نعم أو بئس الرجل زيد ، إذا قدّر خبرا ، فإن تقدّم ، نحو : زيد نعم الرجل ، فهو مبتدأ لا غير.

أو بصريح القسم ، نحو : في ذمتى لأفعلنّ ، أي في ذمتى ميثاق ، أو عهد عكس قولهم : لعمرك لأفعلنّ.

واعلم أنّ الأصل في المبتدإ المسند إليه أن يكون معرفة : لأنّ الغرض من الإخبارات إفادة المخاطب ما ليس عنده وتتريله مترلتك في علم ذلك الخبر ، والأخبار عن النكرة لا فائدة فيه ، «فلا يكون المبتدأ نكرة إلا مع» حصول «الفائدة» ، فإذا حصلت الفائدة فأخبر عن أيّ نكرة شيءت ، وجد شيء من الشرائط ، أو لم يوجد ، فيجوز أن تقول : كوكب انقضّ الساعة ، ولا يقال : رجل قائم.

هذا ما عوّل عليه المتقدّمون في ضابطة الابتداء بالنكرة ، ورأي المتأخّرون أنّه ليس كلّ أحد يهتدي إلى مواطن الفائدة فتتبعوها ، وأنهاها بعضهم إلى نيّف وأربعين موضعا ، أوردها السيوطيّ (٣) في الأشباه والنظائر.

وقال بعضهم : إنّ الضابط في ذلك قرب النكرة من المعرفة لا غير ، وفسّر قربها من المعرفة بأحد شيئين : إمّا باختصاصها كالنكرة الموصوفة ، أو بكونها في غاية العموم كقولنا : تمرة خير من الجرادة ، فعلى هذا الضابط لا حاجة لنا بتعداد الأماكن ، بل نعتبر كلّ ما يرد ، فإن كان جاريا على الضابط أجزناه وإلا فمنعناه.

__________________

(١) لغير ذلك كالتخصيص سقط في «س».

(٢) تمامه «أذو نسب أم أنت بالحيّ عارف» ، وهو لمنذر بن درهم الكلبي.

(٣) الجلال السيوطي عبد الرحمن بن أبي بكر ، ولد وتوفّي بالقاهرة ، له نحو ٦٠٠ كتاب في التفسير والحديث والفقه واللغة والتاريخ ، منها «المزهر» في فلسفة اللغة ، و «بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنّحويّين» و «الأشباه والنظائر في النحو» توفي سنة ٩١١ ه‍. الأعلام للرزكلي ، ٤ / ٧١.

١٩٤

الخبر

ص : والخبر : هو المجرّد المسند به ، وهو مشتقّ وجامد ، فالمشتقّ غير الرافع لظاهر يتحمّل لضميره فيطابقه دائما بخلاف غيره ، نحو : الكلمة لفظ ، وهند قائم أبوها.

قاعدة : المجهول ثبوته للشيء عند السامع في اعتقاد المتكلم يجعل خبرا ، ويؤخّر ، وذلك الشيء المعلوم يجعل مبتدأ ، ويقدّم ، ولا يعدل عن ذلك في الغالب. فيقال لمن عرف زيدا باسمه وشخصه ولم يعرف أنّه اخوه : زيد أخوك ، ولمن عرف أنّ له أخا ولم يعرف اسمه : أخوك زيد فالمبتدأ هو المقدّم في الصورتين.

ش : «والخبر هو» الاسم حقيقة أو حكما ، «المجرّد» عن العوامل اللفظيّة ، والمراد بها غير الزائدة ليشمل نحو : ما زيد بقائم عند التميميّين ، وإن عمرو بذاهب ، عندهم وعند الحجازيّين. ودخل فيه قسما المبتدإ ، والأسماء المعدودة المسند ، فخرج القسم الأوّل من المبتدأ والأسماء المعدودة به إلى المبتدأ ، ويجوز أن تكون (١) الباء بمعنى إلى ، والضمير عائد إلى المبتدأ ، وعلى التقديرى ن يخرج القسم الثاني من المبتدأ ، فلا حاجة إلى إخراجه بزيادة المغاير للصفة ، كما فعل ابن الحاجب في كافيته ، إذ هي بهذا المعنى هنالك تاكيد.

تنبيهان : الأوّل : شمل قولنا الاسم حقيقة أو حكما ، نحو : زيد قائم ، وبعض الفعل الماضي ضرب (٢) ، وأمّا الخبر الجملة فإن قلنا : إنّها مؤوّلة بالمفرد ، كما قاله ابن الحاجب دخلت ، وهو المناسب بقول المصنّف فيما مرّ ، ولا يتأتّي الكلام إلا في اسمين أو فعل واسم ، وإن قلنا : إنّها على صرافتها خبر من غير تأويل لم تدخل وهو مذهب المحقّقين من النحاة.

الثاني : اختلفوا في عامل المبتدإ والخبر ، فذهب البصريّون إلى أنّ العامل في المبتدإ هو الابتداء ، وفسّروه بتجرى د الاسم عن العوامل للإسناد إليه ، أو لإسناده ، وفسّره الجزوليّ بجعل الاسم في صدر الكلام تحقيقا أو تقديرا للإسناد إليه أو لإسناده ، ثمّ قال المتأخّرون كالزمخشريّ والجزوليّ وابن الحاجب : هذا الابتداء هو العامل في الخبر أيضا لطلبه لهما على السواء ، وهو قضية كلام المصنّف حيث حدّ المبتدأ والخبر كليهما بالمجرّد ، ونقل الأندلسيّ عن سيبويه أنّ العامل في الخبر هو المبتدأ ، ويحكى عن أبي على

__________________

(١) سقط أن تكون في «ح».

(٢) سقط ضرب في «س».

١٩٥

وتلميذه أبي الفتح ، وهو مذهب جمهور المتأخّرين وقال الكسائيّ والفرّاء : يترافعان ، وقيل : غير ذلك (١).

انقسام الخبر إلى الجامد والمشتقّ : «وهو» أي الخبر قسمان : قسم «مشتقّ» ، وهو الأصل ، ولذلك قدّمه ، والمراد به هنا الدّالّ على ذات مبهمة ، وهو المسمّي صفة ، كضارب ومضروب وحسن وأحسن ، وفي حكمه المنسوب لا مطلق المشتقّ ، فإنّ اسم الزمان والمكان والآلة حكمها حكم الجامد المحض ، وهذا إصطلاح غير ما تقدّم ، «و» قسم «جامد» ، وهو ما عدا المشتقّ بالمعنى المذكور.

«فالمشتقّ» إمّا رافع لظاهر أو لا ، و «غير الرافع لظاهر» لفظا كما سيأتي أو محلا ، نحو : الكافر مغضوب عليه. «يتحمّل ضميره» أي ضمير المبتدأ ، وذلك لأنّ المشتقّ بالمعنى المذكور في معنى الفعل ، فلا بدّ له من فاعل ظاهر أو مضمر.

«فيطابقه» أي يطابق المبتدأ «دائما» إفرادا وتثنية وجمعا وتذكيرا وتأنيثا ، تقول : زيد قائم ، والزيدان قائمان ، والزيدون قائمون ، وهند قائمة ، والهندان قائمتان ، والهندات قائمات ، فالخبر في ذلك كلّه متحمّل للضمير مستتر وجوبا عائد على المبتدأ ، وهو مطابق للمبتدأ كما ترى ، والألف في قائمان والواو في قائمون حرفان دالّان على التثنية والجمع كما في الرجلان والزيدان ، وهذا الضمير يجب استتاره ، إلا إذا جرى الخبر على غير من هو له في المعنى ، فيبرز عند البصريّين وجوبا ، سواء خيف اللبس أم أمن.

فالأوّل نحو : غلام زيد ضاربه هو ، إذا كانت الهاء للغلام ، إذ لو لم يبرز الضمير لتوهّم السامع أنّ الغلام هو الضارب. والثاني نحو : غلام هند ضاربته هي.

وذهب الكوفيّون إلى عدم وجوب الإبراز إلا مع اللبس تمسّكا بقوله [من البسيط] :

١٠٩ ـ قومي ذرى المجد بانوها وقد علمت

بكنه ذلك عدنان وقحطان (٢)

واختاره ابن مالك ، فقال في منظومته الكبرى [من الرجز] :

١١٠ ـ في المذهب الكوفيّ شرط ذاك أن

لا يؤمن اللبس ورأيهم حسن

__________________

(١) أعدل هذه المذاهب مذهب سيبويه ، وهو يعتقد أنّ المبتدأ يرتفع بالابتداء والخبر يرتفع بالمبتدأ (كتاب سيبويه ١ / ٣٢٤) ؛ وابن مالك أيضا يختاره ويقول في الألفية :

ورفعوا مبتدأ بالابتدا

كذاك رفع الخبر بالمبتدأ

(شرح ابن عقيل ١ / ٢٠١).

(٢) هذا الشاهد غير منسوب إلى قائل معين. اللغة : «ذرا» جمع ذروة وهي من كل شيء أعلاه. «بانوها» يمكن أن يكون فعلا ماضيا بمعنى زادوا عليها ، ويحتمل أن يكون جمع «بان» جمعا سالما ، وحذف النون للإضافة.

١٩٦

وصرّح في غيرها من كتبه بوفاقهم ، وردّ تمسّكهم بالبيت باحتمال أن يكون (١) ذرى المجد منصوبا بوصف محذوف يفسّره الوصف المذكور ، والتقدير بانوا ذرى المجد بانوها.

«بخلاف غيره» أي المشتقّ غير الرافع لظاهر ، وهو الجامد ، «نحو : الكلمة لفظ» ، وهذا أسد ، مشيرا إلى السّبع المفترس ، والمشتقّ الرافع لظاهر ، نحو : هند قائم أبوها ، فلا يتحمّلان ضمير المبتدإ ، ولا يطابقانه ، أمّا الجامد فلأنّ تحمّل الضمير فرع على أن يكون المتحمّل صالحا لرفع ظاهر على الفاعلية ، وذلك مقصور على الفعل ، أو ما في معناه ، ولا حظّ للجامد (٢) في ذلك ، وأمّا المشتقّ الرافع لظاهر فلأنّه لا يرفع فاعلين ، وأمّا عدم مطابقتهما للمبتدإ فلعدم تحمّلهما للضمير.

تنبيهان : الأوّل : قضية إطلاقه وتمثيله بالكلمة لفظ أنّ الجامد لا يتحمّل الضمير ، ولو أوّل بالمشتقّ ، وهو خلاف ما صرّحوا به من أنّ المؤوّل بالمشتقّ بمترلته في تحمّل الضمير ورفعه الظاهر ، بل في كلام أبي حيّان ما يشير إلى أنّه لا خلاف في ذلك ، وإنّما لم يطابق في نحو : الكلمة لفظ مع تحمّله للضمير ، لأنّ المصدر من حيث هو مصدر لا يثنّي ، ولا يجمع ، ولا يؤنّث ، فأجروه على أصله ، لأنّ المصدر لم يتحمّل الضمير كما اقتضاه كلامه ، وتوهّمه بعض فضلاء العجم ، كيف وهو مؤوّل هنا بالملفوظ من غير خلف.

نعم المصدر لا يتحمّل ضميرا إذا لم يؤوّل بالصفة ، وذلك إذا أخبر به عن عين ، وجعل العين نفس المعنى مجازا على قول سيبويه في نحو : زيد عدل ، وهذا لا يتصوّر في نحو : الكلمة لفظ ، وأمّا على قول الكوفيّين من أنّ المصدر بالصفة دائما ، فزيد عدل مؤوّل بعادل ، فهو متحمّل للضمير إجماعا بدليل رفعه للظاهر ، نحو : زيد عدل أبوه.

وأمّا على قول البصريّين من أنّه على حذف مضاف أي ذو عدل ، فالخبر هو ذو ، وهو المتحمّل للضمير ، لأنّه المؤوّل بالمشتقّ لا المصدر ، وهو يطابق المبتدأ دائما ، فإذا قلت : هند عدل ، والزيدان عدل ، كان التقدير ذات عدل ، وذوا عدل ، وقس على ذلك.

واعلم أنّ نحو هذا التفضيل يجرى في الجامد المؤوّل بالمشتقّ غير المصدر ، وإن لم يأت فيه الخلاف المذكور ، قال ابن مالك في شرح الكافية : إذا أشرت إلى رجل وقلت : هذا أسد ، كان لك فيه ثلاثة أوجه : أحدها : تتريله مترلة الأسد مبالغة دون التفات إلى تشبيه ، كقول الشاعر [من الطويل] :

__________________

(١) سقط يكون في «س».

(٢) ولا الظاهر في الجامد «ح».

١٩٧

١١١ ـ لسان الفتى سبع عليه شذاته

فإن لم يزع من غربه فهو أكله (١)

والثاني : أن يقصد التشبيه فيقدّر مثلا مضافا إليه ، ففي هذين الوجهين لا ضمير في أسد ، والوجه الثالث : أن تؤوّل لفظ أسد بصفة وافية بمعنى الأسديّة ، وتجريه مجرى ما أوّلته فتحمّله ضميرا ، وترفع به ظاهرا ، إن جرى على غير ما هو به كقولك : هذا أسد ابناه ، وهذا ايضا في النعت والحال ، فمن النعت قول العرب : مررت بقاع عرفج كلّه ، وكلّه توكيد للضمير المرتفع بعرفج ، لأنّ عرفجا ضمّن معنى خشن ، ومثله مررت بقوم عرب أجمعون ، فضمّن عربا معنى فصحاء ، ورفع به ضميرا ، وأجمعون توكيد ، انتهى.

الثاني : ذهب الكوفيّون إلى أنّ الجامد يتحمّل الضمير مطلقا ، أوّل بمشتقّ أو لم يؤوّل ، وعزي هذا القول إلى الكسائيّ من الكوفيّين وحده ، وإلى الرّماني من البصريّين ، لكن نقله البدر بن مالك (٢) في شرح الخلاصة عن الكوفيّين كافّة ، وسبقه إلى هذا النقل صاحب البسيط.

قاعدة في تقديم المبتدإ وتأخير الخبر إذا كانا معرفيتن : هذه «قاعدة» في تقديم المبتدإ وتأخير الخبر ، إذا كانا معرفتين ، وهي إذا كان الاسمان المعرّفان بحيث يستفيد السامع النسبة بينهما ، وكلّ منهما يصلح أن يكون محكوما عليه ، «فالمجهول ثبوته» منهما «للشيء» الآخر «عند السامع» ، وهو كالطالب «في اعتقاد المتكلّم» أن يحكم به عليه «يجعل خبرا» له ، «ويؤخّر» عنه ، لأنّه محكوم به «وذلك الشيء الآخر المعلوم» عند السامع الّذي جهل ثبوت الآخر له «يجعل مبتدأ ، ويقدّم» ، لأنّه محكوم عليه.

والحاصل : أيّهما تحقّق المتكلّم أو توهّم أنّ السامع كالطالب للحكم عليه يجعل مبتدأ ، والآخر خبرا ، «ولا يعدل عن ذلك في» الاستعمال «الغالب ، فيقال» على القاعدة «لمن عرف زيدا باسمه وشخصه ، ولم يعرف أنّه أخوه» وأريد أن يعرف أنّه أخوه : «زيد أخوك» ، سواء عرف أنّ له أخا ، ولم يعرف أنّ زيدا أخوه ، أو لم يعرف أنّ له اخا اصلا ، «و» يقال «لمن عرف أنّ له أخا» في الجملة ، «ولم يعرف اسمه» على التعيين ، وأريد أن يعرف أنّ اسمه زيد : «أخوك زيد ، فالمبتدأ هو المقدّم في الصورتين» ، وهو زيد في الصورة الأولى ، وأخوك في الصورة الثانية. وقد يعدل عن ذلك في غير

__________________

(١) أنشده ثعلب ولم يسّم قائله ، اللغة : السبع : من البهائم العادية ما كان ذا مخلب ، الشذاة : بقية القوة والشدّة. لم يزع : من وزعه ـ بمعنى كفّه ومنعه.

(٢) بدر الدين أبو عبد الله محمد المتوفى سنة ٦٨٦ ه‍ ، كان إماما في النحو والمعاني والبيان ، من تصانيفه شرح ألفية والده و... بغية الوعاة ١ / ٢٢٥.

١٩٨

الغالب ، فيجعل المطلوب بالحكم عليه خبرا ، والآخر مبتدأ ، كقول ابي تمام (١) في صفة القلم [من الطويل] :

١١٢ ـ لعاب الأفاعي القاتلات لعابه

وأري الجنى اشتارته أيد عواسل (٢)

وكان على مقتضى القاعدة أن يقال : لعابه لعاب الأفاعي ، إذ المقصود تشبيه مداد قلم الممدوح بالسّم في حقّ الأعداء ، وبالعسل في حقّ الأولياء.

وهذا ممّا أجاب عنه البيانيّون بأنّه من التشبيه المعكوس ، فيكون المقدّم مبتدأ ، فلا نقص به على القاعدة.

قال ابن هشام : وهو ضعيف ، لأنّه نادر الوقوع ، مخالف للأصول ، أللهمّ إلا أن اقتضي المقام المبالغة. وإلى ندوره أشار المصنّف بأنّ العدول إليه من غير الغالب لمخالفته القاعدة.

وأمّا النّحويّون فيجعلونه من باب تقديم الخبر على المبتدإ جوازا لحصول القرينة المميّزة بين المبتدإ والخبر ، فنحو ذلك عندهم جايز كثير الاستعمال ، ومثله قول الآخر [من الطويل] :

١١٣ ـ بنونا بنو أبنائنا وبناتنا

بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد (٣)

فبنونا خبر مقدّم ، وبنو أبنائنا مبتدأ مؤخّر ، لأنّ المراد الحكم على بني أبنائهم بأنهم مثل بينهم لا عكسه. وكان الأولى بالمصنّف أن يقتضي أثر النّحويّين ، لأنّ كتابه في النحو لا في البيان.

تنبيه : ما ذكره من القاعدة هي طريقة أهل البيان ، وهو المشهور عند النّحويّين عند انتفاء القرينة ، وقيل : يجوز تقدير كلّ منهما مبتدأ وخبرا مطلقا ، لحصول الفائده للسامع ، قدّم الخبر ، أو أخّر ، وقيل : إن كان أحدهما مشتقّا والآخر اسما نحو : الفاضل زيد ، تعيّن المشتقّ للخبريّة وإن تقّدم ، والاسم للابتدائية وإن تأخّر ، لأنّ معنى المبتدإ المنسوب إليه ، ومعنى الخبر المنسوب ، والذات هي المنسوب إليه ، والصفة هي المنسوب ، وهو قول الفخر الرازيّ.

وأجيب بأنّ المعنى الشخص الّذي له الصّفة صاحب هذا الاسم فتصير الصّفة دالّة على الذات ومسندا إليها ، والاسم دالّ على الصفة ومسندا ، وقيل : إن كان أحدهما

__________________

(١) حبيب ابن أوس المعروف بأبي تمّام ولد سنة ١٨٠ ه‍ وتوفّي سنة ٢٢٨ من شعراء العصر العباسي الأول.

(٢) اللغة : اللعاب : ما يسيل من الفم ، الأري : العسل ، اشتارته : استخرجته عواسل : جمع عاسلة ، أي : مستخرجة العسل.

(٣) نسب هذا البيت إلى الفرزدق وإلى عمر بن الخطاب ، وقال قوم لا يعلم قائلة ، مع شهرته في كتب النحاة وأهل المعاني.

١٩٩

أعرف ، فهو المبتدأ ، نحو : هذا زيد ، وإن استويا في الرتبة وجب الحكم بابتدائية المقدّم ، نحو : الله ربّنا.

تكميل : ويجب الحكم بابتدائية المقدّم في صورتين أخريين. إحداهما كون الاسمين نكرتين صالحتين للابتداء بهما ، نحو : أفضل منك أفضل منّي ، إذ لو جوّز تقديم الخبر هنا لالتبس بالمبتدإ ، فيفسد المعنى ، إذ كثير هو أفضل منك ، لا من مخاطبك وبالعكس.

الثانية : كونهما مختلفين تعريفا وتنكيرا ، والأوّل هو المعرفة ، كزيد قائم ، وأمّا إن كان هو النكرة ، فإن لم يكن له ما يسوّغ الابتدائية ، فهو خبر اتّفاقا ، نحو : خزّ ثوبك ، وذهب خاتمك ، وإن كان له مسوّغ فكذلك عند الجمهور ، وأمّا سيبويه فيجعله المبتدأ ، نحو : كم مالك ، وخير منك زيد ، وحسبنا الله تعالى ، قاله ابن هشام في المغني. وظاهر كلام ابن مالك أنّ ذلك عند سيبويه مخصوص بما إذا كان اسم استفهام ، أو اسم تفضيل.

ويجب تقديم المبتدإ ، إذا خيف التباسه بالفاعل ، نحو : زيد قام ، إذ لو قيل : قام زيد لالتبس المبتدأ بالفاعل ، لأنّ اعتباره أقرب فامتنع ، وجوّزه الأخفش والمبرّد.

أو كان الخبر محصورا فيه بإلا لفظا ، نحو : (وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ) [آل عمران / ١٤٤] ، ومعنى ، نحو : (إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ) [هود / ١٢] ، إذ لو أخّر لالتبس المحصور بالمحصور فيه.

أو كان المبتدأ له صدر الكلام إمّا بنفسه كالاستفهام والشرط والتعجّب نحو : من أبوك ، ومن يقم أقم ، وما أحسن زيدا ، إذ لو أخّر لخرج ما له صدر الكلام عن صدريّته ، أو بغيره ، نحو : ولعبد مؤمن [خير من مشرك] ، فإن لام الابتداء لها الصدر.

أو كان ضمير شأن ، نحو : هو زيد منطلق ، قيل : لأنّه لو أخّر لالتبس بالتوكيد ، وفيه نظر. وقد يؤخّر المبتدأ ويقدّم الخبر جوازا توسّعا في الكلام ، إذ ربّما احتيج (١) في وزن أو قافية أو سجع إلى تقديم بعض أجزاء الكلام على بعض.

ووجوبا بأن يكون للخبر صدر الكلام ، إمّا بنفسه ، نحو : من زيد ، أو بغيره ، نحو :

صبيحة أيّ يوم السفر.

أو يوقع تأخيره في لبس ظاهر ، نحو : عندي درهم ، ولي وطر ، إذ لو أخّر لالتبس بكونه صفة للمبتدإ ، لأنّه نكرة ، وطلبها للوصف أشدّ من طلبها للخبر ، فالتزم تقديمه دفعا للالتباس.

أو يكون المبتدأ محصورا فيه بإلا لفظا ، نحو [من الرجز] :

__________________

(١) إذ ربّما احتجّ «ط».

٢٠٠

١١٤ ـ ...

وما لنا إلا اتّباع أحمدا (١)

أو معنى ، نحو : إنّما في الدار زيد ، إذ لو أخّر لأوهم الانحصار في الخبر كما مرّ في عكسه.

أو يعود ضمير متّصل بالمبتدأ على بعض متعلّق الخبر ، نحو : على التمرة مثلها زبد ، أو على مضاف إليه الخبر ، كقوله [من الطويل] :

١١٥ ـ أهابك إجلالا ما بك قدرة

على ولكن ملء عين حبيبها (٢)

لا يخبر بالزمان عن الذات : تتمّة : لا يخبر بالزمان عن الذات ، فلا يقال : زيد اليوم ، لعدم الفائدة ، فإن حصلت ، جاز ، كأن يكون المبتدأ عامّا ، والزمان خاصّا ، نحو : نحن في شهر كذا ويوم طيّب.

قد يتعدّد الخبر لفظا ومعنى : وقد يتعدّد الخبر لفظا ومعنى لا لتعدّد المخبر عنه ، وذلك إذا صحّ الاقتصار على كلّ واحد من الخبرين أو الأخبار ، نحو : زيد فقيه شاعر كاتب ، ولك استعماله بالعطف اتّفاقا ولفظا فقط لقيام التعدّد فيه مقام خبر واحد ، نحو : الرمان حلو حامض ، ولا يجوز فيه العطف ، لأنّ المجموع بمترلة الواحد ، إذ المعنى : الرمان مزّ ، وأجازه أبو على نظرا إلى اللفظ.

وقد يتعدّد لتعدّد صاحبه أمّا حقيقة ، نحو : بنوك فقيه ونحويّ ومنجّم ، أو حكما بأن يكون المبتدأ مفردا ذا أجزاء ينقسم الأخبار عليها ، نحو : قوله تعالى (... أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ) [الحديد / ٢٠] ، وهذا يجب فيه العطف.

تنبيهات : الأوّل : التمثيل لكون المبتدإ عامّا والزمان خاصّا بنحن في شهر كذا ، ذكره ابن مالك في شرح التسهيل ، وتبعه شرّاح كلامه ، وتعقّب ذلك العلّامة ناظر الجيش بأنّ العموم في نحن لا يعقل. قال المالكيّ (٣) في حاشية الأوضح ، ووجّهه بعضهم

__________________

(١) هذا البيت لابن مالك ، وصدره

«وخبر المحصور قدّم أبدا» ،

ابن مالك ، الألفية ، قم ، دفتر نشر نويد اسلام. الطبعة الخامسة ، ١٤١٨ ه‍. ص ١٤.

(٢) نسب البيت لنصيب بن رياح الاكبر وللمجنون. اللغة : أهابك : من الهيبة ، وهي المخاف ، اجلالا : إعظاما لقدرك.

(٣) هو مجيي الدين عبد القادر ابن أبي القاسم السعدى المالكيّ المكي المتوفى سنة ثمانين وثمانمائة ، له حاشية على أوضح المسالك إلى الفية بن مالك ، كشف الظنون ١ / ١٥٥.

٢٠١

بأنّه وإن كان ضميرا منفصلا للمتكلّم المعظّم نفسه أو المشارك غيره ، فهو عامّ لصلاحيته لكلّ متكلّم ، لا يختصّ بمتكلّم دون آخر ، انتهى.

ووجّهه آخر بشموله للمتكلّم وجميع من سواه في ذلك الزمان ، والزمان خاصّ ، لأنّه عينه ، انتهى ، وهو أولى من التوجيه الأوّل.

الثاني : قال الأخفش : قولهم : هذا حلو حامض ، إنّما أرادوا : هذا حلو فيه حمضة ، فينبغي أن يكون الثاني صفة للأول ، وليس قولهم : إنّهما جميعا خبر واحد ، بشيء. والجمهور على أنّهما خبران في معنى خبر واحد ، ونقل عن أبي على الفارسيّ أنّ نحو حلو حامض فيه ضمير واحد ، تحمّله الثاني ، لأنّ الأوّل تترّل من الثاني مترلة الجزء ، وصار الخبر إنّما هو بتمامها.

وقال بعضهم : الضمير يعود من معنى الكلام ، كأنّك قلت : هذا مزّ ، لأنّه لا يجوز خلوّ الجزئين من الضمير ، ولا انفراد أحدهما به ، لأنّه ليس أولى من الآخر ، ولا يكون فيهما واحد ، لأنّ عاملين لا يعملان في معمول واحد ، ولا أن يكون فيهما ضميران ، لأنّه يصير التقدير : كلّه حلو كلّه حامض ، وليس هذا الغرض منه.

وقيل : كلّ منهما يتحمّل ضميرا ، واختاره أبو حيّان وشيخي العلامة محمد بن على الشاميّ ، قال ولهذا ارتفعا على الخبريّة ، ولا يلزم من فرض صدقه الجمع بين الضدّين على الوجه المحال ، لأنّا لا نحكم على المبتدإ بكلّ منهما وهو على صرافته ، إذ لا يجوز الحكم إلا بعد تمام الكلام وبعد سماع الخبرين ، فالعقل يحكم حكما ضروريّا بامتناع اجتماع الضدّين بما هما ضدّان على الموضوع الواحد الشخصيّ ، فلا تعتبر نسبة واحد منهما إلى المبتدإ ، إلا حيث يعتبر تأثير كلّ منهما في الآخر ، وتأثّره عنه ، وانحطاطه عن صرفي النوعين ، ثمّ يحكم على المبتدأ بكيفيّة متوسطة بين الكيفيّتين.

فإذا قيل : الرمان حلو حامض ، فكأنّه قيل : الرمان فيه شوب من الحلاوة وشوب من الحموضة ، ولا تضادّ بينهما ، كما لا تضادّ بين البياض الضعيف والسواد الضعيف ، بل ربّما كان أحدهما عين الآخر لوجوب الحدود المشتركة بين الأنواع ، هكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام ، انتهى كلام شيخنا.

وتظهر ثمرة الخلاف في تحمّلهما ، أو تحمّل أحدهما في نحو : هذا البستان حلو حامض رمانه ، فإن قلنا : لا يتحمّل الأوّل ضميرا ، تعيّن رفع الرمان بالثاني ، وإن قلنا : إنّه يتحمّل ، فيجوز أن يكون من باب التنازع في السيي المرفوع.

٢٠٢

وذكر أبو الفتح ابن جنيّ أنّه راجع شيخه أبا على نيّفا وعشرين سنة ، في عود الضمير في هذا الفصل حتى تبيّن له ، وذكر في البديع أنّه لا يجوز الفصل بين هذين الخبرين بالمبتدأ ، ولا تقديمهما عليه عند الاكثرين ، وأجازه بعضهم ، انتهى.

نواسخ المبتدإ والخبر

ص : فصل : تدخل على المبتدإ والخبر أفعال وحروف ، فتجعل المبتدأ اسما لها والخبر خبرا لها ، وتسمّي النواسخ ، وهي خمسة أنواع :

الأوّل : الأفعال النّاقصة : والمشهور منها : كان وصار وأصبح وأضحي وأمسي وظلّ وبات وليس وما زال وما برح وما انفكّ وما فتي ومادام ، وعملها رفع الاسم ونصب الخبر ، ويجوز في الكلّ توسّط الخبر ، وفيما سوى الخمسة الأوآخر تقدّمه عليها ، وفيها عدا فتئ وليس وزال أن تكون تامّة ، وما تصرّف منها يعمل عملها.

مسألتان : يختصّ كان بجواز حذف نون مضارعها المجزوم بالسّكون ، نحو : (وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا.) بشرط عدم اتّصاله بضمير نصب ولا ساكن ، ومن ثمّ لم يجز ، في نحو : لم يكنه ، (لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ.*) ولك في نحو : النّاس مجزيّون بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ ، أربعة أوجع : نصب الأوّل ورفع الثاني ، ورفعهما ، ونصبهما ، وعكس الأوّل ، فالأوّل أقوي والأخير أضعف والمتوسّطان متوسّطان.

ش : هذا «فصل» في ذكر ما ينسخ المبتدأ والخبر ، «تدخل على المبتدإ والخبر أفعال وحروف» ، وتعمل فيهما بدليل أنّك متى حذفتها ، انعقد الكلام مبتدأ وخبرا ، «فتجعل المبتدأ اسما لها ، والخبر خبرا لها» ، فيسمّي الأوّل اسمها ، والثاني خبرها. وقد يسمّى مرفوع كان فاعلا تشبيها له بالفاعل ، ومنصوبها مفعولا تشبيها له بالمفعول ، وهو مجاز ، قال ابن هشام : وهو اصطلاح غير معروف.

«وتسمّى» هذه الأفعال والحروف «النواسخ» لإزالتها حكم المبتدإ والخبر الثابت لهما قبل دخولها آخذا من النسخ ، ولغة هو الإزالة ، «وهي» من حيث هي نوعان ، لأنّها إمّا أفعال أو حروف كما ذكره ، ومن حيث عملها واختلاف أحكام بعضها مع بعض «خمسة أنواع» ، ولم يذكر فيها أفعال القلوب مع اعترافه بأنّ أصل مفعوليها المبتدأ والخبر ، كما عليه الجمهور ، وقد ذكرها في حديقة الأفعال ، وسيأتي الكلام هنالك ، وكان الأولى أن يذكرها في جملة النواسخ ، فتكون الأنواع ستّة.

٢٠٣

الأفعال الناقصة

النوع «الأوّل : الأفعال الناقصة» ، وسمّيت بذلك ، لأنّها لا تتمّ بمرفوعها كلاما ، وقيل : لأنّها لا تدلّ على الحدث وليس بصحيح ، لما سيأتي ، وقد تسمّى بالنواسخ من باب إطلاق اسم الأعمّ على الأخصّ.

وعرّفها ابن الحاجب ، وتبعه المصنّف في التهذيب بما وضع لتقدير الفاعل على صفة ، أي لجعله وتثبيته عليها. قال الرضيّ وغيره : كان ينبغي أن يقيّد الصفة ، فيقول على صفة هي غير صفة مصدره (١) ، وإلا انتقض بجميع الأفعال التامّة ، فإن ضرب مثلا من قولنا : ضرب زيد ، يقرّر الفاعل على صفة ، لكن تلك الصفة هي الضرب المستفاد من الفعل العامل فيه ، وأمّا الفعل الناقص فإنّما (٢) يقرّر الفاعل على صفة غير صفة مصدره ، فإن كان في قولك : كان زيد قائما ، لا يقرّر زيدا على صفة الكون ، بل على صفة القيام المستفاد من الخبر المتّصف بصفة الكون ، أي الحصول والوجود وكذا سائرها.

قال بعضهم : والتحقيق أنّه لا حاجة إلى ما ذكر من التقييد ، لأنّ المتبادر من قولك : هذا اللفظ موضوع لذاك المعنى هو الموضوع له لا غير ، والأفعال التّامّة موضوعة لصفة ، وتقرير الفاعل عليها معا ، والأفعال الناقصة موضوعة لتقرير الفاعل على صفة ، فتكون الصفة خارجة عن مدلولها ، انتهى ، وفيه نظر ، فتأمّل.

ولم يذكر سيبويه من هذه الأفعال سوى صار ومادام وليس ، ثمّ قال : وما كان نحوهنّ من الفعل ممّا لا يستغنى عن الخبر ، والظاهر أنّها غير محصورة ، وبه جزم المصنّف في التهذيب.

وقال ابن مالك : كلّ فعل لا يستغني مرفوعه عن مخبر عنه صالح للتعريف والتنكير ، أو جملة تقوم مقامه فهو من باب كان ويميّزها عن غيرها وقوع اللام الفارقة بعدها ، نحو : (وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً) [البقرة / ١٤٣] ، (وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ) [الأعراف / ١٠٢].

قال الرضيّ : وقد يجوز تضمين كثير من الأفعال التامّة معنى الناقصة كما تقول : تتمّ التسعة بهذا عشرة ، قال الله تعالى : (فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا) [مريم / ١٧] ، أي صار مثل بشر ونحو ذلك.

وظاهر عبارة المصنّف أنّها غير مشهورة ، حيث قال : «المشهور منها كان وصار وأصبح وأمسي وأضحي وظلّ وبات وليس» ، فكان لثبوت خبرها لاسمها وفيها

__________________

(١) هي صفة غير مصدره «ح».

(٢) سقط فأنّما في «ح».

٢٠٤

مضي مع الانقطاع عند الأكثر كما قال أبو حيّان ، أو مع السكوت عن الانقطاع وعدمه عند آخرين ، وجزم به ابن مالك ، نحو : كان زيد قائما ، وقد تكون للاستمرار والدّوام ، ومنه الواردة في صفاته تعالى ، وصار لانتقال اسمها إلى خبرها ، وأصبح وأمسي وأضحي لثبوت خبرها لاسمها صباحا ومساء وضحيّ وطلّ وبات لثبوت خبرهما لا سمهما في جميع النهار والليل.

قال ابن الخباز : ورأيت كثيرا يتوهّمون دلالة بات على النوم ، ويبطله قوله تعالى (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً) [الفرقان / ٤٦] وقد تكون كان وأصبح وأمسي وأضحي وظلّ وبات بمعنى صار كقوله تعالى (فَكانَتْ هَباءً) [الواقعة / ٦] ، (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً) [آل عمران / ١٠٣] ، (ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا) [النحل / ٥٨] ، وقول الشاعر [من البسيط] :

١١٦ ـ أمست خلاء وأمسي أهلها احتملوا

أخنى عليها الّذي أخنى على اللّبد (١)

وقوله [من الخفيف] :

١١٧ ـ ثمّ أضحوا كأنّهم ورق ج ...

فّ فألوت به الصّبا والدّبور (٢)

وقوله [من الوافر] :

١١٨ ـ ...

أبيت كأنّني أكوى بجمر (٣)

وليس لنفي خبرها عن اسمها حالا عند الجمهور ، وقال سيبويه وابن السراج مطلقا ، قال الأندلسيّ وليس بين القولين تناقض ، لأنّ خبر ليس إن لم يقيّد بزمان يحمل على الحال كما يحمل الإيجاب عليه في نحو : زيد قائم ، وإذا قيّد بزمان من الأزمنة فهو على ما قيّد به ، واستحسنه الرضيّ. قال بعض المحقّقين وفيه نظر : لأنّ المراد بكونها للحال أو كونها للمطلق أنّها كذلك بحسب الوضع فإذا كانت عند الإطلاق للحال فهي للحال ألبتّة ، انتهى ، فتأمّل.

وتعمل هذه الأفعال الثمانية العمل الآتي مطلقا ، سواء كانت موجبة أو منفيّة ، صلة لما الظرفيّة ، أو غير صلة ، وألحق بها المصنّف في التهذيب آض وعاد وغدا وراح ، وعدّها من المشهور.

«وما زال» وهو لثبوت خبرها لاسمها على الاستمرار مذ قبله ، ويشترط فيه أن يكون ماضي يزال ، لا ماضي يزيل ، فإنّه فعل متعدّ إلى واحد ، ومعناه ماز ، يقال : زال

__________________

(١) هو للنابغة الذبياني. اللغة : الخلاء : الفراغ ، أخنى عليها. أفسدها ونقصها ، لبد : آخر نسور لقمان بن عاد.

(٢) هو لعدي بن زيد. اللغة : ألوت به. نثرته ، الصبا والدبور : ريحان متقابلتان.

(٣) صدره «أجني كلّما ذكرت كليب» ، وهو نسب إلى عمرو بن قيس المخزوني وإلى الهدي. اللغة : أكوى : أحرق بحديدة محماة ، الجمر جمع الجمرة : القطعة الملتهبة من النار.

٢٠٥

ضأنه (١) من معزه (٢) ، أي ميّزه ، ومصدره الزيل ، ولا ماضي يزول ، فإنّه قاصر ، ومعناه الانتقال ، ومنه قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا) [فاطر / ٤١] ، ومصدره الزوال. «وما برح وما انفك وما فتئ» مثلث التاء ، ويقال : أفتا ، ذكرها الصغائيّ (٣) ، وهي تميميّة ، وهذه الأربعة تعمل بشرط تقدّم نفي أو نهي أو دعاء ، مثال النفي كما نطق به قوله تعالى (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ) [هود / ١١٨] ، (لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ) [طه / ٩١] ، ومنه (تَاللهِ تَفْتَؤُا) [يوسف / ٨٥] ، أي لا تفتؤ ، ومثال النّهي قوله [من الخفيف] :

١١٩ ـ صاح شمّر ولا تزل ذاكر المو

 ... ت فنسيانه ضلال مبين (٤)

ومثال الدعاء قوله [من الطويل] :

١٢٠ ـ ألا يا اسلمي يا دار ميّ على البلي

ولا زال منهلّا بجرعائك القطر (٥)

وقيّده في الإرتشاف بلا خاصّة ، قال أبو حيّان في شرح التسهيل : ولا خلاف بين النّحويّين في أنّ معاني هذه الأفعال الأربعة متّفقة. «ومادام» وهي لتوقيت أمر بمدّة ثبوت خبرها لاسمها ، وتعمل بشرط تقدّم ما المصدريّة الظرفيّة ، كما نطق به ، ك : أعط ما دمت مصيبا درهما (٦) أي مدّة دوامك مصيبا ، فلوم تقدّمها ما لم يكن من هذا الباب نحو : دمت مصيبا ، وكذا لو كانت مصدريّة غير ظرفيّة ، نحو : عجبت ممّا دمت محسنا ، لأنّ المعنى من دوام إحسانك لا من مدّة دوام أحسانك.

تنبيه : قال بعضهم : اتّفق النحاة على أنّ كان وأخواتها أفعال إلا ليس ، فإنّ الفارسيّ ومن تبعه ذهب إلى حرفيّتها ، والصحيح فعليتها لاتّصال ضماير الرفع البارزة وتاء التأنيث الساكنة بها ، انتهى. قلت : ودعوى الاتّفاق ممنوعة ، فقد ذهب الزّجاج ومن تبعه إلى أنّها حروف لكونها دالّة على معنى في غيرها ، حيث جاءت لتقرير الخبر للمبتدإ على صفة.

«وعملها» كلّها «رفع الاسم» ، وهو المبتدأ (٧) الّذي تدخل عليه ، أي تجدّد عليه رفعا غير الأوّل لكونها عوامل لفظيّة ، وهو مذهب البصريّين ، وذهب الكوفيّون إلى أنّه باق

__________________

(١) الضأن : ذو الصوف من الغنم.

(٢) المعز : ذو الشعر من الغنم خلاف الضأن

(٣) الحسن بن محمد أبو الفضائل الصغائيّ ، له من التصانيف : مجمع البحرين في اللغة ، التكملة على الصحاح و... توفّي سنة ٦٠٥ ه‍ ، بغية الوعاة ١ / ٥١٩.

(٤) البيت من الشواهد الّتي لا يعرف قائلها.

(٥) البيت لذي الرمة غيلان بن عقبة يقوله في صاحبته مية. اللغة : البلي : من بلي الثوب يبلي أي : خلق ورثّ ، منهلا : منسكبا منصبا ، الجرعاء : رملة مستويه لا تنبت شيئا ، القطر : المطر.

(٦) هذا عجز بيت من ابن مالك في ألفيّته وصدره «ومثل كان دام مسبوقا بما» ، ألفية ابن مالك ص ١٥.

(٧) سقط المبتدأ في «س».

٢٠٦

على رفعه ، لأنّه لم يتعيّن عمّا كان عليه ، والصحيح الأوّل بدليل اتّصال الاسم بها إذا كان ضميرا ، نحو : كنت قائما ، والضمير بالاستقراء لا يتّصل إلا بعامله ، ويشترط في المبتدأ الّذي تدخل عليه أن لا يخبر عنه بجملة طلبيّة ولا إنشائية ، وأن لا يلزم التصدير ولا الحذف ولا عدم التصرّف ولا الابتدائية ، سواء كان لنفسه أم لمصحوب لفظيّ أم معنويّ.

«ونصب الخبر» أي خبر المبتدأ خلافا للكوفيّين في أنّه انتصب على الحال ، وأكثر النحاة على أنّه لا يجوز رفع الخبر بعدها على إضمار مبتدأ محذوف ، فلا يقال : كنت قائم ، أي أنا ، وقد ورد في الشعر ما ظاهره الجواز ، فإن كان تفضيلا جاز الوجهان ، نحو : كان الزيدان قائما وقاعدا أو قائم وقاعد (١). ورفع الاسمين بعدها ، أنكره الفرّاء ، وقال الجمهور فيها ضمير شأن ، والكسائيّ وابن الطراوة ملغاة ، وذكره في الإرتشاف.

تنبيهان : الأوّل : إذا انتقض خبر ليس بإلا لم يخرج عن هذا العمل في لغة أهل الحجاز ، وبنو تميم يرفعون الخبر حملا لها على «ما» في الإهمال عند انتقاض النفي ، كما حمل أهل الحجاز ما على ليس في الإعمال عند استيفاء شروطها.

حكاية أبي عمرو مع عيسى بن عمرو : حكى ذلك عنهم أبو عمرو بن العلا (٢) ، فبلغ ذلك عيسى بن عمرو الثّقفيّ (٣) ، فجاء ، فقال : يا أبا عمرو ما شيء بلغني عنك أنّك تجيزه؟ قال : وما هو؟ قال : بلغني أنّك تجيز ليس الطيب إلا المسك ، بالرفع ، فقال له أبو عمر : نمت وأدلج الناس ، ليس في الأرض تميميّ إلا وهو يرفع ، ولا حجازيّ إلا وهو ينصب ، ثمّ قال لليزيديّ (٤) : تعال أنت يا يحيي ، وقال لخلف الأحمر (٥) : تعال أنت يا خلف ، امضيا إلى أبي مهديّ (٦) فلقّناه الرفع ، فإنّه يأبي ، وامضيا إلى المنتجع (٧) من تيهان التميميّ فلقّناه النصب ، فإنّه يأبي.

__________________

(١) سقط قائم وقاعد في «ح».

(٢) أبو عمرو بن العلاء أحد القراء السبعة المشهورين ، كان إمام أهل البصرة في القراءات والنحو واللغة ، مات سنة ١٥٤ ه‍. المصدر السابق ٢ / ٢٣١.

(٣) عيسى بن عمر الثقفي ، إمام في النحو والعربية والقراءة ، صنف : الإكمال ، الجامع مات سنة ١٤٩ ه‍. المصدر السابق ص ٢٣٨.

(٤) يحيى بن المبارك أبو محمد إليزيدي النحوي كان أحد القرّاء الفصحاء العالمين بلغة العرب والنحو ، صنّف : مختصرا في النحو ، المقصور والممدود و... مات سنة ٢٠٣ ه‍ ، المصدر السابق ص ٣٤٠.

(٥) خلف الاحمر البصري ، كان راوية ثقة ، علامّة ، صنف : جبال العرب وما قيل فيها من الشعر و... مات سنة ١٨٠ ه‍. المصدر السابق ١ / ٥٥٤.

(٦) هو محمد بن سعيد بن ضمضم شاعر إعرابي فصيح ، كان علماء زمانه يأخذون عنه لغة الحجاز. مغني اللبيب ص ٣٨٨.

(٧) المنتجع بن نبهان إعرابي فصيح ، أخذ عنه علماء زمانه اللغة التميميّة. المصدر. السابق ص ٣٨٨.

٢٠٧

قال أبو محمد إليزيديّ : فمضينا إلى أبي مهديّ ، فوجدنا قائما يصلّي ، فلمّا قضي صلاته ، أقبل علينا ، فقال : ما خطبكما؟ فقلت : جئناك لنسألك عن شيء من كلام العرب ، قال : هاتياه ، فقلنا : كيف تقول : ليس الطيب إلا المسك ، فقال : أتأمرني بالكذب على كبر السّنّ ، فأين الزعفران ، وأين الجاديّ ، وأين بنّة الإبل الصادرة (١)؟ فقال له خلف الأحمر : ليس الشراب إلا العسل. قال : فما تصنع سودان هجر (٢) ما لهم غير هذا الثمر ، فلمّا رأيت ذلك ، قلت : كيف تقول : ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله تعالى؟ فقال : هذا كلام لا دخل فيه ، ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله تعالى ، والعمل بها ، ونصب ، فلقّنّاه الرفع ، فأبي ، وكتبنا ما سمعناه منه.

ثمّ جئنا إلى المنتجع ، فقلنا له : كيف تقول : ليس الطيب إلا المسك ، فقال : ليس الطيب إلا المسك ، فرفع ، وجهدنا به أن ينصب ، فلم ينصب ، فرجعنا إلى عمرو ، وعنده عيسى بن عمرو ، ولم يبرح بعد ، فأخبرنا بما سمعنا ، فأخرج عيسى خاتمه من يده ، فدفعه إلى أبي عمرو ، فقال : بهذا سدت الناس يا أبا عمرو.

حالات خبر الأفعال المذكورة مع اسمها إذا كانا معرفتين أو نكرتين : الثاني : للخبر مع الاسم حالات ، فإن كانا معرفتين ، فالاسم هو المعلوم للمخاطب مطلقا ، فإن علمهما ، وجهل انتساب أحدهما إلى الآخر ، فالاسم هو الأعرف على المختار ، ما لم يكن الآخر اسم اشارة ، اتّصل بها هاء التنبيه ، فيتعيّن للاسميّة ، فإن لم يكن أحدهما أعرف ، فالتخيير ، هذا هو المشهور. وقيل : المتكلّم بالخيار في جعل أي المعرفتين شاء الاسم والآخر الخبر ، وهي طريقة المتقدّمين. وذهب إلى ذلك من المتأخّرين ابن مضاء (٣) وابن طاهر (٤) والاستاذ أبو على وابن خروف وابن عصفور. قيل : وهو ظاهر كلام سيبويه ، وإن كانا نكرتين ولكلّ منهما مسوّغ ، فالتخيير أيضا ، وإن كان المسوّغ لأحدهما فقط ، فهو الاسم وإن كانا مختلفين ، فالمعرفة هو الاسم ، والنكرة هو الخبر ، ولا يعكس إلا في الضرورة ، وجوّزه ابن مالك اختيارا بشرط الفائدة ، وكون النكرة غير متمحضه للوصفية ، ومن وروده قوله [من الوافر] :

__________________

(١) البنّة : الرائحة المنتنة. ولعلّ قصده من هذه الجمل : أين الكلام الصحيح؟ وأين الكلام غير الصحيح؟

(٢) السودان جمع أسود ، جيل من الناس سود البشرة. وهجر اسم موضع فيه تمر.

(٣) أحمد بن عبد الرحمن بن مضاء اللخميّ ، كان له تقدّم في علم العربية ، صنفّ : المشرق في النحو ، الردّ على النّحويّين و... مات ٥٩٢ ه‍. المصدر السابق ١ / ٣٢٣

(٤) عبد الله بن حسين بن طاهر فقيه نحوي ، له تصانيف منها ، المفتاح الإعراب في النحو مات ١٢٧٢ ه‍. الأعلام للزركلي ٥ / ٢١٠.

٢٠٨

١٢١ ـ قفي قبل التّفرق يا ضباعا

ولا يك موقف منك الوداعا (١)

وقوله [من الوافر] :

١٢٢ ـ كأنّ سبيئة من بيت رأس

يكون مزاجها عسل وماء (٢)

جواز توسّط الخبر بينها وبين الاسم : «ويجوز في الكلّ» ، أي في كلّ أفعال الناقصة ، والمشهور منها وغيره ، وإدخال أل على «كلّ» وكذا «بعض» منعه بعضهم ، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى ، «توسّط الخبر» بينها وبين الاسم خلافا لابن درستويه في ليس ، ولابن معط في دام ، وذلك حيث لا مانع ولا موجب للتوسّط ، فالأوّل : كأن يكون الخبر واجب التقديم عليها لصدريّتة ، نحو : أين كان زيد ، أو واجب التأخير ، كما إذا دخلته أداة الحصر ، نحو : ما كان زيد إلا في الدار ، أو خيف لبس نحو : كان صاحبي عدوي.

والثاني كما إذا دخلت الاسم أداة حصر ، وكان مع الفعل ما يقتضي التصدير وعدم الفصل منه ، نحو : هل كان قائما إلا زيد ، اذ لا يفصل بين الفعل وأداة الاستفهام ، أو كان الخبر ضمير وصل ، نحو : كانه زيد. فجواز التوسّط بمعنى سلب ضرورة الطرفين من التوسّط. وعدمه محلّه ما عدا ذلك ، كما في نحو : كان زيد قائما ، تقول : كان قائما زيد (٣) ، قال تعالى : (وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم / ٤٧] ، وقراءة حمزة (٤) وحفص : (٥)(لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ) [البقرة / ١٧٧] بنصب البرّ. وقال الشاعر [من البسيط] :

١٢٣ ـ مادام حافظ سرّي من وثقت به

فهو الّذي لست عنه راغبا أبدا (٦)

هذا إن حمل الجواز في كلامه على معناه المشهور من سلب ضرورة الطرفين ، فإن حمل على ما يقابل الامتناع كان أعمّ ممّا توسّطه واجب وجائز.

تنبيهان : الأوّل : ذكر ابن مالك أنّه يمتنع التوسّط في نحو : كان غلام هند مبغضها ، لعود الضمير (٧) ويجب في نحو : كان في الدار ساكنها ، لاتّصاف الاسم بضمير الخبر ، وفي

__________________

(١) هو مطلع قصيدة للقطامي عمير بن شيميم التغلبي. اللغة : ضباعا : مرخم ضباعة.

(٢) هو من قصيدة لحسان بن ثابت. اللغة : السببئية : الخمر ، بيت راس : قرية بالشام.

(٣) سقطت هذه الجملة في «ح».

(٤) حمزة بن حبيب (أبو عمارة) (ت ١٥٦ ه‍ / ٧٧٣ م) : أحد أئمة القراءات العشر. لقب بالزيات. توفّي في العراق. المنجد في الأعلام ص ٢٢٥.

(٥) حفص بن عمر بن عبد العزيز ، إمام القراءة في عصره ، له كتاب «ما اتفقت ألفاظه ومعانيه من القرآن» وهو أول من جمع القراءات ، توفّي سنة ٢٤٦ ه‍ الأعلام للزركلي ، ٢ / ٢٩١.

(٦) لم يسمّ قائله.

(٧) لعود الضمير من الخبر إلى ملابس الاسم «ح».

٢٠٩

نحو : كان في الدار رجل لكون الخبر ظرفا مسوّغا للابتداء ، ونوزع في الأوّل بأنّ عود الضمير هنا على الاسم ، ورتبته التقديم ، فلا يمتنع ، وفي الأخيرى ن بأنّهما لا يقتضيان وجوب التوسط بل عدم التأخّر ، ولا يمنعان تقديم الخبر ، نحو : في الدار كان ساكنها ، وفي الدار كان رجل.

الثاني : قضية إطلاقه جواز توسّط الخبر ، ولو كان فعلا ، نحو : كان يقول زيد ، على جعل زيد اسم كان ، وهو ما صحّحه ابن عصفور وابن مالك ، ومنعه بعضهم قياسا على المبتدإ المخبر عنه بفعل ، فإنّه لا يتقدّم خبره كزيد قال ، والأوّل هو الصحيح. كما في المغني قال ، اذ لا تلتبس الجملة الاسمية بالفعلية ، انتهى.

جواز تقدّم الخبر عليها : ويجوز في ما سوى الخمسة الأواخر وهي الّتي في أوّلها ما تقدّمه ، أي الخبر عليها ، ولو كان جملة على الأصحّ ، ذلك حيث لا موجب له ، كأن يكون من أدوات الصدر ، نحو : أين كان زيد ولا مانع منه كما إذا دخلته أداة الحصر ، نحو : قائما ، أو خيف اللبس ، نحو : كان صاحبي عدوّي ، فجواز التقدّم بمعنى سلب ضرورة الطرفين محلّه ما عدا ذلك ، نحو : قائما كان زيد ، وإن حمل على الجواز بمعنى مقابل الامتناع كان أعمّ ممّا تقديمه واجب وجائز كما قلناه في جواز التوسّط ، وجاز تقدمّه بدليل قوله تعالى : (أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ) [سبأ / ٤٠] ، (وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ) [الأعراف / ١٧٧] ، فإيّاكم وأنفسكم معمولان لخبر كان ، وقد تقدّما عليها.

قد يتقدّم المعمول حيث لا يتقدّم العامل : وتقديم المعمول يؤذن بجواز تقديم العامل ، قاله ابن مالك في شرح التسهيل ، وسبقه إلى ذلك الفارسيّ وابن جنيّ وغيرهما من البصريّين ، وهو غير لازم. فقد يتقدّم المعمول حيث لا يتقدّم العامل بدليل تجويزهم زيدا لم أضرب ، وعمرا لن أضرب ، مع امتناع تقدّم أضرب على لم ولكن ، قال بعضهم : وأحسن ما يستشهد به على ذلك بيت العروض [من الرمل] :

١٢٤ ـ إعلموا أنّي لكم حافظ

شاهدا ما كنت أو غائبا (١)

وإنّها امتنع في الخمسة الأواخر لاقترانها بما وهي مانعة ، لأنّها إمّا نافية ، وهي من أدوات الصدر أو مصدريّة ، ومعمول المصدر لا يتقدّم عليه ، ومنع ذلك في دام متّفق عليه ، وأمّا الأربعة الآخر وغيرها ممّا نفي بما من هذه الأفعال ، وإن لم يكن النفي شرطا في عمله مختلف فيه.

__________________

(١) هو لابن عبد ربه الأندلسي.

٢١٠

فالمنع مذهب البصريّين والفرّاء ، وأجازه بقيّة الكوفيّين ، لأنّ ما عندهم لا يلزم تصديرها. وخصّ ابن كيسان المنع بغير ما النفي شرط في عمله لأنّ نفيه إيجاب ، فإن كان النفيّ بغير ما جاز التقديم مطلقا خلافا للفرّاء في اطلاقه المنع مع كل ناف ، ويردّه قوله [من الطويل] :

١٢٥ ـ ورجّ الفتى للخير ما إن رأيته

على السّنّ خيرا لا يزال يزيد (١)

وأمّا توسّطه بين النّافي والمنفيّ فجائز مطلقا ، نحو : ما قائما كان زيد ، وما قائما زال زيد ، قاله غير واحد ، وحكى الرضيّ الاتّفاق على منعه فيما النفي فيه شرط في العمل ، وليس كذلك.

ولا يجوز توسّطه بين ما ودام ، كما جزم به صاحب الإيضاح والبدر بن مالك والرضيّ ، بل ظاهر كلام الألفية أنّه مجمع عليه. قال المراديّ : وفيه نظر : لأنّ المنع معلل إمّا بعدم تصرّفها ، وهو لا ينهض مانعا بدليل اختلافهم في ليس مع اتفاقهم على عدم تصرّفها ، أو كون ما موصولا حرفيّا لا يفصل بينه وبين صلته ، وفيه خلاف فقد أجازه كثير إذا لم يكن عاملا.

واختلف في تقديم خبر ليس ، فأجازه قدماء البصريّين ، ومنعه الكوفيّون والمبرّد وابن السرّاج والجرجانيّ وأكثر المتأخّرين ، قال ابن مالك في شرح الكافيّة : والمنع أحبّ إلى لشبه ليس بما في النفي وعدم التصرّف ، ولأنّ عسى لا يتقدّم خبرها إجماعا لعدم تصرّفها مع الاتّفاق على فعلى تها ، فليس أولى بذلك لمساواتها لها في عدم التصرّف مع الاختلاف في فعليتها ، انتهى.

وفرّق ابنه (٢) بين عسى وليس بأنّ عسى متضمّنة معنى ماله صدر الكلام ، وهو لعلّ بخلاف ليس. قال بعض الأئمة : ويمنع هذا الفرق بأن ليس أيضا متضمّنة معنى ما له صدر الكلام وهو ما النافية ، انتهى. وقد يجاب بمنع تضمّن ليس معنى ما ، لأنّ ليس عنده لنفي الحال كما صرّح به ، وما لما هو أعمّ فلم تتضمّن معناها والنفي وإن لزم صدر الكلام في ما لم يلزمه فيما عداها.

تنبيه : قال المراديّ ينبغي أن يكون الخلاف في غير ليس المستثنى بها فيمتنع التقديم فيها قولا واحدا ، وسبقه في ذلك شيخه أبو حيّان فقال في باب الاستثناء من الإرتشاف :

__________________

(١) البيت للمعلوط القريعي. اللغة : على السن : أي على العمر.

(٢) سقط ابنه في «ح» ، وهو بدر الدين بن مالك ، له من التصانيف : شرح ألفيه ، ومات سنة ٦٨ ه‍. بغية الوعاة ١ / ٢٢٥.

٢١١

من أجاز من النّحويّين تقديم خبر ليس عليها ينبغي أن لا يجيز ذلك هنا ، لأنّها تجرى مجرى إلا ، فكما لا يجوز : قام القوم زيدا إلا ، لا يجوز قام القوم زيدا ليس.

جواز كون الأفعال الناقصة تامّة : ويجوز في ما عدا فتئ وليس (١) وزال أن تكون تامّة ، أي مستغنية عن الخبر كما أنّ معنى كونها ناقصة عدم الاستغناء عنه ، هذا هو الصحيح الّذي عليه المحقّقون ، وصحّحه نجم الأئمة وفاضل الأمة (٢).

وذهب الأكثرون إلى أنّ معنى تمامها دلالتها على الحدث والزمان زعما منهم أنّ معنى نقصانها عدم دلالتها على الحدث كما مرّ. قال نجم الأئمة : وليس بشيء ، لأنّ كان في «كان زيد قائما» يدلّ على الكون الّذي هو الحصول المطلق ، وخبره يدلّ على الكون المخصوص ، وهو كون القيام أي حصوله فجيء أوّلا بلفظ دالّ على حصول ما ، ثمّ عيّن بالخبر ذلك الحاصل ، فكأنّك قلت : حصل شيء ، ثمّ قلت : حصل القيام ، فالفائدة في إيراد مطلق الحصول أوّلا ، ثمّ تخصيصه كالفائدة في ضمير الشأن قبل تعيين الشأن مع فائدة أخري هاهنا ، وهي دلالته على تعيين زمان ذلك الحصول المقيّد ولو قلنا : قام زيد ، لم تحصل هاتان الفائدتان معا فكان يدلّ على حصول حدث مطلق تقييده في خبره ، وخبره يدلّ على حدث معيّن واقع في زمان مطلق تقييده في كان. لكنّ دلالة كان على الحدث المطلق أي الكون وضعيّة ، ودلالة الخبر على الزمان المطلق عقليّة.

أمّا سائر الأفعال الناقصة نحو : صار الدالّ على الانتقال ، وأصبح الدّال على الكون في الصبح أو الانتقال ، ومثله أخواته ، ومادام الدّالّ على معنى الكون الدائم ، ومازال الدّالّ على الاستمرار ، وكذا أخواته ، وليس الدّالّ على الانتفاء ، فدلالتها على حدث معيّن لا يدلّ عليه الخبر في غاية الظهور ، فكيف يكون جميعها ناقصة بالمعنى الّذي قالوه ، انتهى.

واستدلّ ابن مالك على بطلان قولهم أيضا بعشرة أوجه ذكرها في شرح التسهيل ، إلا أنّه استثني ليس ، فوافق الأكثرين على عدد دلالتها على الحدث. وإذا استعملت هذه الأفعال تامّة ، كانت بمعنى فعل لازم ، فكان بمعنى حصل ، نحو : (وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ) [البقرة / ٢٨٠] ، أي انتقل ، وصار بمعنى رجع ، نحو : (إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) [الشوري / ٥٣] ، أي ترجع ، وأصبح وأمسي بمعنى دخل في الصباح والمساء ، نحو : (فَسُبْحانَ اللهِ

__________________

(١) سقط ليس في «س».

(٢) لم اقع على ترجمة له.

٢١٢

حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) [الروم / ١٧] ، أي حين تدخلون في المساء وحين تدخلون في الصباح ، وأضحي بمعنى دخل في الضحي ، كقوله [من الطويل] :

١٢٦ ـ ومن فعلاتي أنّني حسن القرى

إذا الليلة الشّهباء أضحي جليدها (١)

أي دخل في الضحي ، وظلّ بمعنى دام واستمرّ ، نحو : ظلّ اليوم أي دام ظلّه ، وبات بمعنى عرّس ، كقوله [من المتقارب] :

١٢٧ ـ وبات وباتت له ليلة

كليلة ذي العائر الأرمد (٢)

أي وعرّس. وبرح بمعنى ذهب ، نحو : (وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ) [الكهف / ٦٠] ، أي لا أذهب ، وانفكّ بمعنى انفصل ، نحو : فككت الخاتم ، فانفكّ ، أي انفصل. ودام بمعنى بقي ، نحو : (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) [هود / ١٠٧] ، أي بقيت ، وقد تكون لمعان أخر ، وعملها حينئذ عمل ما رادفته ، إن لازما فلازما أو متعدّيا بحرف فيه أو بنفسه ، فكذلك هي.

أمّا فتيء وليس وزال وما تصرّف من متصرّفها فلا تستعمل إلا نواقص. وفي التسهيل فتي تستعمل تامّة بمعنى سكن وطفأ ، وحكى في شرحه عن الفرّاء : فتأته عن الأمر كسرته ، وفتأت النار : أطفأتها. قال في القاموس : وهو صحيح ، وغلط أبو حيّان وغيره في تغليطه ، انتهى.

وحكى أبو على في الحلبيّات (٣) وقوع زال تامّة ، نحو : ما زال زيد عن مكانه ، أي لم ينتقل ، وذهب الكوفيّون إلى أنّ ليس تكون عاطفة لا اسم لها ولا خبر ، نحو : إنّما يجزي الفتى ليس الجمل.

واعلم أنّ كلّ هذه الأفعال تتصرّف إلا ليس باتّفاق ، ودام عند الفرّاء وأكثر المتأخّرين ، وما عداهما على قسمين : ما يتصرّف تصرّفا ناقصا ، وهو زال وأخواتها فلا يستعمل منها أمر ولا مصدر ، وما يتصرّف تصرفا تامّا ، وهو البواقي ، فيستعمل منها مضارع وأمر واسم فاعل ومصدر. وما تصرّف منها تصرّفا تأمّا أو ناقصا يعمل عملها ، فيثبت لغير الماضي ما يثبت للماضي من العمل ، فالمضارع ، نحو : (وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) [مريم / ٢٠] ، والأمر ، نحو : (كُونُوا حِجارَةً) [الإسراء / ٥٠] واسم الفاعل كقوله [من الطويل] :

__________________

(١) هو لعبد الواسع بن أسامة. اللغة : القري : إكرام الضيف. الليلة الشهباء : الليلة الباردة والمجدبة.

(٢) نسب إلى امرئ القيس. اللغة : العائر : القذي في العين. الأرمد : المصاب بالرمد ، وهو داء التهابي يصيب العين.

(٣) الحلبيّات في النحو لأبن على الفارس النحويّ.

٢١٣

١٢٨ ـ وما كلّ من يبدي البشاشة كائنا

أخاك إذا لم تلفه لك منجدا (١)

وقوله [من الطويل] :

١٢٩ ـ قضى الله يا أسماء أن لست زائلا

أحبّك حتى يغمض العين مغمض (٢)

والمصدر كقوله [من الطويل] :

١٣٠ ـ ببذل وحلم ساد في قومه الفتى

وكونك إيّاه عليك يسير (٣)

وكلّها لا يستعمل منها اسم مفعول ، وأمّا قول سيبويه : وهو مكون لله. فيقال : إنّ ابن جنيّ سأل عنه شيخه أبا على الفارسيّ؟ فقال : ما كلّ داء يعالجه الطبيب.

معنى التصرّف في الأسماء : تنبيه. كلّ من التصرّف وعدمه يكون في الأفعال وفي الأسماء ، والتصرّف في الأفعال اختلاف أبنية الفعل باختلاف المعاني كضرب ، يضرب اضرب ، وعدمه أن يلزم صيغة واحدة منها كليس ودام في هذا الباب ، وعسى في أفعال المقاربة ، وهب وتعلم في باب ظنّ ، وخلا وعدا وحاشا في باب الاستثناء ، وصيغ التعجّب الثلاث ، ومنها نعم وبئس وحبّذا ، وسيأتي في أبوابها ، ومنها قلّ النافية ، وتبارك ، وسقط في يده ، وهدّك من رجل ، وينبغي في الأشهر ، وهلّم ، على القول بأنّه أمر ، وعم صباحا وأرحب.

والتصرّف في الأسماء أن تستمل بوجوه الإعراب فتكون مبتدأ وفاعلا ومفعولا ومضافا ومضافا إليه ونحوه ، وعدمه أن يقتصر به على بعض ذلك كاقتصارهم في أيمن على الرفع بالابتداء ، وسبحان الله على النصب بالمصدريّة ، وبعض الظروف على النصب بالظرفية أو الجرّ بمن كما يأتي في باب الإشارة ، إن شاء الله تعالى.

جواز حذف نون مضارع كان المجزوم بالسكون : هاتان «مسألتان» : الأولى : «تختصّ كان» دون أخواتها «بجواز حذف نون مضارعها المجزوم بالسكون» تخفيفا لكثرة الاستعمال وشبه النون بحرف العلّة نحو قوله تعالى : (قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) [مريم / ٢٠] ، أصله أكون ، حذفت الضمّة للجازم والواو لالتقاء الساكنين ، ثمّ النون للتخفيف ، والحذفان الأوّلان واجبان ، والثالث جائز ، بخلاف نحو : (مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ) [القصص / ٣٧] ، ونحو : وتكون لكما الكبرياء ،

__________________

(١) لم يسمّ قائل البيت. اللغة : يبدي : يظهر ، البشاشة : طلاقة الوجه ، تلفه : تجده ، منجدا : مساعدا.

(٢) البيت للحسين بن مطير الأسدي. قالها في صاحبته أسماء ، اللغة : قضي أي حكم وقدّر ، والمراد من مغمض : الموت.

(٣) هذا البيت من الشواهد الّتي لم ينسبوها إلى قائل معيّن.

٢١٤

لانتفاء الجزم ، ونحو : (وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ) [يوسف / ٩] ، لأنّ جزمه بحذف النّون ، فلم تحذف ، لأنّها محرّكة في الأولين بحركة الأعراب ، وفي الثالث بحركة المناسبة فتعاصت عن الحذف بخلاف ما إذا كانت ساكنة ، فإنّها شبيهة بأحرف المدّ واللين في سكونها وامتداد الصوت بها ، فتحذف كما يحذفن بجامع أنّها تكون إعرابا مثلهنّ ، وتحذف للجازم كما يحذفن.

واختصاص كان بذلك «بشرط عدم اتّصاله» أي اتّصال نون مضارعها المجزوم «بضمير نصب ولا» بحرف «ساكن ومن ثمّ» بفتح المثلثة وتشديد الميم إشارة إلى المكان الاعتباريّ ، أي ومن أجل اعتبار الشرط المذكور «لم يجز» حذف نون مضارع كان المجزوم بالسكون في نحو قوله عليه الصلاة والسّلام لعمر لما طلب أن يقتل ابن الصياد حين أخبر بأنّه الدّجال : إن يكنه فلن تسلّط عليه وإلا يكنه فلا خير لك في قتله (١) ، لاتّصاله بالضمير المنصوب. والضمائر تردّ الأشياء إلى أصولها ، فلا يحذف معهما بعض الأصول.

ولا في نحو قوله تعالى : (لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) [النساء / ١٣٧] ، لاتّصاله بالساكن ، وهو لام التعريف ، فالنون مكسورة لأجله فهي متعاصية لقوتها بالحركة ، وخالف يونس في هذا فأجاز الحذف تمسّكا بقوله [من الطويل] :

١٣١ ـ إذا لم تك الحاجات من همّة الفتى

فليس بمغن عنك عقد الرتائم (٢)

وقوله [من الطويل] :

١٣٢ ـ فإن لم تك المرآةء أبدت وسامة

فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم (٣)

ووافقه ابن مالك ، وحمله الجماعة على الضرورة ، كقوله [من الطويل] :

١٣٣ ـ فلست بآتيه ولا أستطيعه

ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل (٤)

تنبيهان : الأوّل : زاد ابن هشام في الجامع الصغير (٥) والقطر (٦) اشتراط كون المضارع المذكور مستعملا في الوصل دون الوقف ، وقال في شرح القطر : نصّ عليه ابن خروف ، وهو حسن ، لأنّ الفعل الموقوف عليه إذا دخله الحذف حتى بقي على حرف واحد أو حرفين ، وجب الوقف عليه بها السكت ، كقولك : عه ، ولم يعه ، فلم يك بمترلة لم يع ،

__________________

(١) صحيح البخاري ٢ / ٤٩٢ برقم ١٢٣١.

(٢) لم يذكر قائله. اللغة : الرتائم : جمع رتيمة بمعنى الرّتمة وهو خيط يشدّ في الاصبع أو الخاتم للعلامة أو التذكّر.

(٣) هو للخنجر بن صخر الأسدي ، اللغة : الوسامة : أثر الحسن والجمال ، الضيغم : الاسد الواسع الشّدق (ج) ضياغم.

(٤) هو للنجاشي الحارثي. اللغة : آتيه : اسم فاعل من الإتيان ، والضمير فيه وفي استطيعه للطعام.

(٥) الجامع الصغير في النحو لجمال الدين عبد الله بن يوسف ابن هشام النحويّ.

(٦) قطر الندى وبل الصدي مقدمة في النحو لابن هشام.

٢١٥

فالوقف عليه بإعادة الحرف الّذي كان فيه أولى من اجتلاب حرف لم يكن فيه ، ولا يقال : يلزم مثله في لم يع ، لأنّ إعادة الياء تؤدّي إلى إلغاء الجازم بخلاف لم يكن ، فإنّ الجازم إنّما اقتضي حذف الضمة لا حذف النّون كما بينّا ، انتهى.

وكان المصنّف لم يذكر هذا الشرط لعدم اعتباره عنده ، قال ابن هشام في الأوضح (١) ، قال ابن مالك : تجب هاء السكت في الفعل إذا بقي على حرفين : أحدهما زائد ، نحو : لم يعه ، وهذا مردود بإجماع المسلمين على وجوب الوقف على نحو : (وَلَمْ أَكُ) [مريم / ٢٠] ، (وَمَنْ تَقِ) [غافر / ٩] ، بترك الهاء انتهى. وقد رأيت موافقته لابن مالك في شرح القطر ، فهو مشترك الإلزام.

الثاني : لا يختصّ هذا الحكم بمضارع كان الناقصة ، بل يكون في مضارع التامّة أيضا ، كقوله تعالى : (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها) [النساء / ٤٠] بالرفع لكنّه قليل.

الأوجه الأربعة في نحو : الناس مجزيّون بأعمالهم : «و» المسالة الثانية : «لك في» كلّ موضع ذكر فيه بعد إن الشرطيّة وكان المحذوفة اسم مفرد يذكر بعده فاء الجزاء متلوّة باسم مفرد مع صحّة تقدير فيه أو معه ونحوهما ممّا يصلح خبرا قبل فاء الجزاء «نحو» قولهم ، وفي بعض الكتب مرفوع إلى النبي صلّى الله عليه وآله وقولهم : «الناس مجزيّون بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشرّ» وقولهم : المرء مقتول بما قتل به ، إن سيفا فسيف ، وإن خنجرا فخنجر ، «أربعة أوجه» من الإعراب.

أحدها : «نصب الأوّل» على الخبريّة لكان المحذوفة مع اسمها «ورفع الثاني» على الخبريّة لمبتدإ محذوف بعد فاء الجزاء ، أي ان كان عملهم خيرا ، فجزاؤهم خير ، وإن كان عملهم شرّا ، فجزاؤهم شرّ ، وإن كان ما قتل به سيفا ، فما يقتل به سيف ، وإن كان ما قتل به خنجرا ، فما يقتل به خنجر.

«و» الثاني : «رفعهما» معا ، فالأوّل على أنّه اسم لكان المحذوفة ، والثاني على تقدير مبتدإ محذوف ، أي إن كان في عملهم خير فجزاؤهم خير ، وإن كان معه أو في يده أو عنده سيف ، فما يقتل به سيف.

«و» الثالث : «نصبهما» معا : الأوّل على الخبريّة لكان الحذوفة مع اسمها ، والثاني بفعل محذوف أو على الخبريّة (٢) لكان محذوفة أيضا ، أي إن كان عملهم خيرا فيجزون خيرا ، أو فيكون جزاؤهم خيرا ، وإن كان ما قتل به سيفا فيكون ما يقتل به سيفا.

__________________

(١) أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك لابن هشام.

(٢) هذه الجملة سقطت في «ح».

٢١٦

«و» الرابع : «عكس» وجه «الأوّل» ، أي رفع الأوّل على أنّه اسم لكان محذوفة مع خبرها ونصب الثاني بفعل لائق ، تقديره فيجزون ، أو خبرا لكان محذوفة ، أي إن كان في عملهم خير فيجزون خيرا ، أو فيكون الجزاء أو جزاؤهم خيرا ، إن كان معه سيف فيكون ما يقتل به سيفا.

«و» الوجه «الأوّل أقوي» الوجوه الأربعة ، لأنّ فيه إضمار كان واسمها بعد إن واضمار المبتدإ بعد فاء الجزاء ، وكلاهما كثير مطّرد ، «و» الوجه «الأخير أضعف» الوجوه ، لأنّ فيه حذف كان وخبرها بعد إن ، وحذف الناصب أو كان مع اسمها بعد الفاء ، وكلّه قليل غير مطّرد ، ولذلك لم يذكره سيبويه ، وذكر الثلاثة. «و» الوجهان «المتوسّطان» بين الأقوي والأضعف أعني الأوّل والأخير «متوسّطان» بين القوّة والضعف لاشتمال كلّ منهما على أحد الكثيرين وأحد القليلين ، وظاهر كلامه أنّ هذين الوجهين متكافئان ، وهو كذلك عند الشلوبين ، وقال ابن عصفور : ورفعهما أولى.

وقوع افعل في الكلام لا بمعنى تفضيلية بعد المشاركة : تنبيهات : الأوّل : تعبيره بأقوي وأضعف يقتضي قوة الثلاثة ، وضعفها لاقتضاء أفعل التفضيل المشاركة والزيادة ، فيلزم التناقض ، وهو كثير في عباراتهم ، فينبغي تشريك أفعل في ذلك بما لا مشاركة فيه ، فيكون الأقوي والأضعف بمعنى القويّ والضعيف ، كما قيل في قوله تعالى : (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم / ٢٧] ونحوه.

وقال بعضهم : إنّ أفعل قد يقصد به تجاوز صاحبه وتباعده عن الغير في الفعل لا بمعنى تفضيله بعد المشاركة في أصل الفعل ، فيفيد عدم وجود أصل الفعل في الغير ، فيحصل كمال التفضيل ، وهو المعنى الأوضح في أفعل وصفاته تعالى ، وبهذا المعنى ورد قوله تعالى حكاية عن يوسف الصدّيق (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَ) [يوسف / ٣٣] ، وقول علي (ع) : لأن أصوم يوما من شعبان أحبّ إلى أن أفطر من رمضان (١) ، انتهى.

الثاني : إذا لم يصحّ تقدير فيه أو معه ونحوهما في المسألة ، تعيّن نصب الأوّل خبرا لكان ، نحو : أسير كما تسيران ، إن راكبا فراكب ، وإن راجلا فراجل. أي إن كنت راكبا فأنا راكب ، وإن كنت راجلا ، فأنا راجل ، وربّما جرّ مقرونا بإلا أو بأن وحدها ، إن عاد اسم كان إلى مصدر متعدّ مجرور بحرف ، نحو : المرء مقتول بما قتل ، إن سيف فسيف ، أي إن كان قتله بسيف ، فقتله أيضا بسيف. وحكى عن يونس : مررت

__________________

(١) الشيخ الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، ج ١٠ ، موسسة آل البيت ، رقم ١٢٧٣.

٢١٧

برجل صالح إن لا صالح فطالح ، أي لا يكون المرور بصالح ، فالمرور بطالح ، ومررت برجل صالح إن زيد وإن عمرو ، وذلك لقوّة الدلالة على الجارّ بتقدّم ذكره.

الثالث : علم من ذلك أنّ كان يجوز حذفها مع اسمها بعد إن الشرطية بكثرة ، ويجوز أيضا بعد لو الشرطيّة بكثرة ، ويجوز أيضا بعد لو الشرطية ، وذلك فيها بكثرة أيضا كقوله (ع) : التمس ولو خاتما من حديد (١) ، أي التمس شيئا ولو كان ما تلمسه خاتما من حديد ، وقول الشاعر [من البسيط] :

١٣٤ ـ لا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكا

جنوده ضاق عنها السّهل والجبل (٢)

أي ولو كان الباغي ملكا. وقد يحذف مع اسمها بعد غيرهما كقوله [من الرجز] :

١٣٥ ـ ...

من لد شولا فإلى إتلائها (٣)

تكميل : والتزم حذف كان معوّضا عنها ما بعد أن كثيرا كقوله [من البسط] :

١٣٦ ـ أبا خراشة أمّا أنت ذا نفر

فإنّ قومي لم تأكلهم الضّبع (٤)

أي لأن كنت ذا نفر فخرت ، ثمّ حذف متعلّق الجارّ لدلالة ما بعده عليه ، ثمّ حذف الجارّ ، وكان للاختصار فانفصل الضمير فصار أن أنت ، ثمّ زيدت ما عوضا عن كان المحذوفة ، فصار أن ما أنت ، ثمّ ادغمت النون في الميم لما بينهما من التقارب في المخرج ، فصار أمّا أنت ذا نفر.

وقد تحذف مع معموليها بعد إن الشرطيّة كقولهم : إفعل هذا إمّا لا ، أي إن كنت لا تفعل غيره ، فما عوّض عن كان واسمها ، وادغمت نون إن فيها لتقارب مخرجهما ولا نافية للخبر المحذوف ، وهي عوض منه ، وقد تزاد بلفظ الماضي متوسّطة بين الشيئين متلازمين ليسا جارا ومجرورا ، واطّرد بين ما وفعل التعجّب ، نحو : ما كان أحسن زيدا ، وشذّ قولها [من الرجز] :

١٣٧ ـ أنت تكون سيّد نبيل

إذا تهبّ شمأل بليل (٥)

وقوله [من الوافر] :

__________________

(١) صحيح البخاري ، ٤ / ٢٥ ، رقم ٥٥ ، ويروى : اذهب فالتمس ...

(٢) هو للعين المنقري. اللغة : البغي : الظلم. جنوده ضاق ... : يريد أنّه كثير الجند والأعوان.

(٣) هذا كلام تقوله العرب ، ويجرى بينها مجرى المثل ، وهو يوافق بيتا من مشطور الرجز ، وهو من شواهد سيبويه (١ / ١٣٤) ولم يتعرض أحد من شراحه إلى نسبته لقائله بشيء. اللغة : شولا : قيل : هو مصدر شالت الناقة بذنبها اي رفعته للضرب ، وقيل هو اسم جمع لشائلة ، على غير قياس ، والشائلة : الناقة الّتي خفّ لبنها وارتفع ضرعها ، اتلائها : مصدر أتلت الناقة إذا تبعها ولدها.

(٤) البيت للعباس بن مرداس. اللغة : الضبع : أصله الحيوان المعروف ، ثمّ استعملوه في السنة الشديدة المجدبة.

(٥) البيت لأمّ عقيل بن أبي طالب ، وهي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن هاشم بن عبد مناف. اللغة : شمأل : ريح تهبّ من ناحية القطب ، بليل : رطبة ندية.

٢١٨

١٣٨ ـ سراة بني أبي بكر تسامى

على كان المسوّمة العراب (١)

الأحرف المشبهة بالفعل

ص : الثاني : الأحرف المشبّهة بالفعل ، وهي : إنّ وأنّ وكأنّ وليت ولكنّ ولعلّ ، وعملها عكس عمل كان ، ولا يتقدّم أحد معموليها عليها مطلقا ، ولا خبرها على اسمها ، إلا إذا كان ظرفا أو جارّا ومجرورا ، نحو : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً). وتلحقها ما [الزائدة] فتكفّها عن العمل ، نحو : إنّما زيد قائم ، والمصدر إن حلّ محلّ إنّ ، فتحت همزتها ، وإلا كسرت ، وإن جاز الأمران ، جاز الأمران. نحو : (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا) و (قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ) ، وأوّل قولي إنّي أحمد الله ، والمعطوف على أسماء هذه الحروف منصوب ، ويختصّ إنّ وأنّ ولكنّ بجواز رفعه بشرط مضيّ الخبر.

ش : النّوع «الثاني» من أنواع النواسخ «الأحرف المشبّهة بالفعل» ، ووجه شبهها به إمّا لفظا ، فمن حيث كونها على ثلاثة أحرف فصاعدا ، وليست على حرفين كهل وبل ، ولا حرف واحد كالواو ، وإلى هذا أشار ابن الخشّاب بقوله : ليست مهلهلة النسج ولا سخيفة التإليف. ولبنائها على الفتح مثله ، وإمّا معنى ، فلأنّ معانيها معاني الأفعال مثل : أكّدت وشبّهت واستدركت وتمنّيت وترجّيت ، وتسمّي أيضا بالنواسخ إطلاقا لاسم الأعمّ على الأخصّ.

«وهي» ستّة ، وعدّها سيبويه خمسة باسقاط «أنّ» المفتوحة ، لأنّها فرع المكسورة ، وتبعه ابن مالك في التسهيل ، وأورد أنّ قضيّة هذا أن لا تعدّ كأنّ ، فإنّ أصل كأنّ زيدا الأسد ، إنّ زيدا كالأسد ، فقدّمت الكاف فصار كأنّ ، وأجاب بأنّ أصل كأنّ منسوخ لاستغناء الكاف عن متعلّق إنّ بكسر الهمزة وفتح النون مشدّدة ، وأنّ بفتح الهمزة والنون مشدّدة ، وبنو تميم تقول : عنّ وتسمّى عنعنة تميم (٢) ، وهما لتأكيد الحكم ونفي الشكّ عنه والإنكار له ، ومن ثمّ لا يؤتي بهما إلا عند تردّد السامع في الحكم أو إنكاره ، لا إذا كان خإلى الذهن عن الحكم والتردّد فيه ، ويفترقان من حيث إنّ إنّ المكسورة لا تغيّر مدخولها إذا كان جملة ، وأنّ المفتوحة تغيّرها في تأويل المفرد ، ولهذا تقع الجملة المقرونة بها في موضع الفاعل والمفعول والمجرور ، فتؤوّل بمفرد.

__________________

(١) أنشد الفرّاء هذا البيت ولم ينسبه إلى قائل ، ولم يعرف العلماء له قائلا. اللغة : السراة : جمع سري وهو العزيز والشريف. تسامى : أصله تتسامى ، بتاءين ، فحذف إحدهما تخفيفا ، المسومة : الخيل الّتي جعلت لها علامة ثمّ تركت في المرعى ، العراب : خيل عراب : خلاف البراذين. وإبل عراب : خلاف البخاتي.

(٢) عنعنة تميم : إبدالهم العين من الهمزة ، يقولون «عن» موضع «أن».

٢١٩

«ولكنّ» بتشديد النون ، وهي بسيطة خلافا للكوفيّين ، ومعناها الاستدراك ، وفسّر بأنّ تنسب لما بعدها حكما مخالفا لحكم ما قبلها ، ولذلك لا بدّ أن يتقدّمها كلام مناقض لما بعدها ، نحو : ما هذا ساكنا لكنّه متحرك ، أو ضدّ نحو : ما هذا أبيض لكنّه أسود ، أو خلاف له على الأصحّ نحو : ما زيد قائما لكنّه شارب. ويمتنع أن يكون موافقا له باتّفاق ، قاله أبو حيّان في النكت الحسان.

معنى الاستدراك : وقيل : تكون للتوكيد تارة وللاستدراك [تارة] أخري. قاله ابن العلج (١) وجماعة ، وفسّروا الاستدراك برفع ما توهّم ثبوته أو نفيه من الكلام السابق ، تقول : زيد شجاع ، فيوهم إثبات الشجاعة لزيد ، إثبات الكرم له ، لأنّ الشجاعة والكرم لا يكادان يفترقان ، فإذا أردت رفع هذا التوهّم تأتي بلكنّ فتقول : لكنّه بخيل ، وقس على ذلك النفي والتوكيد ، نحو : لو جاءني أكرمته لكنّه لم يجي ، أكّدت ما أفادته لو من الامتناع ، وقيل هي للتوكيد دائما ، وقد تعطي مع ذلك معنى الاستدراك.

«وكأنّ» بتشديد النّون ، وهي حرف مركّب عند أكثرهم ، حتى ادّعى ابن هشام الخضراويّ وابن الخباز الإجماع عليه ، وليس كذلك ، بل ذهب بعضهم إلى أنّها بسيطة ، وادّعى صاحب رصف المباني (٢) أنّه قول أكثرهم ، وأطلق الجمهور أنّها للتشبيه وهو معناها المتّفق عليه.

وزعم جماعة منهم ابن السّيّد أنّها لا تكون لذلك إلا إذا كان خبرها اسما جامدا ، نحو : كأنّ زيدا قائم أو في الدار أو عندك أو يقوم ، فإنّها في ذلك كلّه للظنّ ، لأنّ الخبر هو الاسم ، والشيء لا يشبه بنفسه.

قال الرضيّ : والأولى أن يقال هي في ذلك للتشبيه أيضا ، والمعنى كأنّ زيدا شخص قائم ، حتى يتغاير الاسم والخبر حقيقة ، فيصحّ التشبيه ، إلا أنّه لمّا قام الوصف مقام الموصوف ، وجعل الاسم بسبب التشبيه كأنّه الخبر بعينه ، صار الضمير من الخبر يعود إلى الاسم لا إلى الموصوف المقدّر ، فلذلك تقول : كأنّي أمشي ، وكأنّك تمشي ، والأصل كأنّي رجل أمشي ، وكأنّك رجل تمشي ، انتهى.

ثمّ القائل بأنّها مركّبة ، يقول بأنّها للتشبيه المؤكّد لتركيبها من الكاف المفيدة للتشبيه وأنّ المفيدة للتأكيد ، فكأنّ زيدا أسد ، أصله أنّ زيدا كأسد ، قدّمت الكاف على أنّ

__________________

(١) لم أقع على ترجمه له.

(٢) رصف المباني في حروف المعاني في النحو لأحمد بن عبد النور المالقيّ المتوفى سنة ٧٠٢ ه‍ كشف الظنون ٢ / ٩٠٨.

٢٢٠

ليدلّ أوّل الكلام على التشبيه من أوّل وهلة ، وفتحت همزة أنّ للجارّ ، فصارا حرفا واحدا مدلولا بهما على التشبيه والتاكيد (١). والقائل بأنّها بسيطة ، يلزمه أن تكون لمطلق التشبيه ، لأنّها موضوعة له كالكاف.

فإن قلت على القول بتركيبها بم يتعلّق الجارّ؟ قلت : قال ابن جنّي : هو حرف لا يتعلّق بشيء لمفارقته الموضع الّذي يتعلّق فيه بالاستقرار ، ولا يقدّر له عامل غيره لتمام الكلام بدونه ولا هو زائد لإفادته التشبيه.

كاف التشبيه لا يتعلّق دائما عند بعضهم : قال ابن هشام ، وليس قوله بأبعد من قول أبن الحسن : إنّ كاف التشبيه لا يتعلّق دائما ، قال : ولمّا رأي الزّجاج أنّ الجارّ غير الزائد حقّه التعلّق ، قدّر الكاف هاهنا اسما بمترلة مثل ، فلزمه أن يقدّر له موضعا ، فقدّره مبتدأ ، فاضطرّ إلى أن قدّر له خبرا لم ينطق به قطّ ، ولا المعنى مفتقر إليه ، فقال : معنى كأنّ زيدا أخوك ، مثل أخوة زيد إيّاك كائن ، وقال الأكثرون : لا موضع لأنّ وما بعدها ، لأنّ الكاف وأنّ صارا بالتركيب كلمة واحدة. قال ابن هشام : وفيه نظر ، لأنّ ذاك في التركيب الوضعيّ ، لا في التركيب الطاريّ ، انتهى.

وردّه الدمامينيّ بأنّ هذا تركيب وضعيّ ، لأنّ واضع اللغة في معتقد هؤلاء هو الّذي وضعه كذلك ، وليس من الأمور الّتي طرأت في الاستعمال من غير أن يكون للوضع فيها مدخل ، انتهى.

لا تجىء كأنّ للتحقيق ولا للتقريب : ولا تجي للتحقيق خلافا للكوفيّين ، ولا حجّة لهم في قوله [من الوافر] :

١٣٩ ـ فأصبح بطن مكّة مقشعّرا

كأنّ الأرض ليس بها هشام (٢)

لأنّه محمول على التشبيه ، فإنّ الارض ليس بها هشام حقيقة ، بل هو مدفون فيها. ولا للتقريب ، نحو : كأنّك بالدنيا لم تكن ، وبالآخرة لم تزل ، خلافا لهم ولأبي الحسن الأنصاريّ (٣) ، ولا للنفي ، نحو : كأنّك دالّ عليها ، أي ما أنت دالّ عليها خلافا للفارسيّ.

__________________

(١) حذفت هذه الجملة في «س».

(٢) لم يسمّ قائله ، ويرثي به الشاعر هشام بن عبد الملك. اللغة : أراد ببطن مكة : تحت أرضها الّتي يدفن الأموات ، مقشرّ : اسم الفاعل من اقشعرّ بمعنى أخذه رعدة أو يبس.

(٣) يحيى ابن عبد الله أبو الحسن الأنصاري النحويّ ، كان من أعيان أهل العربية ومات سنة ٦٣ ه‍. بغية الوعاة ٢ / ٣٣٦.

٢٢١

«وليت» وقد يقال لتّ بإبدال تاء ، وإدغامها في التاء ، ولوت ، وهي للتمنّي ، وهو طلب حصول شيء مستحيل أو ممكن غير متوقّع على سبيل المحبّة ، كذا قيل ، والأولى أن يقال : إظهار محبّة شيء مستحيل من حيث إنّه مستحيل (١) أو ممكن غير متوقع ، لأنّ التمنّي ليس بطلب ، لا سيّما مع العلم باستحالته ، ثمّ تعلّقه بالأول كثير ، كقوله [من الوافر] :

١٤٠ ـ ألا ليت الشّباب يعود يوما

فأخبره بما فعل المشيب (٢)

وما ألطف قول الدمامينيّ مضمّنا لبعض صدر هذا البيت مع التورية المرشحة (٣) [من المتقارب] :

١٤١ ـ رماني زماني بما ساءني

فجاءت نحوس وغابت سعود

وأصبحت بين الوري بالمشيب

عليلا فليت الشباب يعود (٤)

وبالثاني قليل ، نحو : ليت زيدا يحسن إلى من أساء إليه ، ولكن يجب في التّمنّي إذا كان متعلّقه ممكنا كهذا أن لا يكون لك توقّع وطماعية في وقوعه ، وإلا صار ترجيّا ، ولا يكون في الواجب ، فلا يقال : ليت غدا يجيء.

جواز الاشتغال من الحروف : قال ابن جنيّ في الخاطريّات : لأنّه يا ليته حقّه ، أي انتقصه إيّاه ، يجوز أن يكون من قولهم ليت لي كذا ، وذلك أنّ المتمنّي للشيء معترف لنقصه عنه وحاجته إليه. فإن قلت كيف يجوز الاشتقاق من الحروف ، قيل : وما في ذلك من الإنكار ، وقد قالوا : أنعم له بكذا. أي قال له نعم ، وسوّفت الرّجل إذا قلت له : سوف أفعل ، وسألتك حاجة ، فلو ليت لي ، أي قلت : لي لولا ، ولا ليت لي ، أي قلت : لي لا لا. فإن قيل : فكان يجب على هذا أن يكون في قولهم لأنّه يا ليته معنى التمنّي كما أنّ في أنعمت معنى الإجابة ، وفي لو ليت معنى التعذّر ، وفي لا ليت معنى الرّدّ ، قيل : قد يكون في المشتقّ اقتصار على بعض ما في المشتقّ منه كما سمّوا الحرم النالة ، وذلك أنّه لا ينال من حلّه ، وهذه فعله من نال ، هو نقيض لا ينال ، وجاز الاشتقاق من الحروف ، لأنّه ضارعت أصول كلامهم الأوّل ، إذا كانت جامدة غير مشتقّة ، كما أنّ الأوائل كذلك ، انتهى ملخّصا.

__________________

(١) سقط هذه الجملة في «ح».

(٢) البيت لأبي العتاهية شاعر العصر العباسي المتوفى سنة ٢١٨ ه‍. ق اللغة : المشيب : سن الشيب.

(٣) التورية المرشحة هي الّتي اقترنت بما يلائم المعنى القريب.

(٤) اللغة : النحوس : جمع نحس بمعنى الجهد والضّر. ويقال أمر نحس : مظلم ، ويوم نحس : يوم لم يصادف فيه خير ، السعود : جمع سعد بمعنى اليمن ، الورى : الخلق.

٢٢٢

«ولعلّ» وليس أصلها علّ واللام لام الابتداء خلافا للمبرّد كما حكاه عنه صاحب المفتاح ، بل علّ لغة فيها كما سيأتي ، وهي لتوقّع مرجوّ أو مخوف ، نحو : لعلّ الحبيب واصل ولعلّ الرقيب حاصل. قال ابن هشام وغيره : وتختصّ بالممكن ، وقول فرعون (لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ) [غافر / ٣٦] ، إنّما قاله جهلا أو مخرقة وإفكا ، انتهى.

قال جماعة منهم الأخفش : وتكون للتعليل كاللام ، وحملوا عليه قوله تعالى : (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى) [طه / ٤٤] ، ومن لم يثبته يحمله على الرجاء ، ويصرفه للمخاطبين ، أي إذهبا على رجائكما. حكى الأخفش أفرغ عملك لعلّنا نتغذّي ، أي لنتغذّي ، قالوا : ولهذا جرت بها عقيل كقوله ، ورواه السيرافيّ عن ابن دريد (١) في شرح الكتاب [من الطويل] :

١٤٢ ـ وداع دعا يا من يجيب إلى النّدي

فلم يستجبه عند ذاك مجيب

فقلت ادع أخري وارفع الصّوت دعوة

لعلّ أبي المغوار منك قريب (٢)

وقال الكوفيّون : وتكون للاستفهام ، وتبعهم ابن مالك ، وجعل منه قوله تعالى : (وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) [عبس / ٣] ، وقوله عليه السّلام لبعض الأنصار وقد خرج إليه مستعجلا : لعلّنا اعجلناك. والآية عند غيرهم محمولة على الترجّي ، والحديث على الإشفاق.

تنبيهات : الأوّل : اضطربت أقوالهم في لعلّ الواقعة في كلامه تعالى لاستحالة ترقّب غير الموثوق بحصوله عليه ، فقال قطرب وأبو على : معناها التعليل ، فمعنى افعلوا الخير لعلّكم ترحمون ، أي لترحموا ، ولا يستقيم ذلك في : (لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) [الشوري / ١٧] ، إذ لا معنى للتعليل هنا ، وقيل : هي لتحقيق الجملة الّتي بعدها ، ولا يطّرد في : (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى) [طه / ٤٤] إذ لم يحصل من فرعون التذكّر والخشية.

وأمّا قوله : آمنت بالّذي آمنت به بنو إسرائيل الآية (٣) فتوبة يأس لا معنى تحتها ، ولو كان تذكّرا حقيقيّا لقبل منه ، والحقّ ما قاله سيبويه : أنّ الرجاء والإشفاق متعلّقان بالمخاطبين ، والأصل في الكلمة أن لا يخرج عن معناها بالكلّية. فلعلّ منه تعالى حمل المخاطبين على أن يرجوا أو يشفقوا ، كما أنّ الشكّ في أو كذلك ، ولا يجب أن يكون

__________________

(١) محمد بن الحسن بن دريد أشعر العلماء وأعلم الشعراء ، له من التصانيف ، الجمهرة في اللغة ، المقصور والممدود ، أدب الكاتب و... مات سنة ٣٢١ وقيل : بموته مات علم اللغة والكلام جميعا ، المصدر السابق ١ / ٧٦.

(٢) هذان البيتان لكعب بن سعد الغنوي ، من قصيدة مستجادة يرثي فيها أخاه أبا المغوار. والبيت الثاني تقدّم برقم ١٠٥.

(٣) لعلّ قصده الآية التسعون من سورة يونس (آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ.)

٢٢٣

الرجاء أو الإشفاق من المتكلّم بلعلّ ، بل قد يكون من المخاطب ، وقد يكون من غيرهما كما تشهد به موارد الاستعمال.

محل مجرور لعلّ من الإعراب عند من جرّ بها : الثاني : مجرور لعلّ في موضع رفع بالإبتداء لتنزّل لعلّ مترلة الجار الزائد ، نحو : بحسبك درهم ، بجامع ما بينهما من عدم التعلّق بعامل وقوله : في البيت قريب هو خبر ذلك المبتدأ ، ومثله لولاي لكان كذا ، على قول سيبويه : أنّ لو لا جارّة ، وقولك : ربّ رجل يقول ذلك ونحوه.

في لعلّ ستّ عشرة لغة : الثالث : في لعلّ ستّ عشرة لغة ، ذكرها في الهمع ، وهي فتح اللام الثانية وكسرها ، وعلّ بالوجهين ، ولعن بإبدال اللام نونا ، وعنّ بحذف اللام من هذه ، لأن بإبدال العين همزة واللام نونا وأن تحذف اللام من هذه ، ورعنّ بإبدال اللام راء ، ورغن ولغن بالغين المعجمة فيهما ، ورعل بالمهملة ، ورغل بالمعجمة ، ولعا ، ولون ، ولعلت ، انتهى.

عمل الأحرف المشبهه بالفعل : «وعملها» أي عمل الأحرف المذكورة «عكس عمل كان» ، وهو نصب المبتدأ ورفع الخبر ، نحو : (إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ) [غافر / ٥٩] ، ويشترط في اسمهنّ ما تقدّم في اسم كان وأخواتها ، ونسبة العمل في الخبر إلى هذه الأحرف كمعاكستها هو مذهب البصريّين. وذهب الكوفيّون والسهيليّ إلى أنّه باق على رفعه الأصليّ ، وعملها فيه الرفع وهو المشهور.

أجاز جماعة نصب خبر الأحرف المشبهة بالفعل : وأجاز جماعة نصبه على أنّه لغة ، وممّن قال بذلك ابن سلام (١) وابن الطراوة وابن السّيّد البطليوسيّ (٢) ، وذكره المصنّف في حديقة المفردات كالحديث : إنّ قعر جهنم سبعين خريفا (٣) وقوله [من الطويل] :

__________________

(١) محمد بن سلّام الجمحي من علماء أواخر القرن الثاني وأوائل الثالث من الهجرة ، نحويّ ولغوي ويعدّ أحد كبار نقدة الشعر ، مات سنة ٢٣١ ه‍. محمد بن سلام الجمحي ، طبقات الشعراء ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، ١٤١٢ ه‍ ، ص ١٤.

(٢) عبد الله بن محمد بن السّيّد أبو محمد البطليوسي كان عالما باللغات والآداب ، صنّف : شرح ديوان المتنبيّ ، المسائل المنشور في النحو ، مات سنة ٥٢١ ه‍ ، بغية الوعاة ٢ / ٥٥.

(٣) صحيح مسلم ، النيسابوري ، الطبع الاول ، دار الكتب العمليه ، بيروت ، ١٤١٨ ه‍. ق ١ / ١٥٩ برقم ٣٢٩.

٢٢٤

١٤٣ ـ إذا اسودّ جنح اللّيل فلتأت ولتكن

خطاك خفافا إنّ حراسنا أسدا (١)

وقوله [من الرجز] :

١٤٤ ـ كأنّ أذنيه إذا تشوّفا

قادمة أو قلما محرّفا (٢)

وقوله [من الرجز] :

١٤٥ ـ

* يا ليت أيام الصّبار رواجعا (٣) *

وحكى يونس : لعلّ أباك منطلقا ، ولا يرد ذلك على قضيّة كلام المصنّف لأنّه قليل ، والجمهور على إنكار ذلك ، وتأويل الشواهد : فالقعر في الحديث مصدر قعرت الشيء ، إذا بلغت قعره ، وسبعين ظرف ، أي أنّ مدّة بلوغ قعرها يكون في سبعين عاما ، وباقي المنصوبات حال ومفعول ، أي تلقاهم أسدا ، ويحكى ان قادمة ، وأقبلن رواجعا ، ويوجد منطلقا. قال ابن هشام : ولا يقدّر في هذين تكون ويكون ، كما ذهب إليه الكسائي لعدم تقدّم إن ولو الشرطيتين ، وفيه نظر.

عدّ بعضهم من أخوات إنّ عسى : تنبيه : عدّ بعضهم من أخوات أنّ عسى ، لعملها عمل أنّ في لغة ، فهي بمعنى لعلّ ، وشرط اسمها حينئذ أن يكون ضميرا ، كقوله [من الطويل] :

١٤٦ ـ فقلت عساها نار كأس وعلّها

تشكّى فآتي نحوها فأزورها (٤)

وهي حينئذ حرف وفاقا للسيرافيّ ، ونقله عن سيبويه خلافا للجمهور في إطلاق القول بفعلى تها ، ولابن السّراج في إطلاق القول بحرفيّتها. قاله في الأوضح ، ولا يردّ ذلك على قضية كلام المصنّف لشذوذه أو لذهابه إلى ما ذهب إليه المبرّد والفارسيّ من أنّها باقية على إعمالها عمل كاد ، ولكن قلب الكلام ، فجعل المخبر عنه خبرا وبالعكس.

فإن قلت قد ردّ قولهما باستلزامه في قوله [من الرجز] :

١٤٧ ـ ...

يا أبتا علّك أو عساكا (٥)

الاقتصار على فعل ومنصوبه دون مرفوعه ، لا نظير لذلك. قلت : قال ابن هشام :

لهما أن يجيبا بأنّ المنصوب هنا مرفوع في المعنى إذ مدّعاهما أنّ الإعراب قلب ، والمعنى بحاله ، انتهى.

__________________

(١) هو لعمر بن أبي ربيعة. اللغة : جنح الليل : طائفة من الليل ، الخطي : جمع خطوة : ما بين القدمين ، الخفاف : من الخفة : ضدّ الثقل.

(٢) هو لمحمد بن ذؤيب. اللغة : تشوفا : من تشوّف بمعنى اطّلع أو تطاول ونظر ، القادمة : إحدى ريشات عشر كبار ، أو إحدى أربع في مقدّم الجناح (ج) القوادم.

(٣) نسب الرجز لرؤبه وللعجاح. اللغة : الصبا : الصغر والحداثة ، الرواجع : جمع راجع.

(٤) البيت لصخر بن العود الخضرمي. اللغة : كأس : اسم امرأة.

(٥) صدر البيت : تقول بنتي قد أنى أناكا ، والرجز لرؤبة أو العجاج.

٢٢٥

لا يتقدّم أحد معمولي إنّ وأخواتها عليها : «ولا يتقدّم أحد معموليها» من الاسم والخبر «عليها مطلقا» ، أي ظرفا أو جارّا ومجرورا كان الخبر وغيره ، فلا يقال : زيدا إنّ قائم ، ولا قائم أو عندك أو في الدار إنّ زيدا ، وذلك لأنّ لها صدر الكلام فلو قدّم زالت الصدريّة ، وأمّا أنّ المفتوحة فإنّه وإن لم يكن لها صدر الكلام ، لكنّها كالموصول ، إذ هي مع معموليها في تأويل المفرد ، فلا يتقدّم عليها شيء منها.

قال الرضيّ : كلّ ما يغيّر معنى الكلام ، ويؤثّر في مضمونه ، وكان حرفا ، فمرتبته الصدر ، كحروف النفي والتنبيه والاستفهام والتشبيه والتحضيض والعرض وغيرها لينبيء السامع ذلك الكلام من أوّل الأمر على ما قصد المتكلّم. وكلّ واحد من هذه الحروف يدلّ على قسم من أقسام الكلام بخلاف أنّ المكسورة ، فإنّها لا تدلّ على قسم من أقسامه بل هي لتوكيد معنى الجملة فقط ، والتوكيد تقوية الثابت ، لا تغيير المعنى ، إلا أنّها مع ذلك وقعت موقع حرف ابتداء كاللام ، فوجب تصدّرها ، وأمّا المفتوحة فلكونها مع جزئيها في تأويل المفرد ، وجب وقوعها مواقع المفردات كالفاعل والمفعول وخبر المبتدأ والمضاف إليه ، فلا تتصدّر ، وإن كانت في مقام المبتدأ الّذي حقّه الصدر ، انتهى.

لا يتقدّم خبر إنّ وأخواتها على اسمها إلا إذا كان ظرفا : «ولا» يتقدّم «خبرها على اسمها» لضعفها في العمل ، لأنّها إنّما عملت بالحمل على الفعل لمشابهتها له فيما مرّ «إلا إذا كان الخبر ظرفا أو جارّا ومجرورا» ، فإنّه يجوز تقدمّه على اسمها حينئذ من الجواز بمعنى مقابل الامتناع فيشمل ما تقدمّه واجب وجائز ، «نحو قوله تعالى : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً) [آل عمران / ١٣]» ، (إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً) [المزمل / ١٢] ، فتقدّم الخبر على الاسم في الآية الأولى واجب ، لأنّه لو أخّر لزم إيلاء لام الابتداء لأنّ وهو ممتنع ، وفي الثانية جائز على ما نصّ عليه الجرجانيّ ، واعتمده غيره من جواز كون اسم أنّ نكرة محضة ، وإنّما جاز ذلك مع الظرف والمجرور ، لأنّهم يتوسّعون فيهما ما لا يتوسّعون في غيرهما ، وما ألطف قول ابن عنين (١) يشكو تأخرّه [من الطويل] :

١٤٨ ـ كأنّي من أخبار انّ ولم يجز

له أحد في النحو أن يتقدّما

عسى حرف جرّ من نداك يجرّني

إليك فأضحي في ذراك مقدّما

__________________

(١) ابن عنين (أبو المحاسن محمد) (١١٥٤ ـ ١٢٣٣) شاعر دمشقي هجّاء رحّالة من أعظم شعراء عصره ، له ديوان. المنجد في الأعلام. ص ١١.

٢٢٦

علّة توسّعهم في الظرف والمجرور : فائدة : إنّما جرت عادتهم بالتوسّع في الظرف والمجرور ، لأنّ كلّ شيء من المحدثات فلا بدّ أن يكون في زمان أو مكان إلا نادرا فصار مع كلّ شيء كقريبة ولم يكن أجنبيّا منه ، فدخل حيث لا يدخل غيره كالمحارم تدخل حيث لا تدخل الأجنبيّ ، وأجرى الجارّ مع المجرور مجراه لكثرته في الكلام مثله واحتياجه إلى الفعل أو معناه ولمناسبته له لأنّ الظرف في الحقيقة جار ومجرور لكونه بمعنى في ، قاله الرضيّ وغيره (١).

الأقوال في الظرف والمجرور هل هما نفسهما الخبر أم لا : تنبيهات : الأوّل : ظاهر كلامه أنّ الخبر هو الظرف والمجرور نفسهما ، وفي ذلك أقوال : أحدها : وهو قول ابن كيسان : إنّ الخبر في الحقيقة هو العامل المحذوف ، وإنّ تسمية الظرف والمجرور خبرا مجاز ، وعليه جمع من المحقّقين منهم ابن مالك (٢) وابن هشام. الثاني : هو قول أبي على وتلميذه أبي الفتح : إنّه الظرف والمجرور نفسهما ، وإنّ العامل صار نسيا منسيّا ، الثالث : وهو مرتضي الرضيّ والسّيّد عبد الله (٣) ، إنّه هما ومتعلقهما ، والأوّل هو التحقيق.

الثاني : استثني ابن هشام في الأوضح «عسى» بمعنى لعلّ ، فلا يجوز تقديم خبرها على اسمها مطلقا ، سواء كان ظرفا أو غيره.

الثالث : لا يجوز تقديم معمول خبر هذه الأحرف عليهنّ مطلقا ولا على اسمهنّ إلا إذا كان ظرفا أو مجرورا ، وأطلق المنع بعضهم ، ويجوز توسّطه بين الاسم والخبر مطلقا ، نحو : إنّ زيدا طعامك آكل.

قد يحذف كلّ من اسم إنّ وأخواتها وخبرها : تكميل : قد يحذف كلّ من اسمهنّ وخبرهنّ فيحذف الاسم عند الجمهور في فصيح الكلام ، ويكثر إذا كان ضميرشان ، كقوله [من الخفيف] :

١٤٩ ـ إنّ من لام في بني ابنة حسّا

 ... ن ألمه وأعصه في الخطوب (٤)

__________________

(١) في «ح» من «معناه» إلى «غيره» سقط.

(٢) قال الشارح : إنّ ابن مالك من المحقّقين الّذين يعتقدون أنّ الخبر في الحقيقة هو العامل المحذوف ، ولكنّه قال في الألفية :

وأخبروا بظرف أو بحرف جر

ناوين معنى كائن أو استقر

(شرح ابن عقيل ١ / ٢٠٩).

فيذهب ابن مالك في الألفية إلى أنّ الظرف والجارّ مع مجروره قد يقع كلّ منهما خبرا لا بنفسه ، ولكن بمتعلّقه.

(٣) لعلّه عبد الله بن إسحاق (ت ٧٣٥) نحويّ ، أقدم النحاة الّذين ذكرهم سيبويه في «الكتاب». المنجد في الاعلام. ص ٣٦٦.

(٤) هو من قصيدة للأعشي واسمه ميمون بن قيس يمدح بها آل أشعث بن قيس. اللغة : لام : فعل ماضي من اللوم بمعنى العذل ، الخطوب : جمع الخطب أي الأمر العظيم.

٢٢٧

وقوله [من الخفيف] :

١٥٠ ـ إنّ من يدخل الكنيسة يوما

يلق فيها جآذرا وظباء (١)

وخرّج عليه قوله عليه السّلام : إنّ من أشدّ الناس عذابا يوم القيامة المصوّرون (٢) ، أي إنّ الشأن ، وإنّما لم يجعل «من» في البيتين اسما ، لأنّها شرطيّة بدليل جزمها الفعلين فيهما ، والشرط له الصدر فلم يعمل فيه ما قبله ، ومن حذفه غير شأن ما حكاه الأخفش : إنّ يك مأخوذ أخواك ، أي إنّك وقوله [من الطويل] :

١٥١ ـ فليت دفعت الهمّ عنّي ساعة

 ... (٣)

وقوله [من الطويل] :

١٥٢ ـ فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي

ولكنّ زنجيّ عظيم المشافر (٤)

ويروى زنجيّا ، وقيل : لا يجوز حذفه في الكلام إلا إذا كان ضمير شأن ، فلا يحسن حذفه إلا في الضرورة ، وقيل : هو خاصّ بالشعر مطلقا ، وصحّحه ابن عصفور والسخاويّ في شرح المفصّل.

ويحذف الخبر إذا علم مطلقا ، خلافا لمن اشترط تنكير الاسم ، فمن حذفه والاسم معرفة قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ) [الحج / ٢٥] ، وقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ) [فصلت ٤١] ، وقوله [من الطويل] :

١٥٣ ـ سوى أنّ حيّا من قريش تفضّلوا

على الناس أو أنّ الأكارم نهشلا (٥)

أي تفضّلوا ، ومن حذفه والاسم نكرة قوله [من المنسرح] :

١٥٤ ـ إنّ محلّا وإنّ مرتحلا

وإنّ في السّفر إذ مضوا مهلا (٦)

__________________

(١) قائله الأخطل. اللغة : الكنيسة معبد إليهود والنصارى ، الجاذر : جمع جوذر عجل البقره الوحشية ، والظباء : جمع ظبي وهو معروف ، وأراد بها النساء الّتي كالجآذر والظباء في سعة العين.

(٢) السيوطي ، الجامع الصغير ، الطبع الأول ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ١٤٢٣ ه‍. ق ص ١٣٣ رقم ٣٢٩.

(٣) هو من قصيدة لعدي بن زيد العبادي وعجزه «فبتنا على ما خيّلت ناعمي بال» ، اللغة : الضمير المستتر في خيلت يرجع إلى المحبوبة ، وناعمي تثنية ناعم ، فاعل من نعم باله أي : طاب ، والبال : الخاطر.

(٤) هو من أبيات للفرزدق يهجو بها أيوب بن عيسى الضبيّ اللغة : الضبيّ : نسبة إلى بني ضبة الزنجيّ : نسبة إلى الزنج وهو جبل في السودان ، المشافر جمع مشفر : الشفة من البعير كالجحفلة للفرس واستعير لشفة الإنسان.

(٥) هو للأخطل التغلبي. اللغة : الحيّ القبيلة ، وكأنّه أراد بتنكيره بني هاشم. تفضّلوا : رجحوا على الناس بالفضل والمزيّة. الاكارم : جمع اكرم. نهشلا : بدل من الأكارم. ونهشل : اسم رجل ، وهي أيضا قبيلة معروفة. لسان العرب ٤ / ٤٠٣٧ (نهشل).

(٦) هو مطلع قصيدة للأعشي واسمه ميمون بن قيس. اللغة : المحلّ مصدر ميميّ بصيغة اسم المكان بمعنى الحلول أي الترول. والمرتحل مصدر ميمي بصيغة اسم المفعول بمعنى الارتحال وهو الذهاب من المترل. السفر جمع سافر بمعنى المسافر ، وإذ تعليليّة.

٢٢٨

وقولهم : إنّ مالا وإنّ ولدا أي إنّ لنا. وقد عقد سيبويه لهذا بابا ، فقال : باب إنّ مالا وإنّ ولدا.

الكلام على ليت شعري : والتزم الحذف في ليت شعري مردفا باستفهام كقوله [من الطويل] :

١٥٥ ـ ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة

بواد وحولي إذخر وجليل (١)

قيل : لأنّ الاستفهام يسدّ مسدّ الخبر ، وجملة الاستفهام في موضع نصب بشعري ، واستشكل الرضيّ القول بسدّ الاستفهام مسدّ الخبر بأنّ محلّ شعري الّذي هو مصدر بعد جميع ذيوله من فاعله ومفعوله ، فمحلّه بعد الاستفهام ، فكيف يكون الاستفهام في مقام الخبر ، ومقامه بعده بل هو خبر وجب حذفه بلا سادّ مسدّه لكثرة الاستعمال ، انتهى.

والشعر بمعنى الفطنة مصدر من شعرت أشعر ، كنصرت أنصر. قال سيبويه : أصله ليت شعرتي ، حذفوا الهاء في الإضافة كما في قولهم : هو أبو عذرها ، فلعلّه لم يثبت عنده مصدر إلا بالهاء كالنشدة ، وإلا فلا موجب لجعله المصدر من باب الهيئة كالجلسة والركبة ، قاله الرضيّ.

تلحق الأحرف المشبهة بالفعل ما فتكفّها عن العمل : «وتلحقها» أي الحروف المذكورة «ما الزائدة ، فتكفّها عن العمل» لزوال اختصاصها بالجمل الاسمية الّذي هو سبب عملها ، وصيرورتها حينئذ حروف ابتداء ، تدخل على الجمليتين ، «نحو : إنّما زيد قائم» ، وقوله تعالى : (كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ) [الانفال / ٦] ، ولذلك سمّيت ما هذه كافّة ، وإلى هذا لمح بعضهم حيث قال وتلطّف [من الرجز المجزوء] :

١٥٦ ـ عزلوك لما قلت ما

أعطى وولّوا من بذل

أو ما علمت بأنّ ما

حرف يكفّ عن العمل

وإذا تلاها الفعل سمّيت مهيئة ، لأنّها هيّأت هذه الحروف للدخول على الفعل بعد أن لم تكن له صالحة ، وقد تعمل ليت مع لحوق ما قيل : بل هو الأرجح لعدم زوال

__________________

(١) أنشده بلال وسمعه النبي (ص) فقال له : حنت يا ابن السوداء. والحنان الّذي يحنّ إلى الشيء. المصدر السابق ١ / ٩٦٩. اللغة : الأذخر : حشيشة طيبة الرائحة يسقف بها البيوت فوق الخشب. الجليل : الثّمام : عشب من الفصيلة النجيلية.

٢٢٩

اختصاصها بالأسماء ، فلا يقال : ليتما قام زيد ، خلافا لابن أبي الربيع. (١) وذهب الفرّاء إلى وجوب الأعمال ، وروى قول النابغة [من البسط] :

١٥٧ ـ قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا

إلى حمامتنا أو نصفه فقد (٢)

بالوجهين ، فالرفع على أنّ ما كافّة ، وذا مبتدأ ، والحمام بيان ، ولنا الخبر ، والنصب على أنّ ما زائدة ، وذا اسم ليت ، والحمام بيان ، ولنا الخبر قال ابن هشام : ويحتمل أنّ الرفع على أنّ ما موصولة ، وأنّ الاشارة خبر لهو محذوفا ، أي ليت الّذي هو هذا الحمام لنا ، ولكنّه احتمال مرجوح ، لأنّ حذف العائد المرفوع بالابتداء في صلة غير أي مع عدم طول الصلة قليل ، انتهى.

وعدم طول الصلة في ذلك ممنوع ، بل هي طويلة بالصفة ، وقد صرّح هو بمثل ذلك في المغني ، وذهب ابن السرّاج والزّجاج والزمخشريّ ، وتبعهم ابن مالك ، إلى جواز إعمال الجميع قياسا على ليتما ، ومنعه سيبويه في غيرهما للسماع المشهور فيها دون ما عداها

وخرج بقولنا : «الزائدة» ما المصدرية والموصولة فلا تكفّان عن العمل ، نحو : أعجبني أن ما قمت ، أي قيامك ، ونحو : (أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ) [المومنون / ٥٥] ، (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) [الأنفال / ٤١] ، أي أنّ الّذي ، بدليل عود الضمير من به وخمسه إليها ، إذ لا يعود الضمير إلا على الأسماء ، وكان عليه التقييد بها كما فعلنا ، وكأنّه اعتمد على المثال ، فإنّه لا يصحّ أن يكون ما فيه إلا زائدة ، فتدبّر.

بحث في سبب إفادة إنّما للحصر بين الأصوليّين والنّحويّين : تنبيه : ها هنا بحث لا بأس بالتعرّض له ، وهو أنّ جماعة من الأصوليّين منهم الفخر الرازيّ في المحصول (٣) ذكروا أنّ ما الكافة الّتي مع أن نافية ، وأنّ ذلك سبب إفادتهما للحصر في نحو : (إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ) [النساء / ١٧١] ، قالوا : لأنّ إنّ للاثبات ، وما للنفي ، فلا يجوز أن يتوجّها معا إلى شيء واحد ، لأنّه تناقض ، ولا أن يوجّه النفي للمذكور بعدها ، لأنّه خلاف الواقع باتّفاق ، فتعيّن صرفه لغير المذكور ، وصرف الاثبات للمذكور ، فجاء الحصر.

__________________

(١) عبد الله بن أحمد أبو الحسين ابن أبي الربيع إمام أهل النحو في زمانه ، صنّف شرح الإيضاح ، شرح سيبويه و... مات سنة ٦٨٨ ه‍. بغية الوعاة ٢ / ١٢٦.

(٢) قاله النابغة الذبياني ، اللغة : قد : هاهنا اسم فعل معناه يكفي ، أو هو اسم بمعنى كاف.

(٣) المحصول في أصول الفقه ، مبسوط لفخر الدين محمد بن عمر الرازي. كشف الظنون ٢ / ١٦١٥.

٢٣٠

وقد اعترض عليهم جماعة من أهل البيان كالسكاكيّ واتباعه من النّحويّين كأبي حيّان ، وابن هشام قال في المغني : إنّ ما ذكروه مبنيّ على مقدّمتى ن باطلتين بإجماع النّحويّين ، إذ ليست إنّ للاثبات ، وإنّما هي لتوكيد الكلام إثباتا كان ، مثل إنّ زيدا قائم ، أو نفيا ، مثل إنّ زيدا ليس بقائم ، ومنه (إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً) [يونس / ٤٤] ، وليست ما للنفي ، بل هي بمترلتها في أخواتها أي ليتما ولعلّما ولكنّما وكأنّما.

وبعضهم ينسب القول بأنّها نافية للفارسيّ في كتاب الشيرازيّات (١) ، ولم يقل ذلك الفارسيّ في الشيرازيّات ولا غيرها ، ولا قاله نحويّ غيره ، وإنّما قال الفارسيّ في الشيرازيّات : إنّ العرب عاملوا أإنّما معاملة النفي وإلا في فصل الضمير كقوله [من الطويل] :

١٥٨ ـ ... وإنّما

يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي (٢)

انتهى.

ويدفع هذا التهويل ما أجاب به العلامة التفتازاني في سرح المفتاح عن الأصوليّين ، فقال : المراد أنّ كلمتي إنّ وما في الأصل كذلك ، فناسب أن يعتبر فيها هذا المعنى ، انتهى.

وتوضيحه أن الأصوليّين لم يريدوا أنّ كلّ واحد من الحرفين أعني أنّ وما باق حال التركيب على معناه الأصلي ، ليتّجه عليهم ما ذكرتموه بل هو بيان مناسبة لتضمّن إنّما معنى النفي والاثبات ، فإنّ المفردين لمّا كان أحدهما حال الانفراد بمعنى الإثبات ، والأخر بمعنى النفي ، ناسب ذلك أن يضمن المركّب منهما معنى النفي والإثبات معا ، قال المحقّق الشريف : وهذه المناسبة أقوي من الّتي ذكرها على بن عيسى الربعيّ (٣) ، وعوّل عليه السكاكيّ في توجيه إفادتها الحصر.

محلّ فتح همزة أنّ وجواز الأمرين : «والمصدر إن حلّ محلّ أنّ» ومعموليها بأن وجب ذلك ، «فتحت همزتها» وجوبا للفرق بينها وبين المكسورة و «إلا» يحلّ المصدر محلّ أنّ ومعموليها بأن لا يجوز ذلك «كسرت» همزتها وجوبا ، «وإن جاز الامران» وهما الحلول وعدمه «جاز الأمران» ، أي فتح الهمزة وكسرها ، وسلم تعبيره بالمصدر عمّا

__________________

(١) الشيرازيات في النحو لأبي على الفارسي. المصدر السابق ٢ / ١٠٦٨.

(٢) صدره «أنا الذائد الحامي الذمار» ، وهو للفرزدق. اللغة : الذائد : المانع ، الذمار : ذمار الرجل ، وهو كلّ ما يلزمك حفظه وحياطته وحمايته والدفع عنه.

(٣) على بن عيسى بن الفرج بن صالح الرّبعيّ أحد أئمة النحو وحذّاقهم الجيّدي النظر ، الدقيقي الفهم والقياس. أخذ عن السيرافي ولازم الفارسي عشر سنين ومات ببغداد. بغية الوعاة ٢ / ١٨١.

٢٣١

انتقد به على سيبويه حيث عبّر بالمفرد من أنّه منقوض بنحو : ظننت زيدا إنّه قائم ، حيث يجب فيه كسر أنّ مع جواز حلول المفرد محلّها وفي محل معموليها ، كذا ذكر ابن مالك.

إذا علمت ذلك ، فيجب الفتح في ثمانية مواضع يجب فيها أن يحلّ المصدر محلّ أنّ ومعموليها :

أحدها : أن تقع فاعلا نحو قوله تعالى : (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا) [العنكبوت / ٥١] ، أي إنزالنا.

الثاني : أن تقع نائبا عن الفاعل ، نحو : (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ) [الجن / ١] ، أي استماع.

الثالث : أن تقع مفعولا لغير القول ، نحو : (وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ) [الأنعام / ٨١] ، أي إشراككم.

الرابع : أن تقع في موضع رفع بالابتداء ، نحو : (وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً) [فصلت / ٣٩] ، أي رؤيتك.

الخامس : أن تقع في موضع خبر اسم معنى غير قول ، ولا صادق عليه خبرها نحو :

اعتقادي أنّه فاضل ، أي فضله ، بخلاف قولي أنّه فاضل ، واعتقاد زيد إنه حق.

السادس : أن تقع مجرورة بالحرف ، نحو : (ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُ) [لقمان / ٣٠].

السابع : أن تقع مجرورة بالإضافة إلى غير ظرف ، نحو : (إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) [الذاريات / ٢٣] ، أي مثل نطقكم.

الثامن : أن تقع معطوفة على شيء ممّا ذكر ، نحو : (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ) [البقرة / ٤٧] ، أي نعمتى وتفضيلي ، أو مبدلة منه نحو : (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ) [الأنفال / ٧] ، أي كونها لكم.

ويجب الكسر في تسعة مواضع ، لا يجوز أن يحلّ المصدر فيها محلّ أنّ ومعموليها :

أحدها : أن تقع محكية بالقول ، نحو قوله تعالى : (قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ) [مريم / ٣٠].

الثاني : أن تقع في ابتداء الكلام نحو : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ) [القدر / ١] ، (أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) [يونس / ٦٢].

الثالث : أن تقع في أوّل الصلة ، نحو : (وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ) [القصص / ٧٦].

الرابع : أن تقع في أوّل الصفة ، كمررت برجل إنّه فاضل.

الخامس : أن تقع في أوّل الجملة الحالية ، نحو : (كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ) [الأنفال / ٥].

٢٣٢

السادس : أن تقع في أوّل الجملة المضاف إليها ما يختصّ بالجمل وإذ وإذا وحيث ، نحو : جلست إذ أو حيث إنّ زيدا جالس.

السابع : أن تقع قبل اللام المعلّقة ، نحو : (وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) [المنافقون / ١].

الثامن : أن تقع جوابا للقسم ، نحو : (وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ) [الدخان / ٣ و ٢].

التاسع : أن تقع خبرا من اسم عين نحو : زيد إنّه فاضل.

تنبيهات : الأوّل : قال الدمامينيّ في المنهل : قد يجب الفتح مع الحكاية بالقول ، نحو :

قال زيد أنّك فاضل أكرمتك ، ففتحتها لأنّها في أوّل المحكى مفتوحة لوقوعها بعد لام التعليل المحذوقة ، أي لأنّك فاضل أكرمتك.

فإن قلت : فالموجب إذن للفتح أنّما هو وقوعها بعد الجارّ لاكونها محكى ة بالقول.

قلت : الموجب للكسر في الواقعة بعد القول المقصود به الحكاية ، وقوعها في الابتداء نظرا إلى الكلام المحكى ، وقد عدّوا هذه (١) قسما برأسه ، فلنعدّ تلك (٢) أيضا [قسما برأسه] ولا فرق ، فتامّله.

فتح همزة أنّ بعد حيث والكلام على ذلك : الثاني : قال ابن هشام : قد أولع الفقهاء وغيرهم بفتح أنّ بعد حيث ، وهو لحن فاحش ، فإنّها لا تضاف إلا إلى الجملة ، وأنّ المفتوحة ومعمولاها في تأويل المفرد ، انتهى.

وقد أوجب جماعة ، منهم الرضيّ وصاحب اللباب والسّيّد ركن الدين فتحها نظرا لإصالة الإفراد في المضاف إليه ، وأجاز بعضهم الفتح والكسر نظرا إلى كلا الوجهين. وفي شرح التسهيل للدمامينيّ ، الفتح صحيح ، لأنّ حيث تضاف إلى الجملة وإلى المفرد كقوله [من الطويل] :

١٥٩ ـ ونطعنهم تحت الكلى بعد ضربهم

ببيض المواضي حيث ليّ العوائم (٣)

بجرّ ليّ ، فيجوز إذن في أنّ الواقعة بعدها الوجهان. فإن قلت : إضافة حيث إلى المفرد نادر ، فلا يحمل عليه ، قلت : يجوز الفتح ، وإن قلنا : إنّها مضافة إلى الجملة بناء على أنّ أنّ ومعموليها بتأويل مصدر وقع في موضع مبتدأ محذوف الخبر على حدّ قوله [من الرجز] :

__________________

(١) سقط هذه في «ح».

(٢) سقط تلك في «س».

(٣) لم يسم قائل البيت ، اللغة : الكلى جمع الكلية. البيض : السيوف. ليّ مصدر بمعنى الشدّ والفتل. العوائم جمع عمامة.

٢٣٣

١٦٠ ـ أما ترى حيث سهيل طالع

 ... (١)

برفع سهيل ، أي حيث سهيل موجود ، وحذف خبر المبتدأ بعد حيث غير قليل ، انتهى. وفي هذا التوجيه بحث ، إذ يلزم عليه جواز الفتح في جميع صور وجوب الكسر. فتأمّل.

ويجوز الفتح والكسر في تسعة مواضع ، يجوز فيها حلول المصدر محلّ أنّ ومعموليها وعدمه :

أحدها : أن تقع أنّ خبرا عن قول ، ومخبرا عنه بقول ، وفاعل القولين واحد ، نحو أوّل قولي انّي أحمد الله ، فالفتح على أنّ القول على حقيقته من المصدريّة أي قولي حمد الله ، والكسر على أنّه بمعنى المقول ، أي مقولي إنّي أحمد الله ، فلو انتفى القول الأوّل وجب الفتح أو الثاني ، أو اختلف القائل وجب الكسر.

الثاني : أن تقع بعد إذا الفجائية كقوله [من الطويل] :

١٦١ ـ وكنت أري زيدا كما قيل سيّدا

إذا انّه عبد القفا واللهازم (٢)

فالفتح على معنى فإذا العبوديّة أي حاصلة ، كما تقول : خرجت فإذا الأسد ، والكسر على معنى فإذا هو عبد القفا.

الثالث : أن تقع بعد فاء الجزاء ، نحو : (مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [الأنعام / ٥٤] فالفتح على معنى فالغفران والرحمة أي حاصلان ، أو فالحاصل الغفران والرحمة ، والكسر على معنى فهو غفور رحيم.

الرابع : أن تقع في موضع التعليل ، نحو : (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) [الطور / ٢٨] ، قرأ نافع (٣) والكسائي بالفتح على تقديم لام العلة ، أي لأنّه ، والباقون بالكسر على أنّه تعليل مستأنف مثل (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) [التوبة / ١٠٣] ، ومثله : لبيك أنّ الحمد والنعمة لك.

الخامس : أن تقع بعد فعل قسم ، ولا لام بعدها كقوله [من الرجز] :

١٦٢ ـ أو تحلفي بربّك العلي

انّي أبو ذيّالك الصّبيّ (٤)

__________________

(١) في المغني وجامع الشواهد وابن عقيل «طالعا» وبعده «نجما يضيء كالشهاب لامعا» ، والرجز مجهول القائل.

(٢) البيت من الفرزدق ، يهجو بها زيد بن أرقم. اللغة : القفا : خلف الرأس ، اللهازم : جمع اللهزمة : طرف الحلقوم وهما كنايتان عن الخسّة والدناءة والذلّة.

(٣) نافع بن عبد الرحمن (ت ١٦٩ ه‍) أحد أئمة القراءات العشر ، عاش في المدينة أصله من أصبهان. المنجد في الأعلام ، ص ٥٦٩.

(٤) البيت ينسب إلى رؤبة بن العجاج.

٢٣٤

فالفتح بتقدير على ، والكسر على الجواب ، والبصريّون يوجبونه ، ولو أضمر الفعل ، أو ذكرت اللام تعيّن الكسر إجماعا ، نحو : والله إنّ زيدا لقائم ، وحلفت إنّ زيدا قائم.

السادس : أن تقع بعد واو مسبوغة بمفرد صالحة للعطف عليه ، نحو : (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى) [طه / ١١٨ و ١١٩] ، قرأ نافع وأبو بكر بالكسر ، إمّا على الاستيناف ، أو بالعطف على جملة أنّ الأولى ، والباقون بالفتح بالعطف على أن لا تجوع.

السابع : أن تقع بعد حتى ، ويختصّ الفتح بالجارة والعاطفة ، نحو : عرفت أمورك حتى انّك فاضل ، والكسر بالابتدائيّة ، نحو : مرض زيد حتى أنّه لا يرجونه.

الثامن : أن تقع بعد أمّا ، نحو : أما انّك فاضل ، فالفتح على أنّها أحقّا ، وهو قليل ، والكسر على أنّها حرف استفتاح بمترلة إلا الاستفتاحية (١).

الكلام على لا جرم ومعناها : التاسع : أن تقع بعد لا جرم ، والغالب الفتح ، نحو : (لا جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ) [النحل / ٢٣] ، فالفتح عند سيبويه على أنّ جرم فعل ماضي ، وأنّ وصلتها فاعل ، أي وجب أنّ الله يعلم ولا صلة ، وعند الفرّاء على أنّ لا جرم بمنزلة لا رجل ، ومعناهما لا بدّ ومن بعدهما مقدّرة ، والكسر على ما حكاه الفرّاء من أنّ بعضهم ينزّلها منزلة اليمين ، فيقول : لا جرم لآتينّك ، ولا جرم أنّك ذاهب ، ولا جرم لقد أحسنت.

الكلام على المعطوف على اسم أنّ وأخواتها : والاسم المعطوف على أسماء هذه الأحرف منصوب ، سواء كان قبل مضيّ الخبر أو بعده. كقوله [من السريع] :

١٦٣ ـ إنّ الرّبيع الجود والخريفا

يدا أبي العّباس والصّيوفا (٢)

فعطف الخريف بالنصب على الربيع قبل مضيّ الخبر ، وهو يدا أبي العباس وعطف الصيوف ، جمع صيف ، على الربيع بالنصب بعد مضيّ الخبر.

وتختصّ إنّ المكسورة وأنّ المفتوحة لفظا المكسورة حكما ولكنّ دون الثلاث الآخر برفعه ، أي رفع المعطوف على أسمائهنّ ، وذلك لأنهنّ لما يغيّرن معنى الجملة كنّ

__________________

(١) بمترلة إلا الاستفهامية «م».

(٢) هو لرؤبة بن العجاج بن رؤبة الّتيمي. اللغة : الجود : المطر الغريز ، وأراد بأبي العباس أبا العباس السفاح أوّل الخلفاء العباسيين.

٢٣٥

كالعدم ، فيعطف على أسمائهنّ بالرفع حملا على محلّها ، ويكون من عطف الجمل لا المفردات ، لأنّ القائم مثلا في إنّ زيدا قائم وعمرو لا يكون خبرا عن الاسمين.

فان قلت : دعوى أنّ أنّ المفتوحة لا تغيّر معنى الجملة ممنوعة ، بل هي خلاف الاجماع ، قلت : قد أشرنا إلى الجواب عن ذلك بتقييدها بالمكسورة حكما. قال ابن الحاجب : أنّ المفتوحة إذا كانت مكسورة حكما جاز معاملتها في العطف معاملة إنّ المكسورة لفظا ، قال وهذا موضع لم ينبّه عليه النّحويّون ، فإنّهم إذا قالوا يعطف على اسم أنّ المكسورة دون غيرها أوهموا أنّه لا يجوز العطف مع المفتوحة.

والمفتوحة تنقسم قسمين : قسم يجوز العطف على اسمها بالرفع ، وقسم لا يجوز ، فالقسم الّذي يجوز هو أن تكون في حكم المكسورة ، كقولك : علمت أنّ زيدا قائم ، لأنّه موضع الجملة المستقلّة في المعنى لاشتمال المفعولين في باب علمت على المحكوم عليه والمحكوم به بدليل وجوب الكسر ، إذا دخلت اللام ، نحو : علمت أنّ زيدا لقائم ، ولولا إنّها في حكم الجملة المستقلّة لم يجز كسر أنّ ، ألا ترى أنّك لا تقول : أعجبني أنّ زيدا لقائم ، بكسر أنّ لأنّه لمّا لم يكن هنا في معنى الجملة المستقلّة لكونه فاعلا ، والفاعل يجب أن يكون مفردا لم يجز كسر أنّ ، فثبت أنّ المفعولين في باب علمت في المعنى الجملة المستقلّة ، وإنّما انتصبا بعدها توفيرا لما تقتضييه علمت من معنى المفعوليّة.

وإذا كان المفعولان في حكم الجملة المستقلّة تكون هذه المفتوحة بعدها في حكم المكسورة ، فيجوز العطف بالرفع فيها وإن كانت مفتوحة لفظا ، لأنّها مكسورة معنى باعتبار ما ذكرناه ، وإن كانت المفتوحة على غير هذه الصفة ، لم يجز العطف على اسمها بالرفع ، مثل قولك : أعجبني أنّ زيدا قائم وعمرا ، فلا يجوز إلا النصب ، ولا يستقيم الرفع بحال عطفا على اسم أنّ لأنّها ليست مكسورة ، ولا في حكم المكسورة ، لأنّها موضع مفرد من كل وجه ، انتهى.

وعلى هذا التحقيق جرى ابن مالك وغيره ، قال في شرح الكافية : وتلحق إنّ بأنّ إذا كان موضعها موضع جملة ، نحو : علمت أنّ زيدا منطلق وعمرو ، لكن قال الرضيّ :

وفيما قال ابن الحاجب مع هذا التحقيق البالغ نظر ، وذلك لأنّا بعد تسليم أنّ المفتوحة وما في حيّزها بتقدير اسمين لا يخرجها عن كونها بتقدير المفرد ، إذ ذانك الاسمان بتقدير المفرد ، وهذا مع أنّ الحقّ أنّ أنّ وما حيّزها ليست بتقدير اسمين بل هي من أوّل الأمر بتقدير اسم مفرد ، أعني المصدر الّذي ذانك الاسمان مؤوّلان به.

٢٣٦

شروط العطف على المحلّ : قال : وإنّما دعاه إلى هذا التكلّف أنّه رأي سيبويه مستشهدا على العطف على محل المكسورة بقوله (وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ) [التوبة / ٣] ، وكذا مستشهدا بقوله [من الوافر] :

١٦٤ ـ وإلا فاعلموا أنّا وأنتم

بغاة ما بقينا في شقاق (١)

على العطف على محلّ اسم المكسورة بتقدير حذف الخبر من الأوّل ، والتقدير : أنّا بغاة ، وأنتم بغاة ، فلولا أنّ المفتوحة بعد فعل القلب في حكم المكسورة لما صحّ منه الاستدلال المذكور.

وبعض النحاة لمّا رأي سيبويه يستشهد للمكسورة بالمفتوحة ، قال : إنّ المفتوحة حكمها مطلقا حكم المكسورة في جواز العطف على محلّ اسمها بالرفع ، لأنّها حرفان مؤكّدان أصلهما واحد ، فيجوز العطف بالرفع ، نحو : بلغني أنّ زيدا قائم وعمرو. والسيرافيّ ومن تابعه لم تلتفتوا إلى استدال سيبويه ، فقالوا : لا يجوز العطف على محلّ المفتوحة مطلقا ، إذ لم يبق معها الابتداء ، بل هي مع ما في حيّزها في تأويل اسم مفرد مرفوع أو منصوب أو مجرور ، فاسمها كبعض حروف الكلمة ، انتهى.

وليس رفع المعطوف على أسماء هذه الثلاثة الأحرف المذكورة مطلقا ، بل بشرط مضيّ الخبر ، كقوله تعالى : (وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) [التوبه / ٣] ، وقول الشاعر [من الطويل] :

١٦٥ ـ فمن يك لم ينجب أبوه وأمّه

فإنّ لنا الأمّ النّجيبة والأب (٢)

وقول الآخر [من الطويل] :

١٦٦ ـ وما قصّرت بي في التّسامي خؤولة

ولكنّ عمّي الطّيّب الأصل والخال (٣)

وإنّما لم يصحّ قبل مضيّ الخبر ، نحو : إنّ زيدا وعمرو قائمان ، لئلا يتوارد عاملان مستقلّان ، هما الابتداء وإنّ على معمول واحد ، هو الخبر ، فيعملان رفعا واحدا فيه وذلك لا يجوز ، لأنّ عوامل النحو عندهم كالمؤثّر الحقيقيّ ، والأثر الواحد لا يصحّ عن مؤثّرين مستقلّين ، كما برهن عليه في محلّه.

وخالف الكسائيّ والفرّاء فلم يشترطا هذا الشرط تمسّكا بنحو قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ) [المائدة / ٦٩] ، وخرّج على أنّه مبتدأ حذف خبره ، والكلام على التقديم والتأخير ، أو دلّ بخبره على خبر إنّ ، ولا يلزمهما حديث

__________________

(١) هو من أبيات لبشير بن أبي حازم الأسدي. اللغة : البغاة جمع الباغي : الظالم ، الشقاق : العداوة.

(٢) البيت بلا نسبة اللغة : أنجب : ولد له ولد نجيب.

(٣) لم يسمّ قائله. اللغة : الخوولة : جمع خال ، أو مصدر لا فعل له. لسان العرب ١ / ١٩٩ (خول).

٢٣٧

التوارد ، لأنّ إنّ وأخواتها لا تعمل في الخبر شيئا عند الكوفيّين كما مرّ ، لكن اشترط الفرّاء خفاء الإعراب ، نحو : إنّك أو إنّ الفتى وزيد ذاهبان ، ولم يخصّص ذلك بالثلاثة ، بل عمّمه في السّتة تمسّكا بقوله [من الرجز] :

١٦٧ ـ يا ليتني وأنت يا لميس

في بلد ليس بها أنيس (١)

وخرّج على أنّ الاصل : وأنت معي ، والجملة حالية.

تنبيهات : الأوّل : محلّ الخلاف في رفع الاسم قبل مضيّ الخبر أنّما هو حيث يتعيّن كون الخبر للاسمين ، نحو : إنّك وزيد ذاهبان ، وأمّا نحو : إنّ زيدا وعمرو في الدار فجائز باتّفاق ، نبّه عليه ابن هشام في شرح «بانت سعاد» (٢) قال : وهذا موضع يكثر فيه الوهم.

الثاني : جواز رفع تإلى العاطف فيما مرّ ونحوه متّفق عليه ، واختلف في تخريجه ، فقيل : هو معطوف على محلّ اسم إنّ ، كما ذكره المصنّف ، وهو قول نقله ابن هشام عن بعض البصريّين وأبو حيّان في الإرتشاف عن الكوفيّين والجرمي (٣) والزّجاج ، وجرى عليه ابن حاجب وابن مالك وشرّاح كلامهما ، وقيل : هو مبتدأ محذوف الخبر ، وقيل : معطوف على ضمير الخبر ، وهذان الوجهان لا خلاف في تخريجه عليهما.

وأمّا الأوّل فادّعى ابن مالك أنّه لا خلاف فيه أيضا ، ونوزع في ذلك ، قال أبو حيّان : اتّفقوا على جواز الرفع بعد مضيّ الخبر ، واختلفوا على ما ذا يرفع ، وذهب سيبويه والجرميّ وأجازه أصحابنا أنّه على المبتدأ ، والخبر محذوف لدلالة ما قبله عليه ويتعيّن ذلك فيه ، وذهب أبو الحسن والمبرّد والفارسيّ إلى أنّه معطوف على الموضع ، فقيل : موضع اسم إنّ ، وقيل : موضعها مع اسمها.

ونقل النحاس عن الفرّاء والطّوال أنّه إنّما يرتفع بالعطف على الضمير المستتر في خبر الأوّل ، ومن قال بشيء من هذه الأقوال لم يمنع القول بالابتداء ، قال : فدعوى ابن مالك الإجماع على جواز رفع المعطوف على اسم أنّ ولكنّ باطلة لما ذكرنا من مذهب سيبويه وأصحابنا ، انتهى.

والحقّ الّذي عليه المحقّقون المنع من رفع المعطوف على محلّ الاسم مطلقا ، سواء كان مضي الخبر أم لم يمض ، خفي الإعراب ، أم لم يخف ، وذلك لأنّ للعطف على المحلّ عندهم ثلاثة شروط :

__________________

(١) هو للعجّاج أو لرؤبة.

(٢) قصيدة «بانت سعاد» أو «البردة» لكعب بن زهير شاعر العصر الاسلامي (ت ٢٤ ه‍) مدح بها النبي (ص) في مسجد المدينة.

(٣) صالح بن إسحاق أبو عمر الجرمّي البصري ، كان فقيها عالما بالنحو واللغة ، له من التصانيف : التنبيه ، مختصر في النحو ، غريب سيبويه ، مات سنة ٢٦٥ ه‍. بغية الوعاة ٢ / ٨.

٢٣٨

أحدها : إمكان ظهور ذلك المحلّ في الفصيح ، ولذلك لما جاز في نحو : ليس زيد بقائم ، وما جاءني من امرأة أن تسقط الباء فتنصب ، ومن فترفع ، جاز أن يعطف (١) على الأوّل منصوبا وعلى الثاني مرفوعا ، بخلاف مررت بزيد وعمرو ، ولمّا لم يجز مررت زيدا ، بإسقاط الباء ، لم يجز أن ينصب عمرو بالعطف على محلّ زيد المجرور خلافا لابن جنيّ ، وجاز في قوله تعالى : (وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) [المائدة / ٦] نصب المعطوف على محلّ المجرور لجواز مسحت الراس في الفصيح.

الثاني : أن يكون الموضع يحقّ الاصالة ، فلا يجوز هذا ضارب زيدا وأخيه ، لأنّ الوصف المستوفي لشروط العمل ، الأصل إعماله ، لا إضافته لالتحافه بالفعل خلافا للبغداديّين.

الثالث : وجود المحرز أي الطالب للمحلّ ، فلذلك لم يجز عطف المرفوع على المحلّ في هذا الباب ، لأنّ موضع الاسم بعد أنّ لا محرز له ، لأنّ الطالب لرفعه هو الابتداء الّذي هو التجرّد قد زال بدخول أنّ ، فامتنع العطف عليه بالرفع بعد مضي الخبر وقبله ، نحو : إنّ زيدا قائم وعمرو ، وإنّ زيدا وعمرو قائمان. قال ابن هشام : وأجاز بعض البصريّين الأولى ، لأنّهم لم يشترطوا المحرز ، ومنعوا الثانية لمانع آخر هو توارد العاملين ، وأجازهما الكوفيّون ، لأنّهم لم يشترطوا المحرز ، وأن لا تعمل في الخبر عندهم شيئا ، انتهى.

الثالث : [من تنبيهات] حكم التوابع ما عدا البدل حكم النسق عند الجرميّ والزّجاج ، فيجوز الاتّباع في مذهبهما في الثلاثة بعد مضيّ الخبر لا قبله ، نحو : إنّ زيدا قائم العاقل أو بطة أو نفسه ، ومطلقا عند الكسائيّ والفرّاء ، لكن بشرط خفاء الإعراب عند الفرّاء وحكى سيبويه : إنّهم أجمعون ذاهبون ، وحملوا عليه قوله تعالى : (إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) [سبأ / ٤٨] ، قال الزّجاج : علّام الغيوب صفة لربي.

قال ابن عصفور والمحقّقون من البصريّين : لا يجيزون في غير المنوّن من التوابع إلا النصب فقط ، إلا أن يسمع شيء فيحفظ ولا يقاس عليه ، وقدّر سيبويه (عَلَّامُ الْغُيُوبِ) مبتدأ أو بدلا من فاعل يقذف. وقال ابن مالك في شرح الكافيّة ونسب سيبويه قائل : إنّهم أجمعون ذاهبون إلى الغلط مع أنّه من العرب الموثوق بعربيّتهم ، وليس ذلك من سيبويه بمرضيّ ، بل الأولى أن يخرج على أنّ قائل ذلك أراد أنّهم هم أجمعون ذاهبون ، على أن يكون هم مبتدأ مؤكّدا بأجمعون مخبرا عنه بذاهبون ، ثمّ حذف المبتدأ وبقي توكيده كما يحذف الموصوف وتبقى صفته ، انتهى.

__________________

(١) سقط جاز أن يعطف في «س».

٢٣٩

ما ولا المشبّهتان بليس

ص : الثالث : ما ولا المشبّهتان بليس ، وتعملان عملها ، بشرط بقاء النّفي وتأخّر الخبر ، ويشترط في ما ، عدم زيادة ان معها ، وفي لا ، تنكير معموليها. فإن لحقتها التاء اختصّت بالأحيان ، وكثر حذف اسمها ، نحو : (وَلاتَ حِينَ مَناصٍ.)

ش : النوع الثالث من أنواع النواسخ ما ولا النافيتان المشبّهتان بليس في معنى النفي والجمود والدخول على الجملة الاسميّة ، ولذلك تعملان عملها عند الحجازيّين ، فترفعان المبتدأ وتنصبان الخبر ، وعلى لغتهم جاء التتريل قال تعالى : (ما هذا بَشَراً) [يوسف / ٣١]. وقال الشاعر [من الطويل] :

١٦٨ ـ تعزّ فلا شيء على الأرض باقيا

ولا وزر ممّا قضى الله واقيا (١)

فائدة : وجدت بخطّ الصلاح الصفدي (٢) ما صورته : سالت الشيخ أثير الدين أبا حيّان ـ أدام الله فوائده ـ كم ورد في القران العظيم إعمال ما اعمال ليس؟ فقال ثلاثة مواطن : أحدها : (ما هذا بَشَراً) [يوسف / ٣١] ، والثاني : (ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ) [المجادلة / ٢] ، والثالث : (فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ) [الحاقة / ٤٧]. قال : وزعم بعضهم أنّ حاجزين صفة لأحد وليس بشيء ، إذ الصفة مستغن عنه ، والخبر محطّ الفائدة ، انتهى ، وفيه نظر ، وبنو تميم يعملونها.

قال ابن الحاجب في شرح المفصّل والنّحويّون يزعمون (٣) أنّ لغة بني تميم في ذلك على القياس ، ويقولون إنّ الحرف إذا لم يكن له اختصاص بالاسم أو بالفعل لم يكن له عمل في أحدهما ، وما يدخل (٤) على القسمين فالقياس أن لا يعمل في أحدهما. قلت لا خلاف في إعمال لا الّتي لنفي الجنس ، وإذا صحّ إعمال لا باتّقاق ، فلا بعد في إعمال ما ، فإن زعم زاعم أنّ لا الناصبة غير لا الداخلة على الفعل ، قيل له : فما لمانع أن يكون ما الرافعة غير ما الداخلة على الفعل ، انتهى ، وفيه بحث ظاهر.

قال ابن هشام : وقريء على لغة تميم : ما هذا بشر و (ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ) بالرفع ، وقرئ أيضا : ما هن بأمهاتهم بالجرّ بباء زائدة ، وتحتمل الحجازيّة والتميميّة خلافا لأبي على والزمخشريّ زعما أنّ الباء تختصّ بلغة النصب ، انتهى.

__________________

(١) هذا البيت من الشواهد الّتي لم يذكروا لها قائلا معينا. اللغة : تعزّ امر من التعزّي وأصله من العزاء وهو التصبر والتسلي على المصائب ، الوزر الملجأ.

(٢) الصفدي (صلاح الدين خليل) (نحو ١٢٩٦ ـ ١٣٦٢) أديب مورخّ عمل في ديوان الانشاء في حلب ودمشق ، له مولّفات كثيرة أشهرها : «الوافي بالوفيات» وهو معجم للاعلام و «أعيان العصر». المنجد في الأعلام ص ٣٤٦.

(٣) في «ح» سقط يزعمون.

(٤) ما لا يدخل «س».

٢٤٠

لطيفة يسأل الناس عنها أهل الأدب : لطيفة : ممّا يسأل الناس عنه أهل الأدب قول الشاعر [من الكامل] :

١٦٩ ـ ومهفهف الأعطاف قلت له انتسب

فأجاب ما قتل المحبّ حرام (١)

فيقولون ما الّذي أجاب به؟ والجواب أنّه تميميّ لإهماله ما ، فاستغني بوقوع الاسمين بعد ما مرفوعين عن أن يصرّح بنسبه ويقول : أنا تميميّ.

رفع المبتدإ ونصب الخبر بلا النافية لغة أهل الحجاز دون غيره : تنبيهان : الأوّل : قال ابن هشام في شرح اللمحة : رفع المبتدأ ونصب الخبر بلاء النافية لغة أهل الحجاز على ما نصّ عليه الزمخشريّ وابن الحاجب والمطرزيّ وغيرهم ، وكثير يظنّ اتّفاق العرب على إعمالها ، ويختصّ الخلاف بما وليس كذلك ، وإذا اختلفوا في القويّ الشبه ، فكيف يجمعون على الضعيفة ، وإنّما ضعف شبه لا بليس ، لأنّ ليس لنفي الحال ، ولا لنفي المستقبل (٢) ، وقد حقّق هذا أنّهم لا يعملونها إلا في الشعر ، انتهى.

فأمّا ليس فقد عرفت حالها ممّا مرّ ، وأمّا ما فقال في المغني : إذا نفت المضارع تخلّص عند الجمهور للحال ، وردّ عليهم ابن مالك بنحو قوله تعالى : (قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ) [يونس / ١٥] ، وأجيب بأنّ شرط كونه للحال انتفاء قرينة خلافه ، وأمّا لا فالمنقول عن سيبويه أنّ المضارع يتخلّص بها للاستقبال ونقله في المغني عن الأكثرين.

قال الدمامينيّ في شرح التسهيل ولم يزل الفضلاء يستشكلون قول سيبويه ، هذا مع قوله : إنّ المضارع المنفي بلا يقع حالا ، وقول غيره إنّ الجملة الحالية لا تصدّر بدليل استقبال. قال المراديّ في الجني : ومذهب الأخفش والمبرّد وابن مالك عدم لزوم ذلك ، وأنّها قد تكون للحال ، انتهى.

شروط إعمال ما ولا المشبّهتين بليس : الثاني : قضية إطلاق المصنّف أن لا تعمل في الشعر وغيره ، وعليه كثير من النحويين وخصّص بعضهم عملها بالشعر ، بل ظاهر عبارة الرضيّ أنّه رأي جميع النحاة ، وليس كذلك ولكون عمل هذين الحرفين على

__________________

(١) لم يسمّ قائله. اللغة : الواو : بمعنى ربّ ، المهفهف اسم مفعول بمعنى ضامر البطن دقيق الخصر ، الأعطاف (ج) العطف ، وهو من الانسان من لدن رأسه إلى وركه.

(٢) سقط لنفي المستقبل في «ح».

٢٤١

خلاف الأصل. قال الجمهور لم يعملها الحجازيّون مطلقا ، بل بشرط اجتماع ثلاثة أمور فيهما معا سوى ما ينفرد به كلّ منهما كما سيأتي.

أحدها : بقاء النفي ، أي نفي خبرهما ، لأنّ عملهما أنّما كان لأجل النفي الّذي شابهتا ليس به ، فكيف يعملان مع زوال المشابهة بانتقاض النفي ، ولذلك وجب الرفع في نحو : (وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ) [القمر / ٥٠] ، (وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ) [آل عمران / ١٤٤] ولا رجل إلا قاعد ، وما زيد إلا فعله حسن. وأما قوله [من الطويل] :

١٧٠ ـ وما الدّهر إلا منجنونا بأهله

وما صاحب الحاجات إلا معذّبا (١)

فمن باب ما زيد إلا سيرا ، والتقدير إلا يدور دوران منجنون ، ويعذّب معذّبا أي تعذيبا.

وقال ابن مالك : أنّه تكلّف على أنّ سيبويه لا يرى أنّ صيغة المفعول تكون بمعنى المصدر ، قال : والأولى أن يجعل منجنونا ومعذّبا خبرين منصوبين بما إلحاقا لها بليس ، قال : وأقوي من هذا قول الآخر [من الوافر] :

١٧١ ـ وما حقّ الّذي يعثو نهارا

ويسرق ليله إلا نكالا (٢)

ولأجل هذا الشرط وجب الرفع في المعطوف ببل ولكن على الخبر ، نحو : ما زيد قائما بل أو لكن قاعد ، على أنّه خبر مبتدأ محذوف ، ولم يجز نصبه بالعطف ، لأنّه موجب.

تنبيهات : الأوّل : تعبيره ببقاء النفي وإن كان أولى من تعبير بعضهم بعدم انتقاض النفي بإلا لشموله الانتقاض بلمّا الاستثنائيّة (٣) أيضا كما رأيت ، إلا أنّه يرد عليه انتقاض النفي بالنسبة إلى معمول الخبر دون نفس الخبر ، نحو : ما زيد قائما إلا في الدار ، فإنّ النفي في ذلك يصدق عليه أنّه قد انتقض ، مع أنّ النصب واجب باجماع ، فتدبّر.

الثاني : إذا انتقض النفي بكلمة غير نحو : ما زيد غير قائم ، فالفرّاء يجيز النصب ، والبصريّون يوجبون الرفع.

الثالث : ما ذكر من وجوب الرفع مطلقا في الخبر المنتقض نفيه هو قول الجمهور. والثاني جواز النصب مطلقا وهو قول يونس ، والثالث جواز النصب بشرط كون الخبر وصفا وهو قول الفرّاء (٤) ، والرابع جواز النصب بشرط كون الخبر مشبّها به وهو قول بقية الكوفيّين ، قاله في التصريح.

__________________

(١) البيت لأحد بني سعد ، اللغة : المنجنون : الدولاب الّذي يستقي عليه.

(٢) البيت لمغلس بن لقيط. اللغة : يعثو : يفسد أشدّ الإفساد ، النّكال : العقاب.

(٣) سقط الاستثنائية في «س».

(٤) في «س» سقط من الثاني حتى هنا.

٢٤٢

و [الشرط] الثاني : تأخّر الخبر عن اسمها ، فلو تقدّم بطل العمل كقولهم : ما مسيء من أعتب ، ولا قاعد رجل ، ويروى مسيئا على الإعمال ، وهو شاذّ وأمّا قول الفرزدق [من البسيط] :

١٧٢ ـ فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم

إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر

ففي انتصابه أربعة أقوال : قيل : إنّ الفرزدق تميميّ ، وسمع أنّ أهل الحجاز ينصبون الخبر ، ولم يعلم أنّ ذلك يختصّ بالتأخير دون التقديم ، فغلط على لغة غيره لا على لغته فلذلك لم يسقط الاحتجاج بلغته ، وقيل : إنّ إعمال ما في الخبر لغة للعرب إذا تقدّم ، وهذه دعوى. وقيل : إنّ مثلهم ينتصب على الحال ، وإنّ الخبر العامل في الحال محذوف ، كأنّه قال : وإذ ما في الدنيا مماثلا لهم بشر ، وهذا ضعيف ، لأنّ المعاني لا تعمل في الأحوال وتحذف ، وقيل : إنّ مثلهم ينصب على الظرف ، كما تقول : ما أحد مثل زيد ، وأنت تريد ما أحد فوقه في المترلة ولا مكانه في الشرف ، قاله ابن بابشاذ في شرح الجمل ، وقيل : مثلهم مبتدأ ، ولكن بني لإبهامه مع أضافته للمبنيّ.

الثالث : تأخّر معمول الخبر عن الاسم ، فلو قدّم بطل العمل ، كقوله [من الطويل] :

١٧٣ ـ وقالوا تعرّفها المنازل من منى

وما كلّ من وافي منى أنا عارف (١)

فيمن نصب كلّا لضعفهما في العمل ، فلا يتصرّف في خبرهما ولا معموله ، إلا إذا كان المعمول ظرفا أو مجرورا ، فيجوز التقديم ، ولا يبطل العمل ، نحو : ما عندك زيد مقيما ، وما بي أنت مستغنيا ، لتوسّعهم فيهما ما لا يتوسّع في غيرهما كما مرّ (٢) ، وقضية كلامه كغيره إن تقدّم الخبر يمنع العمل ، وان كان ظرفا أو مجرورا.

وصرّح به ابن مالك ، وقيل : لا يمنع حينئذ. قال بعضهم : وهو المختار قياسا على معمول الخبر وعلى خبر أنّ وأخواتها. وقال غيره : ما صحّحه ابن مالك من منع تقديم الخبر الظرفي لا يكاد يعقل ، فإنّ تقديم المعمول فرع تقدّم العامل بل لو عكس فصحّح الجواز في الخبر ، والمنع في معموله لكان أشبه بالصواب ، فإنّ المعمول قد يمنع تقدّمه ، حيث يجوز تقدّم العامل ، ألا ترى أنّ معمول خبر كان لا يتقدّم على اسمها مع جواز تقدّم الخبر.

«ويشترط في ما» خاصّة «عدم زيادة إن» الزائدة «معها» ، فلو زيدت بطل العمل ، كقوله [من البسيط] :

__________________

(١) هو من قصيدة لمزاحم بن الحارث بن عمرة العقيلي. اللغة : تصرّف : فعل أمر ، والمنازل : منصوب على نزع الخافض والأصل : تعرفها في المنازل ، والمنى : موضع النحر بمكة ، وافى : فعل ماضي بمعنى أتى وبلغ.

(٢) سقط مرّ في «ح».

٢٤٣

١٧٤ ـ بني غدانة ما إن أنتم ذهب

ولا صريف ولكن أنتم الخزف (١)

لعدم زيادتها مع ليس المحمولة عليها ، فإذا زيدت مع ما تباينا في الاستعمال ، والقول بأنّ إن هذه زائدة ، وأنّها تبطل العمل هو قول البصريّين. وذهب الكوفيّون إلى جواز النصب معها ، وأنّها نافية مؤكدة ، وعليه خرّج رواية ابن السكيت (٢) في البيت ذهبا وصريفا بالنصب ، قال بعضهم : وعندي أنّ الخلاف في إعمالها ينبغي أن يكون مرتّبا على هذا الخلاف.

لا يجوز الجمع بين حرفين متّفقي المعنى إلا مفصولا بينهما : قال الرضيّ : وردّ على الكوفيّين بأنّه لا يجوز الجمع بين حرفين متّفقي المعنى ، إلا مفصولا بينهما ، كما في إنّ زيدا لقائم ، وأمّا الجمع بين اللام وقد في نحو : لقد سمع ، مع أنّ في كليهما معنى التحقيق ، وفي ألا إنّ مع أنّ في ألا معنى التحقيق ، فلأنّ «قد» يشوبها معنيان آخران ، وهما التقريب والتوقّع ، فلم تكن لبحت التحقيق ، وكذا في ألا معنى التنبيه أيضا.

وإنّما اختصّت ما بهذا الشرط ، لأنّه لا يتأتّي مع لا فلا تزاد معها ، قيل : وفي كتاب الأزهية للهروي (٣) إنّها تزاد معها أيضا ، وأنشد عليه [من البسيط] :

١٧٥ ـ يا طائر البين لا إن زلت ذا زجل

قال أراد لازلت وهو غريب (٤)

ويشترط «في لا» خاصة «تنكير معموليها» أي اسمها وخبرها ، فلا تعمل في معرفة ، لا يقال : لا زيد قائما ، قالوا : وذلك لضعف مشابهتها لليس في خصوص النفي ، لأنّ ليس لنفي الحال ، وهذه لمطلق النفي ، ومن ثمّ شذّ عملها ، حتى ذهب الأخفش والمبرّد إلى منعه ، وخالف ابن جنيّ وابن الشجرى (٥) في هذا الشرط فأجازا إعمالها في المعارف ، وأنشدا للنابغة الجعديّ (٦) [من الطويل] :

__________________

(١) لم يسمّ قائله اللغة : بني غدانة حيّ من يربوع. الصريف : الفضّة الخالصة. الخزف : ما عمل من الطين وشوي بالنار فصارا فخّارا.

(٢) يعقوب بن إسحاق أبو يوسف بن السكيت ، كان عالما بنحو الكوفيّين وعلم القران واللغة والشعر ، له تصانيف كثيرة في النحو ومعاني الشعر وتفسير دواوين العرب ، وهو كان منادم المتوكّل وحينما سأله المتوكل يا يعقوب ، من أحبّ إليك؟ ابناي هذان (المعتز والمؤيد) أم الحسن والحسين؟ قال والله إن قنبرا خادم على خير منك ومن ابنيك. فقتل سنة ٢٤٤ ه‍. بغية الوعاة ٢ / ٣٤٩.

(٣) الشيخ أبو الحسن علي بن محمد الهروى ، من تصانيفه : الأزهية في النحو ، كشف الظنون ١ / ٧٣.

(٤) وهو بلا نسبة. اللغة : البين : الفرقة ، الزجل : الصوت.

(٥) هبة الله بن علي من أولاد على (ع) المعروف بابن الشجرى ، كان أوحد زمانه وفرد أوانه في علم العربية وأشعار العرب ، صنّف : الأمالى ، كتاب الحماسة ، مات سنة ٥٤٢ ه‍. بغية الوعاة ٢ / ٣٢٤.

(٦) النابغة الجعديّ : أبو ليلي عبد الله بن قيس بن جعدة بن كعب بن ربيعة. مات بأصبهان سنة ٨٠ ه‍. أشهر شعره رائيته الّتي قالها في مدح الرسول (ص). الجامع في تاريخ الأدب العربي ١ / ٤١٦.

٢٤٤

١٧٦ ـ وحلّت سواد القلب لا أنا باغيا

سواها ولا في حبّها متراخيا (١)

وتأوّله له المانعون.

قال ابن مالك : ويتمكّن عندي أن يجعل أنا مرفوع فعل مضمر ناصب باغيا على الحال ، تقديره لا أشري باغيا ، فلمّا أضمر الفعل برز الضمير ، وانفصل ، ويجوز أن يجعل أنا مبتدأ والفعل المقدّر بعده خبرا ناصبا باغيا (٢) على الحال ، ويكون هذا من باب الاستغناء بالمعمول عن العامل لدلالته عليه ، انتهى.

مع أنّه أجاز في شرح التسهيل القياس عليه ، واعترف في التسهيل بالندور ، فكلامه مختلف ، ومثله قول الآخر [من البسيط] :

١٧٧ ـ أنكرتها بعد أعوام مضين لها

لا الدّار دارا ولا الجيران جيرانا (٣)

وعليه بني أبو الطيب قوله [من الطويل] :

١٧٨ ـ إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذي

فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا (٤)

وقيل : هو لحن منه.

تنبيه : يشترط في «لا» أيضا أن تكون لنفي الوحدة فقط ، نحو : لا رجل في الدار قائما بل رجلان أو رجال ، أو لنفي الوحدة احتمالا مرجوحا ، ولنفي الجنس احتمالا ظاهرا ، نحو : لا رجل قائما ، ويقال في توكيده على الأوّل كما مرّ ، وعلى الثاني : بل امرأة. قال ابن هشام : وغلط كثير من النّحويّين ، فزعموا أنّ لا العاملة عمل ليس لا تكون إلا نافية للوحدة ، ويرد عليهم نحو قوله [من الطويل] :

١٧٩ ـ تعزّ فلا شيء على الأرض باقيا

 ... (٥)

انتهى. فإن كانت لنفي الجنس نصّا كان عمله عمل أنّ كما سيأتي قريبا ، إن شاء الله تعالى.

الكلام على لات : «فإن لحقتها» أي لحقت لا «التاء» لتأنيث الكلمة أو للمبالغة في النفي كما في علامة أو لهما معا فصارت لات ، وحرّكت التاء لالتقاء الساكنين بالفتح

__________________

(١) اللغة : سواد القلب. حبته ، الباغي : الطالب ، المتراخي : المتواني.

(٢) من لا أرى باغيا حتى هنا سقط في «س».

(٣) البيت مجهول القائل. اللغة : أعوام جمع عام ، الجيران : جمع الجار وهو المجاور في المسكن.

(٤) هو من قصيدة لأبي الطيب المتنبّي واسمه احمد بن الحسين من شعراء العصر العباسي الثالث ، مات سنة ٣٥٤ ه‍. ق.

(٥) تقدم هذا البيت برقم ١٦٨.

٢٤٥

على المشهور ، لأنّها أخفّ الحركات ، وبالكسر على أصل التقاء الساكنين ، وبالضمّ جبرا لما لحقها من الوهن بحذف أحد معموليها لزوما كما سيأتي ، فلات كلمتان : لا النافية وتاء التأنيث ، هذا هو المشهور الّذي عليه الجمهور ، وقال أبو عبيدة وابن الطراوة : هي كلمة وبعض كلمة ، وذلك أنّها لا النافية والتاء الزائدة في أوّل الحين كما جاء [من الكامل] :

١٨٠ ـ العاطفون تحين ما من عاطف

والمطعمون تحين ما من مطعم (١)

قال الرضيّ : وهو ضعيف لعدم شهرة تحين في اللغات واشتهار لات حين ، وأيضا فإنّهم يقولون : لات أوان ولات هنا ولاتا وان ولاتهنا وقيل : كلمة واحدة وهي فعل ماض ، وعلى هذا فهل هي ماضي يليت بمعنى ينقص ، واستملت للنفي ، أو هي ليس بكسر الياء ، قلبت الياء الفاء ، وأبدلت السين تاء كما في ستّ ، قولان ، حكاها في المغني ، ثمّ اختلف في حقيقتها ، فمنهم من ذهب إلى أنّها لا تعمل شيئا ، وإن وليها مرفوع ، فمبتدأ ، حذف خبره ، أو منصوب ، فمعمول لفعل محذوف. وهذا أحد قولي الأخقش ، وعنه أيضا أنّها تعمل عمل أنّ فتنصب الاسم ، وترفع الخبر.

ومذهب الجمهور أنّها تعمل عمل أصلها ، إلا أنّها أقوي منها ، ومنها أيضا في استحقاق العمل لاختصاصها بالاسم ، واختلف في معمولها أيضا ، فذهب الفرّاء إلى أنّها لا تعمل إلا في الحين خاصّة قيل : وهو ظاهر قول سيبويه ، وعليه الجمهور ، وذهب الفارسيّ وجماعة إلى أنّها تعمل في الحين ، وما رادفه كالساعة والأوان والوقت ، وهو مختار ابن مالك والمصنّف ، كما أشعر به قوله : اختصّت بالأحيان ، قال تعالى : (وَلاتَ حِينَ مَناصٍ) [ص / ٣] بالفتح ، أي لات الحين حين مناص ، وقال الشاعر [من الكامل] :

١٨١ ـ ندم البغاة ولات ساعة مندم

 ... (٢)

وقال الآخر [من الوافر] :

١٨٢ ـ وذلك لات حين أوان حلم

ولكن قبلها اجتنبوا أذائي (٣)

وخصّه بعضهم بما ورد به السماع لا غير وهو كالتوسط بين المذهبين ، وزعم جماعة منهم ابن عصفور أنّها عملت في هنا من قول الشاعر [من الكامل] :

__________________

(١) هذا البيت لأبي وجزة.

(٢) تمامه «والبغي مرتع مبتغيه وخيم» ، قيل : إن هذا الشاهد لرجل من طيي وقال العيني : قائله محمد بن عيسى بن طلحة ، اللغة : البغاة جمع الباغي : الّذي يتجاوز قدره. مندم مصدر ميمي بمعنى الندم ، وخيم من وخم المكان أي : كان غير موافق لأن يسكن.

(٣) هو للطرماح بن حكيم.

٢٤٦

١٨٣ ـ حنّت نوار ولات هنّا حنّت

وبدا الّذي كانت نوار أجنّت (١)

فقالوا : إنّ هنّا اسم لات ، وحنّت خبرها على حذف مضاف ، والتقدير وليس ذلك الوقت وقت حنين. قال ابن مالك : وهو ضعيف ، لأنّ فيه إخراج هنا عن الظرفيّة ، وهو من الظروف الّتي لا تتصرّف ، وفيه أيضا إعمال لات في معرفة ظاهرة ، وإنّما تعمل في نكرة ، انتهى.

والأصحّ أنّها لم تعمل شيئا ، بل هي مهملة ، لا اسم لها ، ولا خبر ، وهنا في موضع نصب على الظرفيه ، لأنّه إشارة إلى مكان ، وحنّت مع أنّ مقدّرة قبلها في موضع رفع بالابتداء ، والخبر هنا والتقدير حنّت نوار ، ولا هنا لك حنين كذا قال الفارسيّ ، وشذّ مجيء غير الظرف بعدها مرفوعا كقوله [من الكامل] :

١٨٤ ـ لهفي عليك للهفة من خائف

يبغي جوارك حيث لات مجير (٢)

وارتفاع مجير على الابتداء أو على الفاعلية ، والتقدير حين لات له مجيرأ ، ويحصل له مجير ، ولات مهملة ، وزعم الفرّاء أنّ لات تستعمل حرفا جارّا لأسماء الزمان خاصّة ، كما أنّ مذ ومنذ كذلك وأنشد [من الخفيف] :

١٨٥ ـ طلبوا صلحنا ولات أوان

فأجبنا أن ليس حين بقاء (٣)

وأجيب بأنّ الأصل ليس الأوان أوان صلح ، فحذف اسمها ، وما أضيف إليه خبرها مقدّر الثبوت ، فيبني كما فعل بقبل وبعد ، إلا أنّ الأوان لشبهه بترال وزنا بني على الكسر ، ونوّن اضطرارا.

ووجب حذف أحد جزئيها من الاسم والخبر ، وكثر حذف اسمها وبقاء الخبر لكونه محطّ الفائدة ، نحو قوله تعالى : (وَلاتَ حِينَ مَناصٍ) [ص / ٣] ، في القراءة المشهورة بنصب حين على أنّه خبرها ، واسمها محذوف ، أي ليس الحين حين مناص ، وقريء في الشواذ (٤) برفع الحين ، على أنّه اسمها ، وخبرها محذوف ، أي ليس حين فرار حينا لهم. قال بعضهم : وكان القياس أن يكون هذا هو الغالب ، بل كان ينبغي أن حذف المرفوع لا يجوز ألبتّة ، لأنّ مرفوعها محمول على مرفوع ليس ومرفوع ليس لا يحذف ، وهذا فرع تصرّفوا فيه ما لم يتصرّفوا في أصله.

__________________

(١) هو لشبيببن جعيل الثّعلبي. كان بنو قتيه بن معين أسروه في حرب فأنشد ذلك يخاطب أمّه نوار بنت عمرو بن كلثوم. اللغة : حنت : من الحنين ، وهو الشوق ، أجنّت : سترت.

(٢) البيت لشمردل بن شريك الليثي في الرثاء. اللغة : يبغي : يطلب ، المجير : اسم فاعل من أجار بمعنى أنقذ وحمي.

(٣) هو لأبيه زبيد الطائي «حرملة بن المنذر». اللغة : الأوان : الوقت ، الحين.

(٤) «وقري في الشواذ» سقط في «س».

٢٤٧

إن النافية والكلام على إعمالها : تتمّة : لم يتعرّض المصنّف لذكر إن النافية ، لأنّ إعمالها نادر ، كما ذهب إليه ابن مالك ، بل ذهب الفرّاء واكثر البصريّين إلى المنع وأجازه الكسائيّ وأكثر الكوفيّين وأبو بكر (١) وأبو على وأبو الفتح واختلف النقل عن سيبويه والمبرّد. فنقل السهيليّ الإجازة عن سيبويه والمنع عن المبرّد وعكس ذلك النحاس ونقل ابن مالك عنهما الاجازة.

وإعمالها لغة أهل العالية وهي ما فوق نجد إلى أرض تهامة وإلى ما وراء مكة ، ويعتبر فيها من الشروط ما اعتبر في ما إلا عدم زيادة إن ، فإنّها لا تزاد معها كلا نحو قول بعضهم : إن أحد خيرا من أحد إلا بالعافية ، وإن ذلك نافعك ولا ضارّك. وأنشد الكسائيّ [من المنسرح] :

١٨٦ ـ إن هو مستوليا على أحد

إلا على أضعف المجانين (٢)

وخرّج ابن جنيّ وغيره على ذلك قراءة وسعيد بن جبير (٣) إن الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم [الأعراف / ١٩٤] بتخفيف إن وكسرها لالتقاء الساكنين ونصب عبادا على الخبريّة وأمثالكم على أنّه نعت لعباد والمعنى ليس الأصنام الّذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم في الاتصاف بالعقل ، فلو كانوا أمثالكم فعبدتموهم لكنتم بذلك مخطئين ضالين ، فكيف حالكم في عبادة من هو دونكم بعدم الحيوة والإدراك.

__________________

(١) هناك كثير من النحاة الكبار باسم أبي بكر مثل ابن الخياط ، ابن السراج ، ابن دريد.

(٢) لم يسم قائله اللغة : مستوليا : اسم الفاعل من استولي ، ومعناه كانت له الولاية على الشيء.

(٣) سعيد بن جبير الاسدي ، تابعيّ ، كان أعلمهم على الاطلاق ، قتله الحجّاج سنة ٩٥ ه‍. ق الأعلام للزركلي ، ٣ / ١٤٥.

٢٤٨

لا النافية للجنس

ص : الرابع : لا النّافية للجنس ، وتعمل عمل إنّ ، بشرط عدم دخول جارّ عليها ، واسمها إن كان مضافا أو شبيها به نصب ، وإلا بني على ما ينصب به ، نحو : لا رجل ، ولا رجلين في الدّار ، ويشترط تنكيره ومباشرته لها ، فان عرّف او فصّل أهملت وكرّرت ، نحو : لا زيد في الدّار ولا عمرو ، ولا في الدّار رجل ولا امرأة.

تبصرة : ولك في نحو : ولا حول ولا قوّة إلا بالله ، خمسة أوجه : الأوّل : فتحهما على الأصل ، الثاني : رفعهما على الابتداء ، أو على الإعمال ، كليس ، الثالث : فتح الأوّل ورفع الثاني بالعطف على المحلّ ، أو بإعمال الثانية ، كليس ، الرّابع : عكس الثالث على إعمال الأولى كليس ، أو إلغائها ، الخامس : فتح الأوّل ونصب الثاني بالعطف على لفظه ، لمشابهة الفتح النّصب.

ش : النوع الرابع من أنواع النواسخ لا النافية للجنس ، أي جنس اسمها ، إن مفردا فمفرد ، أو مثنى فمثنى ، أو جمعا فجمعا ، ومعنى نفي الجنس في المثنّى والجمع نفي كلّ مثنى وكلّ جمع ، وخرج بالنافية لا الناهية ، فإنّها تختصّ بالمضارع ، والزائدة فلا تعمل شيئا ، وبقوله للجنس النافية للوحدة ، والمراد نصّا بقرينة المقام ، وذلك بحيث لا يشذّ عنه فرد من أفراده ، فخرجت النافية له احتمالا ، فإنّهما يعملان عمل ليس كما مرّ.

تنبيه : قال صاحب الفوائد الضيائية وغيره : هذه العبارة محمولة على تقدير مضاف ، أي نافية لصفة الجنس ، إذ لا رجل قائم مثلا لنفي القيام عن الرجل لا لنفي الرجل نفسه ، وتعقّبه عصام الدين في حاشيته فقال فيه : إنّ لا رجل بتقدير لا رجل موجود ، لنفي نفس الرّجل لا لنفي صفته ، والوجود وإن كان صفة لكن إذا نفي عن الشيء يقال : نفي الشيء ، ولا يقال نفي صفة الشيء ، إذ نفي الشيء ليس إلا نفي وجوده ، فنفي الصفة صار بمعنى نفي غير الوجود ، فلا كما تكون لنفي صفة الجنس تكون لنفي الجنس ، فلو حمل قولهم لا لنفي الجنس على نفي صفة الجنس لم تتمّ التسمية فيما هو لنفي الوجود ، ولو حمل على نفي الجنس لم تتمّ فيما هو لنفي صفة الجنس (١) فلا بدّ في التسمية من ملاحظة بعض الأفراد ، وحينئذ يصحّ حمل العبارة على ظاهرها ، فلا حاجة إلى صرفها عنه ، انتهى.

وقال في شرح الكافية : سمّيت بذلك لأنّها للنفي عن الجنس ، فالاضافة لأدني ملابسة ، والنفي عن الجنس يعمّ نفي الوجود ونفي الصفة ، انتهى.

__________________

(١) سقطت «لم تتمّ فيما هو لنفي صفة الجنس» في «س».

٢٤٩

والأولى ما جرى عليه في شرح الفريد (١) من حمل العبارة على ظاهرها لا على تقدير المضاف ولا على جعل الإضافة لأدني ملابسة موجّها لترجيح اعتبار قسم نفي الوجود بكون كلمة الشهادة من أفراده.

تسمّى لا المذكورة لا التبرئة : فائدة : وتسمّى لا هذه لا التبرئة ، لأنّها تنفي الجنس ، فكأنّها تدلّ على البراءة منه ، قاله الأندلسيّ ، وقضية ذلك إطلاقها على النافية مطلقا لاشتمالها على التبرّي ، بل على كلّ أدوات النفي ، ولكنّهم خصّوها بهذه ، لأنّه فيها أمكن من غيرها لما فيها من تأكيد النفي.

قال الدمامينيّ : وجعلت نفس التبرئة مبالغة كما في زيد عدل ، وعليه فالتبرئة صفة للا بالتأويل المذكور ، ولا يقال : إنّه على حذف مضاف ، أي ذات التبرئة لفوات المبالغة ، ويحتمل أن تكون مضافة للتبرئة على حدّ قوله [من الطويل] :

١٨٧ ـ علا زيدنا يوم النّقا رأس زيدكم

 ... (٢)

انتهى ، وفيه نظر.

و «تعمل» لا المذكورة «عمل إنّ» ، فتنصب الاسم ، وترفع الخبر لمناسبتها لها في إفادة المبالغة ، فإنّها للمبالغة في النفي ، كما أنّ إنّ للمبالغة في الإثبات ، فيكون من باب حمل النظير على النظير ، أو النقيض على النقيض ، كذا قال غير واحد ، وانتقد بأنّ اختصاص إنّ بالاثبات غير صحيح لصحّة مثل قولنا : إنّ زيدا ليس بقائم قطعا ، انتهى.

وفيه بحث لأنّ إنّ لتوكيد النسبة بين اسمها وخبرها ، وهي لا تكون إلا ثبوتا ، وإن كان نفس خبرها نفيا ، «بشرط عدم دخول جارّ عليها» ، فإن دخل عليها ، كان العمل له ، ووجب الجرّ لقوّة الجارّ ، ولأنّ لا لا تحول بين العامل وعمله ، نحو : جئت بلا زاد ، وغضب من لا شيء.

قال ابن هشام وعن الكوفيّين : إنّ لا هنا اسم بمعنى غير ، وإنّ الخافض دخل عليها نفسها ، وإنّ ما بعدها خفض بالإضافة ، وغيرهم يراها حرفا ، ويسمّيها زائدة ، كما يسمّون كان في نحو : زيد كان فاضل زائدة وإن كانت مفيدة لمعنى ، وهو المضيّ والانقطاع ، فعلم أنّهم قد يريدون بالزائد المعترض بين شيئين متطالبين ، وإن لم يصحّ

__________________

(١) الفريد في النحو لعصام الدين ابراهيم بن محمد الاسفرائني المتوفى سنه ٩٤٥ ه‍. ق وشرحه له ايضا. كشف الظنون ٢ / ١٢٥٩.

(٢) تمامه «بأبيض ماض الشفرتين يمان» ، والبيت لرجل من طّي. اللغة : علا : فعل ماض بمعنى رفع ، وزيد في الموضعين علم ، يوم النقا : يوم الحرب عند النقاء. والنقاء : كثيب الرمل ، أبيض : السيف ، الماضي : القاطع ، الشفريّين : تثنية شفرة وشفرة السيف : حدّه ، واليمان : نسبة إلى إليمن.

٢٥٠

أصلا لمعنى بإسقاطه كما في مسألة غضب من لا شيء ، وكذا إذا كان يفوت بإسقاطه معنى كما في مسألة كان ، انتهى.

وشذّ جئت بلا شيء بالفتح على الإعمال والتركيب ، ووجهه أنّ الجارّ دخل بعد التركيب ، نحو : لا خمسة عشر ، وليس حرف الجرّ معلّقا ، بل لا وما ركّب معها في موضع جرّ ، لأنّهما جريا مجرى الاسم الواحد ، قاله ابن جنيّ ، وقال في الخاطريات : إنّ لا نصبت شيء ، ولا خبر لها ، لأنّها صارت فضلة ، نقله عن أبي على وأقرّه.

فان كان «اسمها» أي اسم لا «مضافا» إلى نكرة «أو شبيها به» ، أي بالمضاف ، وهو ما اتّصل به شيء من تمام معناه ، سواء كان ذلك الشيء مرفوعا ، نحو : لا حسنا فعله مذموم ، أو منصوبا ، نحو : لا طالعا جبلا حاضر ، أو مجرورا ، نحو : لا خيرا من زيد موجود ، وسمّي مشبّها به لعمله فيما بعده كالمضاف ، ويسمّى المطول والمطول من مطلت الحديد إذا مددتها ، «نصب» أي ظهر نصبه ، وكان معربا باتّفاق كما مرّ ، و «إلا» يكن مضافا أو مشبها به بأن كان مفردا أو مثنى أو مجموعا (١) «بني» ، واختلف في علّة بنائه فقيل : لتضمّنه معنى من الاستغراقية بدليل ظهوره في قوله [من الطويل] :

١٨٨ ـ ...

وقال ألا لا من سبيل إلى هند (٢)

قال الرضيّ : وهو الحقّ ، لأنّ قولك : لا رجل ، نصّ في نفي الجنس بمترلة لا من رجل ، بخلاف لا رجل في الدار بالرفع ، كما أنّ ما جاءني من رجل نصّ في الاستغراق بخلاف ما جاءني رجل ، إذ يجوز أن يقال : لا رجل في الدار بل رجلان ، وما جاءني رجل بل رجلان ، ولا يجوز لا رجل في الدار ، بالفتح ، بل رجلان ، ولا ما جاءني من رجل بل رجلان ، فلمّا أرادوا التنصيص على الاستغراق ، ضمّنوا الاسم النكرة معنى من فبنوها ، انتهى.

وفيه بحث ، أورده ابن الضائع (٣) بأنّ المتضمّن لمعنى من أنّما هو لا نفسها ، لا الاسم النكرة بعدها ، وقيل : لتركيبه مع لا تركيب خمسة عشر ، وهو رأي سيبويه والجمهور ، ويؤيّده أنّهم إذا فصلوا أعربوا ، فقالوا : لا فيها رجل ولا امراة ، وقد جاء تركيب الحرف المؤخر كقوله [من الرجز] :

١٨٩ ـ أثور ما أصيدكم أم ثورين

 ... (٤)

__________________

(١) سقط مجموعا في «ح».

(٢) تمامه «فقام يذود الناس عنها بسيفه». لم يسمّ قائله. اللغة : يذود : يدفع.

(٣) على بن محمد بن على بن يوسف أبو الحسن المعروف بابن الضائع ، بلغ الغاية في فن النحو وله : شرح الجمل ، شرح كتاب سيبويه ، مات سنة ٦٨٠ ه‍. بغية الوعاة ٢ / ٢٠٤.

(٤) تمامه «أم تيكم الجمّاء ذات القرنين» ، وهو مجهول القائل. اللغة : الثور : الذكر من البقر ، الغفير ، الكثير.

٢٥١

ودليل التركيب والبناء ترك تنوينه ، وهو مفعول مقدّم لأصيد ، وأمّا كم فعلى التوسّع بإسقاط اللام ، والمعنى أصيد لكم ثورا أم ثورين ، قاله في التصريح ، قيل : وفي الدليل بحث لجواز أن يكون ممّا حذف فيه التنوين للضرورة ، فتامّل.

وبناؤه «على ما» كان «ينصب به» لو كان معربا ، فإن كان ينصب بالفتحة بني عليها ، وذلك إذا كان مفردا لفظا ومعنى (١) أو لفظا فقط ، أو جمع تكسير لمذكّر أو مونث ، نحو : «لا رجل» ولا قوم ولا رجال ولا هنود «في الدار» ، ومنه لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت.

فإن كان ينصب بالياء بني عليها ، وذلك إذا كان مثنّى أو مجموعا على حدّه ، نحو : «لارجلين في الدار» ولا مسلمين قائمون عندك ، وعن المبرّد أنّ هذا معرب لبعده بالتثنية والجمع عن مشابهة الحرف ، ولو صحّ للزم ذلك في نحو : يا زيدان ويا زيدون ، ولا قائل به. وإن كان ينصب بالكسرة بني عليها من غير تنوين ، وذلك إذا كان ممّا يجمع بألف وتاء ، نحو : لا مسلمات ، هذا قضيّة كلامه ، وهو قول الأكثرين ، وفيه ثلاثة أقوال أخر :

أحدها : كهذا ، إلا أنّه ينوّن ، لأنّ تنوينه للمقابلة لا للتمكين ، فلا ينافي البناء ، جزم به ابن مالك في «سبك المنظوم (٢)» ، ونقله ابن الدهان عن قوم ، وتابعه ابن خروف.

الثاني : أنّه يفتح لأنّ الحركة ليست له ، بل لمجموع المركّب ، وهو لا والاسم قاله المازنيّ والفارسيّ ، وهو حسن في القياس ، ورجّحه الرضيّ وابن هشام.

الثالث : أنّه يجوز الفتح والكسر بغير تنوين وهو الحقّ لثبوته عن العرب ، وقد روى بهما قوله [من البسيط] :

١٩٠ ـ إنّ الشّباب الّذي مجد عواقبه

فيه نلذّ ولا لذّات للشيب (٣)

فلا وجه بعد هذا للاختلاف ، ولذلك قيل : لو وافقوا على السّماع لما اختلفوا (٤) قال الرضيّ : وإنّما بني هذا النوع على ما ينصب به ليكون البناء على حركة استحقتها النكرة في الأصل قبل البناء ولم يبن المضاف ولا شبهه ، لأنّ الإضافة ترجّح جانب الاسميّة ، فيصير الاسم بها إلى ما يستحقّه في الأصل ، أعني الإعراب ، ولا يكون المضاف مبنيّا نادرا ، نحو خمسة عشرك.

__________________

(١) سقط لفظا ومعنى في «س».

(٢) سبك المنظوم وفك المختوم لابن مالك محمد بن عبد الله النحوي المتوفى سنة ٦٧٢ ه‍. ق. كشف الظنون ٢ / ٩٧٨.

(٣) البيت لسلامة بن جندل السعدى. اللغة : الشيب : جمع أشيب وهو الّذي ابيضّ شعره.

(٤) سقطت هذه العبارة في «س».

٢٥٢

تنبيه : نحو لا وتران في ليلة ، قيل : الألف فيه نائبة عن الفتحة على لغة بلحارث ، فيبني على الألف ، قال بعض المحقّقين : وفيه نظر ، فإنّ المنقول أنّ المثنّى في هذه اللغة معرب بحركات مقدّرة على الألف ، فقضيّة ذلك أن يكون بناؤه فيها على الفتح تقديرا لا على الألف.

«ويشترط» لعمل لا «تنكيره» أي تنكير اسمها ، ليدلّ بوقوعه في سياق النفي على العموم وكذا خبرها (١) ، إذ لا يخبر بمعرفة عن نكرة ، فلا تعمل في معرفة إلا بتأويله بالنكرة كقوله عليه السّلام : إذا هلك كسري فلا كسري بعده ، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده (٢). وقول عمر : قضية ولا أبا حسن لها ، وقوله [من الرجز] :

١٩١ ـ لا هيثم الليلة للمطيّ

 ... (٣)

قيل : التقدير لا مثل كسري ، وكذا البواقي ، وإليه جنح ابن الحاجب ، وقيل : ولا مسمّي هذا الاسم ، أو ولا واحد من مسمّيات هذا الاسم ، قال ابن مالك : لا يؤوّل بتأويل واحد بل يؤوّل كلّ بما يليق. وحكى الرضيّ عن الفرّاء : أنّه أجاز إجراء المعرفة مجرى النكرة بأحد التأويلين في الضمير واسم الإشارة أيضا ، نحو : لا أباه هاهنا ، ولا هذا قال وهو بعيد غير مسموع.

«و» يشترط أيضا «مباشرته» أي مباشرة اسمها لها بأن لا يفصل بينها وبينه فاصل لضعفها في العمل (٤) ، فلو فصل بينها وبينه بعد عنها فلا تقدر على العمل فيه ، لأنّها عامل ضعيف إذ هي فرع إنّ وإنّ فرع الفعل ، فهي فرع الفرع (٥).

فتلخّص ممّا مرّ إلى هنا أنّ شروط لا في العمل أربعة : الأوّل : أن يقصد بهما نفي الجنس على سبيل التنصيص ، الثاني : أن لا يدخل عليها جارّة ، الثالث : أن يكون اسمها وخبرها نكرتين ، الرابع : أن لا يفصل بينها وبين اسمها فاصل. فإذا توفّرت هذه الشروط عملت وجوبا ، إن أفردت ، وجوازا إن كرّرت.

واختلف في عملها في الخبر مع التركيب ، فذهب قوم إلى أنّه لا عمل لها فيه معه لضعفها به عن العمل فيما تباعد عنها ، بل النكرة مع لا في موضع رفع بالابتداء ، والخبر

__________________

(١) الزمخشري في «المفصّل» يروى عن سيبويه : أنّ كل شيء حسن لك أن تعمل فيه «ربّ» حسن لك أن تعمل فيه «لا». المفصّل في صنعة الإعراب ، ص ١١٢.

(٢) سنن الترمذي ، لابي عيسى محمد بن عيسى ، لاط ، دار الفكر ، بيروت ، لات ، ٤ / ٤٣١ ، رقم ٢٢١٦.

(٣) هو لبعض بني دبير ، وتمامه : «ولا فتي إلا ابن خيبريّ». اللغة : هيثم : اسم رجل كان حسن الحداء للإبل ، المطي : جمع المطية ، وهي من الدواب : ما يمتطي.

(٤) إضافة على هذا يمكن القول أنّ لا النافية مع اسمها في حكم كلمة واحدة ، وهما في محلّ رفع مبتدأ ، ولا يمكن الفصل بين كلمة واحدة.

(٥) سقطت هذه الجملة في «س».

٢٥٣

خبر المبتدأ ، فهو مرفوع بما كان مرفوعا به قبل دخولها بدليل حمل جميع توابعها على الموضع قبل الخبر ، ولو لا أنّها في موضع رفع بالابتداء لم يجز ذلك ، وقيل : بل هي عاملة في الاسم والخبر معا ، وهو مذهب الجمهور ، وصحّحه ابن مالك ، قال : لأنّ كلّ ما استحقّت به العمل من المناسبات باق فليبق ما ثبت بسببه ، ولا يضرّ التركيب كما لم يضرّ أنّ صيرورتها بفتح الهمزه مع معموليها كشيء واحد ، ولو كان جعل لا مع اسمها كشيء واحد مانعا من العمل في الخبر لمنعها من العمل في الاسم فلا يمنع عملها في الخبر ، وأيضا إنّ عمل لا في الخبر أولى من عملها في الاسم ، لأنّ تاثيرها في معناه أشدّ من تاثيرها في معنى الاسم ، انتهى.

ونسب إلى ظاهر مذهب سيبويه ، وصرّح ابن هشام في حواشيه على التسهيل أنّ سيبويه يرى في لا رجل أنّ كلمة «لا» لا عمل لها في الاسم ، ولا في الخبر ، لأنّها صارت جزء كلمة ، لهذا جعل النصب في لا رجل ظريفا كالرفع في يا زيد الفاضل لا على محلّ الاسم بعد لا ، وبه صرّح في المغني أيضا. فتلخّص في المسألة ثلاثة أقوال : أحدها : عملها في الاسم دون الخبر ، الثاني : عملها فيهما جميعا ، الثالث : منعه فيهما جميعا. وتظهر جدوى الخلاف في نحو قوله [من الوافر] :

١٩٢ ـ فلا لغو ولا تأثيم فيها

 ... (١)

فعلى القول الأوّل والثالث تكون «فيها» خبرا عن المبتدأين ، وعلى القول الثاني يمتنع لاستلزامه توارد عاملين على معمول واحد ، فيكون فيها خبرا عن أحد المبتدأين ، وخبر الآخر محذوفا ، دلّ عليه المذكور.

فإن «عرّف» اسمها أو «فصّل» بينه وبينها بفاصل «أهملت» وجوبا لما مرّ فيرجع ما بعدها إلى الأصل ، ويرفع على أنّه مبتدأ وخبر ، وخالف الكوفيّون في التعريف ، فأجازوا بناء العلم ، وأبو عثمان (٢) في الفصل ، فأجاز معه العمل ، ولكنّه لا يبني ، وقد جاء في السعة لا منها بدّ ، بالبناء مع الفصل ، وليس ممّا يؤوّل عليه ،

قاله ابن هشام في حواشي التسهيل «وكرّرت» وجوبا عند سيبويه والجمهور في غير الضرورة ، أمّا مع المعرفة فليكون التكرار خبرا لما فاتها من نفي الجنس الّذي لا يمكن حصوله مع المعرفة ، لأنّ نفي الجنس هو تكرار النفي في الحقيقة.

__________________

(١) تمام البيت «ولا حين ولا فيها مليم» ، هو من قصيدة لأمية بن أبي الصلت ، يذكر فيها أوصاف الجنّة وأهلها وأهوال يوم القيامة وأهلها. اللغة : اللغو : قول باطل ، التأثيم : نسبة الاثم إلى الغير ، الحين : هلاك وفناء ، المليم. هو الّذي يفعل ما يلام عليه.

(٢) لعله أبو عثمان المازني ، وقد تقدّم ذكره.

٢٥٤

وأمّا مع الفصل فيكون تنبيها على أنّها لنفي الجنس في النكرة بخلاف ما إذا كانت عاملة عمل أنّ ، فعملها كاف في هذه التنبيه ، فتكرارها مع المعرفة ، «نحو : لا زيد في الدار ولا عمرو». وقوله تعالى : (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ) [يس / ٤٠] ، ومع الفصل نحو : لا في الدار رجل ولا امرأة. وقوله تعالى : (لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ) [الصافات / ٤٠].

معنى لا نولك أن تفعل : وأجاز ابن كيسان والمبرّد عدم التكرار محتجّين بقوله : لا نولك أن تفعل ، وردّ بأنّه واقع موقع لا ينبغي ، فلا هذه في المعنى هي الداخلة على المضارع ، وتلك لا يلزم تكرارها ، والنول مصدر بمعنى التناول وهو هاهنا بمعنى المفعول ، أي ليس متناولك ومأخوذك هذا الفعل ، أي لا ينبغي أن تأخذه وتتناوله قاله الرضيّ ، ومن عدم تكرارها ضرورة قوله [من الطويل] :

١٩٣ ـ بكت جزعا واسترجعت ثمّ آذنت

ركائبها أن لا إلينا رجوعها (١)

في لا حول ولا قوّة إلا بالله خمسة أوجه : هذه «تصبرة ولك» في كلّ موضع كرّرت فيه «لا» على سبيل العطف وكان عقيب كلّ منهما نكرة مفردة بلا فصل نحو : «لا حول» أي عن المعصية ، «ولا قوّة» أي على الطاعة إلا بالله «خمسة أوجه» من الإعراب بالنسبه إلى المجموع :

أحدها : «فتحهما» أي فتح ما بعد لا الأولى وما بعد لا الثانية «على الأصل» من جعل لا في الموضعين لنفي الجنس ، فتبني اسميها كما لو انفردت كلّ منهما عن صاحبتها ، وتقدّر لكلّ منهما خبرا ، أي لا حول موجود ولا قوّة موجودة لنا ، فالكلام حينئذ جملتان. قال ابن الحاجب في شرح المفصل (٢) : ويبقي الإشكال في الاستثناء الواقع بعده ، وهو في المعنى راجع إلى الجملتين ، والاستثناء إذا استعقب الجملتين إنّما يكون للثانية. قال : وأشبه ما يقال إنّ الحول والقوّة لمّا كانا بمعنى كان كأنّه تكرار ، فصحّ رجوع الاستثناء إليهما لتنزّلهما منزلة شيء واحد ، انتهى.

ويجوز أن تقدّر لهما خبرا واحدا ، أي لا حول ولا قوّة موجودان لنا ، أمّا عند سيبويه على ما نقله عنه ابن مالك فلأنّ لا لا تعمل في الخبر مع التركيب ، فهي مع اسمها في

__________________

(١) لم يسمّ قائله. اللغه : الجزع : الخوف ، استرجعت : طلبت الرجوع من الرحيل لصعوبة فراق الأحبّة ، آذنت : أعلمت الركائب : جمع الركوبة : المطيّ.

(٢) المفصل في النحو للعلامة جار الله الزمخشري المتوفى ٥٣٨ ه‍ ، وقد اعتني عليه أئمة هذا الفن فشرحه الشيخ أبو عمرو بن عثمان المعروف بابن الحاجب وسماه الإيضاح ، كشف الظنون ٢ / ١٧٧٤.

٢٥٥

موضع رفع ، ولا قوّة مبتدأ معطوف على مبتدأ ، والمقدّر مرفوع بأنّه خبر المبتدأ لا لها ، فيكون الكلام حينئذ جملة واحدة ، نحو زيد وعمرو ضاربان ، وأمّا عند الجمهور فإنّها وإن كانتا عاملتين في الخبر إلا إنّهما لتماثلهما جاز أن تعملا فيه عملا واحدا ، كما في إنّ زيدا وإنّ عمرا قائمان ، وإنّما الممتنع أن يعمل عاملان مختلفان في حالة واحدة عملا واحدا في معمول واحد قياسا على امتناع حصول أثر من مؤثّرين.

و «الثاني : رفعهما» على جواز الإلغاء عند التكرار فيكون الاسمان مرفوعين بالابتداء ، ولا الثانية إمّا زائدة أو ملغاة كالأولى ، ومذهب سيبويه وغيره في هذا الوجه واحد ، إذ لا عامل هنا إلا الابتداء فقط ، فلك أن تقدّر لكلّ واحد خبرا ، فالكلام جملتان ولهما معا خبرا واحدا ، والكلام جملة واحدة ، أو على الإعمال ، أي إعمال لا كليس ، فيكون الاسمان مرفوعين بها في الموضعين إن جعلتهما معا عاملتين عملها ، فلك أيضا أن تقدّر خبرا واحدا أو خبرين ، ووحدة الجملة وتعدّدها بحسب ذلك ، وإن جعلت الأولى كليس فقط والثانية ملغاة أو زائدة أو بالعكس ، وجب تقدير خبرين ، ولا يجوز تقدير خبر واحد ، لئلا يلزم محذوران كون الخبر الواحد مرفوعا منصوبا وتوارد عاملين مختلفين على معمول واحد.

و «الثالث : فتح الأوّل» على جعل لا الأولى عاملة عمل أنّ ، «ورفع الثاني» على أنّ لا الثانية زائدة لتأكيد النفي أو ملغاة ، ورفعه «بالعطف على المحلّ» أي محلّ لا الأولى مع اسمها ، فعند سيبويه يجوز أن تقدّر لهما خبرا واحدا لكونه خبرا لمبتدأ وما عطف عليه ، وعند غيره لا بدّ لكلّ واحد من خبر منفرد ، لئلّا تجتمع لا والابتداء في رفع الخبر ، وهذا التقدير جاز في جعلها زائدة أو ملغاة على حدّ سواء ، أو رفعه على إعمال لا الثانية كليس ، فيكون مرفوعا بها ويلزم تقدير (١) خبر لها على حيالها ولا يجعل الخبر لهما جميعا ، وإلا لزم محذوان ، كما سبق في الوجه الثاني ، فيكون الكلام على هذا جملتين.

و «الرابع : عكس الثالث» وهو رفع الأوّل وفتح الثاني ، فرفع الأوّل «على إعمال» لا «الأولى كليس» فيكون مرفوعا بها «أو» على «إلغائها» فيكون مرفوعا بالابتداء ، وفتح الثاني على إعمال لا عمل نّ ، وتقدير الخبر في هذا الوجه كالّذي قبله سواء على المذهبين.

و «الخامس : فتح الأوّل» على أنّ الأولى عاملة عمل إنّ ، «ونصب الثاني» على أنّ لا الثانية زائدة لتأكيد النفي ، ونصبه «بالعطف» على محلّ اسم لا الأولى عند ابن مالك و «على لفظه» عند غيره ، لأنّه لما اطّرد في لا بناء اسمها معها على الفتح تترّلت مترلة

__________________

(١) يلزم تقديم «ح».

٢٥٦

العامل المحدث للفتحة الإعرابيّة فعطف عليه لفظا لمشابهة الفتح فيه النصب ، وأما الخبر فلا يجوز عند سيبويه أن يقدّر لهما خبرا واحدا بعدهما ، لأنّ خبرما بعد لا الأولى مرفوع عنده بما كان مرفوعا به قبل دخول لا ، وخبر ما بعد لا الثانية مرفوع بلا الأولى ، لأنّ الناصبة لاسمها عاملة عنده في الخبر وفاقا لغيره ، فيلزم ارتفاع الخبر بعاملين مختلفين ولا يجوز ، فيجب أن تقدّر لكلّ منهما خبرا على حياله ، فيكون الكلام عنده جملتين.

كذا قرّره الرضيّ وعند غيره يجوز تقدير خبر واحد لهما ، لأنّ العامل عندهم ، لا وحدها فيكون الكلام حينئذ جملة واحدة ، ويجوز أن تقدّر عندهم لكلّ خبرا ، فيكون الكلام عندهم جملتين أيضا ، هذا الوجه أضعف الوجوه حتى خصّه يونس وجماعة بالضرورة ، لأن نصب الاسم (١) مع وجود لا ضعيف ، والقياس فتحه بلا تنوين ، فهو عندهم كتنوين المنادى المفرد المعرفة ، وجعله الزمخشري منصوبا على إضمار فعل ، أي ولا أري قوّة.

تنبيهان : الأوّل : هذه الخمسة الأوجه مأخوذة من اثني عشر وجها ، وذلك لأنّ ما بعد لا الأولى يجوز فيه البناء على الفتح ، والرفع على الإلغاء ، الرفع على إعمالها عمل ليس فهذه ثلاثة ، وما بعد لا الثانية يجوز فيه ذلك ، ووجه رابع ، وهو النصب. وإذا ضربت هذه الأربعة في الثلاثة الأوّل بلغت اثني عشر ، وكلّها جائز إلا اثنين ، وهما رفع الأوّل على الإلغاء أو على الإعمال عمل ليس ونصب الثاني. وأنهاها ابن الفخار (٢) في شرح الجمل إلى مائة وواحد وثلاثين وجها ، قاله في التصريح.

الثاني : إذا لم تتكرّر لا مع المعطوف وجب فتح الأوّل وجاز في الثاني الرفع والنصب كقوله [من الطويل] :

١٩٤ ـ لا أب وابنا مثل مروان وابنه

إذا هو بالمجد ارتدى وتأزّرا (٣)

روى وابن بالرفع عطفا على محلّ لا مع اسمها ، وبالنصب عطفا على محلّ اسمها باعتبار عملها ، وربّما فتح منوّنا معه لا. حكى الأخفش : لا رجل وامرأة بالفتح. وهو شاذّ.

__________________

(١) لأنّ نصب الاسم المفرد «ح».

(٢) محمد بن على بن أحمد يعرف بابن الفخار ، كان مبرّزا أمام أعلام البصريين من النحاة ، مات سنة ٧٥٤ ه‍. بغية الوعاة ١ / ١٧٤.

(٣) هو للربيع بن الفزاريّ. اللغة : مروان : أراد به مروان الحكم ، ابنه : أراد به عبد الملك بن مروان ، ارتدي وتأزّرا : كنى بإرتدائه المجد وتأزّر به عن ثبوته له أفرد الضمير تعويلا على أن إسناد شيء إلى أحدهما كإسناده إليهما جميعا إذ كان الغرض مدحهما معا.

٢٥٧

يكثر حذف خبر لا إذا علم عند حجازيّين وعند التميميّين : تتمّة : يكثر حذف خبر لا إذا علم عند الحجازيّين ، ويجب عند التميميّين والطائيّين ، نحو (قالُوا لا ضَيْرَ) [الشعراء / ٥٠] ، أي علينا ، و (لا إِلهَ إِلَّا اللهُ) [محمد / ١٩] ، أي لنا أو نحو ذلك ، فإن جهل وجب ذكره عنذ جميع العرب ، نحو [قوله (ص)] : لا أحد أغير من الله (١). قال ابن مالك : ومن نسب إلى تميم الحذف مطلقا فقد غلط ، وربّما أبقي الخبر وحذف الاسم ، نحو : لا عليك ، أي لا بأس ، أو لا جناح ، ولا يحذفان معا لئلّا يكون إجحافا ، قيل : يحذفان ، لأنّ كلّ واحد ثبت له جواز الحذف ، فلا ضير إذا جمع جائز إلى جائز ، وخرّج بعضهم على ذلك قوله [من الوافر] :

١٩٥ ـ فخير نحن عند الناس منكم

إذا الدّاعي المثوّب قال يا لا (٢)

أي يا قوم لا قرار.

أفعال المقاربة

ص : الخامس : أفعال المقاربة : وهي كاد وكرب واوشك (لدنوّ الخبر) وعسى (لرجائه) وأنشأ وطفق (للشروع فيه) وأخبارها جمل مبدوّة بمضارع ، ويغلب في الأولين تجرّده عن أن ، نحو : (وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ،) وفي الأوسطين اقترانه بها ، نحو :

(عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ ،) وهي في الأخيرتين ممتنعة ، نحو : طفق زيد يكتب ، وعسى وأنشأ وكرب ملازمة للمضيّ ، وجاء يكاد ويوشك ويطفق.

تتمّة : يختصّ عسى وأوشك باستغنائهما عن الخبر ، في نحو : عسى أن يقوم زيد وإذا قلت : زيد عسى أن يقوم ، فلك وجهان : إعمالها في ضمير زيد فما بعدها خبرها ، وتفريغها عنه فما بعدها اسم مغن عن الخبر ، ويظهر أثر ذلك في التأنيث والتثنية والجمع ، فعلى الأوّل تقول : هند عست أن تقوم ، والزّيدان عسا أن يقوما ، والزّيدون عسوا أن يقوموا وعلى الثاني : عسى في الجميع.

ش : النوع «الخامس» من أنواع النواسخ «أفعال المقاربة» ، مصدر قارب ، وصيغة فاعل بفتح ثالثه ، قد تأتي بمعنى الأصل ، وهو المراد هنا ، فالمقاربة بمعنى القرب ، وقد تسمّي نواسخ ونواقص أيضا على نحو ما مرّ.

__________________

(١) صحيح البخاري ، ٣ / ٣٩٦ رقم ١٠٦٣.

(٢) هو لزهير بن مسعود الضبتّي. اللغة : الداعي : فاعل من الدعاء بمعنى الطلب ، المثوب : من التثويب ، أصله أن يجئ الرجل مستصرخا فيلوح بثوبه ليرى ويشتهر.

٢٥٨

وتسميتها بما قاله مجاز مرسل من باب تسمية الكلّ باسم جزئه كتسميتهم الكلام بالكلمة ، وربيئة القوم عينا ، لأنّها باعتبار معانيها ثلاثة أقسام : ما يدلّ على قرب خبرها ، وما يدلّ على ترجّيه ، وما يدلّ على الشروع فيه كما يعلم من كلامه الآتي ، وإنّما خصّوا المقاربة لكونها مرتبة وسطي بين أفعال الرجاء وأفعال الشروع ، والوسط له حظّ في كلا الطرفين ، فكان أحقّ بالترجمة منهما كذا قيل.

قال بعض المحقّقين : والصواب أنّ تسميتها بذلك من باب التغليب ، وذلك لأنّ تسمية الكلّ باسم جزئه عبارة عن إطلاق اسم الجزء على ما تركّب منه ومن غيره كتسمية المركّب كلمة ، وتسمية الأشياء مجتمعة من غير تركيب باسم بعض منها يسمّى تغليبا كالقمرين والعمرين ، إذا تقرّر ذلك ظهر لك أنّ تسمية جميع أفعال الشروع بأفعال المقاربة من التغليب ، لا من تسمية الكلّ باسم الجزء فتأمّله ، انتهى.

«وهي» على ما عدّه ستّة وإلا فهي أكثر من ذلك كما سنذكره إن شاء الله تعالى ، «كاد وكرب» بفتح الراء وكسرها ، والفتح أفصح ، «وأوشك» والثلاثة «لدنوّ الخبر» ، أي لقرب ثبوت خبرها لاسمها ، «وعسى» وإخلوق وحري بفتح الراء والحاء المهمليتن كذا في الصريح.

قال الرضيّ : وقد يستعمل حري زيد أن يفعل كذا بكسر الراء ، وإخلولق عمرو أن يقوم ، استعمال عسى بلفظ الماضي فقط ، ومعناهما صار حريّا ، وحريّا أي جديرا وصار خليقا ، أصلهما حري بأن يفعل ، وإخلوق بأن يقوم ، فحذف حرف الجرّ كما هو القياس مع أن وأنّ ، ويقال أيضا : وهو حري أن يفعل بفتح الراء والتنوين على أنّه مصدر بمعنى الوصف ، فلا يثنّى ولا يجمع ولا يؤنّث ، تقول : هنّ حري أن يفعلن ، وإذا قلت : هو حريّ على فعيل ، أو حر بكسر الراء كعم أن يكون ثنيّت وجمعت وأنّثت ، انتهى.

وقال ابن هشام في شرح الشذور : لا أعرف من ذكر حري من النّحويّين غير ابن مالك ، وتوهّم أبو حيّان أنّه وهم فيها ، وأنّما حري بالتنوين اسم لا فعل ، وأبو حيّان هو الواهم ، بل ذكرها أصحاب كتب الأفعال من اللغويّين كالسرقسطي (١) وابن طريف (٢) ،

__________________

(١) لعلّه قاسم بن ثابت السرقسطي ، عالم بالحديث واللغة ، وهو أوّل من أدخل كتاب العين إلى الاندلس ، له كتاب «الدلائل» في الحديث ، مات سنة ٣٠٢ ه‍. الأعلام للزركي ٦ / ٧. أو محمد بن يوسف السرقسطي الأندلسيّ ، من الكتاب الأدباء ، له كتاب «المسلسل» في اللغة ، مات سنة ٥٣٨ ه‍. المصدر السابق ، ٨ / ٢٢.

(٢) عبد الملك بن طريف الأندلسي أبو مروان النحوي اللغويّ ، كان حسن التصرّف في اللغة ، وله كتاب حسن في الأفعال ، مات في حدود الأربعمائة ، بغية الوعاة ٢ / ١١١.

٢٥٩

وأنشدوا عليها شعرا ، انتهى. وممّن نصّ عليها أيضا القاضي عياض في مشارق الأنوار (١) ، وكان أبو حيّان رجع عن إنكارها ، فذكرها في لمحته (٢) لاطلاعه بعد ذلك على ثبوتها ، وبهذا يدفع ما أشار إليه في التصريح من تناقض كلاميه والثلاثة لرجائه ، أي رجاء المتكلّم ثبوت الخبر للاسم في الاستقبال ، فهو من إضافة المصدر إلى مفعوله وحذف فاعله ، والرجاء الطمع في المحبوب ، ووقع لابن مالك في سبك المنظوم أنّ اخلولق من أفعال المقاربة ككاد ، قال بعض الأئمة : وهو غريب مخالف لما في سائر كتبه.

قد تأتي عسى للإشفاق ، والخلاف في فعليتها : تنبيهان : الأوّل : قد تأتي عسى للإشفاق كالترجّي ، قال ابن هشام في شرح اللمحة : عسى طمع فيما تهواه ، وإشفاق فيما تخشاه ، وقد اجتمعا في قوله تعالى : (عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) [البقرة / ٢١٦] ، قال ابن برّي (٣) : ويحتمل أن يقال : إنّها تلازم المعنيين ، لأنّ المترجّي للشيء طامع فيه مشفق أن لا يناله (٤) ، والأجود أن يقال : إنّها للتوقّع كما في لعلّ ، فإن كان لمحبوب فهو الترجّيّ ، أو لمكروه فهو الإشفاق.

الثاني : القول بفعلية عسى مطلقا ، هو ما عليه الجمهور ، وذهب ثعلب وابن السّرّاج إلى أنّها حرف مطلقا ، وسيبويه فيما حكاه عنه السيرافيّ حين تتّصل بالضمير المنصوب ، كقوله [من الرجز] :

١٩٦ ـ ...

يا أبتا علّك أو عساكا (٥)

والصحيح الأوّل لاتّصال ضماير الرفع البارزة وتاء التأنيث الساكنة بها وذلك من آيات الفعل.

«وأنشأ وطفق» بفتح الفاء طفوقا ، وبكسرها طفقا ، ويقال : طبق بكسر الباء الموحدة ، وجعل وأخذ وعلق وهب ، والستّة «للشروع فيه» أي شروع اسمها في خبرها ، وأفعاله كثيرة ، أنهاها بعضهم إلى نيّف وعشرين فعلا.

__________________

(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار في تفسير غريب الحديث المختص بالصحاح للقاضي أبي الفضل عياض بن موسى إليحصبي المتوفى سنة ٥٤٤ ه‍. كشف الظنون ٢ / ١٦٨٧.

(٢) اللمحة مختصر في النحو على سبعة أبواب للشيخ أبي حيان محمد ابن يوسف الأندلسي المتوفى سنة ٧٤٥ ه‍ ، شرحه ابن هشام ، المصدر السابق ص ١٥٦١.

(٣) عبد الله بن برّي النحويّ اللغويّ ، كان قيّما بالنحو واللغة ، صنّف : اللباب في اللردّ على بن الخشاب في ردّه على الحريرى في درة الغواص. مات سنة ٥٨٢ ه‍. بغية الوعاة ٢ / ٣٤.

(٤) مشفق أن يناله «س».

(٥) تقدّم برقم ١٤٦.

٢٦٠

وأفعال هذا الباب جميعها «تعمل عمل كان» فترفع الاسم وتنصب الخبر ، فكاد كقوله تعالى : (كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً) [الجن / ١٩] ، وكرب كقوله [من الخفيف] :

١٩٧ ـ كرب القلّب من جواه يذوب

حين قال الوشاة هند غضوب (١)

وأوشك كقوله [من المنسرح] :

١٩٨ ـ يوشك من فرّ من منيّته

في بعض غرّاته يوافقها (٢)

وعسى كما مرّ في الآية ، وإخلولق كما مثّل سيبويه : اخلولقت السماء أن تمطر ، وأنشأ ، كقوله [من السريع] :

١٩٩ ـ أنشأت تنطق في الأمور

كوافد الرّخم الدوائر (٣)

وطفق كقوله تعالى : (وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) [الأعراف / ٢٢] ، وجعل كقوله [من البسيط] :

٢٠٠ ـ وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني

ثوبي فأنهض نهض الشّارب الثّمل (٤)

وأخذ كقوله [من الوافر] :

٢٠١ ـ فأخذت أسأل والرّسوم تجيبني

وفي الاعتبار إجابة وسؤال (٥)

وعلق كقوله [من الوافر] :

٢٠٢ ـ أراك علقت تظلم من أجرنا

وظلم الجار إذلال المجير (٦)

وهب كقوله [من الطويل] :

٢٠٣ ـ هببت ألوم القلب في طاعة الهوي

فلجّ كأنّي كنت باللوم مغريا (٧)

وحقّ الاسم في هذا الباب أن يكون معرفة أو مقاربا لها ، وقد ورد نكرة محضة كقوله [من الطويل] :

٢٠٤ ـ عسى فرج يأتي به الله أنّه

له كلّ يوم في خليقته أمر (٨)

تنبيه : حكى ثعلب مجئ الخبر بعد عسى مرفوعا ، نحو : عسى زيد قائم ، قال ابن هشام : ويتخرّج على أنّها ناقصة ، واسمها ضمير الشأن ، والجملة الاسميّة الخبر.

__________________

(١) قيل : إن هذا البيت لرجل من طيئ ، وقال الأخفش : أنّه للكحلبة اليربوعي. اللغة : الجوى : شدة الوجد ، الوشاة : جمع واش وهو النمام ، الغضوب : صفة من الغضب يستوي فيها المذكّر والمؤنّث.

(٢) البيت لأمية بن أبي الصلت أحد شعراء الجاهلية. اللغة : المنية : الموت ، الغرّات : جمع غرّة وهي الغفلة.

(٣) هو للكميت يهجو رجلا. اللغة : الرخم : طائر.

(٤) هو لعمرو بن أحمر ، أو لأبي حيّه النميرى. اللغة : الثمل : السكران.

(٥) لم ينسب إلى قائل معين. اللغة : الرسوم : جمع الرسم : الأثر الباقي من الدار بعد أن عفت.

(٦) هو بلا نسبة. اللغة : أجرنا : حمينا.

(٧) لم يسمّ قائل. اللغة : لجّ في الأمر : لازمه وأبى أن ينصرف عنه. مغريا : اسم الفاعل من أغرى بمعنى مولعا.

(٨) هو لمحمد بن إسماعيل ، وقيل : هو مجهول القائل.

٢٦١

وهذه الأفعال وإن كانت «تعمل عمل كان» ، إلا أنّها تخالفها في بعض الأحكام ، فمن ذلك إنّ خبر كان قد يكون مفردا ، وقد يكون جملة اسميّة أو فعلية ، وهذه الأفعال «أخبارها جمل» فعلية «مبدوة بمضارع» دائما ، كما مرّ في الأمثلة المذكورة كلّها ، وشذّ مجئ خبري كاد وعسى مفردا منصوبا كقوله [من الطويل] :

٢٠٥ ـ فأبت إلى فهم وما كدت آئبا

وكم مثلها فارقتها وهي تصفر (١)

وقوله الآخر [من الرجز] :

٢٠٦ ـ أكثرت في العذل ملحّا دائما

لا تكثرن أنّي عسيت صائما (٢)

وقولهم في المثل : عسى الغوير أبؤسا (٣). قال ابن هشام : كذا قالوا ، والصواب أنّه ممّا حذف فيه الخبر ، أي يكون أبؤسا ، وأكون صائما ، لأنّ في ذلك إبقاء لهما على الاستعمال الأصليّ ، ولأنّ المرجوّ كونه صائما لا نفس الصائم ، انتهى.

وما قاله من التقدير يأتي في البيت الأوّل أيضا ، كما هو ظاهر ، وعليه فلا شذوذ ، وأمّا فطفق مسحا فالخبر محذوف ، أي يمسح مسحا ، وليس هو مسحا كما توهّمه بعضهم ، وربّما جاء خبر جعل جملة اسمية ، كقوله [من الوافر] :

٢٠٧ ـ وقد جعلت قلوص ابني سهيل

من الأكوار مرتعها قريب (٤)

أو فعلية غير مبدوّة بمضارع ، كقوله ابن عباس (٥) : فجعل الرجل إذا لم يسطع أن يخرج أرسل رسولا. قال ابن هشام في شرح الشواهد : وهذا لم أر من يحسن تقديره ، ووجهه أنّ إذا منصوبة بجوابها على الصحيح ، والمعمول مؤخّر في التقدير عن عامله فأوّل الجملة في الحقيقة أرسل ، فافهموه ، انتهى.

وفيه ردّ على ابن مالك حيث قال في التسهيل : أو فعلية مصدّرة بإذا. قال ابن هشام في الحواشي : الصواب أن يقال : أو جملة فعلية فعلها ماض ، فإنّ هذا هو محطّ الشذوذ ، وأمّا نفس إذا فلا وجه لكونها مرجعا للشذوذ. ولهذا لم يقل أحد فيما علمنا أن قوله [من البسيط] :

٢٠٨ ـ وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني

ثوبي ... (٦)

__________________

(١) هذا البيت لتأبّط شرأ. اللغة : أبت : رجعت ، فهم : اسم قبيلته ، تصفر : أراد تتأسّف وتتحزّن.

(٢) هو لرؤبة بن العجّاج بن رؤبة التميمي.

(٣) جاء في لسان العرب ، قال ثعلب : أتي عمر بمنبوذ ، فقال : عسى الغوير أبؤسا أي عسى الريبة من قبلك. وقال ابن الأثير : هذا مثل قديم يقال عند التهمة. لسان العرب ج ٣ ص ٢٩٤٩ (غور).

(٤) هو من أبيات الحماسة. اللغة : القلوص : الشابة من النوق ، الأكوار : جمع كور ، الرحل ، أو هو الرّحل بأداته.

(٥) ابن عباس (عبد الله) (ت ٦٨ / ٦٨٧) : ابن عم النبي (ص) روى الكثير من حديث الرسول. المنجد في الأعلام. ص ١٠.

(٦) تقدّم برقم ٢٠٠.

٢٦٢

شاذّ من جهة التصدير بإذا ، وإنّما جعلوا شذوذه من جهة رفع السيي خاصّة ، انتهى.

قال ابن مالك : أو مصدّرة بكلّما في حديث كما في حديث البخاري (١) فجعل كلّما جاء ليخرج رمي في فيه بحجر (٢). قال في التوضيح : وهذا منبه على أصل متروك ، وذلك أنّ سائر أفعال المقاربة مثل كان في الدخول على مبتدإ وخبره ، فالأصل أن يكون خبرها كخبر كان في وقوعه مفردا وجملة اسميّة وفعلية وظرفا ، فترك الأصل والتزم كون الخبري مضارعا ، ثمّ نبّه على الأصل شذوذا في مواضع ، انتهى.

وعلى هذا فلا يحسن أن يقال في البيتين : والمثل على أنّه ممّا حذف فيه الخبر كما قاله ابن هشام ، إلا انتفي الغرض المذكور مع أنّ التقدير خلاف الظاهر.

تنبيه : يشترط في الفعل المشتمل عليه جملة الخبر أن يكون رافعا لضمير الاسم ، وهو من الأحكام الّتي اختصّت به أخبار هذه الأفعال ، وذلك لأنّها إنّما جاءت لتدلّ على قرب الخبر من الاسم أو ترجّي حصوله أو شروع اسمها في خبرها كما مرّ ، فلا بدّ من ضمير يعود عليه ، وأمّا قوله [من الطويل] :

٢٠٩ ـ وأبكيه حتى كاد ممّا أبثّه

تكلّمني أحجار وملاعبه (٣)

فشاذّ ، أو مؤوّل بأنّ أحجاره بدل من الاسم. ويجوز في خبر عسى خاصّة أن يرفع الاسم الظاهر المضاف إلى ضمير يعود على اسمها كقول الفرزدق [من الطويل] :

٢١٠ ـ وما ذا عسى الحجّاج يبلغ جهده

إذا نحن جاوزنا حفير زياد (٤)

«ويغلب في خبر» الفعلين «الأولين» وهما كاد وكرب «تجرّده عن» أن المصدرية ، نحو قوله تعالى : (وَما كادُوا يَفْعَلُونَ) [البقرة / ٧١] ، وقوله الشاعر [من الطويل] :

٢١١ ـ سقاني جزاه الله خير جزائه

وقد كربت أسباب قلبي تقطع (٥)

وذلك لأنّهما يدلّان على شدّة مقاربة الفعل ومداومته وذلك يقرب من الشروع في الفعل والأخذ فيه ، فلم يناسب خبرهما أن يقترن غالبا بأن الموضوعة للاستقبال ، ويقلّ اقترانه بها نظرا إلى الأصل كقوله [من الطويل] :

٢١٢ ـ أبيتم قبول السلم منّا فكدتمو

لدي الحرب أنّ تغنوا السّيوف عن السّلّ (٦)

__________________

(١) البخاري (أبو عبد الله محمد) (ت ٢٥٦ ه‍ ٨٧٠ م) من كبار المحدثين ، ولد في بخاري اشتهر بكتابه «الجامع الصحيح» المصدر السابق ص ١١٥.

(٢) صحيح البخاري ، ٢ / ١٢٨ ، رقم ٣٣٦.

(٣) البيت لذي الرمة ، وفي شرح ابيات سيبويه «وأسقيه حتى ...».

(٤) اللغة : الحفير : القبر.

(٥) لم أجد البيت.

(٦) لم يسم قائله. اللغة : السلّ : الانتزاع.

٢٦٣

وقوله [من الطويل] :

٢١٣ ـ سقاها ذوو الأحلام سجلا على الظّما

وقد كربت أعناقها أن تقطعا (١)

وخصّ المقاربة اقتران خبر كاد بالضرورة. وقال البدر الدمامينيّ في شرح التسهيل ، ولم يذكر سيبويه في خبرها إلا التجريد ، انتهى. قلت : وليس كذلك ، بل هو قائل باقتران خبر كاد ، وذلك أنّه قال في قوله [من الطويل] :

٢١٤ ـ ...

ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله (٢)

إنّ الأصل أن افعله ، فاضمرت أن ، فإذا كان يقول باقترانه تقديرا ، فلأن يقول : باقترانه صريحا أولى ، والّذي ذكر ابن هشام وغيره أنّ الّذي لم يذكر سيبويه في خبره إلا التجرّد ، وهو كرب ، قال : وهو مردود بالسماع. وقال المبرّد في «أفعله» في المصراع المذكور : الأصل «أفعلها» فحذفت الألف ، ونقلت حركة الهاء إلى ما قبلها. قال ابن هشام : وهو أولى من قول سيبويه ، لأنّه أضمر أن في موضع حقّها أن لا يدخل فيه صريحا ، وهو خبر كاد ، واعتدّ بها مع ذلك بإبقاء عملها ، انتهى.

ويغلب في خبر فعلين «الأوسطين» وهما عسى وأوشك «اقترانه بها» ، أي بأن ، «نحو قوله تعالى : (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ) [الإسراء / ٨]» ، وقوله الشاعر [من الطويل] :

٢١٥ ـ ولو سئل النّاس التّراب لأوشكوا

إذا قيل هاتوا أن يملّوا ويمنعوا (٣)

وذلك لأنّ عسى من أفعال التّرجّي ، وهو مختصّ بالاستقبال ، فناسب اقتران خبرها بأن الموضوعة له ، وكان القياس وجوب ذلك ، حتى ذهب البصريّون والجمهور إلى أنّ التجريد ضرورة ، وأما أوشك فإنّما يغلب معها الاقتران حيث جعلت للترجّي أختا لعسى. قال الشاطبيّ (٤) : والصحيح ما ذكر الشلوبين وتلامذته ابن الضايع والأبذيّ (٥) وابن أبي الربيع ، أنّ أوشك من قسم عسى الّذي هو للرّجاء. قال ابن الضائع : والدليل على ذلك أنّك تقول : زيد عسى أن يحجّ ، ويوشك زيد أن يحجّ ولم يخرج من بلده ، و

__________________

(١) البيت لأبي يزيد الأسلمي ، اللغة : الأحلام : جمع حلم بمعنى العقل والاناة ، سجلا : الدلو مادام فيها ماء.

(٢) صدره «فلم أر مثلها خباسبة واحد» ، وهو لامري القيس ، أو لعامر بن جؤين. اللغة : الخباسبة : المغنم ، الغنيمة ، نهنهت : زجرت وكفقت.

(٣) هذا البيت أنشده ثعلب عن ابن الإعرابي ، ولم ينسبه إلى أحد.

(٤) القاسم بن فيرة الشاطبي النحوي الضرير كان إماما فاضلا في النحو والقراءات والتفسير والحديث ، صنف : القصيدة المشهورة في القراءات ، مات سنة ٥٩٠ ، بغية الوعاة ٢ / ٢٦٠.

(٥) هناك نحويّان باسم الأبذي : الأوّل : على بن محمد ، كان نحويّا ذاكرا للخلاف في النحو وقيل هو حدّ النحو في زمانه ، مات سنة ٦٨٠ ه‍. المصدر السابق ٢ / ١٩٩. والثاني إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الأبذيّ كان فقيها حافظا ، ذاكرا لللغات والأدب ، نحوّيا ماهرا مات سنة ٦٥٩ ه‍ ، المصدر السابق ١ / ٤٢٤.

٢٦٤

لا تقول : كاد زيد يحجّ إلا وقد أشرف عليه ، ولا يقال ذلك وهو في بلده ، انتهى كلام الشاطبيّ.

وأمّا إذا جعلت للمقاربة كما ذهب إليه المصنّف تبعا لجماعة منهم ابن مالك وابنه ، فيشكل كون الغالب معها الاقتران كالاقتران (١) الغالب في عسى ، قاله في التصريح ، ومن تجرّدهما قوله [من الوافر] :

٢١٦ ـ عسى الكرب الّذي أمسيت فيه

يكون وراءه فرج قريب (٢)

والمروي في أمسيت فتح التاء على الخطاب ، قاله ابن هشام تبعا لليمنيّ ، وهو المشهور. وقال الدمامينيّ في التحفة : الّذي سمعناه غير مرّة من مشايخنا بالديار المصريّة ضمّها ، وقوله الآخر [من المنسرح] :

٢١٧ ـ يوشك من فرّ من منيّته

في بعض غرّاته يوافقها (٣)

وقد تقوم السّين مقام أنّ لكونها للاستقبال كقوله [من الطويل] :

٢١٨ ـ عسى طيّئ من طيّئ بعد هذه

ستطفيء غلّات الكلى والجوانح (٤)

«وهي» ، أي أن ، واجبة في خبر إخلوق وحري لما مرّ في عسى ، ولذلك قيل كان القياس وجوبه هنالك أيضا ، نحو : اخلولقت السماء أن تمطر ، وحري زيد أن يقوم.

و «في» خبر الفعلين «الأخيرى ن» وهما أنشأ وطفق ونحوهما من أفعال الشّروع «ممتنعة» لأنّها في الأخذ في الفعل والشروع فيه ، وذلك ينافي الاستقبال «نحو» : أنشأ عمرو يقرأ ، و «طفق زيد يكتب» ، وفي التتريل (٥) : (وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) [الأعراف / ٢٢]. وقضية كلامه أنّ المقرون بها كالمجرّد عنها في كونه منصوبا على الخبريّة ، وهو قول الجمهور بدليل أنّه لما أتي مفردا لم يظهر مصدرا ، بل اسما كقوله : إنّي عسيت صائما ، ولم يقل عسيت الصوم.

واستشكل بأنّ أن وما بعدها بتأويل المصدر ، فيلزم في نحو : عسى زيد ان يقوم (٦) ، الإخبار بالحدث عن الذات ، ولذلك ذهب سيبويه فيما حكاه عنه ابن مالك إلى أنّ المقرون بها ليس خبرا ، بل مفعول به منصوب على نزع الخافض ، والفعل بمعنى قرب ، و

__________________

(١) سقط كالاقتران في «ح».

(٢) البيت لهدبة بن خشرم العذري من قصيدة قالها وهو في الحبس.

(٣) تقدم برقم ١٩٨.

(٤) هو لقسام بن رواحة. اللغة : غلّات : جمع غلّة : حرراة العطش ، الكلى : جمع كلية ، الجوانح : واحدته جانحة بمعنى الأضلاع تحت الترائب ممّا يلي الصدر.

(٥) «في التتريل» سقط في «ح».

(٦) حذف ان يقوم في «ح».

٢٦٥

التقدير في المثال المذكور قرب زيد من أن يقوم ، ثمّ حذف الجارّ توسّعا أو يجعل الفعل بمعنى قارب ، فلا خلاف ، والمعنى قارب زيد القيام.

والكوفيّون يرون أنّ عسى في ذلك فعل قاصر بمعنى قرب ، وأن والفعل بدل اشتمال من فاعلها ، وردّ بأنّ حينئذ يكون بدلا لازما ، يتوقّف عليه فائدة الكلام ، وليس هذا شأن البدل ، وأجيب بأنّ لا مانع من أن يكون البدل لازما لكونه هو المقصود بالحكم وكونه تابعا لا يقدح في اللزوم ، فقد رأينا بعض التوابع يلزم ، كوصف مجرور ربّ إذا كان ظاهرا. وأجيب عن الإشكال من قبل الجمهور بأمور :

أحدها : أنّه من باب زيد صوم وعدل.

الثاني : أنّه على تقدير مضاف أمّا في الاسم ، نحو : عسى حال زيد أن يخرج ، أو في الخبر ، أي عسى زيد صاحب أن يخرج. قال الرضيّ : وفيه تكلّف ، إذ لم يظهر هذا المضاف إلى اللفظ أبدا لا في الاسم ولا في الخبر (١).

الثالث : أنّ أن زائدة لا مصدريّة ، وليس بشيء ، لأنّها قد نصبت ، ولأنّها لا تسقط إلا قليلا.

الرابع : أنّ المصدر الحاصل في تأويل الوصف ، أي عسى زيد قائما ، ويرجّحه ما جاء في كلامهم عسيت صائما ، وهو يرجع إلى الجواب الأوّل عند الكوفيّين ، لأنّ المصدر المخبر به عندهم بمعنى اسم الفاعل كما مرّ.

الخامس : الفرق بين المصدر وما يؤوّل به ذكره صاحب العباب (٢) ، وارتضاه الشريف الجرجانيّ (٣).

قال ابن هشام في شرح اللمحة : وألطف ما يقال في الجواب ما رأيته بخطّ بعض طلبة ابن مالك ، ونقله عنه ، وهو أن يقدّر الإخبار بالفعل مجرّدا عن أن ، ثمّ لمّا صحّ الإخبار به جئ بأن لتفيد التراخي لا لتفيد السبك ، انتهى.

وأفعال هذا الباب «عسى وأنشأ وكرب» من المذكور وغيرها ممّا لم يذكر جامدة لا تتصرّف «ملازمة للمضيّ» أي لصيغة الماضي ، فلا يستعمل لها مضارع ولا أمر ولا اسم فاعل ولا مصدر ، واستثني منها أربعة ، وهي كاد وأوشك وطفق وجعل ، فقد جاء : يكاد ويوشك ويطفق ويجعل ، وأمّا كاد فكقوله تعالى : (يَكادُ زَيْتُها

__________________

(١) ولا في الحرف «ح».

(٢) العباب الزاخر في اللغة في عشرين مجلدا للامام حسن بن محمد الصفائي مات سنة ٦٥٠ ه‍. كشف الظنون ٢ / ١١٢٢.

(٣) على بن محمد الشريف الجرجاني ، كان علّامة دهره ، له تصانيف مفيدة ، منها : التعريفات ، شرح القسم الثالث من المفتاح ، توفّي بشيراز سنة ٣١٦ ه‍. بغية الوعاة ٢ / ١٩٧.

٢٦٦

يُضِيءُ) [النور / ٣٥]. وحكى ابن هشام استعمال مصدر لها ، قالوا : كاد كودا ومكادا أو مكادة ، وحكى غيره كيدا بقلب الواو ياء ، وحكى ابن مالك لها اسم فاعل وأنشد [من الطويل] :

٢١٩ ـ أموت أسى يوم الرّجام وإنّني

يقينا لرهن بالّذي أنا كائد (١)

أي بالموت الّذي أنا كدت آتيه. قال ابن هشام في الأوضح : والصواب أنّه كابده بالباء الموحّدة من المكابدة والعمل ، وهو اسم غير جار على الفعل ، وبهذا جزم يعقوب في شرح ديوان كثّير عزّة ، انتهى.

وقيل حكى ولده أنّه رجع عن ذلك وقال : الصواب ما أنشده ابن مالك إلا أنّه لم يغيّر ما وقع في الأوضح ، لأنّه كان قد شاع ، وبذلك صرّح في شرح الشواهد الكبرى (٢) فقال : والظاهر ما أنشده الناظم ، وقد كنت أقمت مدّة على مخالفته وذكرت ذلك في توضيح الخلاصة ، ثمّ اتّضح لي أنّ الحق معه ، انتهى.

وأمّا أوشك فالمضارع فيها أشهر من الماضي ، حتى أنّ الأصمعيّ أنكر مجئ ماضيها ، وليس كذلك ، بل قد ورد ، ومرّ الشاهد عليه ، وسمع لها اسم فاعل ، قال [من الوافر] :

٢٢٠ ـ فأنّك موشك إلا تراها

 ... (٣)

وقال [من المتقارب] :

٢٢١ ـ فموشكة أرضنا أن تعود

خلاف الأنيس وحوشا يبابا (٤)

قال ابن هشام : وفي حواشي سنن أبي داود (٥) للمنذريّ (٦) حكاية إيشاك مصدر أوشك ، وحكى أبو حيّان منها الأمر وأفعل التفضيل ، وأمّا طفق فقد حكى الأخفش : طفق يطفق بفتح العين في الماضي وكسرها في المضارع ، وطفق يطفق بالعكس ، وحكى مصدر طفق بالفتح طفوقا ، ومصدر طفق بالكسر طفقا ، وأمّا جعل فحكى الكسائيّ : أنّ البعير ليهرم حتى يجعل إذا شرب الماء مجّه (٧) ، وفيه شاهدتان ، وهو ورود

__________________

(١) هذا البيت لكثير بن عبد الرحمن المعروف بكثير عزة. اللغة : أسيّ : حزنا وشدّة لوعة ، الرجام : موضع بعينه.

(٢) «الشواهد الكبرى» للعيني المتوفى ٨٥٥ في شرح شواهد شروح الفيه لابن مالك ، كشف الظنون ٢ / ١٠٦٦.

(٣) تمامه «وتعدو دون غاضرة العوادي» ، وهو لكثير عزّة.

(٤) هذا البيت لأبي سهم الهذلي. اللغة : خلاف الانيس : بعد المؤانس ، وحوشا : قفرا خاليا ، يبابا : خاليا ليس فيه أحد.

(٥) سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني (ت ٢٧٥ ه‍ / ٨٩٩ م) من أئمة الحديث ، له كتاب «السنن» من الكتب الستة في الحديث. المنجد في الأعلام ص ١٨.

(٦) زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي الطافظ المنذري المتوفى سنه ٦٥٦ ه‍ ، هو اختصر سنن أبي داود. كشف الظنون ٢ / ١٠٠٤.

(٧) مجّه : لفظه.

٢٦٧

الخبر جملة فعلية غير مبدوّة بمضارع ، وحكى الجرجانيّ استعمال مضارع واسم فاعل من عسى ، وحكى قوم استعمال اسم فاعل من كرب ، وحكى ابن أفلح منه مضارعا ، وأنّه يقال كرب يكرب كنصر ينصر.

كاد إثباتها نفي ونفيها إثبات : تنبيه : اشتهر القول بين المعربين أنّ كاد إثباتها نفيّ ، ونقيها إثبات ، فإذا قيل : كاد يفعل ، فمعناه أنّه لم يفعله ، وإذا قيل لم يكد يفعل فمعناه أنّه فعله ، دليل الأوّل : (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ) [الإسراء / ٧٣] ، وقوله [من الخفيف] :

٢٢٢ ـ كاد النّفس أن تفيض عليه

إذا غدا حشو ريطه وبرود (١)

ودليل الثاني : (وَما كادُوا يَفْعَلُونَ) [البقرة / ٧١] ، وقد جعل المعريّ ذلك لغزا فقال [من الطويل] :

٢٢٣ ـ أنحويّ هذا العصر ما هي لفظة

جرت في لساني جرهم وثمود

إذا استعملت في صورة الجحد أثبت

وإن أثبتت قامت مقام جحود (٢)

والصواب أنّ حكمها حكم سائر الأفعال في أنّ نفيها نفي ، وإثباتها إثبات ، وبيانه أنّ معناها المقاربة ، ولا شكّ أنّ معنى كاد يفعل قارب الفعل ، أنّ معنى ما كاد يفعل ما قارب الفعل ، فخبرها منفيّ دائما ، أمّا إذا كانت منفية فواضح ، لأنّه إذا انتفت مقاربة الفعل انتفي عقلا حصول ذلك الفعل ، ودليله : (إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها) [النور / ٤٠] ، ولهذا كان أبلغ من أن يقال لم يرها ، لأنّ من لم يرقد يقارب الروية ، وأمّا إذا كانت المقاربة مثبتة فلأنّ الاخبار يقرب الشيء يقتضي عرفا عدم حصوله ، وإلا لكان الاخبار حينئذ بحصوله لا بمقاربة حصوله ، إذ لا يحسن في العرف أن يقال لمن صلّي قارب الصلاة ، وإن كان ما صلّي حتى قارب الصلاة ، ولا فرق فيما ذكرناه بين كاد ويكاد ، فإن أورد على ذلك : (وَما كادُوا يَفْعَلُونَ) [البقرة / ٧١] ، مع أنّهم قد فعلوا إذ المراد بالفعل الذبح ، وقد قال تعالى : (فَذَبَحُوها) [البقره / ٧١].

فالجواب أنّه إخبار عن حالهم في أوّل الأمر ، فإنّهم كانوا أوّل بعدا من ذبحها بدليل ما تلي علينا من تعنّتهم وتكرار سؤالهم ، ولمّا كثر استعمال مثل هذا في من انتفت عنه مقاربة الفعل أوّلا ثمّ فعله بعد ذلك توهّم أنّ هذا الفعل بعينه هو الدّال على حصول الفعل ، وليس كذلك ، وإنّما فهم حصول الفعل من دليل آخر كما فهم في الآية من

__________________

(١) البيت لمحمد بن مناذر أحد شعراء البصرة يرثي فيها رجلا اسمه عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي. اللغة : الريطة : الملاءة إذا كانت قطعة واحدة ، وأراد هنا الأكفان الّتي يلف فيها الميت ، البرود : جمع برد.

(٢) هما لأبي العلاء المعري واسمه أحمد بن عبد الله التنوخي الشاعر اللغويّ ، مات سنة ٤٤٩ ه‍. اللغة : جرهم حي من اليمن ، وثمود : قبيلة أخري.

٢٦٨

قوله تعالى : (فَذَبَحُوها) [البقرة / ٧١] ، هذا تقرير ابن هشام في المغني ، وهو حاصل ما ذكره الرضيّ عليه من الله الرضا.

تختصّ عسى وأوشك باستغنائهما عن الخبر : هذه «تتمّة» لما ذكره من مسائل هذا الباب ، و «يختصّ عسى وأوشك» دون سائر أخواتها «باستغنائهما عن الخبر» ومثلهما إخلولق ، ولم يذكره ، لأنّه لم يذكره مع الخلف فيه ، وإنّما يستغنيان عن الخبر في ما إذا وليهما أن والفعل ، «نحو : عسى أن يقوم زيد» ، أوشك أن يذهب عمرو ، فأن وصلتها في موضع رفع بهما على الفاعلية ، ولا يحتاجان إلى خبر ، وظاهر كلام الجماعة أنّ الفعل في ذلك تامّ ، وذهب ابن مالك إلى أنّه ناقص سدّت أن وصلتها مسدّ جزئيه كما في : (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا) [العنكبوت / ٢] ، قال إذ لم يقل أحد : إنّ حسب خرجت في ذلك عن أصلها ، وهو ظاهر عبارة المصنّف رحمه الله.

تنبيهات : الأوّل : إنّما يتعيّن استغناء الفعلين المذكورين عن الخبر في الحالة المذكورة إذا لم يل الفعل الّذي بعد أن ظاهر يصحّ رفعه به ، نحو : عسى أن تقوم وأوشك أن تقعد ، فإن وليه ظاهر بالصفة المذكورة كمثال المصنّف لم يتعيّن ذلك ، بل جاز فيه ثلاثة أوجه أخر : أحدها والثاني : الوجهان الآتيان فيما إذا قدّمت الاسم ، «وقلت : زيد عسى أن يقوم» ، وسيأتي بيانهما ، وعلى هذا يكون مبتدأ موخّرا لا غير ، الثالث : أن يكون ما بعد الفعل الّذي بعد أن مرفوعا بعسى اسما لها ، وأن والفعل في موضع نصب على الخبريّة لعسى مقدّما على اسمها ، فتكون ناقصة ، والفعل الّذي بعد أن فاعله ضمير يعود على فاعل عسى ، وجاز عوده عليه ، وإن تأخّر لتقدّمه نيّة ، ومنع الشلوبين هذا الوجه لضعف هذه الأفعال عن توسّط الخبر ، وأجازه المبرّد والسيرافيّ والفارسيّ.

ويظهر أثر الخلاف في التأنيث والتثنية والجمع ، فتقول على مذهب غير الشلوبين : عسى أن يقوما الزيدان ، وعسى أن يقوموا الزيدون ، وعسى أن يقمن الهندات ، فتأتي بضمير في الفعل ، لأنّ الظاهر ليس مرفوعا به ، بل هو مرفوع بعسى ، وعلى رأي الشلوبين يجب أن تقول : عسى أن يقوم الزيدان ، وعسى أن يقوم الزيدون ، وعسى أن تقوم الهندات ، فلا تأتي في الفعل بضمير ، لأنّه رفع الظاهر الّذي بعده.

الثاني : يجوز أن تقدّر العاملين تنازعا زيدا في المثال المذكور ، فيحتمل الإضمار في عسى على إعمال الثاني فتكون ناقصة ، قاله ابن هشام في المغني ، وفيه نظر ، لأنّ أحد الفعلين جامد ، وسيأتي أنّ التنازع لا يكون بين جامدين ولا جامد وغيره.

٢٦٩

الثالث : إذا قلت : عسى أن يضرب زيد عمرا ، امتنع كون زيد اسم عسى إجماعا ، لئلّا يلزم الفصل بين صلة إن ومعمولها ، وهو عمرا بالاجنبيّ وهو زيد ، ونظيره قوله : (عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً) [الإسراء / ٧٩] ، قاله في المغني. «وإذا» قدّمت على أحد الفعلى ن المذكورين اسما ، و «قلت» في عسى مثلا : «زيد عسى أن يقوم ، فلك وجهان» : أحدهما «إعمالها» أي عسى «في ضمير زيد» ، فتكون مسندة إليه ، وهو اسمها ، فما بعدها وهو أن والفعل في موضع نصب على أنّه خبرها. فتكون ناقصة ، وهذه لغة تميم. والثاني تفريغها عنه ، أي تجرى دها عن ضمير زيد في المثال المذكور ، «فما بعدها» وهو أن والفعل «اسم» مؤوّل «مغن عن الخبر» ، فتكون مسندة إليه ، وهي حينئذ تامّة.

و «يظهر أثر ذلك» أي المذكور من الوجهين «في» حال «التأنيث والتثنية والجمع» المذكّر والمؤنّث. «فعلى» الوجه «الأوّل» وهو وجه الإضمار «تقول : هند عست أن تقوم» ، فهند مبتدأ ، وعسى فعل ماض ناقص ، واسمها ضمير مستتر فيها يعود على هند ، وأن يقوم في موضع نصب على أنّه خبر عسى ، وعسى ومعمولاها في موضع رفع على أنّه خبر المبتدإ. «والزيدان عيسا أن يقوما» ، فالزيدان مبتدأ ، وعسى فعل ماض ناقص والألف المتّصلة بها اسمها ، وأن يقوما خبرها ، وجملة عسى ومعموليها خبر المبتدأ ، «والزيدون عسوا أن يقوموا» كذلك ، والهندات عسين أن يقمن كذلك.

«وعلى» الوجه «الثاني» وهو التفريغ عن الضمير ، تقول : هند «عسى» أن تقوم ، والزيدان عسى أن يقوما ، والزيدون عسى أن يقوموا ، والهندات عسى أن يقمن ، فتقدّر عسى مفرغة عن الضمير «في» أمثلة «الجميع» ، وهي تامّة ، وأن والفعل بعدها في موضع رفع على الفاعلية بها ، وهي ومرفوعها في موضع رفع على الخبريّة للمبتدإ قبلها ، وهو الأفصح ، وبه جاء التنزيل قال عزّ من قائل : (لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَ) [الحجرات / ١١].

فائدة : يجوز في عسى إذا أسندت إلى ضمير كسر سينها نحو : (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ) [محمد / ٢٢] ، قرأ نافع بالكسر وغيره بالفتح ، وهو المختار.

وهنا انقضى كلام المصنّف ، رحمه الله تعالى ، في النوع الأوّل من أنواع المعربات من الأسماء ، وهو ما يرد مرفوعا لا غير ، ثمّ شرع في النوع الثاني منها ، وهو ما يرد منصوبا لا غير فقال :

٢٧٠

المفعول به

ص : النّوع الثّاني ما يرد منصوبا لا غير ، وهو ثمانية :

الأوّل : المفعول به وهو الفضلة الواقع عليه الفعل ، والأصل فيه تأخّره عنه ، وقد يتقدّم جوازا لإفادة الحصر ، نحو : زيدا ضربت ، ووجوبا للزومه الصّدر ، نحو : من رأيت؟

ش : «النوع الثاني» من أنواع المعربات من الأسماء «ما يرد منصوبا لا غير ، وهو ثمانية» بدليل الاستقراء ، ولمّا كان الأصل منها هو المفاعيل الخمسة ، وكان المفعول به أكثرها استعمالا وأشهرها ذكرا وأمكنها في النصب لشدّة احتى اجه إليه ، لأنّه الّذي يلتبس لو لا النصب بالفاعل ، قدّمها بادئا به ، فقال : «الأوّل المفعول به» ، ويقال له : المفعول على حذف الصلة.

قال ابن هشام : جرى اصطلاحهم على أنّه إذا قيل : مفعول (١) ، وأطلق لم يرد إلا المفعول به. ولمّا كان أكثر المفاعيل دورا ، خفّفوا اسمه ، وإنّما كان حقّ ذلك أن لا يصدق إلا على الفعول المطلق ، ولكنّهم لا يطلقون على ذلك اسم المفعول إلا مقيّدا بقيد الاطلاق ، انتهى.

والضمير في به يرجع إلى أل الموصولة في المفعول (٢) ، أي الّذي فعل به الفعل ، وكذا في المفعول له ومعه وفيه. «وهو» الاسم «الفضلة» ، وهي عبارة عما يسوّغ حذفه من أجزاء الكلام مطلقا إلا لعارض. وقال ابن مالك في شرح العمدة (٣) : هي عبارة عمّا زاد على ركني الإسناد كالمفعول والحال والتمييز.

فخرج بها العمدة ، وهي ما لا يسوّغ حذفه من أجزاء الكلام إلا بدليل ، وشملت جميع المنصوبات ، الأصل منها ، والمحمول عليه. وقوله «الواقع عليه الفعل» أخرج سائر المنصوبات ، أمّا بقية المفاعيل فلأنّه لا يقال في شيء منها : إنّ الفعل واقع عليه ، بل يقال في المفعول المطلق : إنّه واقع ، وفي غيره : إنّ الفعل واقع له أو معه أو فيه ، وأما غيرها فظاهر.

والمراد بوقوع الفعل عليه تعلّقه به بلا واسطة ، بحيث لا يعقل إلا به نفيا كان أو إثباتا ، فسقط ما قيل من أنّه غير جامع لخروج نحو : ما ضربت زيدا ، ولا تضرب عمرا ، وأوجدت ضربا ، وخلق الله العالم ، فإن قيل : ذكر الوقوع وإرادة التعلّق حقيقة أم

__________________

(١) سقط مفعول في «ح».

(٢) في «ح» سقط في المفعول.

(٣) العمدة في النحو لابن مالك محمد عبد الله النحوي المتوفى سنة ٦٧٢ ه‍. كشف الظنون. ٢ / ١١٦٧.

٢٧١

مجاز ، لا سبيل إلى الأوّل لعدم الوضع ولا إلى الثاني لعدم الاتّصال بينهما ، قيل : وقوع الفعل على الشيء في عرف النحاة عبارة عن التعلّق المذكور ، فيكون إرادة التعلّق من الوقوع حقيقة عرفيّة ، فلا يلزم دعوى الوضع وبيان الاتّصال ، أو يقال : الوقوع لا ينفك عن التعلّق ، فكان التعلّق لازما للوقوع ، فذكر الملزوم ، وأريد اللازم.

هذا وإنّما استغنى عن إضافة الفعل إلى الفاعل ، كما فعل ابن الحاجب لجعله الفضلة هي الجنس ، فإنّ فائدة إضافته إليه على ما ذكروه إخراج مثل زيد في ضرب زيد بالبناء للمفعول ، فإنّه لم يعتبر إسناده إلى فاعله ، ومثل ذلك خارج بالفضلة ، فإنّه عمدة ، ولو فعله أيضا لكان بسبيل ، فتكون فائدته صرف الفعل عن المعنى الاصطلاحي ، فيصفو إسناد الوقوع إليه عن التجوّز وشمول التعريف لمفعول غير الفعل عن التكلف ، فبطل قول بعضهم : إنّه لا فائدة فيه.

الأصل تأخّر المفعول عن الفعل : «والأصل» أي الراجح في المفعول الّذي ينبغي أن يكون عليه إن لم يمنع مانع «تأخّره عنه» ، أي عن الفعل وعن الفاعل أيضا بدليل ما مرّ في كلامه أنّ الأصل في الفاعل تقدّمه على المفعول ، نحو : (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ) [النمل / ١٦] ، لأنّ طلب الفعل للمسند إليه الّذي لا يتمّ إلا به أشدّ من طلبه للفضلات ، ولأنّ الفاعل منشيء الفعل ، والمفعول مورده ومتعلّقه ، فالفعل ينشأ عن الفاعل ، ثمّ يصل إلى المفعول. وقد يجب هذا الأصل في مسائل :

أحدها : أن يكون الفعل مؤكّدا بالنون الثّقيلة أو الخفيفة ، فلا يقال : زيدا اضربنّ. قال الرضيّ : ولعلّ ذلك لكون تقديم المنصوب على الفعل دليلا في ظاهر الأمر على أنّ الفعل غير مهم ، وإلا لم يؤخّر عن مرتبته ، أي الصدر ، وتوكيد الفعل مؤذنا بكونه مهمّا ، فيتنافران في الظاهر ، انتهى. فإن قلت : فقد قال ابن مالك في ألفيته [من الرجز] :

٢٢٤ ـ والرفع والنصب اجعلن إعرابا

 ... (١)

فقدّم مفعول الفعل المؤكّد بالنّون عليه. قلت : أجيب باحتمال أن يكون الحكم المذكور مفروضا في الاختبار ، وأنّه يجوز التقديم في الضرورة.

الثانية : أن يحصل بتقديمه التباس بالمبتدإ ، نحو : موسى ضرب عيسى.

الثالثة : أن يكون الفعل تعجّبيّا ، نحو : ما أحسن زيدا ، فلا يجوز زيدا ما أحسن ، إذ لا يتصرف في معموله.

__________________

(١) تمامه «لاسم وفعل نحو لن أهابا».

٢٧٢

الرابعة : أن يكون الفعل صلة لحرف مصدريّ عامل ، نحو : كرهت أن تضرب زيدا ، فلا يجوز أن تضرب زيدا كرهت ، ولا أن زيدا تضرب كرهت ، إذ لا يفصل بين الموصول الحرفي وصلته.

الخامسة : أن يكون الفعل مقرونا بلام الابتداء ، نحو : ليحبّ الله المحسنين ، فلا يجوز :

المحسنين ليحبّ الله. هذا إن لم توجد إنّ ، فإن وجدت ، جاز التقديم ، نحو : إنّ زيدا عمرا ليضرب ، أو بلام القسم ، نحو : والله لأقولنّ الحقّ ، فلا يجوز : والله الحقّ لأقولنّ.

السادسة : أن يكون المفعول أن وصلتها ، نحو : عرفت أنّك فاضل ، فلا يجوز أنّك عرفت فاضل ، واختلف في علّة ذلك ، فقيل : كراهية الابتداء بأنّ المفتوحة ، لئلا تلتبس بأنّ الّتي بمعنى لعلّ ، وقيل : لئلا تلتبس بأنّ المكسورة ، ولا تدفع الفتحة الخفيفة هذا اللبس.

فإن قلت : هلّا اجتنبوا هذا اللبس عند وقوع إن وصلتها مجرورة باللام المقدّرة ، بل أجازوا مثل قولك : إنّك فاضل أكرمت. قلت : أجيب بأنّ ذلك لا يوقع في محذور ، إذ المقصود التعليل ، وهو حاصل على كلّ تقدير سواء ظنّ السامع أنّ مفتوحة ، واللام مقدّرة ، أو ظنّها مكسورة ، وذلك لأنّ التعليل مستفاد من كون الجملة المصدّرة ب إنّ المكسورة تقع في مثل ذلك جوابا لسوال عن العلّة مقدّر ، تقول : أكرم زيدا إنّه فاضل ، ولا تكرم عمرا إنّه جاهل ، كأنّه قيل : لم أكرمه؟ أو لم لا أكرمه؟ فقيل : إنّه فاضل ، أو إنّه جاهل ، فاغتفروا هذا اللبس من الفتح والكسر ، لكونه لا يوقع في خلاف الغرض.

قد يتقدّم المفعول على الفعل جوازا ووجوبا : «وقد يتقدّم» أي المفعول به على الفعل لقوّته في العمل ، وليس ذلك خاصّا بالمفعول به ، بل المفاعيل كلّها إلا المفعول معه سواء في ذلك ، ولذا عبّر عنه في التسهيل بمنصوب الفعل ، فيتقدّم جوازا حيث لا موجب لتقدّمه ، ولا مانع منه «لإفادة الحصر» ، أي حصر فعل الفاعل في المفعول ، «نحو : زيدا ضربت» أي لا غيره ، أو وحده بحسب ما يقتضيه المقام.

هذا قول الجمهور ، وكاد أهل البيان يطبّقون عليه ، وخالف في ذلك ابن الحاجب ، وتبعه أبو حيّان (١). قال ابن الحاجب في شرح المفصّل : الاختصاص الّذي يتوهّمه كثير من الناس وهم ، واستدلّ على ذلك بقوله تعالى : (فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ) [الزمر / ٢] ثمّ قال : (بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ) [الزمر / ٦٦] ، وردّ هذا الاستدال بأنّ مخلصا له الدين ، أغني عن أداة الحصر في الآية الأولى ، ولو لم يكن فما المانع من ذكر المحصور في محلّ بغير

__________________

(١) سقطت هذه الجملة في «ح».

٢٧٣

صيغة الحصر ، كما قال تعالى : (وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ) [الحج / ٧٧] ، وقال : (أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) [يوسف / ٤٠] ، بل قوله تعالى : (بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ) [الزمر / ٦٦] ، ولو لم تكن للاختصاص ، وكان معناها اعبد الله ، لما حصل الإضراب الّذي هو معنى بل.

واعترض أبو حيّان على مدّعي الاختصاص ، بنحو : (أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ) [الزمر / ٦٤] ، وأجيب بأنّه لمّا كان من أشرك بالله غيره ، كأنّه لم يعبد الله ، كان أمرهم بالشرك ، كأنّه أمر بتخصيص غير الله بالعبادة. وردّ صاحب الفلك الدائر (١) الاختصاص بقوله تعالى : (كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ) [الأنعام / ٨٤] ، وهو أقوي ما ردّ به ، وأجيب بأنّه لا يدّعي فيه اللزوم ، بل الغلبة ، وقد يخرج الشي عن الغالب.

قال الشيخ بهاء الدين السّبكيّ : وقد اجتمع الاختصاص وعدمه في آية واحدة وهي : (أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ) [الأنعام / ٤٠ و ٤١] ، فإنّ التقديم في الأولى قطعا ليس للإختصاص ، وفي إيّاه قطعا للاختصاص ، انتهى. وعلى قول الجمهور فشرطه أن لا يكون التقديم مستحقّا.

الحصر والاختصاص مترادفان أم لا : تنبيه : المشهور أنّ الحصر والإختصاص مترادفان ، واختار تقيّ الدين السّبكيّ (٢) التفرقة بينهما ، فقال : اشتهر كلام الناس في المعمول يفيد الاختصاص ، وقد يفهم كثير من الناس من الاختصاص الحصر ، وليس كذلك ، وإنّما الاختصاص شيء ، والحصر شيء آخر ، والفضلاء لم يذكروا في ذلك لفظة الحصر ، وإنّما عبّروا بالاختصاص ، والفرق بينهما أنّ الحصر نفي غير المذكور وإثبات المذكور ، والاختصاص قصد الخاصّ من جهة خصوصه من غير تعرّض لنفي غيره ، انتهى.

وقوله : إنّ الفضلاء لم يذكروا في ذلك لفظ الحصر ممنوع ، فقد ذكرها غير واحد ، وهذه مسألة بيانيّة تطفّلنا بها تبعا للمصنّف ، رحمه الله ، وإلا فالتقديم والتأخير اللّذان يلزم النحويّ النظر فيهما هما ما اقتضته صناعة من الجواز والوجوب فقط ، لا ذكر فوائد هما ، ووجوبا في مسألتين ، أشار إلى الأولى بقوله (٣) «للزومه الصدر» أي صدر الكلام ، وذلك إذا تضمّن معنى الاستفهام ، نحو : (أَيًّا ما تَدْعُوا) [الإسراء / ١١٠] ، أو أضيف إلى ما تضمّن معنى أحدهما ، نحو : علام أيّهم ضربت ، علام من تضرب أضرب.

__________________

(١) الفلك الدائر على المثل السائر لعز الدين عبد الحميد ابن هبة الله المدائني (المعروف بابن أبي الحديد) المتوفى سنة ٦٥٥ ه‍. كشف الظنون ، ٢ / ١٢٩١.

(٢) على بن عبد الكافي السبكي تقي الدين النحويّ اللغويّ ، صنف نحو مائة وخمسين كتابا مطولا ومختصرا ، منها : تفسير القرآن ، الاقتناص في الفرق بين الحصر والاختصاص ومات سنة ٧٥٥ ه‍. بغية الوعاة ، ٢ / ١٧٧.

(٣) سقط بقوله في «ح».

٢٧٤

الثانية : أن يقع عامله بعد فاء الجزاء في جواب أمّا ، وليس للعامل منصوب غيره ، مقدّم عليها ، نحو : (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) [الضحي / ٩] ، وقد تقدّر أمّا نحو : (رَبَّكَ فَكَبِّرْ) [المدثر / ٣] ، بخلاف أمّا اليوم فأضرب زيدا.

تنبيهان : الأوّل : منع الكوفيّون تقديم المفعول في نحو : زيدا غلامه ضرب ، لأنّه متأخّر في التقدير من وجوه : أحدها بالنظر إلى غلامه ، لأنّه من تمام خبره ، والثاني بالنظر إلى ضرب ، لأنّه لا مفسّر له قبله بخلاف قوله تعالى : (وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ) [البقرة / ١٢٤] ، لأنّ المنصوب متأخّر من جهة المعموليّة والمفعوليّة.

ومنعوا أيضا غلامه أو غلام أخيه ضرب زيد. وما أراد أخذ زيد ، على أنّ في أراد ضمير زيد ، لأنّ المفسّر فيها هو الفاعل ، ولا يجوز أن تقدّره قبل المفعول المقدّم على الفعل ، لأنّ الفاعل لا يتقدّم على الفعل ، فكيف يفسّر ما هو متقدّم لفظا ، وليس بمتقدّم تقديرا ، بخلاف ضرب غلامه زيد ، فإنّ مرتبة المفسّر قبل الضمير ، ويجوز تقديمه عليه.

ومنعوا ما طعامك أكل إلا زيد ، لأنّك حذفت الفاعل الّذي هو الأصل والعمدة ، واعتنيت بالمفعول الّذي هو الفضلة ، وذلك بأن قدّمته على الفعل ، وأجاز ذلك البصريّون في المسائل الخمس. قال الرضيّ عليه من الله الرضا ، وهو الحقّ اكتفاء بالتقدّم اللفظيّ في الأولى ، ولأنّ مرتبة المفعول بعد الفاعل ، فإذا لم يجز تقديم المفسّر وحده ، أي الفاعل ، أخّرنا ما اتّصل به ضمير المفسّر ، فنقول : إنّ تقدير غلامه ضرب زيد ، ضرب زيد غلامه ، فغلامه واقع في التقدير بعد زيد الواقع بعد عامله ، ولأنّ المستثنى قد سدّ في الأخير مسدّ الفاعل ، ولورود السماع بما منعوه ، فنظير الأولى قوله [من البسيط] :

٢٢٥ ـ كعبا أخوه نها وانقاد منتهيا

ولو أبي بات بالتخليد في سقر (١)

ونظير الثانية قوله [من الخفيف] :

٢٢٦ ـ رأيه يألف الّذي إلف الحمد

ويشقي بسعيه المغرور (٢)

ونظير الثالثة قوله [من الرمل] :

٢٢٧ ـ شرّ يوميها وأغواه لها

ركبت عتر بحدج جملا (٣)

ونظير الرابعة قوله [من البسيط] :

٢٢٨ ـ ما شاء إن شاء ربّي والّذي هو لم

يشاء فلست تراه فاشيأ أبدا (٤)

_________________

(١) لم أجد البيت.

(٢) لم أجد البيت.

(٣) لم يسمّ قائله : اللغة : عتر : امرأة من طسم ، سبيت فحملت في هودج يهزؤن بها والتقدير : ركبت عتر جملا مع حدج ، أو جملا سائرا بحدج. الميداني ، مجمع الامثال والحكم ، الجزء الثاني ، الطبعة الثانية ، دار الجيل ، بيروت ، ١٤٠٧ ه‍ ، ص ٥٣.

(٤) لم أجد البيت.

٢٧٥

ونظير الخامسة قوله [من البسيط] :

٢٢٩ ـ ما المرء ينفع إلا ربّه فعلا ...

م يستمال لغير الله آمال (١)

وعتر بالعين المهملة وسكون النون ثمّ زاء معجمة في البيت الثالث اسم امراة من طسم (٢) ، سبيت ، فحملوها في هودج ، وألطفوها بالقول والفعل ، فقالت : هذا شرّ يومي ، أي حين صرت أكرم للسباء. شرّ منصوب على الظرفية بركبت ، أي ركبت في شرّ يوميها ، والحدج بكسر الحاء المهملة وسكون الدّال المهملة ثمّ جيم ، مركب للنساء كالمحفّة (٣). فإن قلت : المقدّم في المسألة مفعول به ، وهذا ظرف زمان ، فهما مفترقان.

قلت : المسألة مفروصة في أعمّ من المفعول به ، لأنّ التقديم ليس مختصّا به كما تقدّم.

ناصب المفعول به والكلام على إضماره : الثاني : الناصب للمفعول به إمّا فعل متعدّ ، نحو : (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ) [النمل / ١٦] ، أو اسم فاعل ، نحو : (إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ) [الطلاق / ٣] ، أو اسم مفعول ، نحو : زيد معطي غلامه درهما ، أو اسم فعل ، نحو : (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) [المائدة / ١٠٥] ، أو مصدر : نحو : (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ) [البقرة / ٢٥١] ، وإمّا اسم التفضيل فلا ينصب المفعول به ، وإن كان متعديّا ، وكذا الصفة المشبهة ، لأنّها لا تشتقّ إلا من لازم.

والأصل كون الناصب مذكورا كما في هذه الأمثلة ، وقد يضمر جوازا ، إذا دلّ عليه دليل قالي أو حالي ، والأوّل كقوله تعالى : (قالُوا خَيْراً) [النحل / ٣٠] ، أي أنزل ربّنا خيرا ، بدليل : (ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ) [النحل / ٣٠] ، الثاني ، نحو : قولك لمن تأهّب لسفر : مكّة ، بإضمار أتريد؟ أو وجوبا ، وذلك فيما نصب على الاشتغال ، نحو : أزيدا ضربته ، أو على النداء ، نحو : نحن العرب أقري الناس للضيف ، بإضمار أخصّ ، أو على التحذير بإيّاك ، نحو : إيّاك والأسد ، أي إيّاك باعد واحذر الأسد ، أو بغيرها بشرط عطف أو تكرار ، نحو : رأسك والسيف ، أي باعد واحذر ، والأسد الأسد (٤) ، أو على الإغراء بشرط أحدهما ، نحو : المروة والنجاة. وقوله [من الطويل] :

٢٣٠ ـ أخاك أخاك إنّ من لا أخا له

كساع إلى الهيجاء بغير سلاح (٥)

بإضمار الزم.

__________________

(١) لم أجد البيت.

(٢) طسم : حيّ من عاد انقرضوا.

(٣) المحفّة : هودج لا قبّة له ، تركب فيه المرأة. (ج) محافّ.

(٤) سقط الأسد في «ح».

(٥) البيت لمسكين الدارمي أو لا ابراهيم بن هرمة الفرشي أو قيس بن عاصم. اللغة : الهيجاء : الحرب.

٢٧٦

المفعول المطلق

ص : الثّاني : المفعول المطلق : وهو مصدر يؤكّد عامله أو يبيّن نوعه أو عدده ، نحو :

ضربت ضربا ، أو ضرب الأمير ، أو ضربتين والمؤكّد مفرد دائما ، وفي النوع خلاف ، ويجب حذف عامله سماعا ، في نحو : سقيا ورعيا ، وقياسا ، في نحو : (فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً ،) وله على ألف درهم اعترافا ، وزيد قائم حقّا ، وما أنت إلا سيرا ، وإنّما أنت سيرا ، وزيد سيرا سيرا ، ومررت به فإذا له صوت صوت حمار ، ولبّيك وسعديك.

ش : «الثاني» ممّا يرد منصوبا لا غير «المفعول المطلق» ، سمّي بذلك لصحّة إطلاق صيغة المفعول عليه لغة من غير تقييد ، ومن ثمّ قدّمه الزمخشريّ وابن الحاجب على المفعول به بخلاف بقيّة المفاعيل ، فلا يقال فيها : إلا مفعول به أو فيه أو معه ، وأمّا اصطلاحا فيصحّ الإطلاق على كلّ واحد من الخمسة ، وهو ما قرن بفعل لفائدة ، ولم يسند إليه ذلك الفعل ، وتعلّق به تعلقا مخصوصا.

فإن قلت : هذا منتقض بمفعول ما لم يسمّ فاعله ، فإنّه مفعول ، ولم يشمله التعريف. قلت : أجيب بأنّ إطلاق المفعول عليه باعتبار أنّه كان في الأصل مفعولا اصطلاحيّا قال ابن هشام : وهذه التسمية للبصريّين ، وأمّا غيرهم فلا يسمّى بالمفعول إلا المفعول به خاصّة ، ويقول في غيره مشبّه بالمفعول.

«وهو مصدر يؤكّد عامله» الناصب له ، وإن لم يكن مشتقّا منه ، وتوكيده له باعتبار حدثه المفهوم منه مطابقة إن كان مصدرا ، وتضمّنا إن كان غيره ، ويسمّى هذا النوع مبهما أو المبيّن لنوعه ، أو عدده ، أو نوع عامله ، أو عدده ، وذلك باعتبار الحدث المفهوم منه على حدّ ما تقرّر ، ويسمّى كلّ من هذين النوعين مختصّا وموقّتا.

ويدخل في قوله : «عدده» الواحد ، لأنّه عدد بإجماع ، وخرج بقوله : «يؤكّد عامله» إلى آخره ، المصدر في نحو : قمت إجلالا لك ، وكرهت ضربك لانتفاء التوكيد ، وبيان العدد نحو : الفجور الثاني في كرهت الفجور الفجور ، فإنّه وإن كان مؤكّدا لكن لا لعامله ، ولا يرد على الحدّ المفعول به في نحو : كرهت كراهتي ، لأنّ المراد بكون المصدر مؤكّدا لعامله أو مبيّنا لنوعه أو عدده كونه كذلك بحسب دلالة اللفظ ، كما نبّه عليه ابن الحاجب في مثله.

وكراهتي على تقدير كونه مفعولا به ليس بهذه المثابة ، نعم يرد عليه الخبر في نحو : ضربك ضربتان ، وضربك ضرب أليم ، فإنّه مبيّن لعدد في الأوّل ، وللنوع في الثاني ، أو

٢٧٧

صفة بأليم ، فهو منقوض به ، وكذا الحال الموكّدة لعاملها ، إذا كانت مصدرا ، فلو قال : وليس خبرا ولا حالا كما فعله ابن هشام في الأوضح لسلم من ذلك.

إعراب خلق الله السموات : تنبيه : قيل : يرد على هذا الحدّ نحو : (خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ) [الجاثية / ٢٢] ، فإنّ السموات مفعول مطلق على الصواب ، وليس بمصدر ، انتهى.

وقد يمنع الورود باحتمال ذهابه إلى ما عليه الجمهور من أنّها مفعول به لا مفعول مطلق ، والقائل بأنّها مفعول مطلق جماعة من الأئمة ، منهم الشيخ عبد القاهر الجرجانيّ وفخر الدين الرازيّ وجار الله الزمخشريّ وأبو عمرو بن الحاجب وجمال الدين بن هشام : قالوا : لأنّ المفعول به ما كان موجودا قبل الفعل الّذي عمل فيه ، ثمّ أوقع الفاعل به فعلا كضربت زيدا ، فزيدا كان موجودا قبل الضرب ، وأنت فعلت به الضرب ، والمفعول المطلق ما كان فعل الفاعل فيه هو فعل إيجاده كالسموات في : (خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ) [الجاثيه / ٢٢] ، فإنّها لم تكن موجودة ، بل عدما محضا ، والله أوجدها ، وخلّصها من لعدم ، فكانت مفعولا مطلقا لا مفعولا به.

قال ابن هشام : والّذي غرّ اكثر النّحويّين في هذه المسألة أنّهم يمثّلون المفعول المطلق بأفعال العباد ، وهم أنّما تجرى على أيديهم إنشاء الأفعال لا الذوات ، فتوهّموا أنّ المفعول المطلق لا يكون إلا حدثا ، ولو مثلّوا بأفعال الله تعالى لظهر لهم أنّها لا تختصّ بذلك ، لأنّ الله تعالى موجد للأفعال والذوات جميعا ، قال : وكذا البحث في أنشأت كتابا وعملت خيرا ، انتهى.

وأجاب الجمهور بأنّ المفعول به بالنسبة إلى فعل غير الإيجاد يقتضي أن يكون موجودا ، ثمّ أوجد الفاعل فيه شيئا آخر ، فإنّ اثبات صفة غير الوجود تستدعي ثبوت الموصوف أوّلا ، وأمّا المفعول بالنسبة إلى الإيجاد ، فلا يقتضي أن يكون موجودا ، ثمّ أوجد الفاعل فيه الوجود ، بل يقتضي أن لا يكون موجودا ، وإلا لزم تحصيل الحاصل ، وأمّا التزام كونه موجودا قبل الفعل على كلّ حال فدعوى لا دليل عليها ، نحو : ضربت ضربا ، مثال للمفعول المطلق المؤكّد لعامله ، ومثله نحو : قعدت جلوسا (وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً) [نوح / ١٧]. وهل العامل فيهما الفعل المذكور أو مقدّر بمعناه ولفظه؟ قولان :

الأوّل : هو قضية كلام سيبويه على ما قيل في التسهيل ، وهو مذهب المازنيّ والمبرّد والسيرافيّ ومرتضى الرضيّ عليه من الله الرضا ، ونسبه ابن يعيش إلى الأكثرين ، لأنّه لمّا

٢٧٨

كان في معناه وصل إليه ، كما وصل إلى ما هو من لفظه ، لأنّ الأصل عدم التقدير بلا ضرورة ملجاة إليه.

والثاني : هو مذهب الجمهور ، كما قال ابن عقيل ، لأنّ الكثير كون المصدر من اللفظ للفعل ، وكونه بغير لفظه قليل ، فحمل القليل على الكثير ، أو ضربت ضرب الأمير ، مثال للمفعول المطلق المبيّن لنوعه ، وهو عطف على ضربت ضربا بتقدير ، أو ضربت ضرب الأمير ليكون عطف مثال على مثال لا على ضربا فافهم. والأصل ضربا مثل ضرب الأمير ، فحذف الموصوف من الصفة ، ومثله ضربته ضربا شديدا ، أو ضربته الضرب ، أي الضرب المعهود ، فلو أردت بالضرب الجنس ، كان من قبيل المؤكّد على ما ذكره بعض المتأخّرين ، أو ضربت ضربتين مثال للمفعول المطلق المبيّن لعدده ، ومثله (فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً) [الحاقة / ١٤] ، وضربته ضربات.

وقد ينوب عن المصدر غيره من صفته ، نحو : اشتمل الصّماء (١) ، أو ضميره نحو : عبد الله أظنّه جالسا ، بنصب عبد الله ، أو إشارة إليه كضربته ذلك الضرب ، ولا يشترط كونها متبعة بالمصدر ، وقول ابن مالك باشتراطه مردود بقول العرب : ظننت ذلك ، يشيرون به إلى الظّنّ ، أو مرادف له نحو : شنيته بغضا ، وأحببته مقة ، أو مشارك له في مادّته ، وهو ثلاثة : اسم مصدر ، نحو : اغتسل غسلا ، واسم عين ، نحو : (وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً) [نوح / ١٧] ، ومصدر لفعل آخر ، نحو : (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً) [المزّمل / ٨] ، والأصل اغتسالا وإنباتا وتبتلا.

أو دالّ على نوع منه كقعد القرفصا ، ورجع القهقري ، والأصل قعد القعد القرفصاء ، ورجع الرجعة القهقري ، أو دالّ على عدده ، كضربته عشر ضربات [أو كقوله تعالى] : (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً) [النور / ٤] ، أو على آلته كضربته سوطا وسوطين وأسواطا ، والأصل ضربته ضربة بسوط وضربتين بسوط وضربات بسوط ، أو كلّ ، نحو : (فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ) [النساء / ١٢٩] ، أو بعض ، نحو : (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ) [الحاقة / ٤٤] ، أو ما الاستفهاميّة ، نحو : ما تضرب زيدا ، أي أيّ ضرب تضرب زيدا ، أو ما الشرطيّة ، نحو : ما شيءت فنم ، أي أيّ نوم شيءت فنم.

«و» المصدر «المؤكّد» لعامله لا يثنّى ، ولا يجمع ، بل هو «المفرد دائما» باتّفاق ، قال الرضيّ : إذ المراد بالتاكيد ما تضمّنه الفعل بلا زيادة عليه ، ولم يتضمّن الفعل إلا

__________________

(١) اشتمل الصّماء : هو أن يردّ الكساء من قبل يمينه على يده اليسري وعاتقه الأيسر ثمّ يردّه ثانية من خلفه على يده إليمنى وعاتقه الأيمن فيغطيهما جميعا. لسان العرب ٢ / ٢٢٤١ (صمم).

٢٧٩

الهيئة من حيث هي هي ، والقصد إلى الهيئة من حيث هي هي يكون مع قطع النظر عن قلّتها وكثرتها ، والتثنية والجمع لا يكونان إلا مع النظر إلى كثرتها فتناقضا ، انتهى.

وأمّا العدديّ فيثنّى ويجمع باتفاق ، لأنّ العدد قد يكون اثنين فصاعدا ، وفي المصدر النوعيّ خلاف بين النّحويّين ، فمنهم من ذهب إلى جواز تثنيه وجمعه قياسا لحصول ما يكون معه التثنية والجمع ، إذ النوع المتميّز إذا انضمّ إليه نوع آخر ثبت الأمر الّذي يكون به التثنية ، وإذا انضمّ إليه نوعان فصاعدا ، حصل ما يكون به الجمع ، فيجوز أن تقول : قمت قيامي زيد وعمرو ، وقتلت قتولا كثيرة. ومنهم من منع في غير المسموع ، وهو ظاهر مذهب سيبويه واختيار الشلوبين ، والأوّل هو الأشهر.

عامل المفعول المطلق : تنبيه : عامل المفعول المطلق إمّا مصدر ، نحو : سيرك سير الحثيث (١) متعب ، أو ما اشتقّ منه من فعل ، نحو : (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً) [النساء / ١٢٤] ، أو وصف ، نحو : (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا) [الصافات / ١] ، أو اسم مفعول ، نحو : الخبز مأكول أكلا.

وشرط الفعل التصرّف والتمام وعدم الإلغاء ، ولا يقال : ما أحسن زيدا حسنا ، ولا أحسن بزيد إحسانا. خلافا للجرميّ لعدم التصرّف فيهما ، فكانا كالجامد ، لا مصدر له ، ولا يقال : كان زيد قائما كونا ، على خلاف فيه ، ولا زيد قائم ظننت ظنّا ، جزم به في التصريح.

وشرط الوصف أن يكون دالّا على الحدوث ، فلا يجوز : زيد حسن وجهه حسنا ، ولا أقوم منك قياما ، وأمّا قوله [من البسيط] :

٢٣١ ـ أما الملوك فأنت إليوم ألأمهم

لؤما وأبيضهم سربال طّباخ (٢)

فلؤما منصوب بمحذوف ، قاله صاحب البديع (٣) ، ولا ينتصب بغير الثلاثة ، لا تقول : نزال نزولا ، ولاصه سكوتا.

إعراب أنت الرجل علما : وزعم ثعلب في نحو أنت الرجل علما ، أنّ مفعول مطلق منصوب بالرجل على تأويله بالعالم ، قال أبو حيّان وغيره : هو تمييز محوّل عن الفاعل بتأويل الرجل بالكامل ، أي أنت الكامل علمه ، وليس مفعولا مطلقا.

__________________

(١) الحثيث : السريع الجادّ في أمره.

(٢) هو لطرفة بن العبد. اللغة : السربال : القميص.

(٣) البديع في النحو للإمام أبي السعادات مبارك بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري المتوفى سنة ٦٦٦ ه‍. كشف الظنون ١ / ٢٣٦.

٢٨٠

حذف عامله جوازا ووجوبا : ثمّ هو أعني المفعول المطلق يجوز حذف عامله لدليل قالي أو حالي كقولك للقادم ، أو لمن قال : سأقدم عليك خير مقدم أي قدمت ، ومنعه ابن مالك في عامل المؤكّد ، قال : لأنّه إنّما جئ به لتقويته وتقرير معناه ، والحذف مناف لهما ، وردّه ابنه بأنّه قد حذف جوازا في نحو : ما أنت إلا سيرا ، ووجوبا في نحو : سيرا سيرا وفي سقيا ورعيا ، وتعقبه ابن مالك لأنّ ما ذكره ليس من التأكيد في شيء ، لأنّ المصدر فيه نائب مناب العامل ، ودالّ على ما يدلّ عليه ، وهو عوض منه بدليل امتناع الجمع بينهما ، ولا شيء من المؤكّدات يمتنع الجمع بينه وبين الموكّد ، انتهى.

قال ابن هشام في بعض حواشيه على الخلاصة : والحقّ أنّ المصدر النائب عن عامله من قسم المصدر المؤكّد (١).

«ويجب حذف عامله» أي المفعول المطلق «سماعا» ولا يقاس عليه ، لأنّه لا ضابط له يعرف به ، وذلك في مصادر كثرت في استعمالهم ، فخفّفوها بحذف أفعالها ، ولم تسمع أفعالها معها مع كثرتها واحتياجهم إليها ، فدّل على وجوب حذفها ، فنصبها يدلّ على عاملها ، وجعل المصدر عوضا منها من حيث إنّه بمعناها ، فهي في المعنى معلّلة بالكثرة ، إلا أنّه لمّا لم يقدر على ضابط يعرف له ما كثر ممّا لم يكثر احتيج إلى السماع ، فلذلك أسند الحذف إليه ، نحو : سقيا ، أي سقاك الله سقيا ، ورعيا ، أي رعاك الله رعيا ، وحمدا ، أي حمدت حمدا ، وشكرا أي شكرت شكرا ، وجدعا أي جدعه الله جدعا.

قال الرضيّ (ره) : إنّ هذه المصادر وأمثالها إن لم يأت بعدها ما يبيّنها ، ويعيّن ما تعلّقت به من فاعل أو مفعول إمّا بحرف جرّ أو باضافة المصدر إليه ، فليست ممّا يجب حذف فعله ، بل يجوز نحو : سقاك الله سقيا ورعاك الله رعيا ، وجدعه الله جدعا ، وشكرت الله شكرا.

وفي نهج البلاغة في الخطبة البكالية «نحمده على عظيم إحسانه ، ونيّر برهانه ونوامي فضله وامتنانه حمدا يكون لحقه قضاء ولشكره أداء» (٢).

وأمّا ما بيّن بالإضافة أو بحرف الجرّ فاعله نحو : كتاب الله وصنيعة الله ، ونحو سحقا له وبعدا ، أو مفعوله نحو : ضرب الرقاب ، وسبحان الله ونحو شكرا له وعجبا منك ، ولم يكن من قبيل النوع ، نحو : (مَكَرُوا مَكْرَهُمْ) [إبراهيم / ٤٦] ، (وَسَعى لَها

__________________

(١) هذا الرأي وفق قول ابن مالك بعيد عن الصواب ، لأنّه يعتقد أنّ حذف عامل المؤكّد لا يجوز ، لأنّه مسوق لتقرير عامله وتقويته ، والحذف مناف لذلك ، ويقول :

وحذف عامل المؤكّد امتنع

وفي سواه لدليل متّسع

(شرح ابن عقيل ١ / ٥٦٣)

(٢) نهج البلاغة ترجمة دكتر شهيدي الطبعة التاسعة عشر ، شركت انتشارات علمي وفرهنگي ١٣٧٩ ، رقم الخطبة ١٨٢ ص ١٨٩.

٢٨١

سَعْيَها) [الإسراء / ١٩] ، فيجب حذف العامل في جميع هذه قياسا ، إذ قد عرفت له ضابطا كما ذكرنا.

قال : وإنّما وجب حذفه مع الضابط ، لأنّ حقّ الفاعل والمفعول أن يتّصلا بالفعل ، واستحسن حذف الفعل في بعض المواضع إمّا إبانة لقصد الدّوام واللزوم بحذف ما هو موضوع للحدوث والتجدّد أي الفعل كما في نحو : حمدا لك وشكرا لك وعجبا منك ومعاذ الله وسبحان الله ، وإمّا لتقدّم ما يدلّ عليه ، نحو : كتاب الله و (صِبْغَةَ اللهِ) [البقرة / ١٣٨] ، أو لكون الكلام ممّا يستحسن الفراغ منه بسرعة ، كلبيك ، فبقي المصدر مبهما ، لا يدرى ما تعلّق به من فاعل أو مفعول ، فذكر ما هو مقصود المتكلّم من أحدهما بعد المصدر ، ليختصّ به ، فلمّا تبيّن بعد المصدر بالإضافة أو بحرف الجرّ ، قبح إظهار الفعل ، بل لم يجز فلا يقال : كتبت كتاب الله ، ووعد وعد الله ، وأسبّح سبحان الله ، وأحمد حمدا لك ، انتهى ملخّصا.

وصرّح بعضهم بأنّه إذا قلنا : سقاك الله سقيا ، وحمدت الله حمدا ، مع التلفّظ يكون خبرا لا إنشاء ، وإذا كان أنشاء كان المصدر والفعل متعاقبين يريد أنّهما لا يجتمعان ، ولكن إن أتيت بالمصدر ، تركت الفعل وجوبا ، وإن أتيت بالفعل لم يجز أن تذكر المصدر ، انتهى. وليس بشيء إذ ما وقع في الخطبة المذكورة من كلام أمير المؤمنين (ع) ليس مرادا به الخبر ، وهو من الفصاحة بحيث لا يخفى.

تنبيه : من جملة المصادر المذكورة مصادر لم توضع أفعالها أصلا ، فيقدّر لها عامل من معناها على حدّ قعدت جلوسا ، وهي ثلاثة أنواع :

أحدها : ما يستعمل مفردا فقط ، نحو : أفّة وتفّة لك ، أي قذرا ، والأفّ وسخ الأذن ، والتفّ وسخ الأظفار ، وذفرا أي نتنا ، وبهرا له أي تعسا ، أمّا بهرا بمعنى غلبة فله فعل مستعمل ، حكى ابن الأعرابي في الدعاء على القوم بهرهم الله غلبهم.

الثاني : ما يستعمل مضافا فقط ، نحو : بله زيد بالأضافة إلى المفعول ، أي تركه ، ويستعمل اسم فعل ، فتقول : بله زيدا بالنصب ، أي دع زيدا ، واسما مرادفا لكيف ، فتقول : بله زيد بالرفع ، أي كيف زيد.

الثالث : ما يستعمل مفردا تارة ومضافا [تارة] أخري ، نحو : ويحا لزيد وويحه وويلا له وويله أي حزنا له وحزنه ، وكيفيّة التقدير ظاهر من التفسير ، وقيل يقدّر لويح رحم ، لأنّها كلمة ترحّم ، ولويل عذّب ، لأنّها كلمة عذاب.

٢٨٢

«و» يجب حذفه «قياسا» فيما علم له من استقراء كلامهم ضابط كليّ يدلّ على حذف الفعل معه لزوما لما فيه من القرينة الدالّة على خصوص الفعل ووقوع ما يسدّ مسدّه ، ويجرى عليه ما لم يسمع وذلك في مواضع.

منها ما وقع تفضيلا لعاقبة مضمون جملة تقدّمته طلبيّة كانت نحو : قوله تعالى : (فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً) [محمد / ٤] ، أي تمنّون منّا أو تفدون فداء ، فجملة قوله فشدّوا الوثاق متضمّنة لشدّ الوثاق ، وعاقبته إمّا قتل وإمّا استرقاق أو منّ أو فداء ، ففصّل هذا المطلوب بقوله : (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً ،) أو خبريّة كقولك : زيد يكتب فقراءة بعد أو بيعا ، وعمرو يشترى طعاما (١) فإمّا بيعا وإمّا أكلا ، ومنه قوله [من البسيط] :

٢٣٢ ـ لأجهدنّ فإمّا درء واقعة

تخشى وإمّا بلوغ السّؤل والأمل (٢)

فدرء وقوع تفضيل لعاقبة الجهد ، أي إمّا أدرأ وإمّا أبلغ ، وإنّما وجب الحذف في هذه الصورة لوجود القرينة ، وهي نصب المفعول المطلق لإشعاره بالعامل المحذوف ، وسدّ الجملة المتقدّمة مسدّه لمناسبتها له من جهة أنّه تفضيل لعاقبة مضمونها بخلاف ما لو وقع غير تفضيل كمننت منّا ، أو تفضيلا لا لعاقبة مضمون جملة كزيد يسافر سفرا قريبا أو بعيدا.

ومنها ما وقع مؤكّدا لنفسه أو لغيره ، فالأوّل هو الواقع بعد جملة هي نصّ في معناه لا يتحمّل من المصادر غيره ، نحو : له على ألف اعترافا ، فجملة له على ألف نصّ في الاعتراف لا يتطرّق إليها احتمال غيره ، فالمصدر الظاهر بعدها ، وهو اعترافا يؤكّد الاعتراف الّذي تضمّنته الجملة كما أنّ المصدر مؤكّد لنفسه في نحو : ضربت ضربا ، إلا أنّ المؤكّدها هنا مضمون المفرد أي الفعل من دون الفاعل ، لأنّ الفعل وحده دالّ بطريق النصّ على الضرب ، وأمّا في مسألتنا فالاعتراف مضمون الجملة الاسميّة بكمالها لا مضمون أحد جزئيها ، لا يقال : مضمون الجملة ثبوت الألف عليه ومفهوم الاعتراف مطلق ، لأنّا نقول : هذا المطلق مندرج في ذلك المقيّد ، فهو أيضا مضمون الجملة ، وسمّي مؤكّدا لنفسه ، لأنّه بمترلة تكرار ما قبله ، فكان الّذي قبله نفسه ، وقد جوّز فيه الرفع خبرا لمبتدإ محذوف ، أي هذا الكلام اعتراف.

الثاني : هو الواقع بعد جملة تحتمل معناه وغيره ، فتصير به نصّا نحو زيد قائم حقّا ، فجملة زيد قائم ، قبل دخول المصدر كانت محتملة لأن تكون مضمونا ثابتا بحسب الواقع

__________________

(١) سقط «طعاما» في «ح».

(٢) البيت بلا نسبة. اللغة : الدرء : الدفع ، السؤل : ما سألته.

٢٨٣

فيكون حقا ، ولأن يكون مضمونها غير ثابت في الواقع ، فيكون غير حقّ ، فلمّا جاء المصدر المذكور صارت به نصّا في الحقيقة وسمّي مؤكّدا لغيره لأنّه يجعل ما قبله نصّا ، بعد أن كان محتملا ، فهو مؤثّر ، والمؤكّد متأثّر ، والمؤثّر غير المتأثّر ، وإنّما وجب الحذف في هاتين الصورتين لوجود القرينة ، وهي نصب المصدر فيهما لإشعاره بالمحذوف ، وسدّ الجملتين فيهما مسدّه ، والمناسبة ظاهرة.

تنبيه : الأصحّ كما في التسهيل منع هذين المصدرين ، فلا يقال اعترافا له على ألف ، ولا حقّا زيد قائم ، لأنّ العامل فيهما فعل مقدّر يفسّره مضمون الجملة ، أي اعترفت بذلك اعترافا ، وأحقّه حقّا ، ولا يتأتّى ذلك إلا بعد تمام الجملة ، قال الرضيّ : وأنا لا أرى بأسا بارتكاب كون الجملتين بأنفسهما عاملتين في المصدرين لأفادتهما معنى الفعل ، فلا يتقدّم المصدران لضعف العامل ، ولا يكونان إذن من هذا الباب.

ومنها ما وقع محصورا فيه بإلا أو بإنّما أو مكرّرا بعد اسم لا يصلح خبرا عنه ، فالأوّل نحو : ما أنت إلا سيرا ، وإنّما أنت سيرا ، والثاني نحو : زيد سيرا سيرا ، والتقدير ما أنت إلا تسير سيرا ، وإنّما أنت تسير سيرا ، وزيد يسير سيرا ، وقد يجئ ذلك معرّفا نحو : ما أنت إلا سير البريد ، وزيد السير السير ، فالاسم الّذي جاء بعده المصدر في هذه الأمثلة اسم عين ، والمصدر لا يصلح أن يكون خبرا عنه ، فوجب الحذف في ذلك كلّه للقرينة الّتي هي نصب المصدر لإشعاره بالمحذوف كما مرّ مع عدم صلاحيته للخبريّة لو رفع ، وقيام إلا وإنّما في الأوّل وطرفي التكرير في الثاني مقام المحذوف بشهادة أنّ الأوّل لو أقيم لم يكن ثمّ داع إلى التكرير في الإقامة ، وإنّما قامت إلا ، وإنّما مقامه لما في الحصر من التاكيد القائم مقام التكرير.

فإن لم يكن المصدر محصورا ولا مكرّرا لم يجب الحذف ، نحو : أنت تسير سيرا ، وان شيءت حذفت ، فقلت : أنت سيرا ، ولو كان العامل خبرا عن اسم معنى لم يحتج إلى إضمار فعل ، بل يتعيّن رفع المصدر على الخبريّة ، نحو : إنّما سيرك سير البريد ، بخلاف كونه خبرا عن اسم عين كما تقدّم.

وعلّل الرضيّ وجوب الحذف في هذه الصورة بأنّ المقصود من مثل هذا الحصر والتكرير وصف الشيء بدوام حصول الفعل منه ولزومه ووضع الفعل على الحدوث والتجدّد ، وإن كان المضارع يستعمل في بعض المواضع للدوام أيضا ، نحو : الله يقبض ويبسط ، وذلك أيضا لمشابهته لاسم الفاعل الّذي لا دلالة فيه وضعا على الزمان ، فلمّا كان المراد التنصيص على الدوام واللزوم ، لم يستعمل العامل أصلا ، لكونه إمّا فعلا وهو موضوع على التجدّد ، أو اسم فاعل ، وهو مع العمل كالفعل لمشابهته ، فصار العامل

٢٨٤

لازم الحذف ، وقد وقع له في باب المبتدإ ما ينافي هذا ، وذلك أنّه قال : الأصل في سلام عليك ، سلّمك الله سلاما ، ثمّ حذف الفعل للكثرة الاستعمال ، فبقي المصدر منصوبا ، وكان النصب يدلّ على الفعل ، والفعل يدلّ على الحدوث ، هذا هو الحقّ ، والأوّل غير مرضيّ.

ومنها ما وقع علاجيّا للتشبيه بعد جملة مشتملة على اسم بمعناه وصاحبه ، نحو : مررت به فإذا له صوت صوت حمار ، فصوت حمار وقع علاجا للتشبيه بعد جملة هي قوله : فإذا له صوت ، وهي مشتملة على الاسم الّذي بمعنى المصدر ، وهي صوت ومشتملة على صاحب ذلك الاسم ، وهو الضمير المجرور في له ، والجمهور على أنّ هذا المصدر منصوب بفعل مقدّر بين الجملة السابقة ، وبين المصدر تدلّ عليه الجملة المتقدّمة دلالة تامّة مغنية عنه ، فلهذا وجب حذفه ، والأصل له صوت يصوّت صوت حمار ، أي تصويت حمار ، وأقيم مقام المصدر كما في أنبت نباتا.

وظاهر كلام سيبويه أنّ المصدر منصوب بقوله : له صوت ، لا بفعل مقدّر ، ويجب الرفع في نحو : له علم علم الفقهاء ، لأنّ العلم ليس علاجيّا ، إذ العلاجيّ ما كان من أفعال الجوارح ، وفي نحو : صوته صوت حمار ، لعدم تقدّم الجملة وفي نحو : فإذا في الدار صوت صوت حمار ، ونحو : عليه نوح نوح حمام لعدم تقدّم صاحبه فيهما ، ويجوز النصب فيهما على الحال من الضمير ، والمستوفي الشروط إن كان جاز فيه الرفع على البدليّة والصفة ، أو أن يكون خبرا لمحذوف ، وان كان معرفة امتنعت الصفة إلا في الضرورة.

لبيك وسعديك : وأجازها الخليل على تقدير مثل وهل الرفع والنصب متكافئان ، أو لا خلاف ، ذهب ابن خروف إلى أنّ الرفع مرجوح ، لأنّ الثاني ليس هو الأوّل ، والنّصب سالم من هذا المجاز ، وابن عصفور إلى أنهما متكافئان ، لأنّ في النصب التقدير ، والأصل عدمه ، ومنها ما وقع مثنى دالّا على التكرير والتكثير ، نحو : لبيك ، وهو مثنى مصدر لبّ بالمكان إذا أقام به ، وجوّز أن يكون مصدر ألبّ بمعنى لبّ ، فيكون محذوف الزاوئد ، والوجه الأوّل ، لأنّ الأصل عدم الحذف ، فالأصل إذن ألبّ لك لبّين ، أي أقيم على طاعتك لبا كثيرا متتاليا متكرّرا ، وليس المراد خصوص الاثنين ، وجعلت التثنية دالّة على التكثير ، لأنّها أوّل تضعيف للعدد.

وزعم يونس أنّ لبيك مفرد كلديك ، والأصل لببب كجعفر ، قلبت الباء الأخيرة ياء لثقل التضعيف ، ثمّ قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، ثمّ صارت ياء بالاضافة إلى الضمير كلديك وعليك وسعديك ، وهي تابعة لبيك أي أسعدك

٢٨٥

إسعادين ، ولا تستعمل بدونها ، وتستعمل لبيك بدونها ، ومثل ذلك دواليك ، أي تداول الأمر دوالين ، وحنانيك أي تحنّن تحنّنين ، وهذا ذيك أي أسرع إسراعين ، وهجاجيك أي كفّ كفّين ، وعامل هذين وعامل لبيك من معناها ، وعامل البواقي من لفظها ، وإنّما وجب الحذف في ذلك لوجود القرينة ، وهي النصب المشعر بالحذف وقيام التكرير مقام المحذوف.

كذا قيل ، ودفع بأنّ التكرير لا يصلح لذلك لكونه أمرا معنويّا فلا ينوب عن اللفظ المحذوف ، ثمّ يرد نحو قوله تعالى : (ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ) [الملك / ٤] ، لأنّه مصدر مثنّى ، فيه معنى التكرير ، ولم يجب حذف عامله. قال الرضيّ : ليس وقوع المصدر مثنّى من ضوابط الّتي يعرف بها وجوب حذف فعله سواء كان المراد بالتثنية التكرير ، نحو : (ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ ،) أي رجعا كثيرا مكررا أو كان لغير التكرير ، نحو : ضربته ضربتين ، أي مختلفين ، بل الضابط لوجوب الحذف في هذا وأمثاله إضافته إلى الفاعل أو المفعول كما ذكرنا قبل ، انتهى.

وجميع هذه المصادر لا يتصرّف إذ لا يستعمل لها أفعال ، وأمّا لبّى يلبّى فهو مشتقّ من لبيك ، نحو : سبحان من سبحان الله ، وبسمل من بسم الله. وممّا يجب العامل فيه قياسا ما كان توبيخا ، سواء كان مع استفهام أولا ، كقوله [من الكامل] :

٢٣٣ ـ ...

أرضا وذوبان الخطوب تنوشني (١)

وأمكرا وأنت في الحديد. وقوله [من الطويل] :

٢٣٤ ـ خمولا وإهمالا وغيرك مولع

بتثبيت أسباب السيادة والمجد (٢)

قال الدمامينيّ : ولا مانع من أن يقال : همزة التوبيخ هنا محذوفة كما تحذف همزة الاستفهام الحقيقيّ ، انتهى. قلت : نعم لا مانع ولكنّ المراد من عدم الاستفهام عدمه لفظا فقط ، وإنّما وجب الحذف فيه لقيام القرينة ، وهي النصب وسدّ الحال هي سبب التوبيخ مسدّ المحذوف.

__________________

(١) هذا المصراع ذكر في خزانة الأدب ولم يذكر له صدر ولا عجز : اللغة : الذوبان ، جمع ذئب ، جمع كثرة. الخطوب : جمع الخطب ، وهو الأمر الشديد يترل على الانسان ، تنوشني : تنالني وتصيبني. البغدادي. خزانة الأدب ، ٢ / ١٠١.

(٢) لم يسمّ قائله.

٢٨٦

المفعول له

ص : الثالث : المفعول له : وهو المنصوب بفعل فعل لتحصيله أو حصوله ، نحو : ضربته تأديبا ، وقعدت عن الحرب جبنّا. ويشترط كونه مصدرا متّحدا بعامله وقتا وفاعلا ، ومن ثمّ جىء باللّام ، في نحو : (وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ ،) وتهيّأت للسفّر ، وجئتك لمجيئك إيّاي.

ش : «الثالث» ممّا يرد منصوبا لا غير «المفعول له» ، ويقال له : المفعول لأجله والمفعول من أجله ، «وهو» الاسم «المنصوب بفعل» اصطلاحيّ أو شبهه من مصدر أو وصف كما سيأتي.

«فعل» ذلك الفعل مرادا به اللغويّ ، أي الحدث على طريقة الاستخدام ، «لتحصيله» أي لتحصيل المفعول له «أو حصوله» أي وجوده.

فقوله : المنصوب كالجنس يشمل جميع المنصوبات ، وما بعده مخرج لما عدا المحدود ، فالأوّل وهو ما فعل الفعل لتحصيله ، «نحو : ضربته تأديبا» فتأديبا مفعول له لأنّه منصوب بفعل ، وهو ضربت وفعل الفعل أي الحدث ، وهو الضرب لتحصيله ، فإن قيل : التأديب عين الضرب ، فكيف يحصل به ، قيل : إنّه يحصل به ما تضمّنه التأديب ، وهو التأدّب ، وإنّما نصب التأديب لتضمّنه التأدّب.

قال بعض المحقّقين : ويكذبه امتناع ضربته تأدّبا ، كما صرّح به الرضيّ ناقلا عن النّحاة ، فالجواب منع أنّ التأديب عين الضرب ، بل هو إحداث التأدّب ، والضرب سبب الإحداث ووسيلته ، انتهى.

والثاني وهو ما فعل الفعل لحصوله ، نحو : «قعدت عن الحرب جبنا» فجبنا مفعول له منصوب بقعد ، وفعل الفعل وهو العقود لحصوله ، فالمفعول له هو السبب الحاصل للفاعل على الفعل ، سواء كان علّة غائية للفعل متأخّرة عنه في الوجود كالتأديب للضرب أو علّة مؤثّرة له موجودة قبله كالحين للقعود ، والأوّل يكون علّة للفعل بحسب الوجود الذهنيّ ومعلوما له بحسب الوجود الخارجيّ ، والثاني يكون علّة له بحسب الوجود الخارجيّ ، وأمّا بحسب الوجود الذهنيّ فلا تأثير له ، فبين التأديب والضرب مرابطة ذهنا وخارجا ، وبين الحين والقعود مرابطة خارجيّة فقط.

تنبيه : قيل : في الحدّ المذكور نظر ، لأنّ النصب حكم ، والحكم فرع التصوّر ، والتصوّر موقوف على الحدّ المأخوذ فيه الحكم المذكور ، وأجيب بمنع تسليم أنّ تصوّر النصب الّذي هو الحكم فرع تصوّر المحدود ، لأنّ النصب لا ينحصر فيه ، فلا يتوقّف ولا يتصوّر فهمه على تصوّر المحدود ، ليكون موقوفا على الحدّ ، نعم نصب المحدود يتوقّف

٢٨٧

تصوّره على تصوّر المحدود ، إلا أنّ المأخوذ في التعريف ليس نصب المحدود ، بل مطلق النصب ، ولو سلم فيكفي في الحكم التصور بوجه آخر غير الحدّ ، فليتأمّل.

ثمّ لا يخفى ما في هذا الحدّ أيضا من ارتكاب الاستخدام المنافيّ للحدّ في الإيضاح والتبيين ، فقد قيل : لا ينبغي أن يخترع في الحدود ألفاظ ، بل الواجب استعمال المشهورة منها فيها.

«ويشترط» في نصبه عند الجمهور «كونه مصدرا» ، لأنّه علّة للفعل ، والعلل أنّما تكون بالمصادر لا بالذوات ، وزعم يونس أنّ قوما من العرب يقولون : أمّا العبيد فذو عبيد ، بنصب العبيد الأوّل ، لكونه مفعولا له ، والمعنى مهما يذكر شخص لأجل العبيد فزيد ذو عبيد لا غير ، فالعبيد علّة للذكر ، وقبّح ذلك سيبويه ، وتأوّله على الحال ، كما في الجمّاء الغفير ، وإنّما أجازه على ضعفه إذا لم يرد به عبيدا بأعيانهم.

قال : فلو قلت : أمّا البصرة فلا بصرة لك ، وأمّا الحرث فلا حرث لك ، لم يجز لاختصاصهما ، وأوّله الزجّاج على تقدير أمّا تملك العبيد ، أي مهما يذكر شخص من أجله تملك العبيد فذو عبيد ، وهذا كلّه مراعاة للمصدر ، وجعله بعضهم مفعولا به أي مهما تذكر العبيد.

«متّحدا بعامله وقتا» بأن يكون وقوع الحدث في بعض زمان المصدر ، كجئتك طمعا ، وقعدت عن الحرب جبنا ، أو يكون أوّل زمان الحدث آخر زمان المصدر ، نحو : جئتك خوفا من فرارك أو بالعكس ، نحو : جئتك إصلاحا لك ، وهذا الشرط اشترطه الأعلم وجماعة من المتأخّرين ، ولم يشترطه سيبويه ولا أحد من المتقدّمين.

«وفاعلا» بأن يكون فاعله وفاعل عامله واحدا كقوله تعالى : (يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ) [البقرة / ١٩] ، فالحذر مفعول له ، وفاعله وفاعل الجعل واحد ، وهم الكفّار ، وهذا الشرط رأي المتأخّرين ، ولم يشترطه سيبويه ولا أحد من المتقدمّين أيضا ، كما قاله في الهمع ، وهو مرتضى الرضيّ ، قال : وهو الّذي يقوّى في ظنّي ، وإن كان الأغلب المشاركة ، وعليه فيكون انتصاب خوفا وطمعا من قوله تعالى : (يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً) [الرعد / ١٢] على المفعول له من غير حاجة إلى تكلّف تقدير إرادة خوفكم وطمعكم ، أو إلى جعل الخوف والطمع بمعنى الإخافة والإطماع ، أو جعل انتصابهما على الحالية لا على المفعول له.

واستدلّ الرضيّ على عدم اشتراط ذلك بقول أمير المومنين عليه السّلام في نهج البلاغة : فأعطاه الله النّظرة استحقاقا للسّخطة واستتماما للبلية (١). والمستحقّ للسخطه

__________________

(١) نهج البلاغه ترجمة شهيدي ، ص ٥.

٢٨٨

إبليس ، والمعطي للنظرة هو الله تعالى ، ومشترط الاتّحاد يتأوّل هذا أيضا كما تأوّل الآية.

وحاصل ما ذكره المصنّف من الشرط ثلاثة : كونه مصدرا ، واتّحاد زمانه وزمان عامله واتّحاد فاعلهما ، وزاد بعضهم رابعا ، وهو أن يكون مصدرا قلبيّا كالرغبة في نحو : جئتك رغبة في إكرمك ، فلا يجوز جئتك قراءة للعلم ، لأنّ القراءة من أفعال اللسان ، قال الشاطبيّ : وهذا الشرط مستغنى عنه بشرط اتّحاد الزمان ، لأنّ أفعال الجوارح لا تجمع في الزمان مع الفعل المعلل ، انتهى. ولم يشترط ذلك الفارسيّ ، فأجاز جئتك ضرب زيد ، أي لتضرب زيدا.

وفاقد أحد الشروط المذكورة يجرّ بحرف التعليل ، وهو اللّام ونحوها ، ممّا يفهم معناها من من والباء وفي والكاف وكي وعلى ، ومن ثمّ إشارة إلى المكان الاعتباريّ كما تقدّم ، أي ومن أجل اعتبار الشروط المذكورة جئ باللام في نحو قوله تعالى : (وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ) [الرحمن / ١٠] ، لفقد المصدريّة ، فإنّ الأنام علّة للوضع وليس مصدرا فلذلك جرّ باللام.

ومثله قوله (ع) : إنّ امراة دخلت النار في هرّة (١). أي لأجل هرّة. وفي نحو تهيّأت إليوم للسفر غدا ، لفقد اتّحاد الوقت ، فإنّ وقت التهيئة غير وقت السفر ، ومثله قوله تعالى : (كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍ) [الحجّ / ٢٢] ، أي لاجل الغمّ. وقول الشاعر [من الطويل] :

٢٣٥ ـ فجئت وقد نضّت لنوم ثيابها

لدي السّتر إلا لبسة المتفضّل (٢)

وفي نحو : جئتك لمجيئك إيّاي ، لفقد اتّحاد الفاعل ، فإنّ فاعل المجئ المتكلّم ، وفاعل المجئ المخاطب ، ومثله قوله تعالى (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) [النساء / ١٦٠] ، (وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ) [البقرة / ١٩٨] ، (وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ) [البقرة / ١٨٥] أي لهدايته إيّاكم ، وقوله [من الطويل] :

٢٣٦ ـ وإنّي لتعروني لذكراك هزّة

كما انتقض العصفور بلّله القطر (٣)

__________________

(١) تمام الحديث «ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الارض حتى ماتت» وروى بدل ربطتها حبستها. نهج الفصاحة ، مترجم أبو القاسم پاينده ، الطبعة السابعة عشرة ، منشورات منظمة جاويدان ، ١٣٦٢ ش ص ٣٢٧ رقم الحديث ١٥٥٩.

(٢) البيت لامري القيس من معلّقته. اللغة : نضّت. خلعت ، اللبسة : حالة الملابس ، المتفضل : اللابس ثوبا واحدا.

(٣) البيت لأبي صخر الهذلي. اللغة : تعروني : تصيبني وتترل بي ، الذكري : التذكّر والخطور بالبال ، الهزة : حركة واضطراب ، القطر : المطر.

٢٨٩

تنبيهات : الأوّل : الشروط المذكورة معتبرة لجواز النصب لا لوجوبه وتعيّنه ، حتى أنّ المستوفي لجميعها يجوز جرّه بحرف التعليل ، سواء كان مجرّدا من أل والإضافة أم مضافا أم محلي بأل ، لكنّ الأرجح في الأوّل النصب ، وفي الثالث الجرّ ، ويستويان في الثاني ، ونقل عن أبي موسى الجزوليّ منعه في الأول قال الشلوبين : ولا أعرف في ذلك سلفا.

ناصب المفعول له : الثاني : ناصب المفعول له مفهم الحدث الّذي نصب المفعول به المصاحب في الأصل حرف جرّ ، لأنّه جواب له ، والجواب أبدا بحسب السؤال ، فإذا قلت : قمت فكان المخاطب قال مستفهما : لم قمت؟ فقلت : إجلالا لك ، أصله لإجلالك ، إلا أنّه أسقط اللام ، ونصب ، ولهذا تعاد إليه في مثل ابتغاء الثواب تصدّقت له ، لأنّ الضمائر تردّ الأشياء إلى أصولها.

هذا مذهب سيبويه والفارسيّ وجمهور البصريّين وأكثر المتأخّرين ، وخالفهم الزجّاج والكوفيّون ، فزعموا أنّه مفعول مطلق ، ولذلك لم يترجموا له استغناء بباب المصدر عنه ، ثمّ اختلفوا ، فقال الزجّاج : ناصبه فعل مقدّر من لفظه واجب الإضمار لسدّ المصدر مسدّه ، وقال الكوفيّون : ناصبه الفعل المتقدّم عليه ، لأنّه ملاق له في المعنى ، وإن خالفه في الاشتقاق ، مثل قعدت جلوسا.

إذا عرفت هذا فكان على المصنّف (ره) أن لا يعدّ المفعول له قسما برأسه ، بل أن قال بمذهب جمهور البصريّين ، وهو الصحيح ، كان عليه إدخاله في المنصوب بترع الخافض ، كما سيأتي ، وأن قال بمذهب الزجّاج والكوفيّين كان عليه إدراجه تحت المفعول المطلق كما فعله الكوفيّون.

الثالث : صريح حدّه للمفعول له أنّ نحو : قمت لأجلالك ليس مفعولا له ، لأنّه ليس بمنصوب ، وقد أخذ في الحدّ المنصوب ، ولو لم يأخذه لما اقتضاه كلامه أيضا ، لأنّه عدّ المفعول له من نوع المنصوب لا غير ، فلا يكون هذا مفعولا له ، وهو رأي القوم ، بل هو عندهم مفعول به بواسطة حرف الجرّ ، وذهب ابن الحاجب إلى أنّه مفعول له ولا مشاحة في الاصطلاح (١).

__________________

(١) لا مشاحة في الاصطلاح : لا مجادلة فيما تعارفوا عليه.

٢٩٠

المفعول معه

ص : الرابع : المفعول معه : وهو المذكور بعد واو المعيّة لمصاحبة معمول عامله ، ولا يتقدّم على عامله نحو : سرت وزيدا ، ومالك وزيدا ، وجئت أنا وزيدا ، والعطف في الأولين قبيح ، وفي الأخير سائغ ، وفي نحو : ضربت زيدا وعمرا واجب.

ش : «الرابع» ممّا يرد منصوبا لا غير «المفعول معه» ، أي الّذي فعل بمصاحبته ، بأنّ يكون الفاعل مصاحبا له في صدور الفعل عنه ، أو المفعول في وقوع الفعل عليه ، فقوله : معه نائب الفاعل ، أسند إليه المفعول ، كما أسند إلى المجرور في المفعول به والمفعول له والمفعول فيه ، والضمير المجرور عائد على أل.

واعتذر عن نصبه بما جوّزه بعض النحاة من إسناد الفعل إلى اللازم (١) النصب وتركه منصوبا جريا على ما هو عليه في الأكثر ، وإليه ذهب بعضهم في قوله تعالى : (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) [الأنعام / ٩٤] ، على قراءة النصب ، وقيل : الوجه أن يجعل من قبيل : وقد حيل بين العير والنزوان (٢) ، فإنّ نائب الفاعل فيه ضمير راجع إلى مصدره ، أي حيل الحيلولة ، لأنّ بين للزوم الظرفيه لا تنوب عن الفاعل ، فعلى هذا يكون معناه الّذي فعل الفعل بمصاحبته (٣) على أن يكون نائب الفاعل ضميرا راجعا إلى مصدره ، والضمير المجرور عائد على الموصول كذا في الفوائد الضيائية وغيرها.

وقال بعض المحقّقين ، والظاهر أنّ ذلك كلّه باعتبار الأصل ، لأنّ المفعول معه في الاصطلاح اسم لهذا النوع كالحيوان الناطق علما للإنسان ، وسمّاه سيبويه بهذا وبالمفعول به على أنّ الباء بمعنى مع ، «وهو المذكور بعد واو المعيّة» ، أي الّتي بمعنى مع لمصاحبته معمول فعل الظرف لغو متعلّق بالمذكور ، أي الّذي ذكر بعد الواو لأجل المصاحبة ، سواء كان ذلك المعمول فاعلا ، نحو : استوي الماء والخشبة ، أو مفعولا نحو : كفاك وزيدا درهم ، وسواء كان الفعل ملفوظا به كالمثالين أو معنويّا ، نحو : مالك وزيدا ، أي ما تصنع.

فقوله : «المذكور» بمترلة الجنس ، وقوله «بعد واو المعيّة» مخرج لما ذكر بعد واو العطف نحو : جاء زيد وعمرو ، وقوله : «لمصاحبة معمول» فعل مخرج لنحو : كلّ رجل

__________________

(١) سقط «اللازم» في «ح».

(٢) العير : الحمار. التروان : السفاد. يضرب للرجل يعوقه عن مطلبه عائق. وهو لصخر بن عمرو بن الشريد ، ومن حديثه أنه طعن فمرض حولا حتى ملّه أهله ، فسمع امرأة تقول لامرأته سلمى : كيف بعلك؟ فقالت : لا حيّ فيرجى ولا ميّت فينعى ، قد لقينا منه الأمرين وقال لها : ناوليني السيف أنظر هل تقلّه يدي؟ فناولته فإذا هو لا يقلّه ، وروى أيضا أن أمّ صخر سئلت عنه فقالت : لا نزال بخير ما دام فينا. فقال [من الطويل] :

أهمّ بأمر الحزم لو استطيعه

وقد حيل بين العير والتروان

موسوعة أمثال العرب ، ٣ / ٦٠٠.

(٣) سقط بمصاحبته في «س».

٢٩١

وضيعته ، فلا يجوز نصب ضيعته خلافا للصيمريّ (١) ، فإنّه وإن كان مذكورا بعد واو المعيّة لكن لا لأجل مصاحبته معمول فعل.

قال الرضيّ : ونعني بالمصاحبة كونه مشاركا لذلك المعمول في ذلك الفعل في وقت واحد ، فزيدا في «سرت وزيدا» مشارك للمتكلّم في السير في وقت واحد أي وقع سيرهما معا ، وفي قولك : سرت أنا وزيد ، بالعطف مشارك في السير ، لكن لا يلزم السيرى ن في وقت واحد ، انتهى.

وأورد عليه في نحو : سر والطريق ، فإنّه من صور المفعول معه قطعا ، وليست الطريق مشاركة للمخاطب في السير المأمور به ، وقد صرّح به نجم الدين سعيد في شرح الحاجبيّة بأنّ المراد بالمصاحبة هنا المصاحبة (٢) المطلقة ، سواء لم يكن ثمّ تشريك في الحكم ، نحو : سر والطريق ، أو كان ثمّ تشريك ، لكن لا يكون مقصودا ، بل القصد إلى مطلق المصاحبة ، نحو : جئت وزيدا ، انتهى. والقول بالمشاركة هو اشتراط الأخفش ، ولم يشترطها غيره ، بل اعتبروا مطلق المصاحبة ، وهو الصحيح.

تنبيهات : الأوّل : قال بعض المحقّقين في نحو الحدّ المذكور : لعلّه لم يقل الاسم المذكور اختيارا لما ذهب إليه صدر الأفاضل (٣) تلميذ الزمخشريّ من أنّ المفعول معه يجئ جملة ، كما في قولك : جاء زيد والشمس طالعة تفاديا عمّا ارتكبوه من التأويل في هذا المثال حيث ادّعوا الحالية ، فإنّ ابن جنيّ قال : جاء زيد طالعة الشمس عند مجئيه ، فجعلها كالحال المفردة السببيّة كمررت بالدار قائما سكّانها. وقال ابن عمرون (٤) هي مؤوّلة بقولك : مبكّرة أو نحوه ، انتهى ، وسيأتي في ذلك مزيد كلام ، إن شاء الله تعالى.

عامل المفعول معه : الثاني : اختلف في عامل مفعول معه على خمسه أقوال :

أحدها : ما ذهب إليه الجمهور من أنّ العامل ما تقدّمه من فعل أو ممّا فيه معنى الفعل وحروفه ، وهو المصدر كعرفت استواء الماء والخشبة ، واسم الفاعل ك أنا سائر والنيل ، واسم المفعول ، نحو : الناقة متروكة وفصيلها ، ولا يضرّ فصل الواو بينهما كما لا تضرّ إلا في الاستثناء.

__________________

(١) عبد الله بن على بن إسحاق الصيمريّ النحويّ له التبصرة في النحو ، بغية الوعاة ٢ / ٤٩.

(٢) سقط هنا المصاحبة في «ط».

(٣) هو القاسم بن الحسين الخوارزمي فقيه حنفي عالم بالعربية. له ثلاثة شروح على المفّصل للزمخشريّ ، وشرح النموذج والأحاجي وهما للزمخشريّ أيضا ، وشرح سقط الزند للمعري. قتله التتار سنه ٦١٧ ه‍. المصدر السابق ٢ / ٢٥٢.

(٤) هو محمد بن محمد جمال الدين أبو عبد الله النحويّ ، روى عنه شرح المفصل ، مات سنة ٦٤٩ ه‍. المصدر السابق ١ / ٢٣١.

٢٩٢

الثاني : ما ذهب إليه الزّجّاج من أنّه فعل محذوف بعد الواو فإذا قلت : جاء البرد والطيالسة (١) ، فكأنّك قلت : جاء البرد ولابس الطيالسة ، وردّ بأنّ الإضمار خلاف الأصل.

الثالث : ما ذهب إليه الكوفيّون من أنّه الخلاف أي مخالفة الأوّل في إعرابه ، فيكون أمرا معنويّا ، وردّ بأنّ الإحالة على العامل المعنوي أنّما يضطرّ عند عدم اللفظيّ.

الرابع : ما ذهب إليه الشيخ عبد القاهر في جملة من أنّه نفس الواو ، وردّ بأنّه لو كان كذلك لاتّصل الضمير بها كما يتّصل بسائر الحروف الناصبة مع أنّه لا يقال : سرت وك.

الخامس : ما ذهب إليه الأخفش من أنّ انتصابه على الظرفيّة ، وذلك لأنّ الواو لمّا أقيمت مقام مع المنصوب على الظرفيّة ، والواو في الأصل حرف ، فلم يحتمل النصب أعطى ما بعده عارية إعرابه كما أعطى ما بعده إلا إذا كانت بمعنى غير إعراب نفس غير كما قيل في له عندي عشرة إلا واحدا أنّ الاصل غير واحد ، ثمّ أنيب إلا عن غيره ونقل الإعراب لما بعدها ، وردّ بأنّه لو كان كذلك لجاز النصب في : كلّ رجل وضيعته مطّردا ، وليس كذلك.

[التنبيه] الثالث : أنّه لا يجوز الفصل بين الواو والمفعول معه بظرف ولا بغيره ، فلا يقال : قام زيد واليوم عمرا ، وإن جاز الفصل بالظرف بين الواو العاطفة ومعطوفها ، لأنّ الواو هنا نزّلت مترلة المجرور من الجارّ ، فمنعوا الفصل بينهما ، قاله في الهمع.

ولا يتقدّم المفعول معه على عامله كما يتقدّم سائر المفاعيل ، فلا يقال : بزيد وعمرا مررت ، لأنّ اصل الواو للعطف ، والمعطوف تابع فحقّه التأخير ، وأجازه الرضيّ ، عليه من الله الرضا ، قال : وأنا لا أري منعا من تقديم المفعول معه على عامله إذا تأخّر عن المصاحب ، لأنّ ذلك مع واو العطف الّذي هو الأصل جائز ، نحو : زيدا وعمرا ضربت ، انتهى.

ولا يتقدّم على المصاحب أيضا ، فلا يقال : مررت وعمرا بزيد ، وأجازه ابن جنيّ محتجّا بقوله [من الطويل] :

٢٣٧ ـ جمعت وفحشا غيبة ونميمة

ثلاث خصال لست عنها بمرعوي (٢)

وقوله [من البسيط] :

٢٣٨ ـ أكينه حين أناديه لأكرمه

ولا ألقّبه والسوأة اللّقبا (٣)

__________________

(١) الطيالسة : جمع الطيلسان أو الطيلس بمعنى الطالسان وهو ضرب من الأوشحة يلبس على الكتف ، أو يحيط بالبدن وهو ما يعرف في العامية المصريّة بالشال.

(٢) هو ليزيد بن الحكم. اللغة : المرعوي : من الإرعواء ، وهو الكف عن القبيح.

(٣) لم يسمّ قائله في خزانة الأدب ، وقيل : البيت لبعض الفزاريين.

٢٩٣

على رواية من نصب السوأة واللقب ، أراد ولا ألقّبه واللقب والسوأة أي مع السوأة ، لأنّ من اللقب ما يكون لغير السوأة.

قال ابن مالك في شرح الكافيّة : لا حجّة له في البيتين لاحتمال جعل الواو فيهما عاطفة ، قدّمت هي ومعطوفها وذلك في الأوّل ظاهر ، وأمّا في الثاني فعلى أن يكون أصله ولا ألقّبه اللقب ، وأسوأه السوأة ، ثمّ حذف ناصب السوءة ، كما حذف ناصب العيون من قوله [من الوافر] :

٢٣٩ ـ ...

وزجّجن الحواجب والعيونا (١)

ثمّ قدّم العطف ، ومعمول الفعل المحذوف ، انتهى.

ولا يتقدّم على العامل والمصاحب معا ، فلا يقال : وعمرا مررت بزيد إجماعا ، ومثّل لقسمي المفعول معه ممّا فيه العامل لفظيّا بقوله : نحو سرت وزيدا. وممّا فيه العامل معنويّا بقوله : مالك وزيدا؟ أي ما تصنع وزيدا؟ ومثله كيف أنت وزيدا؟ وقدّره سيبويه بلفظ الكون في المثالين ، وقدّره بالماضي مع ما ، وبالمضارع مع كيف ، فقال : الأصل ما كنت وزيدا ، واختلف في تقديره ذلك ، هل هو مقصود له أم غير مقصود؟ فزعم السيرافيّ أنّه غير مقصود ، ولو عكس لجاز ، وزعم ابن ولّاد (٢) أنّه لا يجوز إلا ما قدّره سيبويه ، قال : وذلك أنّ ما دخلها معنى التحقير والإنكار ، وليست سؤالا عن مسألة مجهولة ولو كانت لمجرّد الاستفهام لجاز فيها الماضي والمضارع.

واختلف في كان المقدّرة ، فنصّ السيرافيّ وغيره إلى أنّها تامّة ، فعلى هذا يكون كيف في موضع نصب على الحال ، وأمّا ما فلا تكون حالا ، وزعم بعضهم أنّها مخرجة عن أصلها للسؤال عن الحال ، والصحيح أنّ كان ناقصة ، وكيف وما في موضع نصب خبرها ، والتقدير على أيّ حال كنت أو تكون مع زيد ، وهو مذهب ابن خروف ، قاله في التصريح.

تنبيه : نحو هذا لك وإيّاك ممنوع من جهة أنّ الكلام لم يذكره فيه فعل ولا عامل عمله ، واسم الإشارة وحرف الجرّ المتعلّق بالاستقراء لا يعملان فيه ، فلا يتكلّم به خلافا لأبي على ، قال ابن هشام : وأمّا قول سيبويه : وأمّا هذا لك وإيّاك فقبيح ، لأنّك لم تذكره فعلا ولا ما في معناه ، فقالوا : إنّ مراده بالقبيح الممتنع ، انتهى.

__________________

(١) هذا البيت للراعي النميرى واسمه عبيد بن حصين وتمام البيت «إذا ما الغانيات برزن يوما» ، اللغة : الغانيات : جمع غانية ، وهي المرأة الجميلة ، زججن الحواجب : دققنها وأطلنها ورققنها بأخذ العشر من أطرافها حتى تصير مقوسة حسنة.

(٢) ابن ولاد : هو أبو العباس أحمد بن محمد التميمي فهو نحويّ ابن نحويّ ابن نحويّ وله كتاب الإنتصار لسيبويه ، وكتاب المقصور والممدود ، توفّي بمصر سنه ٣٣٢ ه‍ ق. نشاة النحو ، ص ١٠٧.

٢٩٤

قال ابن مالك : وقد كثر في كلامه التعبير بالقبيح عن الامتناع ، قال الدمامينيّ في شرح التسهيل : وانظر لم لم يقدّر الناصب في ذلك فعلا محذوفا ، كما في مالك وزيدا؟ فإنّ تلك جائزة باتّفاق ، وهذه نظيرتها ، وجواز تلك على إعمال المقدّر ، انتهى.

وأجيب بأنّ التقدير في ما لك وزيدا؟ له داعيان تقدّم ما الاستفهامية الّتي هي بالأفعال أولى ، وتأخّر الجار والمجرور لاقتضائه ما يتعلّق له وجوبا بخلاف هذا لك وأباك ، فإنّه ليس فيه إلا داع واحد ، انتهى.

«وجئت أنا وزيدا» هذا المثال من قسم المثال الأوّل ممّا فيه الفعل لفظيّا ، وإنّما ذكره ، تمهيدا للحكم الّذي بعده وهو قوله : والعطف في المثالين الأولين وهما : سرت وزيدا وما لك وزيدا ، ونحوهما من كلّ جملة اسميّة أو فعلية ، بعدها واو بمعنى مع ، وقبل الواو وضمير متّصل مرفوع أو مجرور غير مؤكّد بضمير منفصل أو بفاصل ما قبيح. أمّا في الأوّل فلأنّ العطف على الضمير المرفوع المتّصل لا يحسن إلا بعد توكيده بضمير منفصل أو بفاصل ما ، أمّا في الثاني فلأنّ العطف على الضمير المجرور لا يجوز إلا بعد إعادة الجارّ في الضرورة ، وهو مذهب البصريّين ، وظاهر كلام المصنّف في باب العطف.

وأمّا الكوفيّون فيجوّزونه في السّعة ، وجوّزه البصريّون في السّعة أيضا ، لكن بإضمار الجارّ لتقدّم ذكره مع أنّه لا يعمل مضمرا لضعفه ، ومنع العطف في المثالين جماعة ، منهم أبن الحاجب وابن هشام في القطر ، والعطف في المثال الأخير وهو جئت أنا وزيدا ونحوه من كلّ جملة اسميّة أو فعلية بعدها واو مع وقبل الواو ضمير متّصل مرفوع مؤكّد بضمير منفصل سائغ فيجوز نصبه على المفعول معه ورفعه على العطف.

وفصّل الرضي بين أن يقصد النصّ على المصاحبه ، فيجب النصب ، وبين أن لا يقصد النصّ عليها فلا يجب ، وهو الصحيح ، والعطف في نحو : ضربت زيدا وعمرا واجب اتّفاقا ، لأنّ أصل الواو الّتي قبل المفعول معه هو العطف ، وإنّما يعدل ما بعده عن العطف إلى النصب نصّا على المعنى المراد من المصاحبة ، لأنّ العطف في نحو : جاءني زيد وعمرو ، يحتمل تصاحب الرجلين في المجئ ، ويحتمل أحدهما قبل الآخر ، والنصب نصّ في المصاحبة ، وفي المثال المذكور لا يمكن التنصيص بالنصب على المصاحبة لكون النصب في العطف الّذي هو الأصل أظهر ، قاله الرضيّ ، عليه من الله الرضي ، وتبعه المصنّف في الحاشية.

٢٩٥

ونقل الإتّفاق غير مرضيّ ، فقد صرّح في الإرتشاف أنّ بعضهم حمل عمرا في المثال على العطف ، وجوّز بعضهم فيه الأمرين ، وقال ابن هشام في المغني نحو : أكرمتك وزيدا ، يجوز كونه عطفا على المفعول به وكونه مفعولا معه ، انتهى.

تنبيهات : الأوّل : بقي هنا للاسم المذكور بعد الواو حالات ، لم يذكرها المصنّف ، أحدها : ما يمتنع فيه العطف من جهة المعنى ، نحو : مات زيد وطلوع الشمس ، لأنّ العطف يقتضي التشريك في المعنى ، وطلوع الشمس لا يقوم به الموت.

الثانية : ما يقبح فيه العطف من جهة المعنى كقوله [من الوافر] :

٢٤٠ ـ فكونوا أنتم وبني أبيكم

مكان الكليتين من الطحال (١)

لأنّ المراد كونوا لبني أبيكم ، فالمخاطبون هم المأمورون بذلك ، وإذا عطفت ، كان التقدير : كونوا لهم وليكونوا لكم ، وذلك خلاف المقصود ، قاله ابن مالك ومقتضى هذا التعليل امتناع العطف لا قبحه.

الثالثه : ما يترجّح فيه العطف مع جواز النصب على مرجوحيّة ، نحو : جاء زيد وعمرو ، لأنّ العطف هو الأصل ، قد أمكن بلا ضعف ، كذا قيل ، والأولى أن يقال : إن قصد التنصيص على المصاحبة وجب النصب ، لأنّ العطف وإن كان أصلا فيجوز فيه العدول عنه لداع ، وهو التنصيص على المصاحبة ، وإلا فلا.

الرابعة : ما يمتنع فيه العطف والمفعول معه كقوله [من الرجز] :

٢٤١ ـ علفتها تبنا وماء باردا

 ... (٢)

وقوله [من الوافر] :

٢٤٢ ـ ...

وزجّجن الحواجب والعيونا (٣)

أمّا امتناع العطف فلانتقاء المشاركة ، لأنّ الماء لا يشارك التبن في العطف ، والعيون لا تشارك الجواجب في التزجيج ، لأنّ تزجيج الحواجب تدفيقها وتطويلها ، وأمّا امتناع المفعول معه فلانتفاء المعيّة في البيت الأول وانتقاء فائدة الأعلام بها في الثاني ، إذ الماء لا يصاحب التبن في العلف ، ومن المعلوم أنّ العيون مصاحبة للحواجب ، فلا فائدة في الأعلام بذلك ، ويجب في ذلك إضمار فعل للاسم على أنّه مفعول به ، أي وسقيتها ماء ، وكحّلن العيون.

__________________

(١) هو لشعبة بن قمير أو للأقرع بن معاذ. اللغة : الكليتين : تثنية كليّة ، الطحال : عضو يقع بين المعدة والحجاب الحاجز في يسار البطن.

(٢) تمامه : حتى شتت همّالة عيناه ، ولم يسمّ قائله. اللغة : شتت : تفرّقت ، وهمالة تمييز وهو من هملت العين إذا صبّت دمعها.

(٣) تقدم برقم ٢٣٩.

٢٩٦

الخلاف في المفعول معه هل هو قياسيّ أم سماعيّ؟ : الثاني : اختلف في المفعول معه ، فذهب قوم إلى أنّه قياسيّ مطلقا ، وهو المختار ، وذهب آخرون إلى أنّه سماعيّ لا يتجاوز به حدّ السماع ، ونقل ابن هشام الخضراويّ عن بعضهم التفضيل بين ما يجوز فيه العطف مجازا ، نحو ، سرت أنا والنيل ، فيكون مقيسا بين ما جاز فيه العطف حقيقة ، نحو : جئت أنا وزيدا ، فيكون سماعيا ، وقيل في المسألة غير ذلك.

الثالث : إذا وقع بعد المفعول معه خبر لما قبله أو حال طابق ما قبله ، نحو : كنت وزيدا قائما ، وجاء البرد والطيالسة شديدا ، يجوز عدم المطابقة ، فيعطى حكم ما بعد المعطوف ، نحو : كنت وزيدا قائمين ، وجاء البرد والطلالسة شديدين ، نظرا إلى المعنى وإلى أصل الواو ، ومنع ذلك ابن كيسان ، ووافقه أبو حيّان ، وابن هشام قال : والسماع والقياس يرتضانه.

فائدة : لم تأت واو المعية في التتريل بيقين ، فأمّا قوله تعالى : (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ) [يونس / ٧١] في قراءة السبعة ، فأجمعوا بقطع الهمزة وشركاءكم بالنصب ، فيحتمل الواو فيه ذلك ، وأن تكون عاطفة مفردا على مفرد بتقدير مضاف ، أي وأمر شركاءكم ، أو جملة على جملة بتقدير فعل ، أي وأجمعوا شركاءكم ، بوصل الهمزة ، وموجب التقدير في الوجهين أنّ أجمع لا تعلّق بالذوات بل بالمعاني ، كقولك : أجمعوا على كذا ، بخلاف جمع ، فإنّه مشترك بدليل قوله تعالى : (فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى) [طه / ٦٠] و (الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ) [الهمزة / ٢] ، قاله ابن هشام في المغني. قال الرضيّ : والأولى أنّه مفعول معه ، وهو الحقّ للسلامة من الإضمار ، لأنّه خلاف الأصل.

٢٩٧

المفعول فيه

ص : الخامس : المفعول فيه ، وهو اسم زمان أو مكان مبهم ، أو بمنزلة أحدهما : منصوب بفعل فعل فيه : نحو : جئت يوم الجمعة ، وصلّيت خلف زيد ، وسرت عشرين فرسخا ، وأمّا نحو : دخلت الدار فمفعول به على الاصحّ.

ش : «الخامس» ممّا يرد منصوبا لا غير «المفعول فيه» ، وسمّي بذلك لأنّه بتقدير معنى في ، وهو اصطلاح كوفيّ ، ويسمّيه البصريّون ظرفا ، لأنّه محلّ للأفعال ووعاء لها ، ولذلك سمّاه الفرّاء محلّا ، ويسمّيه الكسائيّ وأصحابه صفة ، «وهو اسم زمان أو» اسم «مكان مبهم». وهو ما افتقر إلى غيره في بيان صورة مسمّاة ، وهو أسماء الجهات السّت ، وهو أمام وخلف ويمين وشمال وفوق وتحت ونحوها في الإبهام والافتقار ، كناحية وجهة وأسماء المقادير كميل وفرسخ وبريد.

وأطلق اسم الزمان إشارة إلى المبهم والمختصّ فيه سواء ، ونعني بالمبهم ما دلّ على قدر من الزمان غير معيّن ، كوقت وحين وساعة على جهة التأكيد المعنويّ ، لأنّه لا يزيد على دلالة الفعل ، والمختصّ بخلافه كأسماء الأيّام. وأمّا المعدود فمن قبيل المختصّ ، لا قسما ثالثا ، خلافا لبعضهم ، «أو» ما كان «بمنزلة أحدهما» أي اسم الزمان أو المكان المبهم ، ممّا عرضت دلالته على أحدهما ، وهو أربعة كما سيأتي.

«منصوب» صفة اسم «بفعل» اصطلاحيّ أو شبهه ، «فعل» ذلك الفعل مرادا به اللغويّ ، أي الحدث على طريقة الاستخدام كما مرّ في المفعول له ، «فيه» أي في ذلك الاسم ، والمراد بفعله فيه بحسب دلالة اللفظ ، وقد يناقش في هذه العبارة من حيث التصريح بمتعلّق الظرف الّذي هو صفته مع كونه عامّا ، وقد نصّوا على وجوب حذفه ، تأمّل.

فقوله : اسم زمان أو مكان كالجنس يصدق على اسم الزمان من قولنا : يومنا طيّب ، واسم المكان من قولنا : مكاننا حسن ، وقوله : منصوب بفعل يخرج نحو ذلك ، ويصدق على نحو شهدت يوم الجمعة ، فيخرج بما بعده ، فإنّ الشهود وإن كان لا يكون إلا في يوم الجمعة ، لكنّ الّذي يدلّ عليه اللفظ شهود المتكلّم إيّاه ، لا فعله فيه ، وفي هذا الحدّ ما مرّ في المفعول له.

فالمفعول فيه من اسم الزمان المبهم ، نحو : سرت وقتا ، ومن المختصّ ، «نحو : جئت يوم الجمعة» ، وهو اسم من الاجتماع كما مرّ ، سمّي بذلك لاجتماع الناس فيه ، وهذا المشهور في اللغة ، وجاء في الحديث عن النبي (ص) أنّه سمّي بذلك ، لأنّ آدم (ع) جمع

٢٩٨

فيها خلقه (١) ، وقيل : لأنّ سائر المخلوقات اجتمع خلقها ، وفرغ منه يوم الجمعة ، وقيل : لأنّ أسعد بن زرارة (٢) لمّا جمع بالأنصار فصلّي بهم ، وذكّرهم ، سمّوه الجمعة ، حين اجتمعوا إليه ، فعليه فالاسم إسلاميّ ، وقيل : غير ذلك.

ومن اسم المكان نحو : «صليت خلف زيد» ، ومثله جلست أمامك ويمينك وشمالك وفوقك وتحتك ، وسمّيت هذه الجهات السّتّ باعتبار الكائن في المكان ، فإنّ له ستّ جهات ، وممّا هو نحوها في الإبهام والافتقار نحو : جلست ناحية ، وأمّا ما نزّل منزلة أحدهما ممّا عرضت دلالته عليه فأربعة كما ذكرنا.

أحدها : أسماء العدد المميّزة بهما نحو : سرت عشرين يوما ، مثال لما عرضت له اسميّة الزمان ، أو «سرت عشرين فرسخا» ، مثال لما عرضت له اسمية المكان. الثاني : ما أفيد به كليّه أو جزئيّة ك سرت جميع اليوم جميع الفرسخ ، أو كلّ اليوم كلّ الفرسخ ، أو بعض اليوم بعض الفرسخ ، أو نصف اليوم نصف الفرسخ. الثالث : ما كان صفة للزمان أو المكان ، كجلست طويلا من الدهر شرقيّ الدار. الرابع : ما كان مخفوضا بإضافة أحدهما ، ثمّ حذف المضاف ، وأنيب عنه المضاف إليه بعد حذفه ، والغالب في هذا النائب أن يكون مصدرا ، وفي المنوب عنه أن يكون زمانا ، ولا بدّ من كونه معيّنا لوقت أو لمقدار ، نحو : جئتك صلاة العصر أو قدوم الحاجّ ، وانتظرتك حلب الناقة.

وقد يكون النائب اسم عين ، نحو : لا أكلّمه القارظين ، والأصل مدّة غيبة القارظين ، وهو تثنية قارظ بالقاف والظاء المشالة (٣) ، وهو الّذي يجني القرظ (٤) بفتح القاف والراء ، وهو شيء يدبغ به.

قال الجوهريّ : لا آتيك أو يؤوب القارظ العنزيّ ، وهما قارظان ، كلاهما من عنزة ، خرجا في طلب القرظ ولم يرجعا ، وطالت غيبتهما ، قاله في التصريح.

تنبيهات : الأوّل : عدّ بعضهم ممّا أشبه الجهات الستّ في الإبهام والافتقار جانب ومكان ، واعترض جانب بأنّه ممّا يتعيّن معه التصريح بفي ، ومكان بأنّه ليس على إطلاقه ، لأنّ المتعدّي إليه ، لا بدّ أن يكون مشتقّا من الحدث الواقع فيه ، نحو : قاتلت مكان القتال ، أو مشتقّا من مصدر بمعنى الاستقرار ، نحو : قعدت مكانه ، قاله الرضيّ في الثاني ، واعترضه الدمامينيّ بأنّ ذلك يحتاج إلى ثبت.

__________________

(١) لم أجد الحديث في الكتب المتعلّقة بالأحاديث.

(٢) أسعد بن زراره ، أحد الشجعان الأشرف في الجاهلية والاسلام ، من سكان المدينة ، مات قبل وقعة بدر سنة ١ ه‍ ق ، ودفن في البقيع ، الأعلام للزركلي ، ١ / ٢٤٩.

(٣) أي منقوطة ، يقال بالطاء المهملة والظاء المشالة.

(٤) القرظ : شجر يدبغ به ، وقيل : هو ورق السّلم يدبغ به الأدم. ومن أمثالهم : لا يكون ذلك حتى يؤوب القارظان. أي لا يكون أبدا. لسان العرب ٣ / ٣١٩١.

٢٩٩

الثاني : الصالح للانتصاب على الظرفية من أسماء المكان نوعان : أحدهما : المبهم وقد مرّ تفصيله. الثاني : ما اتّحدث مادته ومادة عامله ، ونعني بالمادّة الحروف الأصليّة ، ولا بدّ مع ذلك من موافقته في المعنى كقوله تعالى : (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ) [الجن / ٩] ، وشذّ قولهم : هو مني مقعد القابلة ومزجر الكلب ومناط الثريا ، إن قدّر عامله مستقرّا أو نحوه ، فإن قدّر قعد في المقعد وزجر في المزجر وناط في المناط لم يكن ثمّ شذوذ.

الثالث : جاءت ظروف من غير أسماء الزمان والمكان كقولهم : أحقا أنّك ذاهب ، وجهد رأيي أنّك ذاهب ، والأصل : أفي حقّ وفي جهد رأيي ، وقد نطقوا بهذا الأصل وقال [من الوافر] :

٢٤٣ ـ أفي حقّ مواساتي أخاكم

 ... (١)

وذلك شاذّ لا يقاس عليه.

و «أمّا نحو دخلت الدار» ممّا وقع فيه اسم المكان غير المبهم منصوبا بعد دخلت فمفعول به على القول «الأصحّ» لا مفعول فيه ، فلا نقض به ، وكونه مفعولا به إمّا على الاتّساع بإجراء القاصر مجرى المعتدّي بنفسه من حيث إسقاط الواسطة ، ونصبه هو مذهب الفارسيّ وطائفة ، واختاره ابن مالك وعزاه لسيبويه ، أو على الأصل لا على الاتّساع نظرا إلى أنّ دخل متعدّ ، وهو مذهب الأخفش ، وعزاه الرضيّ إلى الجرميّ ، وعليه ينبغي حمل كلام المصنّف ، لأنّه يسمّى المنصوب على الاتّساع بإسقاط الجارّ المنصوب بنزع الخافض ، ويجعله قسيما للمفعول به ، لا قسما منه كما يدلّ عليه تقسيمه. وفي المسألة قول ثالث ، وهو أنّ النصب في ذلك على الظرفية تشبيها له بالمبهم ، وهو مذهب الشلوبين ، وعزاه لسيبويه ، وبعضهم للجمهور ، وبعضهم للمحقّقين.

تنبيه : قال الرضيّ : الّذي أرى أنّ جميع الظروف متوسّع فيها ، فقولك : خرجت يوم الجمعة كان في الأصل : خرجت في يوم الجمعة ، كان مع الجارّ مفعولا به بسبب حرف الجرّ ، ثمّ صار مفعولا به من غير واسطة حرف في اللفظ والمعنى على ما كان ، وكذا المفعول له فهما مثل ذنبا ، في قولك : استغفرت الله دنبا ، إلا أنّ حذف حرفي الجرّ ، أعني في واللام ، صار قياسا في البابين ، كما كان حذف حرف الجرّ قياسيّا مع أن وأنّ ، وليس بقياس في غير المواضع الثلاثة ، انتهى.

__________________

(١) تمام البيت «بمإلى ثمّ يظلمني السريس» ، وهو لأبي زبيد الطائي ، اللغة : السريس : هو العنين من الرجال. والعنين : الّذي لا يأتي النساء.

٣٠٠

فعلى هذا كان على المصنّف جعل المفعول فيه داخلا تحت المنصوب بنزع الخافض كما قلناه في المفعول له فتأمّل. وهاهنا انتهى الكلام على المفاعيل بتمامها.

فائدة : حصر النحاة المفاعيل في هذه الخمسة ، وقال الرضيّ ، عليه من الله الرضى ، يجوز أن يجعل الحال والمستثنى داخلين في المفاعيل ، فيقال للحال مفعول مع قيد مضمونه ، إذ المجئ في جاءني زيد راكبا فعل مع قيد الركوب الّذي هو مضمون راكبا ، ويقال للمستثنى : هو المفعول بشرط إخراجه ، وكأنّهم آثروا التخفيف في التسمية ، انتهى.

قال بعض المحقّقين : ولا يبعد أن يقال : إنّ المفعول ما يتعلّق به الفعل أوّلا وبالذات ، والحال ليست كذلك ، لأنّه تعلّقه بها بواسطة أنّها مبنيّة لهيئة فاعله أو مفعوله ، وكذا المستثنى ، لأنّ تعلّقه به بواسطة أنّه مخرج عن أمر يقع معموله على سبيل الاتّفاق ، ومن ها هنا يظهر توجيه جعل النصب في المفاعيل أصلا وفي غيرها تبعا ، انتهى.

المنصوب بنزع الخافض

ص : السادس : المنصوب بنزع الخافض ، وهو الاسم الصّريح أو المؤوّل المنصوب بفعل لازم ، بتقدير حرف الجرّ وهو قياسيّ مع أن وأنّ ، نحو : (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ) وعجبت أنّ زيدا قائم ، وسماعيّ في غير ذلك ، نحو : ذهبت الشّام.

ش : «السّادس» ممّا يرد منصوبا لا غير «المنصوب بنزع الخافض» ، ونصبه على المفعول به في الحقيقة ، لأنّ سقوط الخافض لا يقتضي النصب من حيث هو سقوط خافض ، بل من حيث إنّ العامل الّذي كان الجارّ متعلّقا به لمّا زال الجارّ من اللفظ ، ظهر أثره لزوال ما كان يعارضه ، وإذا لم يكن في الكلام ما يقتضي النصب من فعل أو شبهه لم يجز النصب ، وأكثرهم لم يفرد له بابا ، لأنّه داخل تحت المفعول به ، بل أكثرهم يسمّيه مفعولا به على إلاتساع ، ولا مشاحة في الاصطلاح.

«وهو الاسم الصريح أو المؤوّل» : وهذا كالجنس يشمل جميع الأسماء الصريحيه والمؤوّلة ، وقوله : «المنصوب» أخرج ما عدا المنصوبات ، وشملها جميعا. وقوله : «بفعل لازم» أو شبهه إذ كثيرا ما يكتفي عن ذكره بذكر الفعل بتقدير حرف جرّ أخرج جميع المنصوبات ، ما عدا المحدود وبعض أفراد المفعول له ، ممّا عامله فعل لازم على قول الجمهور ، كمّا مرّ ، وفي هذا الحدّ ما مرّ في المفعول له وفيه أيضا أنّه لا مطّرد ولا منعكس.

٣٠١

أمّا عدم اطّراده فلدخول بعض أفراد المفعول له على قول الجمهور كما رأيت مع عدّه له قسما برأسه ، وقد مرّ التنبيه على ذلك ، وأمّا عدم انعكاسه فلعدم دخول المنصوب بفعل متعدّ إلى اثنين ، أحدهما بنفسه ، والآخر بوساطة حرف جرّ مقدّر. وهو جار في القياسيّ والسماعيّ معا أو إلى أحدهما بأحد الأمور الّتي يتعدّي بها الفعل القاصر ، وإلى الآخر بواسطة حرف جرّ مقدّر ، وذا في القياسيّ فقط لفظا ، وقد يكون تقديرا كما سيأتي بيانه ، فتأمّل.

«وهو» أي المنصوب بنزع الخافض «قياسيّ مع أن وأنّ» المصدّرتين بفتح الهمزة فيهما وتشديد النون في الثانية ، وإنّما كان معها قياسيّا لاستطالتهما بصلتهما ، نحو قوله تعالى : (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ) [الأعراف / ٦٣] ، مثال لما هو مع أنّ المخفّفة النون ، أي من أن جاءكم ، ومثله قوله تعالى : (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا) [الحجرات / ١٧] ، أي بأن ، (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي) [الشعراء / ٨٢] ، أي في أنّ ، (بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ) [الحجرات / ١٧] ، (وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا) [المائدة / ٨٤] ، ونحو : عجبت أنّ زيدا قائم مثال لما هو مع أنّ المشدّدة النون ، أي من أنّ زيدا قائم ومثله قوله تعالى : (وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ) [الجن / ١٨] ، أي لأنّ. وهذه الأمثلة كلّها للمنصوب بفعل لازم.

وأمّا المنصوب بالمتعدّي إلى اثنين أحدهما بنفسه ، والأخر بحرف جرّ مقدّر ، فالأوّل نحو : وعدت زيدا أن أكرمه ، والثاني نحو : (يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ) [المومنون / ٣٥] ، هذا في القياسيّ ، وأمّا السماعيّ فسيأتي. وأمّا المنصوب بالمتعدّي إلى اثنين أحدهما بأحد الأمور الّتي يتعدّي بها الفعل القاصر والثاني بحرف جرّ مقدّر فلفظا ، نحو : أكرمت زيدا أن يكرمني ، وأكرمته أنّه صالح ، وبعّدت زيدا أن يضرب ، وساعدت عمرا أنّه مظلوم ، وقس على ذلك ، وتقديرا نحو : إيّاك أن تحذف ، أي بعّد نفسك من أن تحذف.

يشترط في حذف الجارّ مع أن وأنّ تعيينه لأمن اللبس : تنبيهات : الأوّل : اشترط ابن مالك في حذف الجارّ مع «أن وأنّ» تعيين الجارّ ليؤمن اللبس ، فلا يقال : رغبت أن تفعل ، إذا لا يدري هل التقدير في أن تفعل ، أو عن أن تفعل ، واستشكله ابن هشام في الأوضح بقوله تعالى : (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَ) [النساء / ١٢٧] بحذف الجارّ ، مع أنّ المفسّرين اختلفوا في المراد ، وأجاب في المغني بأنّه أنّما حذف الجارّ للقرينة المعيّنة ، وإنّما اختلف العلماء في المقدّر من الحرفين في الآية لاختلافهم في سبب نزولها ، فالاختلاف في الحقيقة في القرينة ، انتهى.

٣٠٢

وأجاب المراديّ بذلك ، وبأنّه أراد الإبهام ليرتدع من يرغب فيهنّ لجمالهنّ ومالهنّ ، ومن يرغب عنهنّ لدمامتهنّ وفقرهنّ ، واستحسنه بعضهم ، قال : لأنّ من شرط أمن اللبس ، يقول : إذا خيف اللبس ، لم يجز الحذف ، وعند إرادة الإبهام لا يخاف اللبس ، فيجوز الحذف لأجلها ، انتهى.

وممّا يحتملها قول الشاعر [من الطويل] :

٢٤٤ ـ ويرغب أن يبني المعالى خالد

ويرغب أن يرضى صنيع الألائم (١)

أنشده ابن السّيّد ، فإن قدّر في أولا وعن ثانيا فمدح ، وإن عكس فذمّ ، فلا يجوز أن يقدّر فيهما معا في أو عن للتناقض.

الثاني : ما ذهب إليه المصنّف من كون محلّ أن وأنّ وصلتهما بعد نزع الخافض نصب هو مذهب الخليل وأكثر النّحويّين ، حملا على الغالب فيما ظهر فيه الإعراب بما نزع منه الخافض ، وجوّز سيبويه أن يكون المحلّ جرّا ، فقال : بعد ما حكى قول الخليل : ولو قال إنسان إنّه جرّ لكان قولا قويّا ، وله نظائر نحو قولهم : لاه أبوك.

ومن صنع سيبويه هذا نشأ قول ثالث وهو أنّه محتمل للأمرين ، وأمّا نقل جماعة منهم ابن مالك وصاحب البسيط أنّ الخليل يرى أنّ الموضع جرّ ، وأنّ سيبويه يرى أنّه نصب فسهو ، كما قاله ابن هشام في المغني ، ورجّح الرضيّ كونه نصبا بضعف حرف الجرّ عن أن يعمل مضمرا ، ولهذا شذّ نحو : الله لأفعلنّ ونحو قول روبة خير عافاك الله ، وقوله [من الطويل] :

٢٤٥ ـ ...

أشارت كليب بالأكفّ الأصابع (٢)

وقال ابن هشام : وممّا يشهد لمدّعي الجرّ : (وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً) [الجن / ١٨] ، (وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) [المؤمنون / ٥٢] ، أصله لا تدعوا مع الله أحدا ، لأنّ المساجد لله ، وفاتّقون ، لأنّ هذه أمّتكم أمّة واحدة ، ولا يجوز تقديم منصوب الفعل عليه ، إذا كان أن وصلتها ، لا تقول إنّك فاضل عرفت ، وقوله [من الطويل] :

٢٤٦ ـ وما زرت ليلى أن تكون حبيبة

إلى ولا دين بها أنا طالبه (٣)

__________________

(١) لم يسمّ قائله. اللغة : المعإلى جمع معلاة وهي كسب الشرف ، الألائم : جمع ألأم : الدنيّ الشحيح.

(٢) البيت للفرزدق وصدره. «إذا قيل : أيّ الناس شرّ قبيلة» ، اللغة : الأكف : جمع الكفّ ، أي : الراحة مع الأصابع. الأصابع : جمع الإصبع ، أي : أحد أطراف الكفّ أو القدم.

(٣) هو من قصيده للفرزدق. اللغة : الدين : القرض.

٣٠٣

رووه بخفض دين عطفا على محلّ أن تكون ، إذ أصله لأن تكون ، وقد يجاب بأنّه عطف على توهّم دخول اللام ، وقد يعترض بأنّ الحمل على العطف على المحلّ أظهر من المحلّ على العطف على التوهّم ، ويجاب بأنّ القواعد لا تثبت بالمحتملات ، انتهى.

حكم كي حكم أن وأنّ في جواز حذف الجرّ معها قياسا : الثالث : قال ابن هشام : أهمل النّحويّون ذكر كي هنا مع تجويزهم في نحو : جئت كي تكرمني ، أن تكون كي مصدريّة ، واللام مقدّرة قبلها ، والمعنى لكي تكرمني ، وأجازوا كونها تعليليّة ، وأن مضمرة بعدها ، ولا يحذف معها إلا لام العلّة ، لأنّه لا يدخل عليها جارّ غيرها ، انتهى. وقد أثبتها هو في الأوضح والجامع (١).

«وسماعيّ في غير ذلك» أي في غير أن وأنّ ، وأن لا يتجاوز به حدّ السّماع ، وهو إمّا شذوذا كقوله [من الوافر] :

٢٤٧ ـ تمرّون الديار ولم تعوجوا

كلامكم عليّ إذا حرام (٢)

أي بالديار أو على الديار ، والأوّل أولى لكثرته وقوله [من الطويل] :

٢٤٨ ـ تحنّ فتبدي ما بها من صبابة

وأخفى الّذي لو لا الأسى لقضاني (٣)

أي لقضا على ، وقوله تعالى : (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) [الأعراف / ١٦] ، (وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ) [البقرة / ٢٣٥] ، و (أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ) [البقرة / ٢٣٣].

قال الرضيّ : والأولى في مثله أن يقال ضمّن اللازم معنى المعتدّي ، أي يجوزون الديار ، وأخفى الّذي لو لا الأسى لأهلكني ، ولألزمنّ صراطك ، ولا تنووا عقدة النكاح ، وترضعوا أولادكم ، حتى لا يحمل على الشذوذ ، كما يضمن الفعل معنى غيره ، فيعدّي تعدية ما ضمّن معناه ، نحو قوله تعالى : (يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) [النور / ٦٣] أي يعدلون عن أمره ، انتهى.

وقال المصنّف في شرح الأربعين : التضمين أولى من الحمل على النصب بترع الخافض ، فإنّ التضمين أكثر ورودا في اللغة وأدقّ مسلكا ، انتهى.

ولكثرة الاستعمال «نحو : ذهبت الشام» أي إلى الشام ، لأنّهم كانوا ينتجعونها كثيرا ، فيحتاجون إلى الإخبار عن ذهابهم إليها غالبا ، فحذفوا الجارّ تخفيفا ، وذهب

__________________

(١) يعني في «أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك والجامع الكبير ، وقد تقدم ذكرهما.

(٢) البيت لجرير بن عطية. اللغة : لم تعرجوا : لم ترجعوا إليها.

(٣) هو لعروة بن حزام. اللغة : تحنّ : تشتاق : تبدي : تظهر ، الصبابة : رقّة الشوق وحرارته ، الأسي جمع أسوة : القدوة.

٣٠٤

سيبويه وجماعة إلى أنّه منصوب على الظرفيّة تشبيها لها بغير المختصّ من أسماء المكان ودعوى الرضيّ الاتّفاق على ذلك باطلة.

تنبيهات : الأوّل : من السماعيّ المنصوب الثاني من باب اختار بتقدير حرف الجرّ ، والحدّ غير شامل له كما قدّمنا ، ونعني بباب اختار كلّ فعل متعدّ إلى اثنين ، أحدهما بنفسه ، والأخر بالجارّ ، ك اختار نحو قوله تعالى : (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً) [الأعراف / ١٥٥] ، أي من قوله ، وأمر نحو قومه : أمرتك الخير فافعل ما أمرت له ، وقد جمع فيه بين الاستعمالين ، ونهي نحو نهيت زيدا القبيح ، أي عن القبيح. واستغفر كقوله [من البسيط] :

٢٤٩ ـ أستغفر الله ذنبا لست محصيه

ربّ العباد إليه الوجه والعمل (١)

وقال ابن الطراوة والسهيليّ : إنّ الوجه في استغفر أن يتعدّي إلى الثاني بنفسه ، وتعديته بمن أنّما هو لتضمّنه معنى استنبت ، ووافقهما ابن هشام في المغني.

وكني نحو كنيته أبا عبد الله ، أي بأبي عبد الله. وسمّي كقوله [من الطويل] :

٢٥٠ ـ سمّيته يحيى ليحيا فلم يكن

لأمر قضاه الله في النّاس من بدّ (٢)

أي بيحيي ، ودعا بمعنى سمّي كقوله [من الطويل] :

٢٥١ ـ دعتني أخاها أمّ عمرو ولم أكن

أخاها ولم أرضع لها بلبان (٣)

أي بأخيها. وصدق بالتخفيف كقوله تعالى : (صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ) [آل عمران / ١٥٢] ، أي في وعده. وزوّج كقوله تعالى : (زَوَّجْناكَها) [الأحزاب / ٣٧] ، أي بها ، (وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) [الدخان / ٥٤] ، وقد جمع بعض المغاربة هذه الأفعال ، فقال [من الطويل] :

٢٥٢ ـ أشع حذف حرف الجرّ وانصب محلّه

لدي اختار استغفار صدق إذ دعا

وسمّ وكنّ مرّة زوّجه زينبا

حكاه أبو حيّان للخير قد دعا

وزاد بعضهم كال ووزن ، تقول : كلت زيدا طعامه ، وكلت لزيد طعامه ، ووزنت زيدا ماله ، ووزنت لزيد ماله ، وزيد غير ذلك ، وفي كلام بعضهم ما يوهم أنّ هذه الأفعال كلّها تتعدّى إلى الثاني تارة بأنفسها وتارة بحرف الجرّ ، فلا يكون حينئذ من المنصوب بترع الخافض ، والأوّل هو المشهور الّذي عليه الجمهور ، بل ينبغي حمل ما أوهم خلافه عليه كما فعل بعض المحقّقين.

__________________

(١) لم يسّم قائله. اللغة : المحصي : اسم الفاعل من الإحصاء بمعنى الحفظ والعدّ.

(٢) هذا البيت لم ينسب إلى قائل معين. اللغة : ليحيى : أراد لتطول به الحياة ، لأمر قضاه الله : أراد به الموت.

(٣) هذا الشاهد من كلام عبد الرحمن بن الحكم : اللغة : اللّبان : الصدر ، وقيل : وسطه ، وقيل ما بين الثديين.

٣٠٥

الثاني : اختلف في المنصوب بنصحت وشكرت في قولنا : نصحته وشكرته ، هل هو منصوب بترع الخافض ، أو على المفعول به على الأصل ، وهذا الخلاف مبنيّ على الخلاف في أنّ هذين الفعلين هل الأصل فيهما التعدّي بالحرف ، وكثر فيه الأصل والفرع ، كما في باب اختار ، أم هما من المتعدّي تارة بنفسه وتارة بالحرف ، وليس أحد الاستعمالين مستندرا فيه ، فهو قسم برأسه ، يقال له متعدّ بوجهين ومتعدّ ولازم ، فعلى الأوّل من أنّ الأصل فيهما التقدير بالحرف يكون من المنصوب بترع الخافض ، وعلى الثاني يكون مفعولا به على الأصل ، لأنّ الفعل ليس لازما.

وذهب الرضيّ والسعد التفتازانيّ إلى أنّ الأصل في هذا القسم أن يكون متعدّيا بنفسه ، وحرف الجرّ زائد. قالا : لأنّ الحرف مع الكلمة كهو مع عدمه والتعدّي واللزوم بحسب المعنى لكن لقائل أن يقول : إذا كان اتّحاد المعنى مع تساوي الاستعمإلين يوجب اتحاد الوصف من التعدّي واللزوم ، فليس كونه متعدّيا والحرف زائد بأولى من كونه لازما ، والحرف محذوف توسّعا ، بل قد يترجّح هذا بأنّ دعوى الحذف أولى من دعوى الزيادة ، ومن هنا يظهر ترجيح قول الجمهور في التنبيه الأوّل.

الثالث : ذهب الأخفش الأصغر (١) إلى أنّ حذف الجارّ مع غير أن وأنّ قياسيّ أيضا إذا تعيّن الجارّ ، تقول : بريت القلم السكين ، أي بالسكين ، فحذف الجارّ لتعيّنه ، كذا نقل عنه ابن مالك في التسهيل ، والرضيّ في شرح حاجبية وغيرهما. وقال أبو حيّان : والّذي أورده أصحابنا عن الأخفش إنّما هو في المعتدّي لاثنين أحدهما بحرف الجرّ ، فأجاز : بريت القلم السكين أي بالسكين قياسا على ما سمع من قولهم : أمرتك الخير أي بالخير ، انتهى.

فإن لم يتعيّن الحرف لم يجز نحو : رغبت الأمر ، وكذا إن لم يتعيّن موضع الحرف ، فلا يقال : اخترت إخوتك الزيدين ، إذ لا يدرى هل المختار من الزيدين أو من الإخوة ، وفي شرح المقرّب لابن العصفور أنّ أبا الحسين بن الطراوة ذهب إلى مثل ذلك.

__________________

(١) هو أبو الحسن على بن سليمان أخذ عن المبرّد وثعلب ، له مصنفات منها ، كتاب «الثنية والجمع» توفّي ببغداد سنة ٣١٥ ه‍ ق ، نشأة النحو. ص ١٠٤.

٣٠٦

الحال

ص : السابع الحال ، وهي الصّفة المبيّنة للهيئة غير نعت ، ويشترط تنكيرها ، والأغلب كونها منتقلة مشتقّة مقارنة لعاملها ، وقد تكون ثابتة وجامدة ومقدّرة. والأصل تأخّرها عن صاحبها ، ويجب إن كان مجرورا ، ويمتنع إن كان نكرة محضة ، وهو قليل ، ويجب تقدّمها على العامل إن كان لها الصّدر ، نحو : كيف جاء زيد ، ولا تجيء عن المضاف إليه ، إلا إذا صحّ قيامه مقام المضاف ، نحو : (فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً.)

أو كان المضاف بعضه ، نحو : أعجبتني وجه هند راكبة ، أو كان عاملا في الحال ، نحو : أعجبني ذهابك مسرعا.

ش : «السّابع» ممّا يرد منصوبا لا غير «الحال» ، تذكّر وتؤنّث ، وهو الأفصح ، يقال : حال حسن وحال حسنة ، وقد يؤنّث لفظها ، فيقال : حالة ، قال [الطويل] :

٢٥٣ ـ على حالة لو أنّ في القوم حاتما

على جوده لضنّ بالماء حاتم (١)

وقال ابن هشام في شرح «بانت سعاد» : ولم يجعل الجوهريّ الحال والحالة بمعنى واحد ، بل جعلها من باب تمر وتمرة ، وهو غريب ، انتهى.

«وهي» لغة التغيير ، وسمّي به هذا النوع لتغييره غالبا ، واصطلاحا «الصفة المبيّنة للهيئة» حال كون الصفة «غير نعت» والهيئة وتكسر حال الشيء وكيفيّته ، كذا في القاموس ، والمراد به هنا الحالة أعمّ من أن تكون محقّقة أو مقدّرة ، وتسمّى الأولى حالا محقّقة ، والثانية حالا مقدّرة.

وهي أيضا أعمّ من أن تكون حال نفس صاحبها أو حال متعلّقه ، نحو : جاء زيد قائما أبوه ، لكنّه يشكل بجاء زيد والشمس طالعة ، إلا أن يقال : الجملة الحالية تتضمّن بيان هيئة لصاحبها ، أي مقارنا لطلوع الشمس ، وأيضا هي أعمّ من أن تدوم لصاحبها ، أو تكون كالدائم ، لكونه موصوفا بها غالبا ، وتسمّى دائمة بخلاف تلك ، ومن الأوّل المؤكّدة ، وأعمّ من أن تكون محقّقة أو مقدّرة ، فلا تشكل بنحو : (فَادْخُلُوها خالِدِينَ) [الزمر / ٧٣] ، فإنّ دخول الجنّة ليس في حال خلودهم ، بل حال تقدير الخلود بهم ، وتسمّى حالا مقدّرة ، قاله بعض المحقّقين.

وفي حاشية التسهيل (٢) لابن هشام ، المراد بالهيئة الصورة والحالة المحسوسة المشاهدة ،

__________________

(١) البيت للفرزدق يفتر بإيثاره بالماء غيره. اللغة : ضنّ به : بخل.

(٢) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد في النحو لابن مالك. ومن شراحه ابن هشام. كشف الظنون ١ / ٤٠٥.

٣٠٧

كما هو المتبادر ، وحينئذ يخرج مثل تكلّم زيد صادقا ، ومات مسلما ، وعاش كافرا ، وإن أرادوا الصفة ، فالتعبير بها أوضح ، لكن يخرج عنه مثل : جاء زيد والشمس طالعة ، وجاء زيد وعمرو جالس ، انتهى.

وقد ظهر من النقل المتقدّم أنّ المراد هذا المعنى ، وأنّه لا خروج لما ذكره ، والمراد بالصفة حقيقة أو حكما ، فيشمل الحال الّتي هي جملة ، لتأوّلها بالصفة ، وكذا الجامدة المؤوّلة بها ، وأمّا غير المؤوّلة ففي ثبوتها خلاف ، ولعلّه لم يلتفت إليها لشذوذها ، وبتصدير الحدّ بها لم يدخل نحو : القهقري في : رجع القهقرى.

وقوله «المبيّنة للهيئة» مخرج للتمييز في نحو : لله درّه فارسا ، فإنّه مبيّن للذات ، وقوله «غير نعت» مخرج للنعت في نحو : رأيت رجلا ضاحكا ، فإنّ ضاحكا صفة مبيّنة للهيئة ، لكنّه نعت ، ويتّجه على هذا الحدّ النقض بالخبر في نحو : زيد ضاحك ، فإنّ ضاحك صفة مبيّنة للهيئة غير نعت وليس حالا.

تنبيهان : الأوّل : الهيئة المذكورة قد تكون للفاعل لفظا ، نحو : جئت راكبا ، ومعنى كما في قوله [من البسيط] :

٢٥٤ ـ كأنّه خارجا من جنب صفحته

 ... (١)

أي يشبهه لا أشبهه ، لأنّ المشابهة مقيّدة بحال الخروج وللمفعول لفظا ، نحو : ركبت الفرس مسرّجا ، ومعنى ، كقوله تعالى : (هذا بَعْلِي شَيْخاً) [هود / ٧٣] ، فإنّ بعلى خبر المبتدأ ، وهو في المعنى مفعول به لمدلول هذا ، أي أنبّه ، أو أشير ، ولهما معا ، نحو : لقيته راكبين ، وقد قيّد في الكافية المفعول بقوله به ، ولم يقيّده بعضهم ، قيل : ليدخل فيه ضربت زيدا الضرب شديدا ، فإنّ شديدا (٢) حال من الضرب ، وهو مفعول مطلق لا مفعول به.

قال الدمامينيّ في المنهل : وقد يقال : إنّما جاءت الحال نظرا إلى كونه مفعولا به في المعنى ، إذ ضربت زيدا الضرب ، بمعنى أوقعت بزيد الضرب ، قال : هذا ، وأنا لا أري وجها لتخصيص المفعول به من بين سائر المفاعيل لجواز وقوع الحال منه ، إذ لا يمتنع أن يقال : يستوي الماء والخشبة طويلة ، ولا سرت والنيل آخذا في زيادة الفيض ، ولا جئت يوم الجمعة حارّا شديدا الحرّ ، والوقوف عند ما في الكافيّة جمود لا طائل تحته ، انتهى.

__________________

(١) تمامه «سفود شرب نسوه عند مفتأد» ، وهو للنابغة الذبياني. اللغة : السفود : هي الحديدة الّتي يشوى بها الكباب ، الشّرب : جمع شارب ، المفتأد : موضع النار الّذي يشوى فيه.

(٢) فإنّ شديدا سقط في «ح».

٣٠٨

وقال بعض المحقّقين من شرّاح الكافية : هل يجب أن يكون ذو الحال من المفاعيل مفعولا به ، حتى يحوج إلى جعل ضربت الضرب شديدا في تأويل أحدثت الضرب شديدا ، وجئت وزيدا راكبين في معنى جاء زيد راكبا ، أو يعمّ كلّ مفعول كما هو مقتضي إطلاقه في عبارة جار الله (١) وصاحب اللباب (٢) ، إلى كلّ ذهبت طائفة ، والأعمّ هو الأتمّ ، انتهى.

وقد يناقش في شمول التعبير بالمفعول من غير قيد لكلّ من المفاعيل بما أسلفناه في بحث المفعول به ، وذهب سيبويه إلى أنّ الهيئة قد تكون للمبتدإ أيضا ، وصحّحه ابن مالك ، ومنعه الجمهور ، وهو الأصحّ.

ممّا يشكل قولهم : جاء زيد والشمس طالعة : الثاني : قال ابن هشام في المغني ممّا يشكل قولهم في نحو : جاء زيد والشمس طالعة ، أنّ الجملة الاسميّة حال مع أنّها لا تنحل إلى مفرد ، ولا تبيّن هيئة فاعل ولا مفعول ، ولا هي مؤكّدة ، فقال ابن جنيّ : تأويلها : جاء زيد طالعة الشمس عند مجيئه ، يعني فهي كالحال والنعت السببين ، نحو : مررت بالدار قائما سكانّها وبرجل قائم غلمانه ، وقال ابن عمرون : هي مؤوّلة بقولك : مبكّرا أو نحوه ، وقال صدر الأفاضل : الجملة مفعول معه ، وأثبت وقوع المفعول معه جملة ، انتهى (٣).

و «يشترط تنكيرها» أي الحال ، لئلّا تلبس بالصفة في النصب أو عند عدم ظهور إعرابها ، وطردا للباب في غير ذلك ، ولأنّ النكرة أصل ، والمقصود يحصل بها ، والتعريف زائد على المقصود ، وما ورد منها بلفظ المعرفة أوّل بنكرة ، نحو : اجتهد وحدك ، أي منفردا. وادخلوا الأوّل فالأوّل أي مرتّبين ، و [قول الشاعر من الوافر] :

٢٥٥ ـ فأرسلها العراك ...

 ... (٤)

أي معتركة ، جاؤوا الجماء الغفير ، أي جميعا.

هذا مذهب الجمهور ، وأجاز يونس والبغداديّون تعريفها قياسا على الخبر على ما سمع منها معرفة ، وأجازه الكوفيّون ، إن كان فيها معنى الشرط ، نحو : عبد الله المحسن أفضل منه المسئ ، فالمحسن والمسئ حالان ، إذ التقدير : عبد الله إذا أحسن أفضل منه إذا

__________________

(١) جار الله هو أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري.

(٢) اللباب إما اللباب في علل البناء والإعراب في النحو لأبي البقاء ، وأمّا اللباب في النحو للعلامة الفاضل الإسفرايني المتوفى سنة ٦٨٤. كشف الظنون ٢ / ١٥٤٣.

(٣) مغني اللبيت ص ٦٠٦. يمكن القول : في هذه الجملة ومثلها إنّ الحال تنحل إلى مفرد ، مثلا هنا يمكن القول : جاء زيد متأخّرا ، إذا كان قصدنا أنّه جاء في حالة التأخير ، ومثل ذلك على حسب المعنى المراد.

(٤) تقدّم ذكره في الصفحة ٩٧.

٣٠٩

أساء ، فإن لم يتقدّر بالشرط لم يصحّ ، فلا يقال عندهم : جاء عبد الله المحسن ، إذ لا يصحّ جاء عبد الله إن أحسن.

«والأغلب كونها منتقّلة» أي غير لازمة ، لأنّها مأخوذة من التحوّل أو هو التنقّل ، كجاء زيد راكبا ، فالركوب غير لازم لزيد (١). «مشتقّة» أي مصوغة من مصدر للدلالة على متّصف بها ، لأنّها لا بدّ أن تدلّ على حدث وصاحبه ، وإلا لم تفد بيان هيئة ما هي له ، والأكثر فيما يدلّ على ذلك أن يكون مشتقّا كما مرّ ، «مقارنة» في الزمن لعاملها بأن يكون حصول مضمونها في وقت حصول مضمونه من الحدث الّذي جئ بها لتفييده ، فإن كان مضمون العامل ماضيا كان الحال ، أي مضمونها ماضيا كان أو حالا أو مستقبلا فكذلك ، نحو قوله تعالى (هذا بَعْلِي شَيْخاً) [هود / ٧٣] ، فإنّ الإشارة المقيّدة بوقت مضمون الحال لم تقع إلى البعل إلا في حال شيخوخته ، فالحال المذكورة بمعنى الحال ، أي حصولها في حال حصول عاملها ، وهو المراد بالمقارنة.

الحال الثابتة : «وقد تكون» أي تكون بقلّة ، فإنّ قد إذا دخلت على الفعل المضارع في كلام المصنّفين لم تكن إلا للتقليل ، قاله ابن هشام في التوضيح ، لكن وقع للمصنّف في غيره موضع من هذا الكتاب أنّه استعملها لمجرّد التحقيق ، فليتنبه له. «ثابتة» أي لازمة غير منتقلة ، وذلك في ثلاث مسائل :

إحداها : أن تكون مؤكّدة ، نحو : زيد أبوك عطوفا ، و (وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) [مريم / ٣٣] ، و (لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً) [يونس / ٩٩] ، فإنّ الأبوة من شأنها العطف ، والبعث من لازم الحياة ، والعموم من مقتضياته الجميعة.

الثانية : أن يدلّ عاملها على تجدّد ذات صاحبها ، نحو : خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها ، فالزرافة مفعول خلق ، ويديها بدل بعض من كلّ وأطول حال من يديها ملازمة ، ومن رجليها متعلّق بأطول.

والزّرافة بفتح الزاء وضمّها ، ذكره الجوهريّ ، وفي القاموس الزرافة كسحابة ، وقد يشدّد فاءها : الجماعة من الناس ، أو العشرة منهم ، ودابّة فارسيتها : اشتر گاو پلنگ ، لأنّ فيها مشابة (٢) بالبعير والبقر والنمر من «زرّف» في الكلام ، زاد لطول عنقها زيادة على المعتاد ، ويضمّ أوّلها في اللغتين ، جمعها زرافيّ (٣) ، انتهى.

__________________

(١) سقطت هذه الفقره في «س».

(٢) في جميع النسخ شبها ولكن في القاموس المحيط مشابة.

(٣) جميعها زرافي «ح».

٣١٠

قال أبو البقاء : وبعضهم يقول يداها أطول ، بالرفع ، فيداها مبتدأ ، وأطول خبره ، والجملة حالية ، انتهى.

قال في التصريح : ولا تتعيّن الحالية لجواز الوصفية ، لأنّ الزرافة [معرفة] بأل الجنسية (١) ، انتهى. وفيه أنّه يشترط لوصف المعرّف بأل الجنسية بالجملة أن تكون مبدوّة بفعل ، نصّ عليه الرضيّ وغيره.

الثالثة : أن يكون مرجعها إلى السماع ، نحو : (أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً) [الأنعام / ١١٤] ، وقال ابن هشام في الأوضح : ووهم ابن الناظم ، فمثّل بمفصّلا في الآية للحال الّتي تجدّد صاحبها ، وقال في المغني : هذا سهو ، لأنّ القرآن قديم. وقال الدمامينيّ في شرحه : السهو من المصنّف ، فإنّ الإنزال يقتضي الانتقال ، والقديم لا يقبله ، انتهى.

الحال الجامدة : و «جامدة» وهي على ضربين : مؤوّلة بالمشتق وغير مؤوّلة ، فالأولى في ثلاثة مسائل :

أحدها : أن يقصد فيها التشبيه ، كقول أبي طيب [من الوافر] :

٢٥٦ ـ بدت قمرا ومالت خوط بان

وفاحت عنبرا ورنت غزالا (٢)

أي مضيئة ومعتدلا ونحو ذلك ، لأنّهم يجعلون ما اشتهر بمعنى كالوصف المفيد لذلك المعنى كقولهم : لكل فرعون موسى ، أي لكلّ جبّار قهّار ، ولك أن تجعله على حذف مضاف أي مثل قمر ومثل خوط بان كما يرشد إليه قول ألفية [من الرجز] :

٢٥٧ ـ ...

وكرّ زيد أسدا أي كأسد (٣)

أي مثل أسد ، وبه صرّح في التسهيل ، فقال : أو تقدير مضاف قبله ، قال في التصريح : وهو أصرح في الدلالة على التشبيه ، لأنّها إذا أوّلت بالمشتقّ خفي فيها الدلالة على التشبيه.

الثانية : أن تدلّ على مفاعلة ، نحو : بعته يدا بيد ، أي متقابضين ، ومعناه الحقيقيّ غير مراد ، وكلّمته فاه إلى فيّ ، أي متشافهين ، وذهب الكوفيّون إلى أنّ أصله جاعلا فاه إلى فيّ ، فهو مفعول به ، وردّه السيرافيّ بامتناع كلّمته وجهه إلى وجهي ، وعينه إلى عيني ، ولو كان على الإضمار ، لم يمتنع ، وذهب الأخفش إلى أنّ أصله كلّمته من فيه

__________________

(١) المعرّف بأل الجنسيّة نكرة معنى ، معرفة لفظا ، وتجرى عليه أحكام المعارف كصحّة الابتداء به ومجئ الحال منه. إميل بديع يعقوب ، موسوعة النحو والصرف والإعراب ، لاط ، عترت قم ، ١٤٢٥ ه‍ ق. ص ١٣٢.

(٢) البيت لأبي الطيب المبتني (٩٢٥ ـ ٩٦٥ ه‍ ق) من كبار شعراء العرب في العصر العباسي. اللغة : الخوط : الغصن الناعم ، البان : ضرب من الشجر ، سبط القوام ، ليّن ، ورقه كورق الصفصاف ، رنت : من رنا ـ : أدام النظر في سكون الطرف ، فاحت : انتشرت رائحته.

(٣) تمامه «كبعه مدّا بكذا يدا بيد» ألفية ابن مالك ص ٣٢.

٣١١

إلى فيّ ، فحذف حرف الجرّ ، فانتصب ما كان مجرورا به على نزع الخافض ، وردّه المبرّد بأنّ تقديره لا يعقل ، إذ الإنسان لا يتكلّم من في غيره ، وأجاب أبو على بأنّه أنّما يقال : ذلك في معنى كلّمني وكلّمته ، فهو من المفاعلة ، والأوّل هو مذهب سيبويه ، وجرى عليه ابن مالك في التسهيل ، قال : وجعل فاه حالا من كلمتّه فاه إلى فيّ أولى من أن يكون أصله جاعلا فاه إلى فيّ ، أو من فيه إلى فيّ ، انتهى.

قال شيخ شيوخنا الحرفوشيّ ، برّد الله مضجعه ، أنّ الأصل في هذه الأمثلة أن يكون المنصوب منها مرفوعا على الابتداء إمّا على اعتبار مضاف كما في بعته يدا بيد ، أي ذو يد بذي يد ، أو بدونه ، كما في غيره ، ثمّ لمّا كان فوه إلى فيّ وقبضتهم بقبضتهم وذو يد بذي يد ونحوها في معنى متشافهين وكافّة ومتقابضين انمحي عنها معنى الكلام والجملة حين قامت مقام المفردات وأدّت معانيها أعرب ما قبل الإعراب منها ، وهو الجزء الأوّل إعراب المفرد الّذي قامت مقامه ، فافهمه ، انتهى.

قال في التصريح : وهذا المثال لا يقاس عليه ، لأنّ فيه إيقاع جامد موقع مشتقّ ، ومعرفة موقع النكرة ، ومركّب موقع مفرد ، والوارد منه قليل ، انتهى.

الثالث : أن تدلّ على ترتيب ، نحو : ادخلوا رجلا رجلا أي مترتّبين ، على هذا النمط ، وعلّمته بابا بابا أي مفصّلا ، قال الرضيّ : وضابط هذا أن يأتي التفصيل بعد ذكر المجموع بجزئيه مكرّرا ، انتهى.

واختلف في نصب الجزء الثاني ، فذهب الزجّاج إلى أنّه توكيد ، والحال هو الأوّل ، وردّ بأنّه لو كان كذلك لأدّي ما أدّي الأوّل ، وذهب ابن جنيّ إلى أنّه صفة للأوّل ، يريد أنّه على حذف مضاف ، فقدّره بعضهم بقبل ، أي بابا قبل باب ، وهذا لا يشمل الباب الآخر ، وقدّره بعضهم ببعد ، أي بابا بعد باب ، وهذا لا يشمل الباب الأوّل ، والمقصود دخول الأبواب كلّها.

قال الدمامينيّ : وقدر يقدّر بمفارق ، أي بابا مفارق باب بمعنى أنّه منفصل عنه غير مختلط به ، بل كلّ باب على حدّه ، وعلى هذا لا يخرج شيء من الابواب ، وذهب الفارسيّ إلى أنّه منصوب بالأوّل ، لأنّه لمّا وقع موقع الحال جاز أن يعمل. قال أبو حيّان :

والمختار أنّه وما قبله منصوبان بالعامل الأوّل ، لأنّ مجموعهما هم الحال ، ونظيره في الخبر هذا حلو حامض ، قال : ولو ذهب ذاهب إلى أنّ النصب إنّما هو بالعطف على تقدير حذف الفاء أي رجلا فرجلا لكان وجها حسنا عاريا عن التكلّف ، لأنّ المعنى أدخلوا رجلا بعد رجل.

٣١٢

قال [السيوطي] في الهمع : وهذا هو المختار عندي لظهورها في بعض التراكيب كحديث : لتتبعنّ سنن الّذين من قبلكم باعا فباعا (١) ، وجزم بما قاله أوّلا بعض المحقّقين ، ويراد أنّ المجموع يستحقّ إعرابا واحدا ، إلا أنّه لمّا تعدّد ذلك المستحقّ مع صلاحية كلّ واحد للإعراب أجرى عليها إعراب الكلّ دفعا للتحكّم ، انتهى.

وقال ابن أمّ قاسم في شرح التسهيل ، ونصّ أبو الحسن على أنّه لا يجوز أن يدخل حرف العطف في شيء من هذه المكرّرات إلا الفاء ، قال الرضيّ : أو ثمّ ، نحو : مضوا كبكبة (٢) ثمّ كبكبة (٣). قال أبو حيّان : والتكرار في مثل هذا لا يدلّ على أنّه أريد به شفع الواحد بل الاستغراق لجميع الرّجال والأبواب ونحو ذلك ، انتهى.

قلت : ومنه قوله تعالى : (كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا* وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا)(٤) [الفجر / ٢٢ و ٢١] ، وليس المكرّر فيهما توكيدا خلافا لكثير من النّحويّين ، ومن المكرّر لقصد الاستغراق قول العلماء : كلّ فرد فرد ، وكلّ واحد واحد ، والمختار في الجزء الثاني ما اختاره أبو حيّان في النصب.

الحال الموطئة : الثانية [جامدة غير مؤولة بالمشتقّ] في سبع مسائل ، وهي أن تكون موصوفة بمبيّن الهيئة ، نحو : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا) [يوسف / ٢] ، (فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا) [مريم / ١٧] ، وتسمّى حالا موطئة. قال الدمامينيّ : وأكثر الجماعة يقولون : موطّئة ، بكسر الطاء على أنّه اسم فاعل ، لأنّ الحال وهي الاسم الجامد ، وطّأت أي مهّدت الطريق لما هو حال في الحقيقة من الوصف الواقع بعدها وفي اللباب موطّأة بصيغة اسم المفعول ، قال شارحه صاحب العباب (٥) سمّيت الموطاة ، لأنّ ذلك الجامد وطّأ الطريق لما هو حال في الحقيقة ، وهذا إنّما يقتضي كونها موطئة ، لأنّ الجامد هو الحال ، وقد جعل موطئة لطريق حالية الوصف الواقع بعده ، انتهى.

__________________

(١) ويروى سنن من كان قبلكم. القزويني ، سنن ابن ماجه ، الطيعة الأولى ، بيروت ، دار الفكر ، ١٤٢١ ه‍ ق. ص ٩٠٥ رقم ٣٩٩٤.

(٢) الكبكبة : الجماعة من الناس المتضّام بعضها إلى بعض.

(٣) حذف ثمّ كبكبة في «ط».

(٤) في الآية الأولى يبدو أنّه من الأفضل أن نعتبر دكّا الأوّل مفعولا مطلقا ، لأنّه من لفظ دكّت والثاني توكيدا. وفي الثانية من بين الوجوه الإعرابية المذكورة أحسن وجه هو أن نقول : صفا صفا ، ومثل ذلك ، كلاهما حال ، والحال هنا جاءت للتفصيل ، بعد ذكر المجموع ، والتكرار للدلالة على الاستيعاب.

(٥) العباب الزاخر ، في اللغة في عشرين مجلّدا للامام حسن ابن محمد الصغائي مات سنة ٦٥٠ ه‍ ق. المصدر السابق ، ٢ / ١١٢٢.

٣١٣

وفي شرح الباب للزورني (١) ما نصّه ، وفي بعض الحواشي معنى الموطئة أن تأتي الحال المشتقّة بعد اسم جامد ينتصب ذلك الاسم انتصابها ، وتجري هي عليه صفته ، وهي المقصود ، قال : فقوله : أن تاتي الحال المشتقّة بعد اسم جامد يقتضي أن يقال الموطّأة ، على لفظ اسم المفعول ، انتهى.

قال بعض المحقّقين : والقول بالحال الموطّئة إنّما يحسن إذا اشترط الاشتقاق ، وأما إذا لم يشترط ، فينبغي أن يقال في نحو : جاءني زيد رجلا بهيّا إنّما حالان مترادفان ، انتهى.

أو دالّة على سعر ، نحو : بعت الشاة شاة بدرهم ، واشتريت البرّ قفيزين (٢) بدرهم ، أي مقسّطا هذا التقسيط. أو عددا : نحو : (فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) [الأعراف / ١٤٢] ، و (فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ) [النساء / ٨٨]. أو طورا بفتح الطاء المهملة وسكون الواو ، أي حال واقع فيه تفضيل بالضاد المعجمة ، نحو : هذا بسرا (٣) أطيب منه رطبا.

أو يكون نوعا لصاحبها ، نحو : هذا مالك ذهبا ، وهذا تمرك شهريزا ، بشين مضمومة أو مكسورة مع الإعجام ، ضرب من التمر ، إن شيءت أضفت أو اتبعت مثل ثوب خزّ أو ثوب خز. أو فرعا له ، نحو : هذا حديدك خاتما ، و (تَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً) [الأعراف / ٧٤] ، وما وقع في غالب نسخ الأوضح لإبن هشام من التمثيل يتنحّتون من الجبال بيوتا فسهو ، فإنّ بيوتا على هذا مفعول به ، لا حال ، نبّه عليه مالكيّ في حاشيته.

أو أصلا له ، نحو : هذا خاتمك حديدا ، وهذا جبّتك خزا ، و (أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً) [الإسراء / ٦١].

قال ابن هشام في الأوضح : وإنّما قلنا بالتأويل في الثلاث الأوّل ، لأنّ اللفظ فيها مراد به غير معناه الحقيقيّ ، فالتأويل فيها واجب. قال : وزعم بدر الدين بن مالك أنّ الجميع يؤوّل بالمشتقّ ، وهذا تكلّف. وقال الرضيّ : تبعا لابن الحاجب : والحقّ أنّه لا حاجة إلى هذا التكلّف ، لأنّ الحال هو المبيّن للهيئة ، فكلّ ما قام بهذه الفائدة فقد حصل فيه المطلوب من الحال ، فلا يتكلّف تأويله بالمشتق ، انتهى.

__________________

(١) محمد بن عثمان الزوزني من الشراح الّذين شرحوا كتاب «اللباب في النحو» للعلّامة الفاضل الإسفرايني المتوفى سنة ٦٨٤ ه‍ ق. المصدر السابق ، ٢ / ١٥٤٤.

(٢) القفيز : مكيال كان يكال به قديما ويختلف مقداره في البلاء ، ويعادل بالتقدير المصري الحديث نحو : ستة عشر كيلو جراما. المعجم الوسيط ص ٧٥٠.

(٣) البسر : تمر النخل قبل أن يرطب.

٣١٤

الحال المقدّرة : «ومقدّرة» وهي الّتي تكون بمعنى الاستقبال ، بأن يكون زمان عاملها قبل زمانها ، كقوله تعالى : (فَادْخُلُوها خالِدِينَ) [الزمر / ٧٣] ، أي مقدّرا خلودكم ، لأنّ زمن الخلود لا يتصوّر (١) مقارنته للدخول فلم يبق إلا تقديره ، وقوله تعالى : (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) [الفتح / ٢٧] ، أي مقدّرين للحقّ أو التقصير ، لأنّ زمنهما متأخّر عن زمان الدّخول الّذي تضمّنه العامل في الحال ، فلا تكون مقارنة له ، ولا حاجة إلى جعل الحال الأولى في الآية ، وهي آمنين مقدّرة ، لأنّ الأمن وإن كان مستقبلا فهو قيد للدخول المستقبل ، فيكون من الحال المقارنة لعاملها.

وتوهّم الدمامينيّ في التحفة (٢) أنّ ابن هشام جعلها من الحال المقدّرة ، فتعقّبه بما ذكرنا وليس في كلامه ما يدلّ عليه ، وقد منع بعض المتأخّرين كون محلّقين ومقصّرين في الآية من الحال المقدّرة أيضا ، قال : لأنّها ليسا في معنى الاستقبال فيكونا مقدّرين ، وإنّما هما في معنى الحال ، وذلك أنّ الله تعالى وعدهم دخول المسجد الحرام في حال تحليق وأمن والدخول.

وإن كان بمعنى الاستقبال فإنّما هو واقع في حال الركوب ، فالحال معه بمعنى الحال ، والحال إنّما تعتبر بالعامل فيها ، فإن كان حدوثه في حال حدوثها ، فهي بمعنى الحال ، أو كان قبل حدوثها فهي بمعنى الاستقبال ، أو بعده فهي بمعنى الماضي ، وأيضا فإنّ الحال بمعنى الاستقبال ، هي ما يصحّ تقديرها بالفعل ولام العلّة أعني لام كي ، كقولك : مررت برجل معه صقر صاعدا به غدا ، أي ليصيد به غدا ، وكذا تقول : زيد رقي المنبر خاطبا ، أي ليخطب ، ومنه قوله تعالى : (كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) [البقرة / ٢١٣] ، فهما حالان لمعنى الاستقبال ، أي ليبشّروا ولينذروا ، ولو قدّرت اللام في الآية الأولى كان خطأ ، لأنّ الله تعالى لم يعدهم دخول البيت ليحلّقوا وليقصّروا ، بل وعدهم أنّهم يدخلون في حال تحليق وتقصير وأمن وغير خوف ، فهي حال بمعنى الحال ، وليست كهي في قولك : مررت برجل معه صقر صائدا به غدا ، أي استقّر معه صقر ليصيد به غدا ، فاستقرار الصقر معه أنّما هو ليصيد به ، انتهى ، فتأمّل.

وسمّيت هذه الحال مقدّرة ، لأنّ النّحويّين يقدّرون لها تقديرا يرجع فيه إلى معنى الحال ، فإذا قلت : هذا زيد صائدا غدا ، كانت الحال على هذا اللفظ بمعنى الاستقبال يدلّ عليه اقترانه بغد ، ولمّا كان هذا عندهم لا يجوز ، قالوا : هذه حال مقدّرة ، وتقديرها أن

__________________

(١) لا يتصف «ح».

(٢) التحفة الشافية لشرح الكافية شرح على الكافية في النحو لابن الحاجب ، كشف الظنون ٢ / ١٣٧٣.

٣١٥

تقول : هذا زيد مقدّرا لأنّ له الصيد غدا ، فقولهم مقدارا حال بمعنى الحال ، أي يقدّر له ، لأنّ الصيد غدا ، وعليه مسالة الكتاب : مررت برجل معه صقر صائدا به غدا. قال ابن هشام : كذا يقدّرون ، وأوضح منه أن يقال : مريدا به الصيد غدا. قال ابن هشام : كذا يقدّرون ، وأوضح منه أن يقال مريدا به الصيد غدا كما فسّروا قمتم في : (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) [المائدة / ٦] بأردتم ، انتهى ، وتعقبّه ابن الصائغ (١) وأجاب عنه الشمني بما يطول إيراده.

تنبيهات : الأوّل : قال ابن هشام : الّذي يقدّر وجود معنى الحال هو صاحبها كالمرور به في المثال المذكور ، أي مقدّرا حال المرور به أن يصيد به غدا ، وبني على ذلك عدم صحّة كون جملة لا يسمّعون من قوله تعالى : (وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ) [الصافات / ٧] ، قال : لأنّ الشياطين لا يقدرون عدم السّماع ، ولا يريدونه ، انتهى.

وتعقبه الدمامينيّ بأنّا لا نسلم ذلك ، ولم لا يجوز أن يقدّرها غير صاحبها ، ولو قيل : معنى المثال مررت برجل معه صقر مقدّرا به الصيد غدا على أن يكون مقدّرا اسم مفعول لصحّ ، سواء كان هو المقدّر أو غيره ، انتهى.

وأجاب الشمنيّ بأنّ الدليل على أنّ الّذي يقدّر وجود معنى الحال هو صاحبها أنّ في الحال ضميرا يعود على صاحبها ، فيجب أن يكون في مقدّرا كذلك لأنّه بمعناها فيجب أن يكون مقدّر الحال صاحبها ، انتهى.

الحال المحكية : الثاني : المشهور تقسيم الحال بحسب الزمان إلى هذين القسمين ، وهي المقارنة لعاملها ، وتسمّي المستصحبة أيضا والمقدّرة ، وأثبت جماعة منهم ابن هشام والمراديّ قسما ثالثا ، وهو الحال المحكية ، أي الماضية الّتي يتقدّم وجودها على وجود العامل ، نحو : جاء زيد أمس راكبا.

قال الدمامينيّ : ـ ونعم ما قال ـ أيّ داع إلى ارتكاب كونها محكية مع إمكان جعلها مقارنة بأنّ يكون راكبا أريد به المضيّ المقارن لزمن عامله الماضي ، انتهى.

الأصل تأخّر الحال عن صاحبها : «والأصل» أي الكثير الغالب في الحال «تأخّرها عن صاحبها» ، لأنّها بمترلة الخبر ، والأصل تأخّره كما مرّ ، «ويجب» هذا الأصل «إن

__________________

(١) ابن الصائغ هو محمد شمس الدين بن عبد الرحمن. لازم أبا حيان فمهر في العربية من مصنّفاته ، شرح الألفية ، والتذكرة ، توفي بالقاهرة سنة ٧٧٦ ه‍ ق. نشأة النحو ص ١٦٧.

٣١٦

كان» صاحبها «مجرورا» ، سواء كان جرّه بالإضافة ، نحو : أعجبني وجه هند مسفرة ، وهذا شارب السويق (١) ملتوتا ، فلا يجوز تقديم الحال على صاحبها واقعة بعد المضاف ، لئلّا يلزم الفصل بين المضاف والمضاف إليه ، ولا قبله ، لأنّ نسبة المضاف إليه (٢) من المضاف كنسبة الصلة من الموصول ، فكما لا يتقدّم ما يتعلّق بالصلة على الموصول ، كذلك لا يتقدّم ما يتعلّق بالمضاف إليه على المضاف ، قاله بدر الدين بن مالك.

وحكى والده الاتّفاق على ذلك في شرح الكافية ، إلا أنّه فصّل في شرح التسهيل فقال : إن كانت الإضافة غير محضة جاز التقديم على المضاف إليه ، نحو : هذا شارب ملتوتا السويق ، بالخفض ، لأنّ الإضافة فيه في نيّة الانفصال ، فلا يتعدّ بها ، وإن كانت محضة لم يجز بإجماع ، ونوزع في ذلك بما يطول إيراده.

أو كان جرّه بالحرف ، ويشترط فيه كونه غير زائد ، ظاهرا كان صاحبها أو مضمرا ، اسما كانت الحال أو فعلا ، كمررت بهند ضاحكة ، ومررت بك ضاحكة ، ومررت بهند تضحك ، فلا يجوز تقديم الحال في شيء من ذلك حملا على الحال المجرور بالإضافة ، هذا قول الجمهور ، وقضية إطلاق المصنّف ، وخالف الفارسيّ وابن كيسان ، فأجازوا التقديم مطلقا. قال ابن مالك : وهو الصحيح لوروده في الفصيح ، قال تعالى : (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ) [السّباء / ٢٨] ، وقول الشاعر [من الطويل] :

٢٥٨ ـ إذا المرء أعيته المروءة ناشيءا

فمطلبها كهلا عليه شديد (٣)

وقال الآخر [من الطويل] :

٢٥٩ ـ تسلّيت طرّا عنكم بعد بينكم

بذكراكم حتى كأنّكم عندي (٤)

وأجيب بأنّ الشعر ضرورة ، وكافّة في الأية حال من الكاف ، التاء فيه للمبالغة لا للتأنيث مع أنّه يلزم على القول بحإليتها من الناس تقديم الحال المحصورة بإلا ، وتعدّي أرسل باللام ، والأوّل ممتنع ، والثاني خلاف الأكثر ، ودفع الأوّل بأنّ تقديم المحصور بإلا ليس ممتنعا عند الجميع كما تقدّم ، والثاني بأنّ مخالفة الأكثر لا تضرّ ، فإنّ تعدّي أرسل باللام كثير واقع في التتريل كقوله تعالى : (وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً) [النساء / ٧٩].

وفصّل الكوفيّون ، فأجازوا التقديم فيما إذا كان صاحب الحال المجرور مضمرا كمررت ضاحكة بك ، أو كان الحال فعلا ، نحو : مررت تضحك بهند ، ومنعوه إذا لم

__________________

(١) السويق : طعام يتّخذ من مدقوق الحنطة والشعير.

(٢) سقطت هذه الجملة في «ط».

(٣) البيت للمخبل السعدى. اللغة : أعيته : أتعبته ، متعدي عيي بالأمر إذا عجز عنه ، المروءة : آداب نفسانيّة تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات ، والمطلب : المصدر بمعنى الطلب.

(٤) لم ينسب البيت إلى قائل معين. اللغة : طرا : جميعا ، البين : الفرقة ، الافتراق.

٣١٧

يكن كذلك ، وأمّا إذا كان الحرف زائدا فلا يجب معه التأخّر اتّفاقا ، بل يجوز نحو : ما جاءني راكبا من أحد.

حكاية غريبة : قال التقيّ الشمنيّ في حاشية المغني : هاهنا حكاية أخبرنا بها إجازة وإن لم يكن سماعا شيخنا العلّامة أبو الفضل محمد بن الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن الإمام التلمساني (١) ، قال : أخبرنا شيختا القاضي أبو سعيد العقباني (٢) ، قال : اجتمعت بمدينة مراكش بيهوديّ يشتعل بالعلوم ، فقال : ما دليلكم على عموم رسالة نبيكم؟ قلت له : قوله (ص) : بعثت إلى الأحمر والأسود (٣). فقال لي : هذا خبر أحاد فلا يفيد إلا الظّنّ ، والمطلوب في المسألة القطع ، فقلت له قوله تعالى : (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ) [السبأ / ٢٨] ، قال : هذا لا يكون حجّة إلا على من يقول بصحّة تقدّم الحال على صاحبها المجرور بالحرف ، وأنا لا أقول بصحته ، انتهى.

وأقول : الجواب عن اعتراض إليهوديّ على هذا الخبر الحقّ أنّه وإن كان أحادا في نفسه ، فهو متواتر معنى ، لأنّه نقل عنه (ص) من الأحاديث الدّالة على عموم رسالته ما بلغ قدر المشترك منه حدّ التواتر ، وأفاد القطع بنسبة معناه إليه ، وإن كانت تفاصيله أحادا كجود حاتم وشجاعة علي (ع) ، وإذا حصل القطع بنسبة معناه إليه حصل القطع بحقيقته ، لأنّ الرسول معصوم ، وكلّ ما هو خبر بالمعصوم حقّ ، وعن اعتراضه على الآية هو الاستدلال على صحّة تقديم الحال على صاحبها المجرور بالحرف.

تنبيهات : الأوّل : يجب تأخّر الحال أيضا إذا كانت نكرة محصورة ، نحو : (وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) [الأنعام / ٤٨] ، وكأنّه إنّما أهمل ذكره نظرا إلى أن شرطية عدم الحصر لمّا جوّز تقديمه من الأبواب ممّا الأصل تأخيره غير مختصّ بالحال ، قال في التصريح : ويمكن أن يجئ هنا خلاف الكسائيّ السابق فيما إذا تقدّم المحصور مع إلا ، إذ لا فرق بين الحال والمفعول.

الثاني : أفهم كلامه أنّ الحال إذا لم يكن صاحبها مجرورا لم يجب تأخّرها عنه ، بل يجوز التقديم ، وهو كذلك بأن كان مرفوعا أو منصوبا ، سواء كان ظاهرا أو مضمرا ، كجاء ضاحكا زيد ، وضربت مجرّدة هندا.

__________________

(١) لم اقع على ترجمة له.

(٢) سعيد العقباني (٧٢٠ / ٨١١ ه‍) قاض فقيه مالكيّ من أهل تلمسان ، له كتب منها «شرح جمل الخونجي» و «شرح الحوفية» الأعلام للزركلي ٣ / ١٥٤.

(٣) النيسابوري ، صحيح مسلم ، المجلد الأوّل ، الطبعة الأولى ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، ١٤١٨ ه‍ ، ص ٣٠٢ رقم ٥٢١.

٣١٨

هذا مذهب البصريّين ، ومنعه الكوفيّون في المنصوب الظاهر مطلقا ، سواء كانت الحال اسما كما ذكر ، أو فعلا ك رأيت تركب هندا ، وفي المرفوع الظاهر المؤخّر رافعه عند الحال فيمنعون : مسرعا جاء زيد ، ويجيزون : جاء راكبا زيد. قيل : والإجماع على الجواز إذا كان المرفوع مضمرا ، نحو : (خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ) [القمر / ٧].

يجب تقدّم الحال على صاحبها إن كان نكرة محضة : و «يمتنع» الأصل المذكور ، أي يجب تقدّمها «إن كان» صاحبها «نكرة محضة» غير مخصّصة بشيء من المخصّصات ، لأنّ النكرة تتخصّص بالتقديم ، لأنّها في المعنى مبتدأ وخبر ، ولئلّا تلتبس بالصفة في النصب في نحو : ضربت رجلا راكبا ، ثمّ حمل غيره عليه ، وإن لم يلتبس طردا للباب : و «هو» أي كون صاحب الحال نكرة محضة «قليل» في الكلام. قال سيبويه : أكثر ما يكون في الشعر وأقلّ ما يكون في الكلام ، انتهى.

ومنه الحديث : صلّي وراءه رجال قياما (١). والأغلب كونه معرفة أو مخصّصا إمّا بتقديم الحال كما مرّ ، أو بوصف ، كمررت برجل قرشيّ ماشيا ، وكقراءة بعضهم : ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدقا [البقرة / ٨٩] ، ويكفي وصف واحد خلافا لبعض المغاربة في اشتراط وصفين ، وقد حكى سيبويه : هذا غلام لك راكبا ، أو بإضافة ، نحو : (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً) [فصلت / ١٠] ، أو بمفعول ، نحو : عجبت من ضرب أخوك شديدا أو بعطف ، نحو : هولاء ناس وعبد الله منطلقين. قاله ابن مالك في شرح العمدة.

أو عامّا لكونه في سياق النفي ، نحو (ما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ) [الشعراء / ٢٨] أو نهي ، كقوله [من الكامل] :

٢٦٠ ـ لا يركنن أحد إلى الأحجام

يوم الوغى متخوّفا لحمام (٢)

أو استفهام كقوله [من البسيط] :

٢٦١ ـ يا صاح هل حمّ عيش باقيا فترى

لنفسك العذر في إبعادها الأملا (٣)

تتمّة : ويمتنع التأخير أيضا إذا أضيف صاحبها إلى ضمير عائد على ملابس الحال ، نحو : لقيني شاتم زيد أخوه ، وجاء زائر هند أخوها ، فيمتنع تقدّمها على صاحبها ، كما لو كان محصورا أيضا ، نحو : ما جاء راكبا إلا زيد وفيه البحث السابق.

__________________

(١) صحيح البخاري ، ١ / ٣٣٤ ، رقم ٦٤٨.

(٢) هو لقطري بن الفجاءة ، وقد نسبة ابن الناظم إلى الطرماح بن حكيم. اللغة : الإحجام : التأخّر والنكول عن لقاء العدو ، الركون إليه : الميل إليه ، والاعتماد عليه ، الوغي : الحرب ، الحمام : الموت.

(٣) إنّه لرجل من طئ ، ولم يعينه أحد ممن استشهد بالبيت. اللغة : حمّ : قدّر.

٣١٩

الأصل في الحال تأخّرها عن عاملها أيضا ، ويجوز تقديمها عليه ، ان كان فعلا متصرّفا ، كقوله تعالى : (خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ) [القمر / ٧] ، أو صفة تشبهه ، سواء كانت اسم فاعل ، نحو : زيد مسرعا مقبل ، أو اسم مفعول ، نحو : اللصّ مجردا مضروب ، أو صفة مشبهة ، نحو : زيد غنيّا وفقيرا سمح.

«ويجب تقدّمها على العامل إن كان لها الصدر» أي صدر الكلام ، «نحو : كيف جاء زيد» ، فكيف في موضع الحال من زيد ، وهل هي ظرف أو اسم؟ قولان ، وعلى القولين يستفهم بها عن الأحوال ، فعلى القول بالظرفيّة يكون معناه في المثال في أيّ حال زيد ، وعلى القول بالاسميّة على أيّ حال جاء زيد ، وعلى الأوّل لا يفتقر إلى الاستقرار بخلاف أين ومتى ، ويجب تأخّرها ، أعني الحال عن العامل في مسائل :

إحداها : أن يكون العامل نعتا ، نحو : مررت برجل ذاهبة فرسه مكسورا سرجها ، قاله ابن مالك ، ووجّهه بأنّ التقديم يؤدّي إلى الفصل بين المنعوت ونعته ، وليس بشيء ، لأنّ الممتنع هو التقدّم على المنعوت ، لأنّ النعت لا يتقدّمه ، فلا يتقدّمه معموله ، ونصوص النحاة طافحة بذلك فما قاله متعقّب.

الثانية : أن يكون فعلا جامدا نحو : ما أحسنه مقبلا ، لأنّ الجامد لا يتصرّف في نفسه ، فلا يتصرّف في معموله بالتقديم عليه.

الثالثة : أن يكون اسم فعل ، نحو : نزال مسرعا ، لأنّ معمول اسم الفعل لا يتقدّم عليه.

الرابعة : أن يكون مصدرا مقدّرا بحرف مصدريّ (١) ، نحو : أعجبني ركوب الفرس مسرّجا ، لأنّ معمول المصدر المقدّر من أن والفعل لا يتقدّم عليه.

الخامسة : أن يكون صلة لأل أو لحرف مصدريّ ، نحو : المقبل ضاحكا زيد ، ويعجبني أن يجئ زيد ضاحكا ، لأنّ معمول (٢) صلة أل والحرف المصدري لا يتقدّم عليها.

السادسة : أن يكون مقرونا بلام الابتداء في غير باب أنّ أو لام القسم ، نحو : لأصير محتسبا ، أو لأقومنّ طالعا ، لأنّ ما في حيّز لامي الابتداء والقسم لا يتقدّم عليهما ، واحترزت بغير باب أنّ من نحو : إنّ زيدا مخلصا ليعبد ربّه.

السابعة : أن يكون لفظا متضمّنا معنى الفعل دون حروفه كحرف التشبيه والتمنّي والترجّي والتنبيه واسم الإشارة والاستفهام التعظيمي ، نحو [قول الشاعر من الطويل] :

٢٦٢ ـ كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا

 ... (٣)

__________________

(١) بالفعل وأن مصدري «س».

(٢) في «س» سقط معمول.

(٣) تمامه «لدى وكرها العناب والحشف البإلى» ، وهو لامرئ القيس. اللغة : الحشف : من التمر : أردؤه ، البإلى : الفاسد.

٣٢٠

وليت زيدا صائما عندكم ، لعلّ عمرا قائما في الدار و (هذا بَعْلِي شَيْخاً) [هود / ٧٢] ، و [قول الشاعر من مجزوء الكامل] :

٢٦٣ ـ ...

يا جارتا ما أنت جارة (١)

فلا يجوز تقديم الحال في شيء من ذلك لضعف العامل.

الثامنة : أن يكون صفة تشبه الفعل الجامد ، وهو اسم التفضيل ، نحو : هذا أفصح الناس خطيبا ، لجعله موافقا للجوامد لانحطاطه عن درجة اسمي الفاعل والمفعول ، والصفة المشبة بعدم قبوله علامة التأنيث والتثنية والجمع ويستثني من المضمّن معنى الفعل دون حروفه أن يكون ظرفا أو مجرورا مسبوقا بمخبر عنه به ، فيجوز توسيط الحال بين المخبر عنه والمخبر به المتأخّر من الظرف والمجرور ، تقول : في نحو زيد في الدار جالسا ، زيد جالسا في الدار.

هذا قول الأخفش ، وعليه قراءة بعضهم : (وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا) [الأنعام / ١٣٩] ، وقراءة الحسن البصري (٢)(وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) [الزمر / ٦٧] ، وقول الشاعر [من الطويل] :

٢٦٤ ـ بنا عاذ عوف وهو بادي ذلّة

لديكم فلم يعدم ولاء ولا نصرا (٣)

وجمهور البصريّين على المنع. قال ابن هشام في الأوضح : والحقّ أنّ خالصة ومطويات معمولان لصلة ما ولقبضة (٤) ، وأنّ السموات عطف على ضمير مستتر في قبضة ، لأنّها بمعنى مقبوضة لا مبتدأ ، وبيمينه معمول الحال لا عاملها قال : والبيت ضرورة ، انتهى.

وفصّل ابن مالك في التسهيل ، فأجاز بقوّة إن كان الحال ظرفا ومجرورا ، وبضعف إن كانت غير ذلك ، لأنّ الظروف يتّسع فيها ما لا يتّسع في غيرها ، ويستثني من أفعل التفضيل ما إذا كان عاملا في حالين لاسمين متّحدي المعنى مختلفيه ، وإحداهما مفضّلة على الأخرى ، فإنّه يجب تقديم الحال الفاضلة خوف اللبس ، كهذا بسرا أطيب منه رطبا ، وزيد مفردا أنفع من عمرو معانا ، فبسرا حال من الضمير في أطيب ، ورطبا حال من الضمير المجرور بمن ، ومفردا حال من الضمير في أنفع ، ومعانا حال من عمرو ، فبسرا و

__________________

(١) هذا عجز بيت للأعشى ميمون بن قيس ، وصدره قوله : «بانت لتحزننا عفارة» ، اللغة : بانت : بعدت وفارقت. عفارة. اسم امرأة.

(٢) الحسن البصرس (أبو سعيد) (ت ١١ ه‍. ٧٢٨ م) : تابعيّ ومتكلّم ومحدث من مشاهير الثقات وكبار الزّهاد. كان إمام أهل البصرة وحبر الأمّة في زمانه. له مكانة عظيمة في التصوف. المنجد الاعلام. ص ٢٢٠.

(٣) لم يسم قائله. اللغة : عاذ به : التجأ إليه.

(٤) كلّ الأية الشريفة (وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ)[الزمر / ٦٧].

٣٢١

مفردا حالان مفضّلتان ، والعامل في بسرا ورطبا أفعل التفضيل ، وهو أطيب وفي مفردا ومعانا أنفع.

هذا هو المختار وإليه ذهب المازنيّ وابن كيسان والفارسيّ في تذكرته (١) وابنا جنيّ وخروف ، ونسبه ابن مالك إلى سيبويه ، وذهب الزجاج والمبرّد والسيرافيّ والفارسيّ في حلبياته (٢) إلى أنّهما منصوبان على إضمار كان تامّة صلة لإذا في المستقبل ولإذ في الماضي ، وجوّز بعض المغارب أن تكون كان ناقصة فيكون بسرا ورطبا خبرين لا حإلى ن ، واستدلّ بالتعريف نحو : زيد المحسن أحسن منه المسيء ، ويحتاج إلى السماع.

تنبيه : قد يفعل ذلك في مفهم التشبيه فيعمل في حالين متقدّمة عليه ومتأخّرة عنه ، كقوله [من المتقارب] :

٢٦٥ ـ تعيّرنا أنّنا عالة

ونحن صعإليك أنتم ملوكا (٣)

أي تعيّرنا أنّنا فقراء ، ونحن في حال صعلكتنا مثلكم في حال ملككم ، فحذف مثلا ، وأقام المضاف إليه مقامه مضمّنا معناه لما فيه من معنى التشبيه. قال ابن هشام وهذا الإعراب أجود ما قيل في البيت.

لا تجئ الحال من المضاف إليه إلا بشروط : «ولا تجيء الحال من المضاف إليه» في حال من الأحوال «إلا إذا صحّ» أي «قيام» المضاف إليه عند «مقام المضاف» عند حذفه ، نحو قوله تعالى : (ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً) [آل عمران / ٩٥] ، فحنيفا حال من المضاف إليه ، وهو إبراهيم ، وجاءت منه لصحّة قيامة مقام المضاف ، وهو الملّة ، فإنّه لو قيل في غير القرآن اتّبع إبراهيم لكان صحيحا.

«أو كان المضاف بعضه» أي بعض المضاف إليه ، «نحو : أعجبني وجه هند راكبة» ، فراكبة حال من المضاف إليه ، وهو هند ، إذ المضاف وهو الوجه بعض هند ، ومثله قوله تعالى : (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً) [الحجرات / ١٢] ، (وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً) [الحجر / ٤٧] ، فكلّ من ميتا وإخوانا حال من المضاف إليه ، وهو الأخ والضمير والمضاف إلى كلّ منهما بعضه ، ولا خفاء في أنّ اشتراط صحّة قيام المضاف إليه مقام المضاف يغني عن هذا الشرط ، فإنّه لو قيل : أعجبتني هند راكبة ، و

__________________

(١) تذكره أبي على الحسن بن أحمد الفارسيّ النحويّ المتوفى سنة ٣٧٧ ه‍ ق ، وهو كبير في مجلّدات لخصّه أبو الفتح عثمان بن جني النحوي. كشف الظنون ١ / ٣٨٤.

(٢) الحلبيات في النحو لأبي على الفارسي النحوي ، المصدر السابق ١ / ٦٨٨.

(٣) لم يسم قائله. اللغة : عالة : فقراء. نحن أنتم مبتدا وخبر صعاليك ملوكا حالان والمعنى : نحن في صعلكتنا مثلكم في ملككم.

٣٢٢

في غير القرآن يأكل أخاه ، ونزعنا ما فيهم من غلّ إخوانا ، لكان صحيحا ، فلو اقتصر عليه لكفاه.

«أو كان المضاف عاملا في الحال» كأن يكون مصدرا أو وصفا ، «نحو : أعجبني ذهابك مسرعا» ، فمسرعا حال من الكاف المضاف إليها ذهاب ، وذهاب مصدر عامل في الحال ، ونحو : هذا شارب السويق ملتوتا اليوم أو غدا ، فملتوتا حال من السويق المضاف إليه شارب ، وشارب اسم فاعل عامل في الحال ، لأنّه بمعنى الحال أو الاستقبال ، واعتماده على المخبر عنه.

وإنّما اشترطوا لمجئ الحال من المضاف إليه أحد هذه الشروط محافظة على ما قرّروه من أنّ العامل في الحال يجب أن يكون هو العامل في صاحبها ، وصاحبها إذا كان مضافا إليه يكون معمولا للمضاف ، والمضاف لا يعمل في الحال إذا لم يشتبه الفعل ، فإذا كان المضاف مصدرا أو صفة ، فالقاعدة موفاة ، لأنّ الحال وصاحبها معمولان لشيء واحد.

وإذا كان المضاف صالحا للسقوط ، وقيام المضاف إليه مقامه ، كان المضاف إليه كأنّه معمول العامل المضاف الّذي هو عامل الحال ، وعلى هذا فالواجب اتّحاد العامل تحقيقا أو تقديرا ، كما يستفاد من المغني بخلاف ما إذا لم يكن كذلك ، فإنّه لا سبيل إلى جعله صاحب حال ، إذ لو قلت : جاء غلام هند ضاحكة أو نحوه لم يجز.

قال ابن مالك وابنه بلا خلاف ، وانتقد بأنّ مذهب الفارسيّ جواز ذلك ، نقله عنه غير واحد من الأئمة ، وقال العلامة أثير الدين أبو حيّان : والّذي نختاره أنّ المجرور بالإضافة إذا لم يكن في موضع رفع ولا نصب لا يجوز ورود الحال منه ، سواء صحّ قيام المضاف إليه مقامه ، أو لم يصحّ ، لما تقرّر من أنّه لا بدّ من اتّحاد الحال وصاحبها في العامل.

وأمّا ميتا من قوله تعالى : (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً) [الحجرات / ١٢] ، فيحتمل أن يكون حالا من لحم ، وإخوانا من قوله تعالى : (وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً) [الحجرات / ٤٧] ، يحتمل أن يكون منصوبا على المدح ، وحنيفا يحتمل أن يكون حالا من الملّة (١) ، وذكر بأنّ الملّة والدين بمعنى ، أو من الضمير في اتبع.

قال : ومثل هذه القاعدة لا يثبت بمثال أو بمثالين مع الاحتمال ، إنّما يثبت هذا باستقراء جزئيات كثيرة حتى يحصل من ذلك الاستقراء قانون كليّ يغلب على الظّن أنّ الحكم ، منوط به ، هذا معنى ما قاله.

__________________

(١) حالا من الله «س».

٣٢٣

الأسماء اللازمة للحالية : تنبية : قد يلزم بعض الأسماء الحالية ، نحو : كافة وقاطبة ، فلا يضاف ، قال الرضيّ وتقع كافة في كلام المتأخّرين ومن لا يوثق بعربيته مضافة غير حال ، وقد خطاوا في ذلك ، انتهى.

ومنهم الزمخشريّ في خطبة المفصّل قال محيطا بكافة الأبواب. قال ابن هشام في المغني : تجويز الزمخشريّ الحالية من الفاعل ومن المفعول في قوله تعالى : (ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) [البقرة / ٢٠٨] ، وهم ، لأنّ كافّة مختصّة بمن يعقل ، ووهمه في قوله تعالى : (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ) [سبأ / ٢٨] ، إذ قدّر كافّة نعتا لمصدر محذوف ، أي رسالة ، لأنّه أضاف إلى استعماله فيما لا يعقل إخراجه عمّا التزمه فيه من الحالية ، ووهمه في خطبته المفصل إذ قال محيطا بكافة الأبواب أشد لإخراجه إيّاه عن النصب ألبتّة.

ووقع للحريرى في المقامات إيراد قاطبة مضافة (١) غير حال ، قال بقاطبة الكتاب. قال ابن الخشاب : استعمال قاطبة مضافة إلى ما بعدها وتعريفها به وإدخاله حرف الجرّ عليها يدلّ على جهله بعلم النحو ، وإنّه كان مقصّرا فيه جدّا.

__________________

(١) سقط مضافة في «س».

٣٢٤

التمييز

ص : الثامن : التمييز وهو النكرة الرافعة للابهام المستقرّ عن ذات أو نسبة ، ويفترق عن الحال بأغلبيّة جموده ، وعدم مجيئة جملة وعدم جواز تقدّمه على عامله على الأصحّ. فان كان مشتقّا احتمل الحال. فالأوّل عن مقدار غالبا ، والخفض قليل ، وعن غيره قليلا ، والخفض كثير.

والثاني : عن نسبة في جملة أو نحوها ، أو إضافة ، نحو : رطل زيتا ، وخاتم فضّة ، (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ،) ولله درّه فارسا ، والنّاصب لمبيّن الذات هي ولمبيّن النسبة هو المسند ، من فعل أو شبهه.

ش : «الثامن» ممّا يرد منصوبا لا غير «التمييز» ، ويقال له التفسير والتبيين والممّيز والمفسّر والمبيّن ، وهو لغة فصل شيء عن شيء ، قال تعالى : (وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) [يس / ٥٩] ، أي انفصلوا. «و» اصطلاحا «هو النكرة» أي الاسم النكرة ، ولا ترد الجملة ، وإن اشتهر أنّها نكرة ، فقد قال الرضيّ : الجملة ليست لا نكرة ولا معرفة ، لأنّ التعريف والتنكير من عوارض الذات ، إذ التعريف جعل الذات مشارا بها إلى خارج اشارة وضعيّة ، والتنكير أن لا يشار بها إلى خارج في الوضع ، وإذا لم تكن الجملة ذاتا فكيف يعرضان لها ، انتهى.

فالنكرة كالجنس يدخل فيها الحال وغيرها ، ويخرج عنها المعرفة المنصوبة على التشبيه بالمفعول ، نحو : زيد حسن وجهه ، فإنّ فيه ما في حسن وجها إلا التنكير ، وأمّا نحو قولهم : ما فعلت الخمسة عشر الدرهم وقوله [من الطويل] :

٢٦٦ ـ رأيتك لمّا أن عرفت وجوهنا

صددت وطبت النّفس يا قيس عن عمرو (١)

وقوله [من الوافر] :

٢٦٧ ـ له داع بمكّة مشمعلّ

وآخر فوق دارته ينادي

إلى ردح من الشّيزي ملاء

لباب البرّ يلبك بالشهاد (٢)

فمحمول على زيادة أل ، كما زادها من قال [من الرجز] :

٢٦٨ ـ باعد أمّ العمر من أسيرها

 ... (٣)

__________________

(١) البيت لرشيد بن شهاب إليشكري ، اللغة : صددت : أعرضت ونأيت ، طبت النفس : يريد إنّك رضيت.

(٢) البيتان لأمية بن أبي الصلت. اللغة : المشمعل : الوصف من اشمعلّ بمعنى السريع الماضي ، الردح : جمع الرادح بمعنى عظيم وضخيم ، الشيزي : الشيز : خشب أسود تعمل منه الأمشاط والجفان ، اللباب : خالص من كلّ شيء ، يلبك : من ألبك أي : أفحش في كلامه أو اخطأ في منطقه.

(٣) تمامه : حرّاس أبواب على قصورها. وتقدم برقم ٣٧.

٣٢٥

هذا مذهب البصريّين ، وخالف الكوفيّون وابن الطراوة ، فأجازوا تعريف التمييز تمسّكا بما أوّله غيرهم.

«الرافعة للإبهام المستقرّ» أي الثابت في المعنى الموضوع له من حيث إنّه موضوع له ، فإنّ المستقرّ وإن كان بحسب اللغة هو الثابت مطلقا ، لكنّ المطلق منصرف إلى الكامل ، وهو الوضعيّ ، قاله صاحب الفوائد الضيائية ، ورام دفع ما أورده الرضيّ على ابن الحاجب ، حيث فسّر المستقرّ بالوضعيّ من أنّ لفظ المستقرّ لا يدلّ إلا على الثابت المطلق ، لكن قال بعضهم : هذا لا ينفعه في التفصي (١) عن الإيراد ، إذ الكامل هو الثابت في الوضع والاستعمال معا ، انتهى.

والاحتراز بهذا القيد عن نحو : رأيت عينا جارية ، فإنّ جارية رافعة للإبهام عن العين ، لكنّ الإبهام الحاصل في العين ليس مستقرّا بحسب الوضع بل نشأ من الاستعمال بإعتبار تعدّد الموضوع ، قال بعض المحقّقين : ولو فسّر المستقرّ بما هو الثابت في قصد المتكلّم فإنّ التمييز للتفسير بعدم الإبهام ليتمكّن في النفس ، فالابهام ثابت في القصد في صورة التمييز بخلاف رأيت عينا جارية ، فإن المقصود بالعين المعيّن إلا أنّه لزمه الإبهام من غير قصده فأزاله لكان حسنا ، انتهى.

«عن ذات» مذكورة لا وصف ، واحترز به عن النعت والحال ، فإنّهما وإن رفعا الأبهام المستقرّ لكن لا عن ذات ، بل عن وصف أو عن نسبة واقعة في جملة أو ما ضاهاها ، كما سيأتي بيانه.

تنبيهات : الأوّل : قال شيخ شيوخنا الحرفوشيّ في شرح التهذيب للمصنّف : وعبارته كعبارته هنا ، صنعه أولى من صنع الكافية ، وحيث قال عن ذات مذكورة أو مقدّرة ، انتهى.

وفي الألوية نظر ، بل الأولى ما في الكافية ، وجهه أنّك إذا قلت : طاب زيد نفسا لم يكن في طاب إبهام ولا في ذات زيد ولا في أصل النسبة ، فإنّها معلومة محقّقة ، وإنّما المبهم ذات مقدّرة ، والمعنى طاب أمر من أمور زيد ، ثمّ تفسّر ذلك الأمر بقولك : نفسا ، فالمبهم في الحقيقة هو الشيء المنسوب إليه لا النسبة ، وقولك : نفسا تمييز للمنسوب إليه المجهول لا لنفس النسبة ، ومن قال : إنّه تمييز عن النسبة كالمصنّف فقد تجوّز نظرا إلى أنّ الإبهام ناشيء عن جهة النسبة. وكذا الكلام في زيد طيّب نفسا ، ويعجبني طيبه نفسا.

الثاني : هذا الحدّ منقوض بنحو : رأيت شيئا ، أي حسن رجل والبدل في الضمير المبهم وصفات أسماء الإشارة ومن وما وأيّ ووصف العدد في نحو : قبضت عشرة

__________________

(١) التفصّي : التخلّص.

٣٢٦

دراهم ، ولا مخلص عن هذه الأشياء ، إلا بإخراجها بما يخرج التوابع عن الحدود ، وذكره عصام الدين في شرح الكافية.

وجوه افتراق التمييز عن الحال : «ويفترق التمييز» عن الحال بأوجه سبعة كما في المغني :

أحدها : أغلبية جموده ، أي جمود التمييز بخلاف الحال ، فإنّ الأغلب اشتقاقها كما تقدّم ، وقد يتعاكسان ، فتقع الحال جامدة ، نحو : هذا مالك ذهبا ، والتمييز مشتقا ، نحو : لله درّه فارسا. وتصحّف على بعض المعاصرين من طلبة العجم الجمود بالوجود ، فقال ما معناه شارحا التمييز أكثر وجودا بالنسبة إلى الحال ، وهو غلط فاحش ، فاحذره.

والثاني : عدم جواز مجيئه جملة بخلاف الحال ، فإنّها تجئ جملة بكثرة نحو : جاء زيد يضحك ، وظرفا نحو : رأيت الهلال بين السحاب ، ومجرورا ، نحو : (فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) [القصص / ٧٩] ، والتمييز لا يكون إلا اسما غير ظرف ، وهذا يستفاد من قوله في التعريف النكرة. فإنّ النكرة ضرب من الاسم ، وإن أطلق على الجملة أنّها نكرة فليس حقيقة ، ولو سلم ، فالتنكير من أوصاف المفردات بالإصالة.

والثالث : عدم جواز تقدّمه على عامله مطلقا بخلاف الحال كما مرّ ، سواء كان اسما نحو : عندي رطل زيتا أو فعلا جامدا ، نحو : ما أحسنه رجلا أو متصرّفا تمييزه غير منقول ، نحو : كفي زيد رجلا بإجماع. في هذه الثلاثة كما نقله ابن مالك ، فلا يقال : عندي زيتا رطل ونحوه ، أو متصرّفا تمييزه منقول ، نحو : طاب زيد نفسا ، فلا يجوز نفسا طاب زيد على الأصحّ وفاقا لسيبويه والفرّاء وأكثر البصريّين ومتأخّري المغاربة ، وذلك لأنّ التمييز في هذه الصورة فاعل في الأصل.

وقد نقل الإسناد عنه إلى غيره لقصد المبالغة ، فلا يغيّر عمّا كان يستحقّة من وجوب التأخير لما فيه من الإخلال بالأصل. وقيل : لأنّ التمييز كالنعت في الإيضاح ، والنعت لا يتقدّم على عامله ، فكذلك ما أشبهه ، قاله الفارسيّ ، واستحسنه ابن خروف ، وصحّح ابن مالك وأبو حيّان جوازه قياسا على غيره من الفضلات المنصوبة بفعل متصرّف ولكثرة السماع فيه ، قال [من الطويل] :

٢٦٩ ـ أتهجر ليلي بالفراق حبيبها

وما كان نفسا بالفراق تطيب (١)

وقال الآخر [من البسيط] :

__________________

(١) ينسب هذا البيت للمخبل السعدى ، وقيل : هو لأعشي همدان ، وقيل : هو لقيس بن الملوح العامري.

٣٢٧

٢٧٠ ـ ضيّعت حزمي في إبعادي الأملا

وما ارعويت وشيبا رأسي اشتعلا (١)

وقال الآخر [من الطويل] :

٢٧١ ـ ولست إذا ذرعا أضيق بضارع

ولا يائس عند التعّسّر من يسر (٢)

وقال الآخر [من المتقارب] :

٢٧٢ ـ أنفسا تطيب بنيل المني

وداعي المنون ينادي جهارا (٣)

وللمجيز من الشواهد غير ذلك.

والحق أنّ تأويل كلّ ذلك تكلّف ، كيف وهم يبنون الحكم على أقلّ من ذلك ، لكن لو قيل بجوازه في الشعر فقط لوروده فيه حسب كان انصافا.

تنبيهان : الأوّل : إذا كان العامل وصفا فقياس من أجاز التقديم في الفعل أن يجيزه مع الوصف إلا مع اسم التفضيل. الثاني : اتّفق الجميع على جواز تقديم التمييز على المميّز إذا كان العامل متقدّما ، نحو : طاب نفسا زيد ، قاله ابن الضائع ، وهذا يردّ قول الفارسيّ أنّ التمييز كالنعت لأنّ النعت لا يتقدّم على المنعوت قاله ابن عصفور.

الرابع : عدم توقّف معنى الكلام عليه بخلاف الحال ، فإنّه قد يتوقّف معنى الكلام عليها ، كقوله تعالى : (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً) [الإسراء / ٣٧] ، (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى) [النساء / ٤٣] وقوله [من الخفيف] :

٢٧٣ ـ إنّما الميّت من يعيش كئيبا

كاسفا باله قليل الرّجاء (٤)

الخامس : عدم جواز تعدّده بخلاف الحال ، فإنّها تتعدّد كقوله [من الطويل] :

٢٧٤ ـ على إذا ما زرت ليلى بخفية

زيارة بيت الله رجلان حافيا (٥)

وأما قوله [من الطويل] :

٢٧٥ ـ ...

تبارك رحمانا رحيما وموئلا (٦)

فالصواب أنّ رحمانا منصوب بإضمار أخصّ أو أمدح ورحيما حال منه لا نعت ، والقول بأنّهما تمييزان خطأ.

السادس : كونه مبيّنا للذات ، والحال مبيّنة للهيئة ، كما عرفت.

__________________

(١) البيت من الشواهد الّتي لا يعلم قائلها. اللغة : الحزم : ضبط الرجل أمره ، وأخذه بالثقة : ارعويت : رجعت إلى ما ينبغي لي ، والارعواء : الرجوع الحسن.

(٢) لم يسمّ قائله.

(٣) هو لرجل من طيّئ. اللغة : المنون : الموت ، جهارا : علانا.

(٤) البيت لعدي بن الرعلاء. اللغة : كئيبا : حزينا ، كاسفا باله : أراد به المتغير الحال.

(٥) البيت للمجنون. اللغة : الخفية : مصدر خفي ـ بمعنى الاستتار ، الرجلان : الراجل.

(٦) تمامه «بدأت باسم الله في النظم أوّلا» ، وهو مطلع القصيدة الشاطبيّة في القراءات السبع للشاطبي. اللغة : الموئل : الملجأ والملاذ.

٣٢٨

السابع : عدم توكيده لعامله بخلاف الحال ، فإنّها تكون مؤكّدة لعاملها نحو : (وَلَّى مُدْبِراً) [النمل / ١٠] ، فتبسّم ضاحكا ، وأمّا قوله تعالى : (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً) [التوبة / ٣٦] ، فشهرا موكّد لما فهم من أنّ عدة الشهور ، وأمّا بالنسبة إلى عامله فهو اثنا عشر فمبيّن ، وأمّا إجازة المبرّد ومن وافقه نعم الرجل رجلا زيد فمردود ، بأنّ الإبهام قد ارتفع بظهور الفاعل ، فلا حاجة إلى التمييز ، وأما قوله [من الوافر] :

٢٧٦ ـ تزوّد مثل زاد أبيك فينا

فنعم الزّاد زاد أبيك زادا (١)

فالصحيح أنّ زادا معمول لتزوّد إمّا مفعول مطلق إن أريد به التزوّد ، أو مفعول به إن أريد به الشيء الّذي يتزوّده من أفعال البرّ ، وعليهما فمثل نعت له تقدّم فصار حالا ، وأمّا قوله [من البسيط] :

٢٧٧ ـ نعم الفتاة فتاة هند لو بذلت

ردّ التّحيّة نطقا أو بايماء (٢)

ففتاة حال مؤكدة.

هذا ما ذكره ابن هشام في المغني من وجوه الافتراق بينهما ، وقد زاد بعضهم وجوبا أخر : أحدها : أنّ التمييز قد لا يكون عامله فعلا أو شبهه ، نحو : عشرون في قولك : له عندي عشرون درهما. الثاني : أنّ التمييز بمعنى من والحال بمعنى في حال كذا. الثالث : أنّ التمييز قد يجرّ في بعض المواضع بخلاف الحال ، فإنّها واجبة النصب.

إذا كان التمييز مشتقّا احتمل الحال : «فإن كان» التمييز «مشتقّا احتمل» المشتقّ «الحال» ، نحو : لله درّه فارسا ، أي من حيث إنّه فارس ، أو حال كونه فارسا ، وذهب قوم إلى أنّ انتصابه في مثل هذا التركيب على الحال فقط ، وضعّفه ابن الحاجب في أمإلى المفصّل بأنّه لا يخلو من أن يكون حالا مقيّدة أو مؤكّدة. وكلاهما غير مستقيم ، أمّا المقيدة فلأنّ قولك : لله درّه فارسا لم يرد به المدح في حال الفروسيّة ، وإنّما تريد مدحه مطلقا ، بدليل أنّك تقول : لله درّه كاتبا ، وإن لم يكتب ، بل تريد الإطلاق ، كذلك لله درّه عالما.

والحال المؤكّدة أيضا غير مستقيم ، لأنّ الحال المؤكّدة شرطها أن يكون معنى الحال مفهوما من الجملة الّتي قبلها ، وأنت هاهنا لو قلت : لله درّه لكان محتملا للفروسية وغيرها ولكان قولك : لله درّه عالما أو رجلا أو كاتبا لا يفيد إلا ما أفاده الأول ، فدلّ والحالة هذه على انتفاء الحال المقيّدة ، والحال المؤكّدة ، وإذا بطلتا ثبت التمييز ، انتهى.

__________________

(١) البيت لجرير بن عطية ، اللغة : تزود : أصل معناه : اتخذ زادا ، وأراد منه هنا السيرة الحميدة.

(٢) لم يسمّ قائله. اللغة : الإيماء : الإشارة.

٣٢٩

قال الرضيّ : وأنا لا أري بينهما فرقا ، لأنّ معنى التمييز عنده ما أحسن فروسيّته ، فلا تمدحه وفي غير حال فروسيّته إلا بها ، وهذا المعنى هو المستفاد من قولنا : ما أحسنه في حال فروسيّته وتصريحهم بمن في لله درّك من فارس دليل على أنّه تمييز ، وكذا قولهم : عزّ من قائل ، انتهى.

تنبيه ، ممّا يحتمل الحالية والتمييز أيضا قولك : كرم زيد ضيفا ، إن قدّرت زيدا هو الضيف ، أمّا الحالية فدلالته على الهيئة ، وأمّا التمييز فلدخول من عليه ، والأجود عند قصد التمييز إدخالها عليه دفعا لتوهّم الحالية ، وإن قدّرت زيدا غير الضيف تعيّن التمييز ، وامتنعت حينئذ من ، لأنّه تمييز عن الفاعل ، والأصل كرم ضيف زيد.

«فالأوّل» أي التمييز الرافع للابهام المستقرّ عن ذات يصدر «عن مقدار» صدورا «غالبا» لا دائما ، فإنّه قد يصدر عن غير مقدار كما سيأتي ، ويجوز أن يكون عن بمعنى بعد ، نحو قوله تعالى : (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) [الانشقاق / ١٩] ، والمراد بالمقدار ما يقدّر به الشيء ، أي يعرف به قدره ويبيّن.

والمقادير إمّا مقاييس مشهورة موضوعة ليعرف بها قدر الأشياء كالأعداد ، وما يعرف به قدر الكيل كالقفيز (١) والإردبّ (٢) والكرّ (٣) ، وما يعرف به قدر الموزون كضبحات الوزن كالطّسوج (٤) والدانق (٥) والدينار والمنّ والرطل وغير ذلك ، وما يعرف به قدر المذروع والممسوح كالذراع وقد راحة وقد شبر ونحو ذلك. أو مقاييس غير مشهورة ولا موضوعة للتقدير كقوله تعالى : (مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً) [آل عمران / ٩١] وقولك : عندي مثل زيد رجلا ، وأمّا غيرك رجلا وسواك إنسانا فمحمول على مثلك بالضديّة ، وقولك : بطولك رجلا ، وبعرضه أرضا ، وبغلظه خشبا ، ونحو ذلك من المقاييس. أيضا فهذه المقادير إذا نصبت عنها التمييز أردت بها المقدّرات لا المقادير ، لأنّ قولك : عندي عشرون درهما وذراع ثوبا ورطب زيتا ، والمراد بعشرون هو الدراهم لا مجرّد العدد وبذراع المذروع وبرطل الموزون إلا ما يوزن به وكذا في غيرها قاله الرضيّ.

«والخفض» أي خفض إضافة تمييز المقدار بإضافة التمييز إليه كشبر أرض وقفيز برّ ومنوي عسل وتمر «قليل» لما سيأتي ، هذا إذا لم يكن المميّز عددا أو مضافا ، فإن كان

__________________

(١) القفيز : مكيال كان يكال به قديما.

(٢) الاردبّ : مكيال يسع إربعة وعشرين صاعا.

(٣) الكرّ : مكيال لأهل العراق ، أو ستبون قفيزا ، أو أربعون إردبّا.

(٤) الطسوج : حبتان من الدوانيق.

(٥) الدانق : سدس الدرهم.

٣٣٠

عددا نحو : عشرين درهما ومضافا نحو : بمثله مددا ومل الأرض ذهبا تعيّن النصب ، ويصدر «عن غيره» أي غير المقدار صدورا «قليلا» ، وضابطه كلّ فرع حصل له بالتفريع اسم خاصّ يليه وأصله ، ويكون بحيث يصحّ إطلاق اسم ذلك الأصل على ذلك الفرع ، نحو : خاتم حديدا وباب ساجا وجبّة خزّا ، وأمّا الفرع الّذي لم يحصل له اسم خاصّ ، فلا يجوز انتصاب مايليه على التمييز ، نحو : قطعة ذهب وقليل فضة. قال بعض المحقّقين : فيشكل تعريف التمييز بقطعة ذهب ، لأنّ ذهبا يرفع الإبهام المستقرّ عن قطعة ، إلا أن يقال : إنّه تمييز ، لكن لا يجوز نصبه كما في ثلاثة رجال.

«والخفض» أي خفض تمييز غير المقدر بإضافة المميّز كخاتم حديد وباب ساج وجبّة خزّ «كثير» ، لأنّ إبهامه أخفّ من إبهام المقدار لكونه أكثر إبهاما يحتاج إلى مميّز ، ونصب المميّز نصّ على كونه مميّزا ، وهو الأصل في التمييز بخلاف الخفض ، فإنّه علم الإضافة فهو في غير المقدار أولى ، مع أنّ الخفّة معه أكثر لسقوط النونين والتنوين بالإضافة ، ويجوز جرّ النوعين بمن أيضا سواء كان المميّز مضافا ، نحو : مل الأرض من ذهب ، أو لم يكن نحو : رطل من زيت ، وخاتم من حديد.

ويمتنع في ثلاث مسائل : إحداها تمييز العدد ، نحو : عشرين درهما ، ولا يرد على جواز عشرين من الدراهم لخروجه عن التمييز بتعريفه. الثانية : التمييز المحوّل عن المفعول كغرست الأرض شجرا. الثانية ما كان فاعلا في المعنى كطاب زيد نفسا ، وزيد أكثر مالا. واختلف في من هذه فقيل : زائدة ، وقيل : للتبعيض ، وقيل : للتييين ، وهو الصحيح.

تنبيه : تمييز الذات إمّا أن يكون عن عدد أو عن غيره ، والأوّل إمّا أن يكون جنسا أولا ، والجنس إمّا أن يقصد به الأنواع أو لا ، وعلى كلا الوجهين يجب إفراد التمييز ، والأوّل يجب خلوّه عن تاء الوحدة نحو عشرون ضربا أو تمرا ، والثاني يجب كونه مع تاء الوحدة نحو : عشرون ضربة أو تمرة ، فالأوّل لبيان عدد الأنواع ، والثاني لبيان عدد الآحاد ، وإن كان عن عدد وليس بجنس ، نحو : عشرون درهما وجب إفراده والّذي عن غير العدد إن كان جنسا ثنّي إذا أريد تثينته ، وجمع إذا أريد جمعه ، وإلا أفرد ، تقول : عندي مثله تمرا أو تمرين أو تمورا ، وإن لم يقصد من الجنس الأنواع وجب إفراده ، نحو : مثله تمرا ، وإن لم يكن جنسا طوبق به ما يقصد مفردا كان أو مثنّى أو مجموعا ، نحو مثله رجلا أو رجلين أو رجالا.

٣٣١

ومحصّل التقسيم أنّ التمييز عن الذات إمّا أن يكون عن عدد أولا ، والعدد إمّا جنس أو لا ، والجنس إمّا أن يقصد به الأنواع أولا ، وغير العدد إمّا جنس أو لا ، والجنس إمّا أن يقصد به العدد أو لا ، هذا حاصل تقسيم الرضي عليه من الله الرضا.

«والثاني» : أي «التمييز» الرافع للإبهام المستقرّ «عن نسبة» يصدر عن نسبة كائنة في جملة أو نحوها ، وهو إمّا اسم الفاعل مع مرفوعه كزيد متفقّئ شحما (١) أو اسم المفعول معه نحو : الأرض مفجّرة عيونا أو أفعل التفضيل معه ، نحو : أنا أكثر مالا وخير مستقّرا أو الصفة المشبهة معه ، زيد طيب أبا أو المصدر ، نحو : أعجبني طيبه أبا ، وكذا كلّ ما فيه معنى الفعل ، نحو : حسبك بزيد رجلا ، وسرعان ذا إهالة وويلم أيام الشباب معيشة ، ويالزيد فارسا ، أو في إضافة ، نحو : أعجبني طيبه أبا ، وهو داخل في شبه الجملة ، فلا حاجة إلى إفراده بالذكر ، نحو : عندي «رطل زيتا» مثال للتمييز عن المقدار والرّطل بالفتح والكسر ، وهو أفصح ، اثنتا عشرة أوقية والأوقية أستار وثلثاه ، والأستار أربعة مثاقيل ونصف ، والمثال درهم وثلاثة أسباع درهم ، والدرهم سنة دوانيق ، والدانق قيراطان ، والقيراط طسوجان ، والطسوج حبّتان ، كذا في القاموس ، وجعله الفاضل الهنديّ مثالا للمكيل ، وسهاه بعضهم ، وليس بسهو ، فقد قيل في المغرب الرطل بالفتح والكسر ما الّذي يوزن به أو يكال به ، انتهى.

«وخاتم فضة» مثال للتمييز عن غير المقدار («وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً) [مريم / ٤]» مثال للتمييز عن النسبة في جملة. ولله درّه فارسا مثال للتمييز في نحو جملة ، لأنّ فيه معنى الفعل ، أي عجبنا منه فارسا ، وفي الإضافة أيضا كما هو ظاهر ، ولذلك لم يأت بها بمثال ، هذا وإنّما يصلح مثالا لذلك إن كان مرجع الضمير معيّنا معلوما.

أمّا إذا كان مجهولا كان من مميّز الذات لا من مميّز النسبة ، لأنّ الضمير مبهم فيحتاج إلى ما يميّزه ، والدرّ بفتح الدّال وتشديد الرّاء المهملتين الكثرة ، في الأصل مصدر قولهم : درّ اللبن يدرّ بالكسر والضمّ درّا ، ويسمّي اللبن نفسه درّا أيضا ، وقيل : المراد في مثله الخير لاعتقادهم أنّ اللبن مصدر لكلّ خير يقرونه الضيف ، ويسقونه الخيل.

قال ابن السيدة : أصله أنّ رجلا رأي أخر يحلب نافة ليلا ، فتعجّب من كثره لبنها ، فقال لله درّك ، وقيل : معناه لله درّ اللبن الّذي رضعته من أمّك ، وأكثر ما يمثّل به النحاة مضافا لضمير الغائب ، وقد يضاف للمخاطب ولضمير المتكلّم. وللظاهر أيضا كما صرّح به الرضيّ ، وإنّما أضافوه إلى الله تعالى قصدا للتعجّب منه ، لأنّ العرب إذا أعظموا شيئا غاية الإعظام ، أضافوه إلى الله تعالى إيذانا بأنّ هذا الشيء لا يقدر على

__________________

(١) تفقّأ فلان شحما : امتلأ حتى تشقّق جلده.

٣٣٢

إيجاده إلا الله تعالى : وبأنّ هذا جدير بأن يتعجّب منه ، لأنّه صادر عن فاعل قادر مصدر للأشياء العجيبة ، سبحانه وتعالى.

تنبيهات : الأوّل : قضية إطلاقه أن تمييز النسبة لا يختصّ بما وقع بعد جملة فعلية ، وهو المشهور الّذي ذكره المغاربة خلافا لما في التسهيل من اختصاصه بذلك وما عداه فهو عنده من تمييز المفرد.

الثاني : التمييز عن النسبة أربعة أقسام : محوّل عن الفاعل نحو : (اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً) [مريم / ٤] ، أصله : اشتعل شيب الرأس ، فحوّل الإسناد إلى الرأس ، ونصب شيب على التمييز مبالغة وتوكيدا ، لأنّ ذكر الشيء مبهما ثمّ مفسّرا أوقع في النفس من ذكره من أوّل الأمر مفسّرا.

ومحوّل عن المفعول ، نحو : (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً) [القمر / ١٢] أصله : فجّرنا عيون الأرض ، ثمّ أوقع الفعل على الأرض ، ونصب عيون على التمييز ، هذا مذهب الجزوليّ وابن عصفور وابن مالك وأكثر المتأخّرين ، وأنكره الشلوبين وتلميذة الأبديّ وابن أبي الربيع ، وقالوا هذا القسم لم يذكره النّحويّون ، وتأوّل الشلوبين عيونا في الآية على أنّها حال مقدّرة ، لأنّها حال التفجير لم تكن عيونا ، وإنّما صارت عيونا بعد ذلك ، وأوّلها ابن أبي الربيع على وجهين : أحدها أن يكون بدل بعض من كلّ على حذف الضمير ، أي عيونها ، مثل أكلت الرغيف ثلثا ، أي ثلثه ، أو على نزع الخافض أي بعيون. وردّه ابن هشام في شرح اللمحة بأنّه لو كان كما زعم لم يلتزم العرب في مثله التنكير والتأخير عن الفعل ، ولصرحّوا بالخافض في وقت ، وأيضا فليس العيون مفجّرا بها بل هي نفس المفجر ، انتهى.

ومحوّل عن غيرهما نحو : (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً) [الكهف / ٣٤] ، أصله : مإلى أكثر من مالك فحذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه ، وهو الضمير ، فالرتفع ، وانفصل ، وصار أنا أكثر منك ، ثمّ جئ بالمحذوف تمييزا. وغير محوّل : نحو : امتلاء الاناء ماء ، لأنّ مثل هذا التركيب وضع ابتداء ، هكذا غير محوّل ، وأكثر وقوعه بعد ما يفيد التعجّب ، نحو : لله درّه فارسا ، وحسبك زيدا ناصرا ، أو ما أحسنه رجلا ، وأكرم به أبا.

الثالث : إذا اتّحد مميّز النسبة بما قبله معنى ، طابقه في الإفراد وضديّة ، فتقول : كرم زيد رجلا والزيدان رجلين والزيدون رجالا ، وكذا في المؤنّث ، كما تقول : زيد رجل والزيدان رجلان والزيدون رجال ونحوه ، وأمّا قوله تعالى : (وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً) [النساء / ٦٩] ، ففيه وجهان : أحدهما : أن يكون ترك الجمع فيه لفظا ، لأنّ رفيقا ممّا يستوي فيه المفرد وغيره كالصديق والعدوّ. الثاني : أن يكون الأصل : وحسن رفيق

٣٣٣

أولئك ، فحذف المضاف ، وجاء التمييز على وفقه ، وكذا إن لم يتّحدا فيطابق ، نحو : حسن زيد وجها والزيدان وجوها ، إن لم يلزم إفراد لفظ التمييز لإفراد معناه ، أو لكونه مصدرا لم يقصد اختلاف أنواعه.

فإن كان معنى التمييز مفردا تعيّن إفراد لفظه ، كقولك في أبناء رجل واحد. طاب الزيدون أصلا ، وكرموا أبا ، وكذا إن لم يقصد اختلاف أنواع المصدر ، نحو : زكا الأتقياء سعيا ، وخاب الأشقياء رأيا ، فلو قصد اختلاف المصدر لاختلاف محالّه جازت المطابقة ، نحو : تخالف الناس آراء ، وتفاوتوا أذهانا ، ومنه (بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً) [الكهف / ١٠٣] ، وإفراد المباين بعد جمع إن لم يوقع في محذور أولى ، فطاب الزيدون نفسا ، وقرّوا عينا أولى من أنفسا وأعينا لإفادة المقصود باختصار. قال تعالى : (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً) [النساء / ٤].

فإن أوقع في محذور تعيّن جمعه ، وإن كان بعد مفرد ، فتقول : كرم الزيدون بمعنى ما أكرمهم من آباء ، ولو أفردت لأوهم أنّ المقصود كون أبيهم واحدا موصوفا بالكرم ، وكذا تقول : نظف زيد ثيابا ، لأنّك لو قلت : ثوبا لأوهمت أنّه ثوب واحد (١) والناصب لمبيّن الذات المبهمة هو هي أي تلك الذات.

واختلفوا في صحّة إعمالها مع أنّها جامدة ، فقيل : لشبهها باسم الفاعل ، لأنّها طالبة له في المعنى ، فعشرين درهما شبيه بضاربين زيدا ، ورطل زيتا شبية بضارب عمرا في الاسميّة والطلب المعنويّ ووجود ما به التمام وهو التنوين والنون. وقيل : لشبهها بأفعل من وذلك في خامس مرتبة ، فإن الفعل أصل لاسم الفاعل ، لأنّه يعمل معتمدا وغير معتمد ، واسم الفاعل لا يعمل إلا معتمدا ، وهو أصل للصفة المشبهة ، لأنّه يعمل في السييّ والأجنبيّ ، فهي لا تعمل إلا في السييّ دون الأجبنيّ ، وهي الأصل لا فعل ، لأنّها ترفع الظاهر ، وهو لا يرفعه إلا في مسألة واحدة ، وهو أصل للمقادير لأنّه يتحمّل الضمير وهي لا تتحمّله ، وصحّح هذا القول ، لأنّ حمل الشيء على ما هو به أشبه أولى ، كذا في التصريح.

ناصب التمييز : «والناصب لمبيّن النسبة» عند سيبويه والمازنيّ والمبرّد والزجّاج والفارسيّ «هو المسند من فعل» ، كطاب زيد نفسا ، «أو شبهه» ، والمراد به هنا ما تضمّن معناه وحروفه من المصدر والوصف ، أو تضمّن معناه فقط كاسم الفاعل ونحو : لله درّه فارسا ، وعبّر في العمدة عن هذا بشبه شبهه ، وذهب قوم إلى أنّه العامل في مبيّن

__________________

(١) سقطت هذه الجمل في «س».

٣٣٤

النسبة ، وهو الجملة الّتي انتصب عن تمامها لا افعل ولا ما أشبه ، واختاره ابن عصفور وعزاه إلى المحقّقين.

وهنا انتقضي كلام المصنّف (ره) في النوع الثاني من المعربات من الأسماء ، وهو ما يرد منصوبا لا غير فشرع في النوع الثالث منها وهو ما يرد مجرورا لا غير ، فقال :

المضاف إليه

ص : النوع الثالث : ما يرد مجرورا لا غير ، وهو اثنان :

الأوّل : المضاف إليه : وهو ما نسب إليه شيء بواسطة حرف جرّ مقدّر مرادا ، وتمتنع اضافة المضمرات ، وأسماء الاستفهام ، وأسماء الشرط ، والموصولات ، سوى «أيّ» في الثلاثة ، وبعض الأسماء تجب إضافتها ، إمّا إلى الجمل وهو : إذ ، وحيث ، وإذا ، أو إلى المفرد ظاهرا أو مضمرا وهو : كلا وكلتا ، وعند ، ولدي وسوى ، أو ظاهرا فقط وهو : أولو وذو وفروعهما ، أو مضمرا فقط وهو : وحده ولبّيك وأخواته.

تكميل : يجب تجرّد المضاف عن التنوين ونوني المثنّى والجمع وملحقاتهما ، فإن كانت إضافة صفة إلى معمولها فلفظيّة ، ولا تفيد إلا تخفيفا ، وإلا فمعنويّة ، وتفيد تعريفا مع المعرفة ، وتخصيصا مع النكرة ، والمضاف إليه فيها إن كان جنسا للمضاف فهي بمعنى «من» أو ظرفا له فبمعنى «في» أو غيرهما فبمعنى «اللام» ، وقد يكتسب المضاف المذكر من المضاف إليه المؤنّث تأنيثه وبالعكس ، بشرط جواز الاستغناء عنه بالمضاف إليه ، كقوله : «كما شرقت صدر القناة من الدّم» وقوله : «انارة العقل مكسوف بطوع هوى» ومن ثمّ امتنع : قامت غلام هند.

ش : «النوع الثالث» من المعربات «ما يرد مجرورا لا غير ، وهو اثنان» لا ثالث لها.

«الأوّل : المضاف إليه» ، والاضافة لغة الإمالة والإسناد ، ومنها ضافت الشمس للغروب ، أي مالت ، وأضفت ظهري إلى الحائط ، أي أملته ، وأسندته إليه. واصطلاحا نسبة تفييديّة بين اسمين توجب لثانيهما الجرّ ، فخرج بالتقييديّة الإسناديّة ، وبما بعده زيد قام ، وقام زيد.

ولا ترد الإضافة إلى الجمل ، لأنّها في تأويل الاسم وبالأخير الوصف ، كزيد الخيّاط ، وما جرى عليه المصنّف من كون المضاف إليه هو الثاني ، فيكون المضاف هو الأوّل ، و

٣٣٥

هو مصطلح سيبويه وابن مالك وأكثر المتأخّرين ، وهو المشهور ، وقيل : عكسه ، وقيل : يجوز في كلّ كلّ.

«وهو» أي المضاف إليه اصطلاحا «ما» أي اسم حقيقة أو حكما ، ليشمل الجملة المضاف إليها نحو : (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) [الأنعام / ٧٣] ، «نسب إليه شيء» ، ولا يكون إلا اسما «بواسطة حرف جرّ مقدّر» حال كون هذا المقدّر «مرادا» احترازا عن المفعول فيه والمفعول له ، فإنّ حرف الجرّ مقدّر فيهما ، لكنّه غير مراد. كذا قال ابن الحاجب.

واعترضه الرضيّ بأنّه إن أريد أنّه غير مراد معنى لم يجز إذ معنى الظرفيّة ، والتعليل فيهما ظاهر ، وأيضا فلا معنى لتقدير الحرف إلّا أنّه مراد معنى ، وإن أريد أنّه غير مراد لفظا كان كأنّك قلت : المضاف إليه كلّ اسم صفته ، كذا مجرور بحرف جرّ مقدّر فيقضي إلى الدّور ، لأنّ معرفة حقيقته متوقّفة على معرفة ما أخذ في التعريف ، وهو كونه مجرورا بحرف جرّ مقدّر ، وكونه مجرورا بذلك متوقّف على معرفة كونه مضافا إليه ، انتهى.

تنبيهات : الأوّل : المتبادر من هذا الحدّ أنّه لا يشتمل المضاف إليه بالإضافة اللفظيّة على المشهور من أنّها ليست على معنى الحرف فينتقض به إلا أن يحمل على ما ذهب إليه بعضهم من أنّها على معنى الحرف ، لكنّه لم يبيّن فيما سيأتي تقدير الحرف كما بيّنه في المعنويّة ، وسيأتي تحقيق ذلك.

الثاني : استشكل حكمهم بأنّ كلّ مضاف إليه مجرور بنحو : (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف / ٨٢] ، وأجاب بعض المحقّقين بالتزام أنّ المضاف إليه في ذلك مجرور تقديرا ، معترفا بأنّه تكلّف أمرا بالتأمّل ، وقال بعضهم : وقد يجاب بأنّه عامّ مخصوص ، قال : ولعلّ هذا أقرب ، انتهى. ولا يخفي سقوط هذا الإشكال راسا.

في عامل الجرّ في المضاف إليه : الثالث : في عامل الجرّ في المضاف إليه قولان آخران أحدهما : أنّه الإضافة ، الثاني : أنّه المضاف ، وهو الصحيح ، ولا ينافيه قولنا في تعريف الإضافة : إنّها توجب لثاني الاسمين الجرّ ، لأنّ كونها سببا للجرّ لا يستلزم كونها عاملة له.

ما يمتنع اضافته من الأسماء : واعلم أنّ الغالب في الأسماء أن تكون صالحة للإضافة والإفراد كغلام وثوب. و «تمتنع إضافة المضمرات» خلافا للخليل والأخفش والمازنيّ ومن وافقهم في نحو إيّاي وايّاك ، حيث ذهبوا إلى أنّ أيّا اسم مضمر ، وما بعدها مضمر

٣٣٦

مضاف إليه ، وحجّتهم أنّها جاءت إضافتها إلى الظاهر في قول العرب : إذا بلغ الرجل ستّين فإيّاه وإيّا الشواب (١). وإذا أثبتت إضافته إي الظاهر الّذي يظهر فيه الإعراب وجب الحكم بإضافته إلى الضمير الّذي لا يظهر فيه الإعراب.

وأمّا كون الضماير لا تضاف ، فغير مانع من إضافة هذا النوع ، لأنّ الاحكام العامّة قد تتخلّف في بعض الصور بدليل تخلّف لدن عن جرّ غدوة ، وتخلّف لو لا عن ضمّ المرفوع بها ، وتخلّف عسى عن اتّصال ضمير المرفوع بها بعدها ، فكذلك هذا النوع من المضمرات في منع الإضافة ، واختاره ابن مالك.

والأصحّ ما ذهب إليه سيبويه والأخفش في أحد قوليه وجمهور البصريّين وأبو على من المتأخّرين من أنّ الضمائر لا تضاف مطلقا ، ولا تثبت إضافة إيّا بما رواه الخليل لشذوذه ، وما اتّصل بها إنّما هو حرف يدل على أحوال المرجوع إليه من التكلّم والخطاب والغيبة ، وسيأتي ذكر المضمرات مستوفيا في المبنيّات.

«و» إضافتة «أسماء الإشارة» وسيأتي أيضا ذكرها ثمّة. وأمّا ذلك ونحوه فالكاف فيه حرف خطاب بإجماع النّحاة. «و» إضافة «أسماء الاستفهام» وهي عشرة «كم وكيف ومن ومهما ما وأيّ وأين وأيّان ومتى وأنّي» ، وسيأتي شرح بعضها في حديقة المفردات إن شاء الله تعالى. «و» إضافة «أسماء الشرط» ويأتي ذكرها في حديقة الأفعال. «والموصولات» ويأتي ذكرها في المبنيّات.

وإنّما امتنعت إضافة هذه المذكورات لشبهها بالحرف ، والحرف لا يضاف «سوى أيّ في الثلاثة» أي في أسماء الاستفهام والشرط والموصولات ، فإنّها لا تمتنع إضافتها لضعف الشبه بما عارضه من شدّة افتقارها إلى مفرد مضاف إليه ، سيأتي شرحها مستوفيا في حديقة المفردات ، إن شاء الله تعالى.

ما تجب إضافته من الأسماء : «وبعض الأسماء تجب إضافتها» أعاد الضمير مؤنّثا على بعض مع كونها مذكّرا لاكتساب التأنيث من المضاف إليه كما يجىء بيان ذلك في هذا الباب عن قريب إن شاء الله تعالى. وإضافتها «إمّا إلى الجمل وهو نوعان» : مضاف إلى الجمل مطلقا اسميّة كانت أو فعلية ، ومختصّ بالجمل الفعلية.

فالأوّل : «إذ» من أسماء الزمان ، نحو قوله تعالى : (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ) [الأنفال / ٢٦] ، و (وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً) [الأعراف / ٨٦] ، وشرط الاسميّة أن لا يكون خبر المبتدأ فيها فعلا ماضيا ، نحو : زيد قام ، نصّ عليه سيبويه ، والأكثرون على قبحه ، و

__________________

(١) الشواب : جمع شابّة.

٣٣٧

وجّهوه بأنّ إذ لمّا كانت لما مضي ، وكان الفعل الماضي مناسبا لها في الزمان ، وكانا في جملة واحدة لم يحسن الفصل بينهما ، بخلاف ما إذا كان مضارعا ، نحو : إذ زيد يقوم ، فإنّه حسن ، ونقض بنحو : إذا زيد يقوم وأجاب ابن الحاجب بأنّه لحكاية الحال ، والتزم الرضيّ قبحه أيضا. وشرط الفعلية أن يكون فعلها ماضيا لفظا ومعنى كما مرّ ، أو معنى لا لفظا ، نحو : (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ) [البقرة / ١٢٧] ، وقد يحذف جزء هذه الجملة ، فيظنّ من لا خبرة له أنّها أضيفت إلى المفرد كقوله [من البسيط] :

٢٧٨ ـ هل ترجعنّ ليال قد مضين لنا

والعيش منقلب إذ ذاك أفنانا (١)

والتقدير إذ ذاك كذلك.

وقد تحذف الجملة بأسرها ، ويعوّض عنها التنوين ، قال أبو حيّان : والّذي يظهر من قواعد العربية أنّ هذا الحذف جائز لا واجب ، وتكسر ذالها حينئذ لالتقاء الساكنين على الأصل ، كقوله تعالى : (وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ) [الواقعة / ٨٤] ، أي حين إذ بلغت الروح الحلقوم ، وزعم الأخفش أنّ إذ حينئذ معربة ، والكسر جرّ إعراب بالإضافة لا بناء ، وحمله على ذلك أنّه جعل بناءها ناشيا عن إضافتها إلى الجملة ، فلمّا زالت من اللفظ صارت معربة ، وهو مردود بأنّه قد سبق لإذ حكم البناء ، والأصل استصحابه حتى يقوم دليل على إعرابه ، وبأنّ العرب قد بنت الظرف المضاف لإذ ولا علّة لبنائه إلا كونه مضافا لمبنيّ ، فلو كانت الكسرة إعرابا لم يجز بناء الظرف وبأنّهم قالوا : بفتح الذّال منوّنا ، وإن كان معربا لم يجز فتحه ، لأنّه مضاف إليه فدلّ [هذا] على أنّه مبنيّ مرّة على الكسر لالتقاء الساكنين ، وهو الغالب ، ومرّة على الفتح طلبا للتخفيف ، وسيأتي تمام الكلام على إذ في حديقة المفردات إن شاء الله تعالى.

«وحيث» ، نحو : جلست حيث جلس زيد ، وحيث زيد جالس ، وشرط الاسميّة أن لا يكون الخبر فيها فعلا ، نصّ عليه سيبويه ، وإضافتها إلى الفعلية أكثر. قال ابن النحاس : ليس في ظروف المكان ما يضاف إلى الجملة غير حيث لما أبهمت لوقوعها على كلّ جهة إحتاجت في زوال إبهامها ، أي إضافتها لجملة كإذ وإذا في الزمان ، انتهى.

وربّما أضيفت إلى المفرد كقوله [من الطويل] :

٢٧٩ ـ ...

 ... حيث ليّ العمائم (٢)

__________________

(١) لم يسم قائله لكن بعض المصادر تنسبه إلى عبد الله بن المعتز. وأكثر المصادر على أنه لا يوجد في ديوان ابن المعتز. اللغة : الأفنان : جمع فنن بمعنى الغصن الملتف ، أو جمع فنّ بمعنى الضرب من الشيء.

(٢) تمامه

«ونطعنهم تحت الحبا بعد ضربهم

ببيض المواضي ...»

وهو منسوب للفرزدق وليس في ديوانه. اللغة : الحبا : جمع الحبوة بمعنى ما يحتبي به من ثوب وغيره ، البيض جمع أبيض بيضاء بمعنى السيوف ، المواضي : جمع الماضي بمعنى القاطع.

٣٣٨

ولا يقاس عليه خلافا للكسائيّ ، ولا يشترط في إضافتها إلى الجمل ظرفيتها ، وزعم المهدويّ (١) شارح الدريدية (٢) أنّ حيث في قوله [من الرجز] :

٢٨٠ ـ ثمّت راح في الملبيّن إلى

حيث تحجّي المازمان ومني (٣)

إنّها لمّا خرجت عن الظرفية بدخول إلى عليها خرجت عن الإضافة إلى الجمل ، وصارت الجملة بعدها صفة لها ، وتكلّف لها تقدير رابط ، وقال ابن هشام : وليس بشيء ، وإذا دخلت عليها ما الكافّة تضمّنت معنى الشرط كقوله [من الخفيف] :

٢٨١ ـ حيثما تستقم يقدّر لك الله

نجاحا في غابر الأزمان (٤)

قال ابن هشام : وهذا البيت عندي دليل على مجيئها للزمان.

«و» النوع الثاني وهو المختصّ بالجمل الفعلية «إذا» عند غير الأخفش والكوفيين ، ويقع شرطها وجوابها ماضيين ، نحو : (وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ) [الإسراء / ٨٣] ، ومضارعين نحو : (إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ) [الإسراء / ١٠٧] ، ومختلفين نحو : (وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) [المائدة / ٨٣] ، (إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا) [مريم / ٥٨] ، وماضيا وأمرا نحو : (إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَ) [الطلاق / ١] وسيأتي تتمّة الكلام عليها في حديقة المفردات.

«أو إلى مفرد» والمراد به ما يقابل الجملة ، وهو أيضا نوعان : ما يجوز قطعه عن الإضافة فينوّن ، نحو : كلّ ، إذا لم يقع نعتا ولا توكيدا ، أو بعض وأيّ ، كقوله تعالى : (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [الأنبياء / ٣٣] و (فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) [البقرة / ٢٥٣] ، و (أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) [الإسراء / ١١٠].

وما يلزم الإضافة لفظا ، وهو ما يضاف للمفرد حال كونه «ظاهرا» تارة و «مضمرا» [تارة] أخري ، «وهو كلا وكلتا» نحو : كلا الرجلين وكلاهما وكلتا المرأتين وكلتاهما ، ولا يضافان إلا لما استشكل ثلاثة شروط :

أحدها : التعريف ، فلا يجوز كلا رجلين ولا كلتا امراتين خلافا للكوفيّين ، وذلك أنّ وضعهما للتأكيد ، ولا يؤكّد التاكيد المعنويّ إلا المعارف.

__________________

(١) لعله أبو عبد الله محمد بن جعفر القيرواني (ـ ٤١٢ ه‍ ق) له شرح المقصورة ، والجامع في اللغة. مغني اللبيب ص ٥٤٨.

(٢) الدريدية هي مقصورة ابن دريد اللغويّ البصريّ المتوفى سنة ٣٢١ ه‍. كشف الظنون ، ٢ / ١٨٠٧.

(٣) البيت لمحمد بن الحسن بن دريد صاحب الجمهرة والاشتقاق. اللغة : الملبيّن : جمع ملب ، وهو من يقول لبيّك اللهمّ لبيّك ، تحجّي : أقام ، المأزمان : موضع بين المشعر وعرفات.

(٤) لم يذكر قائله. اللغة : الغابر : الباقي.

٣٣٩

الثاني : الدلالة على اثنين أمّا بالنصّ ، نحو : كلاهما أو بالاشتراك ، نحو قوله [من الطويل] :

٢٨٢ ـ كلانا غنيّ عن أخيه حياته

ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا (١)

فإنّ كلمة «نا» مشتركة بين الاثنين والجماعة. وإنّما صحّ قوله [من الرمل] :

٢٨٣ ـ إنّ للخير وللشّر مدي

وكلا ذلك وجه وقبل (٢)

لأنّ ذا مثناة في المعنى ، مثلها في قوله تعالى : (لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ) [البقرة / ٦٨] أي وكلاما ذكر.

الثالث : أنّ يكون المضاف إليه كلمة واحدة ، وقد يفرق بالعطف بالواو في الشعر كلا زيد وعمرو ، قال [من البسيط] :

٢٨٤ ـ كلا أخي وخليلي واجدي عضدا

في النّائبات وإلمام الملمّات (٣)

قال بعضهم : ولا ينوّن كلا ، وإن ذكرت من غير إضافة ، لأنّهم يستنكرون تنوين ما غلب عليه التجريد منه لأجل الإضافة.

«وعند» وهو ظرف مكان يستعمل في الحضور والقرب سواء كانا حسّيين ، نحو : (فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ) [النمل / ٤٠] ، (عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى) [النجم / ١٥ و ١٤] ، أو معنويّين ، نحو : (قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ) [النمل / ٤٠] ، (وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ) [ص / ٤٧].

قال المراديّ في شرح التسهيل : وإذا كان مظروفها معنى كانت للزمان ، نحو : إنّما الصبر عند الصدمة الأولى ، وربّما فتحت عينها ، أو ضمّت ، ولا يقع إلا ظرفا أو مجرورة بمن ، وبها ينبغي أن يحلّ ما ألغز به الحريرى حيث قال : وما منصوب أبدا على الظرف لا يخفضه سوى حرف. وأمّا قول العامّة : ذهبت إلى عنده فلحن ، وأمّا قول بعض المولّدين [من المجزوء الرّمل] :

٢٨٥ ـ كلّ عند لك عندي

لا يساوي نصف عند (٤)

فقال الحريرى لحن ، قال ابن هشام : وليس كذلك بل كلّ كلمة ذكرت وأريد بها لفظها فسائغ أن تتصرّف تصرّف الأسماء ، وأن تعرب ويحكى أصلها ، انتهى.

__________________

(١) هو للأبيرد الرياحيّ أو لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. اللغة : التغاني : الغتناء ، يقال استغني بعضهم عن بعض.

(٢) البيت لعبد الله بن الزبعري : اللغة : مدي : غاية ومنتهي ، وجه : وجهه ، قبل : له عدة معان ، ومنها المحجّة الواضحة.

(٣) اللغة : عضدا : معينا ، النائبات : جمع النائبة ، وهي ما ينتاب الإنسان ويعرض له من نوازل الدهر ، إلمام : نزول ، الملمات : جمع ملمة ، وهي ما يترل بالمرء من المحن والمصائب.

(٤) هو لبعض المولدين في مغني اللبيب ص ٢٠٧.

٣٤٠

ومثله قول الأخر [من الطويل] :

٢٨٦ ـ يقولون هذا عندنا ليس ثابتا

ومن أنتم حتى يكون لكم عند (١)

«ولدى» ، نحو : (لَدَى الْبابِ) [يوسف / ٢٥] ، (وَلَدَيْنا مَزِيدٌ) [ق / ٣٥] ، وهي بمعنى عند ، لكن عند أمكن منها من وجهين : أحدهما أنّها تكون ظرفا للأعيان والمعاني ، نحو : عندي مال ، وهذا القول عندي صحيح ، ويمتنع الثاني في لدي ، ذكره ابن الشجرى في أمإليه ومبرمان (٢) في حواشيه. والثاني أنّك تقول : عندي مال وإن كان غائبا ، ولا تقول ، لديّ مال ، إلا إذا كان حاضرا ، قاله الحريرى وأبو هلال العسكريّ (٣) وابن الشجرى ، قال ابن هشام : وزعم المعريّ أنّه لا فرق بين لدي وعند ، وقول غيره أولى ، انتهى. وتعامل ألفها معاملة ألف إلى وعلى ، فتسلم مع الظاهر ، وتقلب ياء مع المضمر غالبا ، وقد يقال : لداكم.

«وسوى» نحو سوى زيد وسواك ، وسيأتي الكلام عليها في بحث المستثنى إن شاء الله تعالى.

تنبيه : استعمل بعضهم سوى مقطوعة عن الإضافة ، وممّن استعملها كذلك الخزرجيّ (٤) في منظومة العروضية ، فقال : تؤلّف من جزئين فرعين لا سوى وعند النّحويّين لها فيما يلزم الإضافة يقتضي منعه ، فتدبّ.

أو حال كونه «ظاهرا فقط» أي فحسب ، «وهو أولو» بمعنى أصحاب ، اسم جمع لا واحد له من لفظه بل من معناه ، وهو ذو ، قال الله تعالى : (نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ) [النمل / ٣٣].

«وذو» الدال على صحبة ، ولا ذو الموصولة ، نحو قوله تعالى : (وَذَا النُّونِ) [الأنبياء / ٨٧] ، «وفروعها» ، نحو و (أُولاتُ الْأَحْمالِ) [الطلاق / ٤] ، و (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ) [الطلاق / ٦] ، (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ) [الطلاق / ٢] ، (وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ) [الأنفال / ١] ، (ذَواتا أَفْنانٍ) [الرحمن / ٤٨] ، (ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ) [سباء / ١٦]. ولا يضافان إلا إلى ظاهر اسم جنس ، ونعني به ما يقابل الصفة ، فلا يقال : جاءني رجال

__________________

(١) لم اهتد على هذا البيت.

(٢) محمد بن على أبو بكر المعروف بمبرمان ، كان قيّما بالنحو ، له من التصانيف ، شرح شواهد سيبويه ، شرح كتاب الأخفش ، النحو المجموع على العلل ، مات سنة ٣٤٥ ه‍ ق. بغية الوعاة ، ١ / ١٧٧.

(٣) الحسن بن عبد الله أبو هلال العسكري صاحب الصناعتين ، كان موصوفا بالعلم والفقه والغالب عليه الأدب والشعر ، له من التصانيف : كتاب صناعتي النظم والنثر ، التخليص في اللغة ، جهرة الامثال و... توفّي بعد سنة ٣٩٥ ه‍ ق. المصدر السابق ص ٥٠٦.

(٤) أحمد بن مسعود الحزرجيّ ، كان إماما في التفسير والنحو واللغة والعروض ، له تاليف حسان وشعر رائق ، الأعلام للزركلي ، ١ / ٢٤١.

٣٤١

أولوا عاقل ولا رجل ذو عاقل ، وذلك لأنّ ذا وأولو فرع عنها في الحقيقة ، إنّما وضعت وصلة إلى جعل أسماء الأجناس صفة ، وذلك لأنّهم لمّا أرادوا أن يصفوا شخصا بالذهب مثلا فلم يتأتّ لهم أن يقولوا : جاءني رجل ذهب ، فجاؤوا بذو وأضافوه إليه ، فقالوا ذو ذهب ، وأمّا إذا جاز كون تإليها صفة فلم يكن للمجيئ بها.

فائدة : قيل : وهذه هي الحكمة الّتي اقتضت اشتراط الظاهر ، لأنّ الضمير بوضعه لا يدلّ على حقيقة معينة ليقصد الوصف بها ، وإن كان المراد معيّنا باعتبار مرجعه ، لكنّه ليس معيّنا باعتبار لفظه ، وأمّا قول الشاعر [من الرمل] :

٢٨٧ ـ وإنّما يعرف ذا الفض

 ... ل من الناس ذووه. (١)

فشاذّ ، وقيل : لحن.

قال الزّجاجيّ في شرح أدب الكاتب (٢) : أنشدنا أبو بكر بن دريد ، قال : أنشدنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي قال : أنشدنا أعرابيّ من بني غنم ثمّ من بني حنظلة لنفسه [من الرمل] :

٢٨٨ ـ من تصدّي لأخيه بالغني فهو أخوه

تلقه المثري فإن أملق أقصاه بنوه

لو رأى الناس بنينا سائلا ما وصلوه

وهم لو طمعوا في زاد كلب أكلوه

لا تراني آخر الدهر بتسال أفوه

أنّ من يسأل سوى الرحمن يكرم حارموه

والّذي قام بإرزاق الورى طرّا سلوه

وعن الناس بحمد الله فاغنوا واحمدوه

تلبسوا أثواب عزّ فاسمعوا قولي وعوه

أنت ما استغنيت عن صاحبك الدهر أخوه

فإذا احتجت إليه ساعة مجّك فوه

أهنا المعروف ما لم تبتذل فيه الوجوه

إنّما يصطنع المعروف في الناس ذووه.

وشذّ أيضا قطعها عن الإضافة وإدخال أل عليها في قول الأخر [من الوافر] :

٢٨٩ ـ فلا أعني بذلك أسفليكم

ولكنّي أريد به الذّوينا (٣)

«أو» حال كونه «مضمرا فقط» وهو نوعان : ما يضاف لكلّ مضمر متكلّم أو مخاطب أو غائب ، مفردا كان أو مثنّى أو مجموعا مذكّرا أو مؤنّثا ، «وهو وحده» ، نحو : (إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ) [غافر / ١٢] ، وقوله [من الرجز] :

٢٩٠ ـ وكنت إذ كنت إلهي وحدكا

 ... (٤)

__________________

(١) لم يسمّ قائله.

(٢) أدب الكاتب لأبي محمد عبد الله بن مسلم المعروف بابن قتيبة النحوي المتوفى ٢٧٠ ه‍ ق له شروح منها شرح أبي القاسم الزجاجي المتوفى سنة ٣٣٩ ه‍ ق. كشف الظنون. ١ / ٤٨.

(٣) البيت للكميت بن زيد. اللغة : أسفلنون جمع أسفل ، وأسفل الشيء ضد أعلاه.

(٤) تمامه «لم يك شيئا يا الهي قبلكا» ، وهو لعبد الله بن عبد الأعلى علي القرشي.

٣٤٢

وقوله [من المنسرح] :

٢٩١ ـ والذّئب أخشاه إن مررت به

وحدي وأخشى الرّياح والمطرا (١)

وهو ملازم للتذكير والإفراد والنصب ، وللنحويّين فيه أقوال :

أحدها : مذهب سيبويه أنّه اسم موضوع موضع المصدر الموضوع موضع الحال فوحد في موضع اتّحاد ، واتّحاد في موضع موحد ، وهو الحال. قال ابن بابشاذ في شرح الجمل : وكان بعض أصحابنا يزيد على ذلك ، فيقول : وحد ناب مناب إيحاد ، وإيجاد ناب مناب موحد ، وموحد ناب مناب انفراد ، وانفراد ، وانفراد ناب مناب منفرد ، ومنفرد هو في الحقيقة حال ، انتهى. وهو تطويل مسافة من غير ضرورة.

الثاني : أنّه مصدر أوحدته ، وهو محذوف الزوائد ، وذهب إليه ابن جنيّ.

الثالث : أنّه مصدر لم يلفظ له بفعل ، وعلى هذين القولين فهو مصدر في موضع الحال.

الرابع : مذهب يونس أنّه نصب على الظرف ، فقول العرب : زيد وحده ، التقدير زيد موضع التفرّد.

وأجاز ابن هشام فيها وجهين : أحدهما ما قاله يونس ، والثاني أن يكون مصدرا بفعل مقدّر ، هو الخبر كما قالوا : زيد إقبالا ، أي أقبل إقبالا.

وحكى الأصمعيّ : وحد يحد ، وعليه هو مصدر لفعل مستعمل ، وقد يجرّ بعلى. حكى أبو زيد : قبضت كلّ درهم على وحده ، أي حدته. وحكى ابن سيدة : جلسا على وحدهما ، وبإضافة نسيج وجحيش تصغر جحش ، وهو ولد الحمار ، وعيير تصغير عير ، وهو الحمار يقال : نسيج وحده وجحيش وحده وعيير وحده ، ومعنى الأوّل المدح وتالييه الذمّ ، وربّما ثنّي مضافا إلى ضمير مثنّى ، حكى ابن سيدة جلسا على وحديهما.

تنبيه : اختلف القائلون بأنّه نصب على الحال فيما إذا قيل : رأيت زيدا وحده ، فالأكثرون يقدّرون في حال إيحادي له بالرّؤية ، ويعبّرون عن هذا بأنّه حال من الفاعل. والمبرّد يقدّره في حال أنّه مفرد بالرّؤية ، ويعبّر عن هذا بأنّه حال من المفعول ، ومنع أبو بكر بن طلحة كونه حالا من الفاعل ، وقال : إنّه حال من المفعول ليس إلا ، لأنّهم إذا أرادوا الفاعل قالوا مررت به وحدي كما قال الشاعر [من المنسرح] :

٢٩٢ ـ والذئب أخشاه إن مررت به

 ... (٢)

__________________

(١) هو للربيع بن ضبع الفزاريّ. اللغة : أخشى : أخاف.

(٢) تقدّم برقم ٢٩١.

٣٤٣

وهذا الّذي قاله ابن طلحة في البيت صحيح ، ولا يمتنع من أجله أن يأتي الوجهان المتقدّمان في رأيت زيدا وحده ، فأنّ المعنى يصحّ معهما.

وما يضاف لضمير المخاطب فقط وهو «لبيّك وأخواته» وهي سعدى ك وحنانيك ودواليك بفتح الدّال المهملة وهجاجيك (١) وهذا ذيك بذالين ، قال [من الرجز] :

٢٩٣ ـ ...

ضربا هذا ذيك وطعنا وخضا (٢)

وقد مرّ معنى ذلك كلّه ، وقول الأعلم : إنّ الكاف فيها لمجرّد الخطاب مثلها في ذلك مردود ، لقولهم حنانيه ولبّي زيد ، ولحذفهم النون لأجلها ولم يحذفوها في ذانك ، وبأنّها لا تلحق الأسماء الّتي تشتبه الحرف ، وشذّت إضافة لبّي لضمير الغائب في نحو قوله [من الرجز] :

٢٩٤ ـ ...

لقلت لبّيه لمن يدعوني (٣)

وإلى الظاهر في قوله [من المتقارب] :

٢٩٥ ـ دعوت لما نابني مسورا

فلبّي يدي مسور (٤)

وقال في الإتشارف : ودعوى الشذوذ فيهما باطلة. قال سيبويه : في هذا البيت ردّ على يونس في زعمه أنّ لبّي مفرد ، فأصله لبّي بألف بعد الموحّدة على زنة فعلى بسكون العين ، فقلبت الألف ياء لأجل الضمير ، كما قلبت في على وعليك ، وقول البدر بن مالك إنّ خلاف يونس جار في لبيّك وأخواته وهم ، وإنّما هو خاصّ بلبيّك.

«تكميل» لأحكام الإضافة «يجب تجريد المضاف من التنوين» ، نحو : جاءني غلام زيد ، وبعضهم يقول : إذا لم يكن في الاسم تنوين يقدّر وجوده ، ثمّ حذفه نحو : كم رجل ، وهنّ حواجّ بيت الله. قال البدر الدمامينيّ ، آخذا من كلام أبي حيان : وهذا عجيب ، فإنّه لا يمكن في مثل هذا تقدير شيء من التنوينات ، أمّا تنوين العوض والمقابلة فواضح ، وأمّا تنوين التنكير فلإختصاصه ببعض المبنيّات فرقا بين معرفتها ونكرتها ، ولا يتحقّق هنا. وأمّا تنوين التمكين فلأنّه علامة على كون الاسم لم يشبه الحرف ، فيبنى ، ولا الفعل فيمنع من الصرف ، فكيف يتصوّر تقدير هذا فيما ينافيه من المبنيّ المشابه

__________________

(١) هجايك : كفّ.

(٢) لم يسم قائله : اللغة : هذا ذيك أي هدّ بعد هذّ ، يعني قطعا بعد قطع : الوخض : الطعن غير الجائف ، قيل : وهو الجائف. الأصمعي : إذا خالطت الطعنة الجوف ولم تنفذ فذلك الوخض والوخط. لسان العرب ، ٤ / ٤٢٤٣.

(٣) قبله

«إنك لو دعوتني ودوني

زوراء ذات مترع بيون»

ولا يذكر قائلها. اللغة : الزوراء : الأرض البعيده الأطراف ، مترع : ممتد ، بيون : البئر البعيدة القعر ، لبيه : في هذا اللفظ التفات من الخطاب إلى الغيبة ، والأصل أن يقول : لقلت لك لبيك.

(٤) هو لرجل إعرابي من بني أسد. اللغة : نائبي : أصابني ، مسور : اسم رجل.

٣٤٤

للحرف وغير المنصرف المشابه بالفعل. والصواب ما قاله الرضيّ ، عليه من الله الرضا ، إنّه يقدّر أنّه لو كان فيه تنوين لحذف لأجل الإضافة ، وهذا لا يرد على ما ورد على تلك العبارة ، انتهى.

وظرف بعضهم حيث يقول [من الوافر] :

٢٩٦ ـ وكنّا خمس عشرة في النيام

على رغم الحسود بغير آفة

وقد أصبحت تنوينا وأضحي

حبيبي لا تفارقه الإضافة

ويجب تجريده أيضا من «نوني المثنّى والجمع» المذكّر السالم و «ملحقاتهما» كقوله تعالى : (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ) [المسد / ١] ، (وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ) [الحج / ٣٥] ، ونحو : اقبض اثنيك وعشريك ، وإنّما وجب تجريده من ذلك ، لأنّه يدلّ على كمال الاسم ، والإضافة تدلّ على نقصانه ، فلا يجمع بينهما ، وأمّا قوله [من الطويل] :

٢٩٧ ـ هم الفاعلون الخير والآمرونه

 ... (١)

فضرورة ، وقيل : الهاء للسكت.

ولا تحذف نون المفرد وجمع التكسير ، نحو : لسان زيد ، وشياطين الإنس ، وفهم من اقتصاره على تجريده ممّا ذكر أنّه لا يجرّد من غير ذلك كتاء التأنيث ، وقد يجرّد منها عند أمن اللبس ، يقال : هذه عذرتها ، وهو أبو عذرها ، إذا أضافوا إليها حذفوا التاء ، ونظيره قولهم : شعرت به شعرة ، فإذا أضافوا قالوا : ليت شعري ، ومنه قوله تعالى : (أَقامَ الصَّلاةَ) [البقرة / ١٧٧] ونظم ذلك بعضهم فقال [من البسيط] :

٢٩٨ ـ ثلاثة تحذف تاءاتها

مضافة عند جميع النحاة

منها إذا قيل أبو عذرها

وليت شعري وأقام الصلاة (٢)

وقد يفعل ذلك بعدّة وقول الشاعر [من البسيط] :

٢٩٩ ـ ...

وأخلفوك عد الأمر الّذي وعدوا (٣)

أي عدة الأمر ، واشتراط أمن اللبس احتراز من نحو : تمرة وخمسة وبقرة ، فإنّ حذف التاء منهنّ موقع في الإلباس ، وقد خرج جماعة على حذف التاء عند الإضافة قوله تعالى : (فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ) [البقرة / ٢٨٠] ، بضمّ السين وكسر الرّاء ، وقالوا : الأصل إلى ميسرته ، زاعمين أنّ مفعلا بغير الهاء مفقود ، وأنّ مكرما ومعونا جمع مكرمة ومعونة.

__________________

(١) تمامه «إذا ما خشوا من محدث الأمر معظما» ، ولم يسمّ قائله.

(٢) سقط هذان البيتان في «س».

(٣) صدر البيت «إنّ الخليط أجدّوا البين فانجردوا» ، وهو للفضل بن عباس. اللغة : الخليط : المخالط ، ما اختلط من صنفين أو اصناف ، البين : الفرقة.

٣٤٥

الإضافة اللفظية : «فإن كانت» الاضافة «إضافة صفة» والمراد بها اسم الفاعل والمفعول والصفة المشبهة «إلى معمولها» ، أي معمول الصفة قبل الإضافة ، وإلا فكلّ إضافة المضاف إليه فيها معمول للمضاف حال الإضافة على الأصحّ ، ومعمولها إمّا مرفوع أو منصوب «فلفظيّة» نسبة إلى اللفظ لعود فائدتها من التخفيف إلى لفظ المضاف دون معناه ، أو لإفادتها صفة التخفيف لللفظ من غير جعلها معنى له ، قاله بعض المحقّقين.

وتسمّى غير محضة أيضا ومجازيّة ومنفصلة ، فكون الإضافة لفظيّة مبنيّ على كون الصفة عاملة إمّا رفعا أو نصبا ، لأنّها إذا كانت كذلك فالمجرور بها في الظاهر ليس مجرورا في الحقيقة ، والتنوين المحذوف في اللفظ مقدّر منويّ فتكون الإضافة كلا إضافة ، والصفة المشبهة أبدا جائزة العمل فإضافتها إلى ما هو فاعلها معنى بعد جعله في صورة المفعول لفظا كما سيأتي في بابها إن شاء الله تعالى لفظية أبدا.

وكذا عمل اسمي الفاعل والمفعول في مرفوع هو سببها جايز مطلقا نحو : زيد ضامر بطنه ومسوّد وجهه ومؤدّب خدّامه ، فإضافتها إلى ذلك السّييّ نحو : زيد ضامر البطن ومسوّد الوجه ومؤدّب الخدّام لفظيّة أبدا ، وكذا عملها في غير سببها كمررت برجل قائم في داره عمرو مضروب على بابه بكر ، لكن لا يضافان إلى مثل هذا المرفوع إذ لا ضمير فيه ، يصحّ انتقاله إلى الصفة وارتفاعه بها ، فيبقي بلا مرفوع في الظاهر ، وذلك لا يجوز لقوّة شبهها بالفعل.

وأمّا عمل اسم الفاعل في المفعول به واسم المفعول في المفعول الّذي لم يسمّ فاعله أو في المفعول المنصوب في باب أعطى أو عملها في غير المفعول به من المفعولات الأجنبيّة فمحتاج إلى شرط ، وهو الإعتماد ، وكونه بمعنى الحال أو الاستقبال كما سيأتي ، فإذا أضيفا والحالة هذه لذلك المعمول كزيد ضارب عمرا الآن أو غدا ، وزيد مضروب العبد أو معطي الدراهم ، فاضافتها لفظية ، لكن لا يضافان من مطلوباتهما إلا إلى الفاعل والمفعول به لشدّة طلبهما له ، ومثلهما في ذلك أبنية المبالغة. هذا ملخصّ ما قرّره الرضيّ.

«ولا تفيد» الإضافة اللفظيّة «إلا تحفيفا» لفظيّا فقط ، وذلك بحذف التنوين أو نوني المثنّى والجمع على حدّه ، وهو في اسمي الفاعل والمفعول المضافين إلى الأجنبيّ لا يكون إلا في المضاف ، وذلك بحذف التنوين أو النونين ، نحو : ضارب زيد ومعطي درهم وضاربا عمرو ومعطيا درهم وضاربو بكر ومعطو درهم ، وأما في المضافين إلى السييّ والصفة المشبهة فقد يكون في المتضايفين معا ، نحو : زيد قائم الغلام ومؤدّب الخدّام و

٣٤٦

حسن الوجه ، فالتخفيف في المضاف بحذف التنوين ، وفي المضاف إليه بحذف الضمير واستتاره في الصفة.

وقد يكون في المضاف (١) وحده كقائم غلامه ومؤدب خدّامه وحسن وجهه ، عند من جوّز ذلك ، وقد يكون في المضاف إليه وحده كالقائم الغلام والمودب الخدّام والحسن الوجه ، وأفاد المصنّف بحصر مفاد اللفظيّة في التخفيف أنّها لا تفيد غيره ، وظاهر كلام بعضهم أنّها إنّما تفيد في الحسن الوجه رفع القبح لا التخفيف ، وذلك أنّ في رفع الوجه خلوّ الصفة لفظا من ضمير يعود على الموصوف ، لأنّها إذا رفعت الوجه لم ترفع ضميره أو ملابس ضمير ، إذ المرفوع لا يتعدّد ، وليس مع الوجه ضمير يربط الصفة بالموصوف ، وفي نصبه على التشبيه قبح إجراء الوصف القاصر مجرى المتعدّي ، وفي الجرّ مخلص منهما ، ومن ثمّ امتنع الحسن وجهه بالجرّ لانتفاء قبح الرفع لحصول الربط بالضمير المضاف إليه ونحو : الحسن وجه بالجرّ أيضا لانتفاء قبح النصب ، لأن النكرة ينصب على التمييز.

هكذا قررّه ابن هشام في كتبه ، وقال في المغني ، وفي التحفة لابن مالك ردّ على ابن الحاجب في قوله : إلا تخفيفا ، فقال : بل تفيد التخصيص أيضا ، لأنّ ضارب زيدا أخصّ من ضارب ، وهو سهو ، فإنّ ضارب أصله ضارب زيدا بالنصب ، وليس أصله ضارب فقط ، فالتخصيص حاصل بالمعمول قبل أن تأتي الإضافة انتهى. وقد سبقه إلى هذا الرضيّ (ره).

الإضافة المعنويّة : «وإلا» تكن الإضافة إضافة صفة إلى معمولها «فمعنويّة» نسبة إلى معنى اللفظ ، أي المضاف لعود أثرها إليه من التعريف أو التخصيص ، أو لإفادتها معنى لم يكن به قبل الإضافة ، ممّا ذكر ، كذا قرّره بعض المحقّقين.

قال بعضهم : ولا يخفي أنّه أولى من قول كثير لأنّها أفادت أمرا معنويّا ، وهو التعريف أو التخصيص ، وتسمّى محضة ومتّصلة ، لأنّها خالصة من شائبة الانفصال ، ويصدق كون الإضافة غير إضافة صفة إلى معمولها على صدر أحدها ما ليس المضاف صفة ولا المضاف إليها معمولا للمضاف ، أي قبل الإضافة كغلام زيد ونحوه ممّا إضافته على معنى الحرف كما سيأتي.

ومنه إضافة المسمّى إلى الاسم ، نحو : سعيد كرز وشهر ربيع الأوّل وذو وذوات مضافين إلى المقصود بالنسبة نحو : ذا صباح وذات يوم ، وهذا النوع قال الرضيّ متّفق

__________________

(١) المضاف إليه «س».

٣٤٧

على جواز إضافته ، ويجب فيه التأويل بالمسمّى ، أي مسمّى كرز ، وكذا الباقي ، وإضافة الاسم إلى الصفة كمسجد الجامع وصلاة الأولى وجانب الغربيّ وبقله الحمقاء ، إن قلنا : إنّ الحمقاء (١) صفة للبقلة ، لأنّها تنبت في مجاري السيل. ورأيت في بعض الكتب الطبيّة أنّها إنّما أضيفت إلى الحمقاء ، لأنّ سيّدتنا فاطمة الزهراء ، عليها السّلام ، كانت تستطبّها ، فسمّتها بنو أميّة لعنهم الله بقلة الحمقاء ، ثمّ وقفت على ذلك في بعض كتب الحديث.

وعكسه هو إضافة الصفة للاسم ، نحو : سحق عمامة وجرد قطيفة وإخلاق ثياب ، إذ الأصل مسجد جامع وقطيفة جرد ، وكذا الباقي ، وهذان القسمان اختلف في جواز الإضافة فيهما ، فجوّزها الكوفيون حيث اختلف اللفظان مستندين إلى ما سمع من ذلك ممّا ذكرناه من غير تأويل ، ومنعها البصريّون ، وأوّلوا ما ورد منهما ، لأنّ الصفة هي الموصوف ، ولا يضاف الشيء إلى نفسه.

ثمّ قال الأكثرون منهم في تأويل الأوّل منهما : هو على حذف موصوف ، أي مسجد المكان الجامع وصلاة الساعة الأولى ، وفي الثاني كجرد قطيفة ، إنّه من باب خاتم فضة ، لأنّ المعنى شيء جرد ، أي بال ، ثمّ حذف الموصوف ، وأقيمت صفته إلى جنسها للتبيين ، أي شيء جرد من جنس قطيفة ، وشيء سحق من جنس عمامة ، ولا ينقاس ذلك ، بل مقصور على السماع.

وإضافة الموصوف إلى القائم مقام وصفه كزيد إليعملات أي صاحب إليعملات وإضافة المؤكّد بفتح الكاف إلى المؤكّد بكسرها كحينئذ ويومئذ ، قال الشاعر [من الطويل] :

٣٠٠ ـ فقلت أنجوا عنها نجا الجلد إنّه

سيرضيكما منها سنام وغاربه (٢)

النجا بالقصر الجلد من قولك : نجوت جلد البعير عنه ، وأنجبيته إذا سلخته فكأنّه قال : جلد الجلد ، فأضاف المؤكّد إلى المؤكّد. قال الفرّاء : أضاف النجاء إلى الجلد ، لأنّ العرب تضيف الشيء إلى نفسه إذ اختلف اللفظان نحو : حقّ اليقين وحبّ الحصيد وحبل الوريد ، ومذهب أكثر البصريّين أنّ هذا في غاية الندور ، فلا يقاس عليه ، ولا يتعدّي به مورد السماع ، واضافة الملغي إلى المعتبر كقول لبيد [من الطويل] :

٣٠١ ـ إلى الحول ثمّ اسم السّلام عليكما

 ... (٣)

__________________

(١) إن قلنا إنّ الحمقاء سقطت في «ط».

(٢) هو لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت ، أو لأبي الغمر الكلابي. اللغة : السنام : كتل من الشحم محدّبة على ظهر البعير والناقة ، الغارب من البعير : ما بين السنام والعنق.

(٣) تمامه : «ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر».

٣٤٨

ومنه قوله : هذا حيّ زيد أي زيد ، وسمع الأخفش أعرابيّا يقول : عائبا الأبيات قالهنّ شاعر يسمّي رياح قالهن حيّ رياح. وإضافة المعتبر إلى الملغي الّذي لا يعتدّ به إلا كالاعتداد بالحرف الزائد للتاكيد كقول الحطيئة [من الطويل] :

٣٠٢ ـ ولو بلغت عوّا السماك قبيلة

لزادت عليها نهشل وتعلّت (١)

وقول الآخر [من الطويل] :

٣٠٣ ـ أقام ببغداد العراق وشوقه

لأهل دمشق الشّام شوق مبرّح (٢)

الصورة الثانية : ما المضاف فيها صفة ، لكنّ المضاف إليه ليس معمولا لها ، وذلك كاسم التفضيل ، نحو : أفضل اليوم على الأصحّ ، والوصف الّذي لم يرد به الحال والاستقبال كما في خالق السموات ومصارع مصر ، لأنّه لا يعمل ، فالمضاف إليه في ذلك ليس معمولا له فإضافته معنويّة.

الصورة الثالثة : أن يكون المضاف إليه معمولا للمضاف قبل الإضافة ، لكن ليس المضاف صفة ، وذلك كالمصدر المضاف لمرفوعه أو منصوبه كضرب الأمير وأكل الخبر على الأصحّ.

تنبيه : المشهور تقسيم الإضافة إلى هذين القسمين. أعني اللفظيّة ، تسمّى غير محضة ، والمعنويّة ، وتسمّى المحضة كما مرّ ، وأثبت ابن مالك في التسهيل قسما ثالثا سمّاه شبيها بالمحضة وواسطة ، وهو إضافة المسمّى إلى الاسم ، والاسم إلى الصفة وعكسه ، والموصوف إلى القائم مقام وصفه ، والموكّد إلى الموكّد والملغي إلى المعتبر وعكسه ، وقد مرّ آنفا أنّ الإضافة في ذلك كلّه داخلة في المحضة.

وذهب قوم إلى أنّها غير محضة ، لأنّها في تقدير الانفصال من حيث إنّ المعنى لا يصحّ إلا بتكلّف خروجه عن الظاهر ، وابن مالك جعلها واسطة بينهما ، لأنّ لها اعتبارين : أحدهما من جهة الانفصال المذكور ، والثاني من جهة الاتّصال من حيث إنّه لا ضمير فاصل بين المضاف والمضاف إليه ، كما كان في نحو ضارب زيد ، قال أبو حيّان : ولا أعلم له سلفا في ذلك.

«وتفيد» الإضافة المعنويّة «تعريفا» للمضاف «مع» المضاف إليه «المعرفة» كغلام زيد وعبد هذا وضارب زيد أمس ، وزيد أفضل الناس ، «و» تفيد «تخصيصا» للمضاف «مع» المضاف إليه «النكرة» ، نحو : غلام رجل ، والمراد بالتخصيص الّذي لم

__________________

(١) اللغة : عوّا : مترل من منازل القمر ، السماك : كلّ ما سمك ، حائطا كان أو سقفا.

(٢) البيت لبعض الطائيين.

٣٤٩

يبلغ درجة التعريف ، فإنّ غلام رجل أخصّ من غلام ، ولكنّه لم يتميّز بعينه كما تميّز زيد ، قاله في المغني.

وقال البدر الدمامينيّ في شرحه : فيه نظر ، فإنّ مقتضاه أنّه لو أطلق التخصيص ، ولم يرد به ما ذكره لدخل فيه التعريف ، وليس كذلك ، فإنّ التخصيص في عرفهم تقليل الاشتراك العارض في النكرة ، نحو : رجل صالح ، فهذا فيه تخصيص بخلاف زيد ، فإنّه في اصطلاحهم معرفة ، ولا يقال له : مخصّص ، انتهى.

وبهذا يدفع كلام أبي حيّان حيث قال : تقسيم النّحويّين الإضافة إلى التخصيص والتعريف ليس بصحيح ، لأنّه من جعل القسم قسيما لأنّ التعريف يخصّص ، وهو قسم منه لا قسيم له ، والإضافة إنّما تفيد التخصيص ، لكنّ أقوي مراتبه التعريف ، فإن أضيف إلى معرفة اكتسب التخصيص التامّ ، انتهى.

تنبيهات : الأوّل : أستفيد من كلام المصنّف هنا شيئان ، أحدهما أنّ الاضافة المعنويّة لا تجامع التعريف ، بل شرطها تجرّد المضاف منه غالبا ، لأنّ الأهمّ من الإضافة للمعرفة تعريف المضاف ، وهو حاصل للمعرفة ، فيكون تحصيلا للحاصل ، بل متى أريد إضافة المعرّف فإن كان بأل حذفت منه ، أو بالعلميّة نكّر بأن يجعل واحدا من الجملة ، فلا يقال : الغلام زيد ولا زيدكم ، إلا حذفت أل من الأوّل وقدّر الشياع (١) في الثاني ، ولذلك امتنعت إضافة المضمرات والمبهمات لتعذّر تقدير تنكيرها.

الثاني : أنّ المقصود لذاته هو المضاف ، فالصفة في قولك : جاء غلام زيد الظريف له لا للمضاف إليه إلا بدليل ، لأنّ المضاف إليه إنّما جئ به لغرض التعريف أو التخصيص ، ولم يؤت به لذاته ، وقد يكون الأمر بالعكس ، نحو : كلّ فتى يتّقي فائز ، فالصفة في ذلك للمضاف إليه ، لأنّ المضاف إنّما جئ به لقصد التعميم لا لحكم عليه ، ولذلك ضعف قوله [من الوافر] :

٣٠٤ ـ وكلّ أخ مفارقه أخوه

لعمر أبيك إلا الفرقدان (٢)

ذكره في المغني.

التنبيه الثاني : يستثنى من إفادة الإضافة التعريف للمضاف مع المعرفة مضافان ، فإنّهما يتخصّصان ولا يتعرّفان : أحدهما ما لا يقبل التعريف كغير ومثل وحسب ، إذا أريد بها مطلق المغايرة والمماثلة والكفاية ، كمررت برجل غيرك أو مثلك ، أو حسبك من رجل ،

__________________

(١) أي نكّر الاسم ثمّ أدخلت عليه أل ، أو إذا أضيف العلم نكّر ـ مغني اللبيب ص ٧٥. ويمكن القول إن العلم إذا أضيف ، أضيف الموصوف إلى القائم مقام الوصف يعني في الأصل زيد صاحبكم ، ثمّ حذفت الصفة. موسوعة النحو والصرف ، إميل بديع يعقوب ، ص ٩٧.

(٢) البيت لعمرو بن معديكرب. اللغة : الفرقدان : نجمان قريبان من القطب.

٣٥٠

ولذلك صحّ وصف النكرة بها ، واختلف في سبب ذلك ، أعني عدم قبول التعريف ، فقيل : لشدّة الإبهام ، وهو رأي ابن السّراج والسيرافيّ ، وارتضاه الشلوبين ، وذهب سيبويه والمبرّد إلى أنّ السبب في ذلك أنّ الاضافة إضافة تخفيف ، فينوى فيه التنوين ، لا إضافة تعريف كما في اسم الفاعل ، إلا أنّهم التزموا التخفيف في ذلك ، ولم يلتزموه في اسم الفاعل ، أمّا إذا أريد المماثلة والمغايرة في شيء مخصوص كما إذا اشتهر شخص بمماثلتك في شيء من الأشياء كالعلم أو الشجاعة ونحوها فقيل : جاء مثلك ، كان معرفة إذا قصد الّذي يماثلك في الشيء الفلاني ، وكذا غيرك.

قال ابن مالك في شرح التسهيل ، وقد يعني بغير ومثل مغايرة خاصّة ومماثلة خاصّة ، فيحكم بتعريفها ، وأكثر ما يكون ذلك في غير ، إذا وقعت بين الضدّين ، نحو : فليكن المغلوب غير الغالب ، والمسلوب غير السالب ، وأجاز بعض العلماء منهم السيرافيّ أن يحمل على هذا : (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) [الحمد / ٧] ، لوقوع غير فيه بين متضادّين ، وليس ذلك بلازم لقوله تعالى (نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) [فاطر / ٣٧] ، فنعت به النكرة مع وقوعه بين متضادّين ، انتهى.

وأجاب الرضيّ عن هذا بأنّه على البدل لا الصفة وكغير ومثل وحسب وكلّ ما كان في معناه من شبهك ونظيرك وسواك ونحوك وضربك وتربك وندّك وحسبك وناهيك وشرعك وبجلك وقدّك قال [أبو حيّان] في الإرتشاف : ومأخذه السماع.

الثاني : ما كان واقعا موقع نكرة لا تقبل التعريف ، نحو : ربّ رجل وأخيه وكم ناقة وفصيلها ، وفعل ذلك جهده وطاقته ، ونحو : لا أبا له ، لأنّ ربّ وكم لا يجرّان المعارف ، والحال لا تكون معرفة ، ولا لا تعمل في المعرفة.

فائدة : في نحو لا أبا له ثلاثة مذاهب :

أحدها : أنّ أبا مضاف إلى ما بعد اللام ، والخبر محذوف ، واللام زائدة بين المتصايفين تحسينا لللفظ ورفعا لوقوع اسم لا معرفة في الظاهر ، والدّليل على زيادتها أنّها قد جاءت في قوله [من الوافر] :

٣٠٥ ـ أبالموت الّذي لا بدّ أنّي

ملاق لا أباك تخوّفيني (١)

وهذا مذهب سيبويه والجمهور.

الثاني : أنّ اللام غير زائدة ، وأنّها وما بعدها صفة لما قبلها ، فتتعلّق بكون محذوف ، وأنّهم نزّلوا الموصوف مترلة المضاف لطوله بصفته ومشاركته للمضاف في أصل معناه ،

__________________

(١) هذا الشاهد من كلام أبي حية النميرى.

٣٥١

إذ أبوك وأب لك واحد ، وهذا مذهب هشام وابن كيسان وابن الحاجب وابن مالك.

الثالث : أنّ الاسم مفرد ، وجاء على لغة القصر كقولهم : مكره أخاك لا بطل ، واللام وما بعدها الخبر ، وهو مذهب الفارسيّ وابن يسعون (١) وابن الطراوة. قال [السيوطي] في الهمع ، وهو المختار عندي لسلامته ممّا في القولين الأخرين من تأويل وزيادة وحذف ، وكلّها خلاف الأصل.

قال ابن هشام ويشكل على الأوّل قولهم لا أبا لي ، ولا يجوز أن تعرب الأسماء الستّة بالأحرف إذا كانت مضافة للياء ، وعلى الثاني أنّ الأسماء الستّة لا تعرب بالحروف إلا إذا كانت مضافة ، وإنّهم يقولون : لا غلامي له ، فيحذفون النون ويجاب عنهما بأنّ شبيه الشيء جار مجراه ، وعلى القولين فيحتاج إلى تقدير الخبر. قال ويردّ الثالث أمران : أحدهما أنّ الّذي يقول : جاءني أباك بعض العرب ، والّذي يقول : لا أبا لزيد جميع العرب ، والثاني قولهم : لا غلامي له بحذف النون ، انتهى.

الثالث : هل إضافة الجمل للتعريف ، لأنّها في تأويل المصدر المضاف إلى فاعله أو التخصيص ، لأنّ الجمل نكرات ، احتمالان : لصاحب البسيط وميل أبي حيّان الثاني ، واستظهر المراديّ الأوّل ، والمضاف إليه أي في الإضافة المعنويّة إن كان جنسا للمضاف ، أي صادقا عليه وعلى غير ، بشرط أن يكون المضاف أيضا صادقا على غير المضاف إليه فيكون بينهما عموم وخصوص من وجه ، قال معناه الفاضل الهنديّ في حواشي الحاجبيّة.

«فهي» أي الإضافة المعنويّة «بمعنى من» التبينيّة كخاتم فضّة ، فإنّ الفضة فقد تكون خاتما ، وقد لا تكون ، وكذا الخاتم قد يكون فضّة ، وقد لا يكون ، «أو» كان المضاف إليه «ظرفا له» أي للمضاف ، سواء كان ظرف زمان أو ظرف مكان «فبمعنى في الظرفية» ، فظرف الزمان نحو : (مَكْرُ اللَّيْلِ) [سبأ / ٣٣] ، (تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) [البقرة / ٢٢٦] ، وظرف المكان حقيقيا ، نحو : فتيل كربلاء وشهيد الدار ، ومجازيّا نحو (أَلَدُّ الْخِصامِ) [البقرة / ٢٠٤] ، وهذه الإضافة أعني الّتي بمعنى في أثبتها المصنّف (ره) تبعا لابن الحاجب وابن مالك.

__________________

(١) هو يوسف بن يوسف بن يسعون التحبيي الباجليّ ، كان نحويّا لغويّا ، وألّف : المصباح في شرح ما اعتمّ من شواهد الإيضاح. مات سنة ٥٤٠ ه‍ ق. بغية الوعاة ٢ / ٣٦٣.

٣٥٢

قال ابن مالك : وقد أغفلها أكثر النّحويّين ، وهي ثابتة في الفصيح بالنقل الصحيح ، ولا يصحّ تقدير غير في شواهد إلا بتكلّف قال أبو حيّان : لا أعلم أحدا ذهب إلى هذه الإضافة غيره ، وما استدلّ به مؤوّل ، انتهى.

وما قاله أوّلا مردود ، فقد قال بها عبد القاهر والزمخشريّ ، وحكاه عنهما ابن أياز ، وصرّح بها ابن الحاجب في كافيّته ، ولم يذكر المصنّف قلّتها ، وذكرها ابن الحاجب وابن مالك ، وعلّله بعضهم بأنّه لم تكثر إضافة الشيء إلى الظرف ، قال بعض المحقّقين : وفيه بحث ، لأنّ هذا إنّما يتمّ لو أريد بالظرف الظرف الحقيقيّ ، أمّا لو أريد مدخول في فلا ، إذ إضافة الألوان إلى محالّها أكثر من أن تحصي ، فبياض زيد بمعنى بياض في زيد. والظاهر أنّ المراد بالظرف مدخول في ، إذ نظر الكتاب يبنغي أن يكون بمعنى النظر في الكتاب ، والفرق بينه وبين ضرب اليوم تحكّم ، انتهى.

قال بعضهم : وقد يجاب بحمل القلّة على الإضافيّة ، فإنّ تقدير الإضافة بفي قليل بالنسبة إلى تقديرها باللام ومن ، كما صرّح به ابن مالك وغيره أو كان المضاف إليه غيرهما أي غير جنس المضاف وظرفه بأن كان مباينا للمضاف أو أخصّ منه مطلقا ، فبمعنى اللام كغلام زيد ويوم الأحد وشجر الأراك وعلم الفقه ، فإنّ بين الغلام وزيد تباينا ، وبين اليوم والأحد عموما وخصوصا مطلقا ، فإنّ اليوم قد يكون أحدا ، وقد لا يكون ، والأحد لا يكون إلا يوما ، وكذا بين العلم والفقه ، فإنّ العلم قد يكون فقها وقد لا يكون ، والفقه لا يكون إلا علما ، فأمّا إذا كان المضاف أخصّ من المضاف إليه مطلقا كأحد اليوم أو مساويا له كليث أسد فالإضافة ممتنعة.

تنبيهان : الأوّل : كون الإضافة في نحو يوم الأحد وعلم الفقه وشجر الأراك بمعنى اللام هو ما صرّح به أئمة العربيّة ، قال بعض المحقّقين : ولا يظهر ما دعاهم إليه ، والأنسب بالمعنى أنّ الإضافة في ذلك بيانيّة ، وإظهار من فيها خال عن التكلّف ، قال بعضهم : ويمكن أن يقال إنّ الحامل لهم على ذلك أنّهم اشترطوا في الإضافة بمعنى من كون المضاف إليه جنس المضاف وجائز الحمل عليه ، وهنا ليس كذلك ، إذ ليس كلّ واحد من الأحد والفقه والأراك جنسا لما أضيف إليه ، ولا يحمل عليه ، إذ لا يقال : اليوم الأحد والعلم الفقه والشجر الأراك ، وإنّما يقال : الأحد يوم والفقه علم والأراك شجر ، انتهى.

الثاني : لم يبيّن المصنّف تقدير الحرف في الإضافة اللفظيّة مع اقتضاء حدّه للمضاف إليه التقدير فيها أيضا ، والمشهور أنّ التقدير أنّما هو في الإضافة المعنويّة خاصّة ، وذهب بعضهم إلى أنّ الاضافة اللفظيّة تقدّر بمعنى اللام لظهورها في نحو : (فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ)

٣٥٣

[هود / ١٠٧] ، (مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ) [البقرة / ٩١] ، وردّ بعدم اطّرادها إذ لا يسوغ في الصفة المشبهة. ونقل الشاطبيّ القول بالتقدير فيها عن ابن جنيّ وعن الشلوبين ، وإنّه لا بدّ منه وإنّ ظاهر كلام النحاة متأوّل.

قد يكتسب المضاف التذكير والتأنيث من المضاف إليه : «وقد يكتسب المضاف المذكّر من المضاف إليه المؤنّث تأنيثه وبالعكس» أي يكتسب المضاف المؤنّث من المضاف إليه المذكّر تذكيره ، وليس ذلك في الصورتين مطلقا بل «بشرط الاستغناء عنه» أي عن المضاف عند سقوطه «بالمضاف إليه» مع صحّة المعنى في الجملة كقوله ، وهو الأعشي ، [من الطويل] :

٣٠٦ ـ وتشرق بالقول الّذي قد أذعته

كما شرقت صدر القناة من الدّم (١)

فأنّث شرقت مع أنّه مسند إلى مذكّر وهو صدر ، لأنّه اكتسب التأنيث من القناة ، وقبل هذا البيت :

٣٠٧ ـ فلو كنت في جبّ ثمانين قامة

ورقّيت أسباب السماء بسلّم

ليستدرجنك القول حتى تهرّه

وتعلم أنّي عنكم غير مقحم

الجبّ : البئر الّتي لم تطو وأسباب السماء : أبوابها ، والسّلّم : المرقاة. قيل : سمّي سلما ، لأنّه يسلّمك إلى المرتقى إليه ، وتهرّه : تكرهه وتبغضه ، وأقحمت فلانا أي لم يطق أن يجيبني ، يقول : لو كنت مثلا في جبّ بعيد القعر أو صعدت إلى السماء لم تتخلّص منّي ، واستصعدك من الجبّ ، وأستترلك من السماء بالقول الّذي يستدرجك حتى تكرهه ، وتعلم أني لست مقحما عن جوابك ولا عاجزا عن وصولي إلى الغرض منك.

قال الجار البرديّ (٢) : والواو من قوله : ورقّيت بمعنى أو ، لأنّه على وزن قوله تعالى : (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ) [الأنعام / ٣٥] ، ويقال شرق بريقه أي غصّ به كما يقال : غصصت باللقمة ، وأذعته : أفشيته ، يخاطب رجلا مذياعا لا يكتم ما يسمعه ، والمعنى أنّك تشرق بالقول الّذي أفشيته ، وأظهرته للناس ، كما أنّ القناة تشرق بالدم ، ولا تشربه ، فاستعمال الشرق في صدر القناة استعارة من

__________________

(١) اللغة : أذغته : مخاطب من الإذاعة بمعنى الإفشاء. وأراد بالقول الّذي أذاعه هجاؤه إيّاه ، وصدر القناة : من وسطها إلى مستدقها ، والقناة : الرمح.

(٢) أحمد بن الحسن الجاربرديّ الشيخ فخر الدين ، كان فاضلا ديّنا خيرا وقورا مواظبا على العلم. وصنّف شرح منهاجه ، شرح الشافية لابن الحاجب ، شرح الكشاف ومات سنة ٧٤٦ ه‍ ق. بغية الوعاه ١ / ٣٠٣.

٣٥٤

جمود الدم عليه ، بحيث يكون بين الظهور ، ويصير سمة بادية عليه ، قاله الدمامينيّ في التحفة ، وإلى هذا أشار ابن حزم الظاهريّ (١) في قوله [من الطويل] :

٣٠٨ ـ تجنّب صديقا مثل «ما» واحذر الّذي

يكون كعمرو بين عرب وأعجم

فإنّ صديق السوء يزري وشاهدي

كما شرقت صدر القناة من الدم

ومراده بما الكناية عن الرجل الناقص كنقص ما الموصولة ، وبعمرو عن الرجل المريد (٢) الأخذ ما ليس له كأخذ عمرو الواو في الخطّ ، قاله في المعنى وغيره.

وظاهر ممّا ذكره جوازا أن يكون المراد بما الموصوفة ، وكأنّ إيثاره الموصولة بالذكر لكونها أشهر ، والنقص فيها أظهر ، قال بعض المتأخّرين : ويمكن أن يكون مراده بما ما النافية ، لأنّ السلب نقص ، كما أنّ الإيجاب شرف على ما تقرّر في علم المنطق. قال الصلاح الصفديّ : ويحتمل أن يكون مراده ، بعمرو عمرو المذكور في قول الشاعر [من البسيط] :

٣٠٩ ـ المستجير بعمرو عند كربته

كالمستجير من الرمضاء بالنّار (٣)

ومثل البيت المستشهد به قول الأخر [من الرجز] :

٣١٠ ـ طول اللّيإلى أسرعت في نقضي

نقضن كلّي أو نقضن بعضي (٤)

وقوله [من الوافر] :

٣١١ ـ وما حبّ الدّيار شغفن قلبي

ولكن حبّ من سكن الدّيارا (٥)

قال ابن هشام في المغني : يحتمل أن يكون من ذلك (فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) [الأنعام / ١٦٠] (وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها) [آل عمران / ١٠٣] ، أي من الشفا ، ويحتمل أنّ الضمير للنار ، وأنّ الأصل فله عشر حسنات أمثالها ، فالمعدود في الحقيقة الموصوف المحذوف ، انتهى.

وعبارة المصنّف شاملة لما كان المؤنّث فيه ظاهرا أو مضمرا ، وزعم الفرّاء أنّه لا يجوز مع المضمر ، فلا يجوز الأصابع قطعت بعضها ، ولا القناة أشرقت صدرها ، وإنّ

__________________

(١) ابن حزم الأندلسي أبو محمد على بن أحمد (٩٩٤ ـ ١٠٦٤ م) كان شاعرا وفيلسوفا له «طوق الحمامة» أثر شهير في الأدب و «جهرة أنساب العرب». المنجد في الاعلام ص ٦.

(٢) في جميع النسخ «عن الرجل المتزيد» ولكن في المغني عن الرجل المريد. مغني اللبيب ص ٦٦٧.

(٣) البيت للبحترى. اللغة : المستجير : اسم الفاعل من استجار بمعنى استغاث ، الكربة : الحزن والغم ، الرمضاء : شدّة الحر.

(٤) هو من أبيات للأغلب العجلي ، وقيل للعجلاج التميمي واسمه عبد الله بن رؤبة. اللغة : نقضن : كسرن ، كلي وبعضي : كل أعضائي وبعض أعضائي.

(٥) هو للمجنون. اللغة : شغفن : أصبن قلبي.

٣٥٥

العرب منعت من استجازته ، ذكره في الإرتشاف ، وأجازه بعضهم مستشهدا بقوله [من الطويل] :

٣١٢ ـ تمنّيت شمسا أستضئ بنورها

فلمّا أضاءت أحرقتني ضياؤها (١)

والثاني نحو قوله [من البسيط] :

٣١٣ ـ إنارة العقل مكسوف بطوع هوي

وعقل عاصي الهوي يزداد تنويرا (٢)

فذكّر مكسوف ، والقياس مكسوفة ، لأنّه خبر مؤنّث ، وهو إنارة ، لأنّها اكتسبت التذكير من إضافتها إلى العقل. قال ابن هشام : ويحتمل أن يكون منه قوله تعالى : (إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [الأعراف / ٥٦] ، وتبعده (لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) [الشورى / ١٧] ، فذكّر قريب حيث لا إضافة ، ولكن ذكر الفرّاء أنّهم التزموا التذكير في قريب ، إذا لم يرد قرب النسب قصدا للفرق ، انتهى.

واشترط جواز الاستغناء عن المضاف بالمضاف إليه في الصورتين ، لأنّه لو لم يجز ذلك لم يكتسب المضاف الحكم المذكور في مسألتين «ومن ثمّ امتنع قامت غلام هند» وجاء أمة زيد. إذ لا يقال : قامت هند وأنت تريد غلامها ، ولا جاء زيد وأنت تريد أمته ، وزاد ابن مالك في التسهيل شرطا آخر لم يذكره المصنّف ، وهو كون المضاف بعضا من المضاف إليه كمثال المتن أو كبعضه ، نحو اجتمعت أهل اليمامة.

قال البدر الدمامينيّ في شرحه : فإن قلت : ما الّذي استفيد من هذا القيد بعد اعتبار القيد الأوّل ، وهو صحّة الاستغناء بالمضاف إليه عن المضاف ، فإنّ هذا ملزوم لكون المضاف بعضا أو كبعض ، قلت : لا نسلم هذه الملازمة ، ألا ترى أنّه لا يصحّ أن تقول : أعجبتني يوم عروبة ، وإن صحّ الاستغناء مع كون المضاف ليس بعضا للمضاف إليه ولا كبعضه ، لأنّ اليوم نفس عروبة فقد ظهرت فائدة الإتيان بهذا القيد ، انتهى. وعروبة وباللام يوم الجمعة (٣).

وزاد الفارسيّ قسما آخر ، يجوز فيه التأنيث ، وهو أن يكون المضاف إلى المؤنّث [كلمة] كلّ ، كقول عنترة [من الكامل] :

٣١٤ ـ جادت عليه كلّ عين ثرّة

فتركن كلّ حديقة كالدّرهم (٤)

__________________

(١) هو لأبي بكر الشبلي.

(٢) لم يسمّ قائله ، اللغة : المكسوف. اسم مفعول من الكسف بمعنى الاحتجاب ، الطوع : الانقياد.

(٣) العروبة ويوم العروبة : يوم الجمعة في الجاهلية.

(٤) هو من قصيدة لعنترة بن شدّاد العبسي وهي إحدى المعلقات. اللغة : الثرّة : الكثيرة الماء.

٣٥٦

ومنه قوله تعالى : (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ) [آل عمران / ٣٠] (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ) [آل عمران / ٢٥]. قال المراديّ في شرح التسهيل : والأفصح في هذا القسم التأنيث بخلاف ما سبق ، انتهى.

وأشار المصنّف (ره) بقد التقليليّة إلى أنّ ذلك وإن جاز وصحّ لكنّ الأصل والأفصح التذكير في الصورة الأولى ، والتأنيث في الصورة الثانية.

تكميل : وقد يكتسب المضاف من المضاف أمورا غير ذلك :

أحدها : وجوب التصدير إذا أضيفت لمصدّر ، ولهذا وجب تقديم المبتدأ في نحو : غلام من عبدك ، والخبر في نحو : صبيحة أيّ يوم السفر ، والمفعول في نحو : غلام أيّهم اكرمت ، ومن ومجرورها في نحو : من غلام أيّهم أنت أفضل ، ووجب الرفع في نحو : علمت أبو من زيد ، وإلى هذا أشار الشيخ أمين الدين العروضيّ المحليّ (١) بقوله [من الطويل] :

٣١٥ ـ عليك بأرباب الصدور فمن غدا

مضافا لأرباب الصدور تصدّرا

وإيّاك أن ترضي صحابة ناقص

فتنحطّ قدرا من علاك وتحقرا

فرفع «أبو من» ثمّ خفض «مزمّل»

يبيّن قولي مغريا ومحذّرا

والإشارة بقوله : ثمّ خفض مزمل إلى قول امرئ القيس [من الطويل] :

٣١٦ ـ كأنّ ثبيرا في عرانين وبله

كبير أناس في بجاد مزمّل (٢)

وذلك لأنّ مزمّلا صفة لكبير ، فكان حقّه الرفع ولكنّه خفض لمجاوزته للمخفوض.

الثاني : المصدريّة ، نحو قوله تعالى : (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) [الشعراء / ٢٢٧] ، فأيّ مفعول مطلق ناصبه ينقلبون ، ويعلم معلّقة عن العمل بالاستفهام.

الثالث الظرفية ، نحو : (تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ) [إبراهيم / ٢٥] وقوله [من السريع] :

٣١٧ ـ أنا أبو المنهال بعض الأحيان

 ... (٣)

الرابع : البناء قال ابن هشام في المغني وذلك في ثلاثة أبواب :

أحدها أن يكون المضاف مبهما كغير ومثل ودون ، واستدلّوا بقوله تعالى : (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ) [سبأ / ٥٤] ، (إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) [الذاريات

__________________

(١) محمد بن على بن موسى أمين الدين الأنصاري المحليّ ، نحويّ ، درّس النحو بالقاهرة ، له شعر حسن وكتب ، منها : أرجوزة في العروض ، مات سنة ٦٧٣ ه‍. الأعلام للزركلي ، ٧ / ١٧٢.

(٢) البيت من معلقة امرئ القيس. اللغة : ثبير : جبل بعينه والعرنين : الأنف والجمع العرانين ثمّ استعار العرانين لأوائل المطر ، البجاد : كساء مخطط والجمع البجد ، التزميل : التلفيف بالثياب.

(٣) تمامه «ليس على حسبي بصوان» ، وهو لابن دارة سالم بن مسافع. اللغة : الصوّان : مبالغة من الصون بمعنى الحفظ.

٣٥٧

/ ٢٣] ، في من فتح مثلا ، وهو صفة لحقّ وقراءة بعض السّلف : (أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ) [هود / ٨٩] ، وقول الفرزدق [من البسيط] :

٣١٨ ـ ...

 ... وإذ ما مثلم بشر (١)

وقول الآخر [من البسيط] :

٣١٩ ـ لم يمنع الشّرب منها غير أن نطقت

حمامة في غصون ذات أوقال (٢)

فغير فاعل ليمنع ، وقد جاء مفتوحا ، وقد يوؤّل جميع ذلك ، وزعم ابن مالك أن ذلك لا يكون في مثل لمخالفتها المبهمات بأنّها تثنّي وتجمع ، كقوله تعالى : (إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ) [الأنعام / ٣٨] وقول الشاعر [من البسيط] :

٣٢٠ ـ ...

والشّرّ بالشّرّ عند الله مثلان (٣)

وتأوّل الآية ، وأمّا بيت الفرزدق ففيه أجوية مشهورة ، ولا يأتي بحثه هذا في غير ، لأنّ قولهم : غيران وإغيار ليس يعرف ، ولو كان المضاف غير مبهم لم يبن.

الثاني : أن يكون المضاف زمانا مبهما والمضاف إليه إذ نحو : (وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) [هود / ٦٦] ، و (مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ) [المعارج / ١١] يقرءان بجرّ يوم وفتحه.

الثالث : أن يكون زمانا مبهما والمضاف إليه فعل مبنيّ كقوله [من الطويل] :

٣٢١ ـ على حين عاتبت المشيب على الصّبا

وقلت ألّما أصح والشّيب وازع (٤)

وقوله [من الطويل] :

٣٢٢ ـ لأجتذبن منهنّ قلبي تحلّما

على حين يستصبين كلّ حليم (٥)

رويا بالفتح ، وهو أرحج من الإعراب عند ابن مالك ، ومرجوح عند ابن عصفور.

فإن كان المضاف إليه فعلا معربا أو جملة اسميّة ، فقال البصريّون : يجب الإعراب ، والصحيح جواز البناء ، ومنه قراءة نافع : (هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) [المائدة / ١١٩] ، بالفتح بناء وقراءة غير أبي عمرو : (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ) [الانفطار / ١٩] ، وقال [من الطويل] :

٣٢٣ ـ إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني

نسيم الصّبا من حيث يطّلع الفجر (٦)

__________________

(١) تمام البيت

«فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم

 ... إذ هم قريش.»

(٢) البيت لأبي قيس بن الأسلت «صيفي بن عامر» اللغة : ذات أو قال : ذات ثمرات.

(٣) صدره «من يفعل الحسنات الله يشكرها» هو لكعب بم مالك أو لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري. اللغة : مثلان : سيّان.

(٤) هو للنابغة الذبياني. اللغة : عاتبت : لمت في تسخط ، الصبا : اسم للصبوة ، وهي الميل إلى هوي النفس واتباع شهواتها ، المشيب : ابيضاض المسود من الشعر. وزاع : زاجر ، ناه.

(٥) لم يسمّ قائله. اللغة : التحلّم : تكلّف الحلم.

(٦) هو لأبي صخر الهذليّ. اللغة : اسلو : أنسي ، يهيج : يثير.

٣٥٨

وقال آخر [من الطويل] :

٣٢٤ ـ ألم تعلمي يا عمرك الله أنّني

كريم على حين الكرام قليل

وأنّي لأخزى إذا قيل مملق

سخيّ وأخزي أن يقال بخيل (١)

رويا بالفتح ، قال البدر الدمامينيّ في شرح التسهيل قال ابن هشام : سألني سائل من أين تهبّ الصبا؟ فأنشدته ألم تعلمي البيتين ، ولم يزد على ذلك ، فتنبّه ، انتهى.

وقال في شرح المغني بعد حكاية ذلك : وجه صلاحية هذا اللجواب أنّه اشتمل على بناء حين المضافة إلى الجملة في قوله : على حين الكرام قليل ، فأشار به إلى البيت في هذا الحكم حيث قيل هذا حين أسلو ، فبني حين المضاف إلى الجملة (٢) ، ولا يخفي أنّ هذا البيت المشار إليه بإنشاد ذينك البيتين صريح في ذكر محلّ الصبا ، إذ قال فيه نسيم الصبا من حيث يطلع الفجر فظهر المقصود ، ولله الحمد.

المجرور بالحرف

ص : الثاني : المجرور بالحرف ، وهو ما نسب إليه شيء بواسطة حرف جرّ ملفوظ ، والمشهور من حروف الجر أربعة عشر : سبعة منها تجرّ الظاهر والمضمر ، وهي : من وإلى وعن وعلى وفي والباء واللام. وسبعة منها تجرّ الظاهر فقط وهي : منذ ومذ تختصّان بالزّمان ، وربّ تختصّ بالنكرة ، والتّاء تختصّ باسم الله تعالى وحتى والكاف والواو لا تختصّ بالظاهر المعيّن.

ش : «الثاني» ما يرد مجرورا لا غير «المجرور بالحرف ، وهو ما» أي اسم «نسب إليه شيء» دخل نسبة الفعل إلى الفاعل والمفعول ، نحو : ضرب زيد عمرا ، وغير ذلك ممّا ليس من المعرّف كما مرّ ، وخرج بقوله «بواسطة حرف جرّ ملفوظ».

واعلم أنّه ليس في كلامه ما يقتضي أنّ الفعل يضاف حيث يكون حرف الجرّ ملفوظا ، كمررت بزيد ، فلا ينبغي حمله على ذلك ، وإن كان محتملا له ، إذ الحقّ أنّ المضاف لا يكون إلا اسما كما صرّح به الزمخشريّ وغيره ، فإذا قلت : مررت بزيد ، فمررت من حيث إنّ زيدا مفعول به ، ليس مؤوّلا باسم ، ومن حيث هو مضاف إلى زيد مؤوّل به ، أي بمرور مضاف ، فالمضاف هو المرور لا الفعل الاصطلاحيّ ، والّذي

__________________

(١) هما لمبشرين عذيل أو لموبال بن جهم المذحجي. اللغة : أخزي : من الخزي بمعنى الذلّ والهون ، المملق : الفقير.

(٢) سقطت هذه الجمل في «س».

٣٥٩

دعا شرّاح كلام ابن الحاجب في كافيته إلى حمل عبارته على أنّ المضاف يكون فعلا تعريفه لحروف الجرّ بأنّها ما وضع لافضاء الفعل أو معناه إلى ما يليه ، وهو صريح في ذلك.

«والمشهور من حروف الجرّ أربعة عشر» حرفا بإسقاط عدا وخلا وحاشا ولعلّ ومتى وكي ، فجملتها مطلقا عشرون ، ودعوى كون الثلاثة الأوّل غير مشهورة غير مسلّمه ، فإنّها ليست في الاشتهار دون ما ذكره ، وإن نصبت أفعالا ، لكنّ الجرّ بها ثابت بالنقل الصحيح في الكلام الفصيح ، وسيأتي الكلام عليها في باب الاستثناء إن شاء الله تعالى. وأمّا الثلاثة الأخيرة فشاذّة ، أمّا لعلّ فلا يجرّ بها إلا عقيل. قال شاعرهم [من الوافر] :

٣٢٥ ـ لعلّ الله فضّلكم علينا

 ... (١)

بجرّ لفظ الجلالة ، ولهم في لامها الأولى الإثبات والحذف ، وفي الثانية الفتح والكسر.

وأمّا متى فلا يجرّ بها إلا هذيل (٢) ، وهي عندهم بمعنى من الإبتدائية. سمع من بعضهم : أخرج متى كمّه ، وقال أبو ذويب الهذلي (٣) ، يصف السحاب [من الطويل] :

٣٢٦ ـ شربن بماء البحر ثمّ ترفّعت

متى لجج خضر لهنّ نئيج (٤)

وأمّا كي فعدّها من حروف الجرّ مذهب البصريّين ، قالوا : ولا يجرّ بها إلا ما الاستفهامية ، كقولهم في السؤال عن علّة الشي : كيمه بمعنى لمه ، وما وإن المصدريّتان ومع صلتهما كقوله [من الطويل] :

٣٢٧ ـ إذا أنت لم تنتفع فضرّ فإنّما

يرجّى الفتى كيما يضرّ وينفع (٥)

ونحو : جئتك كي تكرمني ، إذا قدّرت إن بعدها ، وأمّا الكوفيّون فعندهم أنّها ناصبة دائما ، واختاره المصنّف كما سيأتي بيانه في حديقة الأفعال.

سبب تسمية حروف الجرّ : وسمّيت هذه الحروف حروف الجرّ ، قال ابن الحاجب : لأنّها تجرّ معنى الفعل إلى الاسم. وقال الرضيّ : بل لأنّها تعمل إعراب الجرّ كما قيل : حروف النصب وحروف الجزم ، ويسمّيها الكوفيّون حروف الإضافة ، لأنّها تضيف

__________________

(١) تمامه «بشيء أنّ أمّكم شريم» ، هو لرجل من عقيل ولم ينسب لقائل معيّن. اللغة : الشريم : المراة المفضاة.

(٢) قبيلة من مضر من عرب الشمال أو العدنانيون.

(٣) شاعر مخضرم (ت نحو ٦٤٨) اشترك في فتح إفريقية ، أشهر شعره قصيدته العينيّة الّتي رثي بها أبناؤة. الجامع في تاريخ الأدب العربي. ١ / ٤١٢.

(٤) اللغة : ترفعت : تصاعدت ، وتباعدت ، لجج : جمع لجة بمعنى معظم الماء ، نئيج : هو الصوت العإلى المرتفع.

(٥) نسب هذا البيت إلى النابغة الجعدي وإلى النابغة الذبياني وإلى عبد الأعلى بن عبد الله.

٣٦٠

الفعل إلى الاسم ، أي توصله إليه ، وتربطه به ، وحروف الصفات ، لأنّها تحدث صفة في الاسم ، ففي قولك : جلست في الدار ، دلّت في على أنّ الدار وعاء للجلوس ، وقيل : لأنّها تقع صفات لما قبلها من النكرات ، كذا في همع الهوامع.

الحروف الّتي تجرّ الظاهر والمضمر : وهذه الأربعة عشر المشهورة من حروف الجر ، «سبعة منها تجرّ الظاهر والمضمر وهي» : «من» وقد يقال : منا على زنة إلى ، وزعم الكسائيّ والفرّاء أنّها الأصل ، وخفّفت لكثرة الاستعمال ، وقال ابن مالك : هي لغة لبعض العرب ، وقال أبو حيّان : ضرورة ، وقدّمها ، لأنّها أمّ حروف الجرّ كما قاله الحريرى وغيره ، وقال ابن الدهان في الغرة (١) : من أقوي حروف الجرّ ، ولهذا المعنى اختصّت بالدخول على عند انتهى ، ولها ستّة عشر معنى :

أحدها : ابتداء الغاية ، وليس المراد بالغاية هنا نهاية المسافة ، وكذا في قولهم إلى لانتهاء الغاية ، إذ لا معنى لابتداء النهاية وانتهاء النهاية ، وإنّما المراد بالغاية جميع المسافة ، قاله الرضيّ : ويلزم عليه أن يكون استعمال من في الزمان مجازا إلا أن يراد بالمسافة المسافة الحقيقة والتتريلية ، وقال آخر : كثيرا ما يطلقون الغاية ، ويريدون بها الغرض ، والمقصود والمراد هاهنا الفعل ، لأنّه غرض الفاعل ومقصوده ، انتهى.

ويلزم عليه أن تخصّ من الابتدائية بالأفعال الاختياريّة الّتي لها غرض ، ولا يصحّ أن يقال : غلي القدر من أول النهار إلى آخره ، فالأحسن أنّ المراد بالغاية النهاية ، أي لابتداء له نهاية ، ولا يستعمل في ابتداء لا نهاية له ، كالأمور الأبديّة ، قاله عصام الدين ، ثمّ الابتداء يكون في المكان باتفاق نحو (مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) [الإسراء / ١] ، وفي الزمان خلافا لأكثر البصريّين ، نحو : (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) [التوبة / ١٠٨] ، وفي الحديث : مطرنا من الجمعة إلى الجمعة (٢) ، والشواهد عليه كثيرة ، وتأويلها تعسّف وفي غيرهما ، نحو : من محمد رسول الله (ص) ، و (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ) [النمل / ٣٠] ، وعلامتها صحّة إيراد إلى أو ما يفيد فائدتها قبالتها ، نحو : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، لأنّ معنى أعوذ به ألتجئ إليه.

الثاني : التبعيض ، وعلامتها جواز الاستغناء عنها ببعض ، نحو : أخذت من الدارهم ، أي بعض الدارهم ، والمفعول الصريح في هذا المثال محذوف ، أي أخذت من الدراهم

__________________

(١) لعلّه الغرّة المخفية في شرح الدرّة الألفية. كشف الظنون ٢ / ١١٩٨.

(٢) صحيح البخاري ، ١ / ٤٥٦ ، رقم ٩٥٣.

٣٦١

شيئا ، فإن اعتبرت المفعول مقدّما ، جاز في المجرور وجهان : أن يكون متعلّقا بالفعل ، وأن يكون متعلّقا بمحذوف صفة للمفعول ، وإن اعتبرته مؤخّرا تعيّن تعلّق الجارّ بالفعل.

الثالث : بيان الجنس ، أي إظهار المقصود منه ، نحو : (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ) [الحج / ٣٠] ، وعلامتها أن يحسن جعل الّذي في مكانها ، لا يقال : لا يصحّ ذلك في نحو : قد كان من مطر أي شيء مع أنّ من بيانّية ، لأنّه يلزم وصف النكرة بالمعرفة ، ويلزم جعل المفرد ، أي مطر صلة ، لأنّا نقول : المراد جعل الّذي في مكانها مع إيراد مقتضيات الموصول.

الرابع : البدل ، نحو : (أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ) [التوبة / ٣٨] (لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً) [الزخرف / ٦٠] ، ونحو : ولا ينفع ذا الجد منك الجدّ ، وأنكره قوم ، فقالوا : التقدير : أرضيتم بالحياة الدنيا بدلا من الأخرة ، فالمفيد المبدليّة متعلّقها المحذوف ، ومن للابتداء ، وكذا الباقي.

الخامس : التنصيص على العموم ، أو توكيد التنصيص عليه ، وهي الزائدة ، فالأوّل نحو : ما جاءني من رجل ، والثاني نحو : ما جاءني من أحد ، ولها ثلاثة شروط : أن يسبقها نفي أو نهي أو استفهام. وأن يكون مجرورها نكرة ، وأن يكون إمّا فاعلا نحو : (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ) [الأنبياء / ٢] ، أو مفعولا نحو : (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ) [مريم / ٩٨] ، أو مبتدأ ، نحو : (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ) [فاطر / ٣] ، قاله ابن هشام في الأوضح ، وأجاز بعضهم زيادتها بشرط تنكير مجرورها فقط ، نحو : قد كان من مطر ، وأجازها الأخفش والكسائيّ وهشام بلا شرط ، ووافقهم ابن مالك في التسهيل.

السادس : التعليل ، نحو : (مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا) [نوح / ٢٥].

السابع : الظرفية نحو : (ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) [فاطر / ٤٠].

الثامن : الفصل بالمهلة ، وهي الداخلة على ثاني المتضادين ، نحو : (وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) [البقرة / ٢٢٠] ، (حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) [آل عمران / ١٧٩] ، قاله ابن مالك ، قال ابن هشام : وفيه نظر ، لأنّ الفصل مستفاد من العامل ، فإنّ ماز وميّز بمعنى فصل ، والعلم صفة توجب التمييز ، والظاهر أنّ من في الآيتين للابتداء ، أو بمعنى عن.

التاسع : انتهاء الغاية ، وهو قول الكوفيّين ، واختاره ابن مالك ، واستدلّ له بصحة قولك : تقرّبت منه ، وهو بمعنى تقرّبت إليه.

العاشر : مرادفة عن ، نحو : (فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ) [الزمر / ٢٢] ، و (يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا) [الأنبياء / ٩٧].

٣٦٢

الحادي عشر : مرادفة الباء ، نحو : (يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍ) [الشوري / ٤٥] قاله يونس. قال ابن هشام : والظاهر أنّها للابتداء ، وتعقّبه الدمامينيّ بأنّه أريد كون الظرف آلة للنظر ، فمن بمعنى الباء ، كما قاله يونس ، وليس الظاهر كونه حينئذ للابتداء ، وإن أريد أنّ الظرف وقع ابتداء النظر فيه ، فمن لابتداء الغاية لا بمعنى الباء (١) ، فهما معنيان متغايران موكولان إلى إرادة المستعمل فتأمّله ، انتهى.

الثاني عشر : موافقة عند ، نحو : (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً) [آل عمران / ١٠] ، قاله أبو عبيدة ، والصحيح أنّها في ذلك للبدل.

الثالث عشر : مرادفة ربّما ، إذا اتّصلت بما كقوله [من الطويل] :

٣٢٨ ـ وإنّا لممّا نصرب الكبش ضربة

على رأسه تلقي اللسان من الفم (٢)

قاله السيرافيّ وابن خروف وابن طاهر والأعلم ، وخرّجوا عليه قول سيبويه ، وأعلم أنّهم ممّا يحذفون كذا قال ابن هشام ، والظاهر أنّ من فيهما ابتدائية ، وما مصدريّة ، وأنّهم جعلوا كأنّهم خلقوا من الضرب ، والحذف مثل (خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ) [الأنبياء / ٣٧] ، انتهى. قال التقيّ الشّمني : هذا ليس بظاهر في قول سيبويه على ما يخفي.

الرابع عشر : الاستعلاء ، نحو (وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ) [الأنبياء / ٧٧] ، وقيل على التضمين أي منعناه منهم بالنصر.

الخامس عشر : التجريد ، نحو : لي من فلان صديق حميم ، قيل : والظّاهر أنّ من التجريديّة ابتدائيّة أو ظرفيّة.

السادس عشر : النسبة ، نحو : قوله (ع) أنت منّي بمترلة هارون من موسى (٣). قيل : والظاهر أنّ من في الحديث للابتداء ، إذ التقدير قربك منّي بمترلة قرب هارون من موسى ، وحذف المضاف لظهور المعنى.

«وإلى» ولها ثمانية معان :

أحدها : انتهاء الغاية المكانيّة والزمانيّة ، نحو (إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) [الاسراء / ١] و (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة / ١٨٧] ، أو غيرهما ، نحو : أعطيته من مائة إلى الألف.

الثاني : المعيّة كمع ، وذلك إذا ضممت شيئا إلى آخر في الحكم به أو عليه أو التعلّق ، نحو : (مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ) [آل عمران / ٥٢] ، (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ) [المائدة

__________________

(١) سقطت «فمن لابتداء الغاية لا بمعنى الباء» في «س».

(٢) هو لأبي حية النميرى (ـ ١٨٢ ه‍ ق). اللغة : الكبش : فحل الضأن ، والمراد بالكبش هنا سيد القوم.

(٣) الترمذي ، / ٤٢٢ ، رقم ١١١٤.

٣٦٣

/ ٦] ، (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ) [النساء / ٢] قال الرضيّ : والتحقيق أنّها للانتهاء أي مضافة إلى المرافق وإلى أموالكم ، وقال غيره (١) : ما ورد من ذلك يؤوّل على تضمين العامل وابقاء إلى على أصلها ، والمعنى في الآية الأولى من يضيف نصرته إلى نصرة الله تعالى ، أو من نصرني حال كونه ذاهبا إلى الله تعالى.

الثالث : التبيين وهي المتعلّقة في تعجّب أو تفضيل بحبّ أو بعض مبيّنة لفاعلى ة مصحوبها ، نحو : ما أحبّ زيد إلى وقوله تعالى : (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَ) [يوسف / ٣٣] ، وإثبات هذا المعنى لإلى مخصوص بابن مالك.

الرابع : مرادفة اللام ، نحو : (وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ) [النمل / ٣٣] ، وقيل : لانتهاء الغاية أي منته إليك.

الخامس : الظرفيّة ، كفي ، ذكره جماعة في قوله [من الطويل] :

٣٢٩ ـ فلا تتركنّي بالوعيد كأنّني

إلى النّاس مطليّ به القار أجرب (٢)

أي في الناس ، وتأوّله بعضهم على تعلّق إلى بمحذوف ، أي مطليّ بالقار مضافا إلى الناس ، فحذف ، وقلب الكلام ، وقال ابن عصفور : وهو على تضمين معنى مبغض ، قال : ولو صحّ مجئ إلى بمعنى في لجاز زيد إلى الكوفة.

السادس : الابتداء ، كقوله [من الطويل] :

٣٣٠ ـ تقول وقد عإلى ت بالكور فوقها

أيسقي فلا يروى إلى ابن أحمرا (٣)

أي منّي.

السابع : موافقة عند ، كقوله [من الكامل] :

٣٣١ ـ أم لا سبيل إلى الشّباب وذكره

أشهي إلى من الرّحيق السّلسل (٤)

الثامن : التوكيد ، وهي الزائدة ، أثبت ذلك الفرّاء مستدلّا بقرأءة بعضهم : (أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) [إبراهيم / ٣٧] بفتح الواو ، أي تهواهم ، وخرّجه غيره على تضمين تهوي بمعنى تميل.

وعن ، ولها سبعة معان :

أحدها : المجاوزة ، وهو الأكثر فيها ، ولم يذكر البصريّون غيره ، والمراد بالمجاوزة بعد شيء عن المجرور بها بسبب إيجاد مصدر الفعل المعدّي بها نحو : سرت عن البلد ، أي بعدت عنها بسبب السير.

__________________

(١) سقطت «وقال غيره» في «ح».

(٢) هو للنابغة الذبياني من اعتذارياته. اللغة : الوعيد : التهديد ، إلى : بمعنى في ، القار : القطران.

(٣) البيت لابن أحمر الباهلي. اللغة : عاليت : رفعت ، الكور : الرحل.

(٤) هو لأبي كبير الهذليّ. اللغة : الرحيق : صفوة الخمر ، السلسل : العذب والبارد.

٣٦٤

الثاني : البدل ، نحو : (لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ) [البقرة / ٤٨] ، وفي الحديث «صومي عن أمّك (١)» أي بدل نفس وبدل أمّك.

الثالث : الاستعلاء ، نحو : (فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ) [محمد / ٣٨] ، أي عليها.

الرابع : التعليل : نحو : (وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ) [هود / ٥٢] ، أي لأجله.

الخامس : مرادفة بعد ، نحو (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) [الانشقاق / ١٩] ، أي حالة بعد حالة.

السادس : مرادفة من ، نحو : (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ) [الشوري / ٢٥] ، أي منهم بدليل : (فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ) [المائدة / ٢٧].

السابع : الاستعانة ، قاله ابن مالك ، ومثّله برميت عن القوس ، لأنّهم يقولون أيضا : رميت بالقوس ، حكاهما الفرّاء ، وفيه ردّ على الحريرى في إنكاره أن يقال ذلك ، إلا إذا كانت القوس هي المرمية ، وحكى أيضا رميت على القوس.

«على» والقول بحرفيّتها هو مذهب البصريّين والكوفيّين ، وزعم ابن الطراوة وابن طاهر وابن خروف وأبو الحجاج ابن معروف (٢) والأستاذ أبو على في أحد قوليه : إنّها اسم دائما ، ولا يكون حرفا ، ونسبوه لسيبوبه ، ولها تسعة معان.

أحدها : الاستعلاء حسّا ، نحو : (وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) [المؤمنون / ٢٢] ، أو معنى ، نحو : (فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) [البقرة / ٢٥٣] ، (وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ) [الشعراء / ١٤] ، ثمّ إنّه قد يكون على مجرورها كما مثّل به ، وهو الغالب ، وقد يكون على ما يقرب منه نحو : (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً) [طه / ١٠]. قال الزمخشريّ : معنى الاستعلاء على النار أن أهل النار يستعلون المكان القريب منها.

وهاهنا بحث نفيس أثّرت إيراده لما فيه من الفوائد ، وهو منقول من كتاب مطلع السعدى ن (٣) ومجمع البحرين ، وهو تاريخ ألّفه عبد الرزاق ابن اسحق السمرقنديّ ، وكان في حدود سبع وثمانين مائة ، وسبب إيراده له أنّه ذكر أنّ الأمير شريف الدين على الجرجانيّ (٤) ورد إلى سمرقند في سنة تسعين وسبعمائه ، فاكرمه الأمير تيمور (٥) غاية

__________________

(١) صحيح مسلم ، ٢ / ١٧٠ ، رقم ١١٤٨.

(٢) لم أجد ترجمة حياته.

(٣) مطلع السعدين في وقايع عصر السلطان أبي سعيد مع الاشتمال على حوادث الربع المسكون للشيخ كمال الدين عبد الرزاق بن جلالدين اسحق السمرقندي المتوفى سنة ٨٨٧ ه‍ ق كشف الظنون ٢ / ١٧٢.

(٤) مير شمس الدين سيد شريف على بن محمد (٧٠٤ ـ ٨٣٦ ه‍) عالم وأديب من آثاره : الغرة في المنطق. بها الدين خرمشاهي وآخرون ، دائرة المعارف تشيع ، الطبعة الأولى ، طهران ، نشر الشهيد محبتي ، ١٣٧٥ ه‍ ش ، ٥ / ٣٣٢.

(٥) تيمور لنگ (١٣٣٦ ـ ١٤٠٥ م) : ملك المغول حفيد چنگيز خان ، اتخذ سمرقند عاصمة له وجمع فيها الفنانين والعلماء من كل بلاد فتحها فازدهرت فيها الفنون والعلوم. المنجد في الاعلام ص ١٨٩.

٣٦٥

الإكرام ، ثمّ إنّ السّيّد ذكر في بعض مجالس درسه كلام صاحب الكشاف على قوله تعالى : (عَلَى النَّارِ هُدىً) ونقل كلام العلّامة التفتازاني عليه وأبطله ، ولم يكن أحد يتجرّئ على العلّامة بالاعتراض ، فشاع ذلك إلى أن بلغ الأمير تيمور ، فجمع بين العلامة والسّيّد للمناظرة واشترط السّيّد أن لا يتكلّم أحد من تلامذة العلّامة في أثناء البحث ، فلم يتمالك مولانا جلال الدين يوسف (١) ، إلا وبهي ، وتكلّم في أثناء البحث ، وكان أرشد تلامذة العلامة ، حتى أنّه كان قد أذن له في أن يصلح ما يراه من الخلل في تصانيفه.

فغضب الأمير تيمور من تكلّمه ، حيث كان الشرط على خلاف ذلك ، فأمر بإخراجه ، ثمّ إنّ المؤرّخ المذكور ذكر أنّ لأخيه مولانا جلال الدين عبد الغفّار (٢) كلاما في هذا البحث ، ثمّ قال لا بأس بإيراد الكلام الجميع باللغة العربيّة ، فردّ كلام كلّ منهم على هذه الصورة. قال صاحب الكشاف : معنى الاستعلاء في قوله تعالى : (عَلَى النَّارِ هُدىً) [طه / ١٠] ، مثل لتمكّنهم واستقرارهم عليه وتمسّكهم به ، شبّهت حالهم بحال من اعتلي الشيء وركبه.

قال المحقّق التفتازانيّ : يعني هذه الاستعارة تبعيّة تمثيلا ، أمّا التبعية فلجرى انها أوّلا في متعلّق الحرف ، وتبعيّتها في الحرف ، وأمّا التمثيل فلكون كلّ من طرفي التشبيه حالة منتزعة من عدّة الأمور ، واعترض عليه المحقّق الجرجانيّ بأنّ كون على استعارة تبعيّة ، يستلزم كون الاستعلاء شبيها به والتمثيل المستلزم لتركيب الطرفين يستلزم أن لا يكون الاستعلاء شبيها به ، لأنّه معنى مفرد ، فلا يجتمعان ، وأجاب التفتازانيّ بأنّ مبني التمثيل على تشبيه صورة منتزعة من عدّة أمور بصورة أخري كذلك ، وهذا إنّما يوجب اعتبار التعدّد في المأخذ لا فيه نفسه ولا ينافي كونه متعلّق معنى الحرف.

وردّ الجرجانيّ هذا الجواب في كتبه بأنّ تلك الصورة المتترعة من عدّة أمور لا تنتزع بتمامها من كلّ واحد من تلك الأمور ، بل ينتزع من كلّ واحد من تلك الأمور بعض منها ، فيكون كلّ من الطرفين مركّبا بالضرورة ، ومعنى الاستعلاء مفرد ، فلا يكون مشبها به.

وقال أستاذي وأخي : أقول ويمكن الجواب عنه ، لأنّ معنى انتزاعها من تلك الأمور هو أن يكون منتزعة من مجموع تلك الأمور ، وتقارنها وتضامّها كالاستعلاء ، فإنّه هيئة حاصلة من تقارن الراكب والمركوب على كيفيّة المخصوصة ، فيكون واحدا منتزعة من عدّة أمور ، ولهذا صحّ أن يستعار العنقود للثريّا ، مثل أن تقول : لاح في

__________________

(١) لم أجد ترجمة حياته.

(٢) لم أجد ترجمة حياته.

٣٦٦

الصبح عنقود ملاحية في السماء ، وقد استعاروا النطاق والحمائل للكواكب الّتي حول الجوزاء ، والظاهر أن ليس في هذه الاستعارات إلا تشبيه الهئية بالهيئة ، انتهى.

الثاني : المصاحبة كمع ، نحو : (وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ) [البقرة / ١٧٧] أي مع حبّه.

الثالث : المجاوزة ، كقوله [من الوافر] :

٣٣٢ ـ إذا رضيت على بنو قشير

لعمر الله أعجبني رضاها (١)

وهو لغة بني كعب بن ربيعة ، حكى ذلك المبرّد في الكامل (٢) ، قاله ابن هشام في شرح اللمحة ، وقال في المغني : ويحتمل أنّ رضي ضمّن معنى عطف ، وعن الكسائيّ حمل على نقيضه ، وهو سخط ، انتهى. قال ابن جنيّ في الخصائص : كان أبو على يستحسن قول الكسائيّ في ذلك ، انتهى. لكن قال بعض المحقّقين : إنّه لا يعرف له محصل ، لأنّه إن لم تجعل على بمعنى عن فكيف يصحّ المعنى ، وإن جعلت بمعنى عن لم يكن رضي محمولا على ضدّه ، لأنّ ضدّه لا يطلب حقيقة عن ، نعم لو قيل : رضيت مؤوّل بلم تسخط ، لكان له وجه ، انتهى. وقال أبو عبيدة : إنّما ساغ ذلك ، لأنّ معناه أقبلت على.

الرابع : الظرفية ، نحو : (عَلى حِينِ غَفْلَةٍ) [القصص / ١٥] ، أي في حين غفلة.

الخامس : التعليل ، نحو : (وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ) [البقرة / ١٨٥] ، أي لأجل هدايته إيّاكم. وقوله [من الطويل] :

٣٣٣ ـ علام تقول الرّمح يثقل عاتقي

إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت (٣)

السادس : موافقة من ، نحو : (إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ) [المطفّفين / ٢] ، أي من الناس.

السابع : مردافة الباء ، نحو : (حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ) [الأعراف / ١٠٥] ، وقراءة أبي (٤) بأن لا أقول ، وقالوا : اركب على اسم الله.

الثامن : الاستدارك والإضراب ، نحو : فلان لا يدخل الجنّة لسوء صنيعه ، على أنّه لا ييأس من رحمة الله تعالى ، وقوله [من الطويل] :

٣٣٤ ـ فو الله لا أنسي قتيلا رزئته

بجانب قوسي ما بقيت على الأرض

__________________

(١) هو للقحيف العقيلي ، من كلمة يمدح فيها حكيم بن المسيب القشيرى.

(٢) الكامل في اللغة لأبي عباس محمد بن يزيد المعروف بالمبرد النحوي المتوفى سنة ٢٨٥. كشف الظنون ٢ / ١٣٨٢.

(٣) البيت لعمرو بن معديكرب ، الرمح : منصوب بتقول ، لأنّها بمعنى تظنّ. اللغة : العاتق : المنكب ، كرّت : أقبلت.

(٤) أبي بن كعب (ـ ١٢ ه‍) صحابي من أنصار. كان أقرا الصحابة ، ومن كتاب الوحي ، وممن اشترك في جمع القرآن أيام عثمان. معنى اللبيب ص ١٩٢.

٣٦٧

على أنّها تعفو الكلوم وإنّما

توكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي (١)

أي على أنّ العادة نسيان المصائب البعيده العهد ، وقوله [من الطويل] :

٣٣٥ ـ بكلّ تداوينا فلم يشف ما بنا

على أنّ قرب الدار خير من البعد (٢)

ثمّ قال :

٣٣٦ ـ على أنّ قرب الدّار ليس بنافع

إذا كان من تهواه ليس بذي ودّ

أبطل بعلى الأولى عموم قوله : لم يشف ما بنا ، فقال : بلي إن فيه شفاء ما ، ثمّ أبطل بالثانية قوله : على أنّ قرب الدار خير من البعد.

وتعلّق على هذه بما قبلها كتعلّق حاشا بما قبلها عند من قال به ، إلا أنّها أوصلت معناه إلى ما بعدها على وجه الإضراب والإخراج ، أو هي خبر لمبتدإ محذوف ، أي والتحقيق على كذا ، وهذا الوجه اختاره ابن الحاجب قال : ودلّ ذلك على أنّ الجملة الأولى وقعت على غير التحقيق ، ثمّ جئ بما هو التحقيق فيها ، قاله ابن هشام.

التاسع : أن تكون زائدة للتعويض ، أو غيره. فالأوّل كقوله [من الرجز] :

٣٣٧ ـ إنّ الكريم وأبيك يعتمل

إن لم يجد يوما على من يتّكل (٣)

أي من يتّكل عليه ، فحذف عليه ، وزاد على قبل الموصول تعويضا له ، قاله ابن جنيّ ، وقيل : المراد إن لم يجد يوما شيئا ، ثمّ ابتدأ مستفهما فقال : على من يتّكل ، والثاني كقوله [من الطويل] :

٣٣٨ ـ أبي الله إلا أنّ سرحة مالك

على كلّ أفنان العضاة تروق (٤)

قاله ابن مالك. قال ابن هشام : وفيه نظر ، لأنّ راقه الشيء بمعنى أعجبه ، ولا معنى له هنا ، وإنّما المراد تعلو وترفع ، انتهى. وفي القاموس ، الروق : مصدر راق عليه ، أي زاد عليه فضلا ، فلا حاجة حينئذ إلى تضمين.

وفي ولها عشرة معان :

أحدها : الظرفية حقيقة مكانية أو زمانية ، وقد اجتمعتا في قوله تعالى : (الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ) [الروم / ١ ـ ٤] ، أو مجازا إمّا أن يكون الظرف والمظروف معنيين ، نحو : (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ)

__________________

(١) هما لأبي خراش الهذليّ واسمه خويلد بن مرّة. اللغة : رزئته : أصبت به ، قوسي. موضع ببلاد السراة ، الكلوم : جمع كلم بمعنى الجرح ، نوكل : نحرّق ، جلّ : عظم وكثر.

(٢) هو لعبد الله بن الدمينة. وقوله «بكل» أي بالقرب والبعد.

(٣) الرجز مجهول القائل. اللغة : يعتمل : يعمل بنفسه.

(٤) البيت لحميد بن ثور ، وهو شاعر مخضرم ، أسلم ومات في خلافة عثمان. اللغة : السرحة : الشجرة العظيمة ، وهي في البيت كناية عن امرأة ، والعضاة : شجر له شوك.

٣٦٨

[البقرة / ١٧٩] ، أو الظرف معنى والمظروف ذاتا ، نحو : أصحاب الجنّة في رحمة أو بالعكس ، نحو : (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب / ٢١].

الثاني : السببيّة ، نحو : (لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ) [النور / ١٤] ، وفي الحديث : إنّ امرأة دخلت النار في هرّة حبستها (١).

الثالث : المصاحبة ، نحو : (حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ) [فصلت / ٢٥].

الرابع : الاستعلاء ، نحو : (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) [طه / ٧١] ، والأولى أن يقال : إنّها بمعناها لتمكّن المصلوب في الجذع تمكّن المظروف في الظرف فهي من باب الاستعارة التبعيّة.

الخامس : مرادفة الباء ، كقوله [من الطويل] :

٣٣٩ ـ ويركب يوم الرّوع منّا فوارس

بصيرون في طعن الأباهر والكلي (٢)

السادس : مرادفة إلى ، نحو : (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ) [إبراهيم / ٦].

السابع : مرادفة من ، نحو : (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً) [النحل / ٨٤] ، أي منهم بدليل الأية الأخرى.

الثامن : مرادفة عن ، نحو : (فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى) [الإسراء / ٧٢] ، أي عنها وعن محاسنها.

التاسع : المقايسة ، وهي الداخلة بين مفضول سابق وفاضل لاحق ، نحو : (فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) [التوبه / ٣٨].

العاشر : التوكيد ، وهي الزائدة نحو : (ارْكَبُوا فِيها) [هود / ٤١] أي اركبوها.

والباء : وحركتها الكسر ، وقد تفتح مع الظاهر فيقال بزيد ، حكاه أبو الفتح عن بعضهم ، قالها أبو حيّان ، ولها أربعة عشر معنى :

أحدها : الإلصاق ، قيل : وهو معنى لا يفارقها ، فلهذا اقتصر عليه سيبويه ، قال في شرح اللب (٣) : وهو تعلّق أحد المعنيين بالآخر حقيقيا ، نحو : أمسكت بالحبل ومجازيا ، نحو : مررت بزيد ، أي ألصقت مروري بمكان يقرب منه زيد.

الثاني : التعدية ، وهي تغيير معنى الفعل وجعله متضمّنا لمعنى التصيير كما في الهمزة والتضعيف ، وهذا المعنى ممّا انفردت به عن سائر حروف الجرّ ، وتطلق التعدية على

__________________

(١) تقدّم في ص ٢٨٩.

(٢) هو لزيد الخيل الّذي سمّاه النبي (ص) زيد الخير. اللغة : الروع : الخوف والمراد هنا الحرب ، أباهر : جمع أبهر وهو عرق إذا انقطع مات صاحبه ، الكلي : جمع كلية.

(٣) لعلّه لب الألباب في علم الإعراب للاسفرايني أو للبيضاوي.

٣٦٩

معنى آخر ، وهو إيصال معنى الفعل إلى معموله بواسطة حرف الجرّ ، وهي بهذا المعنى متحقّقة في جميع موارد حروف الجرّ ، وذهب ذلك على بعض من عاصرنا ، ففسّر التعدية في هذا المقام بهذا المعنى الثاني ، وهو وهم منه ، قال ابن هشام : وتسمّي بالنقل أيضا ، وهي المعاقبة للهمزة في تصيير الفاعل مفعولا ، وأكثر ما تعدّي الفعل القاصر ، تقول في ذهب زيد : ذهبت بزيد وأذهبته ومنه : (ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ) [البقرة / ١٧] ، وقرئ أذهب الله بنورهم ، وقول والسهيليّ : إن بين التعديتين فرقا مردود بالآية. ومن ورودها مع المتعدّي (دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) [البقرة / ٢٥١] ، وصككت الحجر بالحجر ، والأصل دفع بعض الناس بعضا ، وصكّ الحجر الحجر ، انتهى.

الثالث : الاستعانة ، وهي الداخلة على آلة الفعل حقيقة ، نحو : كتبت بالقلم ، ونجرت بالقدوم ، أو مجازا ، قيل : ومنه باء البسملة ، لأنّ الفعل لا يتأتّي على الوجه الأكمل إلا بها.

الرابع : السّببيّة ، نحو : (إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ) [البقرة / ٥٤] ، (فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ) [العنكبوت / ٤٠] ، ومنه : لقيت بزيد الأسد ، أي بسبب لقائي إيّاه.

الخامس : المصاحبة ، وهي الّتي تصلح في موضعها مع ، أو يغني عنها وعن مصحوبها الحال ، نحو : (دَخَلُوا بِالْكُفْرِ) [المائدة / ٦١] ، أي معه أو كافرين ، قال ابن هشام في المغني : وقد اختلف في الباء من قوله تعالى : (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) [غافر / ٥٥] فقيل : للمصاحبة ، والحمد مضاف إلى المفعول ، أي فسبّحه حامدا له ، أي نزّهه عمّا لا يليق به ، وأثبت له ما يليق به ، وقيل للاستعانة ، والحمد مضاف إلى الفاعل ، أي سبّحه بما حمد به نفسه ، إذ ليس كلّ تتريه بمحمود ، ألا ترى أنّ تسبيح المعتزلة (١) اقتضي تعطيل كثير من الصفات ، انتهى.

قال شيخ شيوخنا الحرفوشي (ره) في اللآلى الدريّة بعد نقله ذلك : لا يخفى عليك أنّ المعتزلة ومن وافقهم لم ينفوا الصفات رأسا حتى يلزم التعطيل ، بل نفوا زيادتها ، فقالوا : سمعه عين ذاته ، قدرته عين ذاته ، وكذلك البواقي ، وهذا لا يستلزم ذلك ، بل أدلّ على التتريه ، لأنّ القول بالزيادة يؤدّي إلى محذورات تقتضي عكس ما أرادوا من التتريه ، كما هو المقرّر في علم الكلام ، فليراجع ثمة ، انتهى.

__________________

(١) طائفة بدأت دينية فقط ثمّ خاضت في السياسة ، وقد نشأت إثر اعتزال واصل بن عطاء (ـ ١٣١ ه‍) أستاذه الحسن البصري (ـ ١١٠ ه‍) لاختلافهما في بعض المعتقدات ثمّ صار المعتزلة شيعا ومن أعلامهم الجاحظ والتوحيدي والزمخشري. مغني اللبيب ص ١٤٠.

٣٧٠

السادس : الظرفية ، نحو : (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ) [آل عمران / ١٢٣] ، (نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ) [القمر / ٣٤].

السابع : البدل ، وهي الّتي يحسن في مكانها بدل ، كقول الحماسي [من البسيط] :

٣٤٠ ـ فليت لي بهم قوما إذا ركبوا

شنّوا الإغارة فرسانا وركبانا (١)

أي بدلهم ، وانتصاب الاغارة على المفعول لأجله.

الثامن : المقابلة ، وهي الداخلة على الأعواض والأثمان ، نحو : كافأت الإحسان بضعف ، واشتريت الفرس بألف.

التاسع : المجاوزة ، فقيل : تختصّ بالسؤال. قال في الهمع : وظاهر كلام أبي حيان أنّ الكوفيّين كلّهم عليه ، نحو : (فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً) [الفرقان / ٥٨] ، بدليل : (يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ) [الحديد / ١٢] ، وقيل : لا تختصّ به بدليل : (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ) [الفرقان / ٢٥] ، وجعل الزمخشريّ هذه الباء بمترلتها في شققت السنام بالشّفرة ، على أنّ الغمام جعل كالألة الّتي يشقّق بها.

العاشر : الاستعلاء ، نحو : (مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ) [آل عمران / ٧٥] بدليل (هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ) [يوسف / ٦٤].

الحادي عشر : التبعيض ، أثبت ذلك الأصمعّي والفارسيّ والقتبيّ (٢) وابن مالك ، قيل : والكوفيّون ، وجعلوا منه : (عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ) [الإنسان / ٦] أي منها ، قال بعضهم : ويمكن أن تكون الباء سببيّة ، أي أنّ العين في اللطافة بحيث تدعو الناظر بها أن يشرب منها ، انتهى.

الثاني عشر : القسم ، وهي أصل حروفه ، ولذلك خصّت بجواز ذكر الفعل معها ، نحو : أقسم بالله لتفعلنّ ، ودخولها على الضمير ، نحو : بك لأفعلن ، واستعمالها في القسم الاستعطافيّ ، وهو المؤكّد لجملة طلبيّة ، نحو : بالله هل قام زيد ، أي أسألك بالله مستحلفا.

الثالث عشر : الغاية ، نحو : (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي) [يوسف / ١٠٠] أي إلى ، وقيل : ضمّن أحسن معنى لطف.

__________________

(١) البيت من مختار أبي تمام في أوايل ديوان الحماسة ، وهو من كلمة لقريط بن أنيف. اللغة : الإغارة : الهجوم على العدو والإيقاع به ، فرسانا : جمع فارس ، وهو راكب الفرس ، ركبانا : جمع راكب ، وهو أعم من الفارس.

(٢) هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري النحويّ اللغويّ ، صنّف : إعراب القرآن ، معاني القرآن ، جامع النحو ، مات سنة ٦٧٠ ه‍ ق ، بغية الوعاة ٢ / ٦٣.

٣٧١

الرابع عشر : التوكيد وهي الزائدة ، وزيادتها في ستّة مواضع على ما في المغني أحدها : الفاعل ، وزيادتها فيه : واجبة ، وغالبة ، وضرورة ، فالواجبة نحو : أحسن بزيد على قول الجمهور. والغالبة في فاعل كفي ، نحو : (كَفى بِاللهِ شَهِيداً) [الرعد / ٤٣] ، والجزم بزيادتها هو الأصحّ كما في الإرتشاف ، وقال الزّجّاج : دخلت الباء لتضمين كفي معنى اكتف ، أي فهي للتعدية ، قال ابن هشام في المغني : وهو من الحسن بمكان ، ويصحّحه قولهم : اتّقي الله امرو فعل خيرا يثبت عليه ، أي ليتّق وليفعل ، بدليل جزم يثب ، ويوجبه قولهم : كفي بهند ، بترك التاء ، فإن احتجّ بالفاصل فهو مجوز لا موجب ، بدليل : (وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ) [الأنعام / ٥٩] ، (وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ) [فصلت / ٤٧] ، فإن عورض بقولك : أحسن بهند ، فالتاء لا تلحق صيغ الأمر ، وإن كان معناها الخبر ، انتهى.

ويشكل عليه إسناد الفعل الماضي إلى ضمير المخاطب ، وهو غير جائز. قالوا : ومن مجئ كفي هذه مجرّدا عن الباء قول الشاعر [من الطويل] :

٣٤١ ـ ويخبرني عن غائب المرء هديه

كفى الهدي عمّا غيّب المرء مخبرا (١)

ولا تزاد الباء في فاعل كفي الّتي بمعنى أجزأ وأغني ، ولا الّتي بمعنى وقي ، والأولى متعدّية لواحد كقوله [من الوافر] :

٣٤٢ ـ قليل منك يكفيني ولكن

قليلك لا يقال له قليل (٢)

والثانية متعدية لاثنين ، كقوله تعالى : (وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ) [الأحزاب / ٢٥]. والضرورة ، كقوله [من السريع] :

٣٤٣ ـ مهما لي الليلة مهما ليه

أودي بنعلى وسربالية (٣)

الثاني ممّا تزاد فيه الباء : المفعول ، نحو : (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة / ١٩٥] ، (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) [مريم / ٢٥]. قال ابن هشام : وكثرت زيادتها في مفعول عرفت ونحوه ، وقلّت في مفعول ما يتعدّي لاثنين ، كقولك [من الكامل] :

٣٤٤ ـ تبلت فؤادك في المنام خريدة

تسقي الضّجيع ببارد بسّام (٤)

وقد زيدت في مفعول كفي المتعدّية لواحد ، ومنه الحديث : كفي بالمرء إثما أن

__________________

(١) أنشده ابن الإعرابي في لسان العرب ولم ينسبه إلى قائل معيّن. اللغة : غائب المرء : ما غاب منه ، الهدي : السيرة والطريقة.

(٢) لم يسمّ قائله.

(٣) هو لعمرو بن ملقط الطائي. اللغة : السربال : القميص ، أو الدّرع ، أو كلّ ما لبس.

(٤) هو لحسان بن ثابت. اللغة : تبلت : أسقمت وأفسدت ، الخريدة : البكرو الحسناء من النساء. الضجيج : الّذي ينام معك. البارد : المراد به هنا الريق ، البّسام : كثير التبسم ، والمراد به هنا الثغر.

٣٧٢

يحدّث بكلّ ما سمع (١).

قال المراديّ في الجني : وزيادة الباء في المفعول غير مقيسة مع كثرتها ، ولكن جزم الرضيّ بأنّها تزاد قياسا في مفعول عرفت وعلمت وجهلت وسمعت وتيقّنت وأحسنت.

الثالث : المبتدأ ، وذلك في قولك : بحسبك درهم ، وخرجت فإذا بزيد ، وكيف بك إذا كان كذا ، ومن الغريب أنّها زيدت في ما أصله المبتدأ وهو اسم ليس ، بشرط أن يتأخّر إلى موضع الخبر ، كقراءة بعضهم (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا) [البقرة / ١٧٧] بنصب البرّ ، وقوله [من المتقارب] :

٣٤٥ ـ اليس عجيبا بأنّ الفتى

يصاب ببعض الّذي في يديه (٢)

الرابع : الخبر ، قال ابن هشام في تذكرته : زيادة الباء في الخبر على ثلاثة أقسام : كثير وقليل وأقلّ.

والكثير في ثلاثة مواضع ، وذلك بعد ليس وما نحو (أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ) [الزمر / ٣٦] ، (وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) [الأنعام / ١٣٢] ، وبعد أو ولم نحو : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ) [الأحقاف / ٣٣] ، وذلك لأنّه في معنى أو ليس الله بقادر ، فهو راجع إلى المسألة الأولى في المعنى.

والقليل في ثلاثة مواضع : بعد كان وأخواتها منفيّة ، كقوله [من الطويل] :

٣٤٦ ـ وإن مدّت الأيدي إلى الزّاد لم أكن

بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل (٣)

وبعد ظنّ وأخواتها منفية كقوله [من الطويل] :

٣٤٧ ـ دعاني أخي والخيل بيني وبينه

فلمّا دعاني لم يجدني بقعدد (٤)

وبعد لا العاملة عمل ليس ، كقوله [من الطويل] :

٣٤٨ ـ فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة

بمغن فتيلا عن سواد بن قارب (٥)

والأقلّ في ثلاثة مواضع :

بعد أنّ ولكنّ وهل ، فالأوّل ، كقوله [من الطويل] :

٣٤٩ ـ فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها

فإنّك ممّا أحدثت بالمجرّب (٦)

_________________

(١) نهج الفصاحة حديث ٢١٣٦ ، ص ٤٥٣.

(٢) هو لمحمود بن حسن الوارق.

(٣) البيت للشنفرى. اللغة : الزاد : الطعام ، أجشع : أشد الحرص والطمع والمراد هذا الحرص على الأكل.

(٤) هو لدريد بن الصّمة. اللغة : القعدد : الجبان والقاعد عن الحرب والمكارم.

(٥) هو لسواد بن قارب السدوسي الصحابي. اللغة : الفتيل : هو الخيط الرقيق الّذي يكون في شق النواة.

(٦) هو لامرئ القيس. اللغة : تنأ : تبعد ، الحقبة من الدهر : المدة لا وقت لها أو السنة.

٣٧٣

والثاني كقوله [من الطويل] :

٣٥٠ ـ ولكنّ أجرا لو فعلت بهيّن

 ... (١)

والثالث كقوله [من الطويل] :

٣٥١ ـ ...

ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم (٢)

انتهى.

وقال في المغني : زيادتها في الخبر ضربان : غير موجب ، فينقاس ، وقد مرّ مثاله ، وموجب ، فيتوقّف على السماع ، وهو قول الأخفش ومن تابعه ، وجعلوا منه : (جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها) [يونس / ٢٧] ، والأولى تعليق (بِمِثْلِها) باستقرار محذوف هو الخبر ، انتهى.

الخامس : الحال المنفي عاملها ، كقوله [من البسيط] :

٣٥٢ ـ كائن دعيت إلى بأساء داهمة

فما انبعثت بمزؤود ولا وكل (٣)

السادس : التوكيد بالنفس والعين ، نحو : جاءني زيد بنفسه أو بعينه.

اللام : واللام ، وهي مكسورة مع غير المضمر ، مفتوحة معه في غير لغة خزاعة (٤) ، نحو : لكم ولنا ، وتكسر في لغتهم مطلقا ، وهذا في غير ياء المتكلم ، فإنّها تكسر معها وفي غير المستغاث المباشر للياء ، فإنّها تفتح معه ، نحو : يا لله ، وتفتح الداخلة على الفعل ، نحو : (لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ) [إبراهيم / ٤٦] ، قال الرضيّ : ونقل فتحها مع جميع المظهرات ، ولها عشرون معنى :

أحدها : الاستحقاق ، وهي الواقعة بين معنى وذات ، نحو : (الْحَمْدُ لِلَّهِ) [الحمد / ١].

الثاني : الاختصاص ، نحو : الجلّ للفرس.

الثالث : الملك ، نحو : (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) [البقرة / ٢٥٥] ، وبعضهم يستغني بذكره عن ذكر المعنيين قبله تقليلا لاشتراك.

الرابع : التمليك ، نحو : وهبت لزيد دينارا.

الخامس : شبه التمليك ، نحو : (جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً) [النحل / ٧٢].

السادس : التعليل ، نحو : (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ) [النساء / ١٠٥] ، ومنها اللام الثانية في نحو : يا لزيد لعمرو ، وتعلّقها بمحذوف ، وهل هو فعل من جملة مستقلّة ، أي أدعوك

__________________

(١) تمامه «وهل ينكر المعروف في الناس والأجر» ، ولم يسمّ قائله. اللغة : الهيّن : الحقير ، السهل اليسير.

(٢) هو للفرزدق يهجوبها جريرا. وتمامه «إذا اقلولي عليها وأقردت» ، اللغة : القلولي : ارتفع ، أقردت : لصقت بالأرض وسكنت.

(٣) لم يسّم قائله. اللغة : البأساء : الشدّة. الداهمة : الأمر إذا أتى بغتة ، المزؤود : مفعول من زئد بمعنى ذعر وخوف ، الوكل : العاجز ، البليد ، الجبان.

(٤) من قبائل عرب الجنوب أو القحطانيين.

٣٧٤

لعمرو ، أو اسم هو حال من المنادى ، أي مدعوّا لعمرو ، قولان ، لم يطّلع ابن عصفور على ثانيهما ، فنقل الإجماع على الأوّل.

السابع : موافقة إلى ، نحو : (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها) [الزلزلة / ٥].

الثامن : موافقة على ، نحو : (يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً) [الإسراء / ١٠٩].

التاسع : موافقة في ، نحو : (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ) [الأنبياء / ٤٧].

العاشر : موافقة من ، نحو : سمعت له صراخا ، وقول جرير [من الطويل] :

٣٥٣ ـ لنا الفضل في الدّنيا وأنفك راغم

ونحن لكم يوم القيامة أفضل (١)

الحادي عشر : موافقة عند ، كقولهم : كتبته لخمس خلون.

الثاني عشر : موافقة بعد ، نحو : (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) [الإسراء / ٧٨]

الثالث عشر : موافقة بعد ، نحو : (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ) [الأحقاف / ١١] ، قاله ابن الحاجب ، وقال ابن مالك وغيره : هي لام التعليل ، وقيل : غير ذلك.

الرابع عشر : التبليغ ، وهي الجارّة لاسم السامع لقول أو ما في معناه نحو : قلت له ، وأذنت له ، وفسّرت له.

الخامس عشر : الصيرورة ، وتسمّي لام العاقبة ولام المال ، نحو : (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً) [القصص / ٨] ، وأنكرها البصريّون ومن تبعهم ، وردّوها إلى التعليل بحذف السبب وإقامة المسبب مقامه ، وسيأتي عليها مزيد الكلام في حديقة الأفعال ، إن شاء الله تعالى.

السادس عشر : القسم والتعجّب معا ، وتختصّ باسم الله تعالى كقوله [من البسيط] :

٣٥٤ ـ لله يبقى على الأيّام ذو حيد

 ... (٢)

السابع عشر : التعجّب المجرّد عن القسم ، وتستعمل في النداء ، كقولهم : يا للماء ويا للشعب ، إذا تعجّبوا من كثرتهما ، وفي غيره كقوله : لله دره فارسا ، ولله أنت.

الثامن عشر : التعدية ، نحو : ما أضرب زيدا لعمرو ، وقال في التصريح : لأنّ الضرب متعدّ في الأصل ، ولكن لمّا بني منه فعل التعجّب نقل إلى فعل بضمّ العين ، فصار قاصرا ، فعدّي بالهمزة إلى زيد وباللام إلى عمرو ، وهذا مذهب البصريّين. وذهب الكوفيّون

__________________

(١) اللغة : راغم من رغم بمعنى ذلّ ويقال : رغم أنفه : ألصقه بالتراب.

(٢) تمامه «بشمخرّ به الظيّان والأس» ، وهو لأبي ذؤيب الهذلي. اللغة : الحيد : جمع حيدة وهو العقدة في قرن الوعل ، المشمخّر : الجبل ، الظيان والأس : نباتان جبليان زكيان.

٣٧٥

إلى أنّ الفعل باق على تعديته ، ولم ينقل ، وأنّ اللام ليست لتعدية ، وإنّما هي مقوّية للعامل لما ضعف باستعماله في التعجّب ، وهذا الخلاف مبنيّ على أنّ فعل التعجّب إذا صيغ من متعدّ هل يبقي على تعديته أو لا؟ ذهب الكوفيّون إلى الأوّل والبصريّون إلى الثاني ، انتهى.

التاسع عشر : التوكيد ، وهي اللام الزائدة ، وهي أنواع : فمنها المعترضة بين الفعل المتعدّي ومفعوله ، كقوله [من الكامل] :

٣٥٥ ـ وملكت ما بين العراق ويثرب

ملكا أجار لمسلم ومعاهد (١)

ومنها اللام المسمّاة بالمقحمة ، وهي المعترضة بين المتضايفين كقولهم : يا بؤس للحرب ، والأصل يا بؤس الحرب ، فأقحمت اللام تقوية للاختصاص ، وهل انجرار ما بعدها بها أو بالمضاف؟ قولان أرحجهما الثاني (٢) ، لأنّ من شأن المضاف أن يجرّ المضاف إليه ، وإلا فلا إضافة ، ومنها اللام المسمّاة بلام التقوية ، وهي المزيدة لتقوية عامل ضعيف إما بتأخّر ، نحو : (إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ) [يوسف / ٤٣] ، أو لكونه فرعا في العمل ، نحو : (فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) [البروج / ١٦] ، (نَزَّاعَةً لِلشَّوى) [المعارج / ١٦] ، ونحو : ضربي لزيد حسن ، وأنا ضارب لعمرو ، وقد اجتمع التأخير والفرعية في نحو : (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ) [الأنبياء / ٧٨] ، ومنها لام المستغاث عند المبرّد ، واختاره ابن خروف ، وسيأتي الكلام عليها.

العشرون : التبيين ، وهي على ثلاثة أقسام كما في المغني :

أحدها : ما يبيّن المفعول من الفاعل ، وهذه تتعلّق بمذكور ، وضابطها أن تقع بعد فعل تعجّب أو اسم تفضيل مفهمين حبّا أو بغضا ، تقول : ما أحبّني وما أبغصني ، فإن قلت لفلان فأنت فاعل الحبّ والبغض ، وهو مفعولها ، وإن قلت : إلى فلان فالأمر بالعكس.

قال ابن بابشاذ في شرح الجمل (٣) : ولم أعلم أنّ أحدا من أصحابنا شرح هذا ، وبيّن العلّة فيه الّتي لأجلها اختصّت اللام بالفاعل وإلى بالمفعول ، والقول عندي في ذلك : إنّ اللام لمّا كانت في باب الاستخبار والإخبار تختصّ بالفاعل في المعنى من نحو قولك : لمن

__________________

(١) هو لابن ميّادة واسمه الرماح بن البرد بن ثوبان. اللغة : أجاز : أنقذ وأعاذ ، المعاهد : الّذي أخذ منه العهد للاسلام من أهل الذمة وغيره.

(٢) في رأي ابن هشام أرجحهما الاول ، لأنّ اللام أقرب ، ولأن الجار لا يعلق ، مغني اللبيب ص ٢٨٧.

(٣) الجمل في النحو للزجاجي ، له شروح منها شرح طاهر ابن أحمد المعروف بابن بابشاذ النحويّ المتوفى سنة ٢٥٤. كشف الظنون ١ / ٦٠٣.

٣٧٦

هذا الفعل ، فتقول مجيبا : هو لفلان ، فتأتي باللام ، وليس كذلك إلى ، لأنهّا تدخل في باب الاستخبار والاخبار لمعنى أيضا ، نحو قولك : إلى من يصل هذا الفعل؟ فتقول : إلى فلان.

فإن قيل : ولم كانت اللام في أصلها للفاعل وإلى في أصلها للمفعول؟ قيل؟ إنّ اللام معناها في الأصل الملك والاستحقاق ، والملك والاستحقاق للفاعلين الّذين ملكوا واستحقّوا الاشياء ، وإلى معناها انتهاء الغاية ، والغاية منتهي لفعلك ، فلذلك اختصّ بما ذكرناه ، انتهى.

الثاني والثالث : ما يبيّن مفعوليّة غير ملتبسة بفاعلية ، وما يبيّن فاعلية غير ملتبسة بمفعوليّة ، ومصحوب كلّ منهما إمّا غير معلوم ممّا قبلها ، أو معلوم ، ولكن استوقف بيانه تقوية للبيان وتوكيدا له ، واللام في ذلك كلّه متعلّقة بمحذوف. مثال المبيّنة للمفعول : سقيا لزيد وجدعا له ، التقدير إرادتي لزيد ، ومثال المبيّنة للفاعلية تبا لزيد وسحقا له ، فإنّهما في معنى خسرو هلك.

تنبيه : ممّا يجرّ الظاهر والمضمر من حروف الجرّ الثلاثة الأتيه ذكرها في باب الاستثناء ، وهي عدا وخلا وحاشا.

الحروف الّتي تجرّ الظاهر : «وسبعة منها تجرّ الظاهر فقط ، وهي مذ ومنذ» بضمّ الميم فيها وثبوت النون ساكنة بعد الميم في الثانية ، وكسرها لغة بني سليم (١) ، وقال أبو حيّان : حكى اللحيانيّ (٢) في نوادره كسر منذ عن بني سليم ، وكسر مذ عن عكل (٣). انتهى.

قالوا : ومنذ بثبات النون أصل لمذ بدليل رجوعهم إلى ضمّ ذال مذ عند ملاقات ساكن ، نحو : مذ اليوم ، ولو لا أنّ الأصل الضمّ لكسر ، ولأنّ بعضهم يقول : مذ زمن طويل ، فيضمّ مع عدم الساكن. وقال ابن ملكون (٤) : هما أصلان ، لأنّه لا يتصرّف في الحرف ولا شبهه ، ويردّه تخفيفهم إن وكأن ولكن ورب وقط. وقال المالقيّ (٥) : إذا كانت مذ اسما فأصلها منذ ، أو حرفا فهي أصل ، قاله في المغني.

__________________

(١) من قبائل عرب الشمال أو العدنانيين.

(٢) على بن المبارك أبو الحسن اللحياني أخذ عن الكسائي والأصمعي وله النوادر المشهورة. بغية الوعاة ٢ / ١٨٥.

(٣) قبيلة من الرّباب.

(٤) أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأشبيليّ نحويّ بارع ، روى عنه ابن خروف والشلوبين ، له شرح الحماسه ، وشرح جمل الزجاجيّ ، مات سنة ٥٨٤ ه‍ ق. المصدر السابق ١ / ٤٣١.

(٥) يحيي بن على بن احمد بن محمد بن غالب أبو زكريا المالقي النحويّ الاديب (٥٧٨ ـ ٦٤٠ ه‍ ق) له شعر جيدّ. المصدر السابق ٢ / ٣٣٧.

٣٧٧

وفي النهاية (١) قالوا : مذ ومنذ حرفان ، وفي هذا نظر ، إذا قالوا : أصل مذ ومنذ ، ويلزم على قولهم : ان المخفّفة من إنّ وأنّ حرفان ، وإنّ ربّ باعتبار لغاتها عشرة أحرف ، حكاه المراديّ في الجنى الداني ، ثمّ قال قلت : الّذي يظهر أنّ مرادهم أنّ مذ كان أصلها منذ ، كاختها ، فحذفت نونها ، وتركت أختها على أصلها ، ألا ترى أنّهم قالوا : الأغلب على مذ الاسميّة ، والأغلب على منذ الحرفيّة ، فلو كانت مذ فرع منذ هذه لساوتها في الحكم ، انتهى.

«وتختصّان بالزمان» غير المستقبل من الماضي ، والحال ، وكان عليه التقييد بذلك ، لئلّا يتوهّم أنّهما لمطلق الزمان ، وليس كذلك ، فإنّهما لا تستعملان في الزمان المستقبل اتّفاقا ، كما قال الرضيّ ، ومعناها ابتداء الغاية إن كان الزمان ماضيا كقوله [من الكامل] :

٣٥٦ ـ ...

أقوين مذ حجج ومذ دهر (٢)

وقوله [من الطويل] :

٣٥٧ ـ ...

وربع عفت آثاره منذ أزمان (٣)

أي من حجج ومن أزمان ، والظرفيّة ، إن كان حاضرا ، نحو : ما رأيته مذ أو منذ يومنا ، أي في يومنا ومعنى من وإلى إن كان معدودا ، نحو : ما رأيته مذ ثلاثة أيام ، أي من ابتدائها إلى انتهائها.

وربّ ، والقول بحرفيّتها كما مشى في إطلاقه السابق هو مذهب البصريّين ، ومذهب الكوفيّين والأخفش في أحد قوليه ، وابن الطراوة ذهب إلى أنّها اسم ، وهو مرتضي الرضيّ. وفيها ثمانية عشر لغة : ضمّ الراء وفتحها مع تشديد الباء وتخفيفها ، والأوجه الأربعة مع التاء مفتوحة وساكنة ، أو مع ما أو معها ، فهذه ستّ عشرة وضمّها مع اسكان الباء وضمّها (٤).

وفي معناها ثمانية أقوال : أحدها : أنّها للتقليل دائما ، وعليه الأكثرون. الثاني : أنّها للتكثير دائما ، الثالث : أنّها لهما على السواء. الرابع : أنّها لم توضع لواحد منهما ، بل هي حرف إثبات لا يدلّ على تكثير ولا تقليل ، وإنّما يفهم ذلك من خارج. الخامس : للتكثير في مواضع المباهات ولافتخار ، وللتقليل فيما عداه. السادس : لمبهم العدد يكون

__________________

(١) النهاية في النحو لابن الخباز أحمد بن الحسن المتوفى سنة ٦٣٧. كشف الظنون ٢ / ١٩٨٩.

(٢) صدره «لمن الدّيار بقنّة الحجر» ، وهو لزهير بن أبي سلمى. اللغة : القنة : أعلى الجبل ، القمة ، الحجر : اسم موضع ، أقوين : خلون ، حجج : سنوات.

(٣) صدره «قفا نبك من ذكري حبيب وعرفان» ، وهو لامرئ القيس وتقدّم برقم ١٦.

(٤) سقطت هذه الجملة في «س».

٣٧٨

تقليلا وتكثيرا. السابع : للتقليل كثيرا وللكثير قليلا. الثامن : عكسه ، أي للتكثير كثيرا وللتقليل قليلا ، وهو الّذي جزم به ابن مالك في التسهيل.

واختاره ابن هشام في المغني ، قال : فمن الأول (رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ) [الحجر / ٢] ، وقوله (ع) : يا ربّ كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة (١). وسمع الكسائيّ أعرابيّا ، يقول بعد انقضاء شهر رمضان : «يا ربّ صائمه لن يصومه ، ويا ربّ قائمه لن يقومه». وقال الشاعر [من المديد] :

٣٥٨ ـ ربّما أوفيت في علم

ترفعن ثوبي شمالات (٢)

وجه الدليل أنّ الآية والحديث والمثال مسوقة للتخويف ، والبيت مسوق للافتخار ، ولا يناسب واحدا منهما التقليل.

ومن الثاني قول الشاعر [من الطويل] :

٣٥٩ ـ ألا ربّ مولود وليس له أب

وذي ولد لم يلده أبوان

وذي شامة غرّاء في حرّ وجهه

مجلّلة لا تنقضي لأوان

ويكمل في تسع وخمس شبابه

ويهرم في سبع معا وثمان (٣)

أراد آدم (ع) وعيسى (ع) والقمر. انتهى ملخّصا.

وقوله لم يلده بإسكان اللام ، وأصله لم يلده بكسرها وإسكان الدّال ، ثمّ سكنت اللام تشبيها لها بتاء كتف ، فالتقي ساكنان فحرّكت الدّال اتباعا لفتحة الياء ، وبالضّمّ اتّباعا لضمة الهاء. قاله الدمامينيّ.

«وتختصّ ربّ» بالظاهر «النكرة» لفظا ومعنى ، أو معنى فقط ، نحو ربّ رجل وأخيه ، ويغلب وصف هذه النكرة ، ولا يلزم خلافا للمبرّد وابن السّراج والفارسيّ وأكثر المتأخّرين منهم الشلوبين ، وفي البسيط أنّه رأي البصريّين ، لأنّ عاملها يحذف غالبا ، فجعل التزام الوصف كالعوض ، والأوّل هو ظاهر نصّ سيبويه ، وعليه نصّ الأخفش ، وقاله الفرّاء والزّجّاج وابن طاهر وغيرهم ، واختاره ابن عصفور ، لأنّ ما فيها من معنى القلّة والكثرة مغن عن الوصف كما في كم الخبريّة ، واحتجّ عليه بقول أم معاوية [من الكامل المجزوء] :

٣٦٠ ـ يا ربّ قائلة غدا

يا لهف أمّ معاوية (٤)

وقوله [من الطويل] :

__________________

(١) تقدّم في ص ٧١.

(٢) البيت لجذمية ألأبرش اللغة : أوفيت : أشرفت ، العلم. الجبل ، الشمالات : رياح الشمال الشديدة.

(٣) الأبيات لرجل من أزد السراة وقيل : لعمرو الجنبي.

(٤) هو لهند أم معاوية بن أبي سفيان قالته يوم بدر.

٣٧٩

٣٦١ ـ ألا ربّ مولود ...

 ... (١)

ويغلب حذف متعلّقها ومضيّه ، وقد تحذف هي ، فيجب إبقاء عملها وذلك بعد الفاء كثيرا ، كقوله [من الطويل] :

٣٦٢ ـ فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع

 ... (٢)

وبعد الواو كقوله [من الطويل] :

٣٦٣ ـ وليل كموج البحر أرخى سدوله

 ... (٣)

وبعد بل قليلا كقوله [من الرجز] :

٣٦٤ ـ بل مهمه قطعت بعد مهمة (٤)

ومع التجرّد أقلّ ، كقوله [من التخفيف] :

٣٦٥ ـ رسم دار وفقت في طلله

كدت أقضي الحياة من جلله (٥)

تنبيهات : الأوّل : قد تجرّ ربّ ضمير الغيبة ، فيلزم إفراده وتذكيره وتفسيره بتمييز مطابق للمعنى. نحو : ربّه رجلا وربّه رجلين وربّه رجال وربّه امرأة وربّه امرأتين وربّه نساء ، ولقلّة ذلك وشذوذه لم يذكره المصنّف ، فجعلها ممّا يجرّ الظاهر فقط ، وقد صرّح بضعف ذلك في بحث المضمرات ، وتبع فيه ابن مالك ، ومنعه أبو حيّان ، فقال : ما ذكره ابن مالك في بعض كتبه من القلّة وفي بعضها من الشذوذ ليس ذلك ، والنّحويّون أوردوا ذلك على سبيل الجواز أنّه فصيح ، لا شاذّ ، ولا قليل ، إلا أن عنى بالشذوذ شذوذ القياس ، وبالقلة قلّته بالنسبة إلى جرّها المظهر ، لأنّه أكثر من جرّها المضمر ، انتهى. وقد تقدّم الكلام على تعريف هذا الضمير وتنكيره في صدر الكتاب ، فليراجع.

الثاني : تتفرد ربّ من بين حروف الجرّ بوجوب التصدير ، كذا قال غير واحد ، فقيل : لأنّها للإنشاء مثل كم ، وقيل : لأنّها للقلّة الّتي هي بمترلة النفي ، والنفي له صدر الكلام.

قال الدمامينيّ : واستشكل أبو حيّان وجوب التصدير بوقوعها خبرا لأنّ في قوله [من الطويل] :

__________________

(١) تقدم برقم ٣٥٩.

(٢) تمامه «فألهيتها عن ذي تمائم محول» ، وهو من معلّقه امرئ القيس. اللغة : طرقت : جئت ليلا ، تمائم : جمع تميمة ، وهي التعويذة تعلّق على الصبي لتمنعه العين في زعمهم ، محول : اسم فاعل من «أحول الصبي» إذا أتي عليه من مولده عام.

(٣) تمامه «على بأنواع الهموم ليبتلي» ، وهو لامرئ القيس من معلقته. اللغة : أرخى : أرسل ، السدول : جمع سدل : الستر.

(٤) الرجز لرؤبة. اللغة : المهمه : المفازة البعيدة (ج) مهامه.

(٥) البيت لجميل بن معمر العذري. اللغة : الرسم : مالصق بالأرض من آثار الديار كالرماد وغيره ، الطلل : ما شخص وارتفع من أثارها كالوتد ونحوه ، من جلله : يعني من عظمة في نفسي أو من أجلك ، وبسببك.

٣٨٠

٣٦٦ ـ أماويّ إنّي ربّ واحد أمّه

ملكت فلا أسر لديّ ولا قتل (١)

وهذا كما تراه غلط ظاهر ، فإنّ ما في البيت لا ينافي الصدريّة بدليل إنّ زيدا ما قام ، وزيد إنّه لقائم ، وزيد لأبوه قائم ، وقد تابعه بعض شرّاح التسهيل على هذا الغلط ، انتهى ، وهذا البعض هو ابن أمّ قاسم المراديّ.

والتاء وتخصّ باسم الله تعالى نحو : (وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ) [الأنبياء / ٥٧] ، وأمّا حكاية الأخفش «تربّ الكعبة» فشاذّ ، وأشذّ منه حكاية ابن خالويه (٢) «تالرحمن» و «تحياتك» ويلزمها التعجّب. قال الزمخشريّ في (تَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ) الباء أصل حروف القسم ، والواو بدل منها ، والتاء بدل من الواو ، وفيها زيادة معنى التعجّب ، كأنّه تعجّب من تسهيل الكيد على يده وتأتّيه مع عتوّ نمرود وقهره.

قال السّفاقسيّ (٣) في إعرابه بعد نقل هذا الكلام : ما قاله من البدل قاله كثير من النحاة ، ولا يقوم عليه دليل ، وقد ردّه السهيليّ ، ومقتضي النظر أنّه ليس شيء منها أصلا للآخر ، وقوله : فيها معنى التّعجّب نصوصهم على أنّ ذلك لازم في لام القسم ، وأمّا التاء فقد يكون معها التعجّب ، وقد لا يكون انتهى. قلت : وقد نصّ غير واحد من النحاة على أنّ ذلك لازم في التاء أيضا (٤).

«وحتى» : وهي لانتهاء الغاية مكانيّة ، نحو : أكلت السمك حتى رأسها ، أو زمانيّة ، نحو : (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) [القدر / ٥] ، ويجب في مجرورها إذا كان مسبوقا بذي أجزاء أن يكون آخرا أو متّصلا بآخر ، فلا يقال : سهرت البارحة حتى نصفها ، ثمّ إن كان ما بعدها اسما غير داخل فيما قبلها إمّا لكونه غير جزء له : نحو : (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ،) أو لكونه جزء لم يقع الفعل عليه ، نحو : صمت الأيّام حتى يوم العيد ، فالجرّ بها متعيّن ، وإن كان جزء ممّا قبلها ولم يتعذّر دخوله ، نحو : صمت الأيّام حتى يوم الثلاثاء ، فالجرّ بها جائز ويجوز العطف.

تنبيه : متى دلّت قرينة على دخول الغاية في حكم ما قبلها أو على عدمه عمل بها ، والأقوال أصحّها الحكم بالدخول مع حتى دون إلى حملا على الغالب ، لأنّ الأكثر مع القرينة عدم الدخول في إلى والدخول في حتى.

__________________

(١) البيت لحاتم الطائيّ في بعض المصادر وفي بعض بلا نسبة.

(٢) الحسين بن أحمد بن خالوية ابو عبد الله إمام اللغة والعربية ، له من التصانيف : الجمل في النحو ، الاشتقاق ، شرح الدريدية ، مات بحلب سنة ٣٧٠ ، المصدر السابق ١ / ٥٢٩.

(٣) إبراهيم بن محمد إبراهيم بن أبي القاسم السفاقسيّ النحويّ صاحب إعراب القرآن (٦٩٧ ـ ٧٤٢ ه‍ ق) ، المصدر السابق ١ / ٤٢٥.

(٤) سقطت هذه الجمل في «س».

٣٨١

قال ابن هشام في المغني : وزعم شيخ شهاب الدين القرافيّ أنّه لا خلاف في دخول ما بعد حتى ، وليس كذلك بل الخلاف مشهور ، وإنّما الاتّفاق في حتى العاطفة ، والفرق أنّ العاطفة بمعنى الواو ، انتهى.

وجعل الرضيّ دخول ما بعد حتى في حكم ما قبلها منشأ لتوهّم ابن الحاجب ما ذكره في الكافية في حتى من مجيئها بمعنى مع كثيرا ، وإلا فهي لا تكون بمعنى مع ، قال بعض المحقّقين : والقياس أن يكون حكمه بأنّ إلى تأتي بمعنى مع قليلا أيضا متوهّما من دخول ما بعدها في حكم ما قبلها ، إلا أنّ الرضيّ لم يذكره.

«والكاف» : ولها خمسة معان :

أحدها : التشبيه ، نحو : زيد كالأسد.

الثاني : التعليل : أثبته قوم ، ونفاه الأكثرون ، وقيّد بعضهم جوازه بان تكون الكاف مكفوفة [بما] ك حكاية سيبويه «كما أنّه لا يعلم فتجاوز الله عنه» ، والحقّ جوازه في المجرّد عن ما ، نحو : (وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ) [القصص / ٨٢] ، أي أعجب لعدم فلاحهم ، وفي المقرونة بما الكافّة كما في المثال ، وبما المصدريّة ، نحو : (وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ) [البقرة / ١٩٨] ، أي لأجل هدايته إيّاكم.

الثالث : الاستعلاء ، ذكره الأخفش والكوفيّون ، قيل لبعضهم : كيف أصبحت؟ فقال : كخير [أي على خير] ، وقيل في «كن كما أنت عليه» : إنّ المعنى على ما أنت عليه ، وفي هذا المثال أعاريب ، ذكرها في المغني.

الرابع : المبادرة : وذلك إذا اتّصلت بما ، نحو : سلّم كما تدخل ، وصلّ كما يدخل الوقت ، ذكره ابن الخبّاز في النهاية وأبو سعيد السيرافيّ وغيرهما ، وهو غريب ، قاله ابن هشام.

الخامس : التوكيد وهي الزائدة ، نحو : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشوري / ١١] ، إذ لا بدّ من الحكم بزيادة إحدى أداتي التشبيه ، وإلا صار المعنى ليس شيء مثل مثله ، فيلزم إثبات المثل لله تعالى ، ونفي المثليّة عن المثل ، وهو محال ، ولا سبيل إلى الحكم بزيادة مثل ، لأنّ زيادة ما هو على حرف واحد أولى ، ولا سيّما إذا كان من قسم الحرف ، لأنّه أولى بالزيادة من الاسم بل قيل : إنّ زيادة الاسم لم تثبت ، فكانت الكاف هي الزائدة.

قال ابن الجنيّ : وإنّما زيدت لتوكيد نفي المثل ، لأنّ زيادة الحرف كإعادة الجملة ثانيا ، هذا قول الجمهور. وقيل : الكاف غير زائدة ، والزائد مثل ، وليس بشيء لما مرّ ، وقيل : لا زائد منهما ، ثمّ اختلف ، فقيل : مثل بمعنى الذات ، وقيل : بمعنى الصفة ، وقيل : الكاف اسم مؤكّد بمثل كما عكس ذلك من قال [من الرجز] :

٣٨٢

٣٦٧ ـ ...

فصّيروا مثل كعصف مأكول (١)

ولا تنقاس زيادة الكاف كما جزم به أبو حيّان في الإرتشاف ، وإن تردّد فيه بعضهم.

تنبيه : لا يرد على كلام المصنّف (ره) جرّ حتى والكاف للضمير في قوله [من الوافر] :

٣٦٨ ـ أتت حتّاك تقصد كلّ فجّ

 ... (٢)

وقوله [من الرجز] :

٣٦٩ ـ ...

وأمّ أوعال كها أو أقربا (٣)

لأنّها ضرورة خلافا للمبرّد والكوفيّين.

والواو وهو للقسم ، ولا تتعلّق إلا بمحذوف ، نحو : (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) [يس / ٢] ، فإن تلتها بواو أخري ، نحو : (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ) [التين / ٢ و ١] ، فالتإلى ة واو العطف ، وإلا لاحتاج كلّ من الاسمين إلى جواب ، وأمّا واو ربّ فالصحيح أنّه واو العطف ، وأنّ الجرّ بعدها بربّ مقدّرة ، خلافا للمبرّد والكوفيّين ، «ولا تختصّ» هذه الثلاثة أي حتى والكاف والواو «بظاهر معيّن» كما اختصّ ما قبلها بما مرّ.

فائدة : من حروف الجرّ ما لفظه مشترك بين الاسميّة والحرفيّة وهو ستّة :

أحدها وثانيها : عن وعلى ، فتقعان اسمين بمعنى جانب ، وفوق ، وذلك إذا دخلت عليها من كقوله [من الكامل] :

٣٧٠ ـ ...

من عن يميني تارة وأمامي (٤)

وقوله [من الطويل] :

٣٧١ ـ غدت من عليه بعد ما ثمّ ظمؤها

 ... (٥)

__________________

(١) قبله «ولعبت طير بهم أبابيل» ، وهو نسب إلى حميد الأرقط وإلى رؤبة. اللغة : أبابيل : جماعات ، العصف : التبن.

(٢) تمامه «ترجّى منك أنها لا تخيب» ، لم يسمّ قائله. اللغة : الفجّ : طريق في الوادي.

(٣) صدره «خلي الذنابات شمالا كثبا» ، والبيت للعجاج يصف حمار وحش وأتنه. اللغة : الذنابات : جمع ذنابة ، وهي أخر الوادي الّذي ينتهي إليه السيل ، كثبا : قريبا ، أم أوعال : هي هضبة في ديار بني تميم.

(٤) صدره «ولقد أراني للرماح دريئة» ، هو لقطري بن الفجاءة. اللغة : الدرئية : الحلقة الّتي يتعلّم عليها الطعن.

(٥) تمامه «تصلّ وعن قيض بزيراء مجهل» ، وهو لمزاحم العقيلي ، يصف القطاة. اللغة : غدت : صارت ، من عليه : أراد من فوقه ، فعلى هنا اسم ، ولذلك دخل عليه حرف الجرّ ، ظمؤها : زمان صبرها عن الماء ، تصلّ : تصوّت ، قيض : قشر البيضه الأعلى ، زيزاء : ما ارتفع من الارض ، المجهل : الّذي ليس له اعلام يتهدي بها.

٣٨٣

قال ابن هشام في المغني : ومن الداخلة على عن زائدة عند ابن مالك ولابتداء الغايه عند غيره ، قالوا : قعدت عن يمينه ، فالمعنى في جانب يمينه ، وذلك محتمل للملاصقة ولخلافها ، فإذا جئت بمن تعيّن كون القعود ملاصقا لأوّل الناحية ، انتهى.

ولا تجرّ عن في المشهور إلا بمن ، وقد تجرّ بعلى ، وهو نادر ، والمحفوظ بيت واحد وهو [من الطويل] :

٣٧٢ ـ على عن يميني مرّت الطّير سنّحا

 ... (١)

قال البدر الدمامينيّ في شرح التسهيل ولا أعرف من أنشده تماما ، ولا تتقيّد اسميّة عن وعلى بحالة دخول من عليها ، كما يغلط فيه كثير ، فإذا قلت : زيد على السطح ، وسرت عن البلد ، احتمل الاسميّة.

الثالث : إلى ، حكاه ابن عصفور في شرح أبيات الإيضاح عن ابن الأنباري فقال : إنّ إلى تستعمل اسما ، فيقال : انصرفت من إليك ، كما يقال : غدوت من عليه ، وهو غريب.

الرابع والخامس : مذ ومنذ فيكونان اسمين ، وذلك في موضعين :

أحدهما : أن يليهما اسم مرفوع ، نحو : ما رأيته مذ يومان ، أو منذ يوم الجمعة وفيهما حينئذ أقوال : أحدها أنّها مبتدءان ، وما بعدهما خبر عنها واجب التأخير إجراء للرفع مجرى الجرّ ، وهو مذهب المبرّد وابن السّرّاج والفارسيّ من البصريّين وطائفة من الكوفيّين ، واختاره ابن الحاجب ومعناهما الأمد ، إن كان الزمن حاضرا أو معدودا ، وأوّل المدّة إن كان ماضيا.

الثاني : أنّهما ظرفان مخبر بهما عمّا بعدهما ، وهو مذهب الأخفش والزّجاج والزّجاجي ، ومعناها «بين وبين» مضافين ، فمعنى ما لقيته مذ يومان بيني وبين لقائه يومان ، وقال في المغني : ولا خفاء بما فيه من التعسف.

الثالث : أنّهما ظرفان ، وما بعدهما فاعل لكان تامّة محذوفة ، والتقدير مذ كان يومان ، أو منذ كان يوم الجمعة ، وهذا مذهب جمهور الكوفيّين ، واختاره ابن مالك وابن مضاء والسهيليّ.

الرابع : أنّهما ظرفان ، وما بعدهما خبر لمبتدإ محذوف ، والتقدير من الزمان الّذي هو يومان ، بناء على أنّ منذ مركّبة من كلمتين : من وذو الطائية ، وهذا قول لبعض الكوفيّين.

الثاني أن يدخلا على الجملة فعلية كانت ، وهو الغالب ، كقوله [من الكامل] :

__________________

(١) تمامه «وكيف سنوح واليمين قطيع» ، لم يسمّ قائله. اللغة : السنح : من سنّح سنوحا فهو سانح والجمع سنّح. إذا مرّ الطير من مياسرك إلى ميامنك والعرب تتفاءل بذلك.

٣٨٤

٣٧٣ ـ ما زال مذ عقدت يداه إزاره

 ... (١)

أو اسميّة كقوله [من الطويل] :

٣٧٤ ـ وما زلت أبغي المال مذ أنا يافع

 ... (٢)

وفيهما حينئذ قولان : أحدهما وهو المشهور ، أنّهما ظرفان مضافان ، فقيل : إلى الجملة ، وقيل إلى زمن مضاف إلى الجملة ، الثاني : أنّهما مبتدءان ، فيجب تقدير زمن مضاف إلى الجملة.

السادس : الكاف ، فيقع اسما مرادفا لمثل ، ولا يكون كذلك عند سيبويه والمحقّقين كما قال في المغني إلا في ضرورة الشعر كقوله [من الرجز] :

٣٧٥ ـ ...

يضحكن عن كالبرد المنهمّ (٣)

وقال كثير منهم الأخفش والفارسيّ : يجوز في الاختيار ، فجوّزوا في نحو : زيد كالأسد أن يكون الكاف في موضع رفع ، والاسد مخفوضا بالاضافة.

ويقع مثل هذا في كتب المعربين كثيرا. قال الزمخشريّ في قوله تعالى : (كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ) [آل عمران / ٤٩] إنّ الضمير فيه راجع إلى الكاف من كهيئة الطير ، أي فانفخ في ذلك الشيء المماثل ، فيصير كسائر الطيور انتهى.

ووقع مثل ذلك في كلام غيره ، ولو كان كما زعموا لسمع في الكلام مثل :

مررت بكالأسد.

ونقل في شرح «بانت سعاد» عن ابن مضاء أنّها اسم أبدا ، لأنّها بمعنى مثل وهو غريب ، وتتعيّن الحرفيّة حيث كانت زائدة خلافا لمن أجاز زيادة الأسماء وحيث وقعت هي ومخفوضها صلة ، كقوله [من الرجز] :

٣٧٦ ـ ما يرتجي وما يخاف جمعا

فهو الّذي كاللّيث والغيث معا (٤)

خلافا لابن مالك في إجارته أن يكون مضافا ومضافا إليه على إضمار المبتدأ كما في قراءة بعضهم (تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) [الأنعام / ١٥٤] وهذا تخريج للفصيح على الشاذّ.

__________________

(١) تتمته «فسما فأدرك خمسة الأشبار» ، وهو للفرزدق يمدح بها يزيد بن المهلب. اللغة : الإزار : سروال ، سما : ارتفع وعلا ، الأشبار : جمع شبر : ما بين أعلى الإبهام وأعلى الخنصر.

(٢) تتمته : «وليدا وكهلا حين شبت وأمرادا» ، وهو للأعشى. اللغة : أبغي : أطلب ، إليافع : الغلام الّذي قارب الحلم أو راهق العشرين. الأمرد : من لا شعر في وجهه.

(٣) قبله «بيض ثلاث كنعاج جمّ» ، وهو للعجاج. اللغة : البيض : أراد به النساء ، النعاج : أراد به هنا بقر الوحش حيث شبه النساء بهنّ في العيون والأعناق ، الجمّ : بضم الجيم هي الّتي لا قرن لها ، وبفتح الجيم بمعنى الكثير ، البرد : حب الغمام ، المنهمّ : الذائب.

(٤) لم يسم قائله. اللغة : الغيث : المطر.

٣٨٥

تتمّة : أثبت الجمهور من البصريّين والكوفيّين الجرّ بالمجاورة لمجرور في النعت كقولهم : هذا حجر ضبّ خرب ، والتوكيد كقوله [من البسيط] :

٣٧٧ ـ يا صاح بلّغ ذوي الزوجات كلّهم

 ... (١)

بجرّ كلّهم بالمجاورة ، لأنّه توكيد لذوي المنصوب لا الزوجات ، وإلا لقيل كلهنّ ، وقيل في عطف النسق أيضا نحو : (وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) [المائدة / ٦] ، فإنّه معطوف على أيديكم ، لأنّه مفعول.

قال أبو حيّان : وذلك ضعيف جدّا ، ولم يحفظ من كلامهم ، قال : والفرق بينه وبين النعت والتوكيد أنّهما تابعان بلا واسطة ، فهما أشدّ مجاورة من العطف المفعول بحرف العطف ، انتهى.

قال الدمامينيّ في التحفة : أخبرني الشيخ شمس الدين الخثعمي المعروف بابن النشار (٢) أنّه كان بيده من تفسير الثعلبي (٣) أو غيره ، وفيهما أنّ أرجلكم في آية الوضوء مخفوض بالمجاورة ، قال : فجئت إلى الشيخ جمال الدين ابن هشام ، وهو جالس بمصر بجامع عمرو بن العاص ، فأريته الكلام المذكور في الآية طالبا أن يتكلّم عليه ، فنظر في تلك الكرّاسة ، ثمّ ألقاها إلى ، وقال لي بحدّة ، خذ فاسا ، واكشط به هذا الكلام ، وارم به في وجه صاحبه ، فتركته ، ومضيت ، انتهى.

وزاد ابن هشام في شرح الشذور عطف البيان ، قال : لا يمنع في القياس ، لأنّه كالنعت والتوكيد في مجاورة المتبوع ، قال : وينبغي امتناعه في البدل ، لأنّه في التقدير من جملة أخري فهو محجوز تقديرا (٤) ، انتهى. وكذا قال أبو حيّان ، وزاد لا نعلم أحدا أجراه فيه ولا تحفظه من كلامهم ، انتهى.

قال في المغني : وأنكر السيرافيّ وابن جنيّ الجرّ بالمجاورة مطلقا وتأوّلا قوله : خرب بالجرّ صفة لضب ، ثمّ قال السيرافيّ : في الأصل هذا حجر ضب خرب الحجر منه بتنوين خرب ورفع الحجر ، ثمّ حذف الضمير للعلم به ، ثمّ أتي بضمير الحجر مكانه لتقدّم ذكره فاستتر. وقال ابن جنيّ : الأصل خرب حجره ، ثمّ أنيب المضاف إليه عن المضاف ،

__________________

(١) تمامه «أن ليس وصل إذا انحلّت عري الذّنب» ، وهو لأبي الغريب النصري ، اللغة : العري : جمع عروة وهي من الدلو والكوز المقبض.

(٢) لم أجد ترجمة حياته.

(٣) الثعلبي هو أحمد بن محمد الميدانيّ النيسابوريّ الإمام الفاضل النحويّ الأديب اللغويّ ، صنّف : الأمثال ، الأنموذج في النحو ، الكشف والبيان عن تفسير القرآن ، مات سنة ٥١٨ ه‍ ق. المصدر السابق ١ / ٣٥٧.

(٤) ابن هشام الانصاري ، شرح شذور الذهب ، لاط ، قم مؤسسة الطباعة والنشر دار الهجرة ، ١٤١٤ ه‍ ق ، ص ٣٣٢.

٣٨٦

فارتفع واستتر ، ويلزمهما استتار الضمير مع جرى ان الصفة على غير من هي له ، وذلك لا يجوز عند البصريّين وإن أمن اللبس ، انتهى.

وقصره الفرّاء على السماع ، ومنع القياس على ما جاء منه ، فلا يجوز : هذه حجرة ضب خربة ، وخصّه قوم بالنكرة ، وهو مردود ، فقد سمع في المعرفة ، وهل يختصّ النعت بالمفرد؟ قال الخليل : نعم ، وسيبويه : لا ، بل يجرى في المثنّى ، قال أبو حيّان : وقياسه الجريان في الجمع ، والمانع يقول لم يرد إلا في الافراد ، وهو قريب من رأي الفرّاء.

تنبيه : حركة الجرّ على الجوار من جملة صور الإتباع ، وفي قولهم على الجوار ما يشير إليه ، وبهذا يندفع استشكال تصوّر العامل في المجرور به ، فإنّ العامل في مجاوره لا يصحّ أن يكون عاملا فيه من حيث إنّه ليس له في المعنى ، وإنّما هو لغيره وعامل غيره لا يقتضي جرّه ، إذا هو غير مجرور. وهنا انتقضي كلام المصنّف (ره) على النوع الثالث من أنواع المعربات ، وهو ما يرد مجرورا لا غير ، فشرع في النوع الرابع ، وهو ما يرد منصوبا وغير منصوب ، فقال :

٣٨٧

المستثنى

ص : النوع الرابع : ما يرد منصوبا وغير منصوب ، وهو أربعة.

الأوّل : المستثنى : وهو المذكور بعد إلا وأخواتها ، للدلالة على عدم اتّصافه بما نسب إلى سابقه ولو حكما. فاإن كان مخرجا [من متعدّد] فمتّصل ، وإلا فمنقطع.

فالمستثنى بإلا إن لم يذكر معه المستثنى منه أعرب بحسب العوامل ، وسمّي مفرّغا ، والكلام معه غير موجب غالبا. وإن ذكر فإن كان الكلام موجبا نصب ، وإلا فإن كان متّصلا فالأحسن اتباعه على اللّفظ ، نحو : (ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ ،) وإن تعذّر فعلى المحلّ ، نحو : (لا إِلهَ إِلَّا اللهُ ،) وإن كان منقطعا ، فالحجازيّون يوجبون النصب ، والتميميّون يجوّزون الاتباع : نحو : ما جائني القوم إلا حمارا ، أو حمار.

تتمّة : والمستثنى بخلا وعدا وحاشا ينصب مع فعليتها ، ويجرّ مع حرفيّتها ، وبليس ولا يكون منصوب على الخبريّة ، واسمها مستتر وجوبا ، وبما خلا وبما عدا منصوب وبغير وسوى مجرور بالإضافة ، ويعرب غير بما يستحقّه المستثنى بإلا ، وسوى كغير عند قوم ، وظرف عند آخرين.

ش : «النوع الرابع» من المعربات من الأسماء «ما يرد منصوبا وغير منصوب وهو أربعة» :

«الأول المستثنى ، وهو المذكور بعد إلا» غير الصفة «و» إحدى «أخواتها» ، وهو غير وسوى بلغاتها وعدا وخلا وحاشا بلغاتها وليس ولا يكون «للدلالة» متعلّق بالمذكور «على عدم اتّصافه» أي المذكور «بما نسب إلى سابقه ولو» كان سابقه «حكما» ، نحو : قام القوم إلا زيدا ، وما قام إلا زيد ، فزيد في المثال الأوّل مذكور بعد إلا «للدلالة على عدم اتّصافة» بالقيام الّذي نسب إلى سابقه ، وهو القوم ، وفي الثاني مذكور بعد إلا للدلالة على عدم اتّصافه بعدم القيام الّذي نسب إلى سابقه حكما ، وهو أحد ، إذ التقدير ما قام أحد إلا زيد.

وشمل الحدّ المستثنى المتّصل والمنقطع ، فلذلك بيّنهما مفصّلا بقوله : «فإن كان المستثنى مخرجا» حقيقة «من متعدّد» لفظا أو تقديرا (١) «فمتصل» ، نحو : جاء القوم إلا زيدا ، ما جاء إلا زيد ، «وإلا» يكن مخرجا من متعدّد لا لفظا ولا تقديرا «فمنقطع» ، نحو : جاء القوم إلا حمارا.

__________________

(١) لا لفظا ولا تقديرا «ح».

٣٨٨

تنبيهات : الأوّل : قال ابن الحاجب : لا يمكن جمع المستثنى المتّصل والمنقطع في حدّ واحد ، لأنّ ماهيتهما مختلفان ، ولا يمكن جمع شيئين مختلفي الماهيّة في حدود ذلك ، لأنّ الحدّ متبيّن للماهية بذكر جميع أجزائها مطابقة إمّا تضمّنا أو تصريحا ، والمختلفان في الماهية لا يتساويان في جميع الأجزاء حتى يجتمعا في حدّ واحد ، والدليل على اختلاف ماهيتها أنّ أحدهما مخرج من متعدّد ، والاخر غير مخرج ، بلي يمكن جمعهما في حدّ واحد باعتبار اللفظ ، لأنّ مختلفي الماهية لا يمتنع اشتراكهما في اللفظ ، فيقال : المستثنى هو المذكور بعد إلا وأخواتها ، انتهى.

قال الرضيّ : ولقائل أن يمنع اختلافها في الماهية قوله ، لأنّ أحدهما مخرج من متعدّد ، والآخر غير مخرج. قلنا : لا نسلم أنّ كون المتّصل مخرجا من متعدّد من أجزاء ماهيته ، بل حقيقة المستثنى متّصلا كان أو منقطعا هو المذكور بعد إلا وأخواتها مخالفا لما قبلها نفيا وإثباتا ، ثمّ نقول : كون المتّصل داخلا في متعدّد لفظا أو تقديرا من شرطه لا من تمام ماهيته ، فعلى هذا المنقطع داخل في هذا الحدّ كما في : جاءني القوم إلا حمارا ، لمخالفة القوم الحمار في المجئ ، انتهى. وعلى هذا جرى المصنّف في تعريفه المذكور.

الثاني : يرد على الاستثناء المتّصل إشكال مشهور ، وهو لزوم التناقض في المستثنى ، وذلك أنّك إذا قلت مثلا : قام القوم إلا زيدا ، فقد أثبت القيام للقوم الّذين من جملتهم زيد ، وقولك : إلا زيدا نفي القوم إلا زيدا ، فنفي عنه القيام الّذي ثبت له في ضمن القوم ، فيلزم التناقض ، وكذا قولك : أضرب القوم إلا زيدا ، يلزم أن يكون زيد مطلوبا ضربه وغير مطلوب ، وهذا لا يتصوّر في كلام العقلاء. وقد ورد في الكتاب العزيز من الاستثناء شيء كثير ، كقوله تعالى : (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً) [العنكبوت / ١٤] ، فيكون المعنى لبث الخمسين في جملة الألف ، ولم يلبث تلك الخمسين ، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. واختلفوا في التقصي عن هذا الإشكال ، فقال بعضهم : يختار أنّ المستثنى غير داخل في المستثنى منه ، فالقوم في قولك : جاء القوم ، عامّ مخصوص ، أي أإنّ المتكلّم أراد بالقوم جماعة ليس فيهم زيد وقوله : إلا زيدا قرينة تدلّ السامع على مراد المتكلّم ، وأنّه أراد بالقوم غير زيد ، انتهى.

وكان المصنّف ارتضى هذا الجواب حيث قال في الحدّ : هو المذكور بعد إلا وأخواتها للدلالة على عدم اتّصافه بما نسب إلى سابقة ، لكن قال الرضيّ : إنّه ليس بشيء لإجماع أهل اللغة على أنّ الاستثناء مخرج ، ولا إخراج إلا مع الدخول ، وأيضا يتعذّر دعوى عدم الدخول في قصد المتكلّم في نحو له على عشرة إلا واحدا ، لأنّ الواحد في العشرة بقصده ثمّ أخرج ، وإلا لكان مريدا بلفظ العشرة تسعة ، وهو محال.

٣٨٩

وقال أبو بكر الباقلانيّ (١) وعبد الجبّار (٢) : المستثنى والمستثنى منه وأداة الاستثناء بمترلة اسم واحد لما بقي ، فقولك : له عشرة إلا واحدا بمعنى له على تسعة لا فرق بينهما من وجه ، ولا دخول هناك ولا إخراج ، وردّ عليهما بأنّه ليس في لغتهم اسم مركّب من أكثر من لفظين ، وقيل : وليس بشيء ، لأنّه يسمّى بالجملة وإن طالت ، نعم يرد عليهما أنّه لا يفصل بين أجزاء الكلمة بكلمة أخرى ولا إباء عن قولنا : جاءني القوم يوم الجمعة أمام الأمير في ساحة البلد إلا زيدا ، انتهى.

وقال آخرون : واستحسنه الرضيّ ، أنّ المستثنى داخل في المستثنى منه ، والتناقض غير لازم ، لأنّه أنّما يلزم لو كانت النسبة إلى مجرّد المستثنى ، وليس كذلك ، بل النسبة إلى المستثنى منه والمستثنى معا ، وإنّما أجرى الإعراب على المستثنى منه ، وإن كان المنسوب إليه الجميع ، لأنّ العادة إجراء الإعراب على أوّل أجزاء المنسوب إليه غير المفرد ، والإعراب على الجزء الأخير بكونه مضافا إليه أو تابعا من التوابع أو شبه المفعول كالمستثنى ، فالمستثنى مخرج قبل الإسناد إلى المستثنى منه. قال الرضيّ : وهذا الجواب هو الصحيح المندفع عنه الإشكالات كلّها ، انتهى.

قال بعض المتأخّرين : وفيه أنّ المستثنى لم يخرج عن كونه مدلول المستثنى منه ، لأنّه غير ممكن ، ولا عن النسبة ، لأنّه لا نسبة ، فكيف يتصوّر إخراج ، ونحن نقول : نسب المسند إلى المستثنى منه فأخرج من النسبة المستثنى ، ثمّ حكم أو طلب ، فلا تناقض ، فتأمّل ، انتهى.

وقد سبقه إلى هذا صاحب غاية التحقيق (٣) حيث قال : إنّه داخل من حيث الإفراد واللفظ ، فاخرج عنه في التركيب والحكم ، انتهى. والتأمّل منتف هنا.

سبب تسمية المستثنى المتّصل والمنقطع : الثالث : إنّما سمّي المتّصل متّصلا لأنّه داخل في دلالة منطوق المستثنى منه ، والمنقطع منقطعا لدخوله في دلالة مفهومه ، ودلالة المنطوق أقوي ، فسمّي المخرج منها متّصلا بخلاف دلالة المفهوم ، فإنّها ضعيفة.

الرابع : لا يشترط في المنقطع أن يكون من غير جنس المستثنى منه ، بل أن لا يكون داخلا في المتعدّد الأوّل قبل الاستثناء ، سواء كان من جنس المتعدّد كقولك : جاءني القوم

__________________

(١) الباقلاني (أبو بكر محمّد) «ت ٤٠٣ ه‍ / ١٠١٣ م) من كباء علماء الكلام. ولد في البصرة وسكن بغداد من كتبه «إعجاز القرآن» «والانصاف» «دقائق الكلام» المنجد في الأعلام ص ١٠٧.

(٢) هناك أربعة أشخاص باسم عبد الجبار ، وكلّهم من النحاة وماتوا في نحو سنة خمسائة. بغية الوعاة. ٢ / ٧٢.

(٣) غاية التحقيق في تقسيم العلم إلى التصور والتصديق لطا شكبري زاده أحمد (١٤٩٥ ـ ١٥٦١ م) ، مؤرخ عثماني. كشف الظنون ٢ / ١١٩١.

٣٩٠

إلا زيدا ، مشيرا بالقوم إلى جماعة خإلى ة عن زيد ، أو لم يكن ، نحو : جاءني القوم إلا حمارا ، فتبيّن أنّ المتّصل ليس هو المستثنى من الجنس كما ظنّ بعضهم.

الخامس : حرّك بعض المتأخّرين هنا بحثا فقال : هلّا كان الاستثناء كلّه متّصلا ، ولكن تارة يكون المخرج منه مذكورا ، وتارة يكون مقدّرا ، فيكون الأصل في نحو ما فيها أحد إلا حمارا ، ما فيها أحد ولا ما يتبعه إلا حمارا ، وما يتبعه يشمل الإبل والبقر والغنم وغير ذلك ، فاستغني الحمار منه ، ودلّ على هذا المحذوف استثناء الحمار ، كما دلّ على تقدير أحد في الاستثناء المفرّغ ، ما جاءني إلا زيد إخراج زيد ، وعلى تقدير حال من الأحوال فيما جائني زيد إلا راكبا ، وكذا القول في البواقي.

ويكون الفرق بين هذا الّذي يسمّونه منقطعا ، والاستثناء المفرّغ اشتغال العامل بمطلوبه في نحو : ما جاءني إلا حمارا ، أو عدم اشتغاله في ما جاءني إلا زيد ، وأجاب هذا الباحث بأنّ ذلك إذا سلم لم يخرج عن الانقطاع باعتبار الظاهر ، وإن كان متّصلا باعتبار التقدير ، فإذا صحّ له الاسمان بالاعتبارين المختلفين فلا بأس بقصره على أحدهما لقصد التمييز بينه وبين نوع آخر يخالفه في طريقته ، وهو المتّصل لفظا ، انتهى.

إعراب المستثنى المفرّغ : «فالمستثنى بإلا إن لم يذكر معه المستثنى منه» لفظا بل نوي ويسمّى الكلام حينئذ ناقصا ، «أعرب بحسب» اقتضاء «العوامل» من رفع ونصب وجرّ لقيامه مقام المستثنى منه ، لكن لا إصالة ، إذ العوامل في التحقيق عاملة في ذلك المقدّر ، ولكن لمّا حذف ، وقام المستثنى مقامه عمل فيه لا بطريق الإصالة لصحّة ما قام إلا هند ، وقيل : بطريق الإصالة والصحّة للفصل بإلا ، وفيه نظر ، إذ الفصل أنّما يكون مسوّغا لترك التاء في الجملة لا مقتضيا لتركها وجوبا أو اختيارا وما قام إلا هند ، يجب فيه ترك التاء عند قوم ، ويختار عند آخرين ، وهو الحقّ بدليل قوله [من الرجز] :

٣٧٨ ـ ما برئت من ريبة وذمّ

في حربنا إلا بنات العمّ (١)

«وسمّي» المستثنى «مفرّغا» ، أي مستثني مفرّغا ، لأنّه الاسم لا مفرّغ وحده ، وإنّما سمّي بذلك تسمية له باسم عامله ، لأنّه هو المفرّغ في الحقيقة ، إذ لم يشتغل (٢) بمستثني منه ، يعمل فيه لفظا ، ففرغ عنه للعمل في المستثنى ، فلا حاجة إلى ما قاله بعضهم بأنّ المراد بالمفرّغ المفرّغ له على الحذف والإيصال ، كما يراد بالمشترك المشترك فيه ، لأنّه

__________________

(١) لم يسم قائله وتقدّم برقم ٨٩.

(٢) في «ح» أو لم يشتغل وفي «ط» إذا لم يشتغل.

٣٩١

فرغ له العامل عن المستثنى منه ، على أنّ لك أن تفسّر المفرّغ بالمفرّغ عن إعرابه لإعراب المستثنى منه ، ولك أن تجعله اسم مكان لوقوع التفريغ فيه.

تنبيهان : الأوّل : التفريغ لا يكون في المصدر المؤكّد لعدم الفائده ونحو : (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا) [الجاثية / ٣٢] ، محمول على أنّه مصدر نوعيّ ، أي إلا ظنّا ضعيفا ، ويكون فيما عدا ذلك من جميع المعمولات كالخبر ، نحو : (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها) [النجم / ٢٣] ، والفاعل ، نحو : (لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللهُ) [إبراهيم / ٩] ، والنائب عن الفاعل ، نحو : (هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ) [الأنعام / ٤٧] والمفعول به ، نحو : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) [البقرة / ٢٨٦] ، والمفعول فيه ، نحو : (لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها) [النازعات / ٤٦] ، والمفعول له ، نحو : (وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ) [البقرة / ٢٧٢] ، ولا يكون في المفعول معه ، فلا يقال : لا تسر إلا والنيل.

قال الرضيّ : ولعلّ ذلك أنّ ما بعد إلا كأنّه منفصل من حيث المعنى عمّا قبله لمخالفته له نفيا وإثباتا ، والواو أيضا مؤذنة بنوع من الانفصال ، فاستهجن عمل الفعل مع حرفين مؤذنين بالانفصال ، وأمّا وقوع واو الحال بعدها نحو : ما جاءني زيد إلا وغلامه راكب فلعدم ظهور عمل الفعل لفظا في ما بعد الواو ، انتهى.

ويكون في الملحقات بالمفعول كالحال ، نحو : ما جاءني زيد إلا راكبا ، (وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ) [التوبة / ٥٤] ، والتمييز ، نحو : ما امتلأ الإناء إلا ماء.

وقوع التفريغ في التوابع : وأمّا التوابع فإنّما يقع التفريغ منها في البدل ، نحو : ما سلب زيد إلا ثوبه ، وأمّا عطف النسق فلا يكون فيه لما تقدّم ، وعطف البيان والتأكيد ينافيهما التفريغ ضرورة أنّه لا يكون إلا في متعدّد مماثل ، والتعدّد ينافي عطف البيان ، لأنّه إمّا علم أو مختصّ مثله ، فلا يمكن أن يقدّر عطف بيان متعدّد شامل للمذكور وغيره ، وكذا التأكيد ، لأنّه ليس لنا ألفاظ تاكيديّة عامّة تشتمل المستثنى وغيره حتى تقدّرها ، وتخرج منها التأكيد المستثنى ، وأمّا الوصف فجّوز الرضيّ وصاحب اللباب وقوع التفريغ فيه ، نحو : ما جاءني أحد إلا ظريف ، وما لقيت أحدا إلا أنت خير منه.

وفي المغني لابن هشام إنّ التفريغ لا يجوز في الصفات ، ولم يحك جوازه إلا عن الزمخشريّ وأبي البقاء ، قال : وكلام النّحويّين بخلاف ذلك ، وظنّ التفتازانيّ أنّ المسألة إجماعية ، فقال في شرح المفتاح : لا خلاف في جواز الاستثناء المفرّغ في الصفة.

الثاني : كلّ استثناء مفرّغ لا يكون إلا متّصلا ، لأنّه يعرب على حسب العوامل ، فيكون من تمام الكلام ، وإليه النسبة ، ولذلك لم يجز نصبه على الاستثناء.

٣٩٢

الثالث : يقدّر المستثنى منه في المفرّغ بقدر الضرورة ، وما يتناول المستثنى ويناسبه في جنسه ووصفه ففي نحو : ما ضربت إلا زيدا ، أي أحدا ، وما جئت إلا راكبا ، أي على حال من الأحوال ، وما ضربته إلا تأديبا أي لغرض ، وقس على ذلك.

الرابع : من العرب من يشغل العامل في التفريغ بمحذوف ، فينصب ما بعد إلا على الاستثناء ، نحو : ما ضربت إلا زيدا ، وما مررت إلا زيدا ، فزيد في المثالين منصوب على الاستثناء ، ومعمول الفعل محذوف ، وهذا إنّما يكون فيما يمكن حذفه ، فلو قلت : ما قام إلا زيد ، لم يجز النصب ، لأنّ الفاعل لا يحذف ، وأجازه الكسائيّ على مذهبه في جواز حذف الفاعل ، قاله المراديّ في شرح التسهيل.

«والكلام معه» أي مع المستثنى المفرّغ «غير موجب» بفتح الجيم ، وهو ما يتقدّمه نفي أو شبهه من نهي أو استفهام إنكاريّ «غالبا» لا دائما لاستبعاد اشتراك أفراد الجنس في وقوع الفعل منها أو عليها ومخالفة واحد إيّاها ، ولكنّ ذلك ممكن ، وهو قليل جدّا ، فكان غير الغالب ، نحو : كلّ حيوان يحرّك الفكّ الأسفل في الأكل إلا التمساح ، وقرأت إلا يوم كذا ، إذ لا يبعد أن تقرأ جميع الأيام إلا اليوم المستثنى ، وضابطه استقامة المعنى ، كما قال ابن الحاجب.

وفسّر بعضهم استقامة المعنى بأن يكون الحكم ممّا يصحّ أن يثبت على سبيل العموم كالمثال الأوّل ، أو تكون هناك قرينة دالّة على أنّ المراد بالمستثني منه بعض معيّن ، يدخل فيه المستثنى قطعا كالمثال الثاني لظهور أنّ المتكلّم لا يريد جميع أيّام الدنيا ، بل أيّام الأسبوع أو الشهر أو مثل ذلك ، انتهى.

وقال ابن مالك في شرح التسهيل : إذا كان في الإيجاب معنى النفي عومل معاملته ، نحو : عدمت إلا زيدا ، وصمت إلا يوم الجمعة ، فإنّه بمعنى لم أجد ، ولم أفطر ، انتهى.

تنبيهان : الأوّل : لا يقال ما زال زيد إلا عالما ، وإن كان ظاهر الكلام غير موجب ، لأنّ معنى زال نفي ، والنفي إذا دخل على النفيّ أفاد الإيجاب الدائم ، فيكون المعنى دام زيد على جميع الصفات إلا على صفة العلم ، وهو محال.

الثاني : إذا كان الموجب لازما له النفي كلولا ولو فذهب المبرّد إلى جواز التفريغ معه ، نحو : لولا القوم إلا زيد لأكرمتك ، ولو كان معنا إلا زيد لغلبنا ، قال أبو حيّان في الإرتشاف : والصحيح أنّه لا يجوز ، وإن ذكر مع المستثنى المستثنى منه ، ويسمّى الكلام حينئذ تامّا ، ففيه تفصيل ، فإن كان الكلام موجبا ، وهو ما لم يتقدّمه شيء ممّا تقدّم نصب المستثنى وجوبا ، سواء كان متّصلا ، نحو قوله تعالى : (فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً)

٣٩٣

[البقرة / ٢٤٩] ، أو منقطعا ، نحو : جاء القوم إلا حمارا ، تأخّر المستثنى عن المستثنى منه كما مرّ ، أو تقدّم ، نحو : قام إلا زيد القوم.

عامل المستثنى : واختلف في عامل النصب ، فقيل : هو «إلا» لاختصاصها بالاسم ، وليست كالجزء منه فعملت كسائر الحروف الّتي هي كذلك ، وهذا مذهب سيبويه والمبرّد والزجاج والجرجانيّ ، واختاره ابن مالك وابن هشام ، وقيل : العامل ما قبل إلا بواسطتها ، وهو رأي السيرافيّ ، وقال ابن عصفور وغيره : هو مذهب سيبويه والفارسيّ وجماعة من البصريّين ، وقال الشلوبين : هو مذهب المحقّقين. وقيل : هو ما قبلها مستقلّا ، وإليه ذهب ابن خروف ، وعزاه إلى سيبويه ، فعلى هذا كلّ من هذه المذاهب قد نسب إلى سيبويه [يقول الشاعر من الوافر] :

٣٧٩ ـ وكلّ يدّعون وصال ليلى

وليلى لا تقرّ لهم بذاكا (١)

وقيل : هو استثني مضمرا ، حكاه السيرافيّ عن المبرّد والزجّاج.

وفي التاريخ أنّ عضد الدولة (٢) قال للفارسي وهو مسائر له في ميدان شيراز : لم انتصب المستثنى في قولك : جاء القوم إلا زيدا؟ فقال : لأنّه بتقدير أستثني زيدا. فقال لم لا تقدّره امتنع زيد؟ فانقطع الفارسيّ وقال : هذا جواب ميدانيّ (٣) ، ثمّ كتب فيه شيئا.

وقيل : العامل أنّ بفتح الهمزة وتشديد النون مقدّرة بعد إلا ، حكاه السيرافيّ عن الكسائيّ ، فالتقدير في نحو : قام القوم إلا زيدا ، إلا أنّ زيدا لم يقم. وقيل غير ذلك ، وهو خلاف لا ثمرة له (٤).

تنبيهات : الأوّل : ظاهر كلام المصنّف (ره) تعيين النصب في الكلام التامّ الموجب عند جميع العرب ، وليس كذلك ، بل الإبدال فيه لغة ، حكاها أبو حيّان ، وخرّج عليها قراءة : فشربوا منه إلا قليل بالرفع ، وقال ابن مالك في توضيح البخاريّ : لا يعرف أكثر المتأخّرين في هذا النوع إلا النصب. وقد أغفلوا وروده مرفوعا بالابتداء ثابت الخير ومحذوفه ، فمن الأوّل قول أبي قتادة (٥) : أحرموا كلّهم إلا أبو قتادة لم يحرم ، وإلا بمعنى

__________________

(١) ما وجدت قائل البيت.

(٢) عضد الدولة (ت ٣٧٢ ه‍ / ٩٨٣ م) أعظم ملوك بني بويه رعي العلماء والأباء ، مدحه المتنبي. المنجد في الأعلام / ٣٧٥.

(٣) الميداني هو النيسابوري الّذي تقدم ذكره في ص ٣٨٦.

(٤) على حسب المعنى الأفضل أن نقول : إن العامل للاسم الواقع بعد إلا فعل محذوف تدلّ عليه إلا ، والتقدير : استثني مثلا.

(٥) قتادة بن دعامة ، مفسّر حافظ ، وكان مع علمه بالحديث ، رأسا في العربية ومفردات اللغة. مات سنه ١١٨ ه‍. الأعلام للزركلي ، ٦ / ٢٧.

٣٩٤

لكن ، وأبو قتادة مبتدأ ، ولم يحرم خبره ، ومن محذوف الخبر قوله عليه السّلام : «كلّ أمتى معافي إلا المجاهرون بالمعاصي (١)» وقراءة بعضهم فشربوا منه إلا قليل ، أي إلا قليل منهم لم يشرب ، وجزم بذلك في مختصر العمدة (٢).

وقال أبو حيّان في النهر (٣) : إذا تقدّم موجب جاز فيما بعد إلا وجهان : النصب على الاستثناء ، وهو الأفصح ، وأن يكون ما بعد إلا تابعا لإعراب المستثنى منه إن رفعا فرفع ، أو نصبا فنصب ، أو جرّا فجرّ ، سواء كان ما قبل إلا ظاهرا أو مضمرا. قال : واختلفوا في إعرابه. وقيل : هو نعت ، وإنّه ينعت بما بعد إلا الظاهر والمضمر ، يعني أنّ المضمر ينعت في هذا الباب. وقيل : لا ينعت بما بعدها إلا النكرة أو المعرّف بلام الجنس ، فإن كان معرّفا بلام العهد أو الإضافة لزم النصب على الاستثناء. وزعم أنّ من الاتباع قوله [من الوافر] :

٣٨٠ ـ وكلّ أخ مفارقه أخوه

لعمر أبيك إلا الفرقدان (٤)

حكم المستثنى إذا تقدّم على المستثنى منه : الثاني : إذا تقدّم المستثنى على المستثنى منه تحتمّ نصبه أيضا ، سواء كان متّصلا أو منقطعا ، وسواء كان في سياق الإيجاب ، كقام إلا زيدا القوم أو في غيره ، كقول الكميت (ره) [من الطويل] :

٣٨١ ـ وما لي إلا آل أحمد شيعة

وما لي إلا مشعب الحقّ مشعب (٥)

ولا يصحّ الإبدال ، لأنّ التابع لا يتقدّم على المتبوع ، هذا مذهب البصريّين ، وأجاز الكوفيّون والبغداديّون غير النصب في المسبوق بالنفي ، نحو : ما قام إلا زيد أحد.

قال سيبويه : سمع يونس بعض العرب الموثوق بعربيّتهم يقول : ما لي إلا أبوك ناصر ، وقال حسان [من الطويل] :

٣٨٢ ـ ...

إذا لم يكن إلا النبيّون شافع (٦)

قال ابن هشام : ووجهه أنّ العامل فرع لما بعد إلا ، وأنّ المؤخّر عامّ أريد به خاصّ ، فصحّ إبداله من المستثنى ، لكنّه بدل كلّ ، ونظيره في أنّ المتبوع آخر ، وصار تابعا ما

__________________

(١) نهج الفصاحة ص ٤٥٨ ، حديث ٢١٦٧. صحيح البخاري ٤ / ٣٤٣ ، رقم ٩٥١. وفي كلا المصدرين «المجاهدين بالمعاصي».

(٢) العمدة في النحو مختصر لابن مالك. كشف الظنون ٢ / ١١٧٠.

(٣) النهر الممّاد من البحر في التفسير لأبي حيان. المصدر السابق ص ١٩٩٣.

(٤) تقدم برقم ٣٠٤.

(٥) اللغة : المشعب : الطريق ومشعب الحق : طريقة المفّرق بينه وبين الباطل. ويروى في مكانه. مذهب الحق.

(٦) صدر البيت «فإنهم يرجون منه شفاعة».

٣٩٥

مررت بمثلك أحدا ، انتهى. وقال ابن الضائع : الوجه أن يقال : هو بدل من الاسم مع إلا مجموعين فيكون بدل شيء لغير واحدة ، انتهى.

حكم المستثنى غير الموجب : «وإلا» يكن الكلام موجبا بل كان غير موجب ، ففيه تفصيل ، «فإن كان» المستثنى «متّصلا فالأحسن والأرجح إتباعه» ، أي اتباع المستثنى للمستثني منه «على اللفظ» بدلا منه ، بدل بعض من كلّ عند البصريّين ، وعطف نسق عليه عند الكوفيّين ، لأنّ إلا عندهم من حروف العطف في باب الاستثناء خاصّة ، وهي عندهم بمترلة لا العاطفة في أنّ ما بعدها مخالف لما قبلها ، لكنّ ذلك منفيّ بعد إيجاب ، وهذا موجب بعد النفي. قاله ابن هشام في المغني ، واعترض مذهب البصريّين بأنّ بدل البعض لا بدّ له من رابط ، ولا ضمير يعود إلى المبدل منه ، وإنّه مخالف للمبدل منه ، فإنّ المبدل موجب ، والمبدل منه منفيّ.

وأجيب عن الأوّل بأنّ الربط بالاستثناء أغني عن الربط بالضمير لظهور إفادة البعضية ، وعن الثاني بأنّه لا منع من التخالف مع الحرف المقتضي لذلك كما جاز في الصفة ، نحو : مررت برجل لا ظريف ولا كريم ، جعلت النفي مع الاسم الّذي بعده صفة لرجل ، والإعراب على الاسم كذلك تجعل في نحو : ما جاء القوم إلا زيد ، قولنا : إلا زيد بدلا ، والإعراب على الاسم ، قاله الرضيّ (ره) ، واعترض مذهب الكوفيّين باطّراد قولهم : ما قام إلا زيد ، وليس شيء من حروف العطف يلي العوامل. قال ابن هشام في المغني : وقد يجاب بأنّه ليس تإليها (١) في التقدير : إذ الأصل ما قام أحد إلا زيد ، انتهى.

قال الدمامينيّ : لكن يلزم عليه جواز حذف المعطوف عليه مطّردا ، والفرض أنّه قليل ، انتهى.

فائدة : قال ابن الدهان في الغرّة : ليس في الابدال ما يخالف حكم المبدل منه إلا في الاستثناء وحده. وذلك أنّك إذا قلت : ما قام أحد إلا زيد فقد نفيت القيام عن أحد ، وأثبته لزيد. وهو المبدل منه ، نحو : قوله تعالى : (ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ) [النساء / ٦٦] ، قرأ الستّة بالرفع على أنّه تابع للضمير المرفوع المتّصل بالفعل ، وابن عامر بالنصب على الاستثناء.

تنبيهات : الأوّل : زاد جماعة منهم ابن مالك في التسهيل وابن هشام في الجامع في هذه المسألة ، أعني ترجيح الاتباع على النصب قيدين آخرين : أحدهما : أن يكون المستثنى متراخيا عن المستثنى منه ، نحو : ما جاءني أحد حين كنت جالسا هنا إلا زيدا ، وثانيها :

__________________

(١) ليس طالبا «ح».

٣٩٦

أن لا يكون مردودا به كلام تضمّن معنى الاستثناء ، نحو : ما قام القوم إلا زيدا ، ردّا على من قال : أقام القوم إلا زيدا ، فإنّه في هاتين الصورتين يترجّح النصب على الاتباع ، أمّا في الأولى فلأنّ البدل إنّما كان مختارا لطلب المشاكلة بينه وبين المستثنى منه ، ومع التراخي لا يبيّن ذلك ، وأما في الثانية فلأنّه غير مستقلّ ، والبدل في حكم الاستقلال.

قال أبو حيّان : وهذان القيدان لا يعرفهما أصحابنا إلا ابن عصفور ، فإنّه حكى نحو القيد الثاني عن ابن السّراج ، وردّه ، انتهى. فلا يرد حينئذ على قضية إطلاق المصنّف (ره).

الثاني : قد يقال : لا يستفاد من كلام المصنّف (ره) حقيقة هذه الاتباع ، فينبغي التصريح بأحد القولين ، وقد يجاب بأنّه أنّما فعل ذلك إشارة إلى عدم ترجيح أحد المذهبين لتكافئ الأدلّة.

الثالث : علّل كثيرون ترجيح الاتّباع على النصب بما فيه من حصول المشاكلة بين المستثنى والمستثنى منه في الإعراب ، قال البدر الدمامينيّ في المنهل : وقضية ذلك أن لا يكون البدل في قولنا : ما ضربت أحدا إلا زيدا ، مختارا على النصب ، ضرورة أنّ المشاكلة حاصلة على كلا التقديرى ن فيستويان ، انتهى.

قلت : وقد صرّح بذلك الشيخ محبّ الدين ناظر الجيش في شرح التسهيل قال : لو حصلت المشاكلة في تركيب استويا ، والأحسن في تعلى ل ذلك ما علّل به بعضهم ، منهم صاحب الفوائد الضيائية من أنّ النصب على الاستثناء أنّما هو على التشبيه بالمفعوليّة لا بالإصالة وبواسطة إلا ، وإعراب البدل بالإصالة وبواسطة إلا ، وإعراب البدل بالإصالة وبغير واسطة ، فإن تعذّر اتباع المستثنى للمستثني منه على اللفظ لمانع فعلى المحلّ عملا بالمختار على قدر الإمكان ، وذلك في ثلاثة مواضع :

أحدها : في المجرور بمن الزائدة الاستغراقيّة ، نحو : ما جاءني من رجل إلا زيد ، فزيد مرفوع على البدليّة من محلّ أحد ، لأنّه في موضع رفع بالفاعلية لتعذّر الإبدال من لفظ المجرور بمن المذكورة ، لأنّها وضعت لتفيد أنّ النفي شامل لجميع أفراد المجرور بها ، سواء باشرت المجرور نحو : ما جاءني من رجل ، أو كان المجرور تابعا لمباشرها نحو : ما جاءني من رجل وامرأة ، وإلا ناقضة لما يقع بعدها من النفي ، ومع بطلان النفي لا يتأتّي أن يكون شاملا لأفراد ما بعدها ، ولا يجوز : الإبدال على اللفظ أيضا على مذهب الأخفش ، وإن جوّز زيادة من في الموجب مطلقا معرّفا كان أو غيره ، لأنّ الكلام في من الاستغراقيّة ، ولا يمكنه إرتكاب ذلك هنا.

٣٩٧

الثاني : المجرور بالباء الزائدة نحو : ليس زيد بشيء إلا شيئا يعبأ به ، فشيئا منصوب على البدلية من محلّ شيء ، لأنّه في موضع نصب لتعذّر الإبدال من لفظ المجرور بها أيضا ، لأنّها وضعت لتدلّ على تاكيد نفي المجرور بها ، سواء كان المجرور مباشرا كما مرّ أو تابعا للمباشر لها ، نحو : ما زيد بقائم ولا قاعد ، وقد تقرّر أنّ إلا مبطلة لما يتقدّمها من نفي ، وإذا بطل فلا يؤكّد.

إعراب لا إله إلا الله : الثالث : اسم لا التبرئة ، نحو : (لا إِلهَ إِلَّا اللهُ) [الصافات / ٣٥] ، فاسم الجلالة مرفوع على البدليّة من المحلّ كما سيأتي لتعذّر الإبدال من لفظ اسم لا ضرورة أنّ لا لا تقدّر عاملة بعد إلا ، لأنّها لا تعمل في معرفة ، ولمناقضتها لإلا في المعنى ، لأنّها إنّما عملت للنفي وقد انتقض بإلا ، ولا يرد نحو : ليس زيد شيئآ إلا شيئا لا يعبأ به ، مع انتقاض النفي فيه أيضا بإلا ، لأنّ لا إنّما عملت للنفي ، فلا تقدّر عاملة إلا مع وجوده ، وهو مع إلا مفقود كما عرفت ، فبطل تقديرها بعده ، وليس إنّما عملت للفعلية لا للنفي ، وهي بمترلة ما وكان جميعا ، ويجوز ما كان زيد شيئا إلا يعبأ به على البدل ، لأنّ العمل لكان لا للنفي ولا لكان والنفي جميعا.

وكان بمجرّدها يصحّ تقديرها بعد إلا ولمّا كانت ليس فعلا ، معناه النفي توهّم أنّها بمثابة لا في العمل ، وليس كذلك ، بل عملها للفعلية ، والفعلية إذا قدّرت مجرّدة عن النفي لم يتعذّر العمل ، ولكن لمّا كان انفكاكها عن النفي متعذّرا توهّم أنّ النفي متعذّر ، قاله ابن الحاجب.

واختلف في المبدل منه لاسم الجلالة ما هو ، فقيل : هو لا مع اسمها ، لأنّها في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه ، وقيل : هو اسم لا باعتبار محلّ الاسم قبل دخول لا ، لأنّه في موضع رفع بالابتداء ، وهو قول الأكثرين ، ويشكل عليه أمران : أحدهما أنّ اعتبار محلّ اسم لا على أنّه مبتدأ ، قيل : دخول لا قد زال بدخول الناسخ كما قال الرضيّ في باب إنّ. الثاني : إنّ المراعي في البدل صحّة حلوله محلّ اسم لا منه ، وهو هنا متعذّر ، وأجاب عن هذا ابن هشام بأنّه بدل من الاسم مع لا ، فإنّهما كالشيء الواحد ، ويصحّ أن يخلفهما ، ولكن يذكر الخبر حينئذ ، فيقال : الله موجود ، انتهى.

وتعقّبه الدمامينيّ بأنّ هذا خروج عن فرض المسألة ، لأنّ الإشكال أنّما ورد على القائلين بأنّ الاسم المرفوع بدل من اسم لا باعتبار محلّه ، ولم يقولوا : بدل من مجموع الاسم ولا ، فكيف يكون هذا رافعا للاشكال ، انتهى. قلت : وأيضا فما أجاب به ابن هشام قول مستقلّ كما عرفت ، قال به جماعة ، وحكاه في الهمع ، فيكون هذا منه

٣٩٨

كالخلط بين القولين ، وأجاب الشلوبين عن ذلك بأنّ هذا الكلام أنّما هو على توهّم كلام آخر.

فإذا قلت : لا أحد فيها إلا زيد ، صحّ الإبدال ، لأنّه على توهّم ما فيها إلا زيد. وكذا يقال في كلمة الشهادة وهو في معنى ما في الوجود إله إلا الله ، فيصحّ فيه الإبدال ، وهذا الجواب رافع للإشكإلى ن ، كما لا يخفي ، وقيل : المبدل منه هو الضمير المستتر في الخبر المقدّر العائد على اسم لا ، فيكون الاتباع حينئذ على اللفظ لا على المحلّ. قال ناظر الجيش في شرح التسهيل : وهو أولى ، لأنّ فيه إبدالا من الأقرب ، ولأنّه لا داعي إلى الاتّباع على المحلّ مع امكانه على اللفظ ، انتهى.

فإن قيل : إن قدّرت الخبر في كلمة التوحيد «موجود» ، لم يلزم منه إلا نفي وجود ما سوى الله تعالى من الإلهة ، لا نفي امكان وجوده ، وإن قدرت «ممكن» لم يلزم منه إلا إثبات إمكان الوجود لله تعالى ، لا إثبات وجوده ، وعلى التقديرين لا يتمّ التوحيد ، لأنه أنّما يتمّ بنفي إمكان الوجود عمّا سوى الله من الإلهة ، وإثبات الوجود به تعالى ، وعلى الأوّل لم يلزم (١) نفي الامكان عن غيره تعالى ، وعلى الثاني لم يلزم إثبات الوجود به تعالى. قلت : أجاب الزمخشريّ في بعض تاليفه عن هذا بأنّ المرفوع بعد إلا مبتدأ وإلا لغو لفظا ، والأصل في كلمة الشهادة الله إله ، فالمعرفة مبتدأ ، والنكرة خبر على القاعدة.

ثمّ قدّم الخبر ، ثمّ أدخل النفي على الخبر ، والإيجاب على المبتدأ ، وتركّبت لا مع الخبر ، انتهى.

قال ابن هشام : فيقال له ما تقول في نحو : لا طالعا جبلا إلا زيد ، لم انتصب خبر المبتدإ؟ فإن قال : إنّ لا عاملة عمل ليس ، فذلك ممتنع لتقدّم الخبر ولانتقاض النفي ولتعريف أحد الجزئين ، انتهى.

وأجاب بعضهم بأنّ كلمة الشهادة غير تامّة في التوحيد بالنظر إلى المعنى اللغويّ ، لأنّ التقدير لا يخلو عن أحد الأمرين ، وقد عرفت أنّه لا يتمّ (٢) ، وإنّما تعدّ كلمة الشهادة تامّة في أداء معنى التوحيد ، لأنّها قد صارت عليه علما شرعا ، ومنهم من أجاب بتقدير كلّ من موجود وممكن ، قيل : وهو بعيد.

قال بعض المحقّقين : وتحقيق الجواب على التقديرى ن أنّ المراد بالإله في هذه الكلمة هو المعبود بالحقّ ، والمعبود بالحقّ لا يكون إلا واجب الوجود ، ومحالّ أن يبقي واجب الوجود في عالم الامكان ، فإن قلنا : لا إله موجود إلا الله ، لزم نفي إمكان إله غيره ، وإن

__________________

(١) على الأوّل يلزم «ح».

(٢) وقد عرفت أنّه لا يتمّ سقطت في «س».

٣٩٩

قلنا : لا إله ممكن إلا الله لزم وجود الله تعالى لاستحالة بقاء واجب الوجود في رتبة الإمكان ، وهذا دقيق لطيف جدّا ، انتهى.

فإن قلت : مقتضى قول المصنّف فالأحسن اتباعه أنّ نصبه على الاستثناء جائز في المواضع المذكور ، إلا أنّه مرجوح. قلت : أمّا في صورتي المجرور بمن والباء الزائدتين فواضح ذلك فيهما ، ويجوز فيهما الجرّ على الصفة ، أنشد الكسائيّ [من الكامل] :

٣٨٣ ـ با ابني لبيني لستما بيد

إلا يدا ليست لها عضد (١)

بالخفض. أمّا في صورة اسم لا التبرئة ، فقال في الهمع : إذا وقعت إلا بعد لا جاز في المذكور بعدها الرفع والنصب ، نحو : لا سيف إلا ذو الفقار وذا الفقار ، ولا إله إلا الله وإلا الله ، فالنصب على الاستثناء.

ومنعه الجرميّ ، قال : لأنّه لم يتمّ الكلام ، وردّ بأنّه ثمّ بالإضمار ، والرفع على ما ذكر ، وقيل : على الخبر للامع اسمها ، لأنّهما في محلّ رفع على الابتداء ، انتهى.

وقيل : على الخبر لأنفسها ، ولم يتعرّض له لفساده. قال ابن هشام : يردّه أنّ لا لا تعمل إلا في نكرة منفيّة ، واسم الله تعالى معرفة موجبة ، وإن كان المستثنى منقطعا ، فإن لم يمكن تسليط العامل على المستثنى ، وجب النصب اتّفاقا ، نحو : ما زاد هذا المال إلا ما نقص ، فما مصدريّة ، ونقص صلتها ، وموضعها نصب على الاستثناء ، ولا يجوز تقديرها في موضع الرفع على الإبدال من الفاعل ، إذ لا يمكن تسليط العامل عليه ، لا يصحّ أن يقال : ما زاد النقص ، والتقدير في ذلك ما زاد هذا المال لكن نقص ، وكذا كلّ استثناء منقطع يقدّر بلكن ، كما قال البصريّون ، والكوفيّون يقدّرونه بسوى.

قال بعضهم : ويردّه أنّها لا تفيد الاستدارك ، والمستثنى المنقطع للاستدراك ، ودفع توهّم دخوله في حكم السابق ، انتهى.

وإن أمكن تسليط العالم فالحجازيّون يوجبون النصب لامتناع احتمال البدليّة ، فيقولون : ما فيها أحد إلا حمارا ، وبلغتهم جاء التتريل ، قال تعالى : (ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِ) [النساء / ١٥٧]. والتميميّون يجيزيون مع اختيارهم النصب على الاستثناء الاتّباع ، أي جعله تابعا للمستثني منه على ما مرّ ، نحو : ما جاء القوم إلا حمارا بالنصب على الاستثناء ، أو ما جاء القوم إلا حمار بالرفع على الاتباع ، قال الشاعر [من السريع] :

٣٨٤ ـ وبلدة ليس بها أنيس

إلا اليعافير وإلا العيس (٢)

__________________

(١) هو لأوس بن حجر أو لطرفة بن العبد.

(٢) هو لحبران العود النمري واسمه عامر بن الحارث. اللغة : إليعافير : جمع يعفور : ولد البقر الوحشية ، العيس : جمع عيساء : الإبل البيض يخلط بياضها شقرة.

٤٠٠

ولسيبويه في مثل هذا وجهان : أحدهما جعل المنقطع كالمتّصل لصحّة دخول المبدل في المبدل منه ، قلت : يعني على سبيل المجاز ، وذلك إمّا على جعل الحمار مثلا في نحو : ما في الدار إلا حمار إنسان الدار ، أي الّذي يقوم مقامه في الأنس كقوله [من الوافر] :

٣٨٥ ـ ...

تحيّة بينهم ضرب وجيع (١)

جعلوا الضرب تحيتهم ، لأنّه الّذي يقوم مقام التحيّة عندهم ، أو على تخييل العموم فيه بحيث يكون شاملا.

فإذا قلت : ما جاء القوم إلا حمارا ، فقد نفيت مجئ القوم وما يتبعهم ، ثمّ استثنيت الحمار ممّا دخل في حكم التبع.

والثاني : إنّهم حملوا ذلك على المعنى ، لأنّ المقصود هو المستثنى ، فالقائل ما في الدار أحد إلا حمار ، المعنى : ما في الدار إلا حمار ، وصار ذكره أحدا توكيدا ليعلم أنّه ليس ثمّ آدميّ ، ثم أبدل من أحد ما كان مقصوده من ذكر الحمار.

وذكر المازنيّ وابن بابشاذ في شرح الجمل وجها ثالثا ، وهو أن يكون من تغليب العاقل على غيره ، فاقتصر على ذكر العاقل لحكم التغليب ، ثمّ أبدل من جملة ما تضمّنه التغليب. قال الرضيّ : وهذا لا يطّرد في جميع الباب ، نحو : قوله تعالى : (ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِ) وقولهم ليس لهم سلطان إلا التكلّف ونحوه.

تنبيه : ما نقلته عن تميم من اختيار النصب هو ما أفهمه كلامه ، ونقله غير واحد.

لكن ذكر ابن عقيل والمراديّ والدمامينيّ في شروح التسهيل أنّ ابن مالك ذكر أنّ لغة بني تميم في المنقطع في الاتباع كلغة الجميع في المتّصل ، فيقولون : ما فيها أحد إلا حمار ، ويقرؤون (إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِ) بالرفع ، إلا من لقن النصب.

قال الدمامينيّ في شرح التسهيل : وغير المصنّف يقول : إنّهم يجيزون الاتباع ، ويختارون ما يوجبه غيرهم من النصب ، انتهى. فافهم أنّ هذا النقل لم يذكره غير ابن مالك.

حكم المستثنى بخلا وعدا وحاشا : هذه «تتمّة» لما ذكره من مسائل هذا الباب ، «والمستثنى بخلا وعدا وحاشا ينصب» تارة «مع فعليتها» ، أي إنّها أفعال متعديّة إليها ، وفاعلها ضمير مستتر وجوبا ، وفي مرجعه الخلاف الآتي بيانه في حديقة المفردات إن شاء الله تعالى ، نحو : قام الناس خلا أو عدا أو حاشا زيدا ، واختلف في جملة الاستثناء ، فقال

__________________

(١) صدره

«وخيل قد دلفت لها بخيل» ،

وهو لعمرو بن معديكرب. اللغة : دلفت : مشيت رويدا ، الوجيع :

الموجع.

٤٠١

السيرافيّ : هي حال ، إذ المعنى قام القوم خإلى ن عن زيد ، وجوّز الاستئناف ، وقيل : بل هي مستأنفة ، وصحّحه ابن عصفور.

فإن قلت : دعوى الاستئناف تخلّ بالمقصود ، قلت : لا يعنون بالاستئناف عدم تعلّقها بما قبلها في المعنى ، بل في الإعراب فقط ، وذلك لأنّ هذه الجملة وقعت موقع إلا ، فكما أنّ إلا زيدا لا موضع له من الإعراب مع تعلّقه بما قبله ، فكذلك هذه الجمل ، قاله في التصريح. قال ابن هشام : والقول بالاستئناف مذهب الجمهور في جميع أفعال الاستثناء ، «ويجرّ» تارة «مع حرفيّتها» أي على أنّها حروف الجرّ.

تنبيهات : الأوّل : ليس النصب والجرّ في الثلاثة سواء كما توهّم عبارة المصنّف ، بل النصب في الأولين والجرّ في الأخيرة أغلب ، حتى أنّ سيبويه لم يحفظ غير ذلك ، فأوجب النصب في خلا وعدا ، والجرّ في حاشا ، لكن ثبت بصحيح النقل الجرّ بخلا وعدا والنصب بحاشا ، نقل الأوّل الأخفش ، ومنه قوله [من الطويل] :

٣٨٦ ـ خلا الله لا أرجو سواك وإنّما

أعدّ عيالى شعبة من عيالكا (١)

وقوله [من الوافر] :

٣٨٧ ـ أبحنا حيّهم قتلا وأسرا

عدا الشّمطاء والطّفل الصّغير (٢)

الرواية في الموضعين بالجرّ ، فوجب القول بحرفيّتها في هذه الحالة.

ونقل الثاني أبو عمرو والأخفش والجرميّ والمازنيّ والمبرّد والزّجاج وأبو زيد والفرّاء ، بل ذهبوا إلى أنّ الجرّ بها حرفا هو الكثير ، وأنّ النصب لها فعلا قليل لتضمّنها معنى إلا ، وسمع : أللهمّ اغفر لي ولمن يسمع حاشا الشيطان وأبا الإصبع ، وقال الشاعر [من الكامل] :

٣٨٨ ـ حاشا أبا ثوبان إنّ أبا

ثوبان ليس ببكمة فدم

عمرو بن عبد الله أنّ به

ضنّا عن الملحاة والشّتم (٣)

وكثير من النّحويّين أخذ صدر البيت الأوّل من هذين البيتين وركّبه مع عجز الثاني ، وأنشدهما بيتا واحدا ، والصواب ما أنشدناه به ، نبّه عليه ابن مالك في بعض مصنّفاته.

__________________

(١) لم يعين قائله.

(٢) لم يسمّ قائله. اللغة : أبحنا حيهم : أراد أهلكنا واستأصلنا ، الحيّ : القبيلة ، الشمطاء : هي العجوز الّتي يخالط سواد شعرها بياض.

(٣) هما للجميع واسمه المنقذ بن الطماح الأسدي. اللغة : البكمة : الخرس ، الفدم : العي عن الكلام في ثقل ، الضن : البخل ، الملحاة. المنازعة.

٤٠٢

الثاني : قال ابن الحاجب : حاشا المستعملة في الاستثناء معناها تتريه الاسم الّذي بعدها من سوء ذكر في غيره أو فيه ، فلا يستثني بها إلا في هذا المعنى ، ولذلك لا يقال : صلّي الناس حاشا زيد لفوات معنى التتريه ، انتهى.

قال الرضيّ : وربّما أرادوا تتريه شخص من سوء ، فيبتدؤون بتتريه الله سبحانه عن السوء ، ثمّ يبرّؤون من أرادوا تتريهه على معنى أنّ الله تعالى مترّة عن أن لا يظهر ذلك الشخص ممّا يصمه ، فيكون أكّد وأبلغ ، انتهى.

الثالث : في حاشا الاستثنائية لغتان : بإثبات الألفين ، وحشا بحذف الألف الأولى كقوله [من الوافر] :

٣٨٩ ـ حشى رهط النّبيّ فإنّ منهم

بحورا لا تكدّرها الدّلاء (١)

قاله المراديّ ، وسيأتي عليه مزيد الكلام في حديقة المفردات ، ان شاء الله تعالى.

حكم المستثنى بليس ولا يكون : «و» المستثنى «بليس ولا يكون منصوب بالخبريّة» ، أي على أنّه خبرهما ، نحو : قام الناس ليس أو لا يكون زيدا ، «واسمهما» ضمير «مستتر وجوبا» بالإجماع لجريانهما مجرى إلا ، وهي إنّما يظهر بعدها اسم واحد ، ومن ثمّ وجب انفصال الضمير المستثنى بهما كما وجب في المستثنى بهما ، تقول : قام القوم ليس إيّاك أو لا يكون إيّاك كما تقول : إلا إيّاك ، وأمّا قوله [من الرجز] :

٣٩٠ ـ ...

إذ ذهب القوم الكرام ليسي (٢)

فضرورة ، كقوله [من البسيط] :

٣٩١ ـ ...

أن لا يجاورنا إيّاك ديّار (٣)

وفي مرجع الضمير الخلاف الأتي في فاعل حاشا ، وسيأتي بيانه في حديقة المفردات إن شاء الله ، وجملة الاستثناء حال أو مستأنفة كما مرّ. قال في التصريح : فإن قلت : كيف يحكم على جملة ليس بأنّها حال ، والفعل الماضي لا يقع حالا إلا مع قد ظاهرة أو مقدّرة ، قلت : هذا مستثني كما قاله أبو حيّان في النكت الحسان بحثا ، انتهى.

ووجه الاستثناء أنّ قد لا تدخل إلا على فعل متصرّف ، وهذا الاستثناء جار في جمل الأفعال الثلاثة المذكورة آنفا إذا أعربت حالا ، ثمّ هذا الاستثناء إنّما يحتاج إليه على

__________________

(١) لم يسمّ قائله. اللغة : الرهط : الجماعة من ثلاثة أو سبعة إلى عشرة ، أو ما دون العشرة ، الدلاء جمع الدلو : إناء يستقي به من البئر (مؤنث وقد تذكّر).

(٢) صدره «عدت قومي كعديد الطيس» ، هذا البيت نسبت لروبة بن العجاج. اللغة : الطيس : الرمل الكثير.

(٣) صدره «وما علينا إذا ما كنت جارتنا» ، لم يسمّ قائله. اللغة : الدّيار : أحد ، ولا يستعمل إلا في النفي العام.

٤٠٣

رأي جمهور البصريّين دون ما عليه الكوفيّون والأخفش من جواز مجئ الحال المذكورة بدون قد راسا كما سيأتي.

سبب قراءة سيبويه النحو : فائدة : هذه المسألة كانت سبب قراءة سيبويه النحو ، وذلك أنّه جاء إلى حماد بن سلمة (١) لكتابة الحديث ، فاستملي منه قوله (ص) : ما من أحد من أصحابي إلا ولو شيءت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء (٢) ، فقال سيبويه ، ليس أبو الدرداء ، فصاح به حماد : لحنت يا سيبويه ، إنّما هذا استثناء. فقال : والله لأطلبنّ علما لا يلحنني معه أحد فلزم الأخفش وغيره.

والمراد بالأخفش الاكبر ، وهو أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد ، وإذا أطلق النقل في كتب النحو فالمراد به الأوسط وهو أبو الحسن سعيد بن مسعدة أكبر تلامذة سيبويه ، وأمّا الأصغر فهو أبو الحسن على بن سليمان من تلامذة المبرّد وثعلب ، والأخافشة أحد عشر نحويّا عدّهم في المزهر (٣).

المستثنى بما خلا وبما عدا : «و» المستثنى «بما خلا وبما عدا منصوب» وجوبا على المفعوليّة ، لأنّ ما المصدريّة تعينهما للفعلية. إذ لا تدخل على الحرف ، وهما متعدّيان فتعيّن النصب ، كقول لبيد [من الطويل] :

٣٩٢ ـ ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل

وكلّ نعيم لا محالة زائل

وقوله [من الطويل] :

٣٩٣ ـ تملّ الندّامي ما عداني فإنّني

بكلّ الّذي يهوي نديمي مولع (٤)

ولهذا دخلتها نون الوقاية ، قال في التصريح : والقول بأنّ ما هنا مصدريّة مع جمود خلا وعدا مشكل ، لأنّها لا تدخل على فعل جامد ، نصّ عليه في التسهيل ، وموضعها مع ما نصب بلا خلاف ، فقيل : على الحالية ، قال ابن مالك فوقعت الحال معرفة لتأوّلها بنكرة ، قال ابن هشام : والتأويل خالين عن زيد ومتجاوزين زيدا.

__________________

(١) حماد بن سلمة أحد رجال الحديث ، ومن النحاة ، كان حافظا ثقة مأمونا ، إلا أنّه لمّا كبر ساء حفظه ، مات سنة ١٦٧ ه‍. الأعلام للزركلي ، ٢ / ٣٠٢.

(٢) أبو الدرداء عويمر بن مالك بن قيس صحابيّ ، كان من العلماء الحكماء ، وهو أحد الّذين جمعوا القرآن ، روى عنه أهل الحديث ١٧٩ حديثا ، مات سنة ٣٢ ه‍. المصدر السابق ، ٥ / ٢٨١. وما وجدت هذا الحديث.

(٣) المزهر في اللغة للسيوطي المتوفى سنة ٩١١ ه‍. كشف الظنون ٢ / ١٦١٠.

(٤) لم يسمّ قائله. اللغة : الندامي : جمع ندمان ، وأصله الّذي يجالسك على الشراب ، ثمّ قد يعمّ كل صاحب ، والنديم بمعناه ، مولع : مغرم.

٤٠٤

فإن قلت : خلا يتعدّي إذا كان بمعنى جاوز ، قالوا : افعل هذا وخلاك ذمّ ، فينبغي التأويل بخالين زيدا ، قلت : قال الرضيّ (ره) خلا في الأصل لازم يتعدّى إلى المفعول بمن ، نحو : خلت الدار من الأنيس ، وقد يضمن معنى جاوز ، فيتعدّي بنفسه ، كقولهم : افعل هذا وخلاك ذمّ ، والزموا هذا التضمين في باب الاستثناء ، ليكون ما بعدها في صورة المستثنى بإلا الّتي هي أمّ الباب ، انتهى ، فتدبّر.

وقيل : على الظرفيّة الزمانيّة على تقدير المضاف ، أي خلوّهم أو وقعت عدائهم زيدا ، وقال ابن خروف والشلوبين على الاستثناء ومعنى قاموا ما عدا أو خلا زيدا قاموا غير زيد ، قال ابن هشام : وهو غلط ، لأنّ معنى الاستثناء قائم بما بعدهما ، والمنصوب على معنى لا يليق ذلك المعنى بغيره ، انتهى.

وما تقرّر من وجوب النصب بعدهما هو مذهب الجمهور ، وزعم الكسائيّ والجرميّ والربعيّ والفارسيّ وابن جنيّ أنّه قد يجوز معها الجرّ على تقديرهما حرفي جرّ وتقدير ما زائدة.

قال في المغني : فإن قالوا ذلك قياسا ففاسد ، لأنّ ما لا تزاد قبل الجارّ بل بعده ، نحو : (عَمَّا قَلِيلٍ) [المومنون / ٤٠] ، وان قالوا ذلك سماعا فهو من الشذوذ ، بحيث لا يقاس عليه ، انتهى ، وقد حكاه الجرميّ عن العرب.

تنبيهات : الأوّل : اقتصاره على ذكر ما مع عدا وخلا يفهم أنّه لا يجوز دخولها على حاشا الاستثنائيّة ، وهو الّذي نصّ عليه سيبويه خلافا لبعضهم ، وأمّا قوله [من الوافر] :

٣٩٤ ـ رأيت النّاس ما حاشا قريشا

فإنّا نحن أفضلهم فعالا (١)

فنادر ، قال به ابن مالك لمكان السماع ، واستدلّ عليه أيضا بما وقع في مسند أبي أمية الطرسوسي (٢) عن ابي عمر (٣) قال : قال رسول الله (ص) : أسامة أحبّ الناس إلى ما حاشا فاطمة (٤). وردّه ابن هشام بأنّ هذا مبنيّ على ما توهّمه من أنّ ما حاشا فاطمة من كلامه (ص) ، وهو غلط ، بل هو من كلام الروايّ ، والمعنى أنّه (ص) لم يستثن فاطمة ، ويدلّ عليه أنّ في معجم الطبرانيّ (٥) ما حاشا فاطمة ولا غيرها ، انتهى.

__________________

(١) البيت للأخطل.

(٢) لعلّه بن أحمد بن محمد الطرسوسي من كبار مشايخ القرن الرابع لقّب بطاووس الحرمين ، توفي سنة ٣٧٤ ه‍ بمكة. ريحانة الأدب ٤ / ٥١.

(٣) لم أقع على ترجمة له.

(٤) ما وجدته في كتب الحديث ، رغم أنه جاء في الكتب النحوية.

(٥) المعجم الكبير والصغير والأوسط في الحديث للإمام أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني المتوفى سنة ٣٦٠ ه‍ ق. كشف الظنون ٢ / ١٧٣٧.

٤٠٥

ووجه الاستدلال بهذا أنّ لا زائدة بعد الواو لتوكيد النفي ، فيتعيّن حينئذ أن تكون ما نافية لا مصدريّة ، كما توهّم ابن مالك ، ويكون هذا من كلام الراويّ ، ومقوله (ص) : هو أحبّ الناس إلى. قال الدمامينيّ : وهذا ليس بقاطع ، إذ يحتمل أن تكون لا نافية ، وغيرهما منصوبا بمحذوف لا معطوفا على فاطمة. والمعنى لا استثني غيرها ، فيكون من كلامه (ع) ، ولا تعارض حينئذ بين رواية الطبرانيّ وتلك الرواية المتقدّمة.

الثاني : قال أبو حيّان وغيره : الأفعال الّتي يستثني بها لا تقع في المنقطع.

حكم المستثنى بغير : «و» المستثنى «بغير» ، وهي اسم ملازم للإضافة في المعنى ، ويجوز أن تقطع عنها لفظا ، إن فهم معناها ، وتقدّمت عليها كلمة ليس أو لا خلافا لابن هشام في منع وقوعها بعد لا وقد تقدّم الرّدّ عليه ، فليراجع.

يقال : قبضت عشرة ليس غيرها ، برفع غير على حذف الخبر أي مقبوضا ، وبنصبها على إضمار الاسم أيضا أي ليس المقبوض غيرها. وليس غير بالفتح من غير تنوين على إضمار الاسم أيضا ، وحذف المضاف إليه لفظا ونيّة ثبوته وليس غير بالضمّ من غير تنوين (١).

وقال المبرّد والمتأخّرون : إنّها ضمّة بناء لا إعراب ، وإنّ غير اشبهت بالغايات كقبل وبعد ، فعلى هذا يحتمل أن يكون اسما وأن يكون خبرا.

وقال الأخفش ، ضمّة إعراب لا بناء ، لأنّه ليس باسم زمان كقبل وبعد ، ولا مكان كفوق وتحت ، وعلى هذا فهو الاسم وحذف الخبر. وقال ابن خروف : يحتمل الوجهين ، وليس غيرا بالفتح والتنوين ، وليس غير بالضمّ والتنوين ، وعليهما فالحركة إعرابية ، لأنّ التنوين إمّا للتمكين ولا تلحق إلا المعربات ، وإمّا للتعويض ، فكأنّ المضاف إليه مذكور ، قاله ابن هشام في المغني.

والأصل في غير المضافة لفظا أن توصف بها النكرة نحو : (نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) [فاطر / ٣٧] ، أو معرفة كالنكرة نحو : (صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) [الحمد / ٦] ، فإنّ موصوفها وهو الّذين جنس لا قوم بأعيانهم ، وقد تخرج إلا عن الصفة وتضمّن معنى إلا ، فيستثني بها حملا عليها ، كما تخرج إلا عن الاستثناء ، وتضمّن معنى غير ، فيوصف بها وبتاليها جمع منكر ، نحو : (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا) [الأنبياء / ٢٢] ، أي غير الله ، أو معرف بأل الجنسية ، كقوله [من الطويل] :

__________________

(١) سقطت «وليس غير بالضمّ من غير تنوين» في «ح».

٤٠٦

٣٩٥ ـ أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة

قليل بها الأصوات إلا بغامها (١)

أي غير غامها أو شبه الجمع المنكر كقوله [من البسيط] :

٣٩٦ ـ لو كان غيري سليمى اليوم غيّره

وقع الحوادث إلا الصّارم الذكر (٢)

أي لو كان غيرى غير الصارم الذكر غيّره وقع الحوادث.

وتفارق إلا هذه غيرا بأنّه لا يجوز حذف موصوفها ، لا يقال : جاءني إلا زيد ، ويقال : جاءني غير زيد ، وبأنّه لا يوصف بها إلا حيث يصحّ الاستثناء بها فلا يصحّ عندي درهم إلا جيّد ، ويجوز : درهم غير جيّد.

«وسوى» بلغاتها ، فإنّه يقال : سوى كرضي ، وهي أشهرها ، وسوى كسما ، وسوى كهدي ، وسواء ككساء ، وهي أغربها ، وقلّ من ذكرها ، وممّن نصّ عليها ابن العلج وابن الخباز وابن عطية (٣) والفارسيّ.

قال ابن هشام في شرح اللمحة : والّذي يظهر من كلام النّحويّين أنّ الاستثناء بهذه اللغات مسموع ، وزعم ابن عصفور في شرح الجمل الصغير أنّه لم يشرب من هذه اللغات معنى الاستثناء إلا سوى المكسورة السين يعني المقصورة ، فإنّه هو وأكثرهم لم يذكروا الكسر مع المدّ. قال : فإن استثني بما سواها فبالقياس عليها ، انتهى.

قلت : وهي دعوى لم يقم عليها دليل ، وممّن نصّ على التسوية بينهما الزجّاج في الجمل وابن بابشاذ في شرحه. قال الزجاج : وأمّا سوى وسوى وسواء فإنّها تخفض على كلّ حال. وقال ابن بابشاذ في الشرح : وسوى وسوى وسواء يستثني بها كما يستثني بغير ، انتهى.

إعراب غير : «مجرور» وجوبا «بالإضافة» أي بإضافة المستثنى إليهما ، «وتعرب غير» بالاجماع إعراب المستثنى بإلا ، أي مثل اعرابه على التفضيل السابق فيه ، فتقول : قام القوم غير زيد. وما قام غير زيدا أحد ، بالنصب في الموضعين ، كما تقول : قام القوم إلا زيدا أو ما قام إلا زيدا أحد ، وتقول : ما قام غير زيد بالرفع ، كما تقول : ما قام إلا زيد. وتقول ما في الدار أحد غير حمار بالنصب وجوبا على لغة الحجازيّين. وبه أو بالرفع على لغة التميميّين ، كما تقول : ما في الدار أحد إلا حمارا بالنصب ، وجوبا على لغة أولئك ، و

__________________

(١) البيت لذي الرّمة. اللغة : انيخت : مجهول من أناخ أي أبركه ، ألقت : طرحت وأراد ببلدة الأولى صدرها وبالثانية الأرض ، البغام : إصاخه النافة بأرخم صوتها.

(٢) هو للبيد بن ربيعة العامري. اللغة : الصارم : السيف القاطع ، الذكر : أجود الحديد.

(٣) عبد الحق بن غالب بن تمام بن عبد الرؤوف بن عبد الله بن تمام بن عطية الغرناطيّ كان نحويّا لغويّا أدبيا وألّف : تفسير القرآن العظيم توفّي سنة ٥٤٦ ه‍ ق. بغية الوعاة ٢ / ٧٣.

٤٠٧

به أو بالرفع على لغة هولاء ، وتقول : ما زاد هذا المال غير النقص بالنصب وجوبا في لغة الجميع ، كما تقول : ما زاد هذا المال إلا النقص.

كذلك واختلف في ناصبها إذا وقعت منصوبة في غير تفريغ ، فقال ابن خروف : هو ما قبلها ، كما في الاسم الّذي بعد إلا ، وجعل ذلك دليلا على أنّه الناصب لما بعد إلا لا بإلا ، لأنّ إلا قد عدمت مع غير ، ووجد النصب ، واختاره ابن عصفور.

وقال الفارسيّ على الحال من المستثنى منه ، وفيهما معنى الاستثناء ، وصحّ ذلك ، لأنّ غيرا لا تتعرّف بالإضافة ، واختاره ابن مالك وقيل : على التشبيه بظرف المكان بجامع الإبهام واختاره ابن الباذش (١).

«وسوى كغير» معنى واعرابا «عند قوم» ، وهم الزجاجيّ وابن مالك ومن تبعهما ، وصحّح ابن مالك في أكثر كتبه هذا القول ، وبالغ في نصرته في شرح التسهيل مستدلّا بشواهد من الحديث وغيره نظما أو نثرا.

قال أبو حيّان : ولا سلف له في ذلك إلا الزجاجيّ ، ولا حجّة له في الشواهد الّتي استشهد بها ، أمّا الحديث فلما تقرّر غير مرّة لا يصحّ الاستشهاد به على القواعد النحويّة لاحتمال كونه مروى ا بالمعنى أو لحنا من الرّاويّ ، وأمّا الشعر فضرورة ، قال : وأقوي ما استدلّ به ما حكاه الفرّاء من قول بعض العرب : أتاني سواك ، وهو من الشذوذ بحيث لا يقاس عليه ، انتهى.

قال بعضهم : والاستشكال بما حكاه الفرّاء ليس ممّا نحن فيه ، فإمّا أن يقصد أنّ الخلاف لا يختصّ بحالة ، أو يقال : إنّه استثناء مفرّغ بالتأويل ، ويكون المعنى لم يتخلّف سواك ، فيكون ممّا نحن فيه ، انتهى.

الاستشهاد بالأحديث في النحو : فائدة : لأبي حيّان مع ابن مالك في الاستشهاد بالأحاديث مناقشة طويلة ، فإنّه قال في شرح التسهيل : لهج المصنّف ، يعني ابن مالك في تصانيفه كثيرا بالاستدلال بما وقع في الحديث في إثبات القواعد الكليّة في لسان العرب ، وما رأيت أحدا من المتقدّمين والمتأخّرين سلك هذه الطريقة غيره على أنّ الواضعين لعلم النحو الأولين كأبي عمر وعيسى بن عمرو والخليل وسيبويه من البصريّين ومعاذ (٢)

__________________

(١) اثنان من النّحويّين هما معروفان بابن الباذش : أحدهما أحمد بن على بن أحمد المعروف بابن الباذش النحوّي ابن النحوّي ، عارف بالآداب والإعراب ، إمام نحويّ متقدّم. مولده سنة ٤٧١ ه‍ وتوفّي سنة ٥٤٠ ه‍. بغية الوعاة ١ / ٣٣٨. والآخر على بن أحمد بن خلف وله : شرح كتاب سيبويه والمقتضب وشرح اصول ابن السراج وشرح الايضاح ، شرح الجمل. المصدر السابق ٢ / ١٤٢.

(٢) معاذ الهراء (ت ٨٠٣) : لغوي من أهل الكوفة ، يقال أنّه هو الّذي وضع علم الصرف ، المنجد في الأعلام. ص ٥٣٦.

٤٠٨

والكسائي والفرّاء وعلى بن المبارك الأحمر (١) وهشام الضرير (٢) من الكوفيّين لم يفعلوا ذلك.

وتبعهم على ذلك المتأخّرون من الفريقين وغيرهم من نحاة الأقاليم كنحاة البغداد والأندلس ، وجرى الكلام في ذلك مع بعض الأذكياء فقال : إنّما تنكّبت العلماء ذلك لعدم وثوقهم بأنّ ذلك لفظ النبي (ص) لأمرين :

أحدهما : إنّ الراوة جوّزوا النقل بالمعنى ، فلهذا نجد القصّة ، قال فيها لفظا واحدا ، فنقل بألفاظ بحيث نجزم بأنّه (ص) لم يقل جميعها ، نحو ما روى من قوله (ص) : زوّجتكها بما معك من القرآن (٣) ، أمسكها بما معك ، خذها بما معك ، وغير ذلك ممّا ورد من ذلك ، فيعلم قطعا أنّه لم يلفظ بالجميع بل لا يجزم بالبعض ، بل يجوز أنّه قال : لفظا غيرها مرادفا لها ، لا سيّما مع تقادم الزمان والاتّكال على الحفظ ، فالضابط منهم من ضبط المعنى ، وأمّا من ضبط اللفظ فبعيد ، لا سيّما في الأحاديث الطوال (٤) الّتي لم يسمعها الرواة إلا مرّة.

الثاني : أنّه وقع اللحن كثيرا في الحديث ، لأنّ كثيرا من الرواة كانوا غير عرب بالطبع ، ولا يعلمون لسانهم بصناعة النحو ، ورسول الله (ص) كان أفصح الناس ، وإذا تكلّم بلغة غير لغة أهله ، فإنّما ذلك مع أهل تلك اللغة على طريق الإعجاز وتعلى م الله تعالى. ثمّ قال : والمصنّف أكثر من الاستدلال بما في الأثر متعقّبا بزعمه على النّحاة ، وما أمعن النظر في ذلك ، ولاصحب من له التمييز في هذا الفن ، ولذلك يضعف استنباطه من كلام سيبويه ، انتهى.

وأجاب بعضهم بالمعارضة بأنّ تطرّق الاحتمال الّذي يوجب سقوط الاستدلال بالحديث ثابت في أشعار العرب وكلامهم ، فيجب أن لا يستدلّ بها أيضا ، وهو خلاف الإجماع ، قال : والاستدلال بالحديث أنّما يسقط إذا أثبت المنكر أنّ الحديث المستدلّ به ليس من لفظه (ع) ، وإن لفظه كان كذا ، وأنّ الراويّ غيره ، انتهى.

__________________

(١) علي بن المبارك المعروف بالأحمر شيخ العربية وصاحب الكسائي أحد من اشتهر بالتقدّم في النحو وحافظ أربعين ألف شاهد في النحو. مات سنه ١٩٤ ه‍ ق ، بغية الوعاة ٢ / ١٥٩.

(٢) هشام بن معاوية الضرير أبو عبد الله النحويّ الكوفيّ ، صنف : مختصر النحو ، الحدود ، القياس ، توفي سنة ٢٠٩ ه‍ ق. المصدر السابق ص ٣٢٨.

(٣) الترمذي ، ٥ / ٥٩٩ ، رقم ٣٧٣١.

(٤) سقط الطوال في «س».

٤٠٩

وأجاب الشيخ سراج الدين البلقينيّ (١) بأنّ ابن مالك لا يذكر ما يذكره من الأحاديث للإثبات ، بل للاعتضاد بأنّه يجد الشواهد من كلام العرب لما يقوله فيأتي بالحديث للاعتضاد لا لإثبات قاعدة نحويّة بمجرّد ذلك.

وأجاب ابن خلدون بأجوبة أحسنها أنّ تدوين الأحاديث كان في الصدر الأوّل قبل فساد العربيّة ، فالتبديل على تقدير ثبوته أنّما كان ممّن يسوغ الاحتجاج بكلامه ، وغايته تبديل لفظ يصحّ الاحتجاج به بلفظ كذلك ، انتهى. وبقي للبحث مع أبي حيّان مجال لا يتّسع له المقام.

«وظرف» للمكان بمعنى وسط غير متصرّف «عند» قوم «آخرين» ، وهم سيبويه والجمهور ، واستدلّوا بوصل الموصول بها ، نحو : جاء الّذي سواك ، فليست سوى هاهنا بمعنى غير ، لأنّ غيرا لا تدخل هاهنا إلا والضمير قبلها. يقولون : جاء الّذي هو غيرك ، فلمّا وصلوا سوى بغير ضمير ادّعي أنّها ظرف ، والتقدير جاء الّذي استقّر مكانك.

قالوا : ولا تخرج من النصب على الظرفيه إلا في الشعر كقوله [من الهزج] :

٣٩٧ ـ ولم يبق سوى الع ...

دوان دنّاهم كما دانوا (٢)

وصحّح هذا القول ابن الحاجب وابن مالك في سبك المنظوم مصرّحا بتضعيف القول بأنّها كغير ، وذهب الرمانيّ وأبو البقاء العكبري إلى أنها تستعمل ظرفا كثيرا وغير ظرف قليلا ، وقال ابن هشام في الأوضح : وإلى هذا أذهب ، وقال المبرّد : إنّه أقرب الأقوال ، ففي المسألة ثلاثة أقوال.

أدوات الاستثناء : تنبيه : تلخّص أنّ أدوات الاستثناء أربعة أنواع : حرف دائما ، وهو إلا ، واسم دائما وهو غير وسوى ، وفعل دائما ، وهو ليس ولا يكون ، ومتردّد بين الفعلية والحرفيّة ، وهو خلا وعدا وحاشا. وقد ذكروا أيضا من أدواته بيد بفتح الباء الموحدة وميد بإبدالها ميما ، وهي في الاستثناء المنقطع مضافا إلى أن وصلتها ، ومنه الحديث : نحن الأخرون السابقون بيد أنّهم أوتوا الكتاب من قبلنا (٣).

__________________

(١) عمر بن رسلان البلقيني سراج الدين ، مجتهد حافظ للحديث ، من كتبه «التدريب» و «تصحيح المنهاج» و... مات سنة ٨٠٥ ه‍ ق. الأعلام للرزكلي ، ٥ / ٢٠٥.

(٢) هو للفند الزماني (شهل بن شيبان) من كلمة يقولها في حرب البسوس ، اللغة : دنّاهم : جازيناهم وفعلنا بهم مثل الّذي فعلوا بنا من الإساءة.

(٣) يروى نحن الأخرون السابقون يوم القيامة ... صحيح البخاري ، ١ / ٤٠٩ ، رقم ٨٢٥. وصحيح مسلم ، ٢ / ٨ برقم ٢١.

٤١٠

وفي مسند الشافعي بايد أنّهم. وفي الصحاح بيد بمعنى غير ، يقال : إنّه كثير المال بيد أنّه بخيل ، وفي المحكم (١) أنّ هذا المثال حكاه ابن السكيت ، وأنّ بعضهم فسّرها بمعنى على ، وأنّ تفسيرها بمعنى غير أعلى ، انتهى.

وقد تستعمل بمعنى من أجل ، ومنه الحديث : أنا أفصح من نطق بالضاد ، بيد أنّي من قريش ، واسترضعت في بني سعد بن بكر (٢). قال ابن مالك وغيره : إنّها هنا بمعنى غير أيضا على حدّ قوله [من الطويل] :

٣٩٨ ـ ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم

بهنّ فلول من قراع الكتائب (٣)

وأنشد أبو عبيدة على مجيئها بمعنى من أجل قوله [من الرجز] :

٣٩٩ ـ عمدا فعلت ذلك بيد أنّي

أخاف إن هلكت أن ترنّي (٤)

والمشهور أنّها اسم مطلقا ، وقال ابن مالك في التوضيح : والمختار عندي في بيد أن تجعل حرف استثناء ، انتهى. وقال الدمامينيّ : ولم يقم دليل ظاهر على الاسميّة ، انتهى.

وعدّوا من أدواته أيضا ، سيّما بعد لا ، فما بعدها مستثني عند الكوفيّين والنحاس والزجّاج والفارسيّ ، ومنع بعضهم كونه مستثني وكونها من أدوات الاستثناء ، وقد مرّ الكلام على ذلك في شرح الديباجة مستوفيا ، وقد يليها ظرف ، كقولك : يعجبني الاعتكاف لا سيّما عند الكعبة ، ولا سيّما إذا قرب الصبح ، ومنه قوله [من الطويل] :

٤٠٠ ـ يسرّ الكريم الحمد لا سيّما لدي

شهادة من في خيره يتقلّب (٥)

أو جملة فعلية كقوله [من المتقارب] :

٤٠١ ـ فق النّاس في الخير لا سيّما

ينيلك من ذي الجلال الرّضا (٦)

أو جملة شرطيّة كقول [من الطويل] :

٤٠٢ ـ أري النيك يجلوا الهمّ والغمّ والعمى

ولا سيّما إن نكت بالمرس الضّخم (٧)

وقد يحذف ما بعدها ، وينقل من معناها الأصليّ إلى معنى خصوصا ، فتكون منصوبة المحلّ على أنّه مفعول مطلق مع بقاء النصب الّذي كان لها في الأصل ، حين

__________________

(١) المحكم والمحيط الأعظم في اللغة لابن سيدة اللغوي المتوفى سنه ٤٥٨ ه‍ ق. كشف الظنون ٢ / ١٦١٦.

(٢) هذا الحديث مع كثرة شهرته في الكتب النحويّة لا يوجد في كتب الحديث.

(٣) هو للنابغة الذبياني. اللغة : الفلول : جمع فل : وهو كسر في حدّ السيف ، القراع : المضاربة ، الكتائب : جمع كتيبه ، وهي الطائفة المجتمعة من الجيش.

(٤) لم يسمّ قائله. اللغة : ترنيّ : من الرنين بمعنى الصوت.

(٥) لم يسمّ قائله.

(٦) لم يسمّ قائلة. اللغة : فق : أمر مخاطب من فاق ا الشيء : علاه ، ويقال : فاق أصحابة : فضلهم وصار خيرا منهم.

(٧) لم يسمّ قائله. اللغة : المرس : جمع المرسة : الحبل.

٤١١

كانت اسم لا التبرئة ، فإذا قلت : أحبّ زيدا ولا سيّما راكبا أو على الفرس ، فهي بمعنى وخصوصا راكبا ، فراكبا حال من مفعول الفعل المقدّر ، أي : وأخصّه بزيادة المحبّة خصوصا راكبا ، وكذا في لا سيّما وإن ركب ، أي : خصوصا إن ركب ، خصّه بزيادة المحبّة وفي لا سيّما وهو راكب ، والواو للحال.

ومنع بعضهم من هذا التركيب وقال : إنّه غير عربيّ ، بل من كلام المولّدين ، وقد تخفّف الياء من لا سيّما كقوله [من البسيط] :

٤٠٣ ـ فه بالعقود وبالأيمان لا سيّما

عقد وفاء به من أعظم القرب (١)

وهل المحذوف الياء الأولى ، وهي العين ، أو الثانية ، وهي اللام؟ خلاف اختار ابن الجنيّ الثاني ، وأبو حيّان الأوّل ، وقد يقال : لا سواء ما مقام لا سيّما.

باب الاشتغال

ص : الثاني : المشتغل عنه العامل ، إذا اشتغل عامل عن اسم مقدّم بنصب ضميره أو متعلّقه كان لذلك الاسم خمس حالات :

* فيجب نصبه بعامل مقدّر ، يفسّره المشتغل إذا تلي ما لا يتلوه إلا فعل كأداة التخصيض ، نحو : هلّا زيدا أكرمته ، وكأداة الشرط ، نحو : إذا زيدا لقيته فأكرمه.

* ورفعه بالابتداء إذا تلي ما لا يتلوه إلا اسم : كإذا الفجائيّة ، نحو : خرجت فإذا زيد يضربه عمرو ، أو فصّل بينه وبين المشتغل ما له الصدر ، نحو : زيد هل رأيته.

* ويترجّح نصبه إذا تلي مظأنّ الفعل ، نحو : أزيدا ضربته ، أو حصل بنصبه تناسب الجملتين في العطف ، نحو : قام زيد وعمرا أكرمته ، أو كان المشتغل فعل طلب ، نحو : زيدا اضربه.

* ويتساوى الأمران إذا لم تفت المناسبة في العطف على التقديرين ، نحو : زيد قام وعمرا أكرمته. فإن رفعت فالعطف على الاسميّة ، أو نصبت فعلى الفعلية.

* ويترجّح الرفع فيما عدا ذلك لأولويّة عدم التقدير ، نحو : زيد ضربته.

ش : الثاني ممّا يرد منصوبا وغير منصوب «المشتغل عنه العامل» ، وهو اسم بعده عامل متصرّف ناصب لضميره أو متعلّقه بواسطة أو غيرها ، ويكون ذلك العامل بحيث

__________________

(١) لم يسمّ قائله. اللغة : فه : فعل أمر من وفي ، والهاء للسكت وإثباتها في الوصل ضرورة.

٤١٢

لو فرغ من ذلك المعمول وسلّط على الاسم لنصبه ، إذا تقرّر هذا فنقول : «إذا اشتغل عامل» فعلا كان أو ما يعمل عمله.

قال ابن الصائغ : ولا يدخل في هذا الباب إلا اسم الفاعل والمفعول دون الصفة المشبهة والمصدر واسم الفعل والحرف ، لأنّه لا يعمل شيء منها فيما قبله عن نصب اسم متقدّم عليه «بنصب ضميره» ، أي ضمير ذلك الاسم ، بمعنى أنّ العامل لم ينصب الاسم المقدّم عليه بسبب نصبه لضميره «أو متعلّقه» ، أي متعلّق الاسم أو متعلّق ضميره ، فلولا ذلك لعمل فيه ، فيفهم منه أنّه ليس هناك مانع لفظيّ أو معنويّ ، بل هو بحيث لو سلّط عليه ، ولم يشتغل بما ذكر لنصبه مع بقاء المعنى الحاصل بالرفع لا محالة.

فظهر أنّه لا حاجة إلى ما زاده ابن الحاجب في الكافية من قول بحيث لو سلّط عليه هو أو مناسبه لنصبه (١) ، والتعلّق يكون بوجوه كثيرة ككون الاسم مضافا إليه ، نحو : زيدا ضربت غلامه ، ومنه نحو : زيدا ضربت عمرا وأخاه ، لأنّ الفعل مشتغل بالمضاف ، لكن بواسطة العطف أو موصوفا لعامل ذلك الضمير أو موصولا له ، نحو : زيدا ضربت رجلا يحبّه ، وزيدا ضربت الّذي يحبّه ، أو معطوفا عليه موصوف عامل الضمير ، أو موصوله ، نحو : زيدا لقيت عمرا ورجلا يضربه ، وزيدا لقيت عمرا والّذي يضربه أو غير ذلك من المتعلّقات. وضابط التعلّق أن يكون ضمير المنصوب من تتمّة المنصوب بالمفسّر ، قاله الرضيّ.

حالات الاسم المشتغل عنه : «كان لذلك الاسم» المشتغل عنه العامل «خمس حالات» : وجوب نصبه ، ووجوب رفعه ، ورجحان نصبه على رفعه ، وتساوي الأمرين ، ورجحان رفعه على نصبه.

«فيجب نصبه بعامل مقدّر» وجوبا «يفسّره» العامل «المشتغل» عنه بنصب ضميره أو متعلّقه ، ولذلك وجب تقديره ، لأنّ المفسّر المتأخّر عوّض عنه ، ولا يجمع بين العوض والمعوّض ، ويجب أن يكون مقدّما على الاسم ، لئلّا يلزم مخالفة الأصل من وجهين : الحذف ووضع الشيء في غير محلّه ، إلا أن يمنع مانع ، فيقدّر مؤخّرا ، نحو : أيّهم رأيته ، إذ لا يعمل في الاستفهام ما قبله ، ولكون المفسّر المذكور دليلا على المقدّر كأنّ الأصل أن يكون المقدّر من لفظ المفسّر ، ومعناه كزيدا ضربته أي ضربت زيدا ضربته (٢) ، إلا إذا حصل مانع صناعيّ ، كما في زيدا مررت به ، أو زيدا حبست عليه ، أو معنويّ ، كما في

__________________

(١) من فظهر حتى هنا سقطت في «س».

(٢) سقط ضربته في «ح».

٤١٣

زيدا ضربت غلامه ، فيقدّر ما يناسبه بالترادف أو باللزوم ، إذ تقدير المذكور يقتضي في الأولين تعدّي القاصر بنفسه ، وفي الثالث خلاف الواقع إذ الضرب لم يقع بزيد ، فوجب أن يقدّر في الأوّل جاوزت ، لأنّ مررت بعد تعديته بالباء بمعنى جاوزت ، وفي الثاني لابست ، لأنّ حبس الشيء يستلزم ملابسته للمحبوس عليه ، وفي الثالث أهنت ، فإنّ ضرب الغلام يستلزم إهانة سيده بحسب العادة.

قال ابن هشام : وليس المانعان مع كلّ متعدّ بالحرف ، ولا كلّ سييّ ، ألا ترى أنّه لا مانع في نحو : زيد شكرت له ، لأنّ شكر يتعدّي بالجارّ وبنفسه ، ونحو : يوم الجمعة صمت فيه ، لأنّ العامل لا يتعدّي إلى ضمير الظرف بنفسه ، مع أنّه يتعدّي إلى الظاهر بنفسه ، وكذلك لا مانع في زيد أهنت أخاه ، لأنّ إهانة أخيه إهانة له بخلاف الضرب ، انتهى.

تنبيه : ما ذهب إليه من أنّ الناصب عامل مقدّر هو مذهب البصريّين والجمهور ، وقيل : هو العامل المذكور ، وهو مذهب الكسائيّ وتلميذه الفرّاء ، ثمّ اختلفا ، فقال الكسائيّ : هو عامل في الظاهر ، والضمير ملغي ، وقال الفرّاء : عامل فيهما ، لأنّهما في المعنى كشيء واحد ، ويرد عليهما أزيدا مررت به.

وإنّما يجب نصبه «إذا تلا ما لا يتلوه إلا فعل كأدوات التحضيض» بحاء مهملة وضادّين معجمتين ، وهي أربعة : هلّا بتشديد اللام ، وهي أشهرها ، ولذلك مثّل بها فقال : «نحو هلّا زيدا أكرمته» ، إلا بتشديد اللام أيضا ، ولو لا ولوما.

وإنّما قال : كأدوات التحضيض لعدم انحصاره ما يتلوه إلا فعل فيهما ، إذ مثّلها أدوات الاستفهام غير الهمزة ، نحو : هل زيدا رأيته؟ ومتى عمرا لقيته؟ وأدوات الشرط غير أمّا ، نحو : إن زيدا لقيته فأكرمه ، إلا أنّ هذين النوعين أعني أدوات الاستفهام والشرط ، لا يقع الاشتغال بعدهما إلا في الشعر ، وأمّا في النثر فلا يليها إلا صريح الفعل ، فلا يجوز : متى عمرا لقيته؟ وحيثما زيدا لقيته فأكرمه ، إلا إذا كانت أداة الشرط إذا مطلقا ، أو إن ، والفعل ماض ، فيقع في نثر الكلام ، «نحو : إذا زيدا لقيته أو تلقاه فأكرمه» ، وإن زيدا لقيته فأكرمه ، ويمتنع في نثر الكلام (١) إن زيدا تلقه فاكرمه ، ويجوز في الشعر ، قاله في الأوضح.

تنبيهات : الأوّل : قيل : عبارة المصنّف أولى من عبارة ابن الحاجب في الكافية ، حيث قال : ويجب النصب بعد حرف الشرط وحرف التحضيض لوجهين : الأوّل لشمولها

__________________

(١) سقطت «يمتنع في نثر الكلام» في «ح».

٤١٤

ظرف الزمان المستقبل ، نحو : آتيك يوم زيدا تلقاه ، والثاني لخروج أمّا عنها ، وهي من حروف الشرط ، ولا يجب النصب بعدها.

الثاني : إنّما استثنيت الهمزة من أدوات الاستفهام ، لأنّها قد تلي الفعل لما سيأتي ، وإمّا من أدوات الشرط ، لأنّ شرطها فعل لازم واجب الحذف غير مفسّر بشيء ، فلا يكون من هذا الباب ، وتقديره إمّا يكن من شيء ، قاله الرضي.

الثالث : قد يضمر مطاوع الظاهر ، فيرفع الاسم ، كقوله [من الكامل] :

٤٠٤ ـ لا تجزعي إن منفسا أهلكته

وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي (١)

التقدير إن هلك منفس أهلكته ، لأنّ هلك مطاوع أهلكته ، يقال : أهلكته فهلك ، ويروى إن منفسا أهلكته ، بالنصب على تقدير أهلكته منفسا أهلكته.

الرابع : ذهب الكوفيّون إلى جواز دخول إذا في الجملتين الفعلية والاسميّة ، إذا كان الخبر فعلا كإذ ، وعن الأخفش والكسائيّ موافقتهم فيهما ، وفي أنّ أيضا بالشرط المذكور ، في الإرتشاف أن سيبويه يجيز أن يرتفع الاسم بالابتداء بعد إذا الشرطية ، وأدوات الشرط ، إذا كان الخبر فعلا ، وفي شرح الكافية للرضيّ إنّ الخلاف المذكور يطّرد في كلّ حرف لا يليه إلا الفعل ، كلو ، نحو : لو ذات سوار لطمتني ، وهلّا ، نحو : هلّا زيد قام ، فعلى هذا يجوز الرفع في المسائل المذكورة كلّها.

«و» يجب «رفعه بالابتداء إذا تلي ما لا يتلوه إلا اسم ، كإذا الفجائيّة» على الأصحّ «نحو : خرجت فإذا زيد يضربه عمرو» ، هذا ما ذكره ابن مالك والرضيّ ، وصحّحه ابن هشام بناء على أنّ إذا لا يليه إلا الجملة الاسميّة ، وبه صرّح المصنّف في حديقة المفردات.

ويقابل الأصح قولان : أحدهما : جواز النصب مطلقا ، قيل : وهو ظاهر كلام سيبويه ، وعليه مشي ابن الحاجب في كافيته ، قال ابن هشام : ومن العجب أنّه أجاز ذلك فيها مع قوله فيها في بحث الظروف ، وقد تكون للمفاجاة ، فيلزم المبتدأ بعدها ، انتهى.

الثاني : التفضيل ، وهو جواز النصب إن اقترن الفعل بقد ، ومنعه إن لم يقترن بها ، وهو مذهب الأخفش ، وتبعه ابن عصفور ، وذلك أنّ الأخفش نقل من العرب أنّ الفعل إذا كان مقرونا بقد ، جاز أن يقع بعد إذا الفجائيّة ، لأنّ العرب أجرت المقرون بقد مجرى الجملة الاسميّة في دخول واو الحال عليه.

__________________

(١) هو للنمر بن تولب. اللغة : المنفس : المال الكثير ، وهو الشيء النفيس الّذي يضنّ أهله به.

٤١٥

ووجّهه في المغني بأنّ التزام الاسميّة مع إذا هذه أنّما للفرق بينهما وبين إذا الشرطية المختصّة بالفعلية ، فإذا اقترنت بقد حصل الفرق بذلك ، إذ لا تقترن الشرطيّة بها ، وبنقل الأخفش المذكور ، خطّأ أبو حيّان ابن مالك في تخطئة سيبويه في تجويزه الاشتغال في نحو : خرجت فإذا زيد ضربه عمرو ، قال : بل يحمل كلامه على هذه الصورة الخاصّة ، وهي ما إذا اقترن الفعل بعدها بقد.

قال بعضهم : وعلى ذلك يحمل كلام ابن الحاجب أيضا في تجويزه الاشتغال بعدها ، وعلى هذا فيكون المراد في قوله في باب الظروف ، فيلزم المبتدأ بعدها اللزوم فيما إذا لم يكن بعدها قد ، وبذلك يندفع تعجّب ابن هشام وتغليط بعض شرّاح الكافية من جهلة العجم له ، كما يندفع على تقدير حمل اللزوم ثمّة على الغلبة ، كما وقع لبعض الشّرّاح ، أو على تقدير حمله على غير صورة الاشتغال ، كما وقع لبعض آخر ، ولقد تمثّلت على لسان ابن الحاجب عند وقوفي على تغليط هذا العجمي له بقول الشاعر [من الوافر] :

٤٠٥ ـ فلو أنّي بليت بهاشميّ

خوولته بنو عبد المدان

لهان على ما ألقى ولكن

تعالوا فانظروا بمن ابتلاني (١)

وإنّما قال المصنّف كإذا لعدم انحصار ما لا يتلوه إلا اسم فيها.

قال ابن هشام في الجامع الصّغير (٢) : ويجب الرفع في نحو : ليتما زيد أضربه ، لامتناع الفعل ، قال شارحه : وذلك بناء على أنّ ليت إذا دخلت عليها ما الحرفيّة لا تزيلها عن الاختصاص بالجمل الاسميّة ، فلو نصبت زيدا بفعل مضمر على الاشتغال لكنت قد أزلتها عن الاختصاص ، ولو نصبته على إعمالها ، وجعلت جملة «أضربه» خبرها جاز ، وأجاز ابن أبي الربيع انتصابه على الاشتغال (٣) ، كما في : إنّما زيدا أضربه بناء على زوال الاختصاص في المعنى ، والصواب انتصابه بليت ، لأنّه لم يسمع ليتما قام زيد ، كما سمع إنّما قام زيد ، انتهى.

«أو فصل بينه» أي الاسم «وبين» العامل «المشتغل» عنه «ما له الصدر» أي صدر الكلام ، لأنّه يمنع أن يعمل ما بعده فيما قبله لمنافاة ذلك الصدارة ، وذلك كالاستفهام والشرط والعرض والتحضيض وإنّ وأخواتها سوى أنّ المفتوحة فلا صدارة ، لكن لا يعمل ما بعدها فيما قبلها ، لكونه حرفا مصدريّا وكألا للتمنّي ولام الابتداء وكم وما وإن النافيتين ، نحو : زيد هل رأيته ، وزيد كم تضربه ، وزيد إن ضربته ضربك ، و

__________________

(١) لم يسمّ قائلها ، وجاء البيتان في مجمع الامثال في ضمن «لو ذات سوار لطمتني» اللغة : الخؤولة : جمع الخال.

(٢) الجامع الصغير في النحو لجمال الدين عبد الله بن يوسف بن هشام النحوي المتوفى سنة ٧٦٣ ه‍. كشف الظنون ١ / ٥٦٤.

(٣) سقطت جملة أجاز ابن أبي الربيع انتصابه على الاشتغال في «س».

٤١٦

زيد من يضربه أضربه ، وزيد ألا تضربه ، وزيد هلّا ضربته ، وزيد إنّي ضربته ، وزيد ألا رجل يضربه ، وزيد لعمرو يضربه ، وزيد كم ضربته ، وزيد ما ضربته ، أو إن ضربته.

قال ابن مالك : وإجراء التحضيض والعرض والتمنّي بألا مجرى الاستفهام في منع تأثير ما بعدها في ما قبلها هو مذهب المحقّقين من العارفين بكتاب سيبويه ، وقد عكس قوم الأمر ، فجعلوا توسّط التحضيض وأخويه قرينة يرجّح بها النصب الاسم السابق ، وممّن ذهب إلى هذا أبو موسى الجزوليّ ، وهو ضدّ مذهب سيبويه.

تنبيهات : الأوّل : يجب رفع الاسم في مسائل أخر :

أحدها : أن يكون العامل صلة أو مشبها بها ، فالأوّل نحو : زيد الّذي ضربته ، لأنّ الصلة لا تعمل فيما قبل الموصول والثاني نحو : (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ) [القمر / ٥٢] ، وزيد يوم تراه يفرح ، فإنّ العامل في الأوّل صفة ، وفي الثاني مضاف إليه ، وكلّ منهما شبية بالصلة في تتميم ما قبله ، فالصفة لا تعمل في موصوفها ولا فيما أضيفت إليه ، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف ، وما لا يعمل لا يفسّر عاملا.

الثانية : أن يكون العامل مسندا إلى الاسم المتقدّم المتّصل ، نحو : زيد ظنّه ناجيا بمعنى ظنّ نفسه ، فلا يجوز نصب الاسم بمقدر يفسّره العامل المشتغل لعدم صحّة عمله فيه ، إذ لا يوقع فعل فاعل مضمر متّصل على مفسّره الظاهر ، لأنّه يلزم منه تفسير المفعول الفاعل ، وهو ممتنع في جميع الأبواب ، أمّا لو رفع فالتركيب صحيح ، إذ ليس فيه إلا ايقاع فعل المضمر المتّصل ، وذلك جائز في باب ظنّ.

الثالثة : أن يكون العامل تإلى استثناء ، نحو : ما زيد إلا يضربه عمرو. قال الرضيّ : وذلك أنّ ما بعد إلا من حيث الحقيقة من جملة مستأنفة ، لكن صيّرت الجملتان في صورة جملة قصدا للاختصار ، فاقتصر على عمل ما قبل إلا فيما يليها فقط ، ولم يجوز عمله في ما بعد ذلك على الأصحّ ، فكيف يصحّ أن يعمل ما بعدها فيما قبلها ، ومثّل هذا العمل فيما هو جملة واحدة خلاف الأصل ، لأنّ الأصل في العامل أن يتقدّم على معموله ، انتهى.

الرابعة : أن يكون العامل جامدا ، نحو : زيدا ما أحسنه ، لأنّ الجامد لا يعمل فيما قبله.

[التنبيه] الثاني : قال ابن هشام وغيره : ليس من مسائل الباب ما يجب رفعه لعدم صدق حدّ المشتغل عنه العامل عليه ، لأنّه يعتبر فيه كما تقدّم أن يكون الاسم المتقدّم بحيث لو فرغ العامل من الضمير وسلّط عليه لنصبه ، وما يجب رفعه ليس بهذه الحيثيّة ، وإنّما ذكره من ذكره لتمام القسمة ، لا يقال فيشكل حينئذ عدّ المصنّف المشتغل عنه

٤١٧

العامل فيما يرد منصوبا وغير منصوب ، لأنّا نقول : جواز رفعه في بعض الصور يكفي في إدخاله في هذا النوع.

المواضع الّتي يترجّح فيها نصبه : «ويترجّح نصبه» بعامل مقدّر يفسّره العامل المشتغل على رفعه بالابتداء إن «تلا مظانّ الفعل» ، [المظانّ] جمع مظنّة بكسر الظاء ، وهي موضع ظنّ الشيء ومعدنه ، مفعلة من الظنّ ، وكان القياس فتح الظاء ، وإنّما كسرت لأجل الهاء ، قاله في النهاية ، والمراد مواقع الفعل الّتي لها مزيد اختصاص به ، وذلك بعد الهمزة الاستفهاميّة «نحو : أزيدا ضربته؟» فترجّح نصب زيدا بفعل محذوف يفسّره المذكور ، ولأنّ الغالب في الهمزة أن تدخل على الأفعال.

وإنّما لم يجب دخولها عليها كباقي أخواتها ، لأنّها أمّ الباب ، وهم يتوسّعون في أمهات الأبواب ما لم يتوسّعوا في غيرها ، وبعد ما أو لا أو إن النافية ، نحو : ما زيدا أو لا زيدا أو إن زيدا رأيته ، فترجّح النصب ، لأنهم شبّهوا أحرف النفي بأحرف الاستفهام في أنّ الكلام معها غير موجب ، وبعد حيث مجرّدة عن ما نحو : حيث زيدا تلقاه فأكرمه ، لأنّها تشبه أدوات الشرط ، فلا يليها في الغالب إلا فعل.

تنبيهات : الأوّل : إذا فصّلت الهمزة من الاسم فالمختار الرفع ، نحو : أأنت زيدا تضربه ، إلا في نحو : أكلّ يوم زيدا تضربه ، لأنّ الفصل بالظرف كلا فصل ، وقال ابن الطراوة : إن كان الاستفهام عن الاسم فالرفع [مختار] نحو : أزيد ضربته أم عمرو ، وحكم بشذوذ النصب في قوله [من الوافر] :

٤٠٦ ـ أثعلبة الفوارس أم رياحا

عدلت بهم طهيّة والخشابا (١)

وقال الأخفش : أخوات الهمزة كالهمزة في ترجيح النصب ، نحو : أيّهم زيدا ضربه؟ ومن أمة الله ضربها؟ قاله [ابن هشام] في الأوضح.

الثاني : ما ذكرناه من ترجّح النصب بعد حروف النفي المذكورة هو ما ذكره ابن مالك وابن عصفور ، وزعما أنّه مذهب الجمهور ، قيل : وظاهر قول سيبويه اختيار الرفع ، لأنّه قال بعد أن ذكر النصب فيه : وإن شيءت رفعت ، والرفع فيه هو الأقوي ، وقال الرضيّ : جعل سيبويه الرفع بعد حروف النفي أحسن منه بعد الهمزة ، وذلك لأنّ الجملة مع الهمزة تصير طلبيّة ، وكون الطلبيّة فعلية أولى إن أمكن ، ولا تصير مع حرف النفي طلبيّة ، انتهى.

__________________

(١) البيت لجرير. اللغة : طهية والخشاب قبيلتان أو حيان من تميم.

٤١٨

الثالث : غير حروف النفي الثلاثة كلم ولمّا ولن ، وليست مثلها ، إذ لا يقدر معمولها ، وهو الفعل لضعفها عن العمل ، فلا يقال : لم زيدا تضربه ، ولا لن بكرا تقتله إلا في الضرورة ، كقوله [من الطويل] :

٤٠٧ ـ ظننت فقيرا ذا غنيّ ثمّ نلته

فلم ذا رجاء ألقه غير واهب (١)

أراد فلم ألق ذا رجاء ألقه.

«أو حصل بنصبه تناسب جملتين في العطف» ، وذلك إذا كانت الجملة المعطوف عليها فعلية ، فينصب الاسم بفعل مقدّر يفسّره المذكور ، فتكون الجملة فعلية ، ويحصل تناسب الجملتين المتعاطفين ، «نحو : قام زيد وعمرا أكرمته» ، فيترجّح نصب عمرا على رفعه لحصول تناسب الجملتين به ، لأنّ تناسب الجملتين المعطوفة إحداهما على الأخرى أحسن من تخالفها ، كذا قالوا.

قال الدمامينيّ : وهذا ممّا يدلّ صريحا على جواز التخالف بالاسميّة والفعلية ، وقد حكى قولان في المسألة بخلاف ذلك ، الأوّل : المنع مطلقا ، حكى عن ابن جنيّ ، والآخر : أنّه يجوز في الواو فقط ، نقل ذلك أبو الفتح عن شيخه أبي على الفارسيّ في سرّ الصناعة (٢) ، انتهى. وقال ابن هشام في شرح اللمحة : وقضية القول بالمنع مطلقا إيجاب النصب هنا ، لكنّي لم أره منقولا عن أحد.

تنبيهات : الأوّل : جرت عادة النّحاة بأن يذكروا العطف على الفعلية من مرجّحات النصب بالنسبة إلى المعطوفة في باب الاشتغال ، كما ذكر ، ولم يذكروا مثل ذلك بالنسبة إلى المعطوف عليها في نحو : زيدا أكرمته وضربت عمرا ، ولا فرق ، نبّه عليه ابن هشام في المغني.

الثاني : إذا فصل العاطف من الاسم بأمّا ، نحو : ضربت زيدا وأمّا عمرو فأهنته ، ترجّح الرفع بالابتداء ، لأنّ أمّا تقطع ما بعدها عمّا قبلها لكونها من الحروف الّتي يبتدأ بها الكلام.

الثالث : حتى ولكن وبل كالعاطف فيما تقرّر ، نحو : ضربت القوم حتى زيدا ضربته ، وما رأيت زيدا ولكن عمرا رأيت أباه ، وما أكرمت زيدا بل عمرا أكرمته ، وإنّما لم يكن للعطف ، لأنّ الاسم المنصوب في باب الاشتغال لا بدّ أن يكون بعض جملة ،

__________________

(١) لم يسمّ قائله.

(٢) سر الصناعة وأسرار البلاغة لأبي على محمد بن حسن الحاتمي المتوفى سنة ٣٨٨ ه‍ ق. ولابن جنيّ أبي الفتح عثمان المتوفى سنة ٣٩٢ في الحروف المفرده. المصدر السابق ٢ / ٩٨٨.

٤١٩

وهي إنّما يعطف بها المفرد لا الجملة ، وهي هنا حروف ابتداء مترلة العاطف في إعطاء حكمه.

«أو كان» العامل «المشتغل فعل طلب» ، أي فعل يفهم معنى الطلب ، فإضافة الفعل إلى الطلب بهذا الاعتبار والمراد به هنا الأمر والنهي والدعاء ، «نحو : زيدا اضربه» ، وعمرا ليضربه بكر ، وخالدا لا تهن ، وبكرا رحمه الله ، ومنه : الأولاد ترضعهنّ الوالدات ، ممّا صورته صورة الخبر ، ومعناه الأمر ، وإنّما ترجّح النصب في ذلك ، لأنّ رفعه بالابتداء يستلزم الإخبار عنه بالجملة الطلبيّة ، والإخبار بها قليل في الاستعمال.

واعترض جواز الاشتغال قبل اللام ولا الطلبيّتين بأنّ ما بعدهما لا يعمل فيما قبلها قياسا ، فكيف جاز ذلك ، وأجاب ابن عصفور بأنهم أجروا الأمر باللام مجرى الأمر بغيرها ، وأجروا النهي بلا مجرى النفي بها.

تنبيه : يترجّح نصب الاسم على رفعه في مسائل أخر :

إحداها : أن يكون الاسم جوابا لاستفهام منصوب بما يليه ، كما إذا قيل : أرايت أحدا؟ أو أيّهم أو غلام أيّهم رأيت؟ فتقول : زيدا ، أو غلام زيد رأيت ، وذلك ليطابق الجواب السؤال في الجملة الفعلية.

الثانية : أن يوهم رفع الاسم وصفا مخلّا ، وذلك كما إذا أردت أن تخبر أنّ كلّ واحد من ممإليكك اشتريته بعشرين ، وإنّك لم تملك واحدا منهم إلا بشرائك هذا الثمن ، فقلت : كلّ واحد من مماليكي اشتريت بعشرين ، فنصب كلّ نصّ في المعنى المقصود ، لأنّ التقدير اشتريت كلّ واحد.

وأمّا إذا رفعت فيحتمل أن يكون اشتريته خبرا له ، وبعشرين متعلّقا به ، أي كلّ واحد منهم مشترى بعشرين ، وهو المعنى المقصود ، ويحتمل أن يكون اشتريته صفة لكلّ واحد ، وبعشرين هو الخبر ، أي كلّ من اشتريته من المماليك فهو بعشرين ، فلا يقع إلا على من اشتريته دون ما حصل منهم بغير الشراء من وجوه التملّكات كالإرث والهبة ونحوهما ، فرفعه موهم لاحتمال غير المقصود ، فيترجّح النصب لكونه نصّا في المعنى المقصود.

الثالثة : أن يكون الاسم نكرة صرفة ، نحو : رجلا ضربته ، فإنّه لا يجوز فيه الرفع لامتناع التنكير الصرف للمبتدإ ، ذكره بعضهم ، وفيه أنّه ينبغي أن يعدّ ممّا يجب فيه النصب ، لا ممّا يترجّح ، وأيضا فالاشتغال في مثل ذلك لعدم شرطه ، قال ابن هشام في المغني : وشرط المنصوب على الاشتغال أن يكون قابلا للابتدا ، انتهى. وبذلك ردّ في موضع آخر من المغني قول بدر الدين بن مالك في قول الحماسي [من الرمل] :

٤٢٠

٤٠٨ ـ فارسا ما غادروه ملحما

 ... (١)

إنّه من الاشتغال ، قال : والظاهر أنّه نصب على المدح ، وما في البيت زائدة ، ولهذا أمكن أن يدّعي أنّه من الاشتغال.

ومنع بعضهم الشرط المذكور مستدّلا بقراءة : (سُورَةٌ أَنْزَلْناها) [النور / ١] ، بالنصب على الاشتغال ، فتأمّل.

تساوي الأمران : «ويتساوى الأمران» أي الرفع والنصب «إذا لم تفت المناسبة» ، أي تناسب الجملتين «في العطف على التقديرين» ، وضابط ذلك أن يتقدّم على الاسم عاطف مسبوق بجملة فعلية مخبر بها عن اسم قبلها ، «نحو : زيد قام وعمرا أكرمته» أي عنده أو في داره أو لأجله ، وذلك لأنّ زيد قام جملة كبري ذات وجهين ، لأنّها اسميّة الصدر فعلية العجز.

ومعنى قولنا : كبري أنّها جملة في ضمنها جملة ، «فإن رفعت» ، كنت قد راعيت صدرها ، «فالعطف على» الجملة «الاسميّة» ، أو نصبت كنت قد راعيت عجزها ، فالعطف «على» الجملة «الفعلية» ، فالمناسبة حاصلة على كلا التقديرين فاستوي الوجهان.

تنبيهات : الأوّل : مثال المصنّف المذكور كمثال سيبويه لهذه المسألة ، وهو زيد قام وعمرو كلّمته ، واعترض عليه بأنّه لا يجوز فيه العطف على الصغرى ، لأنّها خبر المبتدأ ، والمعطوف في حكم المعطوف عليه فيما يجب له ويمتنع عليه ، فالواجب في الجملة الّتي هي خبر المبتدأ رجوع ضمير إلى المبتدأ ، وليس في عمرو كلّمته ضمير راجع إلى زيد ، واعتذر له السيرافيّ بأنّ غرضه لم يكن تصحيح المثال ، بل تبيين جملة اسميّة الصدر فعلية العجز ، معطوف عليها أو على الخبر منها ، وتصحيح المثال إليك بزيادة ضمير فيه نحو عمرو كلّمته في داره ، أو نحو ذلك.

وإنّما سكت سيبويه عن هذا اعتمادا على علم السامع أنّه لا بدّ للخبر إذا كان جملة من ضمير فيصحّ المثال إذا أراد ، قاله الرضيّ وارتضاه ، وبذلك يوجّه مثال المصنّف أيضا.

__________________

(١) تمامه «غير زميل ولا نكس وكل» نسب هذا البيت لعلقمه الفحل ولامراة من بني الحارث بن كعب. اللغة : غادروه : تركوه في مكانه ، الملحم بزنة المفعول : الّذي ينشب في الحرب فلا يجد له مخلصا ، الزميل : الضعيف الجبان ، النكس : الضعيف الّذي يقصر عن النجدة وعن غاية المجد والكرم ، الوكل : الّذي يكل أمره إلى غيره عجزا.

٤٢١

لكن المنقول عن سيبويه وتبعه الفارسيّ وابن مالك أنّه لا يشترط في ذلك وجود الرابط بدليل قوله تعالى : (وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ) [يس / ٣٩] قرأه أبو عمر (١) والحرميين (٢) بالرفع ، وباقي السبعة بالنصب على العطف على الصغرى من قوله : (وَالشَّمْسُ تَجْرِي) [يس / ٣٨] ، فعلى هذا لا يحتاج إلى الاعتذار لسيبويه في مثاله بما اعتذر به السيرافيّ ، فالأولى أن يجاب عنه بأنّهم يغتفرون في التوابع ما لا يغتفرون في غيرها ، والسيرافيّ اعتذر له على مذهبه من اشتراط الرابط في المسألة تبعا للأخفش ، فمنع النصب بناء على العطف على الصغرى لما تقدّم ، فالرفع عندهما واجب ، وإن ورد النصب فهو على حدّه في زيدا ضربته ابتداء ، ويكون من عطف جملة فعلية على جملة اسميّة ، وهو جائز عند بعضهم كما تقدّم.

وقد نقل بعضهم عن ظاهر كلام سيبويه موافقة للأخفش والسيرافيّ ، فالنقل عنه مختلف ، والأوّل هو المشهور ، ثمّ الرابط عند مشترطه أمّا الضمير كما تقدّم أو الفاء السببيّة ، نحو : زيد قام فعمرو أكرمته.

وقال هشام : الواو كالفاء في حصول الرابط ، لأنّ فيهما معنى الجمعية ، كما أنّ الفاء فيها معنى السببية بدليل هذان زيد وعمرو ، وردّ بأنّها إنّما يكون للجمع في المفردات ، ولهذا لا يجوز هذان يقوم ويقعد. وقال ابن خروف طبعا لطائفة من المتقدّمين : جميع حروف العطف يحصل بها الربط ، واحتجّوا ببيت أنشده ثعلب [من الطويل] :

٤٠٩ ـ فذرني أجوّل في البلاد لعلّني

أسرّ صديقا أو يساء حسود (٣)

وخرّج على أن التقدير أو يساء بي حسود.

الوصف العامل كالفعل : الثاني : اسم الفاعل الناصب للمفعول به كالفعل ، فزيد ضارب عمرا وبكرا أكرمته ، مثل زيد قائم وعمرا أكرمته ، فيستوي في بكر الوجهان ، أمّا إذا لم ينصب المفعول به ، نحو : زيد قائم وبكرا أكرمته ، فالرفع أولى ، لأنّ اسمي الفاعل والمفعول إذا لم تنصبا المفعول به ، لم تتمّ مشابهتهما للفعل ، إذ قد يرفع الضعيف المشابهة للفعل ، نحو : زيد زنجيّ غلامه.

__________________

(١) أبو عمرو بن العلاء نحوي من أقدم النحاة في البصرة ، جمع أشعار الجاهلية وهو واحد من القراء السبعة ، مات ٧٧٠ م ، المنجد في الاعلام ص ٢٠.

(٢) الحرميان هما ابن الكثير المكي (١٤٠ ه‍) ونافع المدني (١٦٩ ه‍) وكلاهما من القراء السبعة. مغني اللبيب ص ١٨.

(٣) البيت بلا نسبة. اللغة : ذرني : دعني ، اتركني.

٤٢٢

متى يترجّح الرفع على النصب : «ويترجّح الرفع» أي رفع الاسم المشتغل عنه العامل بالابتداء على نصبه بعامل مقدّر يفسّره العامل المشتغل «فيما عدا ذلك» أي المذكور من موجب النصب ، ومرجّحه وموجب الرفع وتساوي الأمرين «لأولويّة عدم التقدير» بلا مقتض ، «نحو : زيد ضربته». ومن ثمّ أوجبه بعض النّحويّين ، ومنع النصب ، وليس بشيء ، فقد نقله سيبويه وغيره من أئمة العربية عن العرب ، قال سيبويه : والنصب عربيّ كثير ، والرفع أجود ، انتهى.

وعليه قراءة بعضهم : (جَنَّاتُ عَدْنٍ) [الرعد / ٢٣] بكسر التاء ، ثمّ النصب مع كونه مرجوحا مراتبه مختلفه ، فالنصب في نحو : زيدا ضربته أقوي منه في نحو : زيدا ضربت أخاه ، والنصب في زيدا ضربت أخاه أحسن منه في زيدا مررت به ، والنصب في زيدا مررت به أحسن منه في زيدا مررت بأخيه ، قاله المراديّ.

المنادى

ص : الثالث : المنادى ، وهو المدعو بأيا ، أوهيا ، أو أي أو وا مع البعد ، وبالهمزة مع القرب. وبيا مطلقا ، ويشترط كونه مظهرا ، ويا أنت ضعيف ، وخلوّه عن اللّام إلا في لفظة الجلالة ، ويا الّتي شاذّ.

وقد يحذف حرف النداء إلا مع اسم الجنس ، والمندوب ، والمستغات ، واسم الاشارة ، ولفظ الجلالة ، مع عدم الميم في الأغلب ، فإن وجدت لزم الحذف.

تفضيل : المفرد المعرفة والنّكرة المقصودة ، يبنيان على ما يرفعان به ، نحو : يا زيد ، ويا رجلان ، والمضاف وشبهه ، وغير المقصودة ، تنصب ، مثل : يا عبد الله ، ويا طالعا جبلا ، ويا رجلا ، والمستغات يخفض بلامها ، ويفتح لألفها ولا لام فيه ، نحو يا لزيد ، ويا زيداه ، والعلم المفرد الموصوف بابن أو ابنة ، مضافا إلى علم آخر ، يختار فتحه ، نحو يا زيد بن عمرو ، والمنوّن ضرورة يجوز ضمّه ونصبه ، نحو :

سلام الله يا مطرا عليها

وليس عليك يا مطر السّلام

والمكرّر المضاف يجوز ضمّه ونصبه كتيم الأوّل ، في نحو : يا تيم تيم عدي.

تبصرة : وتوابعه المضاف تنصب مطلقا ، أمّا المفردة فتوابع المعرب تعرب بإعرابه ، وتوابع المبنيّ على ما يرفع به من التأكيد والصّفة وعطف البيان ، ترفع حملا على لفظه ، وتنصب على محلّه ، والبدل كالمستقل مطلقا. أمّا المعطوف فإن كان مع أل فالخليل يختار رفعه ، ويونس نصبه ، والمبرّد إن كان كالخليل فكالخليل ، وإلا

٤٢٣

فكيونس ، وإلا فكالبدل ، وتوابع ما يقدّر ضمّه كالمعتلّ والمبنيّ قبل النّداء ، كتوابع المضموم لفظا ، فترفع للبناء المقدّر على اللفظ ، وتنصب للنصب المقدّر على المحلّ.

ش : «الثالث» ممّا يرد منصوبا وغير منصوب «المنادى ، وهو» الاسم «المدعوّ» حقيقة ، نحو : يا زيد ، أو حكما ، نحو : (يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ) [هود / ٤٤] ، فإنّها نزّلت مترلة من له صلاحيّة النداء ، ثمّ نوديت «بأيا» ، قال الشاعر [من الطويل] :

٤١٠ ـ أيا جبلي نعمان بالله خلّيا

نسيم الصّبا يخلص إلى نسيمها (١)

«أو هيا» قال [من الكامل] :

٤١١ ـ فأصاخ يرجو أن يكون حيّا

ويقول من فرح هيا ربّا (٢)

وهاء ، وهاء أصل ، وقيل : بدل من همزة أيا ، وعليه ابن السكّيت ، وجزم به ابن هشام في المغني ومحمد بن يعقوب في القاموس. «أو أي» بالفتح والقصر والسكون قال [من الطويل] :

٤١٢ ـ ألم تسمعي أي عبد في رونق الضّحي

بكاء حمامات لهنّ هدير (٣)

قال ابن هشام : وقد تمدّ ألفها ، وقيل : بل الممدودة حرف مستقلّ ، حكاه الكوفيّون عن العرب الّذين يثقون بعربيّتهم ، أو بالمدّ ، نحو : أزيد ، حكاه الأخفش في كتابه الكبير.

وزعم ابن مالك أنّه لم يذكرها إلا الكوفيّون ، والمراد بالمدّ فيها الإتيان بعد الهمزة بالف لا غيرها ، وما وقع في كلام بعضهم من ضبطها بهمزة فألف وهمزة أخري ساكنة سهو. فهذه كلّها «مع البعد» ، أي لنداء البعيد على خلاف في أكثرها ، ففي الصحاح أنّ أيا لنداء البعيد والقريب ، قال في المغني : وليس كذلك. وفي أي أقوال : قيل : هي للبعيد كما ذكره ، وعليه ابن مالك ، وقيل : للقريب ، وعليه المبرّد والجزوليّ ، وقيل : للمتوسط.

وجعل ابن عصفور «أ» في المقرب للقريب ، «وبالهمزة مع القرب» أي لنداء القريب ، قال [من الطويل] :

٤١٣ ـ أفاطم مهلا بعض هذا التدلّل

وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي (٤)

ونقل ابن الخبّاز عن شيخه أنّها للمتوسّط ، قال ابن هشام : وهو خرق لإجماعهم ، وسيأتي عليها مزيد كلام إن شاء الله تعالى.

__________________

(١) هو لقيس بن الملّوح وهو مجنون ليلي العامريّة. اللغة : نعمان : واد في طريق الطائف ، الصبا : ريح معروفة.

(٢) لم يسّم قائله. اللغة : أصاخ : ماض من الإصاخة بمعنى الاستماع ، الحيا : المطر.

(٣) البيت لكثيّر عزّة اللغة : عبد مرخّم عبدة. رونق الضحا : أوّله ، الهدير : صوت الحمام.

(٤) البيت لامرئ القيس. اللغة : التدلّل : مصدر تدلّلت المرأة على زوجها أي جرؤت في تغنج ، أزمعت : قصدت ، الصرم : الهجر ، القطع البائن.

٤٢٤

«وبيا» ، وهي الباب ، وتستعمل مع البعد والقرب مطلقا ، قال أبو حيّان : وهو الّذي يظهر من استقراء كلام العرب. قال ابن مالك : وهي للبعيد حقيقة أو حكما ، وقد ينادي بها القريب توكيدا وقيل : هي مشتركة بين القريب والبعيد والمتوسّط ، وزعم ابن الخباز أنّها للقريب ، وهو خرق لإجماعهم.

تنبيهات : الأوّل : قال بعضهم : حدّ المصنّف للمنادي بقوله : «المدعوّ بأيا» إلى آخره أولى من قول ابن الحاجب : المطلوب إقباله لخروج نداء الله تعالى في نحو : يا الله ، لأنّه لا يطلب اقباله ، وحمل ندائه على المجاز ، والمراد بالمطلوب الاقبال مسؤول الإجابة بعيد ، فتأمّل ، انتهى.

الثاني : لا يدخل في هذا الحدّ المندوب على رأي ابن الحاجب ، لأنّه متفجّع عليه ، لا مدعوّ ، ويدخل على رأي غيره ، ولم يذكر المصنّف أحكامه في هذا الباب إمّا إهمالا أو ذهابا إلى رأي ابن الحاجب ، قال الرضيّ : والظاهر من كلام سيبويه أنّه منادي.

قال الجزوليّ : المندوب منادي على وجه التفجّع ، فإذا قلت : يا محمدا ، فكأنّك تناديه ، وتقول له : تعال ، فأنا مشتاق إليك ، ومنه قولهم في المراثي لا تبعد ، أي لا تهلك ، كأنّهم من ظنّهم بالميّت تصوّروه حيّا ، فكرهوا موته ، فقالوا : لا تبعد ، أي لا بعدت ، ولا هلكت. وكذا المندوب المتوجّع به ، نحو : واويلاه وواثبوراه ، واوحزناه ، أي أحضر حتى يتعجّب من فظاعتك ، والدليل على أنّه مدعوّ قوله تعالى : (لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً) [الفرقان / ١٤] ، أمرهم بقوله واثبورا.

الثالث : أجمعوا على أنّ نداء القريب بما للبعيد يجوز توكيدا وعلى منع العكس «ويشترط كونه» أي المنادى «مظهرا» ، فلا يجوز نداء المضمر مطلقا ، لا يقال : يا أنا ، ولا يا إيّاي ، ولا يا هو ، ولا يا ايّاه إجماعا ، «و» لا «يا أنت» ، ولا يا إيّاك على الأصح وقول الأحوص (١) [من الرجز] :

٤١٤ ـ يا أبجر بن أبجر يا أنتا

أنت الّذي طلّقت عام جعتا (٢)

«ضعيف» فلا يقاس عليه ، وما سمع من قول بعضهم : يا إيّاك قد كفيتك ، فيا للتنيبة ، لا للنداء ، وإيّاك منصوب بفعل محذوف يفسّره المذكور ، كأنّه قال : قد كيفت إيّاك قد كفيتك ، وقيل : إنّ ياء في البيت أيضا للتنبيه ، وأنت الأوّل مبتدأ ، والثاني كذلك ، أو توكيد أو بدل أو فصل والموصول خبر.

__________________

(١) الأحوص : هو عبد الله بن محمد الأوسي. عاش في اللهو ، وقد نفاه عمر بن عبد العزيز لتهتّكه. توفّي سنة ١٠٥ ه‍ ..

(٢) لم يسم قائله. اللغة : جعتا : فعل ماض من جاع ا جوعا : خلت معدته من الطعام ، وألفه للاطلاق.

٤٢٥

وأجاز ابن عصفور نداء المضمر المخاطب في الشعر خاصّة مستدلّا بالبيت والمثل ، ولا حجّة في ذلك كما عرفت ، وظاهر كلام ابن مالك في الألفية أنّ نداء المضمر مطلقا مطّرد ، وهو خلاف الإجماع. قال المراديّ في شرح التسهيل وقول بعض الصوفيّة : يا هو ، ليس جاريا على كلام العرب وقال شعبان في ألفية [من الرجز] :

٤١٥ ـ ولا تقل عند النداء يا هو

وليس في النحاة من رواه

«و» يشترط «خلوّه من اللام» للتعريف ، فلا يقال : يا الرّجل ، كراهة اجتماع الّتي التعريف صورة ، وإن كان في إحداهما من الفائدة ما ليس في الأخرى «إلا في لفظ الجلالة» ، وهو الله علم للذات المقدّس الواجب الوجود الموضوع بجميع الكمالات ، فلا يشترط خلوّه عنها ، بل يجب إثباتها إجماعا ، فيقول : يا الله باثبات الألفين ، ويلله بحذفها ، ويالله بحذف الثانية فقط ، لأنّ اللام لازمة له ، لا تفارقه ، إذ أصله إله ، فحذفت الهمزة تخفيفا للكثرة استعماله ، فادخلت عليه اللام لدفع شياع (١) ما ذهب إليه الكفّار من تسمية أصنامهم إلهة ، أدغمت لام التعريف فيما بعدها ولزمت كالعوض من الهمزة ، ومن ثمّ تقطع في النداء وقيل : أل في اسم الله للتعظيم ، لا للتعريف ونسب لسيبويه.

فائدة : هذا الاسم الشريف يختصّ بأشياء ، لا توجد في غيره من الأسماء ، منها ما ذكره. ومنها زيادة ميم في آخره عوضا من حرف النداء كما سيأتي ، ومنها أنّه يفخم إذا كان قبله فتح أو ضمّ ، مثل قال الله تعالى ، ويقول الله تعالى.

ولا تقول مثل هذا في الليل واللبن ، فإن كان قبله كسرة لم يفخم ، مثل بسم الله ، لأنّك لو فخمت هذا لكنت متسفّلا بالكسرة ، متصعّدا بتفخيم الفتحة ، وهذا ثقيل على اللسان ، وليس كذلك مع الضمّة والفتحة لاستعلائهما في الحنك (٢). ومنها اختصاصه في القسم بالتاء بالله ، نحو قولهم : تالله ، ومنها قطعهم لهمزته في القسم من قولهم : أفالله لافعلن كذا بمترلة أفو الله ، ذكره ابن بايشاذ في شرح الجمل ، وقول الشاعر [من الوافر] :

٤١٦ ـ من أجلك يا الّتي تيّمت قلبي

وأنت بخيلة بالوصل عنّي (٣)

«شاذّ» ، فلا يقاس عليه خلافا للبغداديين والكوفيّين في إجازتهم في السعة ذلك محتجّين بالسماع ، كالبيت وبالقياس ، قالوا : لأنّا لم نر موضعا يدخله التنوين ، ولا يدخله الألف واللام. وأجاب المانعون عن السماع بالشذوذ ، وعن القياس بأنّه إن أرادوا بذلك في غير النداء فممنوع لدخول التنوين في نحو زيد ، وسيبويه منكرا مع عدم دخول

__________________

(١) الشياع : النداء.

(٢) الحنك : باطن أعلى الفم من الدخل. والأسفل من طرف مقدم اللّجبين.

(٣) لم يسمّ قائله. اللغة : تيّمت : استعبدت وذللّت.

٤٢٦

الألف واللام فيهما أو في النداء لمعيّن ، فكذلك لعدم دخول التنوين في غير السعة عليه أو لغير معيّن فكذلك.

فائدة : المراد بالشاذّ في استعمالهم ما يكون بخلاف القياس من غير نظر إلى قلّة وجوده وكثرته ، والنادر ما قلّ (١) وجوده ، وإن لم يكن بخلاف القياس ، والضعيف ما يكون في ثبوته كلام. قاله الجار برديّ في شرح الشافية (٢).

تنبيهان : الأوّل : زاد ابن مالك في التسهيل وابن هشام في الأوضح وغيرهما اسمين أخرين لا يشترط فيهما خلوّهما عن اللام ، أحدهما ما سمّي به من جملة ، نحو : يا الرجل قائم لمن سمّي بذلك ، نصّ على ذلك سيبويه ، قال : لأنّ معناه يا مقولا له ذلك ، وقايس عليه المبرّد ما سمّي به من موصول ذي لام ، نحو : يا الّذي قام ، وصوبّه ابن مالك.

قال المرادي : وقد نصّ سيبويه على منعه. قال الأزهري : والفرق بينهما أنّ الّذي قام محكى بحالته الّتي تثبت له قبل التسمية ، وهو قبلها لا ينادي لوجود اللام ، وذلك المانع باق ، ونحو : الرجل قائم ، ليس المانع من ندائه قبل التسمية وجود اللام ، بل كونه جملة وذلك المانع قد زال بالتسمية ، انتهى.

ثانيها : اسم الجنس المشبهة كقولك : يا الخليفة هيبة ، ويا الأسد شجاعة ، نصّ عليه ابن سعدان (٣). قال ابن مالك : وهو قياس صحيح ، لأنّ تقديره يا مثل الخليفة ويا مثل الأسد ، فحسن لتقدير دخول ياء على غير الألف واللام ، انتهى.

نداء المعرفة باللام : الثاني : إذا أريد نداء اسم معرّف باللام في غير الصور المذكورة توصّل إلى ندائه بأيّ مقطوعة عن الإضافة ، مبنيّة على الضمّ ، متلوّة بها التنبيه أو اسم الإشارة ، ويجب وصفها ، ولا توصف أيّ إلا بما فيه اللام لتعريف الجنس ، نحو : يا أيّها الرجل. وأمّا نحو الصعق والحارث ممّا هي فيه للغلبة أو للمح الصفة ، فلا توصف به ولا بما فيه اللام من مثنى أو مجموع علما قبل دخولها ، فلا يقال : يا أيّها الزيدان ، نصّ عليه الأعلم.

أو بموصول مصدّر بالألف واللام خال من خطاب ، نحو : (يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) [الحجر / ٦] ، ولا يجوز : نحو يا أيّها الّذي رأيت ، كما لا يجوز أن ينادي أو باسم

__________________

(١) سقط قلّ في «ح».

(٢) الشافية في التصريف لأبي عمرو عثمان بن عمر المعروف بابن الحاجب النحويّ المالكيّ المتوفى سنة ٦٤٦. ومن شروحها شرح الفاضل أحمد بن الحسن فخر الدين الجاربرديّ المتوفى سنة ٧٤٦ ه‍. كشف الظنون ٢ / ١٠٢٠.

(٣) محمد بن سعدان الضرير الكوفيّ النحويّ (٢٣١ ـ ١٦١ ه‍) أخذ القراءآت عن أهل مكة والمدينة وكان ذا علم بالعربيّة وصنف كتابا في النحو وكتابا في القراءآت. بغية الوعاة ١ / ١١١.

٤٢٧

إشارة عارية من كاف الخطاب نحو : يا أيهذا الرجل ، ولا يقال : يا أيّهذاك الرجل ، كما لا يجوز ندائه ، وأجازه ابن كيسان ، ونقل عن سيبويه. وكأيّ اسم الإشارة في الوصف بذي اللام والموصول ، وأمّا اسم الأشارة فلا يوصف به ، لأنّ الشيء لا يوصف بمثله ، وسيأتي على أيّ هذه مزيد كلام في حديقة المفردات.

حذف حرف النداء : «وقد يحذف حرف النداء» وهو يا خاصّة ، لأنّ المطلق ينصرف إلى الفرد الكامل ، ووقع في عبارة بعض المتقدّمين ما يوهم جواز حذفه مطلقا. قال ابن بابشاذ في شرح الجمل ، بعد أن عدّد حروف النداء : وهذه الحروف يجوز إثباتها مع المنادى ، وحذفها إلا فيما استثني ، انتهى.

ولكن نصّ غير واحد من الأئمة على أنّه لا يحذف منها إلا ياء دون غيرها ، لأنّها أعمّ وأغلب في الاستعمال ، والحذف نوع من التصرّف ، فينبغي أن يكون فيما كثر دوره ، لا فيما قلّ.

فتحذف ياء مع القرينة ويبقي المنادى ، نحو : (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا) [يوسف / ٢٩] ، (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ) [الرحمن / ٣١] ، (أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ) [الدخان / ١٨] ، «إلا مع اسم الجنس» ، والمراد به هنا ما يكون نكرة قبل النداء ، سواء تعرّف بالنداء كيا رجل ، أو لم يتعرّف ، كيا رجلا ، وسواء كان مفردا أو مضافا أو مضارعا له ، نحو : يا غلام فاضل ، ويا حسن الوجه ويا ضاربا زيدا ، قصدت بهذه الثلاثة واحدا بعينه أولا.

وإنّما لا يحذف مع النكرة ، لأنّ حرف التنبيه إنّما يستغني عنه ، إذا كان المنادى مقبلا عليك متنبّها لما تقول له ، ولا يكون هذا إلا في المعرفة ، لأنّها مقصودة قصدها ، وإنّما لا يحذف مع المعرفة المتعرّفة بحرف النداء ، إذ هي إذن حرف تعريف ، وحرف التعريف لا تحذف ممّا تعرف بها حتى لا يظنّ بقاؤه على أصل التنكير ، ألا ترى أنّ لام التعريف لا تحذف من المتعرّف بها ، وحرف النداء أولى منها بعدم الحذف ، إذ هي مفيدة مع التعريف التنبيه والخطاب ، قاله الرضيّ. وأجاز بعضهم الحذف مع النكرة ، والكوفيّون مع المعرفة محتجّين بقولهم : أطرق كرى (١) ، وافتد مخنوق ، وأصبح ليل ، وهو عند البصريّين شاذّ.

قال المراديّ : والانصاف القياس عليه لكثرته نظما ونثرا. «و» إلا مع «المندوب» وهو المتفجّع عليه حقيقة ، كقول جرير يندب عمر بن عبد العزير [من البسيط] :

__________________

(١) الكرى : النعاس ، والنوم.

٤٢٨

٤١٧ ـ ...

وقمت فيه بأمر الله يا عمرا (١)

أو حكما ، كقول عمر بن الخطاب ، وقد أخبر بجدب شديد أصاب قوما من العرب : واعمراه واعمراه. والوجع منه لكونه محلّ ألم ، كقوله [من الطويل] :

٤١٨ ـ فواكبدا من حبّ من لا يحبّني

ومن زفرات ما لهنّ فناء (٢)

أو لكونه سبب ألم ، كقول الآخر [من السريع] :

٤١٩ ـ تبكيهم الدهماء معولة

وتقول سلمي وارزيئته (٣)

لأنّ الرزية سبب الألم الّذي حصل ، ومثله قول القائل وامصيبتاه.

والندبة من كلام النساء في الغالب ، والغرض منها الإعلام بعظمة المصاب ، ومن ثمّ لا يندب إلا المعروف ، وأما قولهم : وا من حفر بئر زمزماه ، فهو في قوّة قولهم : واعبد المطّلباه ، إذ من العموم أنّ من حفر بئر زمزم هو عبد المطّلب.

ولا يستعمل مع المندوب من أحرف النداء إلا حرفان : أحدهما وا ، وهي الغالبة فيه والمختصّة به ، والثانية يا ، إذا لم يلتبس بالمنادى المحض ، وحكمه في الإعراب حكم المنادى الآتي تفصيله فيضمّ إن كان مفردا ، نحو : وازيد وينصب إن كان مضافا أو مشبها به ، نحو : وا عبد الله ، وا ضاربا زيدا ، والغالب فيه أن يختم بالألف إطالة للصوت ، سواء كان مفردا ، نحو : وا زيدا أو مضافا لظاهر ، نحو : وا أمير المؤمنينا ، أو لمضمر ، نحو : وا رأساه ، أو شبيها بالمضاف ، نحو : وا طالعا حبلا ، أو مركّبا ، نحو : وا معدي كربا.

ويحذف لهذه الألف ما قبلها من ألف ، نحو : واموساه ، أو تنوين في صلة أو غيرها ، نحو : وا من نصر محمداه ، ونحو : وا أبا حسناه ، أو ضمّة إعرابيّة أو بنائيّة ، نحو : وامنذاه فيمن اسمه منذ ، أو كسرة كذلك ، نحو : واعبد الملكاه وا حذاماه.

فإن أوقع حذف الضمّة أو الكسرة في ليس أبقيا ، وقلبت الألف ياء بعد الكسرة ، نحو : واغلامكي ، أو واو بعد الضمّة ، نحو : وا غلامه ووا غلامهمو ، أو وا غلامكموا ، لأنّك لو أبقيت الألف لأوهم الإضافة إلى كاف الخطاب وهاء الغائبة والمثنّى ، ولك في الوقف زيادة هاء السكت بعد أحرف المدّ توصّلا إلى زيادة المدّ ، نحو : وازيدا ، واغلامكيه واغلامكموه. فإن وصلت حذفتها إلى في الضرورة فيجوز إثباتها كقول المبتني [من البسيط] :

٤٢٠ ـ واحرّ قلباه ممّن قلبه شبم

 ... (٤)

__________________

(١) صدره «حمّلت أمرا عظيما فاصطبرت له» ، اللغة : أمرا عظيما : أراد به الخلافة وشؤونها.

(٢) هو لمجنون ليلي. اللغة : الزفرات : جمع الزفرة : التنفس.

(٣) لم أجد البيت. الدهماء : عامة الناس وسوادهم.

(٤) تمامه «ومن بجسمي وحإلى عند سقم» ، اللغة : الشبم : بارد.

٤٢٩

ولك حينئذ ضمّها تشبيها بهاء الضمير ، وكسرها على أصل التقاء الساكنين ، وأجاز الفرّاء إثباتها في الوصل بالوجهين ، وإنّما لا يحذف حرف النداء مع المندوب ، لأنّه منادي مجازا ، ولا يقصد فيه حقيقة التنبيه والإقبال كما في النداء المحض ، فلمّا نقل عن النداء إلى معنى آخر مع بقاء معنى النداء فيه مجازا ألزم لفظ علم النداء تنبيها على الحقيقة المنقول هو منها ، ومثله المتعجّب منه. «و» إلا «مع المستغاث» ، وكلّ اسم نودي ليخلص من شدّة أو يعين على مشقّة لا يستعمل معه إلا يا خاصّة ، وسيأتي بيان أحكامه مستوفيا.

وإنّما لا تحذف معه حرف النداء للمبالغة في تنبيه بإظهار حرف التنبيه ، لكون المستغات له أمرا مهمّا. «و» إلا «مع اسم الاشارة» ، لأنّه موضوع في الأصل لما يشار إليه للمخاطب ، وبين كون الاسم المشار إليه وبين كونه منادي ، أي مخاطبا تنافر ظاهر ، فلمّا أخرج في النداء عن ذلك الأصل ، وجعل مخاطبا ، احتيج إلى علامة ظاهرة ، تدلّ على تغييره وجعله مخاطبا ، وهي حرف النداء (١). هذا مذهب البصريّين ، وأجاز الكوفيّون حذفه اعتبارا بكون اسم الإشارة معرفة قبل النداء واستشهاد بقوله تعالى : (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ) [البقرة / ٨٥] أي يا هؤلاء ، وبقول ذي الرمة [من الطويل] :

٤٢١ ـ إذا هملت عيني لها قال صاحبي

بمثلك هذا لوعة وغرام (٢)

وردّه البصريّين بأنّ هؤلاء في الأيه خبر المبتدأء ، والشعر ضرورة. ولحّن بعضهم المبتنيّ في قوله [من الكامل] :

٤٢٢ ـ هذي برزت لنا فهجت رسيسا

 ... (٣)

وأجيب بأنّ هذي مفعول مطلق لا منادي ، أي برزت هذي البرزة ، وردّه ابن مالك بأنّه لا يشار إلى المصدر إلا منعوتا بالمصدر المشار إليه كضربته ذلك الضرب. قال ابن هشام : ويردّه بيت أنشده هو ، وهو قوله [من الكامل] :

٤٢٣ ـ يا عمرو إنّك قد مللت صحابتي

وصحابتيك إخال ذاك قليل (٤)

«و» إلا مع «لفظ الجلالة» وهو الله «مع عدم الميم» المشدّدة في آخره عوضا عن حرف النداء ، وذلك لأنّ حقّ ما فيه اللام أن يتوصّل إلى ندائه بأيّ أو باسم الإشارة

__________________

(١) سقطت هذه الجملة في «س».

(٢) اللغة : هملت : فاضت وسالت ، الّوعة : حرقة في القلب وألم يجده الأنسان من حبّ أو همّ أو حزن ، الغرام : التعلّق بالشيء تعلّقا لا يستطاع التخلص منه.

(٣) تمامه «ثمّ انثنيت وما شفيت نسيسا». اللغة : الرسيس : ابتداء الحب ، النسيس : بقية الروح.

(٤) لم يسمّ قائله.

٤٣٠

كما تقدّم ، فلمّا حذفت الوصلة في هذه اللفظة الشريفة لكثرة ندائها ، لم يحذف الحرف «في الأغلب» لئلا يكون إجحافا.

وقوع أللهمّ في النداء : وقد يحذف في غير الأغلب كقول أمية بن الصلت [من الطويل] :

٤٢٤ ـ رضيت بك اللهمّ ربّا فلن أري

أدين إلها غيرك الله راضيا

أي يا الله.

وأفهم كلامه جواز الحذف في غير الأغلب ، وهو مذهب لبعض النّحويّين ، والجمهور على المنع مطلقا ، وحملوا البيت على الشذوذ ، «فإن وجدت» الميم المشدّدة في آخره «لزم الحذف» أي حذف حرف النداء ، لأنّ الميم عوض عنه ، فلا يجمع بينهما إلا في الضرورة كقوله [من الرجز] :

٤٢٥ ـ إنّي إذا ما حدث ألّما

أقول يا أللهمّ يا أللهمّا (١)

وإنّما أخرّت الميم تبرّكا باسمه تعالى ، وخصّت بذلك دون غيرها ، لأنّ الميم عهد زيادتها آخرا كميم زرقم. هذا مذهب البصريّين ، وذهب الكوفيّون إلى أنّ الميم ليست عوضا ، بل ماخوذة من فعل ، والأصل يا الله آمنّا بخير ، فيجيزون الجمع بينهما وبين ياء في السعة.

قال أبو على : وليس هذا بشيء لقوله تعالى : (وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ) [الأنفال / ٣٢] ، لأنّه لو كانت الميم ماخوذة من فعل لما احتاجت إن إلى جواب ثان ، ولكان سادّة مسدّ جواب الشرط ، وقوله تعالى : (فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ) [الأنفال / ٣٢] ، دليل على أنّها ليست مأخوذة من فعل ، ولا دلالة عليه ، لأنّه لا يحسن في كلام يا الله آمنّا منك بعدل ، إن كان هذا هو الحقّ من عندك ، فأمطر علينا ، يصحّ بلا ذكر الجواب ، ولأنّه لو كان كما ذكر لما حسن أللهمّ آمنّا بخير ، وفي حسنه دليل على أنّ الميم ليست مأخوذة منه ، إذ لو كان كذلك لكان تكريرا ، قاله ابن بابشاذ في شرح الجمل : وقد تزاد في آخره ما كقوله [من الرجز] :

٤٢٦ ـ وما عليك أن تقولي كلّما

سبّحت أو صلّيت يا أللهمّ ما

أردد علينا شيخنا مسلمّا (٢)

__________________

(١) هذا البيت لأمية بن أبي الصلت ، وزعم العيني أنّه لأبي خراش الهدلي. اللغة : الحدث : هو ما يحدث من مصائب الدنيا ونوازل الدهر ، الّم : نزل.

(٢) لم يذكر قائله. اللغة : الشيخ هنا : الأب أو الزوج ، مسلما : اسم مفعول من السلامة.

٤٣١

وذهب الخليل وتبعه سيبويه إلى أنّ هذا الاسم لا يوصف ، لأنّ الميم كلمة مستقلّة ، فتكون فاصلة بين الموصوف والصفة ، وقيل : لأنّه صار عندهم بمترلة الصوت. قال سيبويه في قوله تعالى : (اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [الزمر / ٤٦] ، إنّه على نداء آخر ، أي يا فاطر السموات ، وذهب المبرّد والزجاج إلى جواز وصفه (١) بمرفوع على اللفظ ، وبمنصوب على الصفة ، وجعلا فاطر السموات صفة له. قال أبو حيّان : والصحيح مذهب سيبويه ، لأنّه لم يسمع مثل : أللهمّ الرحمن الرحيم ، والآية ونحوها محتملة للنداء.

وقوع أللهمّ في غير نداء : فائدة : وقد تخرج لفظة أللهمّ عن النداء ، فتستعمل على وجهين آخرين :

أحدهما : أن يذكرها المجيب تمكينا للجواب في نفس السامع ، يقول لك القائل : أقام زيد؟ فتقول أنت : أللهمّ لا.

والثاني : أن تستعمل دليلا على الندرة وقلّة وقوع المذكور ، كقولك : أنا لا أزورك اللهمّ إذا لم تدعني ، ألا ترى أنّ وقوع الزيارة مقرونة بعدم الدعاء قليل. قال في النهاية (٢) :

وقد جرت عادة العلماء باستعمال أللهمّ فيما في ثبوته ضعف ، وكأنّه يستعان في إثباته بالله تعالى.

تنبيه : استثنى بعضهم المنادى البعيد أيضا قال : فلا يجوز معه حذف حرف النداء ، لأنّ المراد فيه إطالة الصوت ، والحذف ينافيه.

أحكام المنادى في الإعراب : هذا «تفصيل» لأحكام المنادى في الإعراب. «المفرد» وهو هنا ما ليس مضافا ولا شبيها بالمضاف كما مرّ ، فيدخل فيه المثنّى والمجموع والمركّب المزجيّ ، «المعرفة» وهي ما كان تعريفه سابقا على النداء ، «والنكرة المقصودة» وهي ما عرض تعريفها بالنداء بأن قصد بها معيّن ، «يبنيان» لفظا أو تقديرا لوقوعهما موقع الكاف الاسميّة المشابهة لفظا ومعنى لكاف الخطاب الحرفيّة ، وكونهما مثلها إفرادا وتعريفا ، وذلك لأنّ يا زيد مثلا بمعنى أدعوك ، وهذه الكاف ككاف ذلك لفظا ومعنى ، وإنّما قلنا : ذلك ، لأنّ الاسم يبنى لمشابهة الحرف ، ولا يبني لمشابهة الاسم المبنيّ ، ولذلك كان هذا التعليل أحسن من التعليل بشبهها أنت في التعريف والإفراد وتضمّن

__________________

(١) سقط إلى جواز وصفه في «ح».

(٢) المقصود من النهاية إمّا «نهاية الإعراب في التصريف والإعراب» لأثير الدين أبو حيّان ، وإمّا «النهاية في النحو» لابن الخباز. كشف الظنون ٢ / ١٩٨٦.

٤٣٢

معنى الخطاب ، وبناؤهما «على ما يرفعان به» قبل النداء ، أي حال الإعراب لا على السكون ، وإن كان هو الأصل في البناء تنبيها على أنّ لهما قدما في الاعراب ، فدخل في ذلك ما يرفع بالضمّة إمّا ظاهرة ، «نحو : يا زيد» ويا رجل ، أو مقدّرة نحو : يا فتي ويا حذام ويا سيبويه ويا برق نحره ، وما يرفع بالألف نحو : يا زيدان «ويا رجلان» ، وما يرفع بالواو ونحو : يا زيدون.

تنبيه : المنقوص المعيّن بالنداء يحذف تنوينه ، وتثبت ياؤه عند الخليل ، نحو : يا قاضي ويا غازي ، وخالفه يونس ، فأجاز حذف الياء لا التنوين ، فتقول : يا قاض ويا غاز.

«والمضاف» سواء كانت الإضافة محضة أو غير محضة و «شبهه» أي المضاف ، وهو ما اتّصل به شيء من تمام معناه. وهذا الّذي به التمام إمّا أن يكون مرفوعا بالمنادى كقولك : يا محمودا فعله ، ويا حسنا وجهه ، ويا جميلا فعله ، ويا كثيرا برّه ، أو منصوبا كقولك : يا طالعا جبلا أو محفوضا بخافض ، متعلّق به ، كقولك : يا رفيقا بالعباد ، ويا خيرا من زيد ، أو معطوفا عليه قبل النداء ، كقولك : يا ثلاثة وثلاثين في رجل سمّيته بذلك ، قاله ابن هشام في شرح القطر. «والنكرة غير المقصودة» بالنداء جامدة كانت أو مشقّة في نثر أو شعر «تنصب» وجوبا.

عامل المنادى : اختلف في عامل النصب ، فقيل : فعل مقدّر وهو أدعو ، فحذف للكثرة الاستعمال ودلالة حرف النداء عليه وأفادته فائدته ، وهو قول سيبويه. وقيل : حرف النداء ، لسدّه مسدّ الفعل ، وهو قول المبرّد. وقال أبو على في بعض كلامه : إنّ ياء وأخواتها أسماء أفعال ، فتكون هي العاملة (١). ومثّل المصنّف للثلاثة نشرا على ترتيب اللفّ بقوله نحو : «يا عبد الله» مركّبا إضافيا أو علما.

وعن ثعلب إجازة الضّمّ في غير المحضة ، نحو يا حسن الوجه بضمّ الصفة ، لأنّ إضافتها بتقدير الانفصال ، ويا طالعا حبلا ، وقول الأعمي ـ طالبا لمن يهديه السبيل ـ يا رجلا خذ بيدي ، وقول الواعظ يا غافلا والموت يطلبه ، وقول الشاعر [من الطويل] :

٤٢٧ ـ فيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن

نداماي من نجران أن لا تلاقيا (٢)

عرضت أي أتيت العروض ، وهو مكة والمدينة ، شرّفهما الله تعالى ، ونجران بلد من اليمن.

__________________

(١) يبدو أنّ مذهب سيبويه أحسن المذاهب بالنسبة إلى تعيين عامل المنادى ، لأنّ المنادى مفعول به في المعنى ، وناصبه فعل مضمر نابت «يا» منابه ، فأصل «يا على» أدعو عليا ، فحذف «أدعو» ونابت «يا» منابه.

(٢) هذا البيت لعبد يغوث بن وقاص الحارثي. اللغة : نداماي : جمع ندمان ومعناه النديم المشارب.

٤٣٣

وهذا مبنيّ على مذهب البصريّين من جواز نداء النكرة غير الموصولة مقبلا عليها وغير مقبل ، وقيل بالمنع مطلقا ، وهو مذهب الأصمعيّ ، وقيل : ان كانت خلفا عن موصوف جاز ، نحو : يا ذاهبا ومنه فيا راكبا البيت وإلا فلا ، وهو قول الكسائي وعامّة الكوفيّين.

ولا يجوز عندهم يا رجلا ، وزعموا أنّه ليس بمسموع وقيل إن كانت مقبلا عليها جاز ، وإلا فلا ، وهو قول الفارسي قال : ولا يتصوّر نداء نكرة غير مقبل عليها ، وما جاء منوّنا كالبيت محمول على الضرورة ، هكذا نقله ابن عقيل ، والّذي في الأوضح والإرتشارف نقل إنكار وجود النكرة غير مقبل عليها في النداء عن المازنيّ ، قاله في السراج.

تنبيهات : الأوّل : قال بعضهم التعبير بالمضاف في قوله والمضاف وشبهه لا يصدق إلا على نحو : يا غلام زيد ، دون نحو : يا عبد الله علما ، لأنّ المنادى مجموع المضاف والمضاف إليه لا مجرّد المضاف ، كما لا يخفى ، ولو قال : أو ذا إضافة لسلم لشموله لما وقع مضافا ، ولما اشتمل على الإضافة ، انتهى.

وهذا إنّما يرد إذا جعلنا المضاف في عبارة المصنّف وصفا للمنادي ، ولنا أن نجعله وصفا لمطلق الاسم فيكون المعنى : والاسم المضاف في النداء يثبت له الحكم المذكور ، فيشمل نحو : يا غلام زيد ممّا المنادى فيه المضاف ، ويا عبد الله ، ممّا المنادى فيه مجموع المضاف والمضاف إليه ، فتدبّر.

الإشكال في يا طالعا جبلا : الثاني : في قولهم «يا طالعا جبلا» إشكال مشهور ، حتى قيل : إنّه من المزالق النحويّة ، وذلك أنّه لم يوجد فيه معتمدا لطالعا حتى يعمل ، واسم الفاعل لا يعمل بدون اعتماد على ما سيأتي ذكره ، وتقدير الموصوف مشكل ، لأنّه إذا قدّر موصوف ، يكون موصوفه منادي مفردا ، فلا يكون هناك شبه مضاف.

وقال الرضيّ في بحث الموصول : إنّ عمل اسم الفاعل والمفعول من غير اعتماد على أحد الأمور الخمسة ، أي الموصوف وذي الحال والمبتدإ وحرف النفي وحرف الاستفهام ، مذهب الأخفش والكوفيّين دون البصريّين. وأمّا قول النحاة : يا ضاربا غلامه ويا حسنا وجهه بالاعمال ورجوع الضمير إلى مقدّر فمثال لهم غير مستند إلى شاهد من كلام موثوق به ، ولا يقال : جائني حسن وجهه في الاختيار ، بل قد يجئ مثله في الشعر نحو قوله [من الطويل] :

٤٣٤

٤٢٨ ـ بسود نواصيها وحمر أكفّها

وصفر تراقيها وبيض خدودها (١)

هذا كلامه ، وقد عرفت منه لتقدير الموصوف محذورا آخر. وقال الفاضل الهنديّ : أصله يا أيّها الطالع جبلا ، فحذف أيّ للاختصار ، ثمّ حذفت اللام لئلّا تجتمع آلتا التعريف ، ثمّ نصب طالعا ، لكونه مضارعا للمضاف على أنّه يحتمل أن يكون هذا المثال على قول الأخفش والكوفيّين.

الثالث : يمتنع إدخال ياء على ثلاثين من نحو : يا ثلاثة وثلاثين فيمن سمّيته بذلك ، لأنّه من العلم خلافا لبعضهم ، وإن ناديت جماعة ، هذه عدّتها ، فإن كانت غير معيّنة نصبتها ، وان كانت معيّنة ضممت الأوّل ، وعرّفت الثاني بأل ونصبته ، أو رفعته بالعطف على المحلّ أو اللفظ ، إلا إن أعدّت معه ياء ، فيجب ضمّه ، لأنّه نكرة مقصودة ، ويجب حينئذ تجريده من ال. ومنع ابن خروف إعادة ياء وتخييره في إلحاق أل مردود ، قاله في الأوضح ، ووجه ردّه أنّ الثاني ليس بجزء علم ، وإنّما هو اسم الجنس أريد به معيّن.

الرابع : من شبه المضاف نحو : يا لطيفا لم يزل ويا حليما لا يجعل ، قال ابن هشام : الجملة في موضع الحال من الضمير المستتر في الوصف ، وهو للمخاطب بالنداء ، وعامل الحال هو عامل صاحبها ، والمنادى منصوب كما في يا طالعا جبلا ، ولك في حرف المضارع الياء والتاء على حدّ يا تميم كلّهم أو كلّكم ، انتهى ، وفيه ردّ على ابن مالك حيث جعل الجملة نعتا.

الخامس : إذا كان المنادى نكرة مقصودة موصوفة بمفرد جاز ظهور نصبه ، نحو يا رجلا كريما ، حكى ذلك الفرّاء عن العرب ، وجزم به ابن مالك في التسهيل.

«و» المنادى «المستغاث يخفض» أي يجرّ «بلامها» أي لام الاستعاثة لدلالة المستغات عليها ، وهي لام الاختصاص أدخلت علامة للاستغاثة والتعجّب ، وإنّما اختيرت من بين الحروف لمناسبة معناهما لمعناهما ، إذ كلّ منها مخصوص بالدعاء وبالاستحضار لغرابته ، واختلف فيها ، فقيل : هي زائدة فلا تتعلّق بشيء ، واختاره ابن خروف بدليل صحّة إسقاطها حيث يقال : يا زيدا ، وقيل ليست بزائدة ، وهو الصحيح ، وعليه فيمإذا تتعلّق. قال ابن جنيّ : هي متعلّقة بحرف النداء لما فيه من معنى الفعل ، وردّ بأنّ معنى الفعل لا يعمل في المجرور ، وأجيب بأنّه قد عمل في الحال في نحو قوله [من الطويل] :

__________________

(١) البيت للحسين بن معطير. اللغة : بسود متعلّق بقوله يعيدها في البيت السابق وهو جمع أسود. النواصي : جمع الناصية ، أي مقدّم الرأس ، وشعر مقدّم الراس إذا طال ، حمر : جمع أحمر ، الأكف : جمع الكفّ ، أي الراحة مع الأصابع ، صفر : جمع أصفر ، التراقي : جمع ترقوه ، وهي أعإلى الصدر ، بيض : جمع أبيض ، الخدود : جمع الخدّ ، وهي جانب الوجه.

٤٣٥

٤٢٩ ـ كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا

 ... (١)

فيعمل في المجرور ، لأنّ العامل في الحال أقوي من العامل في المجرور ، لأنّه عامل في صاحبها. وقال الأكثرون : متعلّقة بفعل النداء المحذوف ، واختاره ابن الضائع وابن عصفور ، ونسباه إلى سيبويه ، واعترض بأنّه متعدّ بنفسه ، وأجاب ابن أبي الربيع بأنّه ضمّن معنى الالتجاء في نحو : يا لزيد ، والتعجّب في نحو : يا للدواهي.

وأجاب ابن عصفور بأنّه ضعيف بالتزام الحذف ، فقوّي تعديته باللام ، واقتصر الرضيّ وأبو حيّان على إيراد هذا الجواب. قال ابن هشام : وفيه نظر ، لأنّ اللام المقوّية زائدة ، وهولاء لا يقولون بالزيادة ، انتهى.

ويردّ هذا الاعتراض بما ذكره هو في موضع آخر من مغنيه ، بأنّ التحقيق في لام التقوية أنّها ليست زائدة محضة لما تخيّل في العامل من الضعف الّذي نزّل مترلة القاصر ولا معدّية لاطّراد صحّة إسقاطها ، فلها مترلة بين مترلتين ، انتهى.

ونقل ابن مالك عن الكوفيّين غير الفرّاء أنّ هذه اللام بقية اسم ، وهو أل ، والأصل في يا لزيد يا الزيد ، ثمّ حذفت همزة أل للتخفيف وإحدى الألفين لالتقاء الساكنين ، وضعف بأنّه يقال فيما لا أل له : يا للدواهي ويالله ، وإنّما خفض بها ، ليكون أعون على مدّ الصوت المعيّن على المقصود من الاستعانة ، ولو قال يجرّ لكان أولى ، لأنّ الخفض من ألقاب البناء.

«ويفتح» أي يبني على الفتح وجوبا «لألفها» أي الاستغاثة إذا ألحقت به ، «ولا لام فيه» حينئذ تحرّزا عن الجمع بين حرفي الاستعانة وعن الجمع (٢) بين العوض والمعوّض عنه ، لأنّ اللام عوض عن الألف ، كما نقل عن الخليل ، ولأنّ اللام تقتضي الجرّ ، والألف تقتضي الفتح ، فبين أثريهما تناف ، كذا قيل.

قال بعضهم : وفيه أنّه لا تنافي بينهما في نحو يا لاحمداه ، لأنّ جرّ غير المنصرف بالفتحة ، إلا أن يعتبر طردا للباب ، لا يقال : التنافي موجود ، لأنّ مقتضي أحدهما فتحة بنائيّة ، والأخرى إعرابيّة ، لأنّا نقول : لا تقتضي الألف إلا فتح ما قبلها ، إعرابيّة كانت الفتحة أو بنائية ، ألا ترى أنّه لا يقال في الوقف على زيدا : زيدا بالألف وفتحة ما قبلها نصب ، وما قيل من أنّ التنافي موجود ، لأنّ هذا الفتح في حكم الكسر ، فليس بشيء.

__________________

(١) هو لامرئ القيس. تمامه : لدي وكرها العنّاب والحشف البإلى. اللغة : الرطب : ضدّ اليابس ، الحشف : أردء أقسام التمر ، البإلى : الفاسد والمندرس.

(٢) سقط بين حرفي الاستعانة وعن الجمع في «ح».

٤٣٦

ويخفض المستغاث بما كان يخفض به قبل النداء ، إمّا بكسرة ظاهرة نحو : يا لزيد ، أو بفتحة نائبة عنها ظاهرة نحو : يا لأحمدا ، أو مقدّرة نحو : يا لموسى ، أو بالياء نحو : يا للزيدين بفتح الدال أو كسرها ، وبكسرة مقدّرة لفظا نحو يا للقاضي ، أو محلا نحو يا لهذا ويا لرقاش (١).

كلّ ذلك بفتح اللام على خلاف الأصل في حركة اللام الجارّة كما تقدّم ، وإنّما فتحت لوقوع المنادى موقع كاف الخطاب ، واللام تفتح مع الضمير ، نحو : لك وله ، فكذا ما وقع موقعه ولقصد التفرقة بين المستغاث والمستغاث من أجله ، نحو : يا الله للمسلمين بفتح الأولى وكسر الثانية إلا أن كان المستغاث ياء المتكلّم نحو : يا لي ، أو معطوفا ولم تعدمعه يا ، نحو قوله [من البسيط] :

٤٣٠ ـ ...

يا للكهول وللشّبان للعجب (٢)

فتكسر ، فإن أعيدت معه يا فتحت كقوله [من البسيط] :

٤٣١ ـ يا لقومي ويا لأمثال قومي

لأناس عتوّهم في ازدياد (٣)

والمستغاث المفتوح لألف الاستغاثة نحو : يا زيدا ، وقول الشاعر [من الخفيف] :

٤٣٢ ـ يا يزيد الآمل نيل عزّ

وغني بعد فاقة وهوان (٤)

وقد يخلو المستغاث من الألف واللام معا ، فيعطي ما يستحقّه ، لو كان منادي غير مستغاث كقوله [من الوافر] :

٤٣٣ ـ ألا يا قوم للعجيب العجيب

 ... (٥)

تنبيهات : الأوّل : حكم المتعجّب منه حكم المستغاث وهو على قسمين ، أحدهما أن يرى أمر عظيما ، فينادى جنسه ، كقولهم : يالماء ويا للدواهي ، إذا تعجّبوا من كثرتهما ، والثاني أن يرى أمرا عظيما ، فينادي من له نسبة إليه ومكنة فيه نحو : يا للعلماء ، فيجرّ باللام ، ويفتح لإلحاق الألف كقوله [من الرجز] :

٤٣٤ ـ يا عجبا بهذه الفليقة

هل تذهبنّ القوباء الرّيقة (٦)

__________________

(١) الرقاش : اسم امرأة.

(٢) صدر البيت «يبكيك ناء بعيد الدار مغترب» ، ولم يسمّ قائله. اللغة : ناء : اسم الفاعل ، فعله ناى ينأى : اذا بعد ، أراد به بعيد النسب ، الكهول جمع كهل ، الشبان : جمع شاب.

(٣) لم يعرف قائله. اللغة : العتوّ : الاستكبار التمرّد على الحق.

(٤) لم يسمّ قائله. اللغة : الآمل : فاعل من الآمل بمعنى الرجاء ، الفاقة : الاحتياج وأشدّ الفقر ، الهوان : الذلّ والصغار.

(٥) عجز البيت : وللغفلات تعرض للأريب ، ولم يسمّ قائله. اللغة : اللغفلات : جمع غفلة ، وهي إهمال الأمر ، الأريب : العاقل المجرّب العالم بعواقب الأمور.

(٦) لم يسمّ قائله. اللغة : الفليقة : الداهية ، القوباء : داء في الجسد يتقشّر منه الجلد وينجرد منه الشعر. الريق : اللعاب ، ماء الفم.

٤٣٧

ويجوز كسر لامه على تقديره مستغاثا له ، وحذف المستغاث ، والمقصود أنّك دعوته لذلك الشيء.

الثاني : إنّما كان المستغاث والمتعجّب منه معربين عند دخول اللام عليها وإن كانا مفردين معرفتين ، لأنّ علّة البناء في المنادى ضعيفة لمشابهته للاسم المبنيّ المشابه للحرف ، فغلبت اللام المقتضية للجرّ حرف النداء المقتضية للبناء لضعفها في اقتضاء البناء مع كونها أبعد من مقتضي الجرّ ، قاله الرضي (ره).

الثالث : قد يجرّ المستغاث من أجله بمن كقول الشاعر [من البسيط] :

٤٣٥ ـ يا للرّجال ذوي الألباب من نفر

لا يبرح السّفه المردي لهم دينا (١)

والمستغاث من أجله هو المستنصر عليه في الاصطلاح ، فلا ينصرف إلا إليه عند الإطلاق ، وان صحّ إطلاقه على المستنصر له لغة ، لأنّ كلّا منهما وقعت الاستغاثة لأجله أي بسببه ، فافهم.

الرابع : قد يستغنى عن المستغاث من أجله إن علم سبب الاستغاثة كقوله [من الوافر] :

٤٣٦ ـ فهل من خالد إمّا هلكنا

وهل بالموت يا للنّاس عار (٢)

أي للناس لمن يشمت بنا.

المنادى المضاف إلى الياء : تتميم : المنادى المضاف إلى الياء إن كان معتلّا وجب ثبوت يائه وفتحها ، نحو : يا فتاي ويا قاضي ، وإن كان وصفا مشبّها للمضارع في كونه بمعنى الحال أو الاستقبال وجب ثبوت يائه مفتوحة وساكنة ، نحو : يا مكرمي ويا ضاربي.

وهل الأصل الفتح أو السكون؟ قولان : وما عدا ذلك وليس أبا وأمّا ، فالأكثر فيه حذف الياء اكتفاء بالكسرة ، نحو : (يا عِبادِ فَاتَّقُونِ) [الزمر / ١٦] ، ثمّ إثباتها ساكنة نحو : (يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ) [الزخرف / ٦٨] ، أو مفتوحة ، نحو : (يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا) [الزمر / ٥٣] ، ثمّ قلبها ألفا ، نحو : يا حسرتا ، ثمّ حذف الألف اكتفاء بالفتحة كقوله [من الوافر] :

٤٣٧ ـ لست براجع مافات منّي

بلهف ولا بليت ولا لو أنّي (٣)

__________________

(١) لم يعثر على قائله. اللغة : الألباب : جمع اللّب : العقل ، السفة : الجهل ، المردي : المهلك.

(٢) هو لعدي بن زيد.

(٣) لم ينسب هذا البيت إلى قائل معين. اللغة : بلهف : أراد بأن أقول يا لهفا ، بليت : أراد بأن أقول يا ليتني.

٤٣٨

ثمّ ضمّ الاسم اكتفاء بنية الإضافة ، وإنّما يفعل ذلك فيما يكثر أن لا ينادى إلا مضافا كقراءة بعضهم : (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَ) [يوسف / ٣٣] بضمّ ربّ.

فهذه ستّ لغات ، وان كان أبا أو أمّا جاز فيه اللغات السّتّ على الترتيب المذكور ، وإبدال الياء تاء مكسورة ، وهو الأكثر ، أو مفتوحة ، وهو الأقيس ، وقرئ بهما في السبعة ، أو مضمومة ، وهو شاذّ ، وقرئ بها في الشواذ ، والجمع بين التاء والألف أو الياء ، وهو قبيح ، وسبيله الشعر كقوله [من الرجز] :

٤٣٨ ـ ...

يا أبتا علّك أو عساكا (١)

وقوله [من السريع] :

٤٣٩ ـ يا أمّتا أبصرني راكب

 ... (٢)

وقوله [من الطويل] :

٤٤٠ ـ أيا أبتي لازلت فينا فإنّما

 ... (٣)

فهذه عشرة كاملة ، والمضاف إلى المضاف إلى الياء يجب ثبوت الياء فيه لا غير : نحو : يا ابن أخي ويا ابن خإلى ، إلا أن كان ابن عم أو ابن أمّ ، فالأكثر حذف الياء اكتفاء بالكسرة ، وجاز فتح آخر كلّ منهما ، قري : (يَا بْنَ أُمَ) [طه / ٩٤] ، بالوجهين ، ولا يكادون يثبتون الياء ولا الألف إلا في الضرورة كقوله [من الرجز] :

٤٤١ ـ يا ابنة عمّا لا تلومي واهجعي

لا يخرق النوم حجاب مسمعي (٤)

وقوله [من الخفيف] :

٤٤٢ ـ يابن أمّي ويا شقيّق نفسي

أنت خلفتني لدهر شديد (٥)

«والعلم المفرد الموصوف بابن» اتّفاقا أو «ابنه» على خلاف ، حكاه ابن كيسان حال كون ابن أو ابنة متّصلا بالعلم «مضافا إلى علم آخر ، يختار» مع جواز الضمّ «فتحه» عند البصريين غير المبرّد لخفّته ، وأوجبه بعضهم ، «نحو : يا زيد بن عمرو» ، ويا هند ابنة زيد بفتح زيد وهند ، إمّا على الإتباع الفتحة ابن ، إذ الحاجز بينهما ساكن ، فهو غير حصين ، وعليه اقتصر في التسهيل ، فهو نظير امرئ وابنم ، أو على تركيب

__________________

(١) تقدم برقم ١٤٧ و ١٩٦.

(٢) تمامه «يسير في مسحنفر لاحب» ، ويروى : في بلد مسحنفر لاحب. اللغة : المسحنفر : الطريق الواضح ، اللاحب : الطريق الواسع المنقاد الّذي لا ينقطع.

(٣) تمامه «لنا أمل في العيش مادمت عائشا» ، ولم يسم قائله.

(٤) هو لأبي النجم العجلي. اللغة : لا تلومي : لا تعتبي : اهجعي : أصله من الهجوع ، وهو الرقاد بالليل ، والمراد اطمئني.

(٥) هو لأبي زيبد. اللغة : الشّقيق : مصغر شقيق : الأخ من الأب والأم ، والنظير والمثيل ، خلقتني : تركتني خلفك.

٤٣٩

الصفة مع الموصوف وجعلهما شيئا واحدا كخمسة عشر. وعليه اقتصر الفخر الرازيّ تبعا للشيخ عبد القاهر ، فهو نظير لا رجل ظريف في من فتحهما ، وإمّا على إقحام الابن وإضافة زيد إلى عمرو ، ولأنّ ابن الشخص يجوز إضافته إليه ، لأنّه يلابسه ، حكاه [الأسترآبادي] في البسيط مع الوجهين ، فهو نظير يا زيد زيد اليعملات ، إذا فتحت الأوّل على قول سيبويه.

فعلى الوجه الأوّل فتحة زيد فتحة اتّباع ، وعلى الثاني فتحة بناء ، وعلى الثالث فتحة إعراب وفتحة ابن الأول فتحة اعراب ، وعلى الثاني بناء ، وعلى الثالث غيرهما. وذهب المبرّد إلى أنّ الضمّ أجود ، وهو القياس ، وذهب ابن كيسان إلى أنّ الفتح أكثر ، ومنه قوله [من الرجز] :

٤٤٣ ـ يا حكم بن المنذر بن الجارود

سرادق المجد عليك ممدود (١)

ويتعيّن الضمّ إذا كان المنادى غير علم ، أو كان الابن مضافا لغير علم ، نحو : يا رجل بن عمرو ويا زيد بن أخينا. أو كان الابن غير صفة ، بأن كان بدلا أو بيانا أو منادي سقط منه حرف النداء ، أو مفعولا بفعل محذوف تقديره أعني ونحوه : أو فصّل بين العلم والابن بفاصل ، نحو : يا زيد الفاضل بن عمرو ، أو كان العلم موصوفا بغير ابن ، نحو : يا زيد الفاضل ولم يشترط ذلك الكوفيّون ، وأنشدوا عليه [من الوافر] :

٤٤٤ ـ فما كعب بن مامة وابن سعدى

بأجود منك يا عمر الجواد

بفتح عمرو ، حمله البصريّون على أنّ أصله يا عمرا بالألف ، فحذف لالتقاء الساكنين على مذهب من يجيز إلحاق الألف في غير الندبة والاستغاثة والتعجّب ، أو أنّ أصله يا عمرا بالتنوين للضرورة ، ثمّ حذف لالتقاء الساكنين على حدّ قوله : ولا ذاكرا الله إلا قليلا.

تنبيهات : الأوّل : لا أثر للوصف ببنت عند جمهور العرب ، فيتعيّن الضّمّ في نحو : يا هند بنت زيد ، لتعذّر الاتّباع ، لأنّ بينهما حاجزا حصينا ، وهو تحريك الباء الموحّدة ، وجوّز أبو عمرو بن العلاء الفتح سماعا بناء على أنّه للتركيب.

الثاني : شمل قوله : العلم ، المفرد والمثنّى والمجموع مسمّى بهما. فقول الرضيّ لا حاجة للتقييد بالإفراد ، لأنّ المثنّى والمجموع لا يكونان علمين ، إذ لا يثنّى ، ولا يجمع العلم إلا بعد التنكير ، ليس بشيء. قال في النهاية : إذا سمّيت بمسلمات وبزيدين وبزيدين حاكيا إعرابه ، قلت فيمن قال يا زيد بن عمرو بالفتح : يا مسلمات بن عمرو ، بالكسر ، ويا زيدين بن عمرو ، ويا زيدين بن عمرو ، وعلى من ضمّ تقول : يا مسلمات بن

__________________

(١) هو لرؤبة. اللغة : السرادق : كلّ ما أحاط بشيء.

٤٤٠

عمرو ، ويا زيدان بن عمر ، ويا زيدون بن عمرو ومن أجرى الاعراب في النون أجرى النون (١) مجرى الدال فيفتحها أو يضمّها ، انتهى.

قال في التصريح : هذا مبنيّ على القول بالتركيب ، وأمّا على القول بالاتّباع فلا ، إذ لا اتّباع في مسلمات إذا كسرت ، ولا في المثنّى والمجموع على حدّه وبذلك قال [ابن مالك] في التسهيل : ويجوز فتح ذي الضمّة الظاهرة اتّباعا ، فنحو : يا عيسى ابن مريم لا يقدّر فيه إلا الضمّ خلافا للفرّاء والزمخشريّ ، انتهى. قلت وكذا نحو : رقاش ، ابنة بكر. وقال أبو حيّان : يكون فتح الاتّباع تقديرا.

الثالث : قال ابن مالك : ألحق بالعلم فيما ذكر نحو : يا فلان بن فلان ، ويا سيّد بن سيّد ، ويا فاضل بن فاضل ، كناية بهما عن المجهول النسب لكثرة استعمالها كالعلم. قال أبو حيّان : الّذي ذكره أصحابنا أنّ المسألة مفروضة فيما إذا كان المنادى والمضاف إليه ابن غير علم ، لكنّه ممّا اتّفق فيه لفظ المنادى ولفظ ما أضيف إليه نحو : يا كريم بن الكريم ، أو ابن الكريم ، ويا شريف ابن الشريف ، أو ابن الشريف ، ويا كلب بن الكلب ، أو ابن الكلب ، انتهى.

ونقل غير ابن مالك أنّ مذهب البصريّين في ذلك كلّه بناء المنادى على الضمّ ، ومذهب الكوفيّين وابن كيسان جواز فتحه وضمّه.

الرابع : حكى الأخفش أنّ بعض العرب يضمّ ابن اتباعا لضمّ المنادى ، قيل ، وكان قائله راعي (٢) : إنّ التابع ينبغي أن يتأخّر عن المتبوع ، ولم يراع أنّ الأصل الحامل على الاتّباع قصدا لتخفيف.

الخامس : إذا وقع ابن في غير النداء صفة بين العلمين اسمين أو كنيتين أو لقبين متّفقين كانا ، أو مختلفين ، ولم يكن ابن مثنّى ولا مجموعا ولا مصغّرا ، كان الحكم فيه أن يحذف التنوين من الموصوف ، إذا كان منوّنا والألف من ابن خطّا كما في النداء ، ما لم يقع ابتداء سطر.

قال ابن بابشاذ : وعلّة التنوين عند سيبويه التقاء الساكنين وكثرة الاستعمال وكون ابن صفة ، لأنّ الصفة والموصوف كالشيء الواحد ، فأثّر في الحذف ، فتقول : هذا زيد بن عمرو وأبو على بن أبي الحسن وزين العابدين جمال الدين ، وكذلك مع المؤنّث المنصرف نحو : يا هند ابنة دعد ، فيمن صرف ، وزيد بن هند. ونصّ عليه ابن

__________________

(١) سقط النون في «ح».

(٢) محمد بن محمد بن محمد بن إسماعيل الأندلسي المالكيّ المشهور بالراعي ولد سنة ٧٨٠ ه‍ ق ، له شرح الألفية والجرومية ومات سنة ٨٥٣ ه‍ ق. بغية الوعاة ١ / ٢٣٣.

٤٤١

بابشاذ في شرح الجمل خلافا لمن اشترط تذكير العلمين ، وعلّله بأنّهم لا ينسبون الرجل إلى أمّه ، وقد يثبت التنوين في الضرورة ، كقوله [من الرجز] :

٤٤٥ ـ جارية من قيس ابن ثعلبة

 ... (١)

ولو وقع ابن في جميع ذلك خبر المبتدإ أو لإنّ أو لكان أو لظننت أثبت التنوين لفظا والألف خطّا ، لأنّ الخبر لم يترّل مترلة الصفة بدليل جواز تقديمه وحذفه ، وكذا لو كان مثنّى أو مجموعا أو مصغّرا ، نحو : هذا زيد وعمرو ابنا خالد ، وزيد وعمرو وبكر أبناء خالد ، أو هذا زيد بني خالد ، لأنّ استعمال الواحد في هذا النوع أكثر من استعمال التثنية والجمع ، ولأنّ التقاء الساكنين يزول بالتصغير.

وأمّا اشتراط أن لا يكون أول سطر فلأنّه إذا كان في أول سطر كان في محلّ يبتدأ به غالبا ، لأن القارئ ينتهي إلى آخر السطر ، ثمّ يبتدأ بأوّل السطر الّذي بعده ، فكرهوا أن يكتبوا على خلاف ما لا يوجبه النطق غالبا.

«و» المنادى «المنوّن ضرورة» ، سواء كان علما ، أو نكرة مقصودة «يجوز ضمّه ونصبه» نحو قول الأحوص [من الوافر] :

٤٤٦ ـ سلام الله يا مطر عليها

وليس عليك يا مطر السّلام (٢)

وردّت الرواية بالوجهين ، وقول كثير [من البسيط] :

٤٤٧ ـ حيّتك عزّة بعد الهجر وانصرفت

فحيّ ويحك من حيّاك يا جمل

ليت التحية كانت لي فأشكرها

مكان يا جمل حيّيت يا رجل (٣)

واختار الخليل وسيبويه الضمّ ، لأنّ الضمّ دعت إلى التنوين ، فأقرّت الكلمة على حالها (٤) ، حتى قال سيبويه في النصب : لم يسمع عربا يقوله ، لكن حفظه.

واختار أبو عمرو وعيسى النصب ، لأنّ أصل المنادى أن يكون معربا ، فلما دخلة التنوين عاد إلى اعرابه ، ولمّا عاد إلى الإعراب ، عاد إلى النصب ، ويظهر كما قال في الإرتشاف من قول سيبويه لم يسمع عربيّا يقوله ، وإنّ الخلاف لا على سبيل الاختيار بل على التحتّم.

وقال ابن عصفور بعد ذكر المذهبين : ومن نفي الضمّ لم يجز إلا النصب ، ووافق الأعلم وابن مالك الخليل في العلم وأبا عمرو في النكرة.

__________________

(١) تمامه «كريمة أنسابها والعصبة» ، وهو للأغلب. اللغة : الأنساب : جمع النسب : القرابة ، العصبة : الأقوام والعشيرة.

(٢) البيت للأحوص الأنصاري ، وكان يهوي امرأة ويشب بها ، ولا يفصح عنها ، فتزوّجها رجل اسمه مطر ، فغلب الأحوض على أمره ، فقال هذا الشعر.

(٣) اللغة : حيّتك : خطاب للجمل ، ويحك : كلمة ترحّم وتوجّع أو توبيخ.

(٤) سقطت هذه الجمل في «س».

٤٤٢

قال ابن مالك : إنّ بقاء الضمّ راجح في العلم لشدّة شبهه بالضمير ، مرجوح في اسم الجنس لضعف شبهه بالضمير ، وتظهر فائدة ذلك في التابع ، فتابع المنوّن المضموم يجوز فيه الضمّ والنصب ، وتابع المنوّن المنصوب يجب نصبه. واختلف في تنوين المضموم ، فقيل : تنوين تمكين ، لأنّ هذا المبنيّ يشبه المعرب ، وقيل : تنوين ضرورة ، وإليه ذهب ابن الخبّاز. قال ابن هشام وبقوله أقول : لأنّ الاسم مبنيّ على الضمّ.

والمنادى «المضاف المكرّر» قبل المضاف إليه «يجوز ضمّه ونصبه ، كتيم الأول في نحو» قول جرير يهجو عمر بن النجار وقومه [من البسيط] :

٤٤٨ ـ يا تيم تيم عديّ لا أبا لكم

لا يلقينّكم في سوأة عمر (١)

وأما الثّاني فيجب نصبه فالضمّ في الأوّل على كونه منادي مفردا ، وهو الأكثر ، فيكون تيم الثاني بيانا له ، أو بدلا منه ، أو منادي ثان بإضمار يا ، أو مفعولا بإضمار أعني.

قال ابن مالك : أو توكيدا ، ويمنعه اختلاف وجهي التعريف واتّصال الثاني ممّا لم يتّصل به الأوّل ، والنصب على كونه مضافا لما بعد الثاني عند سيبويه ، فيكون الثاني مقحما بينهما ، والأصل يا تيم عدي يا تيمه ، فحذف ضميره ، وأقحم للتأكيد ، وهو توكيد لفظيّ للأوّل ، والتاكيد اللفظيّ (٢) يأتي ، ولا يغيّر ما قبله ولا ما بعده عمّا كان عليه ، فلذلك بقي منصوبا.

وعلى نيّة الإضافة لمثل ما أضيف إليه الثاني عند المبرّد ، والأصل يا تيم عديّ تيم عديّ ، ولم يعوّض التنوين عن الاضافة إليه كما عوّض في قوله تعالى : (كُلًّا هَدَيْنا) [الأنعام / ٨٤] ، لأنّ القرينة الدالّة على المحذوف موجودة بعد مثل المضاف ، أعني عدي الظاهر الّذي أضيف إليه تيم الثاني ، فكان المضاف إليه الأوّل لم يحذف وعليه ، فيكون الثاني توكيدا أو بيانا أو بدلا أو منادي ثان على إضمار يا.

وضعف قول سيبويه بأنّه مبنيّ على جواز إقحام الأسماء ، وأكثرهم يأباه وعلى جوازه ، ففيه فصل بين المضاف والمضاف إليه ، وهما كالشيء الواحد ، وقول المبرّد بأنّه من باب الحذف من الأوّل لدلالة الثاني عليه ، وهو قليل في كلامهم ، والأكثر عكسه.

وقال الفرّاء : الاسمان مضافان للمذكور ، ولا إقحام ولا حذف ، وهو ضعيف لما فيه من توارد عاملين على معمول واحد ، وقال الأعلم : ركّبا تركيب خمسة عشر ، ثمّ

__________________

(١) اللغة : لا أبالكم : جملة قد يقصد بها المدح ، ومعناه حينئذ نفي نظير الممدوح بنفي أبيه ، وقد يقصد بها الذم ومعناه حينئذ أن المخاطب مجهول النسب.

(٢) سقط التأكيد اللفظي في «س».

٤٤٣

أضيف إلى عدي كما قيل : ما فعلت خمسة عشرك بفتحها ، وفيه تكلّف تركيب ثلاثة أشياء ، وقال السيرافي : الأصل يا تيم بالضمّ تيم عدي ، ففتح اتباعا لنصب الثاني كما في يا زيد بن عمرو.

فهذه خمسة أقوال ، ولا تختصّ المسالة بالعلمين عند البصريّين بل اسما الجنس والوصفان كذلك ، نحو : يا رجل رجل القوم ، ويا صاحب صاحب عمرو ، وخالف الكوفيّون ، فأوجبوا ضمّ الأوّل من اسمي الجنس ، وضمّه أو نصبه منوّنا من الوصفين نحو يا صاحبا صاحب زيد.

تنبيه : إنّما أضاف الشاعر تيم إلى عدي ليفرق بينهم وبين تيم مرّة في قريش وتيم غالب بن فهر في قريش أيضا وتيم قيس بن ثعلبه وتيم شيبان وتيم ضبّة ، وقوله : لا أبا لكم للغلط في الخطاب ، وقوله لا يلقينكم من ألقي إذا وجد ، والسوءة بالفتح الفعلة القبيحة قاله العينيّ (١).

توابع المنادى : «تبصرة» في احكام توابع المنادى ، تعرّض لها هنا كغيره لما فيها من الخصوصيّة الزائدة على مطلق التابع الآتي ذكره.

«وتوابعه» أي المنادى «المضافة» إضافة معنويّة ، لأنّ المطلق ينصرف إلى الفرد الكامل «تنصب» وجوبا «مطلقا» سواء كان المنادى مبنيّا أو معربا ، نحو : يا زيد أو يا عبد الله صاحب عمر في النعت ، ويا زيد أو يا عبد الله نفسه في التوكيد ، ويا زيد أو يا عبد الله عائد اللكب في البيان ، وكذا البدل ويا زيد ويا عبد الله وغلام بشر في عطف نسق ، كلّ ذلك بالنصب وجوبا على محلّ المتبوع إن كان مبنيّا ، وعلى لفظه إن كان معربا.

وحكي عن جماعة من الكوفيّين منهم الكسائي والفرّاء والطّوال جواز رفع المضاف من نعت وتوكيد ، وتبعها ابن الأنباريّ ، وإذا كان مع تابع المنادى ضمير جئ به دالّا على الغيبة باعتبار الأصل ، وعلى الحضور باعتبار الحال ، نحو : يا تميم كلّهم وكلّكم ، ويا زيد نفسه ونفسك ، ومنع الأخفش هذا الوجه الثاني ، وتأوّل نحو : ذلك على أنّه منصوب بفعل مقدر كأنّه قال : دعوت كلّكم.

__________________

(١) بدر الدين محمود العيني (٨٥٥ ـ ٧٦٢ ه‍ ق) ولد في عينتاب ، له مصنفات كثيرة منها : «شرح الشواهد الكبير والصغير» و «رمز الحقائق في شرح كتر الدقائق» بغية الوعاة ٢ / ٢٧٥.

٤٤٤

وأمّا التوابع المضافة إضافة لفظيّة نحو : يا زيد الحسن الوجه فحكمها حكم المفردات ، لأنّ إضافتها كلا إضافة ، فتكون مع المنصوب منصوبة وجوبا ، ومع المبنيّ جائزة الوجهين.

«أمّا» توابع المنادى «المفردة» ، ويدخل فيها شبه المضاف ، لأنّ المراد بالمفردة ما يقابل المضاف ، ولو لا ذكر المضاف في المنصوب وجعله في حكم المستثنى من المفرد المذكور سابقا لكان داخلا فيه ، فلا حاجة لإدخال شبه المضاف في المفردة إلى ما تكلّفه بعضهم من جعل المفردة أعمّ من المفردة حقيقة أو حكما ، لأنّ شبه المضاف مفرد حقيقة.

«فتوابع» المنادى «المعرب» هو المضاف وشبهه والنكرة غير المقصودة والمستغات المجرور باللام والمنوّن بالنصب ضرورة «تعرب بإعرابه» نحو : يا عبد الله الظريف أو الحسن الوجه في النعت ، ويا بني تميم أجمعين في التاكيد ، ويا عبد الله كرزا في البيان ، ويا عبد الله والحارث في النسق المقرون بأل ، وقس على هذا ذلك.

وأجاز الأخفش في النسق المقرون بأل والبيان التابعين للمعرب الرفع أيضا ، نحو : يا رجلا والحارث ، ويا عبد الله والحارث ويا أخانا زيد (١) ، وعلّل الأوّل بكونه في حكم المستأنف ، فكأنّه باشره حرف النداء كما تقول : في يا أيّها الرجل ، والثاني بأنّ هذا موضع قد اطّرد فيه المرفوع. قال الرضيّ : وهو غريب ، لم يذكره غيره ، انتهى. وأمّا البدل والنسق المجرّد من أل فسيأتي حكمها.

«وتوابع» المنادى «المبنيّ على ما يرفع به» فخرج المستغاث المبنيّ على الفتح لإلحاق ألف الاستغاثة ، فلا يجوز في توابعه إلا النصب ، لأنّ المتبوع مبنيّ على الفتح. فلا يتصوّر الحمل على اللفظ من التأكيد صفة لتوابع ، أي التوابع الثابتة (٢) «من التأكيد» ، والمراد به المعنويّ ، إذ اللفظيّ حكمه في الأغلب حكم الأوّل إعرابا وبناء. قال الرضيّ : وقد يجوز إعرابه رفعا ونصبا ، كقول الشاعر [من الرجز] :

٤٤٩ ـ إنّي وأسطار سطرن سطرا

لقائل يا نصر نصر نصرا (٣)

انتهى.

__________________

(١) سقط «يا أخانا زيد» في «ح».

(٢) التوابع الكائنة «ح».

(٣) هو لرؤبة بن العجاج وقيل لغيره. اللغة : الواو : للقسم ، وأراد بأسطار : القرآن ، وهي جمع سطر بمعنى الكتابة.

٤٤٥

فيحتمل أن يكون هذا مختار المصنّف ، ولذلك لم يقيّد التأكيد بالمعنويّ ، وليس التأكيد في البيت بمتعيّن ، بل يجوز أن يكون كلّ من نصر الأوّل والثاني عطف بيان على المنادى الأوّل جاريا على لفظه والثاني على محلّه.

واستشكال ابن الطراوة لذلك بأنّ الشيء لا يبيّن نفسه مردود بجواز قولك : يا زيد زيد ، إذا قلته ، وبحضرتك اثنان ، اسم كلّ منهما زيد ، فإنّك إذا ذكرت الأوّل ، توهّم كلّ منهما أنّه المقصود ، فإذا كرّرته تكرّر خطابك لأحدهما وإقبالك عليه ، فظهر المراد.

وأمّا قول بعضهم : إنّ نصر الثاني عطف بيان على الأوّل على اللفظ والثالث عطف بيان على الثاني على المحلّ ففيه أنّ قضية ذلك أن يكون لتابع المنادى المبنيّ على الضّمّ إذا رفع إعرابان : لفظيّ ، هو الرفع ، وتقديرى ، هو النصب ، والظاهر من كلامهم خلافه ، وإنّه ليس له الإعراب واحدا ما الرفع فقط أو النصب فقط ، والظاهر ما ذكرناه أوّلا «والصفة» خلافا للأصمعيّ في منعه وصف المنادى لشبهه بالمضمر الّذي لا يجوز وصفه. قال : وارتفاع نحو : الظريف في قولك : يا زيد الظريف على تقدير أنت الظريف ، وانتصابه على تقدير أعني الظريف ليس بشيء ، إذ لا يلزم من مشابهته له كونه مثله في جميع أحكامه.

«وعطف البيان ترفع حملا على لفظه» ، أي المنادى ، قيل : لأنّ الضمّ لاطّراده هنا بمعنى أنّه يصحّ أن يقال : كلّ منادي مفرد معرفة فهو مبنيّ على ما يرفع به أشبه الرفع في الفاعل ، فكما أنّ الرفع في الفاعل مطّرد ، كذلك هذا الضمّ في المنادى مطّرد ، ويردّه أنّ الاطّراد ليس سببا لحمل التابع على لفظ المتبوع ، فإنّ نحو : يا فساق ويا سيبويه يطّرد فيه الكسر ، فيقال : كلّ فعال لسبّ المؤنّث في النداء ، وكلّ علم ختم بويه مبنيّ على الكسر ، ومع هذا فلا يجوز حمل التابع على لفظهما. وقيل لعروض الضّمّة ، لأنّها عرضت بدخول يا على المنادى عروضها في الفاعل بدخول العامل ، فاشبهت الرفع فيه ، فيكون الرافع للتابع على هذا حرف النداء بناء على أنّ العامل في التابع هو العامل في المتبوع في غير البدل ، وإلا فأين الرافع.

وبه صرّح الفاضل الهنديّ في شرح الكافية ، ولا يخفي ضعف ذلك ، قال في التصريح : والقول بأنّ الرافع التبعية قول ضعيف ، فلا يحسن التخريج عليه ، والمخلص من ربقة (١) هذا الإشكال أن يحاول في المنادى المضموم أن يكون نائب فاعل في المعنى ، والتقدير : مدعوّ زيد ، فرفع تابعه بالجمل على ذلك ، انتهى.

__________________

(١) الربقة : الحبل ، الخيط.

٤٤٦

وفيه أنّ معنى المنادى إنشائي ، وما قدّره معنى خبريّ. وقال عصام الدين : إنّ المنادى مع كونه مفعولا به صار كالعمدة في أنّه لا يتمّ الجملة الندائيّة بدونه ، وذلك لأنّه في معنى أقبل ، فذلك المفعول فاعل في القصد ، ولذلك بني على ما يرفع به ، فرفع تابعه بالحمل عليه ، وفيه من التكلّف ما لا يخفي كما اعترف هو به ، وبالجملة فالمسألة من غوامض هذا العلم الجليل ، وكلّ تعلى ل فيها على ل.

«وتنصب» حملا «على محلّه» ، لأنّ حقّ التابع المبنيّ أن يكون تابعا لمحلّه ، وهو هنا منصوب المحلّ على المفعوليّة ، فتقول في التاكيد : يا تميم أجمعون وأجمعين ، وفي الصفة يا زيد الحسن والحسن ، وفي البيان يا غلام بشر وبشرا.

«والبدل» كالمنادى «المستقلّ مطلقا» ، أي سواء كان المنادى مبنيّا أو معربا ، فيضمّ إن كان مفردا معرفة ، وإلا نصب ، كما لو كان المنادى ، فتقول : يا زيد بشر ، ويا عبد الله بشر ، ويا أبا عبد الله ويا عبد الله أخا زيد ، كما تقول : يا بشر ويا أبا عبد الله ، ويا أخا زيد ، وذلك لأنّه في نيّة تكرار العامل.

وقال ابن مالك : ويجوز عندي أن يعتبر في البدل حالان : حال يجعل فيها كالمستقلّ ، وهو كثير ، وحال يعطي فيها الرفع والنصب لشبهه فيها بالتوكيد والنعت وعطف البيان وعطف النسق المقرون بأل في عدم الصلاحيّة لتقدير حرف النداء قبله ، نحو : يا تيم الرجال والنساء ، وصحة هذه المسالة مبنيّة على أنّ العامل في البدل هو العامل في المبدل.

«أمّا المعطوف» عطف نسق ، «فإن كان مع أل» سواء كان علما ، نحو : يا زيد والحارث أو لم يكن ، نحو : يا زيد والرجل ، «فالخليل» بن أحمد الفراهيديّ نسبته إلى فراهيد ، وهي بطن من الأزد ، وهو فريد العصر وقريع (١) الدهر وأستاذ أهل الفطنة الّذي لم ير نظيره ، ولا عرف في الدنيا عديله (٢) ، حتى قال بعض أهل العلم : إنّه لا يجوز على الصراط بعد الأنبياء أحد أدقّ ذهنا من الخليل (ره) «يختار» مع تجويز النصب «رفعه» لما فيه من مشاكلته للمنادى في حركته ، ونظرا إلى المعنى ، لأنّه منادى مستقلّ معنى ، وإن لم يصحّ مباشرة الحرف له ولكونه الأكثر في استعمالهم ، كما حكاه سيبويه ، ووافق الخليل تلميذه سيبويه والمازنيّ.

__________________

(١) القريع : الفحل ، الكريم ، الغالب.

(٢) العديل : المثل والنظير.

٤٤٧

«ويونس» بن جبيب الضبيّ أستاذ سيبويه يختار «نصبه» ، لأنّه لا يجوز أن يلي حرف النداء ، فينبغي أن لا يجعل كلفظ ما وليه ، ولذلك قرأ جميع القرّاء ما عدا الأعرج (١) قوله تعالى : (يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ) [سبأ / ١٠] بالنصب ، ووافق يونس أبو عمرو بن العلاء وعيسى بن عمرو الثقفيّ والجرميّ ، وعزي في غالب المتون هذا الاختيار إلى أبي عمرو دون غيره ، فالتبس الأمر على بعض الناس ، فتوهّم أنّ ذكر يونس في هذا المقام سهو من قلم الناسخ ، وسببه أنّه لم يكن في هذا العلم بالراسخ.

«و» أبو العباس محمد بن يزيد «» بضمّ الميم وفتح الباء الموحّدة وفتح الراء المشدّدة ، عرف بذلك لما حكى السيرافيّ من أنّه لمّا صنّف المازنيّ كتابة الألف واللام سأل عن دقيقه وعويصه (٢) ، فأجاب بأحسن جواب ، فقال : قم فأنت المبرّد ، بكسر الراء المثبت للحقّ ، فغيّره الكوفيّون ، وفتحوا الراء ، وجعلوه نبزا (٣).

«إن كان» المعطوف مع أل علما «كالخليل» واليسع والصعق ، فهو «كالخليل» في اختيار الرفع ، أو فيختار الرفع كالخليل ، لأنّ أل لم تفد فيه تعريفا ، فهي كالعدم ، فاشبه عطف النسق المجرّد من أل ، «وإلا» يكن المعطوف مع أل علما ، بل كان جنسا كالرجل والطير ، فهو «كيونس» في اختيار النصب ، لأنّه يكون حينئذ بإحداث أل فيه تعريفا وتركيبا ما مشابها للمضاف ، هذا هو المنقول الصحيح عن المبرد.

وما وقع في الكافية من قول ابن الحاجب والخليل في المعطوف يختار الرفع ، وأبو عمرو النصب ، وأبو العباس إن كان كالحسن فكالخليل وإلا فكأبي عمرو ، فمقتضاه كما حلّه المصنّف وغيره من الشّراح أنّ المبرّد يوافق الخليل في اختيار الرفع ، إذا كان المعطوف مع أل مثل الحسن في عروض أل وجواز حذفها ، فكأنّه إذن مجرّد عن أل ، ويوافق أبا عمرو في اختيار النصب مع لزوم أل كما في الصعق لامتناع مباشرة حرف النداء له مطلقا ، فكيف يضمّ ، وهو سهو من ابن الحاجب ، كما نبّه عليه الرضيّ (ره).

قال شيخنا العلّامة محمد بن على الشاميّ : ـ أعلى الله مقامه ـ وهذا الحلّ لعبارة ابن الحاجب في الكافية أنّما علم من شرحه ، وإلا فعبارته لا تأبي التتريل على ما هو الصحيح ، وبعد ففي كلامه مع السهو في النقل أنّه لم يعلم منه مذهب المبرّد في عطف ما فيه اللام الأصليّة ، انتهى ، فتأمّل. وتبع ابن الحاجب على هذا النقل عن المبرّد صاحب اللباب وابن هشام في الجامع الصغير.

__________________

(١) عبد الرحمن بن هرمز عرف بالأعرج ، حافظ ، قارئ ، وهو أوّل من برز في القرآن والسنن ، مات سنة ١١٧ ه‍ ق الأعلام للزركلي ، ٤ / ١١٦.

(٢) العويص : الصعب والغامض.

(٣) النبز : لقب السوء.

٤٤٨

«وإلا» يكن المعطوف مع أل بل كان مجرّدا عنها فهو «كالبدل» في كونه كالمنادى المستقلّ مطلقا ، فيضمّ إن كان مفردا معرفة وإلا نصب. فتقول : يا زيد وبشر ويا عبد الله وبشر ويا زيد وأبا عبد الله ويا عبد الرحمن وعبد الله ، كما تقول : يا بشر ويا أبا عبد الله ويا عبد الله ، لأنّ العاطف كالنائب عن العامل.

وأجاز الكوفيّون والمازنيّ نحو : يا زيد وعمرا بالنصب قياسا على المعطوف مع أل ، قال ابن مالك : وما رواه غير بعيد من الصحّة ، إذ لم ينو إعادة يا ، فإنّ المتكلّم قد يقصد إيقاع نداء واحد على اسمين ، كما يقصد أن يشتركا في عامل واحد ، انتهى.

«وتوابع ما يقدّر ضمّه» من المنادى المبنيّ كالمنادى «المعتلّ» أي المقصور ، نحو : يا موسى ويا فتى ، ومثله المنقوص ، نحو : يا قاضي ويا غازي ، والمنادى المبنيّ قبل النداء ، نحو : يا هذا ويا هؤلاء ويا تأبّط شرّا ويا معدي كرب «كتوابع» المنادى المبنيّ «المضموم لفظا» ، نحو : يا زيد «فترفع» أي توابع ما يقدّر ضمّه «للبناء المقدّر» حملا «على اللفظ» المقدّر كالظاهر ، وتنصب للنصب المقدّر» حملا «على المحلّ» كما تنصب.

وتوابع المضموم لفظا حملا عليه فتقول : يا موسى الفاضل والفاضل ويا فتى نفسه ونفسه ، ويا قاضي كرز وكرزا ، ويا موسى الحارث والحارث ، ويا هذا الكريم والكريم ، ويا هولاء أجمعون وأجمعين ، ويا تأبّط شرا أخو زيد وأخا زيد ، ويا معدي كرب والعباس والعباس ، وقس على ذلك.

لا يقال : المنادى المبنيّ قبل النداء ليس بمضموم المحلّ بل منصوبة ، لأنّه مفعول به ، لأنّا نقول : المراد بمضموم المحلّ أنّه لو وقع موقعه مفرد معرفة معرب في الأصل لفظا لكان مضموما ، وجاز أن يكون مضموم المحلّ مع كونه منصوب المحلّ باعتبارين كهذا في نحو : عجبت من ضرب هذا الرجل ، محلّه الجرّ باعتبار كونه مضافا إليه ، والرفع باعتبار كونه فاعلا للمصدر من حيث المعنى ، ولهذا جاز في تابعه الرفع والجرّ ، وكذلك المنادى ها هنا مضموم المحلّ باعتبار وقوعه موقع المنادى المفرد المعرب لفظا ، ومنصوب المحلّ باعتبار كونه مفعولا به.

تنبيهات : الأوّل : تابع أيّ واسم الإشارة يجب رفعه عند غير المازنيّ ، لأنّه هو المقصود بالنداء. فجعلوا إعرابه بالحركة الّتي كان يستحقّها لو باشره حرف النداء تنبيها على أنّه المنادى ، نحو : يا أيّها الرجل ويا هذا الرجل ، إن كان المراد أوّلا نداء الرجل ، وإنّما أتي باسم الإشارة وصلة لنداء الرجل ، وإن كان المراد نداء اسم الإشارة دونه ، جاز فيه الرفع والنصب.

٤٤٩

الثاني : قال أبو حيّان : التابع لأيّ في النداء وصف وقيل : عطف بيان. قال ابن السّيّد : وهو الظاهر ، انتهى. وفصّل بدر الدين مالك في شرح الخلاصة فقال : إن كان مشتقّا فهو نعت نحو : يا أيّها الفاضل ، وإن كان جامدا فهو عطف بيان ، نحو : يا أيّها الغلام ، انتهى.

وأمّا تابع اسم الإشارة في النداء وغيره فإن كان مشتقّا فلا خلاف في كونه وصفا ، وإن كان جامدا فمن اشتراط الاشتقاق في الوصف. قال : إنّه عطف بيان ، ومن لم يشترط قال : إنّه وصف ، وسمّاه سيبويه وصفا أيضا.

وقال ابن عصفور : أجاز النّحويّون في مثل مررت بهذا الرجل الصفة وعطف البيان ، واستشكله باشتراطهم في البيان أن يكون أعرف من المبيّن ، وفي النعت أن لا يكون أعرف من المنعوت ، فكيف يكون الشيء أعرف وغير أعرف.

وأجاب بأنّه إذا قدّر عطف بيان قدّرت أل فيه لتعريف الحضور ، فهو يفيد الجنس بذاته والحضور بدخول أل عليه ، والإشارة إنّما تدلّ على الحضور دون الجنس ، وإذا قدّر نعتا قال : للعهد والمعنى : مررت بهذا ، وهو الرجل المعهود ، فلا دلالة فيه على الحضور ، والإشارة تدلّ عليه ، فكان أعرف ، قال : وهذا معنى كلام سيبويه. قال السهيليّ : سيبويه وإن سمّاه صفة ، فمذهبه التسامح في هذه التوابع كلّها ، وقد سمّي التوكيد وعطف البيان صفة في غير موضع ، وقد عرفت مذهبه في ذلك ، انتهى.

مميّز أسماء العدد

ص : الرابع : مميّز أسماء العدد ، فمميّز الثلاثة إلى العشرة مجرور ومجموع ، ومميّز ما بين العشرة والمائة منصوب مفرد ، ومميّز المائة والألف ومثنّاهما وجمعه مجرور مفرد ، ورفضوا جمع المائة. وأصول العدد اثنتا عشرة كلمة : واحد إلى عشرة ومائة وألف ، فالواحد والاثنان يذكّران مع المذكّر ويؤنّثان مع المؤنّث ، ولا يجامعهما المعدود بل يقال : رجل ورجلان. والثلاثة إلى العشرة بالعكس ، نحو قوله تعالى : (سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ.)

تتمّة : وتقول أحد عشر رجلا ، واثني عشر رجلا في المذكّر ، إحدى عشرة امرأة ، واثنتا عشرة امرأة ، في المؤنّث وثلاثة عشر رجلا إلى تسعة عشر رجلا في المذكّر ، وثلاث عشرة امرأة إلى تسع عشرة امرأة في المؤنّث ، ويستويان في عشرين وأخواتها ، ثمّ تعطفه فتقول : أحد وعشرون رجلا ، وإحدى وعشرون امرأة ، و

٤٥٠

اثنان وعشرون رجلا ، واثنتان وعشرون امرأة ، وثلاثة وعشرون رجلا ، وثلاث وعشرون امرأة ، وهكذا إلى تسع وتسعين امرأة.

ش : «الرابع» ممّا يرد منصوبا وغير منصوب «مميّز أسماء العدد» بفتحتين ، والعدد قيل : كميّة تطلق على الواحد ، وما يتألّف منه ، فيدخل فيه الواحد ، وقيل : نصف مجموع حاشيته ، فيخرج ، وقد يتكلّف لادراجه بشمول الحاشية الكسر ، والحقّ أنّه ليس بعدد ، وإن تألّف منه الأعداد ، كما أنّ الجوهر الفرد عند مثبتيه ليس بجسم ، وإن تألّف منه الأجسام ، قاله المصنّف في الخلاصة.

قال في الكشكول : أجمع أرباب الحساب على أنّ تعريف العدد بأنّه ما ساوي نصف مجموع حاشيته لا يصدق على الواحد ، إذ ليس له حاشية تحتانيّة ، وفيه نظر ، إذ حاشية الفوقانيّة لكلّ عدد تزيد عليه بمقدار أو نقصان الحاشية التحتانيّة عنه ، ومن ثمّ كان مجموعهما ضعفه.

قد أجمعوا على أنّ العدد إمّا صحيح أو كسر ، فتقول : الحاشية التحتانيّة للواحد هي النصف ، فالفوقانيّة واحد ونصف ، لأنّها تزيد على الواحد بقدر نقصان النصف عنه ، كما هو شأن حواشي الأعداد ، فالواحد نصف مجموعهما ، فالتعريف المذكور صادق على الواحد ، انتهى.

قال الرضيّ : ومنع بعضهم أن يكون الاثنان من العدد. قالوا : لأنّ الفرد الأوّل وهو الواحد ليس بعدد ، فكذا ينبغي أن يكون الزوج الأوّل ، وهذا كلّه مبنيّ على اصطلاح الحساب.

وأمّا النحاة فعلى أنّ كلّا من الواحد والاثنين عدد لا خلاف بينهم في ذلك ، ولهم في تعريفه عبارت من أحسنها قول البلخيّ (١) في الوافي : العدد ما يقع جوابا لكم.

«فمميّز الثلاثة إلى العشرة» بدخول الغاية في حكم ما قبلها «مجرور» بإضافتها إليه لإبهام العدد وإضافة المبهم إلى مميزه ككلّ وغير ، كما تقول : كلّ رجل ، وأمّا نحو أحد عشر رجلا فسيأتي وجهه. «ومجموع» وحقّه أن يكون مكسّرا من أبنيه القلّة ، نحو :

ثلاثة أفلس وأربعه أعبد وسبعة أبحر ، وأما كونه مجموعا فلقصد التطابق في المعنى ، وأمّا كونه من أبنيّة القلّة فلأنّ الآحاد من العشرة فما دونها للقلّة فناسب أن يكون مميّزها قليلا ، وقد يكون سالما إن أهمل تكسيره ، نحو : (سَبْعَ سَماواتٍ) [البقرة / ٢٩] ، و (سَبْعَ بَقَراتٍ) [يوسف / ٤٣] ، وخمس صلوات ، أو جاور ما أهمل تكسيره ، نحو : (سَبْعَ

__________________

(١) أحمد بن سهل أحد الكبار الأفذاذ من علماء الإسلام ، جمع بين الشريعة والفلسفة والأدب والفنون ، من مؤلفاته نظم القرآن ، شرائع الأديان ، مات سنه ٣٢٢ ه‍ ق. المصدر السابق ١ / ١٣١.

٤٥١

سُنْبُلاتٍ) [يوسف / ٤٣] ، فإنّه في التتريل مجاور سبع بقرات ، ولذا جاء في غير الآية سبع سنابل.

وقد يكون من أبنية الكثرة إن أهمل بناء القلّة ، نحو : ثلاثة جوار وأربعة رجال ودراهم ، أو كان له بناء قلّة ، لكنّه شاذّ قياسا ، نحو (ثَلاثَةَ قُرُوءٍ)(١) [البقرة / ٢٢٨] ، فإنّه جمع قرء بفتح القاف وسكون الراء ، وجمعه على إقراء شاذّ ، أو سماعا ، نحو : ثلاثة شسوع (٢) ، فإنّ أشساعا قليل في الاستعمال.

تنبيهات : الأوّل : قال بعضهم : ربّما يخرج قوله مجموع ما إذا كان المميّز اسم جنس كشجر وتمر ، أو اسم جمع كقوم ورهط ، فإنّ كلّا منهما يقع مميّزا ، فيخفض بمن كقولك : ثلث من التمر ، وعشرة من القوم ، وقد يخفض بالإضافة ، نحو : (وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ) [النمل / ٤٨]. وفي الحديث : ليس فيما دون ثلاثة ذود صدقة (٣). وكقوله [من الرجز] :

٤٥٠ ـ ...

ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل (٤)

ويجوز أن يجاب بأنّ المراد بقوله مجموع ، ما يفيد الجمعيّة ، سواء كان جمعا أو اسم جنس أو اسم جمع ، فعلى هذا فالمراد بقوله : «مجرور» أعمّ من المجرور بالإضافة أو بالحرف ، وقد أجمعوا على جرّ اسمي الجنس والجمع بمن ، وأمّا بالإضافة ففيه مذاهب :

أحدها : الجواز على قلّة ، وهو مذهب ابن عصفور ، والثاني : الاقتصار على ما سمع ، وهو مذهب الأكثرين ، والثالث : التفضيل في اسم الجمع ، فإن كان ممّا يستعمل للقليل فقط ، نحو : نفر ورهط وذود جاز ، وإن كان ممّا يستعمل للقليل والكثير كقوم ونسوة لم يجز ، وهو مذهب المازنيّ.

الثاني : لم يستثن المصنّف المأئة إذا وقعت مميّزا ، فإنّها تفرد غالبا ، نحو : ثلاثمائة وأربعمائة ، اعتمادا على ما سيأتي في كلامه قريبا من أنّهم رفضوا جمعها ، وسيجئ الكلام على ذلك.

ومميّز ما بين العشرة والمأئة ، وهو أحد عشر إلى تسعة وتسعين ، منصوب ، أمّا في المركّب نحو : أحد عشر وبابه فلتعذّر الإضافة ، إذ هي ملزومة لجعل ثلاثة أسماء كالاسم الواحد ، فكرهوا ذلك ، ولا يرد قولهم : خمسة عشر زيد ، لأنّ المضاف إليه ثمّ هو المقصود

__________________

(١) قال الأصمعي في قوله تعالى : (ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) : جاء هذا على غير قياس والقياس ثلاثة أقرؤ ولا يجوز أن يقال ثلاثة فلوس ، أنّما يقال ثلاثة أفلس. والقروء : الأطهار. لسان العرب ٣ / ٣١٦٥.

(٢) الشسوع والأشساع مفردهما الشسع : سير يمسك النعل بأصابع القدم.

(٣) روى : ليس فيما دون خمس ذود صدقة : صحيح البخاري ١ / ٦١١ ، رقم ١٣٥. الذود : القيطع من الأبل.

(٤) صدر البيت «كأنّ خصييه من التدلّل» وهو لخطام المجاشعي أو لجندل بن المثنّى أو لسلمي الهذلية. اللغة : خصييه : الخصيان ، التدلّل : الترهل ، ظرف عجوز : وهاء من جلد ، ثنتا حنظل : حنظلتان.

٤٥٢

بالأوّل ، وإنّما جئ به لبيان المضاف ، فكان الجميع كالشيء الواحد ، والمضاف إليه في خمسة عشر زيد مغاير للأوّل ، فلم يكن معه كالشيء الواحد.

أمّا في العقود فلأنّه لا يتصوّر إضافته ، لا مع حذف النون ولا مع إبقائها ، أمّا مع حذفها فلما يلزم من حذف نون أصليّة وضعت مع الكلمة ، وأمّا مع إبقائها فلأنّه يلزم إبقاء نون تشبه نون الجمع المحقّق ، وكلّ منهما مستكره مفرد ، نحو : (أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً) [يوسف / ١٤] ، (هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً) [ص / ٢٣].

وإنّما أفرد لكون المفرد هو الأصل ، وهو أخفّ من الجمع ، والغرض من التفسير به حاصل فلا يسوّغ العدول عنه من غير داع ، وأمّا قوله تعالى : (وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً) [الأعراف / ١٦٠] ، فليس أسباطا فيه بتمييز ، بل بدل من اثنتي عشرة ، والتمييز محذوف ، أي اثنتي عشرة فرقة ، ولو كان تمييز لذكّر العددان ، لأنّ السبط مذكّر.

وذهب بعضهم إلى أنّه تمييز ، وأجاب ابن مالك في شرح الكافية عن التأنيث بأنّه ممّا رجّح فيه اعتبار المعنى ، فذكر أممّا يرجّح حكم التانيث ، كما رجّحه ذكر كاعبان ومعصر في قول عمر بن أبي ربيعة [من الطويل] :

٤٥١ ـ وكان مجنّي دون من كنت أتّقي

ثلاث شخوص كاعبان ومعصر (١)

وهذا منه مخالف لما في شرح التسهيل من أنّه بدل لا تمييز ، ويبقي الإشكال في أنّ أسباطا جمع ، ومميّز المركّب مفرد.

وفي الكشاف إنّ المراد : وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة ، وإنّ كلّ قبيلة أسباط لا سبط ، فأوقع أسباطا موقع قبيلة.

قال ابن مالك : ومقضي ما ذهب إليه أن يقال : رأيت إحدى عشرة أنعاما إذا أريد إحدى عشرة جماعة ، كلّ واحدة منها أنعام ، ولا بأس برأيه لو ساعده استعمال ، لكن قوله : كلّ قبيلة أسباط لا سبط مخالف لما يقوله أهل اللغة : إنّ السبط في بني اسرائيل بمترلة قبيلة من العرب ، فعلى هذا يكون معنى قطعناهم اثنتي عشرة قبائل ، فأسباط واقع موقع قبائل لا موقع قبيلة ، فلا يصحّ كونه تمييزا ، فالتمييز محذوف ، انتهى.

وقول الحديثيّ : الظاهر أنّ الزمخشريّ أعرف باللغة دفع للنقل بمجرّد دعوى لم يقم عليها دليل ، قال الدمامينيّ : وما إخالها إلا عصبيّة عجميّة أوجبت التحامل (٢) على أبناء العرب ، انتهى.

__________________

(١) اللغة : كاعبان : تثنية كاعب من كعبت الفتاة : نهد ثديها ، المعصر : اسم فاعل من أعصرت الفتاة : بلغت شبابها.

(٢) التحامل : التكلّف على مشقة وإعياء ما لا يطيق.

٤٥٣

وفي التصريح إنّ القول بالبدليّة من اثنتي عشرة مشكل على قولهم : إنّ المبدل منه في نيّة الطرح غالبا ، ولو قيل : قطعناهم أسباطا لفاتت كميّة العدد ، وحمله على غير الغالب لا يحسن تخريج القرآن عليه ، انتهى. وفي سلبه الحسن عن غير الغالب نظر ، انتهى.

تنبيه : حكى الكسائي أنّ من العرب من يضيف العشرين وأخواته إلى مميّزه منكّرا أو معرّفا ، فيقول : عشرو درهم وأربعو ثوبة ، وهو شاذّ ، لا يقاس عليه ، فلا يرد على قضيته كلام المصنّف.

«و» مميّز «المائة والألف وتثنيتهما وجمعه» أي جمع الألف «مجرور» بإضافتها إليه «مفرد» ، نحو : مائة رجل ومائتي رجل وألف رجل وألفي رجل وثلاثة آلالف رجل ، وإنّما كان مجرورا مفردا ، لأنّ المائة والألف لما أشبها الثلاثة في اللفظ من حيث إنّهما من أصول العدد مثلها ، ولا تركيب فيها ، ولا زيادة ولا عطف ، وأشبها أحد عشر إلى تسعة وتسعين في الكثرة ، مع أنّهما يقترنان بهذا القسم ، أعطى مميّزهما أحد حكمي الثلاثة إلى العشرة ، وهو الجرّ ، وأحد حكمي أحد عشر إلى تسعة وتسعين ، وهو الإفراد توفيقا بين الشبهين ، ولم يعكس ، لأنّ المفرد هو الأصل مع حصول الغرض به.

وقد يجئ تمييز المأئة جمعا كقراءة الأخوين حمزة والكسائي : (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ) [الكهف / ٢٥] ، بحذف التنوين للإضافة ، ومن نوّن جعلها عطف بيان ، وجعلها بعضهم بدلا ، وردّ بأنّ البدل على نيّة طرح الأوّل ، ولو قيل : ولبثوا في كهفهم سنين لفات التنصيص على كميّة الأعداد ، ويجاب بأنّ نيّة الطرح غالبة لا لازمة.

قال الزّجاج : ولا يكون سنين تمييزا لما يلزم عليه أن يكون قد لبثوا تسعمائة سنة.

قال ابن الحاجب : ووجهه أنّه فهم من لغة العرب أنّ مميّز المائة واحد من مائة كقولك : مائة رجل ، فرجل واحد من مائة ، فلو كان تمييزا لكان واحدا من ثلاثمائة ، وأقلّ سنين ثلاثة ، فكأنّه قيل : ثلاثمائة ثلث سنين ، فيكون تسعمائه ، وهذا بعينه جاز في قراءة حمزه والكسائي بالإضافة ، فإنّ سنين فيها تمييز لا غير ، وإن لم يكن منصوبا.

قال الطييّ (١) : وهذا يطّرد في اثنتي عشرة أسباطا على القول بأنّه تمييز ، فيلزم أن يكون ستّة وثلاثين سبطا ، ثمّ قال ابن الحاجب : ما ذكره الزّجاج غير لازم ، لأنّ ذلك أنّما يلزم إذا كان المميّز مفردا ، وأمّا إذا كان جمعا فالقصد فيه كالقصد في وقوع التمييز جمعا ، انتهى.

__________________

(١) الحسن بن محمد الطيبي ، الإمام المشهور العلّامة في المعقول والعربيّة والمعاني والبيان. صنّف : شرح الكشاف ، التبيان في المعنى والبيان. شرح المشكاة. بغية الوعاة ١ / ٥٢٢.

٤٥٤

ويجئ مميّزها منصوبا مفردا ، كقوله [من الوافر] :

٤٥٢ ـ إذا عاش الفتى مأتين عاما

فقد ذهب المسرّة والفتاء (١)

ولا يرد شيء من الأمرين على قضيّة كلام المصنّف ، لأنّه شاذ.

«ورفضوا» أي العرب تركوا «جمع المأئة» مضافا إليها ثلاث وأخواته ، ولم يقولوا ثلاثمئات أو مائين ، وإن كان هو القياس ، لأنّ مميّز الثلاثة إلى العشرة يكون جمعا ، كما مرّ ، لكنهم كرهوا الجمع هنا لما في الإتيان به من تكرّر معنى التانيث ، لأنّ الجمع مؤنّث معنى ، والمائة أيضا مونث ، فعومل بالخفّة لذلك ، أو لأنّ المائة وإن أفردت لفظا فهي جمع معنى ، لأنّها عشر عشرات وهو عدد قليل. وقد جاء في الشعر [من الطويل] :

٤٥٣ ـ ثلاث مئين للملوك وفى بها

ردائي وجلّت عن وجوه الأهاتم (٢)

قالوا : قتل في معركة ثلاثة ملوك من العرب ، وكان دياتهم ثلاثمائة بعير ، فرهن ردائه بالدّيات الثلث ، وهو دليل شرفه ، ووجوه الأهاتم أعيانهم ، وهم بنو الأهتم سنان بن سميّ ، سمّي بذلك لأنّه كسر ثنيته يوم الكلاب ، والهتم كسر الثنايا من أصلها ، ولا يرد ذلك على قضية كلام المصنّف ، لأنّه شاذّ.

قال الرضيّ. وإن لم يضعف إلى المائة ثلاث وأخواته جمعت ، وأضيف ذلك الجمع إلى المفرد ، نحو : مئات رجل ، انتهى.

«وأصول العدد» الّتي يرجع إليها «اثنتا عشر كلمة» ، وأشار بترك تعيين الفروع إلى أنّه لا يضبطها عدد ، وهي «واحد إلى عشرة» ، والغاية داخلة فهي عشر كلمات ، «ومائة وألف» كلمتان أخريان مع العشر المذكورة ، فالمجموع اثنتي عشره كلمة ، وما عداها فهو متفرّغ عليها إمّا بتثنيته ، نحو : مأتين وألفين ، وإمّا بجمع ، نحو : مئات وألف ، وإمّا بإلحاق علامة الجمع ، نحو : عشرين وأخواته وإمّا لعطف ، نحو : ثلاثة وعشرين وأخواته ، وإمّا بالتركيب التضمّني ، نحو : خمسة عشر ، وإمّا بالتركيب الإضافيّ ، نحو : ثلاثمائة.

«فالواحد» اسم فاعل من وحد يحد ، أي انفرد ، فهو بمعنى المنفرد ، أي العدد المنفرد ، «والاثنان» لفظ موضوع لواحدين من المثنّى ، فاللام محذوفة ، و «يذكّران مع» العدد «المذكّر» ، فيقال : رجل واحد ورجلان اثنان ، «ويؤنّثان مع» العدد «المؤنّث» ، فيقال : امراة واحدة وامرأتان اثنتان أو ثنتان على الأصل.

__________________

(١) هو للربيع بن ضبع الفزاري وإنّه كان من المعمرين فلمّا بلغ مأتي سنة قال الأبيات وهذا البيت منها. اللغة : الفتاء : الشباب.

(٢) البيت للفرزدق. اللغة : الرداء : الثوب ، جلّت : كشفت.

٤٥٥

والقياس بتذكير المذكّر وتأنيث المؤنّث ، ويشاركها في ذلك ما وازن فاعلا مطلقا ، والعشرة إذا ركّبت ، فتقول : الجزء الثالث والثالث عشر والمقامة الثالثة والثالثة عشرة.

«ولا يجمعهما» أي الواحد والاثنان «المعدود» ، فلا يقال : واحد رجل ولا اثنان رجلان ، «بل يقال : رجل ورجلان» ، لأنّ رجلا يفيد الجنس والوحدة ، ورجلين يفيد الجنس والاثنينيّة ، فلا فائدة في الجمع بينهما بخلاف البواقي ، فإنّه لا تستفاد العدد والجنس إلا من العدد والمعدود كليها ، فإذا قلت : ثلاثة ، أفاد العدّة دون الجنس ، وإذا قلت : رجال ، أفاد الجنس دون العدّة ، فإذا قصدت الإفادتين جمعت بين العدد والمعدود فقلت : ثلاثة رجال مثلا.

قال ابن هشام وغيره : وأمّا قوله [من الرجز] :

٤٥٤ ـ كأنّ خصييه من التّدلّل

ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل (١)

فشاذّ ، لا يرد على ما تقرّر ، ولا يخفى أنّ التعليل المذكور لا يتأتّي في مثل هذا ضرورة أنّ جنس المعدود وهو حنظل لا يستفاد من العدد كما في رجلان.

قال عصام الدين في شرح الكافية : وتنقيح التعليل أنّ العرب استغنوا بتوحيد ما يجعل تمييزا عن الواحد وبتثنيته عن الاثنين بخلاف سائر الأعداد ، فإنّه لا يمكن تصرّف في تمييزها بوجه يغني عن ذكر العدد ، انتهى.

«والثلاثة إلى العشرة» بدخول الغاية «بالعكس» أي تؤنّث مع المذكّر ، وتذكّر مع المؤنّث ، سواء كان منهما حقيقيّا ، نحو : ثلاث نسوة وثلاثة رجال ، أو مجازيّا نحو قوله تعالى : (سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ) [الحاقة / ٧] ، فذكّر سبع مع ليال ، وهي مؤنّثة ، وأنّث ثمانية مع الأيّام ، وهي مذكّر.

قال [الأسترآباذي] في البسيط : وذلك للفرق وعدم الإلباس ، وهذا من غريب لغتهم ، لأنّ التاء علامة التأنيث ، وقد جعلت هنا علامة التذكير ، قال : وهذا الّذي قصد الحريرى بقوله في مقاماته الموطن الّذي يلبس فيه الذكران براقع النسوان وتبرز ربّات الحجال في عمائم الرجال ، انتهى.

وقال ابن مالك وغيره : إنّما حذفت التاء من عدد المؤنّث ، وأثبتت في عدد المذكّر في هذا القسم ، لأنّ الثلاثة وأخواته أسماء جماعات ، كزمرة وأمة وفرقة ، فالأصل أن يكون بالتاء لتوافق نظائرها ، فاستصحب مع المذكّر لتقدّم رتبته ، وحذفت مع المؤنّث

__________________

(١) تقدم برقم ٤٥٠.

٤٥٦

لتأخّر رتبته. قال بعضهم : ولأنّ المؤنّث ثقيل فناسبه حذف التاء ، والمذكّر خفيف فناسبه دخولها ليعتدلا ، حكاه في البسيط.

تنبيهات : الأوّل : محلّ ما ذكر إذا لم يحذف المعدود ، فإن حذف جاز في الفصيح حذف التاء مع المذكّر ، نحو (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) [البقرة / ٢٣٤] ، أي عشرة أيام ، وفي الحديث : من صام رمضان ، وأتبعه بستّ من شوّال (١).

وحكى الكسائي عن ابن أبي الجراج (٢) : «صمنا من الشهر خمسا» ، والأفصح إثباتها ، وأمّا نحو : (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) [الأنعام / ١٦٠] فعلى حذف مضاف ، أي عشر حسنات أمثالها ، ولولاه لقيل : عشرة ، لأنّ المثل مذكّر ، والمعتبر مع الجمع حال مفردة في التذكير والتأنيث.

الثاني : إذا كان معنى المعدود مؤنّثا ، واللفظ مذكّرا ، وبالعكس جاز الوجهان تقول : ثلاثة أشخص ، وثلاث أشخص ، أي نساء ، وثلاث أنفس ، وثلاثة أنفس أي رجال. والأوّل هو الغالب ، وكذا في ما جاز تذكيره وتأنيثه كساق ولسان نحو :

خمسة ألسنة وخمس ألسنة وخمسة سوق وخمس سوق.

الثالث : قد يذكّر العدد من غير إرادة معدود ، وهو العدد المطلق ، فيؤتي فيه بالتاء لا غير ، نحو : ثلاثة نصف ستّة ، ولا ينصرف ، لأنّه علم ، كذا قال بعضهم ، وما ذكره من منع الصرف هو رأي الزمخشريّ وابن جنيّ وابن خبّاز وابن مالك.

قال الرضيّ قال ابن جنيّ : وكذا في بعض نسخ المفصّل (٣) ما معناه أنّ الاعداد إذا قصد بها مطلق العدد لا المعدود كانت أعلاما ، فلا ينصرف إن انضمّ إلى العلميّة سبب آخر ، كقولك : ستّة ضعف ثلاثة ، غير منصرفين ، ومائة ضعف خمسين.

قال المصنّف يعني ابن الحاجب : إنّ جار الله كان أثبته ثمّ أسقطه لضعفه ، قال : ووجه إثباته أنّ ستّة مبتدأ ، فلولا أنّه علم لكان مبتدأ بالنكرة من غير تخصيص. قال : ونعم ما قال ، ووجه ضعفه أنّه يؤدّي إلى أن يكون أسماء الأجناس كلّها أعلاما ، إذ ما من نكرة إلا ويصحّ استعمالها كذلك ، نحو : رجل خير من امرأة ، وذلك جائز في كلّ نكرة قامت قرينة على أنّ الحكم غير مختصّ ببعض من جنسها ، فمجوّز الابتداء هنا كونها للعموم ، وقد جاءت النكرة غير المبتدأ أيضا في الإيجاب للاستغراق ، لكن قليلا ، نحو (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ) [الانفطار / ٥] ، إلى هنا كلام الرضيّ.

__________________

(١) تمام الحديث «كان كصوم الدهر». سنن ابن ماجه ، ص ٤٠١ ، رقم ١٧١٦.

(٢) لعلّه محمد بن داود الجرّاح ، أديب من علماء الكتاب من أهل بغداد ، له كتب ، منها : الورقة في أخبار الشعراء ، والشعر والشعراء ، مات سنه ٢٩٦ ه‍ ق. الأعلام للزركلي ٦ / ٣٥٥.

(٣) المفصل في صنعة الإعراب لجار الله الزمخشري.

٤٥٧

هذه «تتمّة» الأحكام العدد في التذكير والتأنيث ، «تقول» : أنت يا مخاطبا في الأعداد المركّبة عندي «أحد عشر» عبدا اثنا عشر «رجلا» بتذكير الجزئين «في» العدد «المذكّر ، إحدى عشرة» أمة ، اثنا عشرة «امرأة» على لغة الحجازيّين ، وثنتا عشرة امرأة على لغة التميميّين بتأنيث الجزئين «في» العدد «المؤنّث» على الأصل ، والقياس في المذكّر والمؤنّث.

تنبيهات : الأوّل : الهمزة في أحد وإحدى منقبلة عن الواو ، إلا أنّ الأوّل شاذّ لازم غالبا عند الجميع والثاني مطّرد عند المازنيّ ، وهو الأصحّ كإشاح ، وإكاف شاذّ عند غيره ، وقد اختاروهما في الأعداد المنفيّة على واحد وواحدة تخفيفا ، وقيل : خوف الالتباس بالصّفة ، وقد يستعملونها فيها أيضا ، لكن قليلا ، فيقال : واحد عشر وواحدة عشرة وواحدة وعشرون ، وربّما قيل : وحد عشر.

قال الرضيّ : ويستعمل أحد وإحدى في غير التنييف (١) مضافين مطّردا ، نحو : أحدهم وإحداهنّ ، ولا تستعمل إحدى إلا في التنييف أو مضافة ، وأمّا أحد فيستعمل مطّردا لعموم العقلاء بعد نفي أو نهي أو استفهام أو شرط ، نحو : ما جاءني أحد ، ويلزمه الافراد والتذكير ، قال تعالى : (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ) [الأحزاب / ٣٢] ، وتعريفه حينئذ نادر ، ولا يقع في إيجاب يراد به العموم ، فلا يقال : لقيت أحدا إلا زيدا خلافا للمبرّد. قال أبو على : وهمزته في غير الموجب للاستغراق أصليّة لا بدل من الواو ، انتهى ملخّصا.

وما ذهب إليه أبو على ذهب إليه جماعة أيضا منهم ابن بابشاذ في شرح الجمل ونصّه : وأمّا أحد من قولك : ما في الدّار أحد ونحوها إذا استعملت في غير الواجب ، همزتها أصليّة غير مبدلة ، انتهى.

وكان الحامل لهم على ذلك كما قال الرضي : إنّهم لّما لم يروا في ذلك معنى الوحدة ارتكبوا كون الهمزة أصليّة ، والأولى أن يقال : إنّ همزته في كلّ موضع منقلبة عن الواو ، ومعنى ما بالدار أحد ، ما فيها واحد ، فكيف ما فوقه ، وقد يستعمل في الموجب بلا تنييف ولا إضافة استعمال واحد ، كما في : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) [التوحيد / ١].

الثاني : ما ذكرناه من أنّ الألف في إحدى للتأنيث هو الأصحّ الّذي عليه الجمهور ، قال ابن بابشاذ في شرح الجمل : ومحال أن تكون للإلحاق بمترلة ألف معزى ، كما قال بعضهم لأنّها لو كانت للإلحاق لسمعت منوّنة في قولك : إحدى وعشرون جارية ، لأنّ ألف الإلحاق منوّنة ، ما لم يكن الاسم الّذي هي فيه علما ، فإذا بطل أن تكون للإلحاق ،

__________________

(١) أي مع عشرة أو مع عشرين وأخواته.

٤٥٨

وبطل أن تكون أصليّة لعدمها في أحد ، وبطل أن تكون لتكثير الكلمة لعدم كونها على أكثر من أربعة أحرف ثبت أنّها للتانيث. انتهى.

الثالث : إنّما جمعوا بين تأنيثين في إحدى عشرة لاختلاف لفظي العلامتين في اثنتي عشرة ، إمّا لأنّ التاء بدل عن الياء ، وليست للتأنيث ، أو لأنّها زائدة للإلحاق بأصبهان ، أو لأنّ إحدى الكلمتين معربة والأخرى مبنّة ، فكأنّهما قد تباينا ، أو لأنّهما متضافيان بدليل حذف النون ، أو لأنّ اثنتين بمترلة ثنتين وتاء ثنتين للإلحاق بمترلة التأنيث لسكون ما قبلها ، فكأنّما ألحقا بمثال جذع ، كما ألحقت أخت بمثال قفل ، فالتاء زائدة.

قال ابن هشام : كلّ ذلك قد قيل : والسؤال عندي من أصله ليس بالقويّ ، لأنهم قالوا في اسم الفاعل : خامس عشر في المذكّر وخامسة عشر في المؤنّث ، فأنّثوا الكلمتين جميعا ، وبنوهما على الفتح ، وذلك مجمع عليه ، وكذا في الباقي ، فدلّ على أنّهم اعتبروا حالة الكلمتين قبل التركيب ، انتهى.

الرابع : الحجازيّون يسكنون ثنتين عشرة في التركيب إذا كانت مختومة بالتاء كراهة توإلى أربع متحرّكات في ما هو كالكلمة الواحدة وبنو تميم تكسرها تشبيها بتاء كتف.

قال ابن بابشاذ : وهذا الموضع من أعجب الأشياء ، وذلك أنّ مذهب بني تميم في مثل كتف وفخذ التخفيف (١) ، ومذهب أهل الحجاز في مثل هذا الثقيل ، وقد انعكس المذهبان في هذا الباب ، وليس له علّة سوى أنّه حدث مع التركيب أحكام ، لم تكن قبل التركيب لمعنى يختصّ به ، انتهى.

وبعض بني تميم يفتحها إبقاء لها على أصلها ، وبذلك قرأ الأعمش : فانفجرت منه اثنتى عشرة عينا [البقرة / ٦٠]. وبعضهم يسكّن عين عشرة بمتحرّك الآخر لاجتماع أربع فتحات بخلاف اثني عشر ، وتقول : ثلاثة عشر رجلا بتأنيث الجزء الأوّل وتذكير الجزء الثاني ، وكذا في ما زاد إلى تسعة عشر رجلا بدخول الغاية في عدد المذكّر ثلاث عشرة امرأة بتذكير الجزء الأوّل وتأنيث الجزء الثاني ، وكذا في ما زاد إلى تسع عشرة بدخول الغاية أيضا في عدد المؤنّث برجوع العشرة بعد التركيب إلى الأصل دون النّيف تقليلا لخلاف الأصل.

تنبيه : إذا قلت : عندي ثماني عشرة امرأة ، فلك فتح الياء من ثماني ، لأنّها مفتوحة في ثمانية ، ولك إسكانها كما في معدي كرب ، وجاز حذفها قليلا مع بقاء كسر النون دليلا عليها وفتحها ، وهو أولى من الكسر لتوافق أخواتها ، لأنّها مفتوحة الأواخر مركّبة

__________________

(١) سقطت هذه الجملة في «س».

٤٥٩

مع العشرة ، وقد تحذف الياء منها في غير التركيب ويجعل الإعراب على النون قال [من الرجز] :

٤٥٥ ـ لها ثنايا أربع حسان

وأربع فثغرها ثمان (١)

وفي الحديث : صلّي ثمان ركعات ، بفتح النون (٢).

«ويستويان» أي المذكّر والمؤنّث «في عشرين وأخواتها» من العقد ، فتقول عندي عشرون عبدا وعشرون أمة وثلاثون رجلا وثلاثون امرأة إلى التسعين. «ثمّ تعطف» أنت العقود على النيّف ، «فتقول : عندي أحد وعشرون رجلا» في المذكّر «إحدى وعشرون امرأة» في المؤنّث ، «اثنان وعشرون رجلا» في المذكّر ، «اثنتان أو ثننتان» وعشرون امرأة في المؤنّث بتذكير أحد واثنان مع المذكّر وتأنيثهما مع المؤنّث ، كما تقدّم ، «ثلاثة وعشرون رجلا» في المذكّر ، «ثلاث وعشرون امرأة في المؤنّث» بتأنيث ثلاثة مع المذكّر وتذكيرها مع المؤنّث ، كما مرّ.

«وهكذا» مع سائر العقود ، تقول : ثلاثة وتسعون رجلا إلى تسعة وتسعين رجلا ، وثلاث وتسعون امرأة «إلى تسع وتسعين امراة».

ويستوي المذكّر والمؤنّث في المائة والألف وتثنيتهما وجمعها ، وإذا جاوزتهما عطفت النيّف عليهما على ما عرفت ، نحو : مائة وثلاثة رجال وألف وثلاث نسوة ، بعطف الأقلّ على الأكثر إلا في التواريخ ، فيقدّم الأقلّ لكون الأكثر معلوما ، نحو : سنة خمس وسبعين وتسعمائة ، وهو تاريخ إتمام هذا المتن ، وسنة تسع وسبعين وألف وهو تاريخ إتمام هذا الشرح.

وهنا انتهى كلام المصنّف (ره) على أنواع المعربات ، فأخذ في الكلام على بعض المبنيّات من الأسماء ولم يستوفها إحالة على المطوّلات ، كما هو شأن المختصرات ، ولذلك قال :

__________________

(١) لم يسمّ قائله. اللغة : ثنايا : جمع ثنيّة ، وهي أربع من مقدّم الأسنان ، ثنتان من فوق وثنتان من تحت ، الثغر : المبسم ، موضع البسم.

(٢) صحيح البخاري ، ١ / ٤٨٦ ، رقم ١٠٣١.

٤٦٠

المبنيّات

المضمر

ص : المبنيّات : منها المضمر ، وهو ما وضع لمتكلّم أو مخاطب ، أو غائب سبق ذكره ولو حكما ، فإن استقلّ فمنفصل وإلا فمتّصل ، والمتّصل مرفوع ومنصوب ومجرور ، والمنفصل غير مجرور ، فهذه خمسة ، ولا يسوغ المنفصل إلا لتعذّر المتّصل ، وأنت في هاء سلنيه وشبهه بالخيار.

مسألة : وقد يتقدّم على الجملة ضمير غائب مفسّر بها ، يسمّي ضمير الشأن والقصّة ، ويحسن تأنيثه إن كان المؤنّث فيها عمدة ، وقد يستتر ، ولا يعمل فيه إلا الابتدا أو نواسخه ، ولا يثنّى ولا يجمع ، ولا يفسّر بمفرد ، ولا يتبع ، نحو : هو الأمير راكب ، وهي هند كريمة ، وإنّه الأمير راكب ، وكان النّاس صنفان.

فائدة : ذكر بعض المحقّقين عود الضمير على المتأخّر لفظا ورتبة في خمسة مواضع :

* إذا كان مرفوعا بأوّل المتنازعين ، وأعملنا الثاني ، نحو : أكرمني أكرمت زيدا.

* أو فاعلا في باب نعم مفسّرا بتمييز ، نحو : نعم رجلا زيد.

* أو مبدلا منه ظاهر ، نحو : ضربته زيدا.

* أو مجرورا بربّ على ضعف ، نحو : ربّه رجلا.

* أو كان للشّأن أو القصّة ؛ كما مرّ.

ش : «المبنيّات» ، وهو مبتدأ ، خبرها قوله «منها المضمر» ، ويسمّى الضمير ، وتسميته بالأوّل أجرى على قاعدة التصريف ، لأنّه من أضمرت الشيء ، إذا أخفيته ، فهو مضمر ، ويجوز أن يكون من أضمرته ، بمعنى أهزلته ، لأنّه في الغالب قليل الحروف ، وأمّا تسميته ضميرا فهو على حدّ قولهم : عقدت العسل فهو عقيد ، وتسميته بهما اصطلاح البصريّين ، وتسمية الكوفيّين الكناية والمكني ، لأنّه ليس بالصريح ، والكناية تقابل الصريح.

قال ابن هاني [من الطويل] :

٤٥٦ ـ فصرّح بمن أهوي ودعني من الكنى

فلا خير في اللذات من دونها ستر (١)

__________________

(١) لم أجد البيت.

٤٦١

وبني للشبه بالحرف في الوضع ، لأنّ أكثر المضمرات على حرف أو حرفين كباء الجرّ ولامه ، وواو العطف وفاءه وقد وبل وهل وأم ، وما كان وضعه منها على أكثر من ذلك فمحمول عليه طردا للباب.

وقيل : لشبهه في المعنى لأنّ كلّ مضمر مضمر معنى التّكلّم أو الخطاب أو الغيبة ، وهي من معاني الحروف ، وقيل : في الافتقار إلى شيء ، إذ لا بدّ له من مفسّر ، أعني الحضور في المتكلّم والمخاطب ، وتقدّم الذكر في الغائب ، وقيل : في الجمود ، أي عدم التصرّف في لفظه بوجه ما حتى بالتصغير ، وبأن يوصف به كاسم الاشارة وقيل : لعدم موجب الإعراب فيه للاستغناء عن إعرابه باختلاف صيغته الدالّة على المعاني.

«وهو» أي المضمر «ما» أي اسم «وضع لمتكلّم» بعينه «أو مخاطب» بعينه ، كما مرّ تحقيقه في حدّ المعرفة ، فلا ينتقض بلفظ المتكلّم أو المخاطب «أو غائب» بعينه ، فخرج به الأسماء الظاهرة النكرات.

وبقيت الأسماء الظاهرة المعرفة ، إذ الاسماء الظاهرة كلّها غائب فأخرجها بقوله : «سبق» أي تقدّم «ذكره» ، فإنّها وإن كانت موضوعة لغائب بعينه ، لكن ليس سبق ذكر الغائب شرطا فيها ، وقد علم ممّا مرّ في حدّ المعرفة أنّ المضمرات موضوعة لجزئيات معيّنة لهذه المفهومات على ما هو الحقّ ، فيكون المراد بقوله لمتكلّم أو مخاطب أو غائب كلّ متكلّم أو مخاطب أو غائب (١) ، والنكرة قد تكون في الإثبات للعموم كما تقدّم.

والمراد بقوله : «سبق ذكره» أعمّ من أن يكون مذكورا لفظا ، سواء كان سابقا لفظا ورتبة ، نحو : ضرب زيد غلامه ، أو سابقا رتبة متأخّرا لفظا ، نحو : ضرب غلامه زيد ، أو سابقا لفظا متأخّرا رتبة ، نحو : (وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ) [البقرة / ١٢٤] ، أو مذكورا معنى يدلّ عليه لفظ الفعل ، نحو : (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) [المائدة / ٨] ، فالضمير عائد إلى العدل الّذي يدلّ عليه لفظ الفعل تضمّنا ، أو سياق الكلام ، نحو : (وَلِأَبَوَيْهِ) [النساء / ١١] ، فالضمير عائد إلى الموروث الّذي دلّ عليه ذكر الميراث دلالة التزامية.

«ولو» كان سبق ذكره «حكما» أي محكوما به بأن يكون الغالب الّذي وضع له الضمير مذكورا لفظا ، لكن ليس سابقا لا لفظا ولا رتبة ، بل يكون متأخّرا ، فيحكم بسبقه حكما نظرا إلى وضع ضمير الغائب ، وذلك واقع في خمسة مواضع : وهي ما إذا كان الضمير مرفوعا بأوّل المتنازعين ، أو بنعم وبئس وما جرى مجراهما ، أو مبدلا منه

__________________

(١) من فيكون حتى هنا سقطت في «ح».

٤٦٢

ظاهرا ، أو مجرورا بربّ ، أو كان للشأن ، وسيأتي ذكر هذه المواضع في كلام المصنّف مفصّلا ، فتستوفي الكلام عليها هناك ، إن شاء الله تعالى.

وإنّما خولف مقتضي وضع ضمير الغائب في هذه المواضع بتأخير مفسّره لقصد التفخيم والتعظيم ، بأن يذكروا أوّلا شيئا مبهما حتى تتشوّق نفس السامع إلى العثور على المراد به ، ثمّ يفسّروه ، فيكون أوقع في النفس ، لكن هذا يختلف في باب التنازع المذكور ، فإنّه لمجرّد الاختصار والاحتراز عن التكرار عند غير الكسائي القائل بأنّ الفاعل محذوف كما سيأتي بيانه.

الضمير المنفصل والمتّصل : «فإن استقلّ» المضمر بنفس بأن لم يحتجّ إلى كلمة أخري قبله يكون هو كالتتّمة لها ، بل كان كالاسم الظاهر ، فهو «منفصل» وهو سبعة : أنا ، وألفه زائدة لبيان الحركة ، ونحن وأن وهو وهي والهاء وإيّا ، وأمّا لواحق أن والهاء وإيّا فحروف دالّة على المراد منها ، «وإلا» يستقلّ بنفسه ، بل احتاج إلى كلمة اخري قبله يكون هو كالتتمّة لها ، فهو متّصل ، وهو تسعة : التاء والنون والألف والواو وياء المخاطبة وتاء المتكلّم والهاء وتا ، وأمّا لواحق الكاف والهاء فحروف دالّة على المراد منها نظيرها ما مرّ ، فجملة الضمائر على هذا ، وهو الصحيح ، ستّة عشر ضميرا لا غير.

تنبيه : ظاهر صنعة أنّ كلّا من المنفصل والمتّصل قسم برأسه ، وذهب بعضهم إلى أنّ المتّصل أصل للمنفصل محتجّا بأنّ مبني الضمائر على الاختصار ، والمتّصل أخصر من المنفصل ، قاله في التصريح.

والمضمر «المتّصل مرفوع ومنصوب ومجرور» لا بمعنى المتّصف بالرفع والنصب والجرّ ، فإنّ أنت مثلا مرفوع ، وإن لم يتّصف بالرفع ، بل بمعنى ضمير لا يستعمل في التركيب إلا في موضع مرفوع أو منصوب أو مجرور. والضمير «المنفصل» مرفوع ومنصوب «غير مجرور» ، لأنّ المجرور بمترلة الجزء الأخير من العامل بحيث لا يجوز فصله ، فهو لا يكون إلا متّصلا.

فهذه خمسة أنواع ، وكلّ منها إمّا مفرد أو مثنى أو مجموع ، فهي خمسة عشر ، وكلّ منها إمّا مذكّر أو مؤنّث ، فهذه ثلاثون ، لكن اكتفي في المثنّى بلفظ واحد لقلّة استعماله ، فسقط خمسة ، فهي خمسة وعشرون ، وكلّ منها أمّا متكلّم ، أو مخاطب أو غائب ، فهذه خمسة وسبعون ، لكن اكتفي في المتكلّم بضميرين ، لأنّ المتكلّم يعلم غالبا كونه مذكّرا أو مؤنّثا ، إمّا برؤيته أو صوته ، فيسقط خمسة عشر من ضرب ثلاثة في

٤٦٣

خمسة ، فيبقي ستّون ، ويضمّ إليها ياء الواحدة المخاطبة ، كما زادها سيبويه خلافا للأخفش والمازنيّ في قولها : إنّها حرف تأنيث ، والفاعل مستتر كما تقدّم.

فجملة الضمائر أحد وستّون ضميرا. أمثلة الضمائر المرفوعة المتّصلة ضربت بضمّ التاء ، ضربنا ، وضربت بفتحها ، وضربت بكسرها ، وضربتما ، وضربتم ، وضربتن ، وضرب ، أي هو ، وضربت ، أي هي ، وضربا ، وضربتا ، وضربوا ، وضربن.

والمنفصلة أنا ونحن وأنت بالفتح وأنت بالكسر وأنتما وأنتم وأنتنّ وهو وهي وهما وهم وهنّ. والمنصوبة المتّصلة ضربني وضربنا وضربك وضربك بالفتح والكسر وضربكما وضربكم وضربكنّ وضربه وضربها وضربهما وضربهم وضربهنّ. والمنفصلة إيّاي وإيّانا وايّاك بالفتح وايّاك بالكسر وإيّاكما وإيّاكم وإيّاكن وإيّاه وإيّاها وإيّاهما وإيّاهم وإيّاهنّ. والمجرورة مرّ بي وبنا وبك بالفتح وبك بالكسر وبكما وبكم وبكنّ وبه وبها وبهما وبهم وبهنّ.

لا يجوز المنفصل الا لتعذّر المتّصل : «ولا يسوغ» أي لا يجوز المضمر «المنفصل إلا لتعذّر» المضمر «المتّصل» ، لأنّ وضع المضمر على الاختصار ، والمتّصل أخصر من المنفصل ، فمتى أمكن ، لا يجوز العدول عنه ، فنحو قمت وأكرمتك ، لا يقال فيهما : قام أنا ولا اكرمت إيّاك ، وأمّا قوله [من البسيط] :

٤٥٧ ـ وما أصاحب من قوم فأذكرهم

إلا يزيدهم حبّا إلى هم (١)

وقوله [من الرجز] :

٤٥٨ ـ أتتك وهي تقطع الأراكا

إليك حتى بلغت إيّاكا (٢)

وقوله [من البسيط] :

٤٥٩ ـ بالباعث الوارث الأموات قد ضمنت

إيّاهم الأرض في دهر الدّهارير (٣)

فضرورة.

مواضع تعذّر المتّصل : ويتعذّر المتّصل في مواضع :

أحدها : أن يتقدّم المضمر على عامله ، نحو : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) [الحمد / ٤].

__________________

(١) البيت لزياد بن حمل وقيل لمرار بن منقذ.

(٢) البيت لحميد الأرقط ، اللغة : الأراك أو شجر المسواك ، واحدته أراكة : نبات شجرى من الفصيلة الأراكية ، كثير الفروع ، خوار العود ، ويروى أتيك عنس ... والعنس ، الناقة الشديدة.

(٣) البيت للفرزدق ، يفتخر فيها ، ويمدح يزيد بن عبد الملك بن مروان. اللغة : الباعث : الّذي يبعث الأموات ويحييهم بعد موتهم ، ضمنت : تضمنت ، الدهارير : الزمن الماضي ، أو الشدائد ، وهو جمع لا واحد له من لفظه.

٤٦٤

الثاني : أن يتأخّر عن عامله ويلي إلا ، نحو : (أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) [يوسف / ٤٠] ، أو إنّما ، نحو : إنّما قام أنا ، ومنه قول الفرزدق [من الطويل] :

٤٦٠ ـ أنا الزائد الحامي الذمار وإنّما

يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي (١)

وأمّا قوله [من البسيط] :

٤٦١ ـ وما نبالي إذا ما كنت جارتنا

أن لا يجاورنا إيّاك ديّار (٢)

فضرورة.

الثالث : أن يكون العامل محذوفا ، إمّا لكونه مفسّرا بمذكور ، نحو : إن إيّاه ضربته فأكرم أخاه ، أو بقرينة السؤال ، نحو : إيّاه ، جوابا لمن قال : أضرب ، أو لكون الضمير جعل بدلا من اللفظ بالفعل ، فلا يجوز إظهاره ، وذلك في باب التحذير ، وهو تنبيه المخاطب على مكروه يجب الاحتراز عنه ، نحو : إيّاك والأسد ، أي ق نفسك ، واحذر الأسد.

الرابع : أن يكون تابعا ، إمّا توكيدا ، نحو : (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) [البقرة / ٣٥] ، أو بدلا ، كقولك بعد ذكر أخيك : لقيت زيدا إيّاه ، أو عطف نسق كجاءني زيد وأنت.

الخامس : أن يقع بعد أمّا ، نحو : جاءني أمّا أنت أو زيد.

السادس : أن يقع بعد واو المصاحبة ، كقوله [من الطويل] :

٤٦٢ ـ فاليت لا أنفكّ أحدو قصيدة

أكون وإيّاها مثلا بعدي (٣)

السابع : أن تقع بعد اللام الفارقة بين إن النافية والمخفّفة كقوله [من الخفيف] :

٤٦٣ ـ إن وجدت الصديق حقّا لإيّاك

فمن لي فلن أزال مطيعا (٤)

الثامن : أن يكون منادى ، نحو : يا إيّاك ويا أنت (٥).

التاسع : أن تكون ثاني مفعولي علمت أو أعطيت ، ويورث اتّصال الضمير التباسه بالمفعول الأوّل ، كما إذ أخبرت عن المفعول الثاني في علمت زيدا إيّاك وأعطيت زيدا

__________________

(١) اللغة : الذائد : فاعل من الذود بمعنى الطرد والمنع ، الذمار : ما يلزمك حفظه وحمايته ، الأحساب : جمع حسب : ما يعدّه الإنسان من مفاخر أبائه.

(٢) لم يعيّن قائله. اللغة : ما نبالي : يروى في مكانه وما علينا : من المبالاة بمعنى الاكثرات بالأمر والاهتمام له والعناية به ، ديار : معناه أحد ولا يستعمل إلا في النفي العام.

(٣) هو لأبي ذؤيب الهذلي. اللغة : اليت. حلفت.

(٤) البيت بلا نسبة.

(٥) كما جاء في بحث النداء إنّ هذا الاستعمال خطأ ، وكما قال شعبان :

ولا تقل عند النداء يا هو

وليس في النحاة من رواه

٤٦٥

عمرا قلت : الّذي علمت زيدا إيّاه أبوك ، والّذي أعطيت زيدا إيّاه عمرو ، ولا يجوز أن تقول : الّذي علمته زيدا ولا الّذي أعطيته زيدا ، لأنّه يلتبس المفعول الثاني بالأوّل.

العاشر : أن يكون عامله معنويّا ، نحو : أنا قائم.

الحادي عشر : أن يرفع بمصدر مضاف إلى المنصوب ، كقوله [من البسيط] :

٤٦٤ ـ بنصركم نحن كنتم ظافرين وقد

أغرى العدي بكم استسلامكم فشلا (١)

الثاني عشر : أن ينصب بمصدر مضاف إلى المرفوع ، نحو : عجبت من ضرب الأمير إيّاك. فإن قالوا : يجوز من ضربك الأمير ، قلنا : يجوز بنصرنا إيّاكم فما هو جوابكم ، فهو جوابنا.

الثالث عشر : أن يكون عامله حرف نفي ، نحو : (ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ) [المجادلة / ٢].

الرابع عشر : أن يرفع بصفة جرت على غير من هي له ، نحو : زيد هند ضاربته هي.

الخامس عشر : أن يجتمع ضميران ، ويقدّم غير الأخص ، نحو : أعجبني إكرامك إيّاي وإكرامه إيّاك.

السادس عشر : أن يجتمع ضميران في مرتبة واحدة بأن يكونا لمتكلّم أو مخاطب أو غائب ، نحو : ظننتني إيّاي وحسبتك إيّاك وعلمه ايّاه ، وأمّا قوله [من الطويل] :

٤٦٥ ـ وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة

لضغمهماها يقرع العظم نابها (٢)

وإنّما سهّله اختلاف لفظي الضمير ، وهو مع ذلك شاذّ.

جواز الوجهين في سلنيه وشبهه : «وأنت في هاء سلنيه شبهه» من كل ثاني ضميرين أوّلهما أخصّ وغير مرفوع نحو : أعطيتكه «بالخيار» فإن شيءت وصلت نظرا إلى الأصل فقلت : سلنيه وأعطيتكه ، وإن شيءت فصلت ، هربا من توإلى اتّصالين في فضلتين ، فقلت : سلني إيّاه وأعطيتك إيّاه.

وظاهر كلامه أنّ الاتّصال والانفصال على السواء ، وهو ظاهر كلام ابن مالك في الألفية ، بل قال ابن عقيل : إنّه ظاهر كلام أكثر النّحويّين ، واختار في التسهيل الاتّصال لكونه الأصل ، ولا مرجّح لغيره ، واقتصر سيبويه عليه.

قال ابن مالك : فظاهر كلامه لزوم الاتصال ، وأجاز غير سيبويه الانفصال ويدلّ عليه قوله (ع) : إنّ الله ملّككم إيّاهم ولو شاء ملّكهم إيّاكم (٣) ، انتهى.

__________________

(١) لم يعين قائله. اللغة : أغري : حرّض.

(٢) هو لمغلس بن لقيط. اللغة : الضغمة : العضّة فكني بها عن المصيبة.

(٣) ما وجدت الحديث في المراجع.

٤٦٦

وذهب الشلوبين إلى رجحان الانفصال ، وتأوّل كلام سيبويه ، قال المراديّ : وهو بعيد ، فإن كان الأوّل من الضميرين مجرورا يرجّح الفصل اتّفاقا لاختلاف محلّي الضمير ، نحو : عجبت من حبّي إيّاه ، ومن الوصل قوله [من المتقارب] :

٤٦٦ ـ لئن كان حبّك لي كاذبا

لقد كان حبّيك حقّا يقينا (١)

وإن كان غير أخصّ وجب الفصل كما تقدّم ، أو مرفوعا وجب الوصل ، نحو : ضربته ، إلا إذا كان مرفوعا بكان أو إحدى أخواتها ، نحو : الصديق كنته ، فيترجّح الوصل عند ابن مالك لكونه الأصل ، وورود في أفصح النثر كقوله (ص) لعمر في ابن صياد : إن يكنه فلن تسلّط عليه ، وإن لا يكنه فلا خير لك في قتله (٢).

والفصل عند الجمهور ، لأنّ حقّ الخبر الفصل قبل دخول الناسخ ، فيترجّح بعده كقوله [من الطويل] :

٤٦٧ ـ لئن كان إيّاه لقد حال بعدنا

عن العهد والإنسان قد يتغيّر (٣)

وهذا الخلاف جار في المنصوب بفعل ناسخ أيضا ، نحو : خلتنيه ، وتوجبه كلّ من الترجيحين ما سبق ، فمن ورود الوصل ، قوله [من البسيط] :

٤٦٨ ـ بلّغت صنع امرئ برّ إخالكه

إذ لم تزل لاكتساب الحمد مبتدرا (٤)

ومن ورود الفصل ، قول الأخر [من البسيط] :

٤٦٩ ـ أخي حسبتك إيّاه وقد ملئت

أرجاء صدرك بالأضغان والإحن (٥)

تنبيه : ما ذكرته من جواز الاتّصال في أخوات كان ككان هو ما ذهب إليه ابن مالك ، وصرّح به في شرح الكافية ، وابن هشام صرّح به في الأوضح ، ونصّ عليه شراح الكتاب ، ونقل عن صاحب المستوفي (٦) أنّ خبر غير كان لا يكون متّصلا ، وجزم به أبو حيّان في شرح التسهيل قال وقولهم : ليسني وليسك شاذّ ، وخصّ بعضهم هذ الحكم بليس ولا يكون في الاستثناء ، وحمل قوله [من الرجز] :

٤٧٠ ـ ...

اذ ذهب القوم الكرام ليسي (٧)

على الضرورة مثل إلاك ديّار.

__________________

(١) البيت بلا نسبة.

(٢) تقدم في ص ٢١٥.

(٣) هو لعمر بن أبي ربيعه.

(٤) لم يسمّ قائله. اللغة : ابتدر : تسارع إليه.

(٥) لم يسمّ قائله. اللغة : أرجاه : جمع رجاء ، ناحية ، الأضغان : جمع الضغن : الحقد الشديد ، الإحن : جمع الإحنة : الحقد والصغن.

(٦) المستوفي في النحو لأبن سعد كمال الدين على بن مسعود الفرغاني. كشف الظنون ٢ / ١٦٧٥.

(٧) تقدّم برقم ٣٩٠.

٤٦٧

ففي ليس على هذا ضرورتان : إحداهما : اتّصال الضمير ، والثانية : عدم نون الوقاية.

ضمير الشأن والقصّة : هذه «مسألة» في بيان الضمير المسمّى بالشأن وضمير القصة وضمير الأمر وضمير الحديث عند البصريّين ، وضمير المحمول عند الكوفيّين ، لأنّه لا يدري عندهم على ما ذا يعود. وتسمية البصريّين أولى ، لأنّهم سمّوه بمعناه ، والكوفيّون إنّما سمّوه باعتبار وصفه.

«قد» للتقليل ، فإنّ هذا الضمير وقوعه في الكلام قليل بالنسبة إلى غيره من الضمائر «يتقدّم على الجملة» الخبريّة «ضمير غائب» بإضافة الضمير إلى الغائب «مفسّرا بها» ، أي بالجملة الخبريّة لغرض التعظيم والتفخيم ، إذ ذكر الشيء مبهما ، ثمّ مفسّرا أوقع في النفوس من ذكر مفسّرا من أوّل الأمر ، فعلى هذا لا بدّ أن يكون مضمون الجملة شيئا عظيما يعتنى به ، فلا يقال مثلا : هو الذباب يطير.

قال الرضيّ : وهذا الضمير كأنّه راجع في الحقيقة إلى المسؤول عنه بسؤال مقدّر ، يقول مثلا : هو الأمير مقبل ، كأنّه سمع ضوضأ وجلبة ، فاستبهم الأمر ، فسأل ما الشأن والقصة؟ فقلت : هو الأمير مقبل ، أي الشأن هذا ، فلمّا كان العود إليه الّذي تضمّنه السؤال غير ظاهر ، قيل : اكتفى بالتفسير مخبر هذا الضمير الّذي يتعقّبه بلا فصل ، لأنّه معيّن للمسؤول عنه ومبيّن له ، فبان لك بهذا أنّ الجملة بعد الضمير لم يؤت بها لمجرّد التفسير ، بل هي كسائر أخبار المبتدأ ، لكن سمّيت تفسيرا لما بيّنه ، انتهى.

وتكون اسميّة إذا كان الضمير مبتدأ ، وإذا دخله الناسخ اسميّة وفعلية كما سيأتي.

وسمّي ذلك الضمير ضمير الشأن ، إن كان مذكّرا ، نحو : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) [التوحيد / ١] ، وضمير القصّة إن كان مؤنّثا ، نحو : (فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [الأنبياء / ٩٧] ، وكذا قال غير واحد ، وقال بعض المحقّقين : قد يتوهّم كثير من الناس أنّ التذكير باعتبار لفظ الشأن والتأنيث باعتبار لفظ القصة ، وهذا غلط فاحش ، لأنّه إنّما يكون كذلك لو رجع هذا الضمير إلى هذين اللفظين ، وليس كذلك بل هو راجع إلى المتعقّل ذهنا ، انتهى.

قلت : المراد باعتبار الشأن والقصة في التذكير والتأنيث أنّ الضمير إذا كان مذكّرا ناسب أن يرجع إلى الشأن المعقول ، وإذا كان مؤنّثا ناسب أن يرجع إلى القصة المعقولة رعاية للمطابقة ، فهو راجع فيهما إلى المتعقّل ذهنا ، فان أراد بكثير من الناس من قال بهذا

٤٦٨

فلا وهم ، ولا غلط ، وإن أراد به من يقول بأنّه راجع إلى الشأن الملفوظ به أو القصّة الملفوظ بها فليس من الناس.

«ويحسن تأنيثه» أي تأنيث الضمير المذكور مع المؤنّث ، كما يحسن تذكيره مع المذكّر «إن كان المؤنّث فيهما» أي في الجملة المفسّرة له «عمدة» ، نحو : هي هند الملحية ، بخلاف ما إذا كان فضلة ، فلا يحسن أنّها بنيت غرفة ، أو كالفضلة ، فلا يحسن أنّها كان القرآن معجزه ، وذلك لأنّ الضمير مقصود مهم ، فلا يراعي مطابقته للفضلة ، لكنّه مع ذلك جائز بتأويل القصة قياسا ، ولم يسمع. وإنّما قال : يحسن تأنيثه ، لأنّه وإن كان في الظاهر راجعا إلى المؤنّث المذكور في الجملة ، لكنّه في الحقيقة راجع إلى المتعقّل في الذهن ، كما مرّ ، فحسن تانيثه مراعاة للظاهر.

هذا مذهب البصريّين ، وأوجب الكوفيّون تذكيره مع المذكّر وتأنيثه مع المؤنّث ، يدفعه قول العرب : إنّه أمة الله ذاهبة ، وقراءة : أولم تكن آية أن يعلمه [الشعراء / ١٩٧] ، بالفوقية ، فإنّ الاسم أن يعلمه وهو مذكّر ، كذا قيل ، ووقع للدمامينيّ في شرح التسهيل أنّ ضمير الشأن لا يفسّر بأنّ وصلتها ، فينبغي تحقيق ذلك.

تنبيه : يجرى مجرى المؤنّث في الحكم المذكور مذكّر شبّه به ، نحو : إنّها قمر جاريتك ، وفعل بعلامة تأنيث ، نحو : (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ) [الحج / ٤٦] ، ولا عبرة بمؤنّث شبّه به مذكّر ، فلا يحسن أنّها شمس وجهك ، ولا بتأنيث فاعل فعل بلا علامة التأنيث ، فلا يحسن أنّها قام جاريتك.

ويبرز الضمير المذكور مبتدأ واسم ما ومنصوبا في باب إنّ وظنّ ، وقد يستتر في باب كان وكاد ، ولا يعمل فيه إلا الابتداء على خلاف فيه ، فمنعه الفرّاء وأبو الحسن وجوّزه النّحويّون.

قال أبو حيّان : ومنعه غريب مع كثرته في كلام الله تعالى ، أو أحد نواسخه كأنّ وظنّ وأخواتهما ، ومنع بعضهم عمل ما المشبهة بليس فيه ، وبعضهم عمل كاد ، والأصحّ عملها كقوله [من الطويل] :

٤٧١ ـ وما هو من يأسو الكلوم وتتّقي

به نائبات الدّهر كالدّائم البخل (١)

وكقراءة حمزة وحفص : (مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) [التوبة / ١١٧] ، بالمثنّاة من تحت ، وحينئذ يتعيّن أن يكون في كاد ضمير الشأن ، وقلوب فاعل ، ولا يجوز أن يكون فاعلا لكاد لما يلزم من جواز القلوب يزيغ ، وبابه الشعر.

__________________

(١) لم يسم قائله. اللغة : يأسو : يصلح ، الكلوم : جمع الكلم : الجرح.

٤٦٩

«ولا يثنّى ولا يجمع» وإن فسّر بجملتين أو جمل ، بل لا يكون إلا مفردا ، لأنّ مرجعه الّذي هو الشأن أو القصة المتعقّلان في الذهن لا يكون إلا مفردا ، وأمّا من قال : لأنّه ضمير يفسّره مضمون جملة ، ومضمون الجملة (١) مفرد ، فيلزمه أن يثنّى ويجمع إذا فسّر بجملتين أو جمل لتعدّد مضمون الجمل حينئذ ، فتدبّر.

«ولا يفسّر بمفرد» لأنّه كناية عن الشأن والقصّة ، وهما بمعنى الجملة ، فلا يفسّر إلا بجملة مصرّح بجزئيتها لا بمفرد ، وأجاز الكوفيّون والأخفش تفسيره بمفرد له مرفوع ، نحو : كان قائما زيد ، وظننته قائما عمرو ، وهذا إن سمع خرج على أنّ المرفوع مبتدأ ، واسم كان وضمير ظننته راجعان إليه ، لأنّه في نيّة التقديم ، ويجوز كون المرفوع بعد كان اسما.

وأجاز الكوفيون أنّه قام وأنّه ضرب على حذف المرفوع والتفسير بالفعل مبنيّا للفاعل أو المفعول ، وفيه فسادان : التفسير بالمفرد وحذف مرفوع الفعل ، قاله ابن هشام.

قلت : هذان الفسادان لا يلزم شيء منهما الكوفيّين ، لأنّ كلّا منهما عندهم جائز ، فتخطئتهم على مذهب غيرهم ليس بصواب ، وهو كما قال أبو عثمان المازنيّ : دخلت بغداد فألقيت على مسائل ، فكنت أجيب فيها على مذهبي ، ويخطؤوني فيها على مذاهبهم ، انتهى. نعم الّذي يدفع قول الكوفيّين أنّه ليس لهم شاهد على ما ذهبوا إليه ، كما قاله الرضيّ.

«ولا يتبع» بشيء من التوابع ، فلا يؤكّد ولا يعطف عليه عطف بيان ، ولا يبدل منه ، لأنّه أشدّ إبهاما من النكرة ، وهي لا تؤكّد ، ولئلّا يزول الإبهام المقصود منه بالبدل وعطف البيان.

قال الدمامينيّ : وانظر ما وجه كونه لا يعطف عليه عطف نسق ، انتهى. ووجّهه الشمنيّ بأنّ الجملة الّتي هي خبر ضمير الشأن لا تحتاج إلى رابط لكونه نفسه ، فلو عطف عليه عطف نسق لشاركه المعطوف في الإخبار عنه بالجملة ، ولزم خلوّ خبر المعطوف عليه من رابط ، وهو ممنوع ، انتهى ، فتأمّل.

ومثل المصنّف للأحكام المذكورة بقوله : «نحو : هو الأمير راكب ، وهي هند كريمة» ، مثالان لما عمل فيه الابتداء ، والضمير في الأول مذكّر ، وفي الثاني مؤنّث ، «وإنّه الأمير راكب» مثال لما عمل فيه الناسخ ، وهو أنّ ، ومثله قوله [من البسيط] :

__________________

(١) سقط «ومضمون الجملة» في «ح».

٤٧٠

٤٧٢ ـ علمته الحقّ لا يخفي على أحد

 ... (١)

وهو في هذه الأمثلة بارز ، ونحو : قول الشاعر ، وهو العجير بن عبد الله السلوليّ (٢) [من الطويل] :

٤٧٣ ـ إذا متّ كان الناس صنفان شامت

وآخر مثن بالّذي كنت أصنع (٣)

مثال للمستتر الّذي عمل فيه الناسخ ، ففي كان ضمير الشأن ، وهو اسمها ، والناس مبتدأ ، وصنفان خبر ، وشامت خبر مبتدإ محذوف ، أي أحد الصنفين شامت.

وقيل : يجوز أن يكون بدلا من صنفان ، وقوله : مثن يجوز أن يكون بدلا من صنفان وقوله : مثن أي على ، وأصنع ، أي أصنعه ، لأنّه عائد الموصول ، والمعنى : إذا متّ ، وكان الناس ورائي نوعين : نوع منهم يشمت بي ، ونوع يثنّى علىّ بالّذي كنت أصنعه في حياتي.

تنبيهات : الأوّل : لا يجوز للجملة المفسّرة لهذا الضمير أن تتقدّم هي أو شيء منهما عليه ، خلافا ليوسف بن أبي سعيد السيرافي ، فإنّه أجاز في قوله [من الطويل] :

٤٧٤ ـ أسكران كان ابن المراغة إذ هجا

تميما بجوف الشّام أم متساكر (٤)

فيمن رفع سكران وابن المراغة على أن يكون في كان ضمير الشأن ، وابن المراغة وسكران مبتدأ وخبر ، والجملة مفسّرة ، والصواب أنّ كان زائدة ، والأشهر في إنشاده نصب سكران ورفع ابن المراغة ، فارتفاع متساكر على أنّه خبر لهو محذوفا ويروى بالعكس ، واسم كان مستتر فيها.

الثاني : لا يجوز حذف هذا الضمير لعدم الدليل عليه إذ الخبر مستقلّ ، ليس فيه ضمير رابط ، ولا يحذف المبتدأ ولا غيره إلا مع القرينة ، وأيضا فإنّ المقصود من الكلام المصدريّة هو التفخيم والتعظيم ، فلا يلائمه الاختصار ، والّذي سوّغ حذفه منصوبا صيرورته بالنصب في صورة الفضلات مع دلالة الكلام عليه نحو قوله [من الخفيف] :

٤٧٥ ـ إنّ من يدخل الكنيسة يوما

يلق فيها جاذرا وظباء (٥)

__________________

(١) عجزه «فكن محقّا تنل ما شيءت من ظفر» ، وقائله مجهول.

(٢) العجير بن عبد الله من بني سلول من شعراء الدولة الأموية ، كنيته أبو الفرزدق وعجير لقبه ، عدّه ابن سلام في شعراء الطبقة الخامسة من الاسلاميين ، مات سنه ٩٠ ه‍. الأعلام للزركلي ، ٥ / ٥.

(٣) اللغة : الشامت : اسم فاعل من شمت بعدوه أي : فرح بمكروه أصابه. مثن : اسم فاعل من أثنى على فلان أي : وصفه بخير.

(٤) هو للفرزدق يهجو بها جرير بن عطية بن الخطف التميمي. اللغة : الهمزة للتوبيخ على سبيل الإنكار. سكران : من به سكر. ابن المراغة : كنية جرير الشاعر ، المتساكر : اسم الفاعل من التساكر وهو إظهار السكر وتكلّفه من غير وجوده في الشخص.

(٥) تقدّم برقم ١٥٠.

٤٧١

وذلك الدليل هو أنّ نواسخ المبتدإ لا تدخل على كلم المجازات كما مرّ ، والتزم حذفه في باب أنّ المفتوحة ، إذا خفّفت تبعا لحذف النون ، نحو : (وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) [يونس / ١٠] ، وإنّما لم تلغ ، لأنّ المكسورة قد علمت مخفّفه في الظاهر ، نحو : (إِنَّ كُلًّا لَمَّا) [هود / ١١١] ، مع أنّ المفتوحة أقوي منها لمشابهة فتح أوّلها فتح أوّل الماضي ، فلو ألغيت لزم إعمال الأدنى وإهمال الأقوى ، وإنّما أعملت تلك في الظاهر ، وهذه في المضمر ، لأنّ هذه فرع عن تلك ، والمضمر فرع عن الظاهر الّذي يفسّره ، فأعمل الأصل في الأصل ، والفرع في الفرع.

وهذا مذهب الجمهور ، وذهب سيبويه وجماعة إلى أنّ الملتزم حذفه لا يجب أن يكون ضمير شأن ، واختاره ابن مالك ، وسيأتي لذلك مزيد كلام في حديقة المفردات ، إن شاء الله تعالى.

الثالث : الجمهور على أنّ هذا الضمير اسم ، وزعم ابن الطراوة أنّه حرف ، فمثّل كان زيد قائم ، وليس زيد بقائم ، فإلغاء لكان وليس وأخواتهما ، وأمّا إنّه أمة الله ذاهبة ، فحرف كفّ إنّ عن العمل ، وفي [قول الشاعر من الخفيف] :

٤٧٦ ـ إنّ من يدخل الكنيسة يوما

 ... (١)

إنّ ملغاة ، وأمّا : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) [التوحيد / ١] ، فهو هنا فسّره المعنى ، أي المعبود الله أحد ، قاله في الإرتشاف.

مواضع عود الضمير إلى المتأخّر : هذه «فائدة» في بيان مواضع عود الضمير إلى متأخّر لفظا ورتبة «ذكر بعض المحقّقين» وهو الرضيّ (رض) ، والمحقّقون جمع محقّق اسم الفاعل من حقّق الشيء تحقيقا ، أي رجعه إلى حقيقته ، بحيث لا يشوبه شبهة ، «عود الضمير إلى» المفسّر «المتأخّر لفظا ورتبة في خمسة مواضع».

وإنّما أسندنا ذكر هذه الفائدة إلى الرضي ، مع أنّه ذكرها ابن بابشاذ في شرح الجمل وابن مالك في التسهيل وابن هشام في المغني وغيرهم ، لأنّ الرضيّ هو الّذي عدّ المواضع خمسة ، وابن بابشاذ عدّها أربعة ، وابن مالك وابن هشام عدّاها سبعة. والمرتضى صنع الرضيّ كما سيأتي بيانه ، والمواضع الخمسة هي :

* «إذا كان» الضمير «مرفوعا بأوّل» العاملين «المتنازعين» للمعمول بعدهما ، «وأعملنا» العامل «الثاني» فيه على مذهب البصريّين ، «نحو : أكرمني وأكرمت زيدا» ، ففي

__________________

(١) تقدّم برقم ١٥٠ و ٤٧٥.

٤٧٢

أكرمني ضمير مرفوع به على الفاعلية عائد إلى المتنازع فيه ، وهو زيد المنصوب على المفعوليّة ، والمفعول رتبته التأخير ، فعاد الضمير إلى متأخّر لفظا ورتبة.

* «أو» كان الضمير «فاعلا في باب نعم» وبئس وما جرى مجراهما «مفسّرا بتمييز» ، ولا يفسّر إلا به ، وعبارته توهّم خلاف ذلك ، «نحو : نعم رجلا زيد» ، وبئس رجلا عمرو ، ففي كلّ من نعم وبئس ضمير فاعل يفسّره التمييز ، ورتبة التمييز التأخير ، فقد عاد الضمير إلى التمييز ، وهو متأخّر لفظا ورتبة ، ويلتحق بهما فعل الّذي يراد به المدح والذم ، نحو : (ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ) [الأعراف / ١٧٧] ، و (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ) [الكهف / ٥] ، وظرف رجلا زيد ، وذهب الفرّاء والكسائي إلى أنّه لا ضمير في الفعل ، بل المرفوع بعد المنصوب هو الفاعل ، ويأتي الكلام على ذلك في باب أفعال المدح والذّمّ ، إن شاء الله تعالى.

* «أو» كان الضمير «مبدلا منه ظاهر» مفسّر له ، «نحو : ضربته زيدا» ، فالضمير في ضربته عائد إلى المبدل منه ، وهو زيد المنصوب على البدليّة ، والبدل رتبته التأخير عن المبدل منه ، فعاد الضمير إلى المتأخّر لفظا ورتبة ، وهذه المسألة قال ابن عصفور : أجازها الأخفش ، ومنعها سيبويه. وقال ابن كيسان : هي جائزة بإجماع نقله عنه ابن مالك ، كذا قال ابن هشام في المغني. وفي الهمع صحّح الجواز ابن مالك وأبو حيّان ، ومنعه قوم ، وردّه أبو حيّان بالورود ، انتهى.

وممّا خرجوا على ذلك قولهم : أللهمّ صلّ عليه الرؤوف الرحيم ، وقال الكسائيّ : هو نعت وهم يأبون نعت الضمير ، وقوله [من الرجز] :

٤٧٧ ـ ...

فلا تلمه أن ينام البائسا (١)

وقال سيبويه : هو بإضمار أذمّ.

* «أو» كان الضمير «مجرورا بربّ على ضعف» ، تقدّم الكلام فيه في بحث المجرورات فليراجع «نحو : ربّه رجلا» ، فالضمير المجرور بربّ عائد إلى التمييز ، وهو رجلا ورتبة التمييز التأخير ، كما مرّ ، فقد عاد الضمير إلى متأخّر لفظا ورتبة.

تنبيه : ذهب الزمخشريّ إلى أنّ التمييز يفسّر بالتمييز في باب نعم وربّ ، وذلك أنّه قال في قوله تعالى : (فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ) [فصلت / ١٧] : يجوز أن يرجع الضمير فيه إلى السماء على المعنى ، كما قال : (طائِعِينَ) [فصلت / ١١] ، ونحوه : (أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ) [الحاقة / ٧] ، ويجوز أن يكون ضميرا مبهما مفسّرا بسبع سموات ، والفرق بين

__________________

(١) صدره «قد أصبحت بقرقرى كوانسا» ، ولم يذكر قائله. اللغة : القرقرى : اسم موضع ، الكوانس : جمع كانس : مأوى الظبي بين الأشجار.

٤٧٣

النصبين أنّ أحدهما على الحال والثاني على التمييز ، وصرّح بمثل ذلك في قوله تعالى : (فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ) [البقرة / ٢٩] ، فقال : الضمير في سوّاهنّ ضمير مبهم وسبع سموات تفسيره كقولهم : ربّه رجلا ، انتهى.

وضعف كلامه بوجهين : أحدهما : إنّ الباب ليس بقياس ، وإنّما حمل الضمير في ربّه رجلا على أنّه مبهم ، لأنّ ربّ لا تدخل إلا على النكرات ، وهذا لا يوجد في سوّاهنّ ، وفيه نظر ، يعلم ممّا مرّ من الكلام على تعريف هذا الضمير وتنكيره. الثاني : إنّ هذا التقدير يجعل الكلام غير مرتبط بما قبله ارتباطا كليّا ، إذ يكون الكلام قد تضمّن أنّه تعالى استوى إلى السماء ، وأنّه سوى سبع سموات عقب استوائه إلى السماء ، فيكون قد أخبر بإخبارين : أحدهما استوائه إلى السماء ، والآخر تسوى ته سبع سموات ، وظاهر الكلام أنّ الّذي استوى إليه هو بعينه المسوى سبع سموات ، وفيه نظر ظاهر. «أو كان» الضمير «للشأن والقصة كما مرّ» عن قريب فليراجع إليه.

تنبيه : زاد ابن مالك في التسهيل موضعين آخرين يعود فيهما الضمير على متأخر لفظا ورتبة : أحدهما : أن يكون الضمير مخبرا عنه فيفسّره خبره ، نحو : (إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا) [الأنعام / ٢٩] ، وقال الزمخشريّ : هذا ضمير لا يعلم ما يعني به إلا بما يتلوه ، وأصله إن الحياة إلا حياتنا الدنيا ، ثمّ وضع هي موضع الحياة ، لأنّ الخبر يدلّ عليها ويبيّنها.

قال ابن مالك : وهذا من جيّد كلامه ، ونازعه في ذلك أبو حيّان ، قال : لأنّ الخبر إذا كان مضافا لشيء أو موصوفا بشيء ، وجعل مفسّرا ، كان المبتدأ الّذي هو ضمير عائد عليه باعتباره ما قيّد به من إضافة أو صفة ، وحينئذ يصير التقدير إن حياتنا الدنيا إلا حياتنا الدنيا.

قال : وليس في كلام الزمخشريّ دليل على ما ذهب إليه ، لأنّه قال : وضع هي موضع الحياة ، ولم يقل موضع حياتنا الّذي هو الخبر وقوله : لأنّ الخبر يدلّ عليها ويبيّنها ، يعني سياق هذا الكلام دلّ على أنّ المفسّر هو الحياة ، فيكون المفسّر إذن هو السّياق إلا الخبر ، انتهى.

الثاني : أن يكون الضمير متّصلا بفاعل مقدّم مفسّره مفعول مؤخّر نحو : ضرب غلامه زيدا ، ومن شواهده قول حسان [من الطويل] :

٤٧٨ ـ ولو أنّ مجدا أخلد الدّهر واحدا

من الناس أبقي مجده الدّهر مطعما (١)

__________________

(١) تقدم برقم ٩١.

٤٧٤

وقد تقدّم أنّ هذا ضرورة فلا يقاس عليه ، فظهر وجه عدم ذكر الرضي لهذين الوضعين واتباع المصنّف له ذلك.

ضمير الفصل : تتمة : يتوسّط بين المبتدأ والخبر قبل دخول العوامل وبعدها ضمير بلفظ المرفوع المنفصل مطابق للمبتدإ يفيد التوكيد والاختصاص ، وكون ما بعده خبرا لا نعتا.

ويسمّيه البصريّون فصلا لفصله بين كون ما بعده خبرا وبين كونه نعتا ، والكوفيّون عمادا ، لأنّه اعتمد عليه في هذا المعنى ، وشرطه أن يكون ما قبله معرفة وما بعده معرفة ، أو كالمعرفة في أنّه لا يقبل أل ، نحو : (أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [البقرة / ٥] ، و (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) [الصافات / ١٦٥] ، (كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) [المائدة / ١١٧] ، (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً) [الكهف / ٣٩] ، (تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً) [المزمل / ٢٠]. ولا موضع له من الإعراب عند البصريّين ، فقال بعضهم : هو حرف ، وقال بعضهم : هو اسم ، لكن لمّا كان الغرض به الإعلام من أوّل الأمر يكون مايليه خبرا لا نعتا اشتدّ شبهه بالحرف ، في أنّه لم يؤت به إلا لمعنى في غيره ، فلم يجعل له موضع من الإعراب.

وقال الكوفيّون : بل له موضع ، فقال الكسائي : موضعه بحسب ما بعده. وقال الفرّاء بحسب ما قبله ، فمحلّه بين المبتدأ والخبر رفع ، وبين معمولي ظنّ نصب ، وبين معمولي كان رفع عند الفرّاء ، ونصب عند الكسائيّ ، وبين معمولي أنّ بالعكس.

وكثير من العرب تجعله مخبرا عنه بما بعده ، وحكى الجرميّ أنّها لغة بني تميم وحكى عن أبي زيد أنّه سمع منهم يقرؤون : تجدوه عند الله هو خير وأعظم [المزمل / ٢٠] ، بالرفع. وقال قيس بن الذريح [من الطويل] :

٤٧٩ ـ تبكّي على لبنى وأنت تركتها

وكنت عليها بالملا أنت أقدر (١)

__________________

(١) اللغة : الملا : موضع.

٤٧٥

اسم الإشاره

ص : ومنها : أسماء الاشارة : وهي ما وضع للمشار إليه المحسوس ، فللمفرد المذكّر «ذا» ولمثنّاه «ذان» مرفوع المحلّ ، و «ذين» منصوبه ومجروره ، (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) متأوّل. والمؤنّث «تا» و «ذي» و «ذه» و «تي» و «ته» ولمثنّاه «تان» رفعا و «تين» نصبا وجرّا ، ولجمعهما «أولاء» مدّا وقصرا ، وتدخلها «هاء» التنبيه ، وتلحقها «كاف» الخطاب بلا لام للمتوسّط ، ومعه للبعيد ، إلا في المثنّى والجمع عند من مدّه ، وفيما دخله حرف التنبيه.

ش : «ومنها» أي ومن المبنيّات «أسماء الأشارة» ، وفي الاصطلاح هي ما وضع لمشار إليه ، أي لمعنى مشار إليه إشارة حسيّة ، إذ مطلق الإشاره حقيقة فيها دون الذهنيّة ، فلا نقض بما عدا المحدود من المعارف ، فإنّها وإن كانت موضوعة لمشار إليه إلا أنّ الإشارة فيها ذهنيّة.

وقضية هذا أن يكون الأصل في أسماء الإشارة أن لا يشار بها إلا إلى مشاهد محسوس قريب أو بعيد ، فإن أشير بها إلى غير محسوس ، نحو : (ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي) [الشوري / ١٠] ، و (ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) [يوسف / ٣٧] ، وإلى محسوس غير مشاهد نحو : (تِلْكَ الْجَنَّةُ) [مريم / ٦٣] ، فلتصيره كالمشاهد.

وإنّما بنيت أسماء الإشارة لشبهها بالحرف في الافتقار إلى مشار إليه ، كذا قال غير واحد. وقال ابن مالك لتضمّنها معنى الحرف ، وبيانه أنّ الاشارة كان حقّها أن يوضع لها حرف ، كما وضع لسائر المعاني من الاستفهام والنفي والتمنّي والتشبيه ، لكن العرب لم تضع للإشارة حرفا ، فتضمّن اسم الإشارة معنى ذلك الحرف الّذي كان ينبغي أن يوضع لمعنى الإشارة ، لا يقال : إنّ اللام العهديّة يشار بها إلى معهود ذهنا ، وهي حرف ، فقد وضعوا للإشارة حرفا ، لأنّا نقول : المراد بالإشارة الإشارة الحسيّة ، لأنّها الّتي وضع لها اسم الاشارة.

ما يشار به إلى المفرد المذكّر ومثنّاه : «فللمفرد المذكّر» من أسماء الأشارة «ذا» ، وليس له غيرها ، وقد مرّ الكلام على بنيته ولغاته. «ولمثنّاه ذان» حال كونه «مرفوع المحلّ ، وذين» حال كونه «منصوبه» أي المحلّ «ومجروره» ، وليست الألف فيه علامة الرفع ، والياء علامة النصب والجرّ ، لأنهما ليسا مثنيين حقيقة ، بل هما مبنيّان ، جئ بهما علي صورة المثنّى ، لأنّ من شرط التثنية قبول التنكير كما مرّ ، وأسماء الاشارة ملازمة

٤٧٦

للتعريف ، ففي حالة الرفع وضعا على صيغة المثنّى المرفوع ، وفي حالة النصب والجرّ وضعا على صيغة المثنّى المنصوب والمجرور.

هذا مذهب ابن الحاجب ، وصحّحه جماعة من المحقّقين. وذهب بعضهم إلى أنّهما معربان ومثنيان حقيقة ، وهو الظاهر ، كما سيأتي في الموصولات ، وكلام ابن هشام في الأوضح يقتضي أنّ ثمّ قولا ثالثا ، وهو إعرابهما مع تثنيتهما ، ولا قائل به كما نبّه عليه شارحه.

تأويل إنّ هذان لساحران : وقوله تعالى : (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) [طه / ٦٣] ، بالألف في اسم الإشارة وتشديد نون إنّ في قراءة غير أبي عمرو وابن كثير وحفص متأوّل ، وتأويله بأوجه.

أحدها : أنّ اسم إنّ ضمير الشأن محذوف ، والأصل إنّه هذان لهما ساحران ، فحذف المبتدأ ، وهو كثير ، وحذف ضمير الشأن ، كما حذف من قول (ع) : إنّ من أشدّ الناس عذابا يوم القيامة المصوّرون (١) ، وهو ضعيف لما مرّ.

الثاني : أنّ إنّ بمعنى نعم ، مثلها في قول ابن الزبير (٢) لمن قال له : لعن الله ناقة حملتني إليك : إنّ وراكبها ، أي نعم ولعن راكبها ، وهي لا تعمل شيئا ، لأنّها حرف تصديق فلا اسم لها ولا خبر ، وهذان مبتدأ ، وساحران خبر لمبتدإ محذوف ، أي لهما ساحران ، ويضعفه أنّ الجمع بين لام التوكيد وحذف المبتدإ كالجمع بين متنافين.

الثالث : أنّه جاء لغة خثعم (٣) وبلحارث بن كعب وزبيد (٤) وكنانه وآخرين ، فإنّهم يستعملون المثنّى بالألف دائما قال [من الطويل] :

٤٨٠ ـ تزّود منّا بين أذناه طعنة

 ... (٥)

قال [من الرجز] :

٤٨١ ـ إنّ أباها وأبا أباها

قد بلغا في المجد غايتاها (٦)

واختار هذا الوجه ابن مالك.

__________________

(١) الجامع الصغير ، ص ١٣٣ ، رقم ٢٢٠٠.

(٢) هو عبد الله بن الزبير الأشيم الأسدي ، من شعراء الدولة الأموية ، كان هجّاء ، يخاف الناس شرّه ، ومات في خلافة عبد الملك بن مروان سنة ٧٥ ه‍ ق. الأعلام للرزكلي ، ٤ / ٢١٨.

(٣) خثعم : قبيله عربيّة قحطانية.

(٤) قبيلة من كهلان ، من القحطانية.

(٥) تمامه «دعته إلى هابي التّراب عقيم» ، وهو لهوبر الحارثيّ. اللغة : الطعنة : المرة من الطعن وهو الضربة بالرمح ، هابي التراب : ما ارتفع ودقّ منه العقيم من الارض : ما اعتقمتها فحفرتها.

(٦) تقدّم برقم ٧٤.

٤٧٧

الرابع : أنّه لمّا ثنّي هذا اجتمع ألفان : ألف هذا وألف التثنية ، فوجب حذف إحداهما لالتقاء الساكنين ، فمن قدّر المحذوفة ألف هذا والباقية ألف التثنية قلبها في النصب والجرّ ياء ، ومن قدّر العكس لم يغيّر الألف عن لفظها.

الخامس : أنّه جيء به على أوّل إعرابه ، وهو الرفع كما في اثنان قبل التركيب.

السادس : أنّه مبنيّ كما مرّ (١).

قال ابن هشام : وعلى هذا فقراءة (هذانِ) أقيس ، إذ الأصل في المبنيّ أن لا تختلف صيغة ، مع أنّها مناسبة لألف ساحران ، وعكسة الياء في : (إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ) [القصص / ٢٧] ، فهي هنا أرجح لمناسبة ياء ابنتي.

وحكى السقطي (٢) في تاريخه «أبناء الراوة» أنّ القاضي اسماعيل بن اسحاق (٣) سأل أبا الحسن محمد بن أحمد بن كيسان ما وجه قراءة من قرأ : (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) [طه / ٦٣] ، على ما جرت به عادتك من الإعراب في الاعراب؟ فأطرق ابن كيسان مليّا (٤) ثمّ قال : نجعلها مبنيّة لا معربة ، وقد استقام الأمر. قال : وما علّة بناءها؟ قال : لأنّ المفرد منها هذا ، وهو مبنيّ والجمع هؤلاء (٥) وهو مبنيّ ، فيحتمل التثنية على الوجهين ، فأعجب القاضي ذلك ، وقال : ما أحسنه لو قال به أحد ، فقال ابن كيسان : ليقل به القاضي ، وقد حسن.

وللمفرد المؤنّث «ذي» بذال معجمة مكسورة فياء ساكنة مبدلة من ألف ذا فرقا بين المذكّر والمؤنّث بالياء الّتي هي علامة التأنيث في نحو : تقومين. و «ذه» باختلاس حركة الهاء ، أي اختطافها والإسراع ، وذه باسكان الها ، والظاهر أنّه بناء. وقال بعضهم : السكون في الوقف لأجله ، وفي الوصل لاجرائه مجرى الوقف ، وذهي باشباع كسرة الهاء. قال بعض المحقّقين : الياء الحاصلة بالإشباع لا تكتب كالواو الحاصلة به ، فيكتب مرّ به وضربه بلا ياء وواو ، وكأنّه خصّ اسم الإشارة هنا بكتابته تقليلا للاشتراك بكتابة ذه وته ، انتهى.

__________________

(١) من بين هذه الوجوه المذكورة يبدو أنّ هذا الوجه أشدّ مناسبة ، لأنه لا إشكال فيه إذا قلنا بأنّ أسماء الإشارة مبنيّة في كلّ حال.

(٢) هبة الله بن المبارك ، أبو البركات ، السقطي ، مؤرّخ محدّث رحال ، صنف «تاريخا» جعله ذيلا على تاريخ بغداد للخطيب ، مات سنة ٥١٩ ه‍ ، المصدر السابق ، ٩ / ٦٤.

(٣) إسماعيل بن إسحاق الجهضمي الأزدي ، فقيه على مذهب مالك ، ولي قضاء القضاة ، من تاليفه «الموطأ» و «أحكام القرآن» مات سنة ٢٨٢ ه‍. المصدر السابق ، ١ / ٣٠٥.

(٤) مليا : زمانا طويلا.

(٥) سقط والجمع هؤلاء في «ح».

٤٧٨

وذات بضمّ التاء ، قال ابن هشام : الإشارة ذا ، والتاء للتانيث ، وهي التاء في امرأة ونحوه ممّا فيه تاء الفرق ، وليس بصفة ، «وتي» بإبدال الذال المعجمة تاء لغة في الفرق بين المذكّر والمونّث ، «وته» بالاختلاس ، وته بالإسكان ، وتهي بالاشباع نظير ما مرّ ، وتاء بقلب ذال ذاتا للفرق بين المذكّر والمؤنّث ، وهذه العشرة كلّها للواحد.

ما يشار به إلى المثنّى : «ولمثنّاه تان رفعا ، وتين نصبا وجرّا» على حدّ ما مرّ في المثنّى المذكّر ، وأمّا تذكير الإشارة في قوله تعالى : (فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ) [القصص / ٣٢] ، مع أنّ المشار إليه إلى د والعصا ، وهما مؤنّثان ، فلكون المبتدأ عين الخبر في المعنى ، والبرهان مذكّر ، ذكره في المغني.

الإشارة للمؤنّث بلفظ المذكّر : تنبيه : قد تقع الإشارة للمؤنّث بلفظ المذكّر كما في قوله تعالى : (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي) [الأنعام / ٧٨] ، قال أبو حيّان : أشار بلفظ المذكّر لأنّه حكى قول ابراهيم ، ولا فرق في لسانه بين المذكّر والمؤنّث ، والفرق بينهما في الإخبار لا يكون في أكثر الألسن ، فلا يوجد في لسان الترك ولا الفرس ، بل المذكّر والمؤنّث فيه سواء. قال : وهذا أحسن ممّا يعتذر به عن التذكير في الآية ، انتهى.

ما يشار به إلى الجمع : «ولجمعهما» أي المذكّر والمونّث عاقلا كان أو غيرة «أولاء» مدّا في لغة الحجاز ، وبه جاء لتتريل ، والهمزة الأولى مضمومة ، والأخيرة مكسورة ، وقصرا في لغة أهل نجد من بني تميم وقيس وربيعة وأسد. وذكر ذلك الفرّاء في لغة القرآن. تقول : أولاء أو أولى ذهبوا في المذكّر ، وأولاء أو أولى ذهبن في المؤنّث ، وتقول أيضا في غير العاقل : أولاء أو أولى الأيام انقرضت ، قال [من الطويل] :

٤٨٢ ـ ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوي

والعيش بعد أولئك الأيام (١)

وإذا قصر كتب بالياء ، لأنّ ألفه مجهولة الأصل ، فتلتبس إلى حرف جرّ ، فتكتب بواو بعد الهمزة للفرق ، وحملوا أولاء عليها ، وقد تبدل همزته هاء ، ويقال هلاء ، وقد تضمّ الهمزة الأخيرة ، نحو : أولاء ، وربّما أشبعت الضمة قبل اللام ، نحو : أولاء على وزن طومار ، وأمّا قولهم : أولاء على وزن توراة كما قال [من الوافر] :

٤٨٣ ـ تجلّد لا يقل هؤلاء هذا

بكي لمّا بكي أسفا وغيظا (٢)

__________________

(١) البيت لجرير بن عطية من كلمة له يهجو فيها الفرزدق. اللغة : اللّوي : موضع بعينه ، العيش : أراد به الحياة.

(٢) لم يسمّ قائله. اللغة : تجلّد : اصبر.

٤٧٩

فليس بلغة ، بل هو تخفيف هؤلاء بحذف ألف وقلب الهمزة أولاء واوا.

تدخل هاء التنبيه أسماء الاشارة : «وتدخلها» أي أسماء الإشارة المذكورة ، والمراد منه ما ذكر خاصّة لا مطلقا ، لأنّ منها ما لا يدخله هاء ولا يلحقه كاف ولا لام كثمّة ، «هاء التنبيه» أي الهاء والألف الدّالّ مجموعهما على التنبيه على ما يذكر بعدهما من مشار إليه أو غيره نحو : (هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ) [المائدة / ١١٩] ، (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) [طه / ٦٣] ، (إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ) [القصص / ٢٧] ، (هؤُلاءِ بَناتِي) [هود / ٧٨].

وقد يفصل بينهما بأنا وأخواته كثيرا ، قال تعالى : (ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ) [النساء / ١٠٩] ، وبغيرها قليلا كقوله [من البسيط] :

٤٨٤ ـ تعلّمن ها لعمر الله ذا قسما

 ... (١)

ففصل بين ها وذا بقوله لعمر الله ، وقد تعاد بعد الفصل للتوكيد ، نحو : (ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ.)

تنبيه : هاء المذكورة ليس بعد ألفها همزة ، وإنّما هي علم على الكلمة المركبة من ها فألف ، ثمّ نكّروا ضيف إلى التنبيه ، ليتّضح المراد به كقوله [من الطويل] :

٤٨٥ ـ علا زيدنا يوم النّقا رأس زيدكم

 ... (٢)

ولا يصحّ أن يضبط بهمزة بعد الألف إذ ليس لنا هاء تكون للتنبيه (٣) أصلا ، قاله الدماميني في شرح التسهيل.

والظاهر أنّه ليس للألف نفسها هنا وجود لحذفها لالتقاء الساكنين هي والتاء الأولى من التنبيه ، وما جزم به من أنّه ليس بعد ألفها همزة ليس بجيّد.

فقد قال بعض المحقّقين : إنّ أمثالها إذا أريد بها نفسها قد تزاد في آخرها همزة ، كما تزاد إذا جعلت اسما ، وقد لا تزاد.

تلحق كاف الخطاب أسماء الإشارة : «وتلحقها» أي أسماء الإشارة المذكورة «كاف» تدلّ على «الخطاب» ، وهي حرف بالاتّفاق لامتناع وقوع الظاهر موقعها ، ولو كانت أسماء لم يمتنع ذلك كما في كاف ضربتك ، كذا قيل ، فتأمّل.

__________________

(١) تمامه «فاقصر بذرعك وانظر أين تنسلك» ، وهو لزهير بن أبي سلمى.

(٢) تقدّم برقم ١٨٧.

(٣) سقط للتنبيه في «ح».

٤٨٠

ولأنها إنّما تفيد معنى في غيرها ، وهو كون اسم الإشارة الّذي لحقته مخاطبا به واحد أو اثنان أو جماعة من قبيل المذكّر والمؤنّث ، ولأنّها لا محلّ لها من الإعراب ، إذ لا رافع ولا ناصب ولا خافض بحرف ولا إضافة.

أمّا الثلاثة الأول فواضح ، وأمّا الرابع فلأنّ أسماء الإشارة لا تضاف ، لأنّه لا يضاف إلا النكرة ، وهي معرفة ، لا تقبل التنكير ، فتعيّن أن تكون حرفا ، وإن كانت تتصرّف تصرّف الكاف الاسميّة غالبا ، فتبيّن حال المخاطب من إفراد وتذكير وضدّهما ممّا تبيّنه إذا كانت اسما ، فيفتح مع المذكّر ، وتكسر مع المؤنّث ، وتوصل بميم وألف في المثنّى ، وبميم في الجمع المذكّر وبنون في الجمع المؤنّث ، نحو : ذاك وذاك ، ذلكما ، ذاكنّ.

وإنّما قلنا : غالبا لأنّه قد لا يلحقها دليل تثنية ولا جمع ، بل تكون مفتوحة في التذكير مكسورة في التأنيث ، وقد تفتح مجرّدة من الزوائد في جميع الأحوال قال تعالى : (ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) [النساء / ٢٥] ، و (ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا) [النساء / ٣] ، (فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ) [البقرة / ٨٥] ، ذلك خير لكم ، فأوقع ذلك موقع ذلكم ، وهذا لا يجوز في الإسميّة ، لا يقال : يا زيدون عرفك عمرو ، أي عرفكم.

تنبيه : قضية إطلاقه أنّ الكاف تلحق جميع ما يشار به للمؤنّث ، وذكر المراديّ اختصاصها بذي وتا وتي ، وقال ثعلب : لا يقال ذلك ، وفي الصحاح أنّه خطأ بلا لام حال من الكاف ، أي تلحق أسماء الإشارة كاف.

«بلا لام» حال من الكاف ، أي تلحق أسماء الإشارة كاف الخطاب حال كونها مجرّدة من اللام للمشار إليه «للمتوسّط» بين القريب والبعيد ، نحو : ذاك «و» حال كونها «معه» أي مع اللام ، وهو حرف موضوع للدّلالة على «البعيد» أو على توكيده على خلاف فيه سيأتي بيانه.

وأصله السكون كما في تلك ، وإنّما كسرت في ذلك لالتقاء الساكنين ، أو فرقا بينهما وبين لام الجرّ في نحو ذلك بفتح اللام للمشار إليه البعيد نحو ذلك.

«إلا في المثنّى» مطلقا «و» إلا في «الجمع عند من مدّه و» إلا «فيما دخله حرف التنبيه» فلا تلحقهنّ كاف الخطاب مع اللام ، لا يقال : ذان لك ولا أولاء لك ولا هذا لك ، فإن أريد الإشارة إلى المثنّى البعيد قيل : ذانّك بتشديد النون ، أو الجمع البعيد قيل : أولالك باللام مع القصر.

تنبيهات : الأوّل : أفهم كلامه أنّ ما لا يلحقه كاف الخطاب من أسماء الإشارة فهو للقريب ، وأمّا اللام فلا تقع بدون الكاف ، فعلم أنّ لأسماء الإشارة ثلاث مراتب : قربى ،

٤٨١

وهي المجرّدة من الكاف واللام ، ووسطى ، وهي الّتي بالكاف وحدها ، وبعدى ، وهي المقرونة بهما في غير المثنّى وبالنون المشدّدة في المثنّى كما ذكرنا.

فعلى هذا للواحد المذكّر القريب ذا ، وللمتوسط ذاك ، وللبعيد ذلك ، وللمثنى القريب ذان رفعا ، وذين نصبا وجرّا ، وللمتوسّط ذانك وذينك بتخفيف النون. وأمّا بتشديدها فللبعيد ، ولجمعه القريب أولى ، وللمتوسط أولئك وللبعيد أولالك بالقصر ، وقس على ذلك المؤنّث. هذا مذهب الجمهور ، وقضيته أنّ القصر في أولا يتعيّن في البعد ليدخل اللام ، ويبطله ما مرّ من أنّ القصر لغة تميم ، والمدّ لغة الحجازيّين ، فتأمّل.

وذهب جماعة إلى أن ليس لها إلا مرتبتان قربى وبعدى. قال ابن مالك : وهو الصحيح ، والظاهر من كلام المتقدّمين ، وعزاه غيره إلى سيبويه والمحقّقين ، واستدلّ له في شرح التسهيل بأوجه أقواها أنّ الفرّاء روى أنّ الحجازيّين ليس من لغتهم استعمال الكاف بلا لام ، وأنّ التميميّين ليس من لغتهم استعمال الكاف مع اللام ، وأنّ تميما يقولون : ذاك وذيك ، حيث يقول الحجازيّون : ذلك وتلك ، فلزم من هذا أنّ اسم الإشارة على اللغتين ليس له إلا مرتبتان : إحداهما للقريب ، والأخرى للبعيد لأدناه وأقصاه. قال الدمامينيّ : وهذا إيضاح لا مزيد عليه ، وعلى هذا فتشديد النون في ذانّ وتانّ عوض عمّا حذف من المفرد.

الثاني : قد يشار إلى القريب بما للبعيد لعظمة المشير ، نحو : (وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى) [طه / ١٧] ، أو المشار إليه نحو : (ذلِكَ الْكِتابُ) [البقرة / ٢] ، أو لتحقيره نحو ذلك اللعين. وقد يشار إلى البعيد بما للقريب لحكاية الحال ، نحو : (هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ) [الإسراء / ٢٠] ، و (هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ) [القصص / ١٥] ، وقد يتعاقبان مشارا بهما إلى ما ولياه كقوله تعالى متّصلا عيسى (ع) : (ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ) [آل عمران / ٥٨] ، ثمّ قال : (إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُ) [آل عمران / ٦٢].

تتمّة : وضعوا للإشارة إلى الأمكنة ألفاظا خاصّة بها بخلاف ما تقدّم ، فإنّها تقع لكلّ مشار إليه زمانا أو مكانا أو غيرهما ، فوضعوا للمكان القريب هنا وهاهنا ، وللمتوسّط هناك وها هناك ، والبعيد هنالك وهنّا بتشديد النون مع فتح الهاء وكسر الهاء ، وقد تلحق بها التاء ساكنة فيقال : هنت وثمّ بفتح الثاء المثلثة وتشديد الميم ، وبنيت على الفتح للتخفيف ، ولم تكسر على أصل التقاء الساكنين لاستثقال الكسرة مع التضعيف. قال الدمامينيّ : وأنظر ثمّ في قول العلماء ، ومن ثمّ كان كذا هل معناها معنى هنالك أو هنا الّتي للقريب ، والظاهر الثاني ، انتهى.

٤٨٢

ومن لم يثبت المرتبة الوسطي في الإشارة سوى بين هناك وهنالك التزم في هذه الألفاظ الظرفية أو الجرّ بمن أو إلى أو في كافهنّ الفتح والإفراد ، وقد يستعار غير ثمّ للزمان كقوله تعالى : (هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ) [الأحزاب / ١١] ، وقول الشاعر [من الكامل] :

٤٨٦ ـ وإذا الأمور تعاظمت وتشابهت

فهناك يعترفون أين المفزع (١)

وقوله [من الكامل] :

٤٨٧ ـ حنّت نوار ولات هنّا حنّت

 ... (٢)

ويحتمل في الآية والبيت إرادة المكان.

الموصول

ص : ومنها : الموصول ، وهو حرفيّ أو اسميّ.

فالحرفيّ : كلّ حرف أوّل مع صلته بالمصدر ، والمشهور خمسة : «أنّ» و «أن» و «ما» و «كي» و «لو» ، نحو : (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا ، وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) و (بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ ، لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ ، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ.).

تكميل : والموصول الاسميّ ما افتقر إلى صلة وعائد وهو «الّذي» للمذكّر و «الّتي» للمؤنّث ، و «اللّذان» و «اللّتان» لمثنّاهما بـ «الألف» إن كانا مرفوعي المحلّ وب «الياء» إن كانا منصوبيه أو مجروريه ، و «الألى» و «الّذين» مطلقا لجمع المذكّر و «اللّائي» و «اللّاتي» و «اللّواتي» لجمع المؤنّث ، و «من» و «ما» و «أل» و «أيّ» و «ذو» و «ذا» بعد «ما» أو «من» الاستفهاميّتين للمؤنّث والمذكّر.

مسألة : إذا قلت : ماذا صنعت؟ ومن ذا رأيت؟ فذا موصولة ، ومن وما مبتدءان ، والجواب رفع ، ولك إلغائها فهما مفعولان ، وتركيبها معهما ، بمعنى أيّ شيء ، أو أيّ شخص فالكلّ مفعول ، والجواب على التقديرين نصب ، وقس عليه ، نحو : مإذا عرض؟ ومن ذا قام؟ إلا أنّ الجواب رفع مطلقا.

__________________

(١) البيت للأفوه الأودي.

(٢) تقدّم برقم ١٨٣.

٤٨٣

ش : «ومنها» ، أي ومن المبنيّات ، «الموصول ، وهو في» اللغة اسم مفعول من وصل الشيء بغيره ، إذا جعله من تمامه ، وفي الاصطلاح ضربان : موصول «حرفيّ و» موصول «اسميّ» : وهو المقصود بالذكر هنا ، إذ الكلام في المبنيّات من الأسماء ، وذكر الحرفيّ معه إيثارا للفائدة ، وقد سبقه إلى ذلك غير واحد ، وإنّما بني الموصول الاسميّ لشبهه بالحرف في الاستعمال لافتقاره المتأصّل إلى جملة.

فالموصول «الحرفيّ كلّ حرف أوّل مع صلته» أي ما يتّصل به «بالمصدر» ، ولم يحتج إلى عائد ، ولفظة كلّ هاهنا ليست في محلّها ، لأنّ التعريف أنّما يكون للجنس أو بالجنس لا للافراد ولا بالإفراد ، فالمحدود في الحقيقة الموصول الحرفيّ ، والحدّ هو مدخول كلّ ، وهو حرف أوّل مع صلته بالمصدر ، وأيضا لا يصدق على حرف من أفراد الموصول الحرفيّ أنّه كلّ حرف.

فإيراد لفظ كلّ يمنع من صحّة الحمل ، وصحّح الإتيان بها بأنّها مقحمة زائدة ، والغرض من ذلك الإشارة إلى أنّ المحدود صادق على كلّ أفراد الحدّ ، فيكون مانعا ، والظاهر انحصار المحدود فيها لعدم ذكر غيرها ، فيحصل حدّ جامع مانع يكون جمعه ومنعه كالمنصوص عليه ، وهو مبنيّ على جواز زيادة الاسم ، والبصريّون يمنعونه ، وهو التحقيق ، والمراد بالتأويل السبك ، وسيأتي كيفيّته في كلامه (ره) في حديقة المفردات. وإن حمل على التفسير فيخرج بالمعيّة الفعل المضاف إليه ، نحو : هذا جاءني حين قمت ، فإنّه مؤوّل بالمصدر أي حين قيامك ، لكن لا مع شيء آخر وكذا نحو هو من قوله تعالى : (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) [المائدة / ٨].

الموصولات الحرفيّة المشهورة : والمشهور من الموصول الحرفيّ خمسة :

أحدها : «أنّ» المفتوحة الهمزة المشدّدة النون ، وتوصل بجملة اسميّة ، وتووّل مع معموليها بمصدر.

الثاني : «أن» بفتح الهمزة وسكون النون ، وهي الناصبة للمضارع ، وتوصل بفعل متصرّف ، ماضيا كان أو مضارعا اتّفاقا ، أو أمرا على الأصحّ.

الثالث : «ما» المصدريّة ، وتوصل بفعل متصرّف غير أمر ، وبجملة اسميّة لم تصدر بحرف على الأصحّ.

الرابع : «كي» وتوصل بمضارع مقرونة بلام التعليل وغير مقرونة به.

٤٨٤

والخامس : «لو» المصدريّة على رأي ذهب إليه الفرّاء وأبو على وأبو البقاء والتبريزي (١) وابن مالك ، وتوصل بفعل متصرّف غير أمره ، وأكثرهم لم يثبت ورودها مصدريّة.

فمثال أنّ المشدّدة إذا كان الخبر مشتقّا ، نحو : (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا) [العنكبوت / ٥١] ، أي إنزالنا ، ومنه بلغني أنّك في الدار ، أي استقرارك ، لأنّ الخبر في الحقيقة هو المحذوف ، وإذا كان جامدا ، نحو : بلغني أنّ هذا زيد ، أي كونه زيدا ، لأنّ كلّ خبر جامد يصحّ نسبته إلى المخبر بلفظ الكون ، تقول : هذا زيد ، وإن شيءت قلت : هذا كائن زيدا ، ومعناهما واحد. وقال الرضيّ : أي زيديته ، فإنّ ياء النسب إذا لحقت بالاسم وبعدها التاء أفادت معنى المصدر ، نحو : الفروسيّة والمضروبيّة والضاربيّة.

ومثال أن المخفّفة (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) [البقرة / ١٨٤] ، أي صومكم خير لكم ، (لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ) [الاسراء / ٧٤] أي تثبيتا لك ، كتب إليه بأن قم ، أي بالقيام. هذا هو الصحيح. واختلف في أمرين من ذلك : أحدهما كون الموصولة بالماضي هي الموصولة بالمضارع ، والمخالف في ذلك ابن طاهر محتجّا بأنّ الداخلة على المضارع تخلّصه للاستقبال ، فلا تدخل على غيره كالسين وسوف. ونقض بأن الشرطية ، فإنّها تدخل على المضارع ، وتخلّصه للاستقبال ، وتدخل على الماضي اتّفاقا.

الثاني : كونها توصل بالأمر ، والمخالف في ذلك الرضيّ وأبو حيّان محتجّين بأنّها لو وصلت به لفات معنى الأمر ، قالا : وكلّ شيء سمع من ذلك فإن فيه تفسيرية ونقض بفوات معنى المضي والاستقبال في الموصولة بالماضي والمضارع عند التأويل المذكور على أنّه قد يمنع فوات معنى الأمر بجواز التأويل بالمصدر الطلبيّ ، كما فعله صاحب الكشاف ، وقال في قوله تعالى : (إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ) [نوح / ١] أن الناصبة للفعل ، أي إنّا أرسلناه بأن أنذر قومك ، أي بأن قلنا له : أنذر ، أي بالأمر بالإنذار ، انتهى.

فعلى هذا إذا قلت : كتبت إليه بأن قم ، فالمعنى كتبت إليه بالأمر بالقيام ، وهو نظير تأويلهم بالمصدر العدميّ ، إذا كانت الصلة منفيّة ، نحو : وأن لا تصوموا شرّ لكم ، أي عدم صومكم شرّ لكم ، ومثال ما : (بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ) [ص / ٢٦] ، أي بنسيانهم. وستأتي تتمّة الكلام عليها في حديقة المفردات ، ان شاء الله تعالى.

__________________

(١) التبريزي الخطيب (أبو زكريا يحيى) (١٠٣٠ ـ ١١٠٨) من أئمة اللغة والأدب ، ولد في تبريز وتوفّي ببغداد. له «شرح ديوان الحماسة» لأبي تمام و «تهذيب الألفاظ» لابن السكيت و «شرح سقط الزند» لأبي العلا المعري. المنجد في الأعلام ص ١٦٩.

٤٨٥

ومثال كي : (لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ) [الأحزاب / ٣٧] ، أي لعدم كون حرج على المؤمنين. وجئت كي تكرمني ، أي لكرامتى ، ولا حاجة إلى تقدير اللام قبلها ، لأنّ معناها السببيّة دائما عند المصنّف تبعا للكوفيّين ، كما سيأتي بيانه في نواصب المضارع.

وأمّا البصريّون فيقولون : إن قدّرت اللام قبلها فهي المصدريّة ، وإن لم تقدّر اللام فهي تعلى لية جارّة ، ويجب حينئذ إضمار أن بعدها. ومثال لو : (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ) [البقرة / ٩٦] ، أي التعمير. ويقول المانعون : لورودها مصدريّة أنّها شرطيّة ، وإنّ مفعول يودّ وجواب لو محذوفان ، والتقدير يودّ أحدهم التعمير لو يعمّر لسرّه. ولا خفاء بما فيه من التكلّف.

تنبيهات : الأوّل : يغلب وقوع لو هذه بعد ودّ أو يودّ ونحوهما من مفهم تمنّ كأحبّ وتمنّي ، ولهذا ينصب الفعل بعدها كما ينصب في جواب ليت ، قال [من الطويل] :

٤٨٨ ـ سرينا إليها في جموع كأنّها

جبال شرورى لو تعان فتنهدا (١)

أي وردنا لو نعان ، فحذف الفعل لدلالة لو عليه.

ومن وقوعها في غير الغالب بدون ما ذكر قول قتيلة ، بالتصغير ، بنت النضر بن الحارث ، وقد قتل النبيّ (ص) أخاها صبرا فأنشدته [من الكامل] :

٤٨٩ ـ أمحمّد ولأنت نجل نجيبة

من قومها والفحل فحل معرق

ما كان ضرّك لو مننت وربّما

منّ الفتى وهو المغيظ المحنق (٢)

فقال (ع) : لو سمعته ما قتلته ، ومنه قول الأعشي [من البسيط] :

٤٩٠ ـ وربّما فات قوما جلّ أمرهم

من التأنّي وكان الحزم لو عجلوا (٣)

الثاني : أشار المصنّف بقوله : «والمشهور خمسة» إلى أنّ الموصول الحرفيّ في غير المشهور أكثر من خمسة ، فمنهم من عدّه ستّة بإدخال الّذي على ما قاله يونس والفرّاء والفارسيّ ، وارتضاه ابن خروف وابن مالك وابن هشام ، فقد ذهبوا إلى أنّها تقع مصدريّة ، وتوصل بالماضي أو المضارع ، وجعلوا منه قوله تعالى : (ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ) [الشوري / ٢٣] (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا) [التوبة / ٦٩] ، أي تبشير الله و

__________________

(١) لم يسمّ قائله. اللغة : سرينا : ذهبنا ليلا ، جبال شرورى : اسم موضع ، تنهّد : تبرز وترفع.

(٢) اللغة والإعراب : محمد منادي نوّن ضرورة ، النجب : الولد ، الفحل : الذكر القوي من كل حيوان ، والمعنى هنا : أنت كريم الطرفين ، ما : تحتمل الإستفهام والنفي ، المغيط : اسم المفعول من الغيظ بمعنى الغضب ، المحنق : الّذي تمكن في قلبه الغيظ.

(٣) ينسب هذا البيت إلى الأعشي وإلى القطامي يمدح بها عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان.

٤٨٦

كخوضهم ، ونقله ابن مالك عن الفرّاء في قوله تعالى : (تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) [الأنعام / ١٥٤] ، أي على أحسانه. قال ابن هشام : ومن أوضح الدلالة على ذلك قول أبي دهبل الجمحي [من البسيط] :

٤٩١ ـ يا ليت من يمنع المعروف يمنعه

حتى يذوق رجال مرّ ما صنعوا

وليت رزق رجال مثل نائلهم

قوت كقوت ووسع كالّذي وسعوا

وقضية كلامه في التوضيح أنّها حرف. وقال الرضي (ره) : لا خلاف على القول بأنّ الّذي مصدريّة في أنّها اسم. قال بعضهم : ويشكل على القول بأنّها حرف دخل أل عليها ، لأنّها بجميع أقسامها من خواصّ الاسم ، انتهى.

وهذا إنّما يرد لو كان أل على هذا حرفا مستقلّا ليس جزء من الكلمة ، وليس كذلك ، بل هي جزء منها ، كما جزم به ابن هشام.

الموصول الاسميّ : «والموصول الاسميّ» هو «ما» أي اسم ، وهو كالجنس يشمل المحدود وغيره من الأسماء وقوله : «اقتفر» ، أي احتاج إلى «صلة» أخرج ما عدا المحدود ، إذ المراد بالصلة الاصطلاحية ، ولا يفتقر إليها غيره ، ولا يقال : يلزم الدور لتوقّف معرفتها على معرفة الموصول ، لأنّها عبارة من جملة مذكورة بعد الموصول مشتملة على ضمير يعود إليه ، لأنّا نقول : إنّما يلزم ذلك أن لو فسّرنا الصلة بما ذكر ، أمّا إذا فسّرناها بأنّها جملة خبريّة متّصلة باسم لا يتمّ جزء إلا بها مشتملة على ضمير عائد إليه ، فلا دور.

وقوله : «وعائد» والمراد به ضمير يعود على الموصول لربط الصلة به تصريح بما علم ضمنا ، لأنّه مأخوذ في مفهوم الصلة والنكتة في التصريح بذكره موافقة ما جرى على ألسنة المعربين من أنّ الموصول يحتاج إلى صلة وعائد. وأما حمل الصلة في التعريف على معناها اللغويّ كما فعله جماعة ، ففيه أمور :

أحدها : أنّ ألفاظ التعريف محمولة على معانيها المتبادرة ، ولا خفاء في أنّ المتبادر معناها الاصطلاحيّ لا اللغويّ.

الثاني : لزوم الإجمال ، إذ ليس المراد بها ما يقع اسم الصلة ، وهو ما يتّصل به الشيء ، وإلا لما صحّ تفسيرها بالجملة الخبريّة ، والمطلق إذا لم يرد به الإطلاق كان مجملا.

الثالث : انتقاض الحدّ بمن الشرطيّة ، فإنّها مفتقرة إلى صلة وعائد ، نحو : من تكرمه أكرمه. وحمل التعريف على اللفظيّ كما فعله شارح التهذيب للمصنّف ضيق عطن (١) ، كما لا يخفى.

__________________

(١) أي حمل التعريف على اللفظيّ هو الوقوع في الحرج.

٤٨٧

تنبيه : الصلة لا تكون إلا جملة ، لأنّ وضع الموصول على أن يطلقه المتكلّم على ما يعتقد أن المخاطب يعرفه بكونه أو كون متعلّقه محكوما عليه أو به ، فالأوّل نحو : زيد الّذي ضربني أو الّذي ضربني غلامه ، والثاني نحو : الّذي أخوك هو ، أو الّذي أخوك غلامه.

والحكم على شيء بشيء من مضمونات الجمل ، أو ما أشبهها من الصفات مع فاعلها والمصدر مع فاعله ، لكن لمّا كان اقتضاء الموصول للحكم وضعيّا أصليّا لم يستعمل معه من جميع ما يتضمّن الحكم إلا ما يكون تضمنّه له أصليّا لا بالشبه ، وهو الجملة ، وهي إمّا ظاهرة كما مرّ ، أو مقدّرة ، نحو : الّذي عندك والّذي في الدار ، لأنّ التقدير الّذي استقرّ ، أو مؤوّلة ، نحو : الضارب والمضروب.

فإن صلة أل جملة مؤوّلة بمفرد كما قال الرضي وغيره ، والأصل الضرب واليضرب ، فكرهوا دخول أل المشابهة للحرفية لفظا ومعنى على صورة الفعل أمّا لفظا فظاهر ، وأمّا معنى فلصيرورتها مع ما دخلت عليه معرفة كالحرفيّة مع ما تدخل عليه ، فصيروا الفعل المبنيّ للفاعل في صورة اسم الفاعل ، والمبنيّ للمفعول في صورة اسم المفعول ، ولذلك عملا بمعنى الماضي ، ولو كانا اسمي فاعل ومفعول حقيقة ، لم يعملا بمعنى الماضي كالمجرّدين عن أل ، وستأتي تتمّة الكلام على جملة الصلة الظاهرة في حديقة الجمل ، إن شاء الله تعالى.

لطيفة : يحكى أنّ ابن عنين الشاعر كتب إلى الملك المعظّم وقد اعتلّ ، ولم يأته ، وانقطعت عنه صلاته قوله [من الكامل] :

٤٩٢ ـ أنظر إلى بعين مولي لم يزل

يولي الندا وتلاف قبل تلافي

أنا كالّذي أحتاج ما تحتاجه

فاغنم دعائي والثناء الوافي

فعاده ووصله بألف دينار ، وقال له : أنت الّذي ، وهذه الصلة ، وأنا العائد.

«وهو» أي الموصول الاسميّ نوعان : خاصّ ، وهو ما مدلوله واحد ، أمّا مفرد مذكّر أو مؤنّث أو مثنّى كذلك أو مجموع كذلك ، ومشترك ، وهو ما يصلح للواحد وغيره ، فالخاصّ هو «الّذي» للمفرد المذكّر عالما : نحو : (وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى) [النجم / ٣٧] ، أو غيره ، نحو : (أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ) [الواقعة / ٦٨] ، وقال الأخفش : ويكون للجمع أيضا ، وحمل قوله تعالى : (وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [الزمر / ٣٣].

وتبعه ابن مالك ، لكن قيدّه بما إذا لم يقصد به مخصوص كما في الآية ، فإنّه لو لم يرد به جمع لما أخبر عنه بجمع ، ولا أعيد عليه ضميره ، قال : فإن قصد به مخصوص فلا

٤٨٨

ريب في تثنيته وجمعه باللذين والّذين إلا في ضرورة ، كقول أشهب بن رميلة (١) [من الطويل] :

٤٩٣ ـ وإنّ الّذي حانت بفلج دماؤهم

هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد (٢)

قال أبو حيّان : ولا يعرف أصحابنا هذا التفصيل ، بل أنشدوا البيت على الجواز في فصيح الكلام لا على الضرورة ، وسيأتي في الآية والبيت غير ذلك.

تنبيه : حمل ابن مالك البيت على الضرورة ، ينافي تفسيره للضرورة بأنها ما لا يقع إلا في الشعر ، ولم يكن للشاعر عنه مندوحة (٣) بأن يقول : وإنّ الأولى جاءت بفلج دماؤهم ، فلا يكون على هذا البيت ضرورة.

وأصل الّذي عند البصريّين «لذّ» على وزن عمّ وشجّ ، فلمّا أرادوا الوصف بها من بين الأسماء الموصولة لكونها على وزن الصفات بخلاف ما ومن أدخلوا عليها اللام الزائدة تحصينا لللفظ ، حتى لا يكون موصوفها كمعرفة توصف بالنكرة ، وإنّما قلنا بزيادة اللام لما مرّ أنّ الموصولات معارف وضعا بدليل كون من وما معرفتين بغير اللام ، وإنّما ألزموها اللام الزائدة ، لأنّها لو نزعت تارة ، وأدخلت أخري ، لأوهم كونها للتعريف كما في نحو الرجل ورجل.

وقال الكوفيّون : أصلها الذال الساكنة ، ثمّ لمّا أرادوا إدخال اللام عليها ، زادوا قبلها لاما متحرّكة لئلّا يجمعوا بين الذال ولام التعريف الساكنة ، ثمّ حرّكوا الذال بالكسر ، واشبعوا الكسرة فتولّدت ألف. وكلّ ذا قريب من دعوى الغيب ، قاله الرضيّ.

«والّتي» بقلب الذال تاء «للمفرد المؤنّث» من ذوي العلم وغيرهم ، نحو : (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ) [المجادلة / ١] ، (ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها) [البقرة / ١٤٢]. ولك في ياء الّذي والّتي وجهان : الإثبات والحذف ، فعلى الإثبات تكون إمّا حقيقة ، فتكون ساكنة ، وإمّا شديدة ، فتكون إمّا مكسورة أو جارية بوجوه الإعراب ، وعلى الحذف فيكون الحرف الّذي قبلها إمّا مكسورا كما كان قبل الحذف ، وإمّا ساكنا ، فهذه خمس لغات.

«ولمثناهما» أي مثنّى المفرد المذكّر والمفرد والمؤنّث «اللّذان واللتّان» بالألف ، «إن كانا مرفوعي المحلّ» واللّذين واللتين «بالياء» المفتوح ما قبلها «إن كانا منصوبيه» أي المحلّ «أو مجروريه» وليست الألف فيهنّ علامة الرفع ، والياء علامة النصب والجرّ ،

__________________

(١) الأشهب بن ثور بن أبي حارثة شاعر نجدي ولد في الجاهليّة وأسلم وعاش في العصر الأموي ، نسبته إلى أمه رميلة أمة اشتراها أبوه في الجاهلية ، ومات بعد سنة ٨٦ ه‍. الأعلام للزركلي ١ / ٢٣٥.

(٢) تقدّم برقم ٦٨.

(٣) المندوحة : سعة وفسحة.

٤٨٩

لأنهنّ لسن مثنيات حقيقة ، بل مبنيّات جئ بهنّ على صورة المثنّى كما مرّ في ذان وتان وذين وتين. قال بعضهم : والصحيح أنّهنّ جميعا معربات مثنيات حقيقة ، ودعوى أنّ كلّ واحدة منها صيغة مستأنفة خلاف الظاهر.

قال الزجاج : ولم يبن شيء من المثنّى ، لأنّهم قصدوا أن تجرى أصناف المثنّى على نهج واحد ، إذ كانت التثنية لا يختلف فيها مذكّر ولا مؤنّث ولا عاقل ولا غيره ، فوجب أن لا تختلف المثنّيات إعرابا وبناء بخلاف الجمع ، فإنّه مخالف بعضه بعضا ، انتهى.

وكان القياس في تثنيه الّذي والّتي وتثنية ذا وتا أن يقال : اللذيان اللتيان وذيان وتيان ، كما يقال في القاضي من المعرب المنقوص : القاضيان بإثبات الياء ، وكما يقال في تثنية فتي من المعرب المقصور : فتيان ، بقلب الألف ياء ، ولكنّهم حذفوا الآخر وهو الياء من الّذي والّتي والألف من ذا وتاء ، وأبقوه في القاضي وفتي ، فرقا بين المتمكّن وغيره. وتميم وقيس تشدّدان النون فيهنّ تعويضا من المحذوف أو تاكيدا للفرق.

ولا يختصّ ذلك لحالة خلافا للبصريّين ، لأنّه قرئ به في السبع في غير الرفع في قوله تعالى : (رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ) [فصلت / ٢٧] ، و (إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ) [القصص / ٢٧] ، كما قرئ به فيهما في الرفع في قوله تعالى : (فَذانِكَ بُرْهانانِ) [القصص / ٣٢] ، (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها) [النساء / ١٦].

وبلحارث وبعض ربيعة يحذفون نون اللذان واللتان في حالة الرفع تقصيرا للموصول بطوله للصلة لكونها كالشيء الواحد قال [من الكامل] :

٤٩٤ ـ أبني كليب إنّ عمّي اللّذا

قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا (١)

وقال الأخر [من السريع] :

٤٩٥ ـ فما اللّتا لو ولدت تميم

لقيل فخر لهم صميم (٢)

ولا يجوز ذلك في ذان وتان للالباس ، فتلخّص أنّ في نون الموصول ثلاث لغات ، وفي نون الإشارة لغتان.

«الألى» على وزن العلى بالقصر ، وهو أشهر من المدّ ، وتكتب بلا واوا ، كما قاله ابن هشام في شرح اللملحة ، وقد تجرّد من أل ، قال بعضهم : فتقيّد حينئذ بالّتي بمعنى الّذين للاحتراز عن الإشاريّة ، إذ النطق بهما واحد ، قلت : والظاهر أنّه لا حاجة إلى

__________________

(١) هو الأخطل. اللغة : الأغلال : جمع الغل وهو طوق من حديد يجعل في عنق الأسير أو المجرم أو في أيديهما.

(٢) نسب البيت للأخطل وليس في ديوانه.

٤٩٠

ذلك ، فإنّ الإشاريّة تكتب بواو ، وهذه تكتب بلا واو كما عرفت ، وذلك كاف في الفرق.

«والّذين» بالياء «مطلقا» في الأحوال الثلاثة ، أي سواء كان مرفوع المحلّ أو منصوبه أو مجروره ، ويرسم بلام واحدة فرقا بينه وبين المثنّى في حال النصب أو الجرّ ، لئلّا يشتبها خطأ ، ولم يعكس ، لأنّ المثنّى سابق ، فيبقي على أصله من اجتماع اللامين «لجمع المذكّر» العاقل كثيرا فيهما ، ولغيره قليلا ، فمن الكثير في الإلى قوله [من الطويل] :

٤٩٦ ـ رأيت بني عمّي يخذ لونني

على حدثان الدّهر إذ يتقلّب (١)

وقوله [من الطويل] :

٤٩٧ ـ أبي الله للشّمّ الألاء كأنّهم

سيوف أجاد القين يوما صقالها (٢)

وقوله [من الوافر] :

٤٩٨ ـ نحن أولى ضربنا رأس حجر

بأسياف مهندّة صقال (٣)

ومن القليل فيها قول الآخر [من الطويل] :

٤٩٩ ـ يذكرني للوصول أيّامنا الأولى

مررن علينا والزمان وريق (٤)

ومن الكثير في الّذين قوله تعالى : (قالَ الَّذِينَ آمَنُوا) [الشوري / ٤٥] ، ومن القليل قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ) [الأعراف / ١٩٤]. وهذيل وعقيل ـ كما في الهمع ـ يعرّفونه كالزيدين كقوله [من الرجز] :

٥٠٠ ـ نحن الّذون صبّحوا الصباحا

يوم النّخيل غارة ملحاحا (٥)

قال بعضهم : وإذا أعرب كان رسمه بلامين ، وقد تحذف نونه حينئذ مرفوعا كقوله [من البسيط] :

٥٠١ ـ قومي اللّذو بعكاظ طيّروا شررا

من رؤوس قومك ضربا بالمصاقيل (٦)

__________________

(١) هو لعمرو بن أسد الفقعسي. اللغة : حدثان الدهر : نوائبه وحوادثه.

(٢) هو لكثير عبد الرحمن وهو معروف بكثير عزة. اللغة : الشمّ : جمع أشم ، مأخوذ من الشمم ، وهو استواء قصبة الأنف مع ارتفاع يسير في أرنبته ، والعرب تعدّ ذلك من علامات السؤدد في الرجال ، القين : الحداد.

(٣) هو لبشر بن أبي حازم. اللغة : أسياف : جمع قلة لسيف ، والشاعر إن أراد أن يفتخر بقوله يجب أن يقول بسيوف لأنّه جمع كثرة ، مهندة : السيوف المطبوعة من حديد الهند.

(٤) هو لمجنون ليلي ، اللغة : الوريق : حسن ، جميل.

(٥) اختلف في نسبة هذا البيت إلى قائله اختلافا كثيرا ، ونسب إلى رجل جاهلي من بني عقيل. ونسب أيضا إلى ليلي الأخيلية وإلى رؤبة بن العجاج. اللغة : صبحوا : معناه جاؤوا بعددهم وعددهم في وقت الصباح مباغتين للعدو ، النخيل : اسم مكان بعينه ، غارة : اسم من الإغارة على العدو ، ملحاحا : أراد أنّها غارة شديدة تدوم طويلا.

(٦) هو لأمية بن الأسكر. اللغة : عكاظ : قال أبو عبيدة في «معجم ما استعجم» عكاظ : صحراء مستوية لا علم فيها ، الشرر : أمّا جمع شررة ، وهو ما يتطاير من النار ، وأمّا مصدر شرّ : نقيض الخير ، مصاقيل : جمع مصقول ، من الصقل وهو جلاء الحديد وتحديده ، أي جعله قاطعا.

٤٩١

ومنصوبا كقول الآخر [من الطويل] :

٥٠٢ ـ وإنّ الّذي حانت بفلج دماؤهم

 ... (١)

ويجوز في هذا أن يكون مفردا ، وصف به مقدّر مفرد اللفظ مجموع المعنى ، أي وإن الجمع الّذي أو الجيش الّذي كقوله تعالى : (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً) [البقرة ١٧] ، أي كمثل الجمع الّذي استوقد ، فحمل على اللفظ ، ثمّ قال : بنورهم ، فحمل على المعنى ، فلو كان في الأية مخفّفا من الّذين لم يجز إفراد الضمير الراجع إليه ، وكذا قوله تعالى : (وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [الزمر / ٣٣].

أمّا حذف النون من الّذين نحو : جاءني الرجال الّذين قالوا كذا فهو قليل كقلّة اللذا في المثنّى ، قاله الرضيّ. وقد يقال في جمع المذكّر : اللائين أيضا مطلقا ، وبعض هذيل يعربه ، ومنه قول بعضهم : هم اللاؤون فكّوا الغلّ عنّي.

«واللائي» بهمزة بعدها ياء ساكنة كالقاضي «واللاتي» بتاء فوقانيّة مكان الهمزة ، «واللواتي» على وزن الهوادي ، وقد تحذف تائها اجتزاء (٢) بالكسرة لجمع المؤنّث ، وقد يتقارض (٣) الألى واللاتي ، فيقع كلّ منها مكان الآخر.

قال [من الطويل] :

٥٠٣ ـ محا حبّها حبّ الإلى كنّ قبلها

وحلّت مكانا لم يكن حلّ من قبل (٤)

وقال [من الوافر] :

٥٠٤ ـ فما آباؤنا بأمّنّ منه

علينا اللّاء قد مهدوا الحجورا (٥)

أي الّذين.

الموصول المشترك : والمشترك من الموصول هو «من» بفتح الميم للعالم ، نحو : جاءني من قام ، ومن قاما ، ومن قاموا ، ومن قامت ، ومن قامتا ، ومن قمن ، وتأتي لغير العالم في ثلاث مسائل :

أحدها : أن يترّل مترلته ، نحو : (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ) [الأحقاف / ٥] ، وقوله [من الطويل] :

__________________

(١) تقدم برقم ٦٨ و ٤٩٣.

(٢) الاحتزاء : الاكتفاء.

(٣) يتقارض : يتبادل.

(٤) هو للمجنون.

(٥) هو لرجل من بني سليم. اللغة : أمنّ : أفعل تفضيل من قولهم : منّ عليه ، إذا أنعم عليه. مهدوا : من مهد القراش : بسطه ووطّأه ، الحجور : جمع الحجر وهو حضن الإنسان.

٤٩٢

٥٠٥ ـ أسرب القطا هل من يعير جناحه

لعلى إلى من قد هويت أطير (١)

وقوله [من الطويل] :

٥٠٦ ـ ألاعم صباحا أيّها الطّلل البإلى

وهل يعمن من كان في العصر الحإلى (٢)

فدعاء الأصنام ونداء القطا والطلل سوّغ ذلك.

الثانية : أن يجتمع مع العاقل فيمن وقعت عليه من ، نحو : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ) [النور / ٤٥] لشموله الإنسان والطائر.

الثالثة : أن يقترن مع العاقل في عموم فصل بمن الموصولة ، نحو : فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على أربع [النور / ٤٥] ، لاقترانهما بالعاقل في كلّ دابّة في قوله تعالى : (وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ) [النور / ٤٥] ، لأنّ الدّابة لغة ما يدبّ على الأرض عاقلا كان أو غيره ، قاله ابن هشام في الأوضح. و «ما» لما لا يعقل.

وروي ذلك عن النبي (ص) كما في كثير من كتب الأصول وغيرها أنّ ابن الزبعرى لمّا سمع قوله تعالى : (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) [الأنبياء / ٩٨] ، فقال : لأخصمنّ محمدا (ص) ، فجاء إلى النبي (ص) ، فقال : أليس قد عبدت الملائكة ، أليس قد عبد المسيح ، فيكون هؤلاء حصب جهنّم ، فقال له (ص) : ما أجهلك بلغة قومك ، ما لما لا يعقل. وتأتي لمن يعقل مع غيره ، نحو : (سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) [الحشر / ١].

وللمبهم أمره كقولك : وقد رأيت شجا من بعيد ، لا تدري أبشر هو أم مدر (٣) ، أنظر إلى ما ظهر. وزاد بعضهم لأنواع من يعقل نحو : (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) [النساء / ٣].

وردّه ابن الحاجب لأنّ النوع لا يعقل ، فهذا مستغنى عنه لقولنا : لما لا يعقل. وحكي عن الزمخشريّ أنّه قال : كنت في حضرة بعض الوزراء ، والمجلس خاصّ بالعلماء ، فسألهم الوزير عن قوله تعالى : (وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) [النساء / ٣٦] ، فتكلّموا ، فلم يقع الوزير جوابهم (٤) ، فسألني فقلت : الأصل في ما أن يكون لغير العقلاء ، فإذا أطلق على العقلاء ، و

__________________

(١) هو للعباس بن الأحنف أحد الشعراء المولدين وقيل لمجنون ليلي. اللغة : السرب : جماعة الظباء والقطاء ونحوهما ، القطا : ضرب من الطير قريب الشبه من الحمام ، هويت : أحببت.

(٢) هو لامرئ القيس. اللغة : عم : فعل أمر وأصله أنعم حذفت منه الألف والنون للتخفيف ، ومن عادة العرب أنّهم يقولون عند التحيّة في الغداة عم صباحا وفي المساء عم مساء ، الطلل : ما شخص من آثار الديار ، البإلى : المندرس ، العصر : بمعنى العصر.

(٣) المدر : قطع الطين اليابس.

(٤) سقط جوابهم في «ح».

٤٩٣

أمكن مراعاة الأصل فيه بوجه ، يجب ذلك ، والإناث أقرب إلى غير العقلاء من الذكور ، فتحمل على الإناث ، انتهى ، وقد أشار في الكشاف على ما ستراه.

وذهب بعضهم إلى أنّها تستعمل لما لا يعقل ولغيره نحو : ما سمع من قولهم : سبحان ما سخّر كنّ لنا ، وسبحان ما سبّح الرعد بحمده ، (وَالسَّماءِ وَما بَناها) [الشمس / ٥].

والّذي عليه جماعة من المحقّقين أنّ التفرقة بين من وما في اختصاص من بذوي العلم ، واختصاص ما أو غلبتها في غيرهم إنّما هي إذا أريد الذات ، وأمّا إذا أريد الوصف كما تقول في الاستفهاميّة : ما زيد ، أي فاضل أم كريم ، وفي الموصولة : أكرم ما شيءت من هؤلاء الرجال ، أي القاعد أو القائم ، أو نحو ذلك ، فهو بكلمة ما دون من يحكم الوضع على ما ذكرها الزمخشريّ وصاحب المفتاح وغيرهما ، وإن أنكره قوم ، ومنثمّ قال في الكشاف في تفسيره قوله تعالى : (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) [النساء / ٣] ، وقيل ما ذهابا إلى الصفة ، ولأنّ الإناث من العقلاء يجرين مجرى غير العقلاء ، ومنه قوله تعالى (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) [النساء / ٣].

فأشار بقوله ذهابا إلى الصفة إلى أنّ المراد : فانكحوا الموصوفة بأيّ صفة شيء تم من البكر والشيب والشابة والجميلة والنسبية وأضداد ذلك إلى غير ذلك من الأوصاف (١).

أل الموصولة : «وأل» الداخلة على صفة محضة من اسم فاعل أو مفعول بخلاف غير المحضة كالّذي يوصف له ، وهو غير مشتقّ كأسد وكصفة غلبت عليها الاسميّة كالابطح والأجرع والصاحب ، أو دلّت على التفضيل كالأعلم والأفضل ، قال في جميع ذلك للتعريف اتّفاقا.

واختلف في الداخلة على الصفة المشبّهة كالحسن ، فذهب بعضهم إلى أنّها فيه موصولة ، والأصحّ أنّ المشبّهة لا تكون صلة لأل كما سيأتي ، وتكون أل بمعنى الّذي والّتي والمثنّى والجمع بحسب ما يبيّنه الضمير الراجع إليها ، وللعاقل وغيره نحو : الضارب والضاربة والضاربان والضاربون والضاربات ، أي ضرب والّتي ضربت إلى آخره ونحو : (السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) [طور / ٥] ، أي الّذي رفع ، والّذي سجر. وقد توصل بظرف وبجملة اسميّة أو فعلية ، فعلها مضارع ، فالأول كقوله [من الرجز] :

٥٠٧ ـ من لا يزال شاكرا على المعه

فهو حر بعيشة ذات سعة (٢)

__________________

(١) سقط الأوصاف في «ح».

(٢) لم يسمّ قائله. اللغة : المعه : يريد الّذي معه ، حر : حقيق وجرير ولائق ، سعة : اتساع ورفاهيه ورغد.

٤٩٤

والثاني كقوله [من الوافر] :

٥٠٨ ـ من القوم الرسول الله منهم

لهم دانت رقاب بني معدّ (١)

والثالث كقوله [من البسيط] :

٥٠٩ ـ ما كاليروح ويغدو لاهيا فرحا

مشمّرا يستديم الحزم ذو رشد (٢)

والجميع خاصّ بالشعر خلافا للأخفش وابن مالك في الأخير.

تنبيهات : الأوّل : قال السيوطيّ في نكته : لم أر من حكى خلافا هل أل بجملتها موصول أو اللام فقط؟ كما قيل بذلك في أل المعرفة ، ولجريانه هنا اتّجاه ، لكنّ المفهوم من عباراتهم الجزم بأنّها بجملتها الموصول خصوصا قول ابن الحاجب ، وصلة الألف واللام ، وعبّر في المعرفة بأل فقط ، انتهى.

واستظهر بعض المحقّقين عدم الفرق بينهما ، قال : وتخصيص الخلاف بحرف التعريف تحكّم ، انتهى ، فتأمّل.

الثاني : ما تقرّر من أنّ المذكورة موصول اسمي هو الأصحّ ، وليست موصولا حرفيّا خلافا للمازنيّ لعود الضمير عليها في نحو : قد أفلح المتّقي ربّه ، ولأنّها لا تؤول مع صلتها بالمصدر ولا حرف تعريف خلافا للأخفش ، لأنّه يجوز عطف الفعل على مدحولها نحو : (فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً* فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً) [العاديات / ٣ و ٤] ، أي فاللاتي أغرن فأثرن ، ولأنّه لا يتقدّم عليها معمول مدخولها ، لا يقال : جاء زيد الضارب ، ومحلّ الخلاف إذا كان الوصف الداخلة عليه للحدوث ، ولم تكن للعهد ، أمّا إذا كان للثبوت كالمؤمن والصانع ، قال فيه حرف تعريف اتّفاقا ، قاله التفتازانيّ في شرح التلخيص.

وأما إذا كانت للعهد كما في قولك : جاءني ضارب فاكرمت الضارب ، فلا خلاف في حرفيّتها أيضا ، قاله الرضيّ. قال بعض المحقّقين : وفيه نظر ، لأنّ هذا إنّما يتمّ لو لم يأت الموصول لتعريف العهد ، والتحقيق أنّ الأقسام الأربعة للتعريف يجرى في الموصول.

الثالث : على القول بأنّ أل اسم فالمشهور أنّها اسم موضوع برأسه غير مقتطع من شيء ، وزعم الزمخشريّ أنّها بعض الّذي ، أنّهم لكثرة استعمالهم متوصّلا به إلى وصف المعارف نهكوه بالحذف ، فحذفوا تارة الياء وحدها. وتارة الياء والكسرة ، وتارة اقتصروا على أل ، وصريح كلامه في المفصّل أنّ أل في الّذي حرف تعريف ، وأنّ أل

__________________

(١) لا يعرف قائله. اللغة : دانت : ذلّت وخضعت وانقادت ، معد : هو ابن عدنان.

(٢) لم يعيّن قائله. اللغه : لاهيا : لاعبا ، مشمرا : متهيأ.

٤٩٥

الّتي تعدّ من الموصولات هي تلك الّتي في الّذي لكونه تخفيفا ، وهي دعوى لا دليل عليها. وفيها ما رأيت من جعل الاسم عين الحرف ، وهو باطل.

أيّ الموصولة : «وأيّ» بفتح الهمزة وتشديد الياء ، وينبغي إذا عدّت في المبنيّات أن تقيّد بما إذا أضيفت ، وكان صدر صلتها ضميرا محذوفا ، نحو قوله تعالى : (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ) [مريم / ٦٩] ، أي الّذي هو أشدّ.

فإن لم تضف ولو مع حذف صدر صلتها ، أو أضيفت ، وذكر صدر صلتها ، كانت معربة ألبتة ، نحو : جاءني أيّ قام ، وأيّ هو قائم وأيّهم هو قائم. هذا مذهب سيبويه والجمهور ، واختلفوا في علّة بنائها ، فقيل : لشدّة افتقارها إلى صدر صلتها المحذوف ، وهذا يستلزم بناءها إذا حذف صدر صلتها ، ولم تضف ، وقيل : لأنّ قياسها البناء ، وإعرابها مخالف له ، فلمّا نقص من صلتها الّتي هي موضحة ومبيّنة رجعت إلى ما عليه أخواتها ، وبنيت على الضمّ تشبيها بقبل وبعد ، لأنّه حذف من كلّ ما يبيّنه.

والكوفيّون وطائفة من البصريّين منهم الأخفش يعربونها مطلقا ، قال الزجّاج : ما ظهر لي أنّ سيبويه غلط إلا في الموضعين ، هذا أحدهما ، فإنّه يقول بإعرابها إذا أفردت ، فكيف يقول ببنائها إذا أضيفت. وأوّلوا الآية على الحكاية أو التعليق ، وجعل سيبويه ذلك ، أعني إعرابها مطلقا لغة لبعض العرب ، قال : وهي جيّدة.

وقال الجرميّ خرجت من الخندق ، يعني خندق البصرة ، حتى صرت إلى مكّة ، فلم أسمع أحدا يقول : اضرب أيّهم أفضل ، أي كلّهم ينصب ، ولا يضمّ. وقرأ هارون (١) ومعاذ (٢) ويعقوب : (أَيُّهُمْ أَشَدُّ) بالنصب على هذه اللغة ، وإنّما لم تبن عند عدم الإضافة مطلقا حذرا من اجتماع تغييرين البناء وحذف المضاف إليه ، وتلزم الإضافة إلى معرفة لفظا نحو قوله [من المتقارب] :

٥١٠ ـ ...

فسلّم على أيّهم أفضل (٣)

أو تقديرا نحو : أكرم منهم أيّا تلقاه.

__________________

(١) لعلّه هارون بن موسى بن شريك القاري النحويّ أبو عبد الله يعرف بالأخفش ، وهو خاتمة الأخفشين من أهل دمشق ولد سنة ٢٠١ ه‍ وقرأ بقراءات كثيرة وروايات غريبة ، وكان قيّما بالقراءات السبع عارفا بالتفسير والنحو والمعاني والشعر وعنه اشتهرت قراءة أهل الشام ، ومات سنة ٢٩٢ ه‍. بغية الوعاة ٢ / ٣٢٠.

(٢) يعقوب بن إسحاق بن زيد ، كان أعلم الناس في زمانه بالقراءات والعربيّة وكلام العرب ، وله قراءة مشهورة به ، وهي إحدى القراءات العشر ، مات سنة ٢٠٥ ه‍. المصدر السابق ص ٣٤٨.

(٣) صدره «إذا ما لقيت بني مالك» ، وهو لغسان بن وعلة أحد الشعراء المخضرمين.

٤٩٦

وأجاز بعضهم إضافتها إلى النكرة ، نحو : يعجبني أيّ رجل وأيّ رجلين وأي رجال وأي امرأة وأيّ امرأتين وأيّ نساء عندك ، والجمهور على منعه ، لأنّها حينئذ نكرة ، والموصولات معارف.

وقد تلحقها علامة الفروع في لغة حكاها ابن كيسان ، فيقال : أيّة وأيّان وأيّتان وأيّون وأيّات ، ويلزم استقبال عاملها وتقديمه عند الكوفيّين ، واختاره ابن هشام في الأوضح ، وخالفهم البصريّون ، وتبعهم ابن مالك قال : ولا حجّة للكوفيّين إلا كون ما ورد على وفق ما قالوه ، انتهى.

ووجه وجوب تقديم العامل بقصد الفرق بينها وبين الشرطيّة والاستفهاميّة ، وسئل الكسائيّ في حلقة يونس ، لم لا يجوز أعجبني أيّهم قام؟ فلم يكن له مستند إلا أن قال : أيّ كذا خلقت ، فقال له السائل استحييت لك يا شيخ. يعني أنّ مراده بذلك كذلك وجدتها ، وليس في وجودها كذلك ما يوجب أن يكون مع المستقبل ، إذ لا أمر هنا يتخيّل به الفرق بين المستقبل والماضي ، فإذا لم يكن هناك متخيّل (١) ، فلا فرق بينهما.

قال الرضي : وعلّل ابن باذش (٢) بأن قال : أيّ موضوعة على الإبهام ، والإبهام لا يتحقّق إلا في المستقبل الّذي لا يدري مقطعه ولا مبدأه ، بخلاف الماضي والحال ، فإنّهما محصوران ، فلمّا كان الإبهام في المستقبل أكثر منه في غيره ، استعلمت معه أيّ الموضوعة على الإبهام ، وليس بشيء ، لأنّ الابهامين مختلفان ، ولا تعلّق لأحدهما بالآخر ، انتهى.

وأنكر ثعلب موصوليّة أيّ ، وزعم أنّه لا تستعمل إلا استفهاما أو شرطا ، وقال : ولم أسمع أيّهم هو فاضل جاءني ، بتقدير الّذي هو فاضل جاءني ، وردّ بالسماع قال [من المتقارب] :

٥١١ ـ ...

فسلّم على أيّهم أفضل (٣)

في رواية الضمّ ، إذ لو كانت شرطا أو استفهاما لأعربت فساد المعنى عليهما ، وليست صفة ولا حالا للزوم إضافتها فيهما إلى النكرة ، ولا صلة للنداء ، إذ ليس في البيت نداء ، فإذا انتفي غير الموصولة تعيّنت الموصولة.

__________________

(١) سقط متخيّل في «ح».

(٢) على بن أحمد بن خلف بن محمد الأنصاري الغرناطي ، الإمام أبو الحسن بن الباذش ، أوحد في زمانه إتقانا ومعرفة بعلم العربية ، صنف : شرح كتاب سيبويه ، المقتضب ، شرح أصول ابن السراج ، شرح الإيضاح ، شرح الجمل ، شرح الكافي للنحاس ، مولده سنة ٤٤٤ ه‍ وتوفّي سنة ٥٢٨ ه‍. المصدر السابق ص ١٤٢.

(٣) تقدم برقم ٥١٠.

٤٩٧

ذو الموصولة : «وذو» عند طيّ خاصّة ، وهي للعالم وغيره ، سمع من كلامهم لا وذو في السماء عرشه ، وقال سنان بن فحل الطائي [من الوافر] :

٥١٢ ـ فإنّ الماء ماء أبي وجدّي

وبئري ذو حفرت وذو طويت (١)

أي الّتي حفرت ، والّتي طويت.

والمشهور عنهم إفرادها وتذكيرها وبناؤها على سكون الواو ، ومنهم من يعربها إعراب ذو بمعنى صاحب كما مرّ ، وخصّ ابن الضائع ذلك بحالة الجرّ ، لأنّه المسموع كقوله [من الطويل] :

٥١٣ ـ ...

فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا (٢)

واستشكل إعرابها بأنّ سبب البناء موجود مع عدم العارض ، وفيها أربع لغات ، وأشهرها ما مرّ ، أعني عدم تصريفها مع بنائها ، والثانية : ذو لمفرد المذكّر ولمثنّاه ومجموعه ، وذات مضمومة لمفرد المؤنّث ومثنّاه ومجموعه. الثالثة : كالثانية ، إلا أن يقال لجمع المؤنّث ذوات مضمومة. الرابعة : تصريفها تصريف ذو بمعنى صاحب معربة إعرابها ، فيقال : ذو ذا ذي وذوا ذوي ذوو ذوي ذات ذاتا ذوات.

ذا الموصولة : «وذا» حال كونها «بعد ما» إجماعا «ومن» على الأصحّ «الاستفهاميّتين» ويشترط فيها مع ذلك أن لا تكون للإشارة ، نحو : ماذا التواني؟ ومن ذا الذاهب؟ وأن لا تكون ملغاة ولا مركّبة ، كما سيأتي نحو قوله تعالى : (ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ) [النحل / ٢٤] ، أي ما الّذي أنزل. وقول الشاعر [من الكامل] :

٥١٤ ـ وقصيدة تأتي الملوك غريبة

قد قلتها ليقال من ذا قالها (٣)

وقوله [من المتقارب] :

٥١٥ ـ ألا إنّ قلبي لدي الظّاعنينا

حزين فمن ذا يعزّي الحزينا (٤)

أي من ذا الّذي قالها ، ومن ذا الّذي يعزّي الحزين.

تنبيهات : الأوّل : لم يشترط الكوفيّون كون ذا بعد «ما» أو «من» المذكورتين احتجاجا بقوله [من الطويل] :

__________________

(١) هو لسنان بن الفحل الطائي. اللغة : ذو حفرت أي : الّتي حفرتها ، وذو طويت أي الّتي طويتها. وتقول : طويت البئر طيا ، إذا بنيت بالحجارة عليها.

(٢) تمامه «فأمّا كرام موسرون لقيتهم» ، وهو لمنظور بن سحيم. اللغة : الموسرون : جمع الموسرو هو صاحب المال.

(٣) هو للأعشى.

(٤) هو لأمية بن أبي عائذ الهذلي. اللغة : الظاعنين : المرتحلين.

٤٩٨

٥١٦ ـ عدس ما لعبّاد عليك إمارة

أمنت وهذا تحملين طليق (١)

أي والّذي تحملين طليق ، وأجيب بأنّ هذا طليق جملة اسميّة ، وتحملين حال ، أي وهذا طليق محمولا لك ، وذو الحال إمّا ضمير طليق ، فطليق هو الناصب للحال ، وإمّا طليق نفسه ، على أنّ الجملة كانت صفة له ، فقدّمت عليه ، فناصبها معنى التنبيه والإشارة.

وقال الشيخ سراج الدين البلقينيّ : يجوز أن يكون ممّا حذف فيه الموصول من غير أن يجعل هذا موصولا ، والتقدير هذا الّذي تحملين على حدّ قوله [من الطويل] :

٥١٧ ـ فو الله ما نلتم وما نيل منكم

بمعتدل وفق ولا متقارب (٢)

أي الّذي نلتم قال : ولم أر أحدا أخرجه على هذا ، انتهى ، وهو حسن.

الثاني : مقابل الأصحّ في «ذا» بعد من (٣) وما ، نقل عن بعضهم من منع كونه موصولا بعدها ، قال : لأنّ الأصل في ذا أن يكون للإشارة لمعيّن ، لكن لمّا دخل عليها ما الاستفهاميّة ، وهي في غاية الإبهام ، جرّدتها عن معنى الاشارة ، وجذبتها إلى الإبهام ، فجعلت موصولة ، ولا كذلك من لتخصيصها بمن يعقل ، فليس فيها الإبهام الّذي في ما ، فاستدلّ المجوّزون بالسماع ، وهو ما مرّ. وهذه الموصولات الستّ للمذكّر والمؤنّث وفروعهما ، فيكون بلفظ واحد للجميع ، ولا يرد ما مرّ في أي وذو من اللغات ، لأنّه شاذّ.

هذه «مسألة» تتعلّق بذا الموصولة. «إذا قلت» أنت للمخاطب «ماذا صنعت؟ ومن ذا رأيت»؟ فجئت بعد ذا بفعل متعدّ مفرغ عن ضمير «فذا موصولة» في المثالين لاستجماعها الشروط المتقدّمة ، «وما ومن» الاستفهاميّتان «مبتدءان» في محلّ رفع ، وذا مع صلتها خبرهما ، والعائد محذوف ، أي ما ذا صنعته ، ومن ذا رأيته.

«والجواب» عن كلّ منهما «رفع» ، أي مرفوع ، أو ذو رفع على المختار ، ليطابق السؤال الجواب في كون كلّ منهما جملة اسميّة ، فتقول : الإحسان أو زيدا : أي الّذي صنعته الإحسان ، والّذي رأيته زيد ، وهو أوجه الوجهين في قوله تعالى : (وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) [البقرة / ٢١٩] ، فيمن رفع العفو ، أي الّذي ينفقونه العفو ، والبدل كالجواب ، تقول : ماذا صنعت أخير أم شر؟ ومن ذا رأيت أزيد أم عمرو. وقال [من الطويل] :

__________________

(١) هو ليزيد بن مفرّغ. وروى «نجوت وهذا تحملين طليق» ، اللغة : عدس : صوت يرجز به البغل. عبّاد : هو ابن زياد بن أبي سفيان الّذي هجاه الشاعر بها ، الإمارة : الحكم ، الطليق : المطلق من الحبس.

(٢) لم يسمّ قائله.

(٣) سقط «من» في «ط».

٤٩٩

٥١٨ ـ ألا تسألان المرء ما ذا يحاول

أنحب فيقضي أم ضلال وباطل (١)

ويجوز النصب بتقدير الفعل المذكور في السؤال ، والأوّل أولى ، ولذلك لم يعتبر المصنّف غيره.

تنبيه : قوله : وما ومن مبتدءان مبنيّ على مذهب سيبويه من جواز الإخبار بمعرفة عن نكرة متضمّنة معنى الاستفهام ، وعند غيره أنّ ذا في المثالين مبتدأ ، وما ومن خبران مقدّمان للزومهما الصدر ، ولا يكونان مبتدأين لكونها نكرتين (٢).

«و» يجوز «لك إلغاؤها» ، أي جعل ذا زائدة بين ما ومن ومدخولها ، فكأنّك قلت :

ما صنعت وما رأيت : «فهما» أي ما ومن حينئذ «مفعولان» مقدّمان في محلّ النصب بصنعت ورأيت ، وهذا إنّما يصحّ على مذهب الكوفيّين وابن مالك من جواز زيادة الأسماء ، والبصريّون على خلافه ، وهو الحقّ.

ولك «تركيبهما» أي ما ومن ، «معها» (٣) أي مع ذا فيصيران أسما واحدا من أسماء الاستفهام ، فماذا صنعت «بمعنى أيّ شيء» صنعت؟ ومن ذا رأيت بمعنى «أيّ شخص» رأيت ، وعلى ذلك قول بعضهم : عمّاذا تسأل؟ فأثبت الألف لتوسّطها في اسم الاستفهام بالتركيب ، ولو لا ذلك لحذفها ، كما سيأتي.

«فالكلّ» أي مجموع ما ذا ومن ذا في المثالين مفعول مقدّم في محلّ نصب بصنعت ورأيت ، «والجواب» عن كلّ منهما «على التقديرين» أي على تقديرها زائدة ، وتقديرها مركّبة مع اسمي الاستفهام ، «نصب» ، أي منصوب ، أو ذو نصب على المختار ليطابق السؤال في كون كلّ منهما جملة فعلية ، فتقول : الإحسان ، أو زيدا بالنصب ، أي صنعت الإحسان ، ورأيت زيدا ، وهو أوجه الوجهين في الآية في قراءة غير أبي عمرو : (قُلِ الْعَفْوَ) [البقرة / ١٩] ، بالنصب والبدل كالجواب ، تقول : ماذا صنعت أخيرا أم شرّا؟ ومن ذا رأيت؟ أزيدا أم عمرا؟ ويجوز الرفع بتقدير مبتدإ محذوف ، والأوّل أولى ، ولذلك لم يعتبر المصنّف غيره.

«وقس عليه» أي على ما ذكر من المثالين ، ما إذا كان بعد ذا فعل لازم نحو : مإذا عرض؟ ومن ذا قام؟ فذا يجوز أن يكون موصولة ، أي ما الّذي عرض؟ ومن الّذي قام؟ ولك إلغاءها ، فكأنّك قلت : ما عرض؟ ومن قام؟ وتركيب ما ومن معها بمعنى أيّ شيء عرض؟ وأيّ شخص قام؟

__________________

(١) هو للبيد بن ربيعة العامري يمدح بها النعمان بن المنذر. اللغة : ألا : للعرض ، النحب : النذر ، يقضي مضارع قضى وطره أي أتمّه وبلغه.

(٢) يبدو أنّ الحقّ مع غير سيبويه في هذه المسالة ، لأنّ حقّ المبتدأ أن يكون معرفة إلا إذا كان له المسوّغ.

(٣) في بعض نسخ الصمدية «ولك تركيبها معها».

٥٠٠

وأسماء الاستفهام على الوجوه الثلاثة مبتدءان ، وخبرهما على الأوّل ذا مع صلته ، وهو مبنيّ على مذهب سيبويه ، كما تقدّم ، وعلى الثاني والثالث الجملة الفعلية ، إلا «أنّ الجواب» عن كلّ من السؤالين «رفع مطلقا» ، أي سواء كانت ذا موصولة أو ملغاة أو مركّبة ، لأنّ جملة السؤال اسميّة على كلّ تقدير ، فيطابقها كذلك.

ولا يجوز النصب في أنّه يجوز أن يكون الجواب مرفوعا مع عدم المطابقة ، وذلك فيما إذا قدّرت ذا موصولا في أحد المثالين ، ورفع الجواب بتقدير الفعل المذكور في السؤال فلا تحصل المطابقة ، فينبغي أن يختار رفع الجواب على أنّه خبر مبتدأ محذوف لتحصل المطابقة ، وحكم البدل حكم الجواب.

تنبيهات : الأوّل : ما أجازه المصنّف من تركيب من وذا هو ظاهر كلام جماعة ، ومنع ذلك أبو البقاء في مواضع من إعرابه ، وثعلب في أماليه وغيرهما ، وخصّوا جواز ذلك بماذا ، لأنّ ما أكثر إبهاما ، فحسن أن تجعل مع غيرهما كشيء واحد ، ليكون ذلك أظهر لمعناها ، ولأنّ التركيب خلاف الأصل ، وإنّما دلّ عليه الدليل مع ما ، وهو قولهم : لمإذا جئت بإثبات الألف.

الثاني : إذا قدّر في ما ذا صنعت؟ ومن ذا رأيت؟ ضميرا وذكر لفظا فقيل : ماذا صنعته؟ ومن ذا رأيته؟ جاز في ذلك الأوجه الثلاثة أيضا ، إلا أنّه على تقديرها ملغاة أو مركّبة ، ولا يتعيّن كون اسمي الاستفهام مفعولين ، بل يحتمل أن يكونا مبتدأين ، وخبر كلّ منهما الجملة الاسميّة ، والعائد الضمير المقدّر أو الملفوظ ، وأن يكونا مفعولين لفعل محذوف على شريطة التفسير ، والأوّل أولى لسلامتة من الإضمار والحذف ، فيكون الجواب رفعا على المختار ليطابق السؤال.

الثالث : وقع لكثير من المحقّقين في تعليل كون ما ذا ومن ذا إذا ركّبا مفعولين مقدّمين أنّه إنّما قدّما للزومهما الصدر ، وبتضمينهما معنى الاستفهام ، وهذا بالنسبة إلى من ذا صحيح ، وأمّا إلى ما ذا ففيه نظر ، فقد ذهب بعضهم إلى أنّ ما ذا من بين أدوات الاستفهام لا يلزم صدريّتها ، وإنّها كذلك عند العرب. ونقل عن ابن المرحل المغربيّ (١) أنّه صنّف في ذلك مختصرا ذكر فيه شواهد لمجيئها غير صدر.

وقال ابن مالك في التوضيح لمشكلات الجامع الصغير (٢) ما نصّه في أقول ما ذا شاهد على أنّ ما الاستفهاميّة إذا ركّبت مع ذا تفارق وجوبها التصدير ، فيعمل فيها ما قبلها

__________________

(١) مالك بن عبد الرحمن المعروف بابن المرحل ، أديب ، من الشعرا ، ونعت بشاعر المغرب ، من كتبه : «العروض» و «أرجوزة في النحو» مات سنة ٦٩٩ ه‍ الأعلام للرزكي ، ٦ / ١٣٨.

(٢) الجامع الصغير في النحو لابن هشام النحويّ المتوفى سنة ٧٦٣. كشف الظنون ، ١ / ٥٦٤.

٥٠١

رفعا ونصبا ، فالرفع كقولهم : كان ما ذا ، والنصب كقول عايشة : أقول ما ذا. وأجاز بعض العلماء وقوعها تمييزا كقولك لمن قال : لك عندي عشرون ، عشرون مإذا ، انتهى.

ويبتني على ذلك أنّه لا يجب أن يقدّر الفعل المحذوف على شرطية التفسير في نحو : ماذا صنعته بعد ما ذا ، بل قبلها ، أي صنعت ما ذا صنعته بخلاف من ذا رأيته.

الرابع : قال ابن هشام : من أوجه ما ذا أن يكون كلّه اسم جنس بمعنى شيء ، أو موصولا بمعنى الّذي على خلاف في تخريج قول الشاعر [من الطويل] :

٥١٩ ـ دعي ما ذا علمت سأتّقيه

ولكن بالمغيّب نبّئيني (١)

فالجمهور على أنّ ما ذا كلّه مفعول دعي ، ثمّ اختلف ، فقال السيرافيّ وابن خروف : موصول بمعنى الّذي ، وقال الفارسيّ : نكرة بمعنى شيء ، قال : لأنّ التركيب يثبت في الأجناس دون الموصولات ، انتهى.

فتلخّص أنّ ما ذا تأتي على خمسة أوجه : أو تكون ذا إشاريّة أو موصولة أو زائدة ، وما في الثلاثة استفهاميّة. الرابع : أن يكون مجموعها اسم استفهام الخامس : أن يكون مجموعها اسم جنس أو موصولا على القولين ، وهذه الأوجه ما عدا الخامس جارية في من ذا أيضا (٢).

الخامس : ما تقرّر من حصر الموصولات فيما ذكر هو مذهب البصريّين ، وزعم الكوفيّون أنّ جميع أسماء الإشارة تقع موصولة كقوله تعالى : (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ) [البقرة / ٨٥] ، أي أنتم الّذين وقوله : (وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ) [طه / ١٧] ، وأنّ الاسم المحلّي بأل يكون موصولا كقوله [من الطويل] :

٥٢٠ ـ لعمري لأنت البيت أكرم أهله

فأقعد في أفيائه بالأصائل (٣)

أي لأنت الّذي أكرم أهله ، وإنّ النكرة الواقعة بعدها جملة توصل بما بعدها ، نحو : هذا رجل ضربته ، فضربته عندهم صلة لرجل ، وإن النكرة إذا أضيفت إلى المعرفة جاز وصلها ، كقوله [من البسيط] :

٥٢١ ـ يا دار ميّة بالعلياء فالسند

 ... (٤)

فبالعلياء صلة لدار ، وكلّ هذا محمول عند البصريّين على غير ذلك.

__________________

(١) هو للمثقب العبدي أو لسحيم بن وثيل الرياحي. اللغة : دعي : اتركي ، المغيّب : المخفي من الأمر ، نبّئيني : أخبريني.

(٢) سقطت هذه الجملة في «س».

(٣) هو لأبي ذؤيب الهذلي. اللغة : أفياء : جمع الفئ : ما كان شمسا فنسخه الظلّ.

(٤) تمامه «أقوت وطال عليها سالف الأبد» ، وهو للنابغة الذبياني. اللغة : ميّة : اسم المرأة الّتي يشبّب بها ، العلياء : المرتفع من الأرض ، السند : سند الوادي في الجبل ، وهو أوّل ارتفاعه ، لعله أراد موضعين بعينهما ، أقوت : خلت من أهلها ، السالف : الماضي.

٥٠٢

تكميل : لا بأس بذكر ما أهمله المصنّف (ره) من أحكام الموصول ممّا تشتدّ الحاجة إليه ، وتتوفّر الرغبة عليه وذلك في مسائل :

إحداها : لا يتقدّم الصلة على الموصول ، فلا يقال : جاءني أكرمته الّذي ، ولا تتأخّر عن خبره ، فلا يقال : الّذي زيد أكرمته ، ولا عمّا استثنى منه ، فلا يقال : جاء الّذين إلا زيدا أكرمتهم ، ولا تتعلّق بما قبله بأن تكون مصدّرة ببل أو لكن أو علامة جواب القسم ونحو ذلك ، ممّا له تعلّق بما قبل الموصول ، ولا يفصل بينهما بأجنبيّ كتابع وغيره ، فلا يقال : جاء الّذين كلّهم ضربوا زيدا ، واغتفرت جملة الاعتراض والنداء إذا وليه مخاطب ، نحو قوله [من البسيط] :

٥٢٢ ـ ماذا ولا عتب في المقدور رمت أما

يكفيك بالنّجح أم خسر وتضليل (١)

وقوله [من الكامل] :

٥٢٣ ـ ذاك الّذي وأبيك يعرف مالكا

والحقّ يدفع ترّهات الباطل (٢)

وقول الآخر [من الطويل] :

٥٢٤ ـ وأنت الّذي يا سعد أبت بمشهد

كريم وأثواب السّيادة والحمد (٣)

وشذّ قوله [من الطويل] :

٥٢٥ ـ تعشّ فإن عاهدتني لا تخونني

تكن مثل من يا ذئب يصطحبان (٤)

الثانية : قد يحذف ما علم من موصول اسميّ غير أل اختيارا عند الكوفيّين ، وتبعهم ابن مالك ، وشرط في بعض كتبه كونه معطوفا على موصول آخر ، ومن حجّتهم قوله تعالى : (آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) [العنكبوت / ٤٦] ، أي والّذي أنزل إليكم ، لأنّ الّذي أنزل إلينا ، وليس هو الّذي أنزل إلى من قبلنا ، ولهذا أعيدت ما في قوله تعالى : (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ) [البقرة / ١٣٦] ، وقول حسان [من الوافر] :

٥٢٦ ـ أمن يهجو رسول الله منكم

ويمدحه وينصره سواء

وقول آخر [من الخفيف] :

٥٢٧ ـ ما الّذي دأبه احتياط وحزم

وهواه أطاع يستويان (٥)

أي ومن يمدحه ، والّذي أطاع هواه.

__________________

(١) لم يسمّ قائله.

(٢) البيت لجرير. اللغة : الترهات : جمع ترّهة أي : الطريق الصغير المتشعب عن الطريق الأعظم.

(٣) هو لحسان بن ثابت. اللغة : أبت : رجعت.

(٤) هو للفرزدق. اللغة : تعشّ : أمر من التعشّي.

(٥) لم يسمّ قائله. اللغة : الدأب : العادة والشأن.

٥٠٣

ومنع ذلك البصريّون وخصّوه بالشعر ، قال الرضيّ : ولا وجه لمنعهم من ذلك من حيث القياس ، إذ قد يحذف بعض حروف الكلمة ، وإن كانت فاء أو عينا ، نحو : شية وسية ، وليس الموصول بألزق منها.

ولا يحذف من الموصولات الحرفيّة إلا أنّ في المواضع المخصوصة كما يجيء في الأفعال المنصوبة وذلك لقوّة الدلالة عليها وكون الحروف الّتي قبلها كالنائبة عنها.

الثالثة : يجوز حذف الصلة قليلا لدلالة صلة أخرى كقوله [من الطويل] :

٥٢٨ ـ وعند الّذي واللات عدنك إحنة

عليك فلا يغررك كيد العوائد (١)

أي الّذي عادك أو دلالة غيرها كقوله [من مجزوء الكامل] :

٥٢٩ ـ نحن الإلى فاجمع جمو ...

عكّ ثمّ وجّههم إلينا (٢)

أي نحن الألى عرفوا ، والتزم حذفها بعد اللتيا معطوفا عليها الّتي إذا قصد بهما الدواهي ، ليفيد حذفها أنّ الداهيتين الصغيرة والكبيرة وصلتا إلى حدّ من العظم تقصر العبارة عن الإحاطة به ، فلذلك تركتا على إبهامهما بغير صلة مبنيّة ، ويجوز أن يكون تصغير اللتيا للتعظيم كقوله [من الطويل] :

٥٣٠ ـ ...

دويهيّة تصفرّ منها الأنامل (٣)

وهي تصغير الّتي على خلاف القياس ، لأنّ قياس التصغير أن يضمّ أول المصغّر ، وهذا أبقي على فتحته الأصليّة فرقا بين تصغير المعرب والمبنيّ ، وعوّضوا عن ضمّ أوّله زيادة الألف في آخره كما فعلوا في نظائره من اللذيا وذيا ، ومن العرب من يقول : اللّذيا واللتيا بضمّ الأوّل على القياس ، فيجمع في التضغير بين الضمّة والألف ، وسيأتي الكلام على حذف العائد عند الكلام على جملة الصلة في حديقة الجمل ، إن شاء الله تعالى.

__________________

(١) لم يسمّ قائله. اللغة : الإحنة : الحقد ، يغررك : يخدعك ، الكيد : المكر.

(٢) هو لعبيد بن الأبرص.

(٣) صدره «وكلّ أناس سوف تدخل بينهم» ، وهو للبيد بن ربيعة. اللغة : الدويهية : تصغير داهية : المصيبة وأراد بها هنا الموت ، الأنامل : جمع أنملة وهي رؤوس الأصابع ، واصفرار الأنامل علامة للموت وكناية عنه.

٥٠٤

المركّب

ص : ومنها : المركّب ، وهو ما ركّب من لفظين بينهما نسبة ، فإن تضمّن الثاني حرفا بنيا كخمسة عشر وحادي عشر وأخواتها إلا اثني عشر وفرعيه ، إذ الأوّل منها معرب على المختار ، وإلا أعرب الثاني كبعلبك ، إن لم يكن قبل التركيب مبنيّا كسيبويه.

ش : «ومنها» أي ومن المبنيّات «المركّب وهو» أي اسم ، وهو كالجنس يشمل المحدود وغيره من الأسماء ، «ركّب من لفظين» مستعملين اسمين أو فعلين أو حرفين أو مهملتين أو مختلفين ، وهو أولى من قول ابن الحاجب من كلمتين ، وهو كفصل أخرج ما ليس بمركّب وشمل نحو : عبد الله وتأبّط شرّا ، ممّا ليس من أفراد المحدود.

فأخرج بقوله : «ليس بينهما نسبة» أي قبل التركيب ، وأورد نحو : خمسة عشر ، فإنّه يخرج بهذا القيد أيضا ، مع أنّه من أفراد المحدود ، لأنّ بين لفظيه قبل التركيب نسبة العطف ، إذ أصله خمسة وعشر ، ولذلك حكم بتضمّنه حرف العطف ، وتعيين النسبة على وجه يخرج منها هذه النسبة دونها خرط القتاد (١).

قال بعضهم : وقد يجاب بأنّ القول بتضمّن هذا المركّب معنى حرف العطف وكذا نحو : بيت بيت ، ممّا تضمّن معنى حرف الجرّ حكمي لتوجيه البناء كالعدل في عمر لتوجيه منع الصرف ، كما سيأتي ، وإلا فخمسة عشر بمعنى العقد المخصوص ، وبيت بيت بمعنى ملاصقة البيتين ، فما اشتهر من تقسيم تضمّن الحرف إلى حقيقيّ كخمسة عشر وحكميّ كخاز باز (٢) ليس بشيء ، بل التضمّن في كليهما حكميّ ، انتهى ، فتأمّل.

«فإن تضمّن اللفظ الثاني حرفا بنيا» أي اللفظان «كخمسة عشر» أصله خمسة وعشر ، حذفت واو العطف قصدا لتركيب الاسمين ، ومزجهما للتخفيف ، وبني الأوّل لافتقاره إلى الثاني فأشبه الحرف.

والثاني لتضمّنه معنى الحرف وهو الواو ، وكان البناء على حركة اشعارا بأنّ لهما أصلا في الإعراب ، وكانت فتحة لتجبر خفّتهما ثقل التركيب.

وحادي عشر بفتح الياء ، وهو الأفصح ، وجاز سكونها تخفيفا كثماني عشر ، وأشار بإيراد هذا المثال إلى أنّ اسم الفاعل المشتقّ من العدد المركّب مبنيّ كالعدد المركّب ، واستشكل بناءه لعدم تضمّن الثاني حرفا لعدم استقامة المعنى بتقدير حادي وعشر ، لأنّ

__________________

(١) في المثل «دون ذلك خرط القتاد» يضرب للأمر دونه مانع.

(٢) الخازباز : ذباب يكون في الروض. وقال ثعلب : الخازباز بقلتان ، فإحداهما الدّرماء ، والأخرى الكحلاء ، وقيل : الخازباز ثمر العنصلة.

٥٠٥

معناه واحد من أحد عشر لا حادي وعشر ، كما أنّ معنى ثالث عشر واحد من ثلاثة عشر ، أي من الثلاثة والعشرة ، لا واحد من الثلاثة وعشرة.

وأجيب بأنّ معنى العطف موجود في حادي عشر ، وبيانه أنّهم لمّا أرادوا بناء اسم فاعل من العدد المركّب كما بنوا ذلك من ألفاظ الآحاد الّتي تحت عشرة ، ولم يمكن بناؤه من مجموع المركّب لا مع بقاء (١) حروفها ، لأنّ لفظ الفاعل اسم ثلاثيّ زيد فيه ألف بعد الفاء ، وحروف الاسمين أكثر من ثلاثة ولا مع حذف بعض حروف كلّ واحد منهما وإبقاء الآخر لمحلّ الالتباس ، ولا من كلّ واحد منهما ، نحو : حادي عشر من أحد عشر لكونهما حينئذ اسمين فاعلين دالين على مفردين ، وهو ضدّ المقصود ، اضطرّوا إلى أنّ يوقعوا صورة اسم الفاعل الّتي حقّها سبكها من مجموعهما على أحدهما لفظا ، ويكون المراد من حيث المعنى كونها من المجموع ، لأنّ المعنى أحد من مجموع العددين ، فاختاروا الأوّل ليؤذن من أوّل الأمر أنّ المراد المفرد من المتعدّد لا العدد.

وعطف الثاني على تلك الصورة ، وهو معطوف من حيث المعنى على العدد المشتقّ ذلك الفاعل منه ، وهو عدد معطوف على عدد ، لا متعدّد على متعدّد ، ولا عدد على متعدّد ، فالمعطوف عليه في الحقيقة مدلول المعطوف عليه ظاهر ، فظهر أنّ حادي عشر وكذا أخواته متضمّن لمعنى حرف العطف ، ويستوي فيما ذكرنا المعطوف بحرف ظاهر كما في الحادي والعشرين ، أو بحرف مقدّر كما في حادي عشر ، وقيل : إنّما بني حملا على أحد عشر وأخواتهما ، أي أخوات خمسة عشر ، وهي إحدى عشر إلى تسعة عشر ، وأخوات حادي عشر ، وهي ثاني عشر وثالث عشر إلى تاسع عشر «إلا اثني عشر وفرعيه» وهما اثنتا عشرة وثنتا عشرة من أخوات خمسة عشرة.

«إذ» الجزء «الأوّل» من الجزئين «منها معرب على» المذهب «المختار» ، وإن كانت العلّة المقتضية للبناء في بابه قائمة ، لأنّه شبّه المضاف في حذف النون منه ، لأنّ الأصل اثنان وعشر ، فلمّا حذفت الواو صار اثنان عشر ، فكرهوا وجود النون الّذي يؤذن بالانفصال مع حذف الواو الّذي يؤذن بالاتّصال ، فحذفوا النون تشبيها له بالمضاف ، فوجب إجراؤه مجراه في اعطائه حكم الكلمة لا حكم الجزء ، فوجب البقاء على الإعراب ، وبقي عشر على بنائه لتضمّنه معنى الحرف.

وقيل : إنّما أعرب ، لأنّ علامة الإعراب هو حرف التثنية ، ومع وجودها لم يمكن البناء ، ومع حذفها يبطل دليل التثنية ، وليس بشيء ، لأنّ نحو : يا زيدان ويا زيدون مبنيّ اتّفاقا مع قيام هذه العلّة ، بل إذا قصد بناء المثنّى والمجموع جرّد علامتا التثنية و

__________________

(١) سقط بقاء في «س».

٥٠٦

الجمع عن كونها إعرابا ، ويقابل المختار ما ذهب إليه ابن كيسان وابن درستويه من أنّه مبنيّ مركّب مع العقد كسائر أخواته واختلافه في الأحوال الثلاثة كاختلاف ذان وذين واللذان واللذين ، وردّ بأنّه لو كان مبنيّا لزم الياء ، لأنّها نظير الفتحة في الواحد ، ولهذا قالوا : لا يدين لها لك.

تنبيهات : الأوّل : استعمل جوازا كخمسة عشر مبنيّة الجزأين ظروف ، نحو : هو يأتينا يوم يوم وصباح مساء وحين حين ، أي يوما فيوما وصباحا فمساء وحينا فحينا ، وأحوال نحو : هو جاري بيت بيت ولقيته كفّة كفّة ، وأخبرته صحرة بحرة ، أي ملاصقا بيتي لبيته ، ولقيته متواجهين ذوي كفّة منه وكفّة منّي ، كان كلّا منهما كان يكفّ صاحبه عن التوإلى ، وأخبرته كاشفا للخبر ذا صحرة أي انكشاف ، وبحرة أي اتّساع ، أي في غير مضيق ، والصحرة من الصحراء والبحرة من البحر.

وقد تضاف صدور هذه الظروف والأحوال إلى أعجازها ، فيكون المعنى فيها هو يأتينا يوما بعد يوم وصباحا بعد مساء وحينا بعد حين ، وهو جاري ذا بيت مع بيت أو عند بيت ، ولقيته ذا كفّة مع كفّة أو بعد كفّة وأخبرته صحرة مع بحرة.

فإن خرجت عن الظرفيّة والحالية ، وجبت الإضافة ، وامتنع التركيب ، قال [من الوافر] :

٥٣١ ـ ولو لا يوم يوم ما أردنا

جزاءك والقروض لها جزاء (١)

واستعمل كخمسة عشر وجوبا أحوال لازمة للحالية ، كتفرّقوا شغربغر وشذر مذر ، بفتح فاء الكلمات وكسرها ، وخذع مذع ، بكسر الفاءين ، كلّها بمعنى منتشرين ، وسقط بين بين ، أي بين الحيّ والميّت ، وبين الثانية زائدة ، لأنّ بين تقتضي شيئين ، وعلّة البناء في ذلك كلّه تضمّن معنى حرف العطف.

قال الرضيّ : ولم يسمع في هذه المركّبات الإضافة كما سمعت في المذكورة ، قيل : مع أنّه يمكن أن لا يقدّر فيها أيضا حرف العطف كما في الأولى ، انتهى.

ويمكن أن يتحمّل لوجه ذلك أنّ تلك لمّا لم تكن لازمة للظرفيّة والحالية ، بل قد تخرج عنها ، كما تقدّم ، حملت على حالة خروجها عنها فأضيف مع كونها أحوالا وظروفا ، وأمّا هذه فلازمة للحالية ، ليس لها حالة غيرها فتحمل عليها.

__________________

(١) هو للفرزدق. اللغة : القروض : جمع قرض وأصله ما تدين به غيرك من المال ، ويراد به كل ما تقدّم له برّ وصلة.

٥٠٧

وأمّا اشتقاق هذه الأحوال : فشغر من اشتغرت عليه ، ضيعته أي انتشرت ولم تنضبط ، وبغر من بغر النجم ، أي هيّج المطر ونشره ، وشذر من التشذّر أي التفرّق ، ومذر من التبذير ، وهو الإسراف ، والميم بدل من الباء.

ويقال : شذر بذر بالباء على الأصل ، أو من مذرت البيضة أي فسدت ، وخذع من الخذع ، وهو القطع ، ومذع من قولهم : فلان مذياع ، أي كذّاب يفشي الأخبار ، وينشرها ، وبذر مثل هذا التركيب في غير الظروف والأحوال كقولهم : وقع في حيص بيص ، بفتح الفاءين وكسرهما ، أي في شدّة يعسر التخلّص منها والحيص الهرب ، والبيص السبق والتقدّم ، أي وقعوا في هرب. وسبق بعضهم بعضا لعظيم الشدّة ، فقلبوا الواو ياء للازدواج ، ولم يعكسوا لكون الياء أخفّ.

الثاني : قد يضاف خمسة عشر وأخواته إلا اثني عشر وفرعيه إلى مستحقّ المعدود ، نحو : هذه خمسة عشر زيد ، فيجب عند البصريّين بقاء البناء في الجزءين ، وحكى سيبويه الإعراب في آخر الثاني ، وإبقاء الأوّل على بنائه قال : وهي لغة رديئة.

وحكى الكوفيون وجها ثالثا ، وهو إضافة الأوّل إلى الثاني ، نحو : ما فعلت خمسة عشرك ، وأجازوا أيضا هذا الوجة دون إضافته إلى مستحقّ المعدود ، نحو : هذه خمسة عشر ، ورأيت خمسة عشر ، ومررت بخمسة عشر بالإضافة في الأحوال الثلاثة. وإعراب خمسة بحسب العوامل ، واستدلّوا على ذلك بقوله [من الرجز] :

٥٣٢ ـ كلّف من عنائه وشقوته

بنت ثماني عشرة من حجّته (١)

قال ابن بابشاذ في شرح الجمل : ولا دليل فيه لأنّ الشعر موضع ضرورة ، وليس هو أيضا بمشهور.

الثالث : إذا سمّي بخمسة عشر ونحوه ممّا تضمّن الثاني فيه حرفا ففيه ثلاث لغات.

إحداها : وهي الفصحي ، إبقاء الجزءين على البناء مراعاة للأصل. الثانية : إعراب الثاني غير منصرف مع التركيب كبعلبك. الثالثة : إضافة الأوّل إلى الثاني مع صرف الثاني ومنعه. وإنّما جاز إعراب الثاني مع قيام سبب فيه ، وهو تضمّنه الحرف في الأصل ، لأنّ الأصل انمحي بالعلميّة ، قاله الرضيّ.

«وإلا» يتضمّن الثاني حرفا «أعرب الثاني» إعراب ما لا ينصرف في الأفصح ، كما سيجئ في بابه لانتفاء سبب البناء فيه ، وهو تضمّن الحرف «كبعلبك» علم لبلد بالشام ، والبعل الزوج ، وبك اسم صنم ، دقّ العنق ، وسمّيت مكّة بكّة لدقّها أعناق الجبابرة.

__________________

(١) هو لنفيع بن طارق. اللغة : العناء : التعب والنصب ، الحجة : السنة.

٥٠٨

«إن لم يكن الثاني قبل التركيب مبنيّا» فإن كان قبل التركيب مبنيّا «كسيبويه» امتنع إعرابه ، وكان مبنيّا على أصله ، فويه من سيبويه مبنيّ على الكسر قبل التركيب ، لأنّه صوت ، لاحظّ له في الإعراب ، وبني على حركة فرارا من التقاء الساكنين ، وكانت كسرة ، لأنّها الأصل في التخلّص منه ، وأمّا الجزء الأوّل فيكون مبنيّا مطلقا لقيام سبب البناء فيه ، وهو ما مرّ من افتقاره إلى الثاني كالحرف ، ويكون بناؤه على الفتح إن لم يختم بياء ، كما مرّ ، فإن ختم بها كمعدي كرب فقيل : يبني على السكون ، وقيل : على الفتح تقديرا ، والأوّل أوجه.

وجه تسمية سيبويه بسيويه : فائدة : غلب اسم سيبويه على إمام النحو أبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر بضمّ القاف الشيرازيّ. وقال الشيخ مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي في كتابه المسمّي بالبلغة في تاريخ أئمة اللغة عن أحمد بن عبد الرحمن الشيرازيّ في كتاب ألقاب أنّ اسم سيبويه بشر بن سعيد ، وهو غريب ، والمشهور الأوّل.

ولقّب بسيويه جماعة ، إلا أنّه لا ينصرف عند الإطلاق إلا إليه ، وهو فارسيّ قال [السيوطيّ] في المزهر معناه : رائحة التفاح ، فسمّي بذلك. وقيل : إنّ أمّه كانت ترقصه بذلك في صغره ، وقيل : كان من يلقاه يشمّ منه رائحة الطيب ، وقيل : كان يعتاد شمّ التفاح ، وقيل : لقّب بذلك للطافته ، لأنّ التفاح من لطيف الفواكه ، انتهى.

وقيل : كان أبيض مشربا بحمرة ، كأنّ خدوده لون التفاح ، وقال ابن السّيّد البطليوسي في شرح الفصيح : الإضافة في لغة العجم مقلوبة كما قالوا سيبويه ، والسيب التفاح ، وويه رائحته ، والتقدير رائحة التفاح ، وفيه يقول جار الله الزمخشريّ [من الوافر] :

٥٣٣ ـ ألا صلّى الإله صلاة صدق

على عمرو بن عثمان بن قنبر

فإن كتابه لم تغن عنه

بنو قلم ولا أبناء منبر

تنبيهات : الأوّل : أجاز الجرميّ في نحو : سيبويه إجراءه مجرى بعلبك في بناء الأوّل ومنع صرف الثاني. قال أبو حيّان : وهو مشكل ، إلا أن يستند إلى سماع ، وإلا لم يقبل ، لأنّ القياس البناء لاختلاط الاسم بالصوت وصيرورتهما اسما واحدا ، انتهى. وقضية كلام التسهيل وغيره سماعه ، بل صرّح بعضهم بذلك ، ولا يرد على قضية كلام المصنّف ، لأنّه خلاف المشهور.

الثاني : في نحو بعلبك لغتان أخريان : أحدهما بناء الجزءين ، أمّا الأوّل فلما مرّ ، وأمّا الثاني فتشبيها له بما تضمّن الحرف كخمسة عشر ، لكونها أيضا كلمتين ، إحداهما عقيب

٥٠٩

الأخرى ، وهو ضعيف ، لأنّ المضاف والمضاف إليه كذلك ، الثانية : إضافة الأوّل إلى الثاني فيتأثّر الأوّل بالعوامل ما لم يعتلّ ، فإن اعتلّ كان في جميع أحواله (١) ساكنا للثقل بالتركيب والإعلال ، وللثاني حينئذ ما له مفرد من الصرف ومنعه ، فموت من حضرموت مصروف وهرمز من رام هرمز ممنوع.

قال الرضيّ : وبعضهم لا يصرف المضاف إليه وإن كان منصرفا قبل التركيب اعتدادا بالتركيب الصوريّ كما اعتدّ به في إسكان ياء معدي كرب ، وهو ضعيف مبنيّ على وجه ضعيف ، أعني الإضافة ، أمّا ضعفه فلأنّ التركيب الإضافيّ غير معتدّ به في منع الصرف ، وأمّا الإضافة فلأنّها ليست حقيقيّة ، بل شبيهة بالإضافة من حيث اللفظ ، ولو كانت الإضافة حقيقيّة لأنتصب ياء معدي كرب في النصب ، انتهى. وقد ذهب بعضهم إلى فتحها في النصب ، وإسكانها في الرفع ، والجرّ كقاضي القوم ، ولا يرد شيء من ذلك على قضية كلام المصنّف (ره) لما علمت.

والثالث : عدّوا من المركّب المبنيّ قولهم : افعل هذا بادي بدي ، وبادي بدا وذهبوا أيدي سبا ، وهو مشكل ، فإنّ أصل بادي بدى بادي بديئ بوزن بديع ، فخفّفت بأن طرحت همزة بديي وبأن قلبت همزة بادي ياء مفتوحة ، واسكنت الياء ، فوزن بدي بعد الحذف فعي ، وأصل بادي بدا بادي بداء كصباح ، فصنع بهمزة بادي ما تقدّم ، وحذفت همزة بداء.

ومعناهما أوّل ، مبتدأ من بدأ يبدأ بمعنى الابتداء ، وقيل : من بدا يبدو ، وإذا ظهر فهما في الأصل مضاف ومضاف إليه ، والمضاف منهما منصوب على الحال ، وليس فيهما إلا تخفيف الهمزة من آخرهما ، والإسكان في آخر الاسم ، وتخفيف الهمزة وإسكان الآخر لا يوجبان البناء ، ألا ترى أنّك لو خفّفت ، وقلت في مبتدإ : مبتدي وفي بدأ بدي ، لم يختلف في أنّه باق على إعرابه ، وإنّما غايته إن كان معربا لفظا فصار معربا تقديرا.

وكذلك أيدي سبا ، المعنى ذهبوا مثل أيدي سباء بن يشجب في تفرّقهم وتبدّدهم في البلاد ، حين أرسل الله عليهم سيل العرم ، والأيدي كناية عن الابناء والأسرّة ، لأنّهم في القوّة والبطش بهم بمنزلة الأيدي ، فحذف المضاف ، وأعرب المضاف إليه ، وهو أيدي إعرابه ، ثمّ حفّفت الهمزة من سباء وسكنت الياء في أيدي للتخفيف ، وذلك لا يوجب البناء.

__________________

(١) سقط في جميع أحواله في «ح».

٥١٠

قال ابن الحاجب في شرح المفصّل : لو قيل : إنّه معرب على أصله منصوب على الحال ، إلا أنّهم سكّنوا الياء من أيدي وبادي تخفيفا لما جرى في كلامهم كثيرا ، فصار كالأمثال كما كان ذلك في قولهم : أعط القوس باريها ، لكان أقرب إلى الصواب ، إلا أنّهم أرأدوا إسكان الأوّل ، وهو في موضع نصب ، ورأوا صورة التركيب ، حكموا بالبناء ، والّذي يمكن أن يقال من حجّتهم في تمشيته : إنّه كثر استعمالهم أيدي سباء في التفرّق الكثير ، وبادي بدا في الأوّل ، حتى صار معنى المضاف والمضاف إليه نسيا منسيّا ، فلا يفهم من أيدي سبا إلا متشتّتين ، ولا من بادي بدي إلا أوّل ، فكان بمترلة بعلبك في الدلالة على مدلوله من غير نظر إلى تفضيل اللفظين ، فشبّه ببعلبك في أنّ الأوّل كالجزء فوجب بناؤه ، انتهى.

وما حكم به من كونه بمترلة بعلبك هو ما قاله الزمخشريّ ، وجعله سيبويه بمترلة خمسة عشر. قال الرضيّ : وهو الأولى ، وإن كان على جهة التشبيه لا لتضمّن الثاني حرفا مثله ، ولو كان الأمر على ما قال الزمخشريّ لوجب إدخال التنوين في بادي وبدي ، لأنّ فيهما تركيبا بلا علميّة ، ولم يسمعا منوّنين ، ولوجب تنوين سبأ ، لأنّه اسم رجل وليس اسم قبيلة ، انتهى.

وصرّح ابن الحاجب في شرح المفصّل بأنّ من عدّ بادي بدا وأيدي سبا من المركّب المبنيّ ، جعل الجزء الثاني منه معربا ، والأوّل مبنيّا كمعدي كرب وبعلبك ، ولم يعترض لاسقاط التنوين.

قال بعضهم : ويمكن أن يكون إسقاطه للتخفيف لطوله ، ولما جرى في كلامهم كثيرا ، وقد ثبت حذفه في غير هذا الباب لهذه العلّة نحو قولهم : جاءني زيد بن عمرو ، لأنّه مبنيّ.

٥١١

التوابع

ص : التوابع : كلّ فرع أعرب بإعراب سابقه ، وهي خمسة :

ش : باب التوابع. «التوابع» جمع تابع باعتبار غلبة الاسميّة عليه ، وإلا ففاعل صفة لا يجمع على فواعل ، «كلّ فرع» متلبّس «بإعراب سابقه» الّذي هو فرع عليه في الإعراب ، أي بجنس إعرابه ، بحيث يكون إعرابه من جنس إعراب سابقه المذكور.

فقوله : «كلّ فرع» يشمل المحدود وغيره ، ممّا هو فرع عن غيره في الإعراب أو في العمل أو غيرهما ، وما بعده يخرج ما عدا المحدود ، وقد مرّ بيان ما يترتّب على إدخال كلّ في الحدّ من الفساد.

وأحسن حدّ التوابع قول ابن الحاجب في شرح منظومته : التوابع ما ثبت له الإعراب فرعا عن غيرها ، وهو أحسن من حدّه في الكافية : كلّ ثان بإعراب سابقه من جهة واحدة. وقال أبو حيّان : التوابع محصورة بالعدّ ، فلا تحتاج إلى رسم ولا حدّ ، ولذلك لم يحدّها جمهور النّحويّين.

تنبيهات : الأوّل : المراد بالتوابع توابع الأسماء ، إذ الكلام فيما يتعلّق بها فلا نقض بنحو قوله [من الطويل] :

٥٣٤ ـ فأين إلى أين النّجاة ببغلتي

أتاك أتاك اللّاحقون أحبس أحبس (١)

وقوله [من الكامل] :

٥٣٥ ـ لا لا أبوح بحبّ بثنة إنّها

أخذت على مواثقا وعهودا (٢)

الثاني : المراد بالإعراب في اللاحق والسابق أعمّ من أن يكون لفظيّا أو تقديريا أو محليّا حقيقة أو حكما ، فلا يرد نحو : جاءني هولاء الرجال ، ويا زيد العاق ، ولا رجل ظريفا.

الثالث : أفهم قوله «سابقه» وجوب تقديم المتبوع على التابع ، وجوّز الكوفيّون تقديم عطف النسق بشروط.

أحدها : أن يكون بالواو ، وزاد ابن هشام أو الفاء ، أو ثمّ أو أو أو لا.

الثاني : أن لا يؤدّي (٣) ذلك إلى وقوع العاطف صدرا ، فلا يجوز : وعمرو زيد قائمان.

الثالث : أن لا يؤدّي إلى مباشرة العاطف عاملا غير متصرّف ، فلا يجوز : إنّ وزيدا عمرا ذاهبان ، ولا ما أحسن وعمرا زيدا.

__________________

(١) لم يعين قائله : اللغة : البغلة. دابة معروفة.

(٢) هو لجميل بثنية. اللغة : أبوح : مضارع باح بما في نفسه ، إذا أظهره للناس ، المواثق : جمع موثق : العهد الّذي توثق به كلامك وتؤكد به التزامك ، العهود : جمع عهد ، وهو بمعنى الموثق والميثاق.

(٣) سقط أن لا يؤدّي في «ح».

٥١٢

الرابع : أن لا يكون المعطوف مجرورا ، فلا يجوز : مررت وعمرو بزيد.

الخامس : أن لا يكون العامل ممّا لا يكتفي بفاعل واحد فلا يجوز : اختصم وعمرو زيد ، وخالف ثعلب في هذا الأخير فلم يشترطه ، والبصريّون يقصرون ذلك مع استيفاء هذه الشروط على الضرورة كقوله [من الوافر] :

٥٣٦ ـ ألا يا نحلة من ذات عرق

عليك ورحمة الله السّلام (١)

قيل : قد يفهم من ذلك أيضا وجوب تقديمه على معمول التابع ، فلا يتقدّم معمول التابع على المتبوع ، لأنّ المعمول لا يحلّ إلا في موضع يحلّ فيه العامل ، والتابع لا يتقدّم على المتبوع ، وجوّزه الكوفيّون ، نحو : هذا طعامك رجل يأكل ، ووافقهم الزمخشريّ في أحد الوجوه الّتي ذكرها في قوله تعالى : (وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً) [النساء / ٦٣] ، قال : يجوز أن يتعلّق في أنفسهم ببليغا والمعنى : قل لهم قولا مؤثّرا في قلوبهم ، أي عدهم بالقتل والاستيصال ونحو ذلك ، انتهى ، وهذا إنّما يتأتّي على رأي الكوفيّين.

«وهي» أي التوابع «خمسة» بالاستقراء ، ويمكن أن يقال : لأنّ التابع إن كان مقصودا بالذات فبدل إن لم يتخلّل بينهما عاطف ، وعطف نسق إن تخلّل ، وإن لم يكن مقصودا فنعت ، إن دلّ على معنى في متبوعه ، وتأكيد إن كان إعادة للأوّل لفظا أو معنى ، وإلا فعطف بيان.

الأقوال في عامل التابع : تنبية : اختلف في عامل التابع ، فأمّا النعت والتوكيد والبيان فقال الجمهور : العامل فيها هو العامل في المتبوع ، ونسب إلى سيبويه ، وقال الخليل والأخفش : العامل فيها معنويّ ، وهو كونها تابعة ، وقال قوم : العامل فيها مقدّر من جنس عامل المتبوع ، وأمّا البدل فقال سيبويه والمحقّقون : عامله هو عامل المبدل منه ، إذ المبدل منه في حكم الطرح ، فكان عامل الأوّل باشر الثاني ، وقال أكثر المتأخرين : عامله مقدّر من جنس عامل المبدل منه.

قال أبو حيّان : وهو المشهور وأمّا عطف النسق فقال الجمهور : عامله عامل متبوعه بواسطة الحرف ، وهو الصحيح : وقيل : الحرف ، وقيل : مقدّر بعد العاطف. قال بعضهم : ولو قيل العامل في الكلّ هو المتبوع لكان له شواهد.

__________________

(١) هو للأحوص واسمه عبد الله بن محمد بن عاصم الأنصاري اليربوعي. اللغة : النخلة : مونث نخل وهو شجر معروف ولكن أراد بالنخلة هنا امرأة ، ذات عرق : موضع.

٥١٣

النعت

ص : الأوّل : النّعت ، وهو ما دلّ على معنى في متبوعه مطلقا ، والأغلب اشتقاقه ، وهو : إمّا بحال موصوفه ، ويتبعه إعرابا وتعريفا وتنكيرا وإفرادا وتثنية وجمعا وتذكيرا وتأنيثا ، أو بحال متعلّقه ويتبعه في الثلاثة الأوّل ، وأمّا في البواقي فإن رفع ضمير الموصوف فموافق أيضا ، نحو : جاءتني امرأة كريمة الأب ، وجاءني رجلان كريما الأب ، ورجال كرام الأب ، وإلا فكالفعل ، نحو : جاءني رجل حسنة جاريته ، أو عإلى ة ، أو عال داره ، ولقيت امرأتين حسنا عبداهما ، أو قائمة في الدار جاريتهما.

ش : الأوّل من التوابع النعت ، وقدّمه على سائرها لأنّ استعماله أكثر ، ولكونه أشدّ متابعة وأوفر فائدة ، وكان الأولى أن يتبعه بالبيان ثمّ التوكيد ثمّ البدل ثمّ عطف النسق ، لأنّها إذا اجتمعت في التبعيّة ، رتّبت كذلك ، والتعبير بالنعت اصطلاح الكوفيّين ، وربّما قاله البصريّون ، والأكثر عندهم الوصف والصفة.

«وهو ما» أي تابع ، وهو كالجنس يشتمل جميع التوابع «دلّ على معنى في متبوعه» أخرج ما عدا النعت من التوابع وأورد نحو : أعجبني زيد علمه ، وجاء القوم كلّهم. قال بعضهم : بل كلّ التوابع يدلّ على معنى في متبوعها ، فإنّ المعطوف يدلّ على كون المتبوع ممّا يشاركه الغير في كونه مقصودا بالنسبة ، والتأكيد يدلّ أنّ المتبوع ليس متجوّزا فيه ، ولا ممّا ذكر سهوا ، والبدل يدلّ على أنّ المتبوع غير مقصود بالنسبة. وعطف البيان يدلّ على أنّ المتبوع هذا الأمر المعيّن ، وأجيب بأنّ المراد بالدلالة الدلالة المقصودة ، ولا شيء من هذه الدلالات بمقصود.

«مطلقا» قيد للظرف أي كائن في متبوعه كونا مطلقا غير مقيّد بزمان نسبة حصول لمنعوته في الكلام. قيل : قصد به إخراج الحال ، إذ الحال يدلّ على معنى كائن في ذي الحال في زمان نسبة حصول لذي الحال ، ويردّه على أنّ الحال خارجة عن مبحث التوابع ، وأيضا فتقدّم ذكر التابع والمتبوع يمنع إخراجها به.

قال بعضهم : يصحّ أن يقال : ذكر لبيان مدلول الصفة بحيث يتميّز عن مدلول الحال ، إذ هذا تعريف للصفة بتعيين مدلولها ، فقوله : مطلقا ، وإن كان مستغنى عنه في إتمام التعريف ، لكنّه يحتاج إليه في تعيين مدلولها الّذي قصد في ضمن التعريف ، ولا خفاء في أنّه يخرج به سائر التوابع عن التعريف ، إذ دلالتها على معنى كائن في متبوعها كونا مقيّدا بزمان نسبة حصول لمتبوعها.

٥١٤

وفي بعض شروح الكافية إنّ مطلقا قيد للدلالة ، أي دلالة مطلقة غير مختصّة بمادة ، فخرج به : جاء القوم كلّهم ، وأعجبني زيد علمه ، فإنّ دلالة هذه التوابع على معنى في متبوعها مختصّة بالمادّة حتى لو قيل : أعجبني زيد غلامه ، وأعجبني زيد وغلامه ، وجاء زيد نفسه ، انتفت الدلالة.

وفيه ما عرفت من أنّ كلّ تابع يدلّ على معنى في متبوعه وأنّه لا يساعده اللفظ مطلقا ، إذ مقتضي هذا التوجيه تأنيث مطلقا ، وإنّه يخالف ما حمله المصنّف عليه ، وإنّ ذلك في أعجبني القوم كلّهم باطل ، لأنّ تركيب التأكيد مع المتبوع يفيد تقرير الشمول ، فلولا دلالته على حصول في متبوعه لم يتقرّر الشمول الّذي يدلّ عليه المتبوع.

تنبيهات : الأوّل : يرد على هذا التعريف الجسم الطويل العريض العميق ، فإنّ المقصود فيه بيان معنى الجسم لا الدلالة على معنى فيه ، وسيأتي فيه كلام ، وكذا نحو : (نَفْخَةٌ واحِدَةٌ) [الحاقة / ١٣] ، فإنّ المقصود فيه تأكيد معنى في المتبوع ، لا الدلالة على معنى فيه ، فلا يشملها التعريف مع أنّهما من أفراد المعرّف.

الثاني : يرد على هذا التعريف أيضا الوصف بحال المتعلّق ، نحو : رجل حسن غلامه ، فإنّ الوصف فيه يدلّ على معنى في الغلام لا في الرجل ، فكان ينبغي أن يزاد فيه أو متعلّقه ، واعتذر مع الاعتراف بأولويّة هذه الزيادة بأنّ المراد بالمعنى في المتبوع أعمّ من معنى فيه تحقيقا أو تتريلا ، والوصف بحال المتعلّق لتتريل حاله مترلة حال المتبوع.

قال الرضيّ : وقد يجعل حال متعلّق الشيء وصفا لذلك الشيء بتزيله مترلة حاله ، نحو : مررت برجل مصريّ حماره ، لحصول الفائدة بذلك ، أو إنّ المراد الدلالة على معنى في متبوعه أعمّ من دلالة الوصف وحده أو مع ضميمة المتعلّق ، ولا خفاء في دلالته مع المتعلّق على حال المتعلّق ، وإنّما يميّز عن الوصف بحال الموصوف ، مع أنّ كليهما للدلالة على معنى في المتبوع لاختلاف أحكامهما.

فوائد النعت : الثالث : فائدة النعت التخصيص ، وهو تقليل الاشتراك في النكرات ، كجاءني رجل تاجر ، أو التوضيح ، وهو رفع الاحتمال في المعارف كجاءني الرجل التاجر ، أو المدح أو الذمّ ، نحو : أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم ، أو الترحّم ، نحو : أنا عبدك المسكين ، أو التعميم ، نحو : إنّ الله يرزق عباده الطائعين والعاصين ، أو التفصيل ، نحو : مررت برجلين عربيّ وعجميّ ، أو الإبهام ، نحو : تصدّق بصدقه قليلة أو كثيرة ، أو التأكيد ، نحو : (نَفْخَةٌ واحِدَةٌ) [الحاقة / ١٣] ، أو الكشف عن الماهيّة ، نحو : الجسم الطويل العريض العميق ، كذا قال بعض المحقّقين.

٥١٥

والفرق بين النعت الكاشف والنعت المؤكّد أنّ الأوّل مفسّر والثاني مقرّر ، والفرق بين التفسير والتقرير بيّن ، وقيل : الفرق بينهما أنّ المؤكّد يوكّد بعض مفهوم المنعوت ، والكاشف يكشف عن تمام ماهيّة المنعوت.

وهنا بحث ، وهو أنّ كلّا من الطويل والعريض والعميق نعت وليس كاشفا ، والمجموع كاشف ، وليس نعتا إن قلت : كلّ من تلك الأمور الثلاثة صالح لكونه كاشفا ، لأنّه مساوي للجسم عند جمهور الأشاعرة ، قلنا : لا شبهة لأحد في أنّ المتكلّم لم يقصد إلا كشف المجموع ، لأنّ المجموع معرّف على أنّ هذا الجواب لا يجدي في نحو : الإنسان الحيوان الناطق ، فالأظهر في الجواب أن يقال : إنّ المجموع نعت واحد ، إلا أنّ إعرابه أجرى على أجزائه كما في قرأت الكتاب جزء جزء ، والبيت سقف وجدران.

اشتقاق النعت : «والأغلب» في النعت «اشتقاقه» أي كونه مشتقّا ، وليس شرطا فيه وفاقا لابن الحاجب وخلافا للجمهور في اشتراطهم ذلك ، وتأويلهم ما ليس بمشتقّ بالمشتقّ.

قال ابن الحاجب : إن معنى النعت أن يكون تابعا يدلّ على معنى في متبوعه ، فإذا كانت دلالته كذلك صحّ وقوعه نعتا ، ولا فرق بين أن يكون مشتقّا وغيره ، لكن لمّا كان الأكثر في الدلالة على المعنى في المتبوع هو المشتقّ توهّم كثير من النّحويّين أنّ الاشتقاق شرط حتى تأوّلوا غير المشتقّ بالمشتقّ.

قال : والأسماء الّتي وقعت صفات ، وهي غير مشتقّة منها ما وقع صفة مطلقا كالمنسوب وذي المضاف إلى اسم الجنس ، نحو : مررت برجل تميميّ وذي مال ، ومنها ما وقع صفة في بعض أحواله كأيّ في مثل : مررت برجل أيّ رجل ، ومنها اسم الجنس التابع لاسم الإشارة نحو : مررت بهذا الرجل ، فإنّه هنا استعمل وصفا ، وإن كان وضعه للذات في غير هذا الموضع لأنّ متبوع هذا ، وهو اسم الإشارة ، دالّ على الذات المبهمة فتعيّن دلالة اسم الجنس التابع له على المعنى ، وهو حقيقة الذات وبيان ماهية المشار إليه ، ومنها اسم الإشارة في نحو : مررت بزيد هذا ، فإنّه يدلّ على معنى في ذات زيد ، وهو كونه مشار إليه ، فثبت أنّ الاشتقاق ليس بشرط في النعت لما ثبت من وقوع هذه الألفاظ المذكورة نعوتا مع أنّها غير مشتقّة ، انتهى.

والّذين يشترطون الاشتقاق يؤوّلون ذلك كلّه ، فيقولون : تميميّ مؤوّل بمنسوب ، وذي مال بصاحب المال ، وأيّ رجل بكامل في الرجوليّة ، وهذا الرجل بهذا المعيّن ، وزيد هذا بزيد المشار إليه.

٥١٦

تنبيه : الوصف الجامد على ضربين : قياسيّ وسماعيّ ، فمن القياسيّ ما ذكر ، ومنه الوصف بالمقادير ، نحو : عندي رجال ثلاثة. قال [النبي] (ص) : الناس (١) كإبل ، مائة لا تجد فيها راحلة واحدة (٢). وتقول : عندي برّ قفيزان. وكذا الوصف بالذراع والشبر والباع وغير ذلك من المقادير.

والسماعيّ على ضريين : إمّا غير شائع ، نحو : مررت برجل أسد أو حمار. قال : وهو بتقدير مثل أي مثل أسد ومثل حمار ، وقال غيره : هو مؤوّل بجرئ أو بليد. وإمّا شائع كثير ، وهو الوصف بالمصدر ، نحو : جاءني رجل عدل ورضي. وهو عند الكوفيّين على التأويل بعادل ومرضيّ ، وعند البصريّين على تقدير مضاف أي ذو عدل وذو رضي.

قال ابن هشام في بعض رسائله : والمشهور أنّ الخلاف مطلق. وقال ابن عصفور : وهو الظاهر ، وإنّما الخلاف حيث لم يقصد المبالغة ، فإن قصدت فالاتّفاق على أنّه لا تأويل ولا تقدير ، انتهى.

ومحل الوصف بالمصدر ما إذا لم يكن في أوّله ميم ، فإن كان كذلك كمسير لم ينعت به لا باطّراد ولا بغيره ، نبّه عليه بعضهم.

الأمور الّتي يتبع النعت متبوعه فيها : «وهو» أي النعت «إمّا بحال موصوفة» أي بحال قائمة بموصوفة ، نحو : مررت برجل حسن ، فالحسن حال قائمة بالرجل ، ويسمّي نعتا حقيقيّا. «ويتبعه» أي يتبع النعت الّذي هو بحال موصوفه موصوفه «إعرابا» رفعا ونصبا وجرّا «وتعريفا وتنكيرا وإفرادا وتثنية وجمعا وتذكيرا وتأنيثا» لاتّحادهما فيما صدقا عليه وقيام النعت بالموصوف.

وليس المراد اجتماع هذه العشرة في تركيب واحد (٣) ، كيف وهي أنواع متضادّة الإفراد ، وإنّما المراد أنّه لا بدّ من كلّ نوع من واحد ، فمن الرفع والنصب والجرّ أحدها ، ومن التعريف والتنكير أحدهما ، ومن الإفراد والتثنية والجمع أحدها ، ومن التذكير والتأنيث أحدهما ، فلا بدّ في النعت الّذي هو بحال موصوفه من أربعة من هذه العشرة.

__________________

(١) سقط الناس في «ح».

(٢) الترمذي ، ٥ / ١٤٢ ، رقم ٢٨٧٢.

(٣) سقط في تركيب واحد في «ح».

٥١٧

تنبيهات : الأوّل : قال بعضهم : ذكر الإعراب لا حاجة إليه لظهور العلم به من كونه تابعا إلا أن يقال : أراد جمع الأمور الّتي تعتبر التبعيّة فيها لتنضبط معا.

الثاني : محل ما تقرّر حيث لم يمنع مانع من التبعيّة ، كما في الملتزم إفراده وتذكيره كالفعل أو تذكيره كفعول بمعنى فاعل وفعيل بمعنى مفعول كامرأة صبور وجرى ح ، أو تأنيثه كرجل ربعة (١) وهمزة (٢) وامرأة ربعة وهمزة ، ولا يشكل شيء من ذلك على قضية إطلاق المصنّف ، لأنّه شاذّ ، وأمّا قولهم برمة أعشار وأكسار وثوب أسمال و (نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ) [الإنسان / ٢] ، فلأنّ البرمة مجتمعة من الأكسار والأعشار هي قطعها ، والثوب مؤلّف من قطع كلّ واحد منها ، سمل أي خلق ، ونطفة مركّبة من أشياء ، كلّ واحد منها مشج ، فلمّا كان مجموع الأجزاء ذلك الشيء المركّب منها ، جاز وصفه بها ، وجراهم على ذلك كون أفعال جمع قلّة ، فحكمه حكم الواحد ، قال تعالى : (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ) [النخل / ٦٦] ، والضمير للأنعام. وقال سيبويه : أفعال واحد لا جمع.

«أو بحال متعلّقه» أي بحال قائمة بمتعلّق موصوفه ، وهو ما بينه وبين الموصوف علاقة ، نحو : مررت برجل حسن غلامه ، فالحسن حال قائمة بالغلام ، وهو متعلّق الموصوف.

تنبيه : المراد بحال الموصوف وحال المتعلّق ما جعل حالا للموصوف ، ولو تجوّزا في الأوّل ، وما جعل حالا لغير الموصوف بحسب دلالة التركيب ، وإن كان قائما به في الثاني ، فنحو : مررت بزيد الحسن من قبيل الوصف بحال الموصوف ، وإن كان ليس المراد بالحسن إلا وجهه ، ونحو : رأيت زيدا الحسن نفسه أو ذاته من قبيل الوصف بحال المتعلّق ، وإن كان الحسن قائما بزيد.

«ويتبعه» أي يتبع النعت الّذي هو بحال متعلّق موصوفه «في الثلاثة الأوّل» جمع أولى وهو الإعراب بأوجه الثلاثة والتعريف والتنكير ، وفي الحقيقة إنّما يتبعه في اثنين من خمسة ، واحدة من أوجه الإعراب ، وواحد من التعريف والتنكير ، «وأمّا في» الخمسة «البواقي» وهي الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث ، ففيه تفصيل.

«فإن رفع» أي النعت الّذي هو بحال متعلّق موصوفه «ضمير الموصوف» بأن حوّل الإسناد عن المتعلّق إلى ضمير الموصوف ، وجرّ المتعلّق بالإضافة إن كان معرفة ، ونصب على التمييز إن كان نكرة ، ويسمّى نعتا مجازيّا ، لأنّه جار على الموصوف لفظا ، وهو قائم حقيقة بمتعلّقه ، فهو «موافق» فيه «أيضا» ، كما أنّه موافق في الثلاثة الأوّل ، فهو

__________________

(١) الرّبعة : الخلق لا بالطويل ولا بالقصير ، أو الوسيط القامة «للمذكر والمؤنّث».

(٢) الهمزة : العيّاب.

٥١٨

كالنعت بحال موصوفه ، لأنّه رافع ضمير الموصوف كهو إلا أنّ ذلك أصالة ، وهذا تحويلا ، «نحو : جاءتني امراة كريمة الأب بالإضافة ، أو كريمة أبا بالتمييز ، وجاءني رجلان كريما الأب بالإضافة ، أو كريمان أبا بالتمييز ، وجاءني رجال كرام الأب» بالإضافة ، أو كرام أبا بالتمييز.

«وإلا» يرفع ضمير الموصوف ، بل رفع المتعلّق فهو «كالفعل» الحالّ محلّه ، فيفرد لرفعه ذلك ، ويطابق في التذكير والتأنيث المرفوع لا المنعوت ، نحو : جاءني رجل حسنة جاريته ، كما تقول : حسنت جاريته ، وجاءتني امرأة قائم أبوها ، كما تقول : قام أبوها ، أو جاءني رجل عالية أو عال داره ، كما تقول : علت داره ، وعلا داره ، لأنّ الدار مؤنث لفظيّ ، وقد تقدّم أنّ الفاعل إذا كان مؤنثا لفظيّا ظاهرا جاز في فعله التذكير والتانيث ، والتانيث أرجح.

«ولقيت امرأتين حسنا عبداهما أو» لقيت امرأتين «قائما أو قائمة في الدار جاريتهما» كما تقول : قام في الدار جاريتهما ، أو قامت في الدار جاريتهما ، لما مرّ من أنّ الفاعل إذا كان مؤنّثا حقيقيّا ظاهرا مفصولا عن الفعل بغير إلا جاز في فعله التذكير والتأنيث ، والتأنيث أرجح.

ونحو مررت برجلين قائم أبواهما ، كما تقول : قام أبواهما ، وبرجال قائم آباؤهم ، كما تقول : قام أباؤهم ، ولا تقول : قائمين أبواهما ، ولا قائمين أباؤهم إلا على لغة أكلوني البراغيث ، لكن يترجّح قيام آباؤهم على قائم آباؤهم.

وإذا رفع النعت الضمير البارز كان حكمه حكم الرافع للمتعلّق ، فتقول : جاءني غلام امرأة ضاربته هي : وأمة رجل ضاربها هو ، كما تقول : ضربته هي ، وضربها هو ، وجاءني غلام رجلين ضاربه هما ، وغلام رجال ضاربه هم ، كما تقول : ضربه هما ، وضربه هم ، ولا تقول : ضارباه هما ولا ضاربوه هم إلا على تلك اللغة ، ويترجّح هنا أيضا ضواربه هم على ضاربه هم.

هذا مذهب سيبويه والمبرّد وأبي موسى ، وذهب الأبذيّ والشلوبين وطائفة إلى أنّ الأرجح هو الإفراد ، وفصّل آخرون فقالوا : إن كان النعت تابعا لجمع كمررت برجال قيام آباؤهم ، وجاءني غلمان رجال ضواربهم هم ، فالتكسير أرجح وإن كان لمفرد أو مثنى ، كمررت برجل قاعد غلمانه وبرجلين قاعد غلمانهما ، وجاءني غلام رجال ضاربه هم ، أو غلاما رجال ضاربهما هم ، فالإفراد أرجح ، واتّفق الجميع على أنّ الافراد أفصح من جمع السلامة.

٥١٩

الأسماء في الوصف : تتمّة : تشمل على فوائد الأولى قال [الأسترآباذي] في البسيط [في شرح الكافية] الأسماء في الوصف على أربعة أقسام :

ما يوصف ويوصف به ، وهو اسم الإشارة والمعرّف بأل والمضاف إلى واحد من المعارف إذا كان متّصفا بالحدث.

وما لا يوصف ولا يوصف به وهو ثواني الكني (١) وأللهمّ عند سيبويه ، وما أوغل من الأسماء في شبه الحرف كأين وكم وكيف والمضمرات وما أحسن قول الشاعر [من السريع] :

٥٣٧ ـ أضمرت في القلب هوي شادن

مشتغل بالنحو لا ينصف (٢)

وصفت ما أضمرت يوما له

فقال لي المضمر لا يوصف

وما يوصف ولا يوصف به وهو الأعلام. وما يوصف به ولا يوصف وهو الجمل ، انتهى.

وقال ابن هشام في تذكرته : المعارف أقسام ، قسم لا ينعت بشيء ، وهو المضمر ، وقسم ينعت بشيء واحد ، وهو اسم الإشارة خاصّة ينعت بما فيه أل خاصّة ، وقسم ينعت بشيئين ، وهو ما فيه أل ، وينعت بما فيه أل ، وبمضاف إلى ما فيه أل ، وقسم ينعت بثلاثة أشياء ، وهو شيئان : أحدهما العلم ينعت بما فيه أل وبمضاف وبالإشارة ، والثاني المضاف ينعت بمضاف مثله وبما فيه أل والاشارة ، انتهى.

بقي أنّ اسم الإشارة وما فيه أل ينعتان بالموصول أيضا ، والعلم ينعت بالموصول وبالمضاف إليه ، ولعلّه أدخله تحت ما فيه أل.

تعدّد النعت لمتعدّد : الثانية : إذا تعدّدت النعوت غير واحد فإن اختلف معنى النعت ولفظه ، وجب التفريق بالعطف بالواو ، نحو : مررت برجلين كريم وبخيل ، وبرجال شاعر وكاتب وفقيه ، إن اتّحدا ، استغنى بالتثنية والجمع عن التفريق ، نحو : مررت برجلين كريمين وبرجال كرماء ، وغلب بالتذكير والعقل وجوبا عند الأجمال ، كمررت بزيد وهند الصالحين ، وبرجل وامرأتين صالحتين. والتغليب بالعقل خاصّ بجمع المذكّر ، تقول : مررت برجال وأفراس سابقين ، وامتنع سابقات ، واختيارا عند التفضيل فتقول على التغليب : مررت بعبيد وأفراس سابقين ، وعلى عدمه سابقين وسابقات.

__________________

(١) ثواني الكني : القسم الثاني من الكنية نحو القاسم من أبي القاسم.

(٢) لم يسمّ قائله. اللغة : الشادن : ولد الظبية. (ج) شوادن.

٥٢٠

الثالثة : إذا تعدّد العامل ، فإن اتّحد عمله ومعناه ولفظه أو جنسه جاز الاتّباع مطلقا ، فتقول فيما اتّحد عمله ومعناه ولفظه : ذهب زيد وذهب عمرو العاقلان ، وهذا زيد وهذا عمرو الفاضلان ، ورأيت زيدا ورأيت عمرا الفاضلين ، ومررت بزيد ومررت بعمرو الكريمين ، وفيما اتّحد معناه وعمله وجنسه ، جاء زيد وأتي عمرو الظريفان ، وهذا زيد وذاك عمرو العاقلان ، ورأيت زيدا وأبصرت خالدا الشاعرين ، وسقت النفع إلى خالد وسيق به لزيد الكاتبين ، وخصّص بعضهم ذلك بنعت فاعلي فعلين وخبري مبتدأين وليس بشيء.

وإن عدم الاتّحاد في المعنى والعمل واللفظ ، كجاء زيد ورايت عمرا ، أو في المعنى والعمل والجنس كهذا ناصر زيد ويخذل عمرا ، أو في المعنى واللفظ ، كجاء زيد ومضي عمرو ، أو في العمل واللفظ كهذا مؤلم زيد وموجع عمرو ، وجب القطع ، إمّا بالرفع على إضمار مبتدإ ، أو بالنصب على إضمار فعل لائق ، ويمتنع الاتباع ، لأنّه يؤدّي إلى تسليط عاملين مختلفي المعنى على معمول واحد من جهة واحدة ، بناء على أنّ العامل في المنعوت هو العامل في النعت ، وهو الصحيح ، أمّا إذا اتّحد العاملان معنى وعملا ، فلا محذور في الاتباع ، لأنّ العاملين من جهة المعنى شيء واحد ، فترّلا مترلة العامل الواحد عند الجمهور.

وقال ابن سراج : إذا اتّفقا لفظا كان الثاني توكيدا للأوّل ، وإن كان العامل واحدا ، جاز الاتباع والقطع ، إن لم يختلف العمل ، نحو : قام زيد وبكر العاقلان ، وإن اختلف تعيّن القطع ، سواء اختلفت النسبة إلى المتبوعين من حيث المعنى ، نحو : ضرب زيد عمرا العاقلان ، أم اتّحد ، نحو : خاصم زيد عمرا الظريفان ، هذا مذهب البصريّين ، وقال الفرّاء يتبع الأخير عند الاتّحاد ، والكسائيّ الأوّل ، وابن سعدان أيّهما شيءت.

النعت المقطوع : الرابعة : يجوز الاتّباع والقطع في نعت غير مبهم إن لم يكن ملتزما ولا مؤكّدا ، قال يونس : ولا ترحّما ، نحو : الحمد لله الحميد ، أي هو ، و: (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) [المسد / ٤] ، أي أذمّ ، (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ) [النساء / ١٦٢] ، أي أمدح ، وأللهمّ الطف بعبدك المسكين ، أي ارحم ، على رأي الجمهور بخلاف نعت المبهم ، كمررت بهذا العالم أو النعت الملتزم ومثّلوا له بالشعري العبور (١) ، والأولى أن يمثل بالجمّاء الغفير والمؤكّد نحو : (إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ) [النحل / ١٥] ، فلا يجوز فيها القطع.

__________________

(١) الشّعري : كوكب نيّر يطلع عند شدّة الحرّ. وفي القرآن (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى)[النجم / ٤٩] ، وهما شعريان : الشّعري العبور ، والشّعري الغميصاء.

٥٢١

فإن كان لنكرة اشترط في جوازه القطع تأخّره عن نعت آخر اختيارا كقول أبي الدردا (١) : نزلنا على خال لنا ذو مال وذو همة. وإن لم يتأخّر عن نعت آخر لم يجز القطع إلا في الشعر.

وإن تعدّدت المنعوت لواحد فإن تعيّن مسمّاه بدونها اتبعت كلّها ، أو قطعت أو اتبع بعض ، وقطع بعض بشرط تقديم المتبع كقولها [من الكامل] :

٥٣٨ ـ لا يبعدن قومي الّذين هم

سمّ العداة وآفة الجزر

النازلون بكلّ معترك

والطّيّبون معاقد الأزر (٢)

يروى برفع النعتين ونصبيهما ، ورفع الأوّل ونصب الثاني وبالعكس.

تنبيه : إذا قطع النعت خرج عن كونه نعتا ، قاله ابن هشام ، وإطلاق النعت عليه مجاز من باب إطلاق الشيء على ما كان عليه.

الخامسة : يجوز تعاطف النعوت متبعة كانت أو مقطوعة ، قال أبو حيّان : ويختصّ بالواو ، نحو : (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى* الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى* وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى) [الأعلى / ١ و ٢ و ٣] ، إلى آخره ، ولا يجوز بالفاء إلا إذا دلّت على إحداث واقع بعضها أثر بعض كقوله [من البسيط] :

٥٣٩ ـ يا لهف زيابة للحارث ال

 ... ابح فالغانم فالآئب (٣)

أي الّذي صبح فغنم فآب.

قال ابن خروف إذا كانت النعوت مجتمعة على المنعوت في حالة واحدة لم يكن العطف إلا بالواو ، وإلا جاز بجميع حروف العطف إلا حتى وأم.

السادسة : قد تلا النعت «إمّا» أو «لا» لإفادة شكّ أو تنويع أو نحوهما ، فيجب تكرارهما مقرونين بالواو ، نحو : لا بدّ من حساب إمّا يسير وإمّا عسير ، وكقوله تعالى : (مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ) [النور / ٣٥] ، وقيل : لا يجب التكرار.

السابعة : يجوز حذف المنعوت بكثرة إن علم ، وكان النعت إمّا مفردا صالحا لمباشرة العامل ، نحو : (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ* أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ) [سبأ / ١٠ و ١١] ، أي دروعا

__________________

(١) أبو الدرداء (ت ٣٢ ه‍) صحابيّ خزرجيّ أنصاري من رواة الحديث. المنجد في الأعلام ص ١٨.

(٢) هما للخرنق بنت هفّان. اللغة : العداة : جمع العادي أي : العدو ، الآفة : العلة ، الجزر : جمع جزور ، وهي الناقة الّتي تنحر ، المعترك : موضع القتال ، الطيبون : أرادت إنهم أعفّاء في فروجهم ، المعاقد : إمّا جمع معقد ، وهو موضع العقد ، والجمع مقعد ، وهو مصدر ميميّ ، الأزر : جمع الإزار : ثوب يحيط بالنصف الأسفل من البدن «يذكّر ويؤنّث.»

(٣) هو من أبيات لابن زيابة واسمه مسلمة بن زهيل. اللغة : الصابح : المغير صحابا ، الغائم : أخذ الغنم ، الأئب : فاعل من الإياب بمعنى الرجوع.

٥٢٢

سابغات ، أو بعض ما قبله من مجرور بمن ، نحو ، منّا طعن ومنّا أقام ، أي منّا فريق طعن ومنّا فريق أقام ، أو نفي : نحو ما في الناس إلا شكر أو كفر ، أي إلا رجل شكر أو رجل كفر ، فإن لم يصلح لمباشرة العامل امتنع الحذف غالبا إلا في الضرورة ، ومن غير الغالب قوله تعالى : (وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) [الأنعام / ٣٤] ، أي نبأ من نبأ المرسلين ، بناء على أنّ من لا تزاد في الايجاب ولا تدخل على معرفة ، وإن لم يكن بعض ما قبله من مجرور بمن أو في ، امتنع الحذف إلا في الضرورة كقوله [من الرجز] :

٥٤٠ ـ جادت بكفّي كان من أرمى البشر (١)

أي بكفي رجل كان.

حذف النعت : ويجوز حذف النعت بقلّة من العلم به كقوله تعالى : (يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً) [الكهف / ٧٩] ، أي صالحة ، بدليل أنّه قرئ كذلك ، وأن تعيبها لا يخرجها عن كونها سفينة. و: (الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِ) [البقرة / ٧١] ، أي الواضح ، وإلا لكفروا بمفهوم ذلك و: (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً) [الكهف / ١٠٥] ، أي نافعا.

__________________

(١) قبله :

مالك عندي غير سهم وحجر

وغير كبداء شديدة الوتر

ولم يسمّ قائله. اللغة : السهم : عود من الخشب يسوى ، في طرفه نصل يرمى به عن القوس ، كبداء : القواس ، الوتر : معلّق القوس.

٥٢٣

المعطوف بالحروف

ص : الثاني : المعطوف بالحرف ، وهو تابع بواسطة الواو والفاء أو ثمّ أو حتى أو أم أو إمّا أو أو أو بل أو لكن ، نحو : جائني زيد وعمرو ، (جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ.) وقد يعطف الفعل على اسم مشابه له وبالعكس ، ولا يحسن العطف على المرفوع المتّصل ، بارزا أو مستترا ، إلا مع الفصل بالمنفصل ، أو فاصل ما ، أو توسّط لا بين العاطف والمعطوف ، نحو : جئت أنا وزيد ، و (يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ) و (ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا.)

تتمّة : ويعاد الخافض على المعطوف على ضمير مجرور ، نحو : مررت بك وبزيد ، ولا يعطف على معمولي عاملين مختلفين على المشهور ، إلا في نحو : في الدّار زيد والحجرة عمرو.

ش : «الثاني» من التوابع «المعطوف بالحروف» ، ويسمّى عطف النسق ، بفتح السين ، أي العطف الواقع في الكلام الوارد على نظام واحد ، وهو من قولهم : ثغر نسق ، إذا كانت الأسنان مستوية ، ووجه المناسبة أنّ توسّط الحرف العاطف يجعل التابع والمتبوع مستويين باعتبار الإعراب وقصد النسبة ، وأمّا النسق بإسكان السين فهو مصدر نسقت الكلام إذا عطفت بعضه على بعض ، كذا في الصحاح. قال بعض الأئمة : والتعبير بعطف النسق اصطلاح كوفيّ ، وهو المتداول ، والبصريّون يعبّرون عنه بالشركة ، انتهى.

«وهو تابع» وهو كالجنس يشمل جميع التوابع ، وقوله «بواسطة الواو والفاء أو ثمّ أو حتى أو أم أو أو أو إمّا أو بل أولا أو لكن» أخرج ما عدا المحدود ، ولا يرد التوكيد والنعت المقرونان بحرف العطف ، لأنّ التبعيّة ليست بواسطة الحرف ، بل هي حاصلة فيهما ، وإن لم يوجد حرف ، ولهذا قال بعضهم : إطلاق العطف في هاتين الصورتين اطلاق مجازيّ.

تنبيه : عدّ المصنّف حروف العطف تسعة بإسقاط إمّا على المختار بناء على أنّها غير عاطفة ، كما سيأتي بيانه في حديقة المفردات ، إن شاء الله ، وليس منها ليس خلافا للكوفيّين ولا إلا خلافا للأخفش والفرّاء ولا أي خلافا لصاحب المستوفي (١).

فالواو لمطلق الجمع بين المتعاطفين من غير دلالة على ترتيب وعدمه ، خلافا للفرّاء وهشام وثعلب من الكوفيّين وقطرب من البصريّين ، في زعمهم أنّها تفيد الترتيب ،

__________________

(١) المستوفي في النحو لأبي سعد كمال الدين على بن مسعود الفرغاني. كشف الظنون ، ٢ / ١٦٧٥.

٥٢٤

فالفعل في نحو : جاء زيد وعمرو ، يحتمل أن يكون حصل من كليهما في زمان واحد ، وأن يكون حصل من زيد أوّلا ، وأن يكون حصل من عمرو أوّلا.

فهذه ثلاثة احتمالات عقليّة ، لا دليل في الواو على أحد منها ، وإنّما دلّت على مطلق الاجتماع في الحكم ، ومن ثمّ يعطف بها الشيء على مصاحبة ، نحو : (فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ) [العنكبوت / ١٥] ، وعلى سابقه ، نحو : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ) [الحديد / ٢٦] ، وعلى لاحقه (جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ) [المرسلات / ٣٨].

فهذه ثلاث مراتب ، وهي مختلفة في الكثرة والقلّة ، فمجيئها للمصاحبة أكثر ، وللترتيب كثير ، ولعكس الترتيب قليل ، فيكون عند الاحتمال والتجرّد من القرائن للمعيّة بأرجحيّة وللتأخّر برجحان وللتقدّم بمرجوحية ، هذا مراد التسهيل ، وهو تحقيق للواقع لا قول ثالث ، قاله في التصريح ، وفيه ردّ لقول أبي حيّان من أنّ قول ابن مالك : كون الواو للمعيّة راجح ، وللترتيب كثير ، ولعكسه قليل ليس مذهب البصريّين ولا الكوفيّين ، بل هو ثالث خارج عن القولين فيجب اطراحه.

تنبيه : تنفرد الواو عن سائر أحرف العطف بسبعة عشر حكما :

أحدها : احتمال معطوفها للمعاني الثالثة السابقة.

الثاني : اقترانها بإمّا ، نحو : (إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) [الإنسان / ١].

الثالث : اقترانها بلا إن سبقت بنفي ، ولم تقصد المعيّة ، نحو : ما قام زيد ولا عمرو ، ولا ما اختصم زيد ولا عمرو ، وإنّما جاز (وَلَا الضَّالِّينَ) [الحمد / ٧] ، لأنها في غير معنى النفي ، وأمّا (وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ* وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ* وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ* وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ) [الفاطر / ١٩ / ٢٠ / ٢١ / ٢٢] ، فلا الثانية والرابعة والخامسة زوائد لأمن اللبس.

الرابع : اقترانها بلكن ، نحو : (وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ) [الأحزاب / ٤٠].

الخامس : عطف المفرد السّييء على الأجنبيّ عند الاحتياج إلى الربط ، كمررت برجل قائم زيد وأخوه ، وزيد قام عمرو وغلامه ، وزيدا ضربت عمرا وأخاه.

السادس : عطف العقد على النيّف نحو أحد وعشرون (١).

السابع : عطف الصفات المفرّقة مع اجتماع منعوتها كقوله [من الوافر] :

٥٤١ ـ بكيت وما بكا رجل حليم

على ربعين مسلوب وبال (٢)

الثامن : عطف ما حقّه التثنية أو الجمع كقول الفرزدق [من الكامل] :

__________________

(١) سقط «احد وعشرون» في «ح».

(٢) هو لابن ميّادة واسمه الرماح بن أبرد. اللغة : ربعين : تثنية ربع بمعنى المترل.

٥٢٥

٥٤٢ ـ إنّ الرّزيّة لا رزيّة مثلها

فقدان مثل محمّد ومحمّد (١)

وقول أبي نواس [من الطويل] :

٥٤٣ ـ أقمنا بها يوما ويوما وثالثا

ويوما له يوم التّرحّل خامس

قال ابن هشام في المعنى : وهذا البيت يسأل أهل الأدب عنه ، فيقولون : كم أقاموا؟

والجواب ثمانية ، لأنّ يوما الأخير رابع ، وقد وصف بأنّ يوم الترحّل خامس له ، وحينئذ فيكون يوم الترحّل هو ثامن له بالنسبة إلى أوّل يوم ، انتهى. ونقل الدمامينيّ عن بعضهم لذلك قصّة على أنّ الإقامة كانت خمسة أيام.

التاسع : عطف ما لا يستغني عنه ، كاختصم زيد وعمرو ، ومن ذلك جلست بين زيد وعمرو ، ومن ثمّ قال الأصمعيّ في قول امرئ القيس [من الطويل] :

٥٤٤ ـ ...

بسقط اللوي بين الدخول فحومل (٢)

والصواب أن يقال : بين الدخول وحومل ، وأجيب بأنّه على حذف مضاف ، والتقدير بين أهل الدخول فحومل ، أو بأنّ الدخول مشتمل على أماكن ، والتقدير بين أماكن الدخول وأماكن حومل ، فهو بمترلة اختصم الزيدون فالعمرون.

قال ابن هشام : ويشارك الواو في هذا الحكم أو المتّصلة في نحو : سواء على أقمت أم قعدت ، فإنّها عاطفة ما لا يستغنى عنه ، انتهى. أجاز الكسائي العطف في ذلك بالفاء وثمّ وأو. قاله في الهمع : وقال الفرّاء : رأيت رجلا ، يقول : اختصم عبد الله فرجل.

العاشر والحادي عشر : عطف العامّ على الخاصّ وبالعكس ، فالأوّل نحو : (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) [النوح / ٢٨] ، والثاني نحو : (وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ) [الأحزاب / ٧] ، ويشاركها في هذا الحكم الأخير كمات الناس حتى الانبياء ، وقدم الحاجّ حتى المشاة ، فإنّها عاطفة خاصّا على عامّ.

الثاني عشر : عطف عامل حذف ، وبقي معموله على عامل آخر ، يجمعهما معنى واحد كقوله [من الوافر] :

٥٤٥ ـ إذا ما الغانيات بررزن يوما

وزجّجن الحواجب والعيونا (٣)

__________________

(١) اللغة : الرزيّة والرزيئة : المصيبة وأراد بمحمّد الأول أخا الحجاج وبالثاني ولد الحجاج.

(٢) تقدّم برقم ١٧.

(٣) تقدّم برقم ٢٣٩.

٥٢٦

أي وكحّلن العيونا ، والجامع بينهما التحسين ، وقوله تعالى : (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ) [الحشر / ٩] ، أي واعتقدوا الإيمان ، والجامع بينهما الملازمة والألفة ، ولولا هذا التقييد لورد اشتريته بدرهم فصاعدا ، إذ التقدير فذهب الثمن صاعدا.

الثالث عشر : عطف الشيء على مرادفه ، نحو : (إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ) [يوسف / ٨٦] ، (أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) [البقرة / ١٥٧] ، (لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً) [طه / ١٠٧] ، وقوله [من الوافر] :

٥٤٦ ـ ...

وألفى قولها كذبا ومينا (١)

وزعم ابن مالك أنّ ذلك يأتي في أو وأن ، منه : (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً) [النساء / ١١٢]. قال ابن هشام في شرح بانت سعاد : وفيه نظر لإمكان أن يراد بالخطئية ما وقع خطأ وبالإثم ما وقع عمدا.

الرابع عشر : عطف المقدّم على متبوعه للضرورة ، كقوله [من الوافر] :

٥٤٧ ـ ...

عليك ورحمة الله السّلام (٢)

الخامس عشر : عطف ما تضمّنه الأوّل إذا كان المعطوف ذا مزية نحو : (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى) [البقرة / ٢٣٨].

السادس عشر : جواز فضلها من معطوفها بظرف أو عديله ، نحو : (وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) [يس / ٩].

السابع عشر : جواز حذفها إن أمن اللبس كقوله [من الخفيف] :

٥٤٨ ـ كيف أصبحت كيف أمسيت ممّا

ينبت الودّ في فؤاد الرجال (٣)

أي وكيف أمسيت ، كذا قيل ، وفي إنفراد الواو بذلك نظر.

ففي المغني حكى أبو الحسن : أعطه درهما درهمين ثلاثة ، وخرّج على إضمار أو ، ويحتمل بدل الإضراب.

والفاء للجمع والتعقيب والترتيب ، وسيأتي الكلام عليها في المفردات. وثمّ ويقال : فمّ بإبدال التاء فاء ، كقولهم في جدث جدف ، وثمة بإلحاقها تاء ساكنة ومفتوحة ، فتخصّ حينئذ بعطف الجمل للجمع والترتيب والمهلة وفي كلّ خلاف ، أمّا الجمع فزعم الأخفش والكوفيّون أنّه قد يتخلّف بأن تقع زائدة ، فلا تكون عاطفة ألبتّة ، وحملوا على ذلك قوله تعالى : (حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ

__________________

(١) صدره «وقدّمت الأديم لراهشيه» ، وهو لعدي بن زيد ، ويروى «وقدّدت» اللغة : الأديم : الجلد ، لراهشيه : أي إلى أن وصل القطع للراهشين ، وهما عرقان في باطن الذراع يتدفّق الدم منهما عند القطع.

(٢) تقدم برقم ٩٧.

(٣) لم يسمّ قائله.

٥٢٧

أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ) [التوبة / ١١٨] ، وقول زهير [بن أبي سلمي من الطويل] :

٥٤٩ ـ أراني إذا أصبحت أصبحت ذا هوي

فثمّ إذا أمسيت أمسيت غاديا (١)

وخرجت الآية على حذف الجواب أي لجؤوا إلى ، واستغفروه ، ثمّ تاب عليهم ، والبيت على زيادة الفاء وتعيّنت للزيادة دون ثمّ ، لأنّه قد عهد زيادتها بخلاف ثمّ.

وأمّا الترتيب والمهلة فخالف قوم في اقتضائها إيّاها تمسّكا بقوله تعالى : (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها) [الزمر / ٦] ، (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ* ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ* ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ) [السجدة / ٩ و ٨ و ٧] ، (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى) [طه / ٨٢] ، والاهتداء سابق على ذلك ، وبقوله تعالى : (ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ) [الأنعام / ١٥٤ و ١٥٣] ، وقول الشاعر [من الخفيف] :

٥٥٠ ـ إنّ من ساد ثمّ ساد أبوه

ثمّ قد ساد قبل ذلك جدّه (٢)

وأجيب عن الكلّ بأنّ ثمّ فيها لترتيب الاخبار لا لترتيب الحكم.

قال ابن هشام : وغير هذا الجواب أنفع منه ، لأنّه يصحّح الترتيب فقط لا المهلة إذ لا تراخي بين الأخبارين ، والجواب المصحّح لهما ما قيل في الآية الأولى أنّ العطف على مقدّر ، أي من نفس واحدة أنشأها ، ثمّ جعل منها زوجها ، وفي الثانية أنّ سواه عطف على الجملة الأولى لا الثانية ، وفي الثالثة أنّ المراد ثمّ دام على الهداية ، لأنّ الغفران موقوف على العاقبة ، وفي الرابعة أنّ آتينا عطف على ما تقدّم قبل شطر السورة من قوله : (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ) [الأنعام / ٨٤] ، وفي البيت أنّ المراد أنّ الجدّ أتاه السودد من قبل الأب ، والأب من قبل الابن كما قال ابن الروميّ [من البسيط] :

٥٥١ ـ قالوا أبو الصّقر من شيبان قلت لهم

كلّا لعمري ولكن منه شيبان

وكم أب قد علا بابن ذري حسب

كما علت برسول الله عدنان (٣)

تنبيه : قد تقع ثمّ موقع الفاء ، فتكون للجمع والترتيب بلا مهلة كقولة [من المتقارب] :

__________________

(١) البيت في شرح ديوان زهير ص ٢٨٥ :

أراني إذا ما بت بت على هوى

فثمّ إذا أصبحت أصبحت غاديا.

(٢) هو لأبي نواس. اللغة : ساد ـ سيادة : عظم وشرف.

(٣) اللغة : الذرى : جمع ذروة وهي أعلى الشي ، علت : ارتفعت.

٥٢٨

٥٥٢ ـ كهزّ الردينيّ تحت العجاج

جرى في الأنابيب ثمّ اضطرب (١)

إذ الهزّ متى جرى في أنابيب الرمح تعقّبه الاضطراب ، ولم يتراخ عنه ، قاله غير واحد.

قال بعضهم : والظاهر أنّه لا ترتيب فيها أيضا ، لأنّ الاضطراب والجرى يقعان في زمان واحد ، وأجيب بأنّ الترتيب يحصل في لحظات لطيفة.

وحتى للجمع مع الغاية بأن يكون ما بعدها غاية لما قبلها في زيادة أو نقصان ، ينقطع الحكم عنده والتدريج ذهنا بأن ينقضي ما قبلها شيئا فشيئا إلى أن يبلغ الغاية ، ولهذا وجب أن يكون المعطوف بها جزء من المعطوف (٢) عليه ولو تقديرا ، كما سيأتي بيانه في حديقة المفردات إن شاء الله.

تنبيهات : الأوّل : لا تعطف حتى الجمل ، لأنّ شرط معطوفها أن يكون جزء ممّا قبلها أو كجزء منه ، ولا يتأتّي ذلك إلا في المفردات ، هذا هو الصحيح ، وزعم ابن السّيّد في قول امرئ القيس [من الطويل] :

٥٥٣ ـ سريت بهم حتى تكلّ مطيّهم

 ... (٣)

فيمن رفع تكلّ ، أنّ جملة تكلّ مطيّهم معطوفة بحتى على سريت بهم ، قاله ابن هشام في المغني.

الثاني : إذا عطف بحتى على مجرور ، قال ابن عصفور : ترجّح إعادة الجارّ فرقا بينها وبين الجارّة ، نحو : مررت بالقوم حتى يزيد ، وقال ابن الخبّاز بوجوب ذلك ، وفصل ابن مالك ، فقال : إن لم يتعيّن للعطف وجبت الإعادة ، نحو : اعتكفت في الشهر حتى في آخره ، وإن تعيّنت به فلا ، لحصول الفرق ، نحو : عجبت من القوم حتى بينهم وقوله [من الخفيف] :

٥٥٤ ـ جود يمناك فاض في الخلق حتى

بائس دان بالإساءة دينا (٤)

قال ابن هشام : وهو حسن ، وجزم به في الجامع ، وردّه أبو حيّان ، وقال : في المثال هي جارّة وفي البيت محتملة.

__________________

(١) هو لأبي دؤاد الإيادي. اللغة : الهزّ : اهتراز ، الرديني : نسبة إلى الردينة اسم امرأة تصلح القناة وهو صفة لموصوف محذوف أي الرمح الرديني ، العجاج : الغبار ، الأنابيب : جمع أنبوبة : ما بين العقدتين في القصبة.

(٢) سقط «المعطوف» في «ح».

(٣) تمامه «وحتى الجياد ما يقدن بأرسان» ، اللغة : تكلّ : تتعب تعيي. الجياد : جمع جواد وهو الفرس الجيّد النجيب. يقدن. مجهول وهو بمعنى يمسك بمقاودتها للسير. الارسان : جمع رسن : الحبل.

(٤) لم يسمّ قائله. اللغة : البأئس : الّذي أصابه بؤس ، أي شدّة ، وقوله دان بالإساءة دينا أي جعل الإساءة عادة وطريقة له كالدين الّذي يتعبّد به الإنسان.

٥٢٩

الثالث : العطف بحتى قليل ، وأهل الكوفة ينكرونه ألبتّة ، ويحملون نحو : جاء القوم حتى أبوك ، ورأيت القوم حتى أباك ، ومررت بالقوم حتى أبيك ، على أنّ حتى فيه ابتدائيّة ، وما بعدها على إضمار عامل.

أم نوعان ، متّصلة ومنفصلة ، وسيأتي بيانهما ، والجمهور على أنّ العاطفة أنّما هي المتّصلة ، وأمّا المنقطعة فهي حرف ابتداء كبل ، وتختصّ بالجمل ، فلا تعطف المفردات ، وأمّا قولهم : إنّها لإبل أم شاء ، فتقديره أنّها لإبل أم هي شاء.

وخرق ابن مالك إجماع النّحويّين فقال : إنّها تعطف المفردات ، وحمل قولهم : إنّها لإبل أم شاء على ظاهره ، واستدلّ بقول بعضهم : إنّ هنا لإبلا أم شاء بالنصب ، قال ابن هشام : فإن صحّت روايته فالأولى أن يقدّر لشاء ناصب ، أي أم أري شاء ، وذهب ابن جني إلى أنّ المنقطعة للعطف أيضا ، وهو ظاهر كلام المصنّف في حديقة المفردات ، كما سنبيّنه ، إن شاء الله.

و «أو» ترد لمعان :

أحدها : الشكّ من المتكلّم ، نحو : (قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) [الكهف / ١٩].

الثاني : للإبهام على السامع ، نحو : (إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [سبأ / ٢٤] ، وقول الشاعر [من الخفيف] :

٥٥٥ ـ نحن أو أنتم الأولى ألفوا ال

 ... حقّ فبعدا للظالمين وسحقا (١)

الثالث : التخيير بين المتعاطفين بأن يمتنع الجمع بينهما ، نحو : تزوّج هذه أو أختها.

الرابع : الإباحة بأن لا يمتنع الجمع ، نحو : جالس العلماء أو الزهاد.

الخامس : الجمع المطلق كالواو ، نحو قوله [من البسيط] :

٥٥٦ ـ جاء الخلافة أو كانت له قدرا

كما أتي ربّه موسى على قدر (٢)

السادس : الاضراب كبل ، نحو : (وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) [الصافات / ١٤٧] ، قال الرضيّ : وإنّما جاز الإضراب في كلامه تعالى ، لأنّه أخبر عنهم بأنّهم مائة ألف ، بناء على تحرّز الناس مع كونه تعالى عالما بأنّهم يزيدون ، ثمّ إنّه تعالى أخذ في التحقيق مضربا عمّا يغلط فيه غيره ، أي أرسلناه إلى جماعة يحرّزهم الناس مائة ألف ، وهم كانوا زائدين على ذلك.

السابع : التقسيم ، نحو : الكلمة اسم أو فعل أو حرف ، ذكره ابن مالك في بعض كتبه ، وعدل عنه في بعضها ، فقال : تأتي للتفريق المجرّد من الشكّ والإبهام والتخيير ، و

__________________

(١) لم يسمّ قائله. وفي المغني «فبعدا للمبطلين وسحقا» ، اللغة : سحقا : بعدا أشدّ البعد.

(٢) هو لجرير يمدح بها عمر بن عبد العزيز. اللغة : القدر : بمعنى مقدّرة من غير طلب.

٥٣٠

أمّا هذه الثلاثة فإنّ مع كلّ منها تفريقا مصحوبا بغيره ومثّل بنحو : (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً) [النساء / ١٣٥] (وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى) [البقرة / ١٣٥] ، قال : وهذا أولى من التعبير بالتقسيم ، لأنّ استعمال الواو في التقسيم أجود ، نحو : الكلمة اسم وفعل وحرف وقوله [من الطويل] :

٥٥٧ ـ ...

كما الناس مجروم عليه وجارم (١)

ومن مجيئه بأو قوله [من الطويل] :

٥٥٨ ـ فقالوا لنا ثنتان لا بدّ منهما

صدور رماح أشرعت أو سلاسل (٢)

انتهى.

وغيره عدل عن العبارتين ، فعبّر بالتفصيل ، ومثّل بقوله تعالى : (وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى) [البقرة / ١٣٥] ، و (قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) [الذاريات / ٥٢] ، إذ المعنى وقالت إليهود : كونوا هودا ، وقالت النّصاري : كونوا نصاري ، وقال بعضهم : ساحر ، وقال بعضهم : مجنون ، فأو فيها لتفصيل الإجمال في قالوا.

تنبيهات : الأوّل : لم يذكر المتقدّمون لأو هذه المعاني ، بل قالوا : هي لأحد الشيئين أو الأشياء ، قال ابن هشام : وهو التحقيق ، وقد تخرج إلى معنى بل أو إلى معنى الواو ، وأمّا بقية المعاني فمستفادة من القرائن.

الثاني : قال أبو البقاء : أو في النهي نقيضه أو في الاباحة ، فيجب اجتناب الأمرين كقوله تعالى : (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً) [الإنسان / ٢٤] ، فلا يجوز فعل أحدهما ، فلو جمع بينهما كان فعلا للمنهيّ عنه مرّتين ، لأنّ كلّ واحد منهما أحدهما. وقال غيره : أو في مثل هذا بمعنى الواو ، تفيد الجمع ، وقال ابن الحاجب : بل هي بمعناها ، وهو أحد الشيءين ، وإنّما جاء التعميم من النهي الّذي فيه معنى النفي ، والنكرة في سياق النّفي للعموم ، لأنّ المعنى قبل وجود النهي تطيع آثما أو كفورا ، أي واحدا منهما ، فإذا جاء النهي ورد على ما كان ثابتا في المعنى ، فيصير المعنى ولا تطع واحدا منهما ، فالتعميم فيها من جهة النهي الداخل ، وهي على بابها ، قال : وهو معنى دقيق.

«وبل» للإضراب ، وسيأتي الكلام فيها في حديقة المفردات. و «لا» لنفي حكم متلوّها عن تإليها ، والعطف بها ثلاثة شروط.

__________________

(١) صدره «وننصر مولانا ونعلم أنّه» ، وهو لعمرو بن برّاقة الهمداني. اللغة : الجارم : المذنب.

(٢) هو لجعفر بن علبة الحارثي. اللغة : الرماح : جمع الرمح وهو القناة ، أشرعت : شدّدت وصوّبت إلى جهة العدو ، السلاسل : جمع سلسلة بمعنى حلقات ونحوها يتصل بعضها ببعض.

٥٣١

أحدها : أن يتقدّمها إثبات ، نحو : جاءني زيد لا عمرو ، أو أمر ، نحو : اضرب زيدا لا عمرا ، أو نداء ، نحو : يا ابن أخي لا ابن عمي ، وزعم ابن سعدان أنّ هذا ليس من كلامهم. قال أبو حيّان : وهذا شهادة على نفي ، وقد ذكر ذلك سيبويه في كتابه ، والظّنّ به أنّه لم يذكره إلا وهو مسموع ، انتهى. وهذا الشرط يعلم من معنى لا.

الثاني : أن لا تقترن بعاطف ، فإذا قيل : جاء زيد لا بل عمرو ، فالعاطف بل ، ولا ردّ لما قبلها ، وليست عاطفة. وإذا قلت : ما جاءني زيد ولا عمرو ، فالعاطف الواو ، ولا توكيد للنفي.

الثالث : أن يتعاند متعاطفاها ، فلا يجوز ، جاءني رجل لا زيد ، لأنّه يصدق على زيد اسم الرجل بخلاف : جاءني رجل لا امراة ، نصّ على هذا الشرط السهيليّ في نتائج الفكر (١) ، والأبذيّ في شرح الجزولية (٢) ، وتبعهما الشيخ أبو حيّان.

قال ابن هشام : وهو حقّ ، ولا يمتنع العطف بها على معمول الفعل الماضي خلافا للزجاجي ، أجاز : يقوم زيد لا عمرو ، ومنع : قام زيد لا عمرو ، ويردّ منعه قولهم : نفعك جدّك لا كدّك ، وقول امرئ القيس [من الطويل] :

٥٥٩ ـ كأنّ دثارا حلّقت بلبونه

عقاب تنوفي لا عقاب القواعل (٣)

دثار : اسم راع وتنوفي ثنية ، والقواعل جبال صغار.

ولكن لتعليق حكم متلوّها ، وإثبات نقضيه لتإليها ، نحو : ما جاء زيد لكن عمرو ، ولا تهن زيدا لكن عمرا ، فيستفاد من ذلك تقرير عدم مجئ زيد والنهي عن الإهانة واثبات المجئ ، والأمر بالأهانة لعمرو ، وللعطف بها ثلاثة شروط أيضا :

أحدها : أن يتقدّمها نفي كما مرّ ، فان قلت : قام زيد ، ثمّ جئت بلكن ، جعلتها حرف ابتداء فجئت بالجملة فقلت : لكن عمرو لم يقم.

الثاني : أن لا تقترن بالواو ، قاله الفارسيّ وأكثر النّحويّين ، فإن اقترنت بها ، نحو : ما قام زيد ولكن عمرو ، ففيه أربعة أقوال.

أحدها : ليونس ، إنّ لكن غير عاطفة ، والواو عاطفة مفردا على مفرد.

__________________

(١) نتائج الفكر في علل النحو للشيخ أبي القاسم عبد الرحمن السهيلي الأندلسي المتوفى سنة ٥٨١ ه‍. كشف الظنون ٢ / ١٩٢٤.

(٢) «الجزولية» رسالة في النحو لعيسى بن عبد العزير بن يلبخت الجزولي من علماء العربية المتوفى سنة ٦٠٧ ه‍. الأعلام للزركلي ، ٥ / ٢٨٨.

(٣) اللغة : دثار : هو دثار بن فقعس راعي امرئ القيس ، حلّقت : ماض من تحليق ، يقال : حلّق الطائر إذا ارتفع في طيرانه إلى جوّ السماء ، بلبونه : مفعول والباء للتعدية واللبون كصبور ذات اللبن من الابل وغيره ، تنوفي : اسم موضع ، وقيل : هو ثنية في جبال طئ مرتفعة.

٥٣٢

الثاني : لابن مالك ، إنّ لكن غير عاطفة ، والواو عاطفة جملة ، حذف بعضها على جملة صرّح بجميعها ، قال : فالتقدير في نحو : ما قام زيد ولكن عمرو ، لكن قام عمرو ، وفي : (وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ) [الأحزاب / ٤٠] ، ولكن كان رسول الله ، وعلة ذلك أنّ الواو لا تعطف مفردا على مفرد مخالف له في الإيجاب والسلب بخلاف الجمليتن المتعاطفتين ، فيجوز تخالفهما فيه نحو : قام زيد ، ولم يقم عمرو.

والثالث : لابن عصفور ، إنّ لكن عاطفة ، والواو زائدة لازمة ، قال : وعليه ينبغي أن يحمل مذهب سيبويه.

الرابع : لابن كيسان إنّ لكن عاطفة ، والواو زائدة غير لازمة.

[الشرط] الثالث : أن يليها مفرد ، فإن وليها جملة فهي حرف ابتداء لمجرّد إفادة الاستدراك ، وليست عاطفة ، ويجوز أن تستعمل بالواو ، نحو : (وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ) [الزخرف / ٧٦] وبدونها كقول زهير [من البسيط] :

٥٦٠ ـ إنّ ابن ورقاء لا تخشى بوادره

لكن وقائعه في الحرب تنتظر (١)

وزعم ابن أبي الربيع أنّها حين اقترانها بالواو عاطفة جملة على جملة ، وأنّه ظاهر قول سيبويه.

تنبيه : ذهب يونس إلى أنّ لكن لا تستعمل قبل المفرد إلا بالواو ، وأنّها هي العاطفة كما مرّ ، قال : وما يوجد في كتب النّحويّين من نحو : ما قام سعد لكن سعيد ، فمن كلامهم ، لا من كلام العرب ، ولذلك لم يمثّل سيبويه في أمثله العطف إلا بـ «ولكن». وهذا من شواهد عدالته وكمال أمانته ، لأنّه يجيز العطف بها غير مسبوقة بواو وترك التمثيل به ، لئلا يعتقد أنّه ممّا استعملته العرب ، انتهى.

وتبعه ابن مالك على ذلك ، إلا أنّه جعل العطف من قبيل عطف الجمل كما تقدّم بيانه وعلّته ، وفي قوله : إنّ سيبويه يجيز العطف بها غير مسبوقة بواو نظر ، فقد تقدّم ما حمل عليه ابن عصفور كلام سيبويه.

«وقد يعطف الفعل» الماضي والمضارع «على اسم مشابه له» في المعنى ، كقوله تعالى : (فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً* فَأَثَرْنَ) [العاديات / ٣ و ٤] ، (صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ) [الملك / ١٩] ، فعطف في الأولى أثرن ، وهو فعل ماض على المغيرات ، وهو اسم فاعل مشبه للفعل في المعنى ، لأنّه في تأويل : واللاتي أغرن ، وعطف في الثانية يقبضن ، وهو مضارع على صافات ، لأنّها في معنى يصففن ، قيل : والّذي حسن ذلك تأويل أثرن بمثيرات ، ويقبضن

__________________

(١) البيت لزهير بن أبي سلمي. اللغة : ابن ورقاء : هو الحارث بن ورقاء الصيداوي ، البوادر : جمع بادرة وهو ما يبدو من حدّتك في الغضب ، الوقائع : هنا جمع وقيعة بمعنى القتال.

٥٣٣

بقابضات ، «أو بالعكس» ، أي يعطف الاسم المشابه للفعل في المعنى على الفعل الماضي أو المضارع ، كقوله [من الرجز] :

٥٦١ ـ يا ربّ بيضاء من الهواهج

أمّ صبيّ قد حبا أو دارج (١)

فعطف دارج على حبا ، وهو ماض ، لتؤوّل دارج بدرج ، أو حبا بحاب والعواهج بعين مهلة جمع عوهج ، وهي في الأصل الطويله العنق من الظبي والنوق ، والمراد بها هنا المرأة التامّة الخلق وقول الاخر [من الرجز] :

٥٦٢ ـ بات يعشّيها بغضب باتر

يقصد في أسوقها وجائر (٢)

فعطف جائر على يقصد ، وهو مضارع لتؤوّل جائر بيجور ، ويقصد بقاصد.

وجعل من ذلك ابن مالك قوله تعالى : (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِ) [الأنعام / ٩٥] ، وقدّر الزمخشريّ عطف مخرج على فالق ، قال في التصريح : ولكلّ منهما مرجّحان ، فيرجّح قول ابن مالك سلامته من الفصل بين المتعاطفين بجملة ، وذكر الشيء ومقابلة ، ويرجّح قول الزمخشريّ عدم التأويل والتوافق بين نوعي المتعاطفين.

تنبيه : قال بعضهم : في نظير هذا الموضع اقتضي اقتصاره في جواز تخالف المعطوف والمعطوف عليه على ما ذكر أنّ غير ذلك من تخالفها لا يجوز كعطف الجملة الاسميّة على الفعلية وبالعكس ، وعطف الخبر على الانشاء وبالعكس ، انتهى. وفي اقتضاء ذلك نظر.

هذا ، وعطف الاسميّة على الفعلية وعكسه فيه ثلاثة أقوال ، وتقدّم الكلام عليها في باب الاشتغال ، أمّا عطف الخبر على الانشاء وعكسه ، فقال في المغني : منعه البيانيّون وابن مالك في شرح باب المفعول معه في كتاب التسهيل ، وابن عصفور في شرح الإيضاح ، ونقله عن الأكثرين ، وأجازه الصّفار (٣) وجماعة ، انتهى.

قال البدر الدماميني في التحفة : وحاول الشيخ بهاء الدين السبكيّ في شرح التلخيص التوفيق بين النّحاة والبيانيّين ، فقال ما حاصله أنّ البيانيّين متّفقون على منعه ، و

__________________

(١) هو لجندب بن عمرو. اللغة : البيضاء : المراة الجميلة ، العواهج : جمع عوهج وهو الطويل العنق من الظباء والنعام والنوق ، والمراد هنا المراة التامّة الخلق ، حبا : رحف ، الدارج : الماشي مشيا ضعيفا.

(٢) لم ينسب إلى قائل. اللغة : يعشّيها : يطعمها العشاء ، ويروى يغشبها ، مأخوذ من الغشاء ، وهو كالغطاء وزنا ومعنى ، العضب : السيف ، باتر : قاطع ، يقصد : يقطع على غير تمام ، جائر : ظالم مجاوز للحد.

(٣) قاسم بن على بن محمد بن سليمان الأنصاريّ البطليوسي الشهير بالصفار ، صحب الشلوبين وابن عصفور وشرح كتاب سيبويه شرحا حسنا يقال أنّه أحسن شرح ، مات بعد ٦٣٠ ه‍ ق. بغية الوعاة ٢ / ٢٥٦.

٥٣٤

ظاهر كلام كثير من النحاة جوازه ، ولا خلاف بين الفريقين ، لأنّه عند من جوّزه يجوز لغة ، ولا يجوز بلاغة ، انتهى.

وممّا اختلف في جوازه من تخالف المتعاطفين عطف الماضي على المضارع وبالعكس ، فمنعه الجمهور إلا إذا اتّفقا زمانا ، كقوله تعالى : (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ) [هود / ٩٨] ، وقوله : (تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً) [الفرقان / ١٠].

وأجازه الرضيّ مطلقا ، قال : يجوز لم يقعد ولا يقعد غدا وبالعكس ، وهو ظاهر عبارة ابن مالك في الخلاصة ، وهو الحقّ. فإن قلت : الأمثلة المذكورة ليست من عطف الفعل على الفعل ، بل من عطف جملة على جملة ، قلت : أجيب بأنّه لمّا كان الغرض أنّما هو عطف الفعل لاتّحاد فاعل الفعلين صحّ كونها من عطف الفعل.

«ولا يحسن العطف على» الضمير «المرفوع المتّصل بارزا» كان «أو مستترا» ، لأنّه لمّا كان كالجزء ممّا اتّصل به لفظا من حيث إنّه متّصل لا يجوز انفصاله ، ومعنى من حيث إنّه فاعل ، وهو كالجزء من الفعل ، فلو عطف عليه كان كالعطف على بعض حروف الكلمة ، كرهوا العطف عليه ، فلم يستحسنوه «إلا مع الفصل» بينه وبين تابعه بتوكيده بالضمير «المنفصل» ، ليكون كأنّه معطوف عليه في الصورة ، وإن كان العطف في الحقيقة على المتّصل.

«أو مع فاصل ما» أي فاصل كان «أو» مع «توسّط» لا النافية «بين العاطف» وهو الواو «والمعطوف» ، فيكتفي بذلك عن الفصل بين المتعاطفين ، ولم يلتزموا التأكيد مع ذلك للطول الّذي يكسر من صورة العطف ، ومثّل للثلاثة نشرا على ترتيب اللّف ، فقال : «نحو جئت أنا وزيد» ، فزيد معطوف على التاء ، وهو ضمير مرفوع متّصل بارز ، وحسن العطف للفصل بينهما بالضمير المنفصل ، ونحو : (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) [البقرة / ٣٥] ، ومثله الفصل بتوكيد معنويّ كقوله [من الوافر] :

٥٦٣ ـ ذعرتم أجمعون ومن يليكم

برؤيتنا وكنّا الظافرينا (١)

ونحو قوله : (يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ) [الرعد / ٢٣] ، فمن صلح معطوف على الواو في يدخلون ، وحسن لوجود الفاصل بينهما ، وهو الها ، وقوله تعالى : (ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا) [الأنعام / ١٤٨] ، فآباؤنا معطوف على نا ، وهو حسن لتوسّط لا بين العاطف وهو الواو ، والمعطوف وهو آباؤنا.

__________________

(١) لم أجد البيت.

٥٣٥

وممّا لا يحسن ما رواه البخاريّ في صحيحه من قوله (ص) كنت وأبو بكر وعمر (١).

ولذلك قيل : هو مروى بالمعنى ، وقول بعضهم : مررت برجل سواء والعدم ، فسواء صفة لرجل ، وهو بمعنى مستو ، وفيه ضمير مستتر يعود على رجل ، والعدم معطوف على ضميره ، ولا يقاس على هذا خلافا للكوفيّين.

وأفهم تقييد المسألة بالضمير أنّ العطف على الظاهر بظاهر أو ضمير جائز بدون فاصل ، وبالمتّصل أنّ المنفصل مرفوعا كان أو منصوبا كالظاهر في جواز العطف عليه كما ذكر ، نحو : إيّاك والأسد ، وبالمرفوع أنّ المتّصل المنصوب يحسن العطف عليه وإن لم يفصل ، لأنّه لا يترّل مترلة الجزء كالمرفوع ، فيعطف عليه الظاهر ، نحو : (جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ) [المرسلات / ٣٨] ، والمضمر نحو : رأيته وإيّاك ، كما يعطف على الظاهر كذلك ، نحو : رأيت زيدا وعمرا ، ورأيت زيدا وإيّاك ، ومنع الأبذيّ في الأخيرة لإمكان الاتّصال نحو : رأيتك وزيدا مردود بقوله : (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ) [النساء / ١٣١].

هذه «تتمّة» لما ذكره من أحكام العطف ، «ويعاد الخافض» وجوبا ، حرفا كان أو اسما «على المعطوف على ضمير مجرور ، نحو : مررت بك وبزيد» ، وقوله تعالى : (نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ) [البقرة / ١٣٣] ، وإنّما وجب ذلك ، لأنّ اتّصال الضمير المجرور بجارّه أشدّ من اتّصال الفاعل المتّصل ، لأنّ الفاعل إن لم يكن ضميرا متّصلا جاز انفصاله ، والمجرور لا ينفصل من جارّه ، سواء كان ضميرا أو ظاهرا ، فكره العطف عليه ، إذ يكون العطف على بعض حروف الكلمة ، فمن ثمّ لم يجز إذا عطف الضمير على المجرور إلا إعادة الجارّ أيضا ، نحو : مررت بزيد وبك ، والمال بين زيد وبينك.

وليس للمجرور ضمير منفصل حتى يؤكّد به أوّلا ، ثمّ يعطف عليه ، كما عمل في المرفوع المتّصل ، فلم يبق إلا إعادة الخافض ، ولا يعاد الخافض الاسميّ إلا إذا لم يشكّ أنّه لم يجلب إلا لهذا الغرض ، وأنّه لا معنى له كما في قولنا : بينك وبين زيد ، إذ لا يمكن أن يكون هنا بينان ، بين بالنسبة إلى زيد وحده ، وبين آخر بالنسبة إلى المخاطب وحده ، لأنّ البينيّة أمر يقتضي طرفين ، فعرفنا أنّ تكرير الثاني لهذا الغرض فقط ، فإن ألبس ، نحو : جاءني غلامك وغلام زيد ، وأنت تريد غلاما واحدا مشتركا بينهما لم يجز ، بلي يجوز لو قامت قرينة دالّة على المقصود ، قاله الرضي (ره).

ووجوب إعادة الخافض في ذلك مذهب البصريّين ، وذهب الجرميّ والزياديّ إلى عدم وجوبه إن أكّد الضمير بالمنفصل ، نحو : مررت بك أنت وزيد ، والفرّاء إن أكّد

__________________

(١) صحيح البخاري ، ٣ / ٦٩ ، رقم ١٧٩.

٥٣٦

بالظاهر ، نحو : مررت بك نفسك وزيد ، وهو مع مخالفته القياس ليس بمسموع ، وذهب الكوفيّون ويونس والأخفش إلى عدم وجوب ذلك مطلقا ، ووافقهم أبو على الشلوبين ، وصحّحه ابن مالك وأبو حيّان ، وجرى عليه ابن هشام في بعض كتبه لثبوت ذلك في فصيح الكلام. قال ابن مالك في خلاصة [من الرجز] :

٥٦٤ ـ وعود خافض لدي عطف على

ضمير خفض لازما قد جعلا

وليس عندي لازما إذ قد أتي

في النّثر والنّظم الصّحيح مثبتا (١)

وقال في شرح الكافية : من مؤيّدات الجواز قوله تعالى : (وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ) [البقرة / ٢١٧] ، فجرّ المسجد بالعطف على الهاء لا بالعطف على سبيل لاستلزامه الفصل بالأجبنيّ بين جزئي الصلة ، وتوقّي هذا المحذور حمل أبا على الشلوبين على موافقة الكوفيّين في هذه المسألة ، وقد غفل الزمخشريّ وغيره عن هذا.

ومن مؤيّدات الجواز أيضا قراءة حمزة : (وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ) [النساء / ١] بخفض الأرحام ، وهي أيضا قراءة ابن عباس والحسن البصري ومجاهد (٢) وقتادة والنخعيّ (٣) والأعمش ويحيى بن وثاب (٤) وأبي رزين (٥) ، مثل هذه القراءة قول بعض العرب : ما فيهما غيره وفرسه ، رواه قطرب بجرّ فرسه ، ومثله ما أنشده سيبويه من قول الشاعر [من البسيط] :

٥٦٥ ـ فاليوم قرّبت تهجونا وتشتمنا

فاذهب فما بك والأيّام من عجب (٦)

انتهى.

وقال ابنه في شرح الخلاصة : لا يبعد أن يقال في هذه المسألة : إنّ العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الخافض غير جائز في القياس ، وما ورد منه في السماع محمول على شذوذ إضمار الجارّ ، كما أضمر في مواضع آخر ، نحو : ما كلّ بيضاء شحمة ، ولا سوداء تمرة ، وكقولهم : امرر ببني فلان إلا صالح فطالح ، وقولهم : بكم

__________________

(١) البيتان موجودان في ألفية وشرح ابن عقيل في المجلّد الثاني ص ٢٣٩.

(٢) مجاهد بن جبر ، تابعي ، مفسّر من أهل مكّة ، شيخ القرّاء والمفسّرين ، مات وهو ساجد سنة ١٠٤ ه‍ ق. الأعلام للرزكلي ، ٦ / ١٦١.

(٣) علقمة بن قيس بن عبد الله من أكابر الفقه والحديث وقاري القرآن ، توفّي سنة ٦١ ه‍ ق. محمد على مدرس تبريزي ، ريحانة الأدب ، المجلد السادس ، الطبعة الرابعة ، منشورات خيام ص ١٥٦.

(٤) يحيي بن وثاب الكوفيّ مولي بني كاهل من بني أسد بن خزيمة ، توفّي بالكوفة سنة ١٣٠ ه‍ ق ، وله قراءة. النديم ، الفهرست ، الطبعة الأولى ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ١٤١٦ ه‍ ، ص ٤٨.

(٥) محمد بن عيسى بن إبراهيم بن رزين ، إمام في القراءآت ، عالم في العربية ، من كتبه : الجامع في القراءات ، مات سنة ٢٥٣ ه‍ ق. الأعلام للرزكلي ٧ / ٢١٣.

(٦) لم يعين قائله.

٥٣٧

درهم اشتريت ثوبك ، على ما يراه سيبويه من أنّ الحرفيّة بعد كم بإضمار من لا بالإضافة ، انتهى.

تنبيهات : الأوّل : محلّ الخلاف إذا كان المعطوف على الضمير المجرور ظاهرا ، فإن كان ضميرا ، نحو : مررت بك وبه وجب إعادة الخافض اتّفاقا.

الثاني : يستثنى من القاعدة المذكورة مسألة لا يجب فيها إعادة الخافض ، قال البدر الدمامينيّ في المنهل : لنا ما يمكن أن يجعل لغزا ، فيقال أي صورة يجوز العطف فيها على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض لفظا حال السعة بإجماع؟ ومثالها قولك : شجاعة زيد عجبت منها ، وأنّه يبخل ، إذ حذف الجارّ من أن وأنّ مطّرد بلا خلاف ، كما مرّ.

الثالث : قيل : ينبغي أن يقيّد العطف على الضمير المجرور بأن يكون الحرف غير مختصّ بالضمير احترازا من لو لا على مذهب سيبويه ، فإنّه لا يجوز عطف ظاهر على مجرورها ، نحو : لولاك وزيد ، فلو رفعت على توهّم أنّك نطقت بضمير الرفع ففي جوازه نظر ، قاله المراديّ في شرح التسهيل.

وفي المغني لابن هشام عند الكلام على اشتراط الإضمار في بعض المعمولات من الوهم فيه قول بعضهم في لولاى وموسى ، إنّ موسى محتمل الجرّ ، وهذا خطأ ، لأنّه لا يعطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجارّ ، ولأنّ لو لا لا تجرّ الظاهر ، فلو أعيدت لم تعمل الجرّ ، فكيف ولم تعد.

وهذه مسألة يحاجى بها ، فيقال : ضمير مجرور لا يصحّ أن يعطف عليه اسم مجرور أعدّت الجار ، أو لم تعدّ ، وقولي : مجرور لأنّه يصحّ أن يعطف (١) عليه اسم مرفوع ، لأنّ لولا محكوم لها بحكم الحروف الزائدة ، والزائد لا يقدح في كون الاسم مجرّدا عن العوامل اللفظيّة ، فكذا ما أشبه الزائد.

«ولا يعطف على معمولي عاملين مختلفين على القول المشهور» من سبعة أقوال في جميع الصور «إلا في نحو : في الدار زيد والحجرة عمرو» ، وإنّ في الدار زيدا والحجرة عمرا ، أي في صورة تقديم المجرور في المعطوف عليه وتأخير المرفوع أو المنصوب والإتيان بالمعطوف على ذلك الترتيب ، فإنّ العطف على معمولي عاملين مختلفين جائز في هذه الصورة فقط ، وهو رأي الأعلم وابن الحاجب ، وعزي إلى الاكثرين ، وعلّل الأعلم الجواز باستواء أخر الكلام ، وأوّله في تقديم الخبرين على المخبر عنهما ، حتى لو لم يستو آخر الكلام وأوّله ، نحو : زيد في الدار والحجرة عمرو لم يجز.

__________________

(١) سقطت «لأنّه يصحّ أن يعطف» في «ح».

٥٣٨

قال الرضيّ : ويلزمه تجويز مثل قولنا : زيد خرج غلامه وعمرو أخوه ، وإنّ زيدا خرج وبكرا أخوه ، لاستواء أوّل الكلام وأخره ، وهو لا يجيزه ، وعلّله ابن الحاجب بأنّ الّذي ثبت في كلامهم ووجد بالاستقراء من العطف على معمولي عاملين هو المضبوط بالضابط المذكور ، فوجب أن يقتصر عليه ، ولا يقاس عليه غيره ، إذ العطف على معمولي عاملين مختلفين مطلقا خلاف الأصل ، فإن اطّرد في صورة معيّنة دون غيرها لم يقس عليها ، انتهى.

ولم يلزمه ما لزم الأعلم من تجويز الصورتين المذكورتين ، لكنّه يبقى الإشكال عليه في علّة تخصيصهم للصورة المعيّنة بالجواز دون غيرها ، وإذا كان العطف على معمولي عاملين مختلفين مخالفا للأصل فهلّا تأوّلوها كما تأوّلها (١) المانعون مطلقا حتى لا يكون تحكّما.

القول الثاني : الجواز مطلقا حكاه الفارسيّ عن جماعة وابن الحاجب عن الفرّاء ، وتمسكوا بقوله تعالى : (إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ* وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ* وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.) [الجاثية / ٥ و ٤ و ٣].

آيات الأولى منصوبة إجماعا ، لأنّها اسم إنّ ، والثانية والثالثة قرأهما حمزة والكسائيّ بالنصب ، والباقون بالرفع ، والتمسّك بالقراءتين في آيات الثالثة ، أمّا الرفع فعلى نيابة الواو مناب الابتداء وفي ، وأمّا النصب فعلى نيابتها مناب إنّ وفي ، وبقول الشاعر [من المتقارب] :

٥٦٦ ـ أكلّ امرئ تحسبين امرأ

ونار توقّد باللّيل نارا (٢)

أقام الواو مقام كلّ وتحسبين وبقولهم : ما كلّ بيضاء شحمة ، ولا سوداء تمرة بنيابتها مناب كلّ وما ، وهذا كما تراه لا يدلّ على المطلوب بتمامه ، فإنّهم لم يفرّقوا بين تقدّم المجرور وتأخّره ، والآية والبيت والمثل المجرور فيها متقدّم.

الثالث : المنع مطلقا ، وهو قول سيبويه والمبرّد وابن السراج وهشام وجماعة من متقدّمي البصريّين ، وصحّحه ابن مالك ، وعلّلوه بأنّ العاطف نائب عن العامل ، وهو ضعيف من جهة حرفيّته ، ومن جهة نيابته ، فلم يقو أن يقوم مقام عاملين ، وتأوّلوا ما أوهم الجواز ، فتأوّلوا الآية بتقدير في ، فالعمل لها ، وإنّما نابت مناب عامل واحد ، وهو

__________________

(١) سقط كما تأولها في «ح».

(٢) البيت لأبي دواد الإيادي ، واسمه جارية بن الحجاج.

٥٣٩

الابتداء أو إنّ ، وبانتصاب آيات على التوكيد للأولى ، ورفعها على تقدير مبتدأ ، أي هي آيات وعليهما فليست مقدّرة ، فتأوّلوا البيت والمثل بإضمار الجارّ ، أي وكلّ نار توقّد في اليل نارا ، ولا كلّ سوداء تمرة ، وكذا يضمرون الجارّ في كلّ صورة توهّم الجواز. قال ابن هشام : وممّا يشكل على مذهب سيبويه ومن قال بقوله قوله [من المتقارب] :

٥٦٧ ـ هوّن عليك فإنّ الأمور

بكفّ الإله مقاديرها

فليس بآتيك منهيّها

ولا قاصر عنك مأمورها (١)

لأنّ قاصر عطف على مجرور الباء ، فإن كان مأمورها عطفا على مرفوع ليس لزم العطف على معمولي عاملين ، وإن كان فاعلا بقاصر لزم عدم الارتباط بالمخبر عنه ، إذ التقدير حينئذ فليس منهيها بقاصر عنك مأمورها ، وقد أجيب بالثاني ، وأنّه لمّا كان الضمير في مأمورها عائد إلى الأمور ، كان كالعائد عن المنهيّات لدخولها في الأمور.

الرابع : الجواز إن كان أحد العالمين جارّا حرفا أو اسما سواء تقدّم المجرور المعطوف ، نحو : في الدار زيد الحجرة عمرو ، أم تأخّر ، نحو : في الدار زيد وعمرو الحجرة.

الخامس : الجواز إن تقدّم المجرور المعطوف سواء تقدّم (٢) في المعطوف عليه نحو : في الدار زيد والحجرة عمرو أم لا ، نحو : زيد في الدار والحجرة عمرو ، بخلاف ما إذا تأخّر ، نحو : في الدار زيد وعمرو الحجرة ، وهو قول الاخفش والكسائي والفرّاء والزجّاج.

السادس : الجواز في غير العوامل اللفظيّة والمنع فيها ، وغير اللفظيّة هي الابتدائيّة ، فيجوز نحو : زيد في الدار والقصر بكر ، لأنّ الابتداء رافع لزيد ولبكر ، فكان العطف على معمول واحد ويمتنع : إنّ في الدار زيدا والحجرة عمرا ، وهو قول ابن طلحة.

السابع : الجواز في غير اللفظيّة وفي اللفظيّة الزائدة ، لأنّه عارض ، والحكم للأوّل نحو : ليس زيد بعالم ولا خارج أخوه ، وما شرب من عسل ولا لبن بكر ، وإنّما يمتنع في اللفظيّة المؤثّرة لفظا ، وهذا قول ابن الطراوة ، وخرج بتقييد المسألة بمعمولي عاملين ، العطف على معمولي عامل واحد ، وعلى معمولي أكثر من عاملين.

قال ابن هشام وغيره : أجمعوا على جواز العطف على معمولي عامل واحد ، نحو : إنّ زيدا ذاهب وعمرا جالس ، وعلى معمولات عامل ، نحو : أعلم زيد عمرا بكرا

__________________

(١) هما اللأعور الشني. اللغة : هوّن : أمر من التهوين وهو عدّ الشيء يسيرا ، الكفّ هنا استعارة عن اليد أي بيد قدرته ، المنهيّ : ضد المأمور.

(٢) سقط «سواء تقدّم» في «ح».

٥٤٠

جالسا وأبو بكر خالدا سعيدا منطلقا ، وعلى منع العطف على معمولي أكثر من عاملين ، نحو : إنّ زيدا ضارب أبوه لعمرو وأخاك غلامه بكر.

التأكيد

ص : الثالث : التّأكيد وهو تابع يفيد تقرير متبوعه : أو شمول الحكم لإفراده ، وهو إمّا لفظيّ ، وهو اللفظ المكرّر ، أو معنويّ ، وألفاظه : «النفس» و «العين» ، ويطابقان المؤكّد في غير التثنية ، وهما فيها كالجمع ، تقول : جائني زيد نفسه ، والزيدان أنفسها ، والزيدون أنفسهم ، و «كلا» و «كلتا» للمثنّى ، و «كلّ» و «جميع» و «عامّة» لغيره من ذي أجزاء يصحّ افتراقها ، ولو حكما ، نحو : اشتريت العبد كلّه ، وتتّصل بضمير مطابق للمؤكّد ، وقد يتبع «كلّ» بأجمع وأخواته.

مسألتان : لا تؤكّد النكرة إلا مع الفائدة ، ومن ثمّ امتنع : رأيت رجلا نفسه ، وجاز اشتريت عبدا كلّه ، وإذا أكّد المرفوع المتّصل بارزا أو مستترا بالنّفس والعين فبعد المنفصل ، نحو : قوموا أنتم أنفسكم ، وقم أنت نفسك.

ش : «الثالث» من التوابع «التأكيد» بالهمزة وبإبدالها ألفا على القياس في نحو رأس ويقال : التوكيد أيضا ، وهو الأفصح ، «وهو تابع» ، وهذا كالجنس ، يشتمل جميع التوابع. «يفيد تقرير متبوعه» أي تقرير مفهومه ومدلوله ، «أو» تقرير «شمول الحكم لأفراده» أي أفراد المتبوع ، ومعنى التقريرها هنا أن يكون مفهوم التأكيد ومؤدّاه ثابتا في المتبوع ، ويكون لفظ المتبوع يدلّ عليه صريحا كما كان معنى نفسه ثابتا في زيد في قولك : جاءني زيد نفسه ، إذ يفهم من زيد نفس زيد ، وكذا كان معنى الشمول الّذي في كلّهم مفهوما من القوم في جاءني القوم كلّهم ، إذ لا بدّ أن يكون القوم إشارة إلى جماعة معيّنة ، فيكون حقيقة في مجموعهم ، ثمّ إنّ التاكيد يقرّر ما ثبت في المتبوع ، ودلّ عليه أي يجعله مستقرّا محقّقا ، بحيث لا يظنّ به غيره.

وبهذا خرج ما عدا المحدود من التوابع ، أمّا النعت غير التوكيديّ والعطف بالحرف فظاهر ، وأمّا النعت التوكيدي نحو (نَفْخَةٌ واحِدَةٌ) [الحاقة / ١٣] ، فإنّ واحدة وإن أفادت (١) تقرير مفهوم المتبوع ، وهو الوحدة ، لكن هذه الإفادة ليست بالوضع ، فإنّ النعت إنّما وضع للدلالة على معنى في متبوعه ، وأمّا عطف البيان فليس جميعه مدلولا عليه بلفظ المتبوع ، فزيد من نحو : جاءني العالم زيد ، لا دلالة للعالم عليه ، بل ربّما دلّ

__________________

(١) سقطت «فإنّ واحدة وإن أفادت» في «ح».

٥٤١

بعض متبوعاته عليه ، وذلك مع قلّة الاشتراك ، نحو : أقسم بالله أبو حفص عمر ، إذا فرضنا أنّه ليس هناك ممن سمّي بأبي حفص إلا اثنان أو ثلاثة ، كذا قيل.

وفي دلالة المتبوع عليه في هذا أيضا نظر ، فإنّ دلالته عليه أنّما استفيدت من خارج ، وهو علم المخاطب أو السامع بوضع هذه الكنيه لمسمّى هذا الاسم ، وإلا فأبو حفض مثلا لا يدلّ على عمر من حيث هو متبوع ، وأمّا البدل فمتبوعه غير مقصود ، فلا يكون تقريره مقصودا ، وقولهم : إنّ الإبدال للتقرير ، معناه أنّه لتقرير ما صدق البدل عليه لا بتقرير المتبوع من حيث هو متبوع.

تنبيه : قوله : «أو شمول الحكم لأفراده» ليس للإحتراز به عن شيء ، بل لبيان فائدة التوكيد. فتقرير المتبوع مقرّرا في ذهن السامع بإزالة غفلته عن سماع اللفظ ، أو بإزالة توهّمه كون ذكر المتبوع غلطا ، أو كونه بمعناه المجازي ، سواء كان منسوبا أو منسوبا إليه ، وتقرير شمول الحكم لأفراده جعله مقرّرا في ذهن السامع بإزالة توهّم أنّ الحكم أنّما هو على بعض أفراد المتبوع ، وحكم على الكلّ تجوّزا لعدم الاعتداد بمن لم يجئ منهم ، فإذا أكّد زال توهّم المجاز ، وثبت الحقيقة ، وسيأتي بيان ما يرفع به كلّ من هذه التوهّمات من ألفاظ التوكيد ، ولا يخف أنّ قوله : «يفيد تقرير المتبوع» يغني عن ذكر الشمول ، لظهور إن جاء القوم كلّهم ، يفيد تقرير المتبوع بإزالة توهّم كون المراد بالقوم بعضهم ، فذكره أنّما هو زيادة توضيح.

التوكيد اللفظيّ والمعنويّ : «وهو» أي التوكيد «إمّا لفظيّ وهو» أي التأكيد اللفظيّ «اللفظ المكرّر» بعينه ، نحو : جاء زيد زيد ، أو بموافقة في المعنى ، نحو : حقيق جدير ، و: (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) [البقرة / ٣٥] ، أو في الزنة ، وإن لم يكن له في حال الإفراد معنى ، بل ضمّ إلى الأوّل لتزيين الكلام لفظا وتقويته معنى ، نحو : حسن بسن وشيطان ليطان. ويجب التأكيد اللفظيّ عند إرادة المتكلّم دفع ضرر غفلة السامع وظنّه به الغلط ، ولا يجدي هاهنا التأكيد المعنويّ ، لأنّك لو قلت : ضرب زيد نفسه ، فربّما ظنّ بك أنّك أردت ضرب عمرو ، فقلت نفسه ، بناء على أنّ المذكور عمرو ، وكذا إن ظننت به الغفلة عن سماع لفظ زيد يجب أيضا عند إرادته دفع ظنّ السامع به التجوّز في المنسوب ، نحو : زيد قتيل قتيل ، دفعا لتوهّم السامع أنّ المراد بالقتل الضرب الشديد ، وأمّا عند إرادته دفع ظنّه به التجوّز في المنسوب إليه فيجوز اللفظيّ ، نحو : ضرب زيد زيد ، أي ضرب هو ، لا من يقوم مقامه ، والمعنويّ كما سيأتي.

٥٤٢

تنبيهات : الأوّل : إنّ التأكيد اللفظيّ يجرى في الاسم ظاهرا كما مرّ ، ومضمرا كما قام إلا أنت أنت ، وفي الفعل بإعادة لفظه ، نحو : قام زيد ، أو بمرادفه ، نحو : صمت سكت زيد ، وفي الحرف كذلك ، نحو : نعم نعم وقوله [من الطويل] :

٥٦٨ ـ ...

أجل جير إن كانت أبيحت دعاثره (١)

وفي الجملة كقوله [من الهزج] :

٥٦٩ ـ أيا من لست أقلاه

ولا في البعد أنساه

لك الله على ذاك

لك الله لك الله (٢)

فإن كان المؤكّد ضميرا متّصلا أو حرفا غير جواب لم يعد اختيارا إلا مع ما دخل عليه ، نحو : قمت قمت ، أكرمتك أكرمتك ، مررت به مررت به ، إنّ زيدا إنّ زيدا قائم ، أو إنّ زيدا إنّه قائم ، أو مفصولا بفاصل ، ولو حرف عطف أو وقف ، كقوله [من الخفيف] :

٥٧٠ ـ ليت شعري هل ثمّ هل آتينهم (٣)

وقوله [من الرجز] :

٥٧١ ـ لا ينسك الأسى تأسّيا فما

ما من حمام أحد معتصما (٤)

ولا يجوز إعادته وحده دون فصل إلا ضرورة ، كقوله [من الوافر] :

٥٧٢ ـ فلا والله لا يلفي لما بي

ولا للما بهم أبدا دواء (٥)

أجاز الزمخشريّ وابن هشام والرضيّ نحو : إنّ إنّ زيدا قائم ، قال ابن مالك : وهو مردود لعدم إمام يستند إليه ، أو سماع يعتمد عليه ، ولا حجّة في قوله [من الخفيف] :

٥٧٣ ـ إنّ إنّ الكريم يحلم ما لم

يرين من أجاره قد ضيما (٦)

فإنّه من الضرورات.

أمّا أحرف الجواب فتعاد وحدها ، نحو : لا لا ، نعم نعم ، والأجود إعادة الجارّ مع الظاهر أو ضميره نحو : مررت بزيد بزيد ، وقوله تعالى : (فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها) [هود / ١٠٨] ، (فَفِي رَحْمَتِ اللهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) [آل عمران / ١٠٧].

__________________

(١) صدره : «وقلن على الفردوس اوّل مشرب» ، وهو لمضرس بن ربعي. اللغة : الفردوس : ماء لبني تميم ، وهو اسم لأعلى مكان في الجنّة ، المشرب : اسم مكان من الشرب ، أجل وجير : حرفا جواب ، أبيحت : حلّلت ، سمح بها ، الدعاثر : جمع دعثور وهو الحوض المتهدّم.

(٢) البيتان بلا نسبة. اللغة : أقلاه : أبغضه وأهجره.

(٣) تمامه «أو يحولنّ من دون ذاك حمام» ، وهو للكميت بن معروف. اللغة : الحمام : المؤنّث.

(٤) لم يذكر قائله. اللغة : الأسى : الحزن ، الحمام : الموت

(٥) هو لمسلم بن معبد الوالبي. اللغة : يلفي : مجهول من ألفيته بمعنى وجدته ، واللام الثانية في للما لتأكيد اللام الأولى.

(٦) لم يعيّن قائله. اللغة : أجاره : حكاء وأنقذه ، ضيم : مبني للمجهول من ضامه ضيما : ظلمه.

٥٤٣

والأكثر اقتران الجملة المؤكّدة بعاطف ، وهو ثمّ خاصّة كما في الإرتشاف ، نحو : (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ) [النبا / ٥ و ٤] ، ويأتي بدونه نحو قوله (ص) : والله لأغزونّ قريشا والله لأغزونّ قريشا (١). ويجب ترك العاطف عند إيهام التعدّد ، نحو : ضربت زيدا ، إذ لو قيل : ثمّ ضربت زيدا لتوهّم أنّ الضرب وجد مرّتين ، وتراخت إحداهما عن الأخرى ، والغرض أنّه لم يقع إلا مرّة واحدة.

فإن قلت : إذا قرن المؤكّد بالعاطف ، فهل يكون توكيدا أو عطف نسق؟ قلت : النّحويّون على أنّه عطف نسق وإن أفاد التوكيد ، وزعم ابن مالك أنّه توكيد لفظيّ ، اغتفر فيه الفصل بالعاطف ، كذا قال ابن عادل (٢) في تفسيره. أقول : والصواب ما ذهب إليه ابن مالك ، فإنّ العطف في ذلك نظير العطف في الأوصاف المتعدّدة ، وقد مرّ أنّ إطلاق العطف عليها مجاز ، فيكون هنا كذلك ، وان كان المؤكّد هنا اسما ظاهرا أو ضميرا منصوبا منفصلا ، فيتكرّر بحسب الإرادة بلا شرط ، نحو قوله (ص) : أيّما امراة نكحت نفسها بغير وليّ فنكاحها باطل باطل باطل (٣) ، وقوله تعالى [من الطويل] :

٥٧٤ ـ وإيّاك إيّاك المراء فإنّه

إلى الشّرّ دعّاء وللشّرّ جالب (٤)

وإن كان ضميرا منفصلا مرفوعا جاز أن يؤكّد به كلّ ضمير متّصل ، مرفوعا كان أو منصوبا أو مجرورا مع طبقة في التّكلّم والإفراد والتذكير وأضدادها ، كقمت أنا ، وأكرمتني أنا ، وضربتك أنت ، وضربته هو ، ومررت بك أنت ، وبه هو ، وهكذا ، وأجاز بعضهم توكيد المنفصل بالإشارة ، وجعل منه (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ) [البقرة / ٨٥].

الثاني : لا يزيد تكرار اللفظ في التوكيد على ثلاث مرّات ، قال الشيخ عز الدين بن عبد السّلام (٥) : اتّفق الأدباء على أنّ التأكيد في لسان العرب إذا وقع بالتكرار لا يزيد على ثلاث مرّات قال : وأمّا قوله تعالى في سورة المرسلات (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) [المرسلات / ١٥] ، في جميع السورة ، فذلك ليس بتوكيد ، بل كلّ آية قيل فيها : (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) في هذه السورة ، فالمراد المكذّبون بما تقدّم ذكره قبيل هذا القول ، ثمّ يذكر الله معنى آخر ، ويقول : (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ،) أي بهذا ، فلا يجتمعان على معنى واحد فلا تاكيد (٦). وكذلك (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) [الرحمن / ١٣] ، في سورة الرحمن.

__________________

(١) سنن أبي داود ، ص ٦٢٥ ، رقم ٣٢٨٥.

(٢) لم أجد ترجمة حياته.

(٣) الترمذي ، ٣ / ٤٠٨ ، رقم ١١٠٢.

(٤) هو للفضل بن عبد الرحمن. اللغة : المراء : الممّاراة والجدل.

(٥) لم أقع على ترجمه له.

(٦) سقطت «فلا تاكيد» في «ح».

٥٤٤

التوكيد المعنويّ وألفاظه : «أو معنويّ» ، هذا قسيم قوله إما لفظيّ ، وإنّما أخّره ، وان كان هو المعتدّ به في التوابع ، كما قال ابن عقيل لطول الكلام فيه ، «وألفاظه» محصورة ، وهي «النفس والعين» ، ويكونان لدفع المتكلّم ظنّ السامع به تجوّزا في المنسوب إليه ، فإنّه إذا قيل : قطع الأمير اللصّ ، احتمل أن يكون باشر قطعه ، وهو المعنى الحقيقيّ ، وأن يكون أمر بقطعه (١) ، ونسب إليه لكونه سبب أمر ، أو هو المعنى المجازيّ ، فإذا قيل : نفسه أو عينه ، ارتفع ظنّ التجوّز ، وثبت الحقيقة.

تنبيه : محلّ كون النفس والعين من ألفاظ التوكيد إذا أريد بهما الحقيقة ، فلو أريد بالنفس الدم ، وبالعين الجارية المخصوصة ، نحو : أرقت زيدا نفسه ، وطرفت زيدا عينه ، لم يكونا من التوكيد ، بل بدل بعض من كلّ ، وهو ظاهر.

«ويطابقان المؤكّد في غير التثنية» وهو الإفراد والجمع «وهما» أي النفس والعين «فيها» أي في التثنية «كالجمع» فيجمعان في توكيد الاثنين ، كما يجمعان في توكيد الجماعة ، تقول : جاء زيد نفسه أو عينه ، وجاءت هند نفسها أو عينها ، والزيدان أنفسهما أو أعينهما ، والهندان أنفسهما أو أعينهما ، والزيدون أنفسهم أو أعينهم ، والهندات أنفسهن أو أعينهنّ.

تنبيهات : الأوّل : ما جزم به من وجوب جمع النفس والعين في توكيد الاثنين هو ما صرّح به ابن مالك في التسهيل ، وجزم به ابن هشام في القطر ، وصرّح به بعضهم بجواز الأوجه الثلاثة ، وبه جزم ابن هشام في شرح الشذور ، قال : إذا أكّد المثنّى بالنفس والعين ففيهما ثلاث لغات : أفصحها الجمع ، ودونه الأفراد ، ودون الإفراد التثنية ، وهي الأوجه الجائزة في قطعت رؤوس الكبشين ، انتهى.

وإنّما أخّرت التثنية لكراهة اجتماع تثنيّتين فيما هو كالكلمة الواحدة ، واختير الجمع على الافراد ، لأنّ التثنية جمع في المعنى. وجوّز ابن مالك وولده تثنية النفس والعين في توكيد الاثنين ، نحو : قام الزيدان نفساهما وعيناهما ، ومنع ذلك أبو حيّان ، وقال : إنّه غلط ، لم يقل به أحد من النّحويّين ، انتهى. وفي شرح الكافية للرضيّ ، وقد يقال : نفساهما وعيناهما على ما حكى ابن كيسان عن بعض العرب.

الثاني : مثل النفس والعين في جوازه الأوجه الثلاثة (٢) ما أضيف إلى متضمّنه ، وهو مثنى لفظا ، نحو : قطعت رؤوس الكبشين ، أي رأساهما ، أو معنى ، كقوله [من الطويل] :

__________________

(١) لم يقطعه «ح».

(٢) في جواز الإضافة «ح».

٥٤٥

٥٧٥ ـ ...

كفاغري الأفواه عند عرين (١)

أي كأسدين فاغرين أفواههما عند عرينهما ، فإنّ مثل ذلك ورد فيه الجمع والإفراد والتثنية ، فمن الأوّل ، نحو : (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) [التحريم / ٤] ، وقراءة ابن مسعود : السارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما [المائدة / ٣٨] ، ومن الإفراد : (بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما) [الأعراف / ٢٢] ، ومن التثنية قراءة الجمهور : سوءاتاهما.

وطرد ابن مالك قياس الجمع والإفراد أيضا لمفهم المعنى ، وخصّ الجمهور القياس بالجمع ، وقصروا الإفراد على ما ورد ، وإنّما وافق الجمهور على قياس الجمع كراهة اجتماع التثنيتين مع فهم المعنى ، ولذلك شرط أن لا يكون لكلّ واحد من المضاف إليه إلا شيء واحد ، لأنّه إذا كان له أكثر التبس ، فلا يجوز في قطعت أذني الزيدين الإتيان بالجمع ولا الإفراد للإلباس.

الثالث : لا تجمع النفس والعين في التأكيد إلا جمع قلّة ، فلا يؤكّد بنفوس ولا بعيون ، قال المراديّ في شرح التسهيل ، وينبغي أن يقيّد جمع القلّة بأفعل ، فإنّ عينا جمع على أعيان ، ولا يؤكّد به ، واعترضه الدمامينيّ بأنّ في شرح العمدة لابن مالك وفي شرح المفصّل ونهاية ابن الخباز جواز أعيان في هذا الباب.

الرابع : يجوز الجمع بين النفس والعين ، ويجب تقديم النفس على الأصحّ ، كجاء زيد نفسه عينه بخلاف عكسه ، فإنّ النفس هي الذات حقيقة ، والعين مستعارة لها عن الجارحة المخصوصة. قال بعض المتأخّرين : وفي استعارة العين للنفس نظر ، فتأمّل.

الخامس : يجوز أن تزاد الباء فيهما ، كجاء زيد بنفسه وبعينه. ولا يجوز ذلك في غيرهما من ألفاظ التوكيد ، فأمّا جاؤوا بأجمعهم فليس من التوكيد ، لأنّ الباء لازمة ، ولأنّه بالضمير ، ولو كان توكيدا ، لكان الباء زائدة ، وكان يصحّ إسقاطها ، وكان وروده بدونها غالبا وبدون الضمير واجبا ، وإنّما هو بضمّ الميم لا بفتحها ، وهو جمع لقولك (٢) جمع على حدّ قولهم فلس وأفلس ، والمعنى جاؤوا بجماعتهم ، وخرّج بعضهم على زيادة الباء قوله تعالى : (وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ) [البقرة / ٢٢٨] ، وفيه نظر ، وسيأتي بيانه.

__________________

(١) صدره «رأيت بني البكريّ في حومة الوغى» ، ولم يعين قائلة ، اللغة : الوغي : الحرب ، فاغري الأفوه : فاتحي الأفواه جمع الفم ، العرين : مأوى الاسد.

(٢) سقط جمع لقولك في «ح».

٥٤٦

كلا وكلتا : «وكلا وكلتا للمثنّى» مذكّرا أو مؤنّثا ، ويكونان لتقرير شمول الحكم عند إرادة المتكلّم دفع ظنّ السامع به تجوّزا في الحكم على مدلول المتبوع المتعدّد ، وإنّما المراد بعضه ، نحو : جاء الرجلان كلاهما والمرأتان كلتاهما.

قال التفتازانيّ : وفي كون نحو ذلك لدفع توهّم عدم الشمول نظر ، لأنّ المثنّى نصّ في مدلوله لا يطلق على الواحد أصلا ، فلا يتوهّم فيه عدم الشمول ، أللهمّ إلا أن يقال : إنّ الفعل الصادر عن أحد المتصاحبين قد ينسب إليهما ، كما في قوله تعالى : (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) [الرحمن / ٢٢] ، وإنّما يخرجان من الملح الأجاج دون العذب الفرات ، فالتأكيد بكلاهما دفع مثل هذا ، انتهى.

ومنعه إطلاق المثنّى على الواحد ممنوع ، فإنّ العرب كثيرا ما تطلقه عليه مجازا ، ألا ترى إلى قول الشاعر [من الكامل] :

٥٧٦ ـ فجعلن مدفع عاقلين أيامنا

وجعلن أمعز رامتين شمالا (١)

فأطلق عاقلين ورامتين على جبل عاقل ورامة مجازا ، كذا قيل.

قلت : وفيه نظر ، إنّه لم يطلق عاقلين على عاقل ورامتين على رامة من غير اعتبار شيء آخر مع كلّ منهما ، بل الظاهر أنّه سمّي ما حول عاقل ورامة عاقلا ورامة ، ثمّ أطلق عليها عاقلين ورامتين من باب تغليب كالعمرين والقمرين كما قالوه في قول الفرزدق [من الطويل] :

٥٧٧ ـ عشيّة سال المربدان كلاهما

 ... (٢)

قالوا : إنّما هو مريد واحد ، لكنّه جعله وما حوله مربدين مجازا ، فلا حجّة في البيت على إطلاق المثنّى على الواحد ، فتدبّر.

تنبيهات : الأوّل : كما يؤكّد بكلا وكلتا المثنّى ، يؤكّد بهما في معناه ، نحو : جاء زيد وعمر كلاهما ، وزينب وهند كلتاهما ، فلو قال : وكلا وكلتا للاثنين بدل قوله للمثنّى ، لكان أولى.

الثاني : ذهب الفرّاء والفارسيّ وهشام إلى أنّ كلا وكلتا لا يؤكّدان ما لا يصلح في محلّه واحد ، فلا يجوز أن يقال : اختصم الزيدان كلاهما ، لأنّه لا يحتمل أن يكون المراد اختصم أحد الزيدين ، فلا فائدة في التوكيد.

__________________

(١) هو لجرير. اللغة : عاقل : جبل ، رامة : اسم موضع.

(٢) تمامه «سحابة يوم بالسيوف الصوارم» ، اللغة : المربد : الموضع الّذي تحبس فيه الابل وغيرها ، سحابة يوم : طوله ، الصوارم : جمع الصارم أي : القاطع.

٥٤٧

وذهب الجمهور إلى الجواز ، وتبعهم ابن مالك في التسهيل ، واختلف النقل عن الأخفش ، واحتجّ المجيز بأنّ العرب قد تأتي بالتوكيد حيث لا احتمال ، نحو : جاء القوم كلّهم أجمعون أكتعون ، فالتأكيد بأجمع واكتع بعد كلّ لا يرفع بهما احتمال لرفعه بكلّ. قال أبو حيّان : والجواب أنّ المعنى إذا كان يفيده اللفظ حقيقة ، فلا حاجة للفظ آخر يؤكّده ، إلا إذا قوي برواية من العرب ، ولم يسمع من العرب التوكيد في ذلك.

الثالث : يشترط في التوكيد بهما اتّحاد معنى المسند ، فلا يجوز : مات زيد وعاش عمرو كلاهما. وهل يجوز اختلاف لفظه مع اتّحاد معناه ، نحو : ذهب زيد وانطلق عمرو كلاهما ، جزم بجواز ذلك ابن مالك تبعا للأخفش. وقال أبو حيّان : إنّه يحتاج إلى صريح سماع من كلامهم ، حتى يصير قانونا يبني عليه ، والّذي تقتضيه القواعد المنع ، لأنّه لا يجتمع عاملان على معمول واحد فلا يجتمعان على تابعه.

الرابع : قال ابن هشام : الظاهر أنّ التوكيد يبعد إرادة المجاز ، ولا يرفعها ألبتّة ، ولهذا يتأتّي الإتيان بألفاظ متعدّدة ، ولو صار بالأوّل نصّا لم يؤكّد كما لا يقال : اختصم الزيدان كلاهما ، ألا ترى إلى قول الفرزدق [من الطويل] :

٥٧٨ ـ عشيّة سال المربدان كلاهما

 ... (١)

وإنّما هو مريد واحد ، فجعله وما حوله مريدين مجازا ، فعلم أنّ التؤكيد لا يمنع أن يكون في المؤكدّ مجازا ما ، انتهى.

قلت : وفيه نظر ، أمّا نحو : اختصم الزيدان كلاهما ، فقد علمت أن الجمهور على جوازه ، وأمّا قول الفرزدق فليس المراد بالتوكيد فيه رفع إرادة المجاز في نفس المؤكّد ، بل رفع إرادته في نسبة الفعل إلى مدلول المؤكّد المتعدّد ، فإنّ التأكيد بكلاهما فيه إفادة شمول الحكم بالسيلان للمريد وما حوله ألبتّة ، فاندفع توهّم أنّ السائل إنّما هو المريد وحده ، لكنّه حكم بالسيلان عليه وعلى ما حوله مجازا ، وهذا نظير قولك : جاء العمران كلاهما ، وكسف القمران كلاهما ، وأمّا إرادة المجاز في المؤكّد نفسه فهي مقصودة للمتكلّم ، فكيف يرفعها.

التوكيد بكلّ وجميع وعامّة : «وكلّ وجميع وعامّة لغيره» أي لغير المثنّى «من ذي أجزاء» ، مفردا كان أو جمعا ، قال بعضهم : إذ الكلّية والاجتماع لا يتحقّقان إلا فيه ، و

__________________

(١) تقدم برقم ٥٧٧.

٥٤٨

لا حاجة إلى ذكر الأفراد ، لأنّ الكلّي ما لم يلحظ إفراده مجتمعة ، ولم تصر أجزاء لا يصحّ تأكيده بكلّ وجميع ، انتهى.

«يصحّ افتراقها» أي الأجزاء ، نحو : جاء القوم كلّهم أو جميعهم أو عامّتهم. فالقوم ذو أجزاء يصحّ افتراقها ، وهي زيد وعمرو وبكر وغيرهم. ولا يجب صحّة افتراقها حسّا كهذا المثال ، بل صحّته «ولو» كان «حكما ، نحو : اشتريت العبد كلّه» أو جميعه أو عامّته ، فالعبد ذو أجزاء ، يصحّ افتراقها باعتبار الشراء مثلا ، وإن لم يصحّ افتراقها باعتبار ذاته ، بخلاف جاء زيد كلّه ، فإنّه لا يصحّ افتراق أجزائه ، لا حسّا ولا حكما ، وإنّما يؤكّد بهذه الألفاظ ذو أجزاء كذلك ، لأنّها إنّما تكون لتقرير الشمول الحكم ، فما لم يكن المؤكّد كذلك لم يمكن توهّم أنّ المراد الحكم على البعض ، وإنّما حكم على الكلّ تجوّزا.

«وتتّصل» أي ألفاظ التوكيد المعنويّ «بضمير» عائد إلى المؤكّد لفظا ، ليحصل الربط بين التابع والمتبوع «مطابق للمؤكّد» في تذكيره وتأنيثه وإفراده ، نحو : جاء زيد نفسه ، وهند نفسها ، والزيدان كلاهما والهندان كلتاهما والزيدون كلّهم والهندات كلّهنّ كذا والباقي.

فليس من التوكيد «جميعا» في قوله تعالى : (خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) [البقرة / ٢٩] ، خلافا لمن وهم ، ولا من التؤكيد بكلّ قراءة بعضهم : إنا كلا فيها [غافر / ٤٨] ، خلافا للفرّاء والزمخشريّ لعدم الضمير فيها ، بل الصواب أنّ جميعا حال من ما الموصولة ، وكلّا بدل من اسم إنّ ، وإبدال الظاهر من ضمير الحاضر بدل كلّ جائز ، إذا كان مفيدا للاحاطة ، نحو : قمتم ثلاثتكم ، وبدل الكلّ لا يحتاج إلى الضمير.

ويجوز في كلّ أن تلي العوامل إذا لم تتّصل بالضمير ، نحو : جاءني كلّ القوم. ويجوز مجيئها بدلا بخلاف جاءني كلّهم ، فلا يجوز إلا في الضرورة ، وخرّجها ابن مالك أنّ كلّا حال من ضمير الظرف ، وفيه ضعفان : تنكير كلّ بقطعها عن الإضافة لفظا ومعنى ، وهو نادر كقول بعضهم : مررت بهم كلّا ، أي جميعا ، وتقديم الحال على عاملها الظرفيّ ، قاله ابن هشام في المغني.

تنبيه : التوكيد بجميع وعامّة غريب ، ولذلك أهملهما أكثر المصنّفين ، ومن التوكيد بجميع قول امرأة من العرب ترقص ولدها [من الرجز] :

٥٧٩ ـ فداك حيّ خولان

جميعهم وهمدان

والتاء في عامّة لازمة بمترلة هاء في نافلة فتصلح مع المذكّر والمؤنّث ، تقول : اشتريت الأمة عامّتها ، والعبد عامّته ، كما قال تعالى : (وَيَعْقُوبَ نافِلَةً) [الأنبياء / ٧٢] ،

٥٤٩

وفي الإفصاح (١) أنّ المبرّد يفسّر عامّة بأكثر لا بجميع ، فعلى هذا تكون بدل بعض من كلّ لا توكيد ، وتفيد تخصيصا لا تعميما ، وقد يكون جميع بمعنى مجتمع ضدّ مفترق ، فلا تفيد توكيدا كقوله [من الطويل] :

٥٨٠ ـ ...

نهيتك عن هذا وأنت جميع (٢)

«وقد يتبع» عند إرادة تقوية التوكيد «كلّ بأجمع وأخواته» وهي أكتع وأبصع حال كونها مطابقة للمؤكّد في التذكير والتأنيث والإفراد والجمع ، فيقال : اشتريت العبد كلّه أجمع أكتع أبصع أتبع ، والأمة كلّها جمعاء كتعاء بصعاء بتعاء ، وجاء القوم كلّهم أجمعون أكتعون أبصعون أبتعون ، والنساء كلّهنّ جمع كتع بصع بتع.

وأمّا التثنية فقضية إطلاقه أنّها تطابقه فيها أيضا ، وهو مذهب الأخفش والكوفيّون. قال ابن خروف : ومن منع التثنية فقد تكلّف ، وادّعى ما لا دليل عليه ، والمنع مذهب جمهور البصريّين. قال ابن هشام : وهو الصحيح ، لأنّه لم يسمع ، وفي الهمع ، وممّا لا يثنّى لتعريفه أجمع وجمعاء في التوكيد وأخوته خلافا للكوفيّين.

تنبيهات : الأوّل : الجمهور على أنّه لا يؤكّد بأجمع دون كلّ اختيارا ، كما قال أبو حيّان : جوازه لكثرة وروده في القرآن والكلام الفصيح ، كقوله تعالى : (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) [الحجر / ٣٩] (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) [الحجر / ٤٣] ، (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [هود / ١١٩].

وفي الحديث : فله سلبه أجمع ، فصلّوا جلوسا أجمعين (٣). قال أبو حيّان : ولا يقال : دليل المنع وجوب تقديم كلّ عند الاجتماع ، لأنّ النفس يجب تقديمها على العين إذا اجتمعا ، ويجوز التأكيد بالعين على الانفراد ، قاله في الهمع.

الثاني : لا يؤكّد بأخوات أجمع دونه عند الجمهور ، وجوّزه الكوفيّون وابن كيسان محتجّين بقول الشاعر [من الطويل] :

٥٨١ ـ ...

وسائره باد إلى الشّمس أكتع (٤)

وقول الراجز [من الرجز] :

__________________

(١) هناك كتابان باسم الإفصاح حول النحو : الأوّل الإفصاح في غوامض الإيضاح لأبي الحسن الفارسيّ ، والثاني الإفصاح في إعراب الكافية لواحد من علماء الدولة المرادية. كشف الظنون ١ / ٢١٣ و ٢ / ١٣٧٣.

(٢) صدره «فقدتك من نفس شعّاع فإنّني» ، وهو لقيس بن معاذ وهو مجنون بني عامر.

(٣) سنن أبي داود ، ص ٤٩٦ ، رقم ٢٦٥٤.

(٤) صدره «ترى الثور فيها مدخل الظّل رأسه» ، ولم يسمّ قائله. اللغة : باد : اسم الفاعل من بدا ا بمعنى ظهر.

٥٥٠

٥٨٢ ـ ...

تحملني الذّلفاء حولا أكتعا (١)

وقول أعشي ربيعة (٢) [من الوافر] :

٥٨٣ ـ تولّوا بالدّوابر واتّقونا

بنعمان بن زرعة أكتعينا (٣)

وحمله المانعون على الضرورة.

الثالث : اختلف في هذه الكلمات عند اجتماعها ، هل كلّ منها توكيد لما قبله ، أم جميعها توكيد للمؤكّد الأوّل؟ قال الرضيّ ، قال ابن برهان (٤) : إذا قلت : جاءني القوم كلّهم أجمعون اكتعون أبصعون أتبعون ، كلّهم تأكيد للقوم ، وأجمعون تاكيد لكلّهم ، وكذا البواقي ، كلّ واحد منها توكيد لما قبله ، وقال غيره : بل كلّها تأكيد للمؤكد الأوّل كالصفات المتتالية ، انتهى. قلت : ويفهم من كلام بعض النحاة قول ثالث ، وهو أنّ أجمعين توكيد لما قبله وما بعده جمعه توكيد له.

الرابع : قال ابن هشام في شرح الملحة : يجوز أن يجمع بين جميع ألفاظ التوكيد في تركيب واحد ، وذلك للمبالغة في التأكيد ، وما أظنّ العرب فاهت بجميع الجميع ، وإنّما هذا قياس من النّحويّين ، انتهى. وقال في تذكرته نقلا عن ابن عصفور : إذا اجتمعت ألفاظ التوكيد بدأت بالنفس والعين فأجمع وأكتع وأبصع وأبتع ، وأنت مخيّر بين أبصع وأبتع ، فأيّهما شيءت قدّمته ، فإن حذفت النفس ، أتيت بما بعدها مرتّبا ، أو العين فكذلك ، أو أجمع ، لم تأت بأكتع وما بعده ، لأنّ ذلك توكيد لا جمع ، فلا يؤتى بدونها ، انتهى.

وقال الرضيّ : المشهور أنّك إذا أردت ذكر أخوات أجمع وجب الابتداء بأجمع ، ثمّ تجئ بأخواته على هذا الترتيب أجمع أكتع أبصع ، ولا خلاف أنّه لا يجوز تأخير أجمع عن أخواته. وقال ابن كيسان : تبدأ بأيّهنّ شيءت بعد أجمع ، انتهى.

الخامس : قال بعضهم : أخوات أجمع تابعة لها على معنى أنّها إذا أفردت دونها لم يكن لها معنى ، نحو : حسن بسن وشيطان ليطان ، والأكثرون على أنّ أكتع مأخوذ من

__________________

(١) صدره «يا ليتني كنت صبيّا مرضعا» ، ولا يعلم قائله. اللغة : الذلفاء : أصله وصف لمؤنث الأذلف ، وهو مأخوذ من الذلف وهو صغر الأنف واستواء الأرنبة ، ثمّ نقل إلى العلمية فسم      

(٢) أعشى ربيعة (٨٥ ه‍ / ٧٠٤ م) : هو عبد الله بن خارجة من شيبان ، كان شديد التعصب لبني أميّة ، وشعره فيهم صادق العاطفة. سهل الاسلوب. تعصف فيه الغيرة على سلطانهم والثورة على خصومهم. الجامع في تاريخ الأدب العربي ، ١ / ٥٠٣.

(٣) اللغة : الدوابر : جمع الدابر : آخر السهام.

(٤) عبد الواحد بن على بن عمر بن إسحاق بن إبراهيم بن برهان ، صاحب العربية واللغة والتواريخ ، ومات سنة ٤٥٦ ه‍ ق. بغية الوعاة ، ٢ / ١٢٠.

٥٥١

حول كتيع ، أي تامّ ، وأبصع من تبصّع العرق ، أي سال. قال الرضيّ : والمشهور أبصع بالصاد المهملة. وقيل : أبضع بالضاد المعجمة ، انتهى.

وفي القاموس تبضّع العرق ، وتبصّع وبالعجمة أصحّ ، وأتبع من التبع بالتحريك ، وتقديم الباء الموحّدة على التاء المثنّاة من فوق ، وهو طول العنق مع شدّة مغرزها. قال بعضهم : ويمكن استنباطات مناسبات خفيّة بين هذه المعاني ومعناها التوكيديّ بالتأمّل الصادق.

السادس : الجمهور على أنّه لا تعرض في أجمعين إلى اتّحاد وقت الفعل ، بل معناه ومعنى كلّ سواء ، وذهب الفرّاء والزجّاج والمازنيّ والمبرّد إلى أنّه يفيد مع التوكيد الاجتماع في وقت الفعل ، فإذا قيل : قام القوم كلّهم ، احتمل قيامهم مجتمعين ومتفرقين ، وإذا قيل : أجمعون أفاد أنّ قيامهم في وقت واحد ، وأنّ هذا هو السبب في ذكر أجمعين بعد كلّ في الآية ، وردّ بقوله تعالى : (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) [الحجر / ٣٩] ، فإنّ إغواء الشيطان لهم ليس في وقت واحد.

قال بعض المحقّقين : ومن قال بإفادة الاجتماع لاحظ أنّه بحسب أصل الاشتقاق يدلّ على الاجتماع ، فلا يبعد قصد ذلك المعنى مع قصد المبالغة تكثيرا للفائدة ، انتهى. وهذا التوجيه لا يسمن ولا يغني من جوع ، ومن توهّمه جوابا عن الردّ عليهم بنحو آيه الاغواء فقد أغرب.

السابع : ألفاظ التوكيد معارف ، أمّا ما أضيف إلى الضمير فظاهر ، وأمّا أجمع وتوابعه ففي تعريفه قولان : أحدهما أنّه بنيّة الإضافة ، ونسب إلى سيبويه والثاني : أنّه بالعلمية علّق على معنى الإحاطة. قال محمد بن مسعود الغزني (١) في البديع : وتعريفها كتعريف أسامة ، انتهى. ولكون هذه الألفاظ معارف منع البصريّون نصبها على الحال ، قاله المراديّ في شرح الألفية.

هاتان «مسألتان» ، الأولى : «لا تؤكّد النكرة» بالتوكيد المعنويّ «إلا مع الفائدة». هذا ما ذهب إليه الكوفيّون والأخفش ، واختاره ابن مالك في جميع كتبه لصحة السماع به ، ولأنّ فيه فائدة ، لأنّ من قال : صمت شهرا ، قد يريد جميع الشهر ، وقد يريد أكثره ، ففي قوله احتمال ، يرفعه التوكيد. قال ابن هشام في الأوضح : وهذا المذهب هو الصحيح.

__________________

(١) محمد بن مسعود الغزنيّ المتوفى سنة ٤٢١ ه‍ سمّاه ابن هشام ابن الزكي ، صاحب كتاب البديع في النحو. بغية الوعاة ١ / ٢٤٥.

٥٥٢

«ومن ثمّ» أي من أجل اشتراط الفائدة في توكيد النكرة «امتنع رأيت رجلا نفسه» لعدم الفائدة ، «وجاز اشتريت عبدا كلّه» ، وصمت حولا كلّه ، لحصول الفائدة ، فإنّ الشراء قد يتعلّق ببعض العبد ، والصوم قد يتعلّق ببعض الحول ، فالتوكيد يرفع احتمال ذلك ، قال الرضيّ : فعلى هذا لا يشترط تطابق التأكيد والمؤكّد تعريفا وتنكيرا عندهم خلافا للبصريّين ، انتهى.

والمنع مطلقا مذهب جمهور البصريّين ، قالوا : لأنّ ألفاظ التوكيد معارف ، فلا تجرى على النكرات ، واحتجّ المجيزون بالسماع كقول الراجز [من الرجز] :

٥٨٤ ـ يا ليتني كنت صبيّا مرضعا

تحملني الذلفاء حولا أكتعا (١)

وقول الآخر [من الرجز] :

٥٨٥ ـ ...

قد صرّت البكرة يوما أجمعا (٢)

وقول الآخر [من السريع] :

٥٨٦ ـ نلبث حولا كاملا كلّه

 ... (٣)

وقوله [من البسيط] :

٥٨٧ ـ لكنّه شاقه أن قيل ذا رجب

يا ليت عدّة حول كلّه رجب (٤)

قال ابن مالك : لو لم ينقل استعماله عن العرب لكان جديرا بأن يستعمل قياسا ، فكيف به واستعماله ثابت ، انتهى. قال [السيوطيّ] في الهمع : والمانعون مطلقا يجيبون عما ورد من ذلك بأنّه محمول على البدل أو النعت أو الضرورة ، انتهى. وينبغي أن يقال : أو الشذوذ ليشمل ما جاء في الاختيار كقول عايشة : ما رأيت رسول الله (ص) صام شهرا كلّه إلا رمضان.

تنبيهات : الأوّل : قال غير واحد : تحصل الفائدة في توكيد النكرة بأن يكون المنكّر المؤكّد محدود أو التوكيد من ألفاظ الإحاطة كالشواهد المذكورة ، وفسّر المحدود بما كان موضوعا لمدّة لها ابتداء وانتهاء كيوم وأسبوع وشهر وحول. وقيل : المراد به المعلوم المقدار كدينار ودرهم ويوم وليلة وشهر وسنة ، والحق أنّ الفائدة قد تحصل مع غير ذلك أيضا كمثال المصنّف (ره) ، فلا ينبغي الجمود على ما قالوه ، فتأمّل.

__________________

(١) تقدم برقم ٥٨٢.

(٢) هذا الشاهد مجهول النسبة إلى قائله ، ويروى بعض من يستشهد به قبله : «إنا إذا خطّافنا تقعقعا». اللغة : الخطّاف : الحديدة المعوجة تكون في جانب البكرة ، تقعقعا : تحرّك وسمع له صوت ، صرّت : صوّتت ، البكرة : هنا ما يستقي عليها الماء من البئر.

(٣) تمامه «لا نلتقي إلا على منهج» ، وهو للعرجي. اللغة : الحول : السنة.

(٤) قائله عبد الله بن مسلم بن جندب الهذلي. اللغة : شاقه : أعجبه ، أو أثار شوقه ويروى ساقه من السوق.

٥٥٣

الثاني : نقل غير واحد أيضا الاتّفاق على امتناع توكيد النكرة ، إذا لم يفد ، واعترض بما حكاه ابن مالك في شرح التسهيل أنّ بعض الكوفيّين أجاز توكيد النكرة مطلقا ، أفاد ، أو لم يفد ، لكن قال ابن هشام في حاشية التسهيل : هذا النقل من ابن مالك لم أقف عليه من غير جهته ، وفهمت أنّه استنتجه من إعراب بعض الكوفيّين كلمة كلّ توكيدا لعجايا في قوله [من الوافر] :

٥٨٨ ـ ...

عجايا كلّها إلا قليلا (١)

ولا يسلم أنّ توكيد عجايا لا يفيد ، ثمّ كيف يجيز عاقل التّكلّم بشيء مع اعترافه أنّه لا يفيد ، ثمّ إنّه قد نقل في شرح العمدة الاتّفاق على المنع إذا لم يفد ، انتهى.

والمسالة الثانية ، «إذا أكّد» الضمير «المرفوع المتّصل بارزا كان أو مستترا بالنفس أو العين فبعد» توكيده بالضمير «المنفصل ، نحو : قوموا أنتم أنفسكم» وقاموا هم أنفسهم ، وقمن هنّ أنفسهنّ ، وقمتنّ أنتنّ أنفسكنّ ، «وقم أنت نفسك» وقوما أنتما أنفسكما ، وقاما هما أنفسهما. وذلك كراهة إيهام الفاعلى ة عند استتار الضمير المؤنّث ، إذ لو قيل : خرجت عينها ، وتوهّمت الجارحة ، أو نفسها ، توهّمت نفس الحياة ، وأجروا ما لا لبس فيه على ما ألبس.

وبهذا يبطل قول من قال : إنّ العطف كالتأكيد ، وإنّما ذلك في العطف خاصّة ، إذ الفصل لا يرفع الإبهام المذكور ، ألا ترى أنّه لو قيل : خرجت اليوم نفسها لكان الإبهام باقيا ، وخرج بقيد الضمير بالمرفوع الضمير المنصوب والمجرور ، فيؤكّد أنّ بالنفس والعين بدون المنفصل ، نحو : ضربتهم أنفسهم ومررت بهم أنفسهم ، وبالمتّصل المنفصل ، فيؤكّد بهما بدونه أيضا ، نحو : أنت نفسك قائم ، وبقيد النفس والعين غيرهما ، فيؤكّد به المرفوع المتّصل بغير شرط ، نحو قاموا كلّهم أو أجمعون لعدم اللبس في ذلك كلّه.

__________________

(١) صدره «عداني أن أزورك أنّ بهمي» ، ولم يسمّ قائله. اللغة : البهم : جمع البهمة : الصغير من أولاد الغنم الضأن والمعز والبقر من الوحش وغيرها ، العجايا : جمع العجي وهو الفصيل تموت أمّه ، فيرضعه صاحبه بلبن غيرها.

٥٥٤

البدل

ص : الرّابع : البدل وهو التابع المقصود أصالة بما نسب إلى متبوعه ، وهو بدل الكلّ من الكلّ ، والبعض من الكلّ ، والاشتمال : وهو الّذي اشتمل عليه المبدل منه ، بحيث يتشوّق السّامع إلى ذكره ، نحو : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ ،) والبدل المباين : وهو إن ذكر للمبالغة ، سمّي بدل البداء كقولك : حبيبي قمر شمس ، ويقع من الفصحاء ، أو لتدارك الغلط ، فبدل الغلط نحو : جاءني زيد الفرس ، ولا يقع من فصيح.

هداية : لا يبدل الظاهر عن المضمر بدل الكلّ إلا من الغائب ، نحو : ضربته زيدا ، وقال بعض المحقّقين : لا يبدل المضمر من مثله ، ولا من الظاهر ، وما مثّل به لذلك مصنوع على العرب ، ونحو : قمت أنا ، ولقيت زيدا إيّاه تاكيد لفظيّ.

ش : «الرابع» من التوابع «البدل» التعبير به اصطلاح البصريّين ، والكوفيّون يعبّرون عنه بالترجمة والتبيين في نقل الأخفش ، وقال ابن كيسان : يعبّرون عنه بالتكرير ، والغرض منه أن يذكر المقصود بالنسبة بعد التوطئة لذكره بالتصريح بتلك النسبة إلى ما قبله لإفادة تقوية الحكم وتقريره ، لأنّه بمترلة إسناد الحكم إلى المحكوم عليه مرّتين.

«وهو» في اللغة العوض ، وفي الاصطلاح «التابع» هو كالجنس ، يشتمل جميع التوابع ، وقوله : «المقصود أصالة» بفتح الهمزة «بما نسب إلى متبوعه» أخرج ما عدا المحدود من التوابع ، أمّا النعت والتوكيد فظاهر ، وأمّا البيان والمعطوف بالحرف فإنّما وإن كانا مقصودين بما نسب إلى متبوعهما ، إلا أنّهما مقصودان تبعا لا أصالة ، لكن هذا لا يفي بإخراج جميع أقسام المعطوف بالحرف لصدق التعريف على المعطوف ببل في مثل قولنا : جاء زيد بل عمرو ، لأنّه مقصود أصالة بما نسب إلى متبوعه.

وذكر الأوّل أنّما هو غلط أو سهو لسان ، كما تفيده كلمة بل ، والجواب عنه بأنّ المتبوع كان مقصودا أصالة ، لكن لمّا بدا له ، وعرض عنه ، خرج عن تلك الحالة ، وصار المقصود هو التابع ، لا يخفي ما فيه ، ولئن تمّ فإنّما يتمّ إذا كان ذكر المتبوع غلطا ، وأمّا إذا كان سهو لسان فليس المتبوع مقصودا أصلا ، فضلا عن أن يكون أصالة ، فيبقي هذا القسم داخلا في التعريف ، وأيضا فهذا الجواب يخرج التعريف عن عدم الاطّراد إلى عدم الانعكاس ، فإنّ بدل البداء وبدل الغلط يشاركان المعطوف ببل في كون المتبوع كان مقصودا أصالة ، لكن لمّا أبدل منهما أخرجا عن تلك الحالة ، وصار المقصود هو التابع ، فافهم.

٥٥٥

تنبيهات : الأوّل : أورد على هذا الحدّ أنّه لا يتناول المبدل الّذي بعد إلا مثل : ما قام أحد إلا زيد ، فإنّ زيدا بدل من أحد ، وليس نسبة من أنسب إليه من عدم القيام مقصودة بالنسبة إلى زيد ، بل النسبة المقصودة بنسبة ما نسب إلى أحد نسبة القيام إلى زيد ، وأجيب بأنّ ما نسب إلى المتبوع هاهنا القيام ، فإنّه نسب إليه نفيا ، ونسبة القيام بعينه إلى التابع مقصودة ، ولكن إثباتا ، فيصدق على زيد أنّه تابع مقصودة نسبته بنسبة ما نسب إلى المتبوع ، فإنّ النسبة المأخوذة في الحدّ أعمّ من أن تكون بطريق الإثبات أو النفي ، ويمكن أن يقصد بنسبته إلى شيء نفيا نسبته إلى شيء إثباتا ، فيكون الأوّل توطئة للثاني.

الثاني : قال بعض المتأخّرين عدّ البدل تابعا ظاهر على القول بأنّ عامله عامل المبدل منه ، أمّا على القول بأنّ عامله مقدّر من جنس عامل المبدل منه فلا ، إذ لا يصدق عليه حقيقة التابع اصطلاحا ، كما لا يخفي ، فينبغي أن يحمل جعله تابعا على المسامحة لمكان الشبه الصوريّ ، انتهى.

قلت : وإلى هذا أشار شارح المصباح (١) ، حيث قال : إنّ البدل لكونه مقصودا في الكلام ومستقلّا بنفسه ، كأنّه ليس من التوابع إلا من جهة اللفظ دون المعنى ، وهو أربعة أقسام.

أنواع البدل : الأوّل : بدل الكلّ من الكلّ ، وهو الّذي يكون ذاته عين ذات المبدل منه ، وإن كان مفهوما هما متغايرين ، نحو : قوله تعالى : (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) [الحمد / ٦ و ٥] ، وقوله : (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً* حَدائِقَ وَأَعْناباً) [النبأ / ٣٢ و ٣١].

والتعبير ببدل الكلّ من الكلّ للجمهور ، وعبّر عنه ابن مالك في منظومته بالبدل المطابق ، وقال في شرح الكبرى : وهو أولى ، لأنّها عبارة صالحة لكلّ بدل يساوي المبدل منه في المعنى بخلاف العبارة الأخرى ، فإنّها لا تصدق إلا على ذي أجزاء ، وذلك غير مشترط للإجماع على صحّة البدل في أسماء الله كقراءة غير نافع وابن عامر : (إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ* اللهِ) [إبراهيم / ٢ و ١] ، وعبّر عنه في شرح التسهيل ببدل الموافق من الموافق ، وبعض المغاربة يقول : بدل الشيء من الشيء.

__________________

(١) المصباح في النحو للامام ناصر بن عبد السّيّد المطرزي النحويّ المتوفى سنة ٦١ ه‍ ق ، شرحه كثير من العلماء. كشف الظنون ٢ / ١٧٠٨.

٥٥٦

الفرق بين بدل الكلّ من الكلّ وعطف البيان : تنبيه : قال الرضيّ : أنا إلى الآن لم يظهر لي فرق جليّ بين بدل الكلّ من الكلّ وعطف البيان ، بل لا أري عطف البيان إلا البدل ، كما هو ظاهر كلام سيبويه ، وما قالوه من أنّ الفرق بينهما أنّ البدل هو المقصود بالنسبة دون متبوعة بخلاف عطف البيان ، فإنّه بيان ، والبيان فرع المبيّن ، فيكون المقصود هو الأوّل ، فالجواب أنّا لا نسلم أنّ المقصود بالنسبة في بدل الكلّ هو الثاني فقط ، ولا في سائر الإبدال إلا الغلط ، فإنّ كون الثاني فيه هو المقصود بها دون الأوّل ظاهر ، انتهى.

قال المحقّق الجرجانيّ : الظاهر أنّهم لم يريدوا أنّه ليس مقصودا بالنسبة أصلا ، بل أرادوا أنّه ليس مقصودا أصليّا ، والحاصل أنّ مثل قولك : جاءني أخوك زيد ، إن قصدت فيه الإسناد إلى الأوّل وجئت بالثاني تتمّة له توضيحا فالثاني عطف بيان ، وإن قصدت الإسناد إلى الثاني ، وجئت بالأوّل توطئة مبالغة له في الإسناد فالثاني بدل ، وحينئذ يكون التوضيح الحاصل به مقصودا تبعا ، والمقصود أصالة هو الإسناد إليه بعد التوطئة ، فالفرق ظاهر ، كما حقّقه المتأخّرون ، انتهى.

وقال شارح التهذيب للمصنّف : إنّ الرضي لمّا فهم من تعريف ابن الحاجب أنّ المتبوع في البدل لا يكون مقصودا أصلا اعترض عليهم بما اعترض ، وحكم بعدم الفرق الجليّ ، ولله درّ المصنّف حيث سلم ممّا وقع فيه ابن الحاجب وأوقع غيره بأوجز عبارة ، انتهى.

يعني أنّ المصنّف أشار إلى الفرق الّذي ذكره المحقّق المذكور في تعريفه للبدل بقوله : المقصود أصالة ، فسلم من تداخل القسمة الّذي اعترض به الرضيّ ، لكنّه قال في اللآلى الدريّة : هذا الفرق لا يجدي نفعا في بعض الأمثلة ، كما إذا كان الثاني لمجرّد التفسير بعد الإبهام مع أنّ في الأوّل فائدة مقصودة ، ليست في الثاني ، وهي الإبهام ، نحو : مررت برجل زيد ، فإنّ زيدا ذكر مفسّرا لرجل ، إذ هو دالّ على ما دلّ عليه رجل مع زيادة التعريف ، فليس الأوّل منهما توطئة للثاني ، بل كلّ منها مقصود ، فإنّ الإبهام مقصود لذاته (١) ، والتفسير كذلك ، فعدم ظهور الفرق الجليّ بين عطف البيان وبدل الكلّ ثابت ، كما ذكره الرضيّ ، انتهى ، فتأمّل.

والثاني : بدل البعض من الكلّ ، وهو الّذي يكون ذاته بعضا من ذات المبدل منه ، وان لم يكن مفهومه بعضا من مفهومه ، سواء كان ذلك البعض نصفا أم أقلّ أم أكثر على الصحيح.

__________________

(١) سقطت «فإنّ الإبهام مقصود لذاته» في «س».

٥٥٧

وذهب الكسائيّ وهشام إلى أنّ بدل البعض لا يقع إلا على ما دون النصف ، ولا يسمّى أكلت الرغيف نصفه أو ثلثه أو أكثره ، بدل بعض عندهما ، ولا بدّ في هذا البدل من اتّصاله بضمير يعود إلى المبدل منه ، مذكور ك بعت العبد نصفه ، أو مقدّر كقوله تعالى : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) [آل عمران / ٩٧] ، أي منهم ، فمن بدل بعض من الناس ، لأنّ المستطيع بعض الناس لا كلّهم ، وقال ابن برهان : بدل الكلّ ، والمراد بالناس المستطيع ، فهو عامّ أريد به خاصّ ، لأنّ الله لا يكلّف الحجّ من لا يستطيع.

تنبيه : التعبير بلفظ البعض والكلّ بإدخال أل عليها وقع في كلام كثير ، وقد استعملهما الزجاجيّ في جملة ، كذلك واعتذر عنه بأنّه تسامح فيه موافقة للناس ، قال بعض الأئمة : لا يجوز إدخال أل عليها عند الجمهور. قال ابن خالويه في كتاب : يغلط كثير من الخواصّ بإدخال أل على كلّ وبعض ، وليس من لغة العرب ، لأنّهما معرفتان في نيّة الإضافة ، وبذلك نزل القرآن ، وعن الأصمعيّ أنّه قال : قرأت آداب المقفع فلم أر فيه لحنا إلا قوله : العلم أكثر من أن يحاط بالكلّ منه ، فاحفظوا البعض ، قال : وذلك خطأ ، لأنّهما معرفتان ، لا تدخلهما ال ، قال : ومثل ذلك قبل وبعد ، انتهى.

والجواز مذهب الأخفش والفارسيّ : ومن الغريب ما وقع في الكتاب الهادي الشادي (١) نقلا عن الأزهري أنّ النّحويّين أجازوا إدخال الألف واللام في بعض وكلّ ، وإن أباه الأصمعيّ ، وإنّما أباه الأصمعيّ لأنّ مذهب العرب عدم جواز دخول الألف واللام (٢) عليهما ، لأنّها مضافان ألبتّة ، وإمّا ظاهرا وإمّا مضمرا ، انتهى.

الثالث : بدل الاشتمال ولاختلافهم فيه ، بيّنه المصنّف بقوله : وهو الّذي اشتمل عليه المبدل منه لا كاشتمال الظرف على المظروف ، بل من حيث كونه دالّا عليه إجمالا ومتقاضيا له بوجه ما ، بحيث يتشوّق السامع عند ذكر المبدل منه إلى ذكره أي ذكر البدل ، ويكون منتظرا له ، فجئ هو مبيّنا وملخّصا لما أجمل أوّلا نحو : قوله تعالى : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ) [البقرة / ٢١٧] ، فقتال بدل اشتمال من الشهر لاشتماله عليه بالمعنى المذكور ، فالمشتمل هو الأوّل ، وهو مذهب الفارسيّ والرمانيّ وخطاب ابن مالك.

__________________

(١) الهادي الشادي في النحو لأبي الفضل أحمد بن محمد الميداني المتوفى سنة ٥١٨ ه‍ ق. كشف الظنون ، ٢ / ٢٠٢٦.

(٢) سقطت هذه العبارات في «س».

٥٥٨

واختلف في تعليله فقال ابن جعفر (١) : لأنّه مشتمل على الثاني بالمعنى المذكور ، وردّه بعض المتأخّرين بأنّ قولك : سلب زيد ثوبه ، ليس زيد فيه مشتملا على الثوب ، لأنّه لا يدلّ عليه ، ولا يتقاضاه ، كما ذكر في تعريفه ، انتهى. قلت : ليس المراد بكونه يدلّ عليه ويتقاضاه دلالة صريحة ، بل المراد إنّا إذا قلنا : سلب زيد ، دلّ على أنّه سلب شيء ، فهو يتقاضي ذلك المسلوب ، فيتشوّق السامع إلى ذكره إلى أن يجىء مبيّنا له وملخّصا ، فافهم.

وقال الجزوليّ : لأنّ الثاني إمّا صفة للأوّل ، كأعجبتني الجارية حسنها ، أو مكتسب منه صفة ، نحو : سلب زيد ماله ، فإنّ الأوّل اكتسب من الثاني كونه مالكا ، وردّه بأنّه يلزم منه أن يجيز ضربت زيدا عبده على الاشتمال ، وهم قد منعوا ذلك.

قال أبو حيّان في التذكرة (٢) ، وقال طائفة : ووقع لأبي على في الحجّة أنّ المشتمل هو الثاني قال : بدليل سرق زيد ثوبه ، وردّ بسرق زيد فرسه ، وقيل : لا اشتمال لأحدهما على الآخر ، وإنّما المشتمل الإسناد على الأوّل على معنى أنّ الإسناد إلى الأوّل لا يكتفي به من جهة المعنى ، وإنّما أسند إليه على قصد غيره ممّا يتعلّق به ، ويكون المعنى مختصّا بغير الأوّل ، ولهذا لا يجوز ضرب زيد عبده على الاشتمال لاكتفاء المسند بالأوّل ، وهو مذهب المبرّد ، وبه قال ابن جنيّ : وأورد عليه نحو : زيد ماله كثير ، إذا أعرب ماله بدلا من زيد إلا أن يقال : الابتداء مشتمل على زيد مجازا وعلى ماله حقيقة.

وقيل : لا يتعيّن اشتمال أحدهما على الآخر ، بل تارة يكون المشتمل هو الأوّل ، نحو : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ ،) وتارة يكون المشتمل هو الثاني ، نحو : سلب زيد ثوبه ، ويشكل عليه نحو : زيد ماله كثير ، إذا أعرب ماله بدلا ، كما قلنا ، فإنّه لا اشتمال فيه لأحدهما على الآخر.

وأمر هذا البدل في الضمير كما مرّ في بدل البعض ، فمثال الضمير المذكور ما مرّ ، ومثال المقدّر قوله تعالى : (قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ* النَّارِ) [البروج / ٥ و ٤] ، أي فيه أو الأصل ناره ، ثمّ نابت أل عن الضمير.

تنبيهان : الأوّل : يشكل على قول المصنّف ، وهو بدل الكلّ من الكلّ والبعض من الكلّ الاشتمال لزوم عطف جزء الاسم على جزء الاسم ، لأنّ الاسم هو المركّب الاضافيّ ، وهو بدل البعض وبدل الاشتمال ، ودفعه أنّ تقدير الكلام وبدل البعض من الكلّ وبدل الاشتمال ، فحذف جزء الاسم لانسياق الذهن إليه ، بقي أنّه هل يجوز

__________________

(١) لعلّه أحمد بن جعفر الدينوري ، أحد النحاة المبرزين ، صنّف : المهذّب في النحو ، ضمائر القرآن ومات سنة ٢٨٩ ه‍ ق. بغية الوعاة ، ١ / ٣٠١.

(٢) التذكرة في العربية للشيخ أثير الدين أبي حيان محمد بن يوسف الأندلسي المتوفى سنة ٧٤٥ ه‍ في أربع مجلدات كبار. كشف الظنون ، ١ / ٣٩٣.

٥٥٩

حذف جزء الاسم ، أم هو أمر مستحدث فيما بين المصنّفيّن ، لا أصل له في كلام العرب ، والأظهر هو الثاني قاله بعض المحقّقين من شراح الكافيّة.

الثاني : ردّ السهيليّ بدل البعض والاشتمال إلى الكلّ ، فقال : العرب تتكلّم بالعامّ ، وتريد الخاصّ ، وتحذف المضاف ، وتنوينه ، فإذا قلت : أكلت الرغيف ثلثة ، إنّما تريد أكلت بعض الرغيف ، ثمّ بنيت ذلك البعض بقولك : ثلثه ، وإذا قلت : أعجبني زيد علمه ، إنّما تريد أعجبني صفة زيد ، فبنيت بقولك : علمه ، تلك الصفة المحذوفة.

الرابع : «البدل المباين» للمبدل منه ، «وهو» ثلاثة أقسام ، ذكر المصنّف منها قسمين ، فقال : «إن ذكر للمبالغة ، سمّي بدل البداء» بالدّال المهملة والمدّ ، وبدل اضراب أيضا ، وذلك بأن تذكر المبدل منه عن قصد وتعمّد ، ثمّ توهّم أنّك غالط لكون الثاني مباينا للأوّل أجنبيّا عنه ، وهذا معتمد الشعر كثيرا للمبالغة والتفنّن في الفصاحة ، وشرطه أن يرتقي من الأدني إلى الأعلى ، «كقولك : حبيبي قمر شمس» ، كأنّك وإن كنت متعمّدا لذكر القمر توهّم من نفسك الغلط ، وترى أنّك لم تقصد في الأوّل إلا تشبيها بالشمس ، كذا قال الرضي. وقال غيره : إنّما سمّي بدل بداء لأنّ المتكلّم يخبر بشيء ، ثمّ يبدو له أن يخبر بآخر من غير إبطال الأوّل.

«ويقع» بدل البداء «من الفصحاء» ، بل هو من التفنّن في الفصاحة كما علمت ، ولا عبرة بمن أنكره ، فقد ذكره سيبويه ، ويشهد لصحّته قوله (ع) : إنّ الرجل ليصلّى الصلوة ، وما كتب له نصفها ثلثها إلى عشرها (١). وما قيل من أنّه محمول على إضمار بل ، ليس بشيء ، فإنّ بل لم يثبت حذفها.

«أو» ذكر «لتدارك الغلط» ، فاسمه «بدل الغلط» ، أو فيسمّي بدل الغلط ، «نحو : جاء زيد الفرس» ، أردت أن تقول : جاء الفرس ، فسبقك لسانك إلى زيد ، ثمّ تداركت الغلط فقلت : الفرس ، فمعنى قولنا : بدل غلط ، أنّه يدلّ عن اللفظ الّذي هو غلط ، لا أنّ البدل نفسه هو الغلط ، كما قد يتوهّم من ظاهر اللفظ «ولا يقع» بدل الغلط «من فصيح» ، ولا فيما يصدر عن روية فلا يكون في شعر أصلا.

وقد أهمل المصنّف القسم الثالث من أقسام البدل المباين ، وهو بدل النسيان ، وهو أن تعتمد ذكر ما هو الغلط ، ولا يسبقك لسانك إلى ذكره ، لكن تنسي المقصود ، ثمّ بعد ذلك تتداركه بذكر المقصود ، فمعنى قولنا : بدل نسيان أنّه بدل من شيء ذكر نسيانا.

__________________

(١) مسند أحمد بن حنبل ، لاط ، دار احياء الثرات العربي ، بيروت ، ٤ ، ١٩٩٤ / ٣١٩.

٥٦٠

وقد تبيّن بذلك أنّ الغلط من جهة اللسان ، والنسيان من جهة الجنان ، ولا يقع بدل النسيان أيضا من فصيح ، ولا فيما يصدر عن روية ، وابن مالك وكثير من النحاة لم يفرّقوا بين بدل الغلط والنسيان ، فسمّوا النوعين بدل غلط ، وإنّما حكمنا بإهمال المصنّف لبدل النسيان مع إمكان إدخاله تحت بدل الغلط كما فعل الاكثرون ، لأنّ المصنّف (ره) اعتذر في حاشية هذا المتن عند عدم ذكره بأنّه غير مشهور ، ولا يقع من الفصحاء ، فقرّرنا كلامه ، وإنّما لم يقع بدل الغلط من الفصحاء ، لأنّه غير فصيح.

قال البدر الدمامينيّ : ولا أدري لأيّ معنى جزموا بأنّ بدل الغلط غير فصيح ، مع أنّ النسيان لا ينافي الفصاحة ، أللهمّ إلا أن يكون المراد أنّهم تتبّعوا كلام الفصحاء ، فلم يجدوا بدل الغلط فاشيا فيه ، فحكموا بأنّه غير فصيح نظرا إلى هذا المعنى ، وليس المراد أنّ الإنسان إذا سبق لسانه إلى ذكر ما لم يقصده فتنبّه فذكر المقصود يحكم أنّ لفظ المذكور على سبيل السهو غير فصيح ، انتهى. وقال بعضهم : الظاهر أنّ المراد بالفصاحة البلاغة ، فإنّ الغلط ينافي البلاغة ظاهرا دون الفصاحة باعتبار انتفاء المطابقة لمقتضي الحال ، انتهى. وحكم بتعيين ذلك بعض المحقّقين ، وهو حسن.

تنبيهات : الأوّل : قضية إطلاق المصنّف أنّ بدل الغلط يصحّ في النثر ، هو قول سيبويه والأكثرين ، وقال غيره : إنّه وجد في الشعر دون النثر ، وجوّزه بعضهم في النثر دون الشعر ، لأنّ الشعر في الغالب إنّما يقع عن تروّ وفكر ، وهذا نوع غريب أن يجوز شيء في النثر ، ولا يجوز في الشعر ، وإنّما المعروف عكس ذلك.

وقال ابن بابشاذ في شرح الجمل : لا يقاس على بدل الغلط ، لأنّه يقع على غير قصد ، انتهى ، وهو حسن. وقال خطاب (١) : إنّ بدل الغلط لم يقع في نثر ولا نظم ، وإنّه تطلّبه فلم يجده ، وإنّه طالب به من لقيه ، فلم يعرفه ، واستدلّ المثبتون له بقول ذي الرمة (٢) [من البسيط] :

٥٨٩ ـ لمياء في شفتيها حوّة لعس

وفي اللّثات وفي أنيابها شنب (٣)

فإنّ الحوّة : السواد ، والعس : سواد مشوب بحمرة ، وقال بعضهم : إنّه محمول على التقديم والتأخير ، أي في شفتيها حوّة ، وفي لثاتها لعس ، وأيّده بعضهم بأنّ ذا الرمة

__________________

(١) خطاب بن يوسف ، كان من جلّة النحاة ومحققيهم والمتقدّمين في المعرفة بعلوم اللسان على الإطلاق ، وهو صاحب كتاب الترشيح ، ينقل عنه أبو حيّان وابن هشام كثيرا. مات بعد ٤٥٠ ه‍ ق. بغية الوعاة ١ / ٥٥٣.

(٢) أبو الحارث غيلان بن عقبه المعروف بذي الرّمة (٧٧ ه‍ ـ ١١٧ ه‍). كان شعره الغزليّ حافلا بالرّقة والعذوبة واللين. الجامع في تاريخ الأدب العربي ١ / ٤٣٧.

(٣) اللغة : حوّة : لون يخالطه الكلمته مثل صدء الحديد ، لعس : سواد مستحسن في باطن الشفة. شنب : جمال الثعر وصفاء الأسنان.

٥٦١

يوجد في شعره التقديم والتأخير كثيرا ، ويبطله أنّه يلزم عليه تقديم ما في حيّز الواو العاطفة ، وهو باطل.

الثاني : الأحسن في التعبير عطف أقسام بدل المباين ببل ، فيكون من عطف النسق ، لئلا يتوهّم كون البدل في ذلك صفة لما قبله ، كما في قولك : رأيت رجلا حمارا ، إذ يحتمل أن يكون أردت بقولك : حمارا جاهلا أو بليدا ، كذا قاله غير واحد ، وفي كلام بعض المحقّقين أنّ ادعاء الغلط وإظهاره في بدل البداء أبلغ في المعنى من التصريح بكلمة بل ، وهو ظاهر.

الثالث : قال بعض الأئمة : المختار خلافا للجمهور إثبات بدل الكلّ من البعض لوروده نحو : (يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً* جَنَّاتِ عَدْنٍ) [مريم / ٦١ و ٦٠] ، فجنات أعربت بدلا من الجنّة ، وهو بدل كلّ من البعض ، وفائدته تقرير أنّها جنّات كثيرة لا جنّة واحدة ، وقوله [من الخفيف] :

٥٩٠ ـ رحم الله أعظما دفنوها

بسجستان طلحة الطّلحات (١)

فطلحة بدل من أعظم ، وهي بعضة ، وقوله [من الطويل] :

٥٩١ ـ كأني غداة البين يوم تحمّلوا

 ... (٢)

فيوم بدل من الغداة ، وهي بعضه ، انتهى. والجمهور يؤوّلون ذلك كلّه.

إبدال الظاهر من المضمر : هذا «هداية» إلى مسألة مهمّة من مسائل البدل ، «لا يبدل الظاهر عن المضمر بدل الكلّ من الكلّ إلا من ضمير الغائب ، نحو : ضربته زيدا ، وقوله [من الطويل] :

٥٩٢ ـ على حالة لو أنّ في القوم حاتما

على جوده لضنّ بالماء حاتم (٣)

وإنّما لم يبدل من ضميرى المتكلّم والمخاطب ، لأنّهما أقوي وأخصّ من الظاهر ، فلو أبدل منهما لزم أن يكون المقصود بالنسبة وهو البدل أقلّ دلالة من غير المقصود ، فلم يقولوا : بي المسكين مررت ولا عليك الكريم المعوّل. وأمّا ضمير الغائب فلم يكن في القوّة والوضوح ، كذلك لوجود الاشتباه ، فجوّزوا ضربته زيدا لذلك.

__________________

(١) هو لعبيد الله بن قيس الرقيات. اللغة : أعظم : جمع العظم أي : القصب الّذي عليه اللحم. طلحة الطلحات : هو طلحة بن عبيد الله بن خلف الخزاعي ، أو طلحة بن عبيد الله بن بري. لسان العرب ٣ / ٢٣٩٩.

(٢) تمامه «لدي سمرات الحي ناقف حنظل» ، وهو من معلقة امري القيس. اللغة : غداة والغداة : الضحوة. البين : الفرقة. سمرات : جمع سمرة من شجر الطلح. الحي : القبيلة. نقف الحنظل : شقه عن الهبيد وهو الحب.

(٣) هو للفرزدق. اللغة : ضنّ به : بخل بخلا شديدا.

٥٦٢

وأفهم تقييد المسألة بالمضمر أنّ إبدال الظاهر من الظاهر جائز كما مرّ ، وببدل الكلّ أنّ ابداله بدل بعض أو اشتمال جائز من المضمر مطلقا ، كقوله [من الرجز] :

٥٩٣ ـ أو عدني بالسّجن والأداهم

رجلي فرجلي شثنه المناسم (١)

فرجلي الأوّل بدل من ياء المتكلّم ، بدل بعض من كلّ ، وقوله [من الطويل] :

٥٩٤ ـ بلغنا السّماء مجدنا وسناؤنا

وإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا (٢)

فمجدنا وسناؤنا بدل اشتمال من ضمير المتكلّم ، وهو نا ، وإنّما جاز ذلك ، لأنّ مدلول الثاني فيه ليس مدلول الأوّل ، فلم يبل بكون الأوّل أقوى وأخصّ ، لأنّ الثاني يفيد فائدة زائدة على المتبوع.

ويرد على المصنّف (ره) أنّهم جوّزوا إبدال الظاهر من ضمير الحاضر بدل كلّ ، إذا كان مفيدا للإحاطة ، نحو قوله تعالى : (تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا) [المائدة / ١١٤] ، وأوّلنا وآخرنا بدل كلّ من ضمير المتكلّم المجرور باللام ، ولذلك أعيدت اللام مع البدل ، ولم أر من حكى خلافا في جواز ذلك ، ولم يعتبر الأخفش قيد إفادة الاحاطة ، فجوزه مطلقا تمسّكا بقوله [من البسيط] :

٥٩٥ ـ بكم قريش كفينا كلّ معضلة

وأمّ نهج الهدي من كان ضليلا (٣)

«وقال بعض المحقّقين» وهو الإمام جمال الدين محمد بن مالك في التسهيل ، وتبعه الشيخ جمال الدين بن هشام في الأوضح والجامع : «لا يبدل المضمر» مطلقا «من مثله» أي من مضمر وقوفا مع السماع «ولا من الظاهر» قال في شرح التسهيل : إنّه لم يسمع ، «وما مثّل به لذلك» في كلام النحاة «مصنوع على العرب». وما أوهم ذلك جعل توكيدا «فنحو : قمت أنت» ، ورأيتك أنت ، ومررت بك أنت ، ورأيتك إياك ، وأجبت زيدا إيّاه «تأكيد لفظيّ» أمّا نحو : قمت أنت فكونه تاكيدا متّفق عليه من الفريقين ، وأمّا نحو : رأيتك إيّاك ، فالبصريّون على أنّه بدل ، والكوفيّون على أنّه توكيد.

قال ابن مالك : وقول الكوفيّين عندي أصحّ من قول البصريّين ، لأنّ نسبة المنصوب المنفصل من المنصوب المتّصل في نحو : رأيتك إيّاك كنسبة المرفوع المنفصل من المرفوع المتّصل في نحو : فعلت أنت ، والمرفوع تأكيد بإجماع ، فليكن المنصوب تأكيدا ليجرى المتناسبان مجرى واحدا. قال المراديّ : وكأنّه يعني بقوله : تأكيدا بإجماع أنّه يجوز لا أنّه يتعيّن ، فإنّهم قد أعربوا قمت أنت بدلا ، انتهى ، فتأمّل.

__________________

(١) هو لعديل بن الفرج. اللغة : الأداهم : جمع أدهم وهو القيد ، الشثنة : الغلظة والخشنونه ، المناسم جمع منسم : خف البعير وأراد به تحت قدميه.

(٢) هو للنابغة الجعدي. اللغة : السناء : العلو والارتفاع.

(٣) لم ينسب البيت إلى قائل معين. اللغة : كفينا : وقينا ، أمّ : قصد ، ضليلا : الشديد الضلال.

٥٦٣

وقال الرضيّ والشاطبيّ : والظاهر مذهب البصريّين لما ثبت عن العرب أنّها إذا أرادت التوكيد أتت بالضمير المرفوع المنفصل ، فقال : جئت أنت ، ورأيتك أنت ، ومررت بك أنت ، وإذا أرادت البدل ، وافقت بين التابع والمتبوع ، فقال : جئت أنت ورأيتك إيّاك ، ومررت به به ، فيتّخذ لفظ التوكيد والبدل في المرفوع ، ويختلف في غيره ، هكذا نقل سيبويه عن العرب ، وتلقاه منه غيره بالقبول ، وهم المؤتمنون على ما ينقلون ، لأنهم شافهوا العرب ، وعرفوا مقاصدهم ، فلا يعارض هذا بقياس ، انتهى.

وأمّا نحو : أجبت زيدا إيّاه ، فقال ابن مالك : الصحيح عندي أنّه لم يستعمل في كلام العرب نثره ونظمه ، فلو استعمل لكان توكيدا لا بدلا ، وقال ابن هشام : ـ وفي ما قاله نظر ـ لأنّه لا يؤكّد القويّ بالضعيف ، وقد قالت العرب : زيد هو الفاضل ، وجوّز النّحويّون في هو أن يكون بدلا ، وأن يكون مبتدأ ، وأن يكون فضلا ، انتهى. وظاهر إيراد قوله : وقد قالت العرب إلى آخره في سياق الردّ على ابن مالك أنّ فيه ردّا عليه ، وفيه بحث.

تكميل : يوافق البدل متبوعه في واحد من أوجه الإعراب مطلقا ، وكذا في واحد من التذكير والافراد وضدّيهما إن كان بدل كلّ ، ما لم يمنع مانع ككون أحدهما مصدرا نحو : (مَفازاً* حَدائِقَ وَأَعْناباً) [النباء / ٣٢ و ٣١] أو قصد به التفضيل كقوله [من الطويل] :

٥٩٦ ـ وكنت كذي رجلين رجل صحيحة

ورجل رمى فيها الزّمان فشلّت (١)

ويخالفه في التعريف والتنكير ، فتبدل المعرفة من المعرفة ، والنكرة من النكرة ومن المعرفة ، لكن إن اتّحد اللفظ في إبدال النكرة من مثلها اشترط أن يكون مع الثاني زيادة بيان كقراءة يعقوب (٢) : (وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا) [الجاثية / ٢٨] بنصب كلّ الثانية ، فإنّها قد اتّصل بها ذكر سبب الجثو.

ولا يشترط في إبدال النكرة من المعرفة اتّحاد اللفظ ، ولا أن تكون النكرة موصوفة خلافا للكوفيّين بشهادة السماع بخلافه كقوله [من الوافر] :

٥٩٧ ـ فلا وأبيك خير منك أنّي

ليؤذيني التحمحم والصهيل (٣)

__________________

(١) هو لكثير عزة. اللغة : شلّ العضو : أصيب بالشّلل ، أو يبس فيطلت حركته أو ضعفت.

(٢) يعقوب بن إسحاق كان أعلم الناس في زمانه بالقراءات والعربية ، له قراءة مشهورة به ، وهي إحدى القراءات العشر ، مات سنة ٢٠٥ ه‍ ق. بغية الوعاة ٢ / ٣٤٨.

(٣) هو لشمير بن الحارث. اللغة : التحمحم : صوت الفرس إذا طلب العلف ، الصهيل : صهيل الفرس ، صوته مطلقا ، فهو من عطف العامّ على الخاصّ.

٥٦٤

ويجوز قطع البدل ، نحو : مررت بزيد أخوك ، ويحسن مع الفصل ، نحو : (بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ) [الحج / ٧٢] ، ويجب أن تبع متعدّدا ، ولم تستوف العدة ، نحو : اتّقوا الموبقات (١) الشرك والسحر ، أي منهنّ الشرك والسحر.

عطف البيان

ص : الخامس : عطف البيان ، وهو تابع يشبه الصّفة في توضيح متبوعه ، نحو : جاء زيد أخوك ، ويتبعه في أربعة من عشرة كالنّعت ، ويفترق عن البدل في نحو : هند قام أبوها زيد ، لأنّ المبدل منه مستغني عنه ، وهنا لا بدّ منه ، وفي نحو : يا زيد الحارث ، وجاء الضّارب الرّجل زيد ، لأنّ البدل تكرار العامل ، ويا الحارث والضّارب زيد ممتنعان.

ش : «الخامس» من التوابع «عطف البيان» سمّي بذلك ، لأنّه تكرار الأوّل بمرادفه لزيادة البيان ، فكأنّك رددته على نفسه ، ولم تحتج إلى حرف ، لأنّه عين الأوّل ، قيل : والكوفيّون يسمّونه الترجمة ، لأنّه مفسّر لمتبوعه ، وقال الأعلم في شرح الجمل : هذا الباب يترجم له البصريّون ، ولا يترجم له الكوفيّون.

«وهو تابع يشبه الصفة» بمعنى النعت السابق بيانه «في توضيح متبوعه» لكن الصفة توضّح متبوعها بحسب معنى فيه ، وعطف البيان يوضّح متبوعه بحسب الذات ، فقوله : تابع كالجنس يشتمل التوابع كلّها ، وقوله : يشبه الصفة مخرج النعت ، لأنّ المشبه للشيء غير ذلك الشيء ، فكأنّه قال : تابع غير صفة ، وقوله : في توضيح متبوعه يخرج بقيّة التوابع ، لأنّها غير موضحة ، «نحو : جاء زيد أخوك» ، فأخوك عطف بيان لزيد ذكر لإيضاحه.

تنبيهات : الأوّل : أجمعوا على مجئ عطف البيان لإيضاح المعرفة ، وذهب الكوفيّون وجماعة إلى أنّه يجيء لتخصيص النكرة أيضا ، ونفاه جمهور البصريّين ، وخرّجوا ما جاء من ذلك على البدل ، فلذلك لم يثبته المصنّف ، وحجّتهم أنّ البيان بيان كاسمه ، والنكرة مجهولة ، والمجهول لا يبيّن المجهول ، ودفع بأنّ بعض النكرات أخصّ من بعض ، والأخصّ يبيّن غير الأخصّ.

__________________

(١) الموبقات : الكبائر من المعاصي : لأنّهنّ مهلكات.

٥٦٥

الثاني : قال السعد التفتازانيّ في شرح التلخيص : فائدة عطف البيان لا تحصر في الإيضاح لما ذكر صاحب الكشاف أنّ البيت الحرام في قوله تعالى : (جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ) [المائدة / ٩٧] ، عطف بيان جئ به للمدح للإيضاح ، كما تجئ الصفة لذلك ، انتهى. وردّ أبو حيّان قول الزمخشريّ بأنّهم شرطوا في عطف البيان الجمود ، والجامد ليس فيه إشعار بمدح ، إنّما يشعر بالمدح المشتقّ ، إلا أن يقال إنّه لمّا وصف عطف البيان هنا بقوله : الحرام اقتضي المجموع المدح ، فيمكن ذلك ، انتهى.

وقضيّة كلام بعضهم أنّ مجئ عطف البيان للمدح رأي أهل المعاني دون النّحويّين ، فلا يرد على من اقتصر في فائدته على ذكر الإيضاح من النّحويّين ، ولو سلم أنّه رأي الجميع ، أمكن أن يقال : إنّ ذلك مسكوت عنه ، فلا يرد ، أو إنّه باعتبار الأعمّ الأغلب.

الثالث : اشترط الجرجانيّ والزمخشريّ كون البيان أخصّ من متبوعه ، وهو مخالف لقول سيبويه في : يا هذا ذا الجمّة ، أنّ ذا الجمة عطف بيان ، مع أنّ الإشارة أخصّ من المضاف إلى ذي الأداة كما قاله ابن هشام (١).

وقال البدر بن مالك : وهو مخالف للقياس أيضا ، لأنّ عطف البيان في الجامد بمترلة النعت في المشتقّ ، ولا يلزم تخصيص النعت باتّفاق ، فلا يلزم زيادة تخصيص عطف البيان ، انتهى.

وقصرهما نقل الاشتراط المذكور على الرجلين تبعا فيه ابن مالك في شرح الكافية ، والصواب أنّه قول أكثر النّحويّين ، كما قاله في حاشية التسهيل ، لا يقال : يلزم من كونه موضحا أن يكون أعرف ، لأنّا نقول : جاز أن يوضح متبوعه عند الاجتماع ، ولا يكون أوضح منه عند الانفراد ، قاله السّيّد الشريف في شرح المفتاح.

«ويتبعه» أي يتبع عطف البيان متبوعه وجوبا «في أربعة من عشرة» أوجه الإعراب الثلاثة والإفراد والتذكير وفروعهنّ «كالنعت» ، تقول : جاءني محمد أبو الفضل ، كما تقول : جاءني محمد الفاضل ، فأبو الفضل والفاضل مرفوعان ، والرفع واحد من ثلاثة ، وهي الرفع والنصب والجرّ ، ومفردان ، والإفراد والتثنية واحد من ثلاثة أيضا ، وهي الإفراد والتثنية والجمع ، ومذكّران ، والتذكير واحد من اثنين ، وهما التذكير والتأنيث ، ومعرّفان ، والتعريف واحد من اثنين أيضا ، وهما التعريف والتنكير.

ويصحّ في عطف البيان إعرابه بدل كلّ من كلّ لما فيه من البيان «ويفترق» عطف البيان عن البدل «في نحو : هند قام أخوها زيد» ، فزيد عطف بيان على أخوها ، ولا يجوز أن يكون بدلا منه ، لأنّه لو كان بدلا منه لكان مستغنى عنه ، لأنّ المبدل منه مستغنى عنه

__________________

(١) سقطت «كما قاله ابن هشام» في «ط».

٥٦٦

في الكلام ، وهنا لا بدّ منه لاشتماله على ضمير رابط للجملة الواقعة خبرا لهند ، إذ الجملة الواقعة خبرا لا بدّ لها من رابط يربطها بالمخبر عنه كما سيأتي ، والرابط هنا هو الضمير المضاف إليه الأخ الّذي هو متبوع زيد ، ولو أسقط لم يصحّ ، فوجب أن يكون أخوها عطف بيان لا بدلا.

تنبيه : قضية قوله إنّ المبدل منه مستغنى عنه أنّه في حكم المطروح لفظا ومعنى ، وهو مذهب المازنيّ ، حكى عنه أنّه كان يقول : إذا أبدلت من الشيء فقد طرحته من لفظيّ ، ولهذا جعل الزمخشري : (أَنِ اعْبُدُوا اللهَ) عطف بيان على الضمير في (بِهِ) من قوله تعالى : (ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ) [المائدة / ١١٧] ، أي (اعْبُدُوا اللهَ)(١) قال في المغني : وإنّما لم يجعله بدلا توهّما منه أنّ ذلك يخلّ بعائد الموصول ، لأنّ المبدل منه في قوة الساقط ، فتبقي الصلة بلا عائد ، والعائد موجود حسّا ، فلا مانع ، انتهى.

والحقّ أنّ المبدل منه ليس في حكم الطرح لا لفظا ولا معنى إلا في بدل الغلط ، كما سنبيّنه من كلام الرضيّ ، فعلى هذا لا مانع من جعل زيد في مثال المصنّف بدلا من أخوها. وقد هدي الزمخشريّ في المفصّل إلى الحقّ في المسألة ، فقال وقولهم : إنّ البدل في حكم تنحية الأوّل إيذان منهم باستقلاله بنفسه ومفارقته التأكيد والصفة في كونهما تتمتين لما يتبعانه لا أن يعنوا إهدار الأوّل وإطراحه ، ألا تراك تقول : زيد رأيت غلامه رجلا صالحا ، فلو ذهبت تهدر الأوّل لم يسدّ كلامك ، انتهى كلامه (٢).

ومثاله هذا نظير مثال المصنّف ، وفي الارتشاف عن الفارسيّ أنّ معنى قولهم : إنّ المبدل في نيّة الطرح أنّه يقدّر له عامل من جنس الأوّل يعمل به ، لا إنّ الأوّل مطروح ألبتّة ، لأنّ في كلام العرب ما يبطل ذلك ، كزيد ضربته إيّاه ، فلو طرح الضمير لم يبق ما يربط الجملة بالابتداء.

وقال الرضيّ ـ عليه من الله الرضا ـ لا كلام في أنّ المبدل ليس في حكم الطرح لفظا لوجوب عود الضمير إليه في بدل البعض والاشتمال ، وفي بدل الكلّ أيضا ، إذا كان المبدل منه ضميرا (٣) لا يستغنى عنه ، نحو : ضربت الّذي مررت به أخيك ، أو ملتبسا بضمير كذلك ، نحو : الّذي ضربت أخاه زيدا كريم ، وقد يعتبر الأوّل في اللفظ دون الثاني ، قال [من الكامل] :

٥٩٨ ـ وكأنّه لهق السراة كأنّه

ما حاجبيه معيّن بسواد (٤)

__________________

(١) سقط من عطف بيان إلى هنا في «ح».

(٢) الزمخشري ، المفصل في صنعة الإعراب ، الطبعة الأولى ، بيروت ، دار لكتب العلمية ، ١٤٢٠ ه‍. ص ١٥٥.

(٣) سقط ضميرا في «ح».

(٤) هو للأعشي. اللغة : اللهق : البياض ، السراة : أعلى الشيء. وثور الوحش يوصف بأنّه لهق السراة.

٥٦٧

وقال [من الكامل] :

٥٩٩ ـ إنّ السّيوف غدوّها ورواحها

تركت هوازن مثل قرن الأعضب (١)

ولو كان في حكم الطرح لفظا لم يعتبر هو دون الثاني.

وليس في حكم الطرح معنى إلا في بدل الغلط ، وقولهم : إنّ المقصود بالنسبة هو البدل دون المبدل منه ممنوع إلا في بدل الغلط ، لأنّ المبدل منه في الأبدال الثلاثة منسوب إليه في الظاهر ، ولا بدّ أن يكون في ذكره فائدة لم تحصل لو لم تذكر صونا لكلام الفصحاء عن اللغو ، ولا سيّما كلامه تعالى وكلام نبيه (ص) ، فادّعاء كونه غير مقصود بالنسبة مع كونه منسوبا إليه في الظاهر واشتماله على فائدة يصحّ أن ينسب إليه لأجلها دعوى خلاف الظاهر ، انتهى.

«وفي نحو : يا زيد الحارث ، وجاء الضارب الرجل زيد» ، فالحارث في المثال الأوّل عطف بيان على زيد ، وزيد في المثال الثاني عطف بيان على الرجل ، ولا يجوز أن يكونا بدلين ، «لأنّ البدل في نيّة تكرار العامل» فلو جعلا بدلين كان التقدير يا الحارث وجاء الضارب زيد. والحال أن «يا الحارث» بالجمع بين أل وحرف النداء «والضارب زيد» بإضافة الصفة المحلّاة بأل إلى المجرّد منها «ممتنعان» ، لأنّ أل وحرف النداء لا يجتمعان هنا ، والصفة المحلّاة بأل إلى المجرّد منها ممتنعان ، لأنّ أل وحرف النداء لا يجتمعان هنا ، والصفة المحلّاة بأل لا تضاف إلا إلى المعرّف بها ، وأجاز الفرّاء إضافة الصفة المذكورة إلى جميع المعارف ، فلا يمتنع عنده جعل زيد بدلا من الرّجل.

فائدة : قال الأعلم في شرح الجمل : الدليل على أنّ البدل في نية تكرار العامل ثلاثة أدّلة : شرعيّ ولغويّ وقياسيّ. فالشرعيّ في قوله تعالى : (اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ* اتَّبِعُوا) [يس / ٢١ و ٢٠] ، و (قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) [الأعراف / ٧٥] ، واللغويّ قول الشاعر [من الوافر] :

٦٠٠ ـ إذا ما مات ميت من تميم

فسرّك أن يعيش فجئ بزاد

بخبز أو بلحم أو بتمر

أو الشيء الملفّف في البجاد (٢)

والقياسيّ نحو : يا أخانا زيد ، إذ لو كان في غير نيّة النداء لقال : يا أخانا زيدا.

تنبيهات : الأوّل : هذه العلّة وهي كون البدل في نية تكرار العامل تجرى في مسائل أخر ، فتمتنع البدليّة ، ويتعيّن عطف البيان ، ولذلك قال المصنّف في نحو : يا زيد الحارث.

__________________

(١) هو للأخطل. اللغة : هوازن : أبو قبيلة ، وهو هوازن بن منصور بن عكرمة ، الأغضب : المكسور القرن.

(٢) هما ليزيد بن عمرو بن الصعق أو لأبي المهوش الأسدي. اللغة : البجاد : كساء مخطّط (ج) بجد.

٥٦٨

فمنها أن يتبع مجرور ، أي بمفصّل ، نحو : بأيّ الرجلين زيد وعمرو مررت ، فلو جعلت زيدا ، وما عطف عليه بدلا من الرجلين ، والبدل في نيّة تكرار العامل ، لزم إضافة أيّ إلى المعرفة المفردة ، وهي لا تضاف إليها إلا إذا كان بينهما جمع مقدّر ، نحو : أيّ زيد أحسن ، بمعنى أي أجزائه أحسن ، أو عطف على أيّ مثلها ونحو [من الكامل] :

٦٠١ ـ ...

أيّي وأيّك فارس الأحزاب (١)

ومنها أن يتبع مجرور كلا بمفصّل ، نحو : كلا أخويك زيد وعمرو عندي ، فلو جعل زيد وما عطف عليه بدلا من أخويك ، لزم إضافة كلا إلى مفرد ، وهي أنّما تضاف إلى مثنى غير مفرد ، وشذّ قوله [من البسيط] :

٦٠٢ ـ كلا أخي وخليلي واجدي عضدا

في النّائبات وإلمام الملّمات (٢)

ومنها أن يتبع المنادى باللقب مرفوعا أو منصوبا نحو : يا سعيد كرز (٣) بالفرع أو كرزا بالنصب ، فلو جعل كرز أو كرزا بدلا لزم ضمّة بخلاف يا سعيد كرز بالضمّ ، فإنّه يمتنع أن يكون عطف بيان ، ويجب إعرابه بدلا.

الثاني : امتناع البدليّة في جميع هذه المسائل مبنيّ على أنّ البدل لا بدّ أن يكون في نيّة تكرار العامل ، وفيه نظر ، لأنّهم يغتفرون في الثواني ما لا يغتفرون في الأوائل ، وقد جوّزوا في أنّك أنت ، كون أنت تاكيدا ، وكونه بدلا ، مع أنّه لا يجوز إن أنت ، قاله ابن هشام في حواشي التسهيل ، وسبقه إلى ذلك ابن القواس في شرح الدرّة.

قال ابن النحاس في التعليقه : إنّما اغتفر في الثواني ما لم يغتفر في الأوائل من قبل أنّه إذا كان ثانيا يكون ما قبله قد ، وفي الموضع ما يقتضيه مجازا لتوسّع في ثاني الأمر بخلاف ما لو أتينا بالتوسّع من أوّل الأمر ، فإنّا حينئذ لا نعطي الموضع شيئا ممّا يستحقّه ، انتهى. وهذه قاعدة يبتني عليها كثير من المسائل ، فاحفظها.

ما افترق فيه عطف البيان والبدل : الثالث : إنّما قال المصنّف (ره) : ويفترق عن البدل في نحو : هند قام أخوها إلخ إشارة إلى أنّ عطف البيان يفترق عن البدل في غير ما ذكره من الصور.

__________________

(١) صدره «فلئن لقيتك خاليين لتعلمن» ، ولم يسمّ قائله. اللغة : خاليين : منفردين وهو حال من الفاعل والمفعول.

(٢) لم يعين قائله. اللغة : عضدا : معينا وناصرا ، النائبات : جمع نائبة ، وهي ما ينتاب الإنسان ويعرض له من نوازل الدهر ، إلمام : نزول ، الملمات : جمع ملمة ، وهي ما يترل بالمرء من المحن والمصائب.

(٣) كرز : لقب : قال سيبويه : إذا لقبت مفردا بمفرد أضفته إلى اللقب ، وذلك قولك : هذا سعيد كرز ، جعلت كرزا معرفة لأنّك أردت المعرفة الّتي أردتها إذا قلت : هذا سعيد ، فلو نكّرت كرزا صار سعيد نكرة لأنّ المضاف أنّما يكون نكرة ومعرفة بالمضاف إليه. لسان العرب ٤ / ٣٤١٥.

٥٦٩

فمنها أنّ عطف البيان لا يكون مضمرا ولا تابعا لمضمر ، لأنّه في الجوامد نظير النعت في المشتقات ، قال في المغني : ووهم الزمخشري وأجاز في (أَنِ اعْبُدُوا اللهَ) [المائدة / ١١٧] ، أن يكون بيانا للهاء من قوله تعالى : (إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ) ذهولا عن هذه النكتة ، وممّن نصّ عليها من المتأخّرين أبو محمد بن السّيّد وابن مالك ، والقياس معهما ، وأمّا البدل فيكون عند الجمهور تابعا لمضمر كرأيته إيّاه ، ولظاهر كرأيت زيدا ، وخالفهم ابن مالك ، وقد مرّ الكلام على ذلك.

ومنها أنّه لا يخالف متبوبه في تعريفه وتنكيره ، وأمّا قول الزمخشريّ إنّ (مَقامُ إِبْراهِيمَ) عطف على (آياتٌ بَيِّناتٌ) [آل عمران / ٩٧] ، فقال ابن هشام : إنّه سهو ، ثمّ اعتذر عنه بقوله قد يكون عبّر عن البدل بعطف البيان لتآخيهما ، ولا يختلفون في جواز التخالف في البدل كما مرّ. قال الرضيّ ، والّذي يقول عندي إنّه يجوز التخالف في عطف البيان أيضا.

ومنها أنّه لا يكون جملة بخلاف البدل ، نحو : (ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ) [فصلت / ٤٣] ، ونحو : (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) [الأنبياء / ٣] ، وهو أصحّ الأقوال في عرفت زيدا أبو من هو.

ومنها أنّه لا يكون تابعا لجملة بخلاف البدل ، نحو (اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ* اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً) [يس / ٢١ و ٢٠] ، ونحو (أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ* أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ) [الشعراء / ١٣٣ و ١٣٢] ، وقوله [من الطويل] :

٦٠٣ ـ أقول له ارحل لا تقيمنّ عندنا

وإلا فكن في السّرّ والجهر مسلما (١)

ومنها أنّه لا يكون فعلا تابعا لفعل بخلاف البدل نحو : (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً* يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ) [الفرقان / ٦٩ و ٦٨].

ومنها أنّه لا يكون بلفظ الأوّل ، ويجوز ذلك في البدل بشرط أن يكون مع الثاني زيادة بيان كما مرّ ، وهذا الفرق ذهب إليه ابن الطراوة ، وتبعه ابن مالك وولده ، وحجّتهم أنّ الشيء لا يبيّن نفسه ، وقد مضي إبطالها على أنّ حجّتهم هذه تقضي أنّ البدل ليس مبيّنا للمبدل منه ، وليس كذلك ، ولهذا منع سيبويه : بي المسكين ، وبك المسكين ، دون به المسكين ، وإنّما يفارق البدل عطف البيان في أنّه بمترلة جملة استونفت للتبيين ، والعطف تبيين بالمفرد المحض ، قاله ابن هشام في المغني.

__________________

(١) لم يسمّ قائله.

٥٧٠

الأسماء العاملة المشبهة بالأفعال

المصدر

ص : الأسماء العاملة المشبّهة بالأفعال وهي خمسة أيضا :

الأوّل : المصدر ، وهو اسم للحدث الّذي اشتقّ منه الفعل ، ويعمل عمل فعله مطلقا ، إلا إذا كان مفعولا مطلقا ، إلا إذا كان بدلا عن الفعل ، ففيه وجهان ، والأكثر أن يضاف إلى فاعله ، ولا يتقدّم معموله عليه ، وإعماله مع اللّام ضعيف ، كقوله «ضعيف النّكاية اعداءه».

ش : هذه «الأسماء العاملة» عمل الفعل «المشبّهة بالأفعال» ، إعلم أنّ العمل أصل في أفعال ، فرع في غيرها ، وذلك أنّ الفعل وضع ليسند إلى شيء ، فلذلك وجب ذكر مرفوعه ، لأنّه مقتضاه ، والمقتضي مرتبته التقديم على مقتضاه ، وكان حقّه أن لا يطلب غير المسند إليه ، ولا يعمل إلا فيه ، لأنّه لم يوضع لطلب غيره ، لكنّه عمل في غير المسند إليه من المفاعيل الّتي لم تقم مقام الفاعل بالتبعيّة للفاعل لاقتضائه لها ، فصار الفعل في عمل المسند إليه أصلا ، وفي غيره تبعا ، وغير الفعل من الصفات والمصدر فروع عليه في العمل ، لأنّها لم توضع لما وضع له الفعل ، لكنّها شابهت الفعل من حيث دلالتها على معناه ، فأعملت عمله.

«وهي أيضا خمسة : المصدر» واسما الفاعل والمفعول والصفة المشبهة وأفعل التفضيل ، وعدّها بعضهم ستّة بزيادة اسم الفعل ، واعتذر المصنّف عن إهماله في الحاشية بعدم اشتداد الحاجة إليه ، وبعضهم سبعة بزيادة المثال (١) ، ولم يتعرّض له ، لأنّه محوّل من اسم الفاعل ، كما سنبيّنه.

وأوصلها ابن هشام في الشذور إلى عشرة ، السبعة المذكورة واسم المصدر والظرف والمجرور المعتمدان (٢) ، وأمّا اسم المصدر فإنّما لم يعترض له ايضا لندورا أعماله ، بل البصريّون يمنعون إعماله نظرا إلى أنّ أصل وضعه لغير المصدر ، وأمّا الظرف والمجرور المعتمدان فاكتفى عن ذكره هنا بذكره في حديقة الجمل ، وسيأتي الكلام عليها هنالك ، إن شاء الله تعالى.

تنبيه : إنّما أتي المصنّف بأيضا هنا لموافقة هذه الأسماء ما ذكر قبلها من التوابع في العدد الأوّل من الأسماء العاملة عمل الفعل المصدر ، هذا التعبير متّفق عليه ، قال في شرح

__________________

(١) المثال : ما حول للمبالغة من فاعل إلى فعّال أو مفعال أو فعول بكثرة ، أو فعيل أو فعل بقلّة ، شذور الذهب ، ص ٣٩٢.

(٢) يعني اعتمد الظرف والمجرور على النفي أو الاستفهام أو الاسم المخبر عنه أو الاسم الموصوف أو الاسم الموصول. المصدر السابق ، ص ٤١٠.

٥٧١

الضوء (١) : وإنّما سمّي به ، لأنّ الفعل يصدر عنه ، والمصدر في الأصل هو الموضع الّذي تصدر عنه الإبل.

قال الرضيّ وسيبويه : يسمّى المصدر فعلا وحدثا وحدثانا ، قال ابن مالك : وهو من تسمية الشيء بلفظ مدلوله ، وبدأ به ، لأنّه أصل المشتقّ على الصحيح كما سيأتي ، ولأنّه يعمل في الأزمنة كلّها.

«وهو اسم للحدث» أي اسم يدلّ على الحدث مطابقة كالضرب أو تضمّنا كالجلسة والجلسة ، وهذا كالجنس يشمل المحدود وغيره من أسماء المصادر ونحوها ، وقوله : «الّذي اشتقّ منه الفعل» أخرج ما عدا المحدود ، وهذا الحدّ أولى من حدّه في التهذيب (٢) تبعا للكافية ، بأنّه اسم الحدث الجاري على الفعل لما في لفظ الجرى ان من الإبهام الّذي ينبغي صيانة الحدّ عن مثله ، وفسّر بعضهم جرى انه على الفعل باشتماله على جميع حروفه ، وهو منقوض بالصفات كاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة ، فإنّها جارية على الفعل بالمعنى المذكور لاشتمالها على جميع حروف أفعالها ، فالأولى أن يفسّر الجريان بما قاله غير واحد من أنّه إيراد اسم الحدث بعد ما اشتقّ منه منصوبا به على أنّه مفعول مطلق ، وحينئذ تخرج المذكورات قطعا.

ثمّ حدّه هنا مبنيّ على مذهب البصريّين من أنّ المصدر أصل الفعل ، وهو فرعه ، وذهب الكوفيّون إلى العكس ، وقال ابن طلحة ، كلّ منهما أصل ، فلا اشتقاق.

احتجّ البصريّون من ثلاثة أوجه :

أحدها : أنّ المصدر اسم ، والاسم أولى بالأصالة من الفعل.

الثاني : أنّ المصدر يدلّ على معنى واحد ، وهو الحدث ، والفعل يدلّ على معنيين ، وهما الحدث والزمان ، والواحد قبل الاثنين.

الثالث : وهو العمدة ، إنّ كلّ فرع يوجد من أصل ، ويصاغ منه ، ينبغي أن يكون في الفرع ما في الأصل مع زيادة ، هي الغرض من الصوغ كالباب من الساج والخاتم من الفضة ، وهكذا حال الفعل فيه معنى المصدر مع زيادة أحد الأزمنة الّتي هي الغرض من وضع الفعل ، لأنّه كان يحصل في نحو قولك : لزيد ضرب ، نسبة الضرب إلى زيد ، لكنّهم طلبوا بيان زمان الفعل على وجه أخصر (٣) ، فوضعوا الفعل الدالّ بجوهر حروفه على المصدر وبوزنه على الزمان.

__________________

(١) «الضوء» شرح لمحمد بن محمد الأسفرايني على كتاب «المصباح» في النحو للمطرزي النحويّ المتوفى سنة ٦١٠ ه‍ ق ، وقد اعتني عدد من العلماء بشرح الضوء. كشف الظنون ٢ / ١٧٠٨.

(٢) التهذيب في النحو لأبي البقاء العكبري المتوفى سنة ٥٣٨ ه‍ ق المصدر السابق ١ / ٥١٨.

(٣) أخصر : أوجز.

٥٧٢

واحتجّ الكوفيّون من ثلاثة أوجه أيضا :

الأوّل : إنّ الفعل يعمل في المصدر كقوله : نظرت نظرا ، والعامل أولى بالأصالة ، ونقض بالحروف ، فإنّها يعمل في الأسماء والافعال ، وليست أصولا لها.

الثاني : إنّ المصدر يذكر توكيدا للفعل كقولك : قمت قياما ، والمؤكّد أولى بالإصالة ، ونقض بنحو : قام القوم أجمعون ، مع أنّ أحدهما غير مشتقّ من الآخر.

الثالث : إنّ المصدر يعتلّ بإعتدال الفعل كقولك : قام قياما وصام صياما ، ويصحّ بصحّته كقولك : عاود عوادا ، والمتبوع أولى بالأصالة ، ونقض بالمضارع ، فإنّه يعتلّ بإعتلال الماضي ، نحو : قام يقوم ، ويصحّ بصحّته ، نحو : عور يعور ، وليس أحدهما مشتقّا من الآخر.

تنبيهات : الأوّل : بنى بعض المتأخّرين تعيّن الفعل الّذي يشتقّ المصدر منه على قول الكوفيّين على الخلاف في الأفعال أيّما زمانه أسبق. فقيل : الماضي ، وقيل : المستقبل ، وهو الحقّ ، لأنّ الماضي كان قبل وجوده مستقبلا ، إذ هو مسبوق بعدمه.

الثاني : اختلف في الصفة ، فالجمهور على أنّ أصلها المصدر ، قال ابن مالك في شرح التسهيل ببعض ما استدللنا به على فرعية الفعل بالنسبة إلى المصدر ، ويستدلّ على فرعية الصفة بالنسبة إليه ، لأنّ كلّ صفة تضمّنت حروف الفعل فيها ما في المصدر من الدلالة على الحدث ، وتزيد بالدلالة على ما هي له كما زاد الفعل بالدلالة على الزمان المعيّن ، فيجب كون الصفة مشتقّة من المصدر لا من الفعل ، إذ ليس فيها ما في الفعل من الدلالة على زمان معيّن ، وذهب جماعة إلى أنّ أصلها الفعل ، ونسب الرضيّ هذا القول إلى السيرافيّ.

وقال العلامة الحسن بن المطهر الحليّ (ره) (١) في نهاية الأصول : ذكر أبو على في التمكلة (٢) أنّها مشتقّة من الأفعال ، وكذا عبد القاهر ، واستدلّ أبو على بكونها جارية على سنن الأفعال وطريقتها ، والأفعال أصولها القريبة ، والمصادر الّتي هي أفعال حقيقة أصولها البعيدة ، وإذا ثبت هذا كان لنا أن نشتقّها من الأفعال لأصالتها القريبة ومن المصادر لأصالتها البعيدة ، انتهى.

__________________

(١) الحسن بن يوسف بن على بن المطهر الحليّ يعرف بالعلّامة من أئمة الشيعة وأحد كبار العلماء له كتب كثيرة منها «كتر العرفان في معرفة القرآن» و «مطالب العلمية في علم العربية. الأعلام للزركلي ٢ / ٢٤٤ ..

(٢) التكملة كتاب في النحو ، صنفه أبو على الفارسي بعد تصنيف الإيضاح في النحو. كشف الظنون ١ / ٢١١.

٥٧٣

أنواع الاشتقاق : فائدة : الاشتقاق ثلاثة أقسام : أصغر : وهو اتّفاق اللفظين في الحروف الأصليّة والترتيب ، نحو : بصر وبصير ، وصغير ، ويسمّي كبيرا. وأوسط ، وهو اتّفاقها في الحروف دون الترتيب ، نحو : جيذ وجذب. وأكبر : وهو اتّفاقها في بعض الحروف دون بعض ، نحو : ثلم وثلب ، وحيث أطلق الاشتقاق ، فالمتبادر الأوّل.

«ويعمل المصدر عمل فعله» المشتقّ منه في التعدي واللزوم ، فإن [كان] لازما (١) لزم المصدر ، أو متعديّا ، تعدّي على حسب تعدية ، فتقول : عجبت من قيامك ومن ضربك زيدا ، ومن إعطائك زيدا درهما ، ومن ظنّك عمرا قائما ، ومن إعلامك زيدا (٢) عمرا قائما. «مطلقا» أي سواء كان ماضيا أو حالا أو مستقبلا ، تقول : أعجبني ضرب زيد عمرا أمس ، كما تقول : الآن أو غدا.

سبب إعمال المصدر : تنبيهان : الأوّل : اختلف في سبب إعمال المصدر عمل فعله ، فقيل : لشبهه بالفعل معنى من حيث كونه بتقدير أن والفعل ، وهو قضية كلام المصنّف (ره) حيث قال في ترجمة باب الأسماء العاملة لشبهه بالأفعال ، فتأمّل.

قال الرضيّ : وتقديرهم له بأن والفعل لا يتمّ إذا كان بمعنى الحال ، لأنّ أن إذا دخلت على المضارع خلّصته للاستقبال ، بخلاف ما إذا دخلت على الماضي فإنّه يبقى معها على معنى المضي ، لكنهم قدّروه بأن دون ما وكي ، وإن كان في الحال أيضا لكونها أشهر وأكثر استعمالا منهما ، ولتقديرهم له بأن والفعل ، ووهم بعضهم فظنّ أنّه لا يعمل حالا لتعذّر تقديره إذن بأن ، انتهى.

وقال غير واحد منهم ابن هشام في الأوضح والقطر ما معناه أنّه إذا كان بمعنى المضيّ أو الاستقبال قدّر بأن ، وإذا كان بمعنى الحال قدّر بما. قال الدمامينيّ : ولك تقدير المصدر في جميع الحالات بالفعل مع ما ، لأنّها تدخل على الأفعال الثالثة ، نحو أعجبتني ما صنعت أمس ، وما تصنع الأن ، وما تصنع غدا ، انتهى.

وقال ابن مالك في شرح الكافية : يعمل المصدر عمل فعله لا لشبهه بالفعل ، بل لأنّه أصل ، والفعل فرع ، ولذلك يعمل مرادا به المضيّ أو الحال أو الاستقبال بخلاف اسم الفاعل ، فإنّه يعمل لشبهه بالفعل المضارع ، فاشترط كونه حالا أو مستقبلا ، لأنّهما مدلولا المضارع. وقال بعضهم : إنّما عمل لنيابته عن الفعل ، ولذلك عمل في الأزمنة كلّها ، لأنّ الفعل لا يشترط فيه زمان مخصوص.

__________________

(١) لازما ذكر في «س وح».

(٢) سقط زيدا في «ح».

٥٧٤

شرط عمل المصدر : الثاني : يشترط لعمل المصدر أمورا.

الاوّل : أن لا يصغّر ، فلا يقال : أعجبني ضريبك زيدا ، لأنّ التصغير من خصائص الأسماء ، فيبعد به عن الفعل ، وهذا الشرط مجمع عليه.

الثاني : أن لا يحدّ بالتاء أو التثنية أو الجمع ، فلا يقال : أعجبتني ضربتك أو ضربتاك أو ضرباتك زيدا ، لأنّ الفعل يصدق على القليل والكثير ، والمصدر إنّما عمل لمشابهته له أو أصالته أو نيابته عنه ، فروعي فيه أن لا يبعد عنه بالتحديد بما ذكر ، وما ورد في كلامهم ممّا يخالف ذلك فشاذّ ، لا يقاس عليه ، قاله ابن مالك.

الثالث : أن لا يتبع بنعت أو غيره قبل العمل فلا يقال : أعجبني ضربك الشديد زيدا ، لأنّه مع معموله كموصول مع صلته ، فلا يفصل بينهما ، وأما قول الحطيئة [من البسيط] :

٦٠٤ ـ أزمعت يأسا مبينا من نوالكم

ولن ترى طاردا للحرّ كاليأس (١)

فمن متعلّق بيئست محذوفا لا بيأسا ، كما توهّمه بعضهم ، فإن اتبع بعد العمل جاز كقوله [من الخفيف] :

٦٠٥ ـ إنّ وجدي بك الشديد أراني

عاذرا فيك من عهدت عذولا (٢)

الرابع : أن لا يكون مضمرا ، فلا يقال : ضربي زيدا أحسن ، وهو عمرا قبيح ، لأنّه بالإضمار يبعد عن مشابهة الفعل ، وأجاز ذلك الكوفيّون ، واستدلّوا بقول زهير [من الطويل] :

٦٠٦ ـ وما الحرب إلا ما علمتم وذفتم

وما هو عنها بالحديث المرجّم (٣)

قالوا : فعنها متعلّق بالضمير العائد إلى الحديث المفهوم من السياق ، وتأوّله البصريّون على تعليق عن بمحذوف ، أي أعني عنها ، وفيه نظر ظاهر.

وأجاز أبو على في رواية الرمانيّ وابن جنيّ إعماله مضمرا في المجرور ، وجماعة في الظرف ، وأجاز الرضيّ إعماله فيها. قال ابن عقيل : وأطلق النّحويّون النقل عن الكوفيّين في إعمالهم ضمير المصدر مع اختلاف النقل في إعمال صريحه.

الخامس : أن لا يكون محذوفا ، لأنّه يكون كحذف الموصول مع بعض الصلة وإبقاء البعض ، إذ هو مع معموله كموصول (٤) مع صلة. قال ابن هشام في شرح القطر : ولهذا

__________________

(١) اللغة : أزمعت : عزمت وصممت ، النوال : النصيب والعطاء.

(٢) لم ينسب هذا البيت إلى قائل معين. اللغة : الوجد : العشق ، عذولا : فعول بمعنى الفاعل : أي عاذل ، أو هو صيغة مبالغة معناه الشديد العذل والعذل : اللوم والتعنيف على ما تفعله.

(٣) اللغة : الذوق : التجربة ، والحديث المجرم : الّذي يرجم فيه بالظنون ، أي يحكم فيه بظنونها.

(٤) سقطت «إذ هو مع معموله كموصول» في «ح».

٥٧٥

ردّوا على من قال في بسم الله : إنّ التقدير ابتدائي بسم الله ثابت ، فحذف المبتدأ والخبر ، وأبقي معمول المبتدإ ، وجعلوا من الضرورة قوله [من البسيط] :

٦٠٧ ـ هل تذكرنّ إلى الدّيرين هجرتكم

ومسحكم صلبكم رحمان قربانا (١)

لأنّه بتقدير وقولكم يا رحمن قربانا ، انتهى ، والأولى أن يقال : أنّه بتقدير قائلين يا رحمن قربانا.

فإذا توفّرت هذه الشروط للمصدر عمل عمل فعله مطلقا ، كما مرّ ، «إلا إذا كان مفعولا مطلقا» لأنّ تقديره بأن والفعل أو بما والفعل حينئذ متعذّر ، إذ ليس معنى ضربت ضربا أو ضربة أو ضربا شديدا ضربت أن ضربت ، وأمّا قولك : ضربت ضرب الأمير اللص ، فالمصدر العامل ليس مفعولا مطلقا في الحقيقة ، بل المفعول المطلق محذوف ، تقديره ضربا مثل ضرب الأمير اللص ، فالعمل في نحو قولك : ضربت ضربا زيدا ، وقولك : ضربة زيدا في جواب من قال لك : كم ضربت؟ ليس للمصدر ، بل للفعل الظاهر في المثال الأوّل وللمقدّر في المثال الثاني ، «إلا إذا كان» المفعول المطلق «بدلا من الفعل» ، أي سادا مسدّه بعد حذفه وجوبا «ففيه وجهان» :

أحدهما : أن يكون العامل الفعل المحذوف ، بناء على أنّ الأصل في العمل له ، ولا ينعزل عنه بالحذف ، وهذا رأي المبرّد والسيرافيّ وجماعة.

الثاني : أن يكون العامل المصدر لا لكونه مصدرا ، بل لكونه بدلا عن الفعل بدليل أنّه لا يجمع بينهما لفظا ، كما لا يجمع بين البدل والمبدل منه ، فإذا قلت سقيا زيدا ، فزيدا منصوب سقيا من حيث إنّه قام مقام اسق ، لا من حيث كونه مصدرا هو مفعول مطلق ، وإلا لزم أن يعمل كلّ مصدر هو مفعول مطلق ، وهذا الوجه ذهب إليه سيبويه والأخفش والفرّاء والزجّاج والفارسيّ ، وذهب بعضهم إلى أنّ العامل فعل من غير لفظ المصدر كالزم ونحوه ، وهذا وجه ثالث.

تنبيه : المفعول المطلق لا يكون بدلا عن الفعل حقيقة ، إذ لو كان لم يقدّر الفعل قبله ، فلم ينتصب ، وإنّما يقال : إنّه بدل عن الفعل مجازا ، إذا لم يجز إظهار الفعل ، فكأنّه بدل منه ، قاله الرضيّ.

«والأكثر» في المصدر «أن يضاف إلى فاعله» ، لأنّه محلّه الّذي يقوم به ، فجعله معه كلفظ واحد باضافته إليه أولى من رفعه له ، ومن جعله مع مفعوله كلفظ واحد نحو قوله تعالى : (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ) [البقرة / ٢٥١] ، ويجوز أن يضاف إلى مفعوله إذا قامت

__________________

(١) هو لجرير من قصيدة طويلة يهجو فيها الأخطل. اللغة : الديرين : تثنيه الدير ، وهو معبد من معابد النصاري ، صلبكم : جمع صليب ، قربانا : أي تقربا.

٥٧٦

قرينة على كونه مفعولا إمّا بمجئ تابع له منصوب حملا على المحلّ ، نحو : أعجبني ضرب زيد الكريم بنصب الكريم ، أو بمجي الفاعل بعده صريحا كقوله [من البسيط] :

٦٠٨ ـ أفني تلادي وما جمّعت من نشب

قرع القواقيز أفواه الأباريق (١)

فيمن رواه برفع الأفواه ، والقوافيز جمع قاقوزة بالزاء ، وهو القدح ، ويروى القوارير بالراء المهملة أو بقرينة معنويّة ، نحو : أعجبني أكل الخبر.

إعراب تابع ما أضيف إليه المصدر : تنبيه : تابع ما أضيف إليه المصدر من فاعل أو مفعول يجرّ على اللفظ ، أو يحمل على المحلّ ، فيرفع إن كان المضاف إليه فاعلا كقوله [من الكامل] :

٦٠٩ ـ حتى تهجّر في الرّواح وهاجها

طلب المعقّب حقّه المظلوم (٢)

برفع المظلوم نعتا للمعقّب على محلّه ، أي كما يطلب ، والمعقّب المظلوم حقّه ، وينصب إن كان المضاف إليه مفعولا كقوله [من الرجز] :

٦١٠ ـ قد كنت دانيت بها حسّانا

مخافة الإفلاس والليّانا (٣)

فالليّان عطف على محلّ الإفلاس.

هذا مذهب الكوفيّين وبعض البصريّين ، وذهب سيبويه والجمهور إلى منع الاتّباع على المحلّ ، وما جاء من ذلك فمؤوّل. قال المراديّ : والظاهر الجواز لكثرة الشواهد على ذلك ، والتأويل خلاف الظاهر ، انتهى.

وعلى الجواز فقد اختلف في المختار من ذلك ، فقال طائفة : المختار الاتّباع على اللفظ ، وقال الكوفيّون : وهو كذلك إلا أن يفصل بين التابع والمتبوع بشيء فيستويان ، نحو : يعجبني ضرب زيد عمرا وبكر ، ويتعيّن الإتّباع على المحلّ بلا خلاف ، إذا كان المفعول المضاف إليه ضميرا ، نحو : يعجبني زيد إكرامكه وعمرا ، ولا يجوز الاتّباع على اللفظ إلا في ضرورة ، ذكره [أبو حيّان] في الإرتشاف.

__________________

(١) هو للأقيشر الأسديّ واسمه المغيرة بن الأسود. اللغة : التلاد : المال القديم ، نشب : الثابت من الأموال كالدور والضياع.

(٢) هو للبيد بن ربيعة العامري يصف حمارا وحشيأ وإتانه. وشبه به ناقته. اللغة : تهجّر : سار في الهاجرة. الرواح : هو الوقت من زوال الشمس إلى الليل ويقابله الغدو ، هاجها : أزعجها ، المعقب : الّذي يطلب حقّه مرّة بعد أخري.

(٣) ينسب هذا البت إلى زياد العنبري وروبة بن العجاج التميمي. اللغة : دانيت : أقرضته وأقرضني ، حسّان : اسم رجل ، الإفلاس : الفقر ، الليّان : الممّاطلة في أداء الدين.

٥٧٧

تقدّم معمول المصدر عليه : «ولا يتقدّم معموله» أي المصدر «عليه» ، لأنّه عند العمل مؤوّل بحرف مصدريّ مع الفعل ، والحرف المصدري موصول ، ومعمول المصدر في الحقيقة معمول الفعل الّذي هو صلة الحرف ، ومعمول الصلة لا يتقدّم على الموصول ، وأمّا قوله [من الهزج] :

٦١١ ـ وبعض الحلم عند الجهل للذّلة إذعان

 ... (١)

فمؤوّل على إضمار فعل.

قال ابن هشام : وأجاز السهيليّ تقديم الجار والمجرور ، واستدلّ بقوله تعالى : (لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً) [الكهف / ١٠٨] ، وقولهم : أللهمّ اجعل لنا من أمرنا فرجا ومخرجا ، انتهى.

وتبعه الرضيّ فقال : وأنا لا أري منعا من تقديم معموله عليه ، إذا كان ظرفا أو شبهه ، نحو : قولك : أللهمّ ارزقني من عدوّك البراءة وإليك الفرار ، وقال تعالى : (وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ) [النور / ٢] ، وقال : (بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) [الصافات / ١٠٢] ، وفي نهج البلاغه : قلّت عنكم نبوته (٢). ومثله في كلامهم كثير ، وتقدير الفعل في مثله (٣) تكلّف ، وليس كلّ مؤوّل بشيء حكمه حكم ما أوّل به ، فلا منع من تأويله بالحرف المصدريّ من جهة المعنى ، مع أنه لا يلزمه أحكامه ، بلي لا يتقدّم عليه المفعول الصريح لضعف عمله ، والظرف وأخوه يكفيهما رائحة الفعل ، حتى أنّه يعمل فيهما ما هو في غاية البعد من العمل كحرف النفي في قوله تعالى : (ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) [القلم / ٢] ، فقوله : (بِنِعْمَةِ رَبِّكَ) متعلّق بمعنى النفي ، أي انتفي بنعمة الله وبحمده منك الجنون ، ولا معنى لتعلّقه بمجنون ، انتهى.

قال الدمامينيّ : وهنا نكتة ، ينبغي التنبيه لها ، وهي أنّ المصدر إنّما يتقدّر بالحرف المصدريّ والفعل ، حيث يكون فاعل المصدر أو نائبه مذكورا ، أمّا بطريق الرفع كما في أعجبني قيام الزيدان وضرب السارقان لإمكان التأويل هنا ، لأنّك إذا جئت بالفعل وجدت في اللفظ ما تستند إليه فيستقيم التأويل ، وأمّا حيث لا يكون للفاعل ولا نائبه ذكر في الترتيب أصلا ، فإنّ التأويل بذلك يمتنع لما يلزم من بقاء الفعل بلا فاعل أو نائب عنه.

__________________

(١) هو للفند الزماني.

(٢) نهج البلاغة ، ترجمة جعفر شهيدي خطبة ٢٢١.

(٣) حذف مثله في «ح».

٥٧٨

ففي القسم الأوّل يمتنع التقديم ، لأنّه من باب تقديم معمول الصلة على الموصول ، فإن تقدّم ما يتخيّل أنّه معمول للمصدر قدّر له عامل متقدّم يفسّره المتأخّر ، كما إذا قلت : أعجبني عن الشعر بعدك ، فالتقدير : أعجبني بعدك عن الشر بعدك ، وحذف المصدر مدلولا عليه بالمذكور آخرا ، وفي القسم الثاني يجوز تقديم معمول الّذي هو ظرف أو شبهه للانتفاء المانع ، نحو : (وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ) [النور / ٢] ، (أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً) [يونس / ٢] ، ومنه قول كعب في قصيدته المشهورة [من البسيط] :

٦١٢ ـ ضخم مقلّدها فعم مقيّدها

في خلقها عن بنات الفحل تفضيل (١)

قال ابن هشام في شرحه لهذه القصيدة عن بنات الفحل يتعلّق بتفضيل ، وإن كان مصدرا ، لأنّه ليس بمنحل بأن والفعل ، ومن ظنّ أنّ المصدر لا يتقدّم معموله عليها مطلقا فهو واهم ، انتهى.

المصدر يعمل منوّنا ومضافا ومقرونا باللام : ثمّ المصدر يعمل منوّنا ومضافا ومقرونا باللام ، لكن إعماله مضافا للفاعل مع ذكر المفعول أو حذفه أكثر من إعماله منوّنا أو مضافا للمفعول أو مقرونا باللام ، نحو : (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) [البقرة / ٢٥١] ، وأمّا إعماله مضافا للمفعول مع ترك الفاعل فكثير ، نحو : (لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ) [فصلت / ٤٩] ، ومع ذكره قليل ، وليس خاصّا بالشعر كما زعم بعضهم بدليل قوله تعالى : (حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) [آل عمران / ٩٧] ، أي وأن يحجّ البيت سبيلا.

قال ابن هشام وغيره : ولا يصحّ الاستدلال بآية الحجّ ، لأنّها ليست من ذلك في شيء ، بل الموصول في موضع جرّ بدل بعض من الناس ، أو في موضع رفع بالابتداء على أنّ من موصولة ضمّنت معنى الشرط أو شرطيّة ، وحذف الجزاء والجواب أي من استطاع فليحجّ ، ويؤيّد الابتداء : (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) [آل عمران / ٩٧] ، وأمّا الحمل على الفاعلية فمفسد للمعنى ، إذ التقدير حينئذ ولله على الناس أن يحجّ المستطيع ، فعلى هذا إذا لم يحجّ المستطيع ، يأثم الناس كلّهم ، انتهى.

قال بعضهم وفي دعوى فساد المعنى نظر ، لأنّ حجّ المستطيع فرض كفاية على جميع المكلّفين ، ومعلوم أنّ المخاطبين بفرض الكفاية إذا لم يقم به أحد منهم فكلّهم آثمون ، انتهى ، فتأمّل.

__________________

(١) هذا البيت من قصيدة بانت سعاد. اللغة : المقلّد : موضع القلادة ، الرقبه ، فعم : واسع ، المقيد : موضع القيد ، بنات الفحل : النوق.

٥٧٩

وإعماله منوّنا أقيس من إعماله مضافا وبأل ، لأنّه يشبه الفعل حينئذ في التنكير ، نحو : (أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً) [البلد / ١٤] ، ومنعه الكوفيّون ، وقالوا : العمل بعده للفعل ، وقدّروا يطعم يتيما.

«وإعماله مع اللام ضعيف» في القياس لبعده عن مشابهة الفعل باقترانه بأل ، وهو قليل في الاستعمال أيضا ، فلذلك لا يعمل عند بعضهم إلا في الشعر «كقوله» أي الشاعر يصف رجلا بضعف الراي [من المتقارب] :

٦١٣ ـ «ضعيف النّكاية أعداءه»

يخال الفرار يراخي الأجل (١)

فالنكاية مصدر مقرون بأل ، وفاعله محذوف ، وأعداؤه مفعوله ، والمعنى ضعيف نكايته أعداءه ، يظنّ أنّ الفرار من الموت يباعد الأجل ، فلا يحارب أعداءه حبّا للسلامة وحذرا من العطب (٢) وفي التتريل : (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ) [الجمعة / ٨] ، وما أحسن قول العميد فخر الكتاب مؤيّد الدين الطغرايي (٣) [من البسيط] :

٦١٤ ـ حبّ السلامة يثني همّ صاحبه

عن المعإلى ويغري المرء بالكسل

وإن جنحت إليه فاتّخذ نفقا

في الأرض أو سلّما في الجوّ فاعتزل

ودع غمار العلى للمقدمين على

ركوبها واقتنع منهنّ بالبلل (٤)

وحكى المراديّ في شرح التسهيل في إعمال المصدر مع أل أربعة مذاهب : أحدها الجواز ، وهو مذهب الخليل وسيبويه. الثاني : المنع ، وهو مذهب الكوفيّين وبعض البصريّين. الثالث : جوازه على قبح ، وهو مذهب الفارسيّ ، وجماعة من البصريّين.

الرابع : التفصييل بين أن تكون أل معاقبة للضمير ، فيجوز نحو : إنّك والضرب خالدا المسئ إليه ، أي إنّك وضربك خالدا ، أو لا تكون معاقبة له ، فلا يجوز نحو : عجبت من الضرب عمرا ، وهو مذهب ابن طلحة وابن طراوة.

قال الشيخ أثير الدين : وهذا المذهب هو الصحيح ، واستدلّ بأنّ أل في الشواهد الّتي ذكروها معاقبة للضمير ، ومن منع إعماله مطلقا قدّر لما يقع بعده من منصوب ناصبا يدلّ عليه المصدر ، فيقدّر في قوله [من المتقارب] :

٦١٥ ـ ضعيف النكاية أعداءه

 ... (٥)

__________________

(١) لم يسمّ قائله. اللغة : النكاية : مصدر نكيت في العدو ، إذا أثرت فيه ، يخال : يظنّ ، يراخي : يؤجل.

(٢) العطب : الهلاك.

(٣) هو مؤيد الدين الاستاذ العميد فخر الكتّاب آخر فحول المشرق في الشعر ، ومن شعره لامية العجم المشهورة ، قتل في فتنة سياسية سنة ٥١٣ ه‍. احمد الاسكندري والآخرون ، المنتخب من أدب العرب ، الجزء الثاني ، لاط ، المطبعة الاميرية بالقاهرة ، ١٩٥١ م ، ص ١٦.

(٤) اللغة : الهم : العزم ، يغري : يولع ، غمار : جمع غمرة وهو الماء الكثير ، البلل : التندية.

(٥) تقدّم برقم ٦١٣.

٥٨٠

ينكي أعداءه.

ولم يسمع رفع الفاعل بعد المعرّف بأل إلا في بيت ، وهو قول الشاعر [من الطويل] :

٦١٦ ـ عجبت من الرّزق المسئ إلهه

ومن ترك بعض الصّالحين فقيرا (١)

بنصب المسئ ورفع الإله ، وهو مصدر رزق يرزق رزقا كذكرا ، وأنكر ابن الطراوة وغيره أن يكون بكسر الراء مصدرا ، بل هو بمعنى المرزوق كالرعي والطحن ، فلا حجّة في البيت على هذا ، بل يرتفع إلهه بفعل مقدّر ، قاله المراديّ في شرح التسهيل.

اسم المصدر : تكميل : لا بأس بالتعرّض لذكر اسم المصدر تتميما للفائدة وتعميما للعائدة ، إذ لا يغني ذكر المصدر عن ذكره ، فنقول إنّه يطلق على ثلاثة أمور :

أحدها : ما لا يعمل اتّفاقا ، وهو ما كان من أسماء الأحداث علما كسبحان علما للتسبيح وفجار وحماد علمين للفجرة والمحمدة.

الثاني : ما اختلف في إعماله ، وهو ما كان اسما لغير الحدث ، فاستعمل له كالعطاء ، فإنّه في الأصل اسم لما يعطي ، ثمّ استعمل لمعنى الاعطاء ، والكلام فإنّه في الاصل اسم للملفوظ به من الكلمات ، ثمّ نقل إلى معنى التكليم ، فهذا النوع ذهب الكوفيّون والبغداديّون إلى جواز إعماله ، واحتجّوا عليه بما ورد من نحو قوله [من الوافر] :

٦١٧ ـ أكفرا بعد ردّ الموت عنّي

وبعد عطائك المائة الرّتاعا (٢)

وقوله [من البسيط] :

٦١٨ ـ قالوا كلامك هندا وهي مصغية

يشفيك قلت صحيح ذاك لو كانا (٣)

والبصريّون يمنعونه ، ويقدّرون للمنصوب بعده فعلا يعمل فيه ، لأنّه لم يكثر كثرة تقتضي أن يقاس عليه.

الثالث : ما يعمل اتّفاقا ، وهو ما بدئ بميم زائدة بغير المفاعلة كمضرب والمقتل ، لأنّه مصدر في الحقيقة ، ويسمّى المصدر الميميّ ، وإنّما سمّوه أحيانا اسم مصدر تجوّزا ، قال ابن هشام : ومن إعماله قول الشاعر [من الكامل] :

__________________

(١) لم يسمّ قائله.

(٢) البيت للقطامي ، واسمه عمر بن شميم ، وهو ابن أخت الأخطل. اللغة : أكفرا : حجودا للنعمة ، ونكرانا للجميل ، ردّ : منع ، الرتاع : جمع راتعه : وهي من الابل الّتي تبرك كي ترعي كيف شاءت لكرامتها على أصحابها.

(٣) لم يعين قائله : اللغة : مصغية : اسم فاعل من أصغى ، وتقول : أصغى فلان إلى حديث فلان : إذا أمال أذنه إليه ليسمعه. يشفيك : يذهب ما بك من سقام الحب.

٥٨١

٦١٩ ـ أظلوم إنّ مصابكم رجلا

أهدى السّلام تحيّة ظلم (١)

فمصاب مصدر ميميّ مضاف إلى فاعله ، ورجلا مفعوله ، وجملة أهدي السّلام نعت رجلا وتحية مفعول مطلق على حدّ قعدت جلوسا ، وظلم خبر أنّ ، وظلوم اسم امراة منادي بالهمزة.

ولهذا البيت حكاية شهيرة بين أهل الأدب ذكر أبو محمد الحريرى (٢) في درّة الغواص ، وهي ما رواه أبو العباس المبرّد. قال : قصد بعض أهل الذمّة أبا عثمان المازنيّ ، ليقرأ كتاب سيبويه عليه ، وبذل له مائة دينار على تدريسه إيّاه ، فامتنع أبو عثمان من قبول بذله ، وأصرّ على ردّه. قال ، فقلت : له جعلت فداك ، أتردّ هذه النفقة مع فاقتك (٣) وشدّة إضافتك؟ فقال : إنّ هذا الكتاب يشمل على ثلاثمائة وكذا وكذا آية من كتاب الله ، ولست أري إن أمكن منها ذمّيّا غيرة على كتاب الله تعالى وحميّة له ، قال فاتّفق أن غنّت جارية بحضرة الواثق (٤) بقول العرجيّ [من الكامل] :

٦٢٠ ـ أظلوم إنّ مصابكم رجلا

 ... (٥)

فاختلف من بالحضرة في إعراب رجل ، فمنهم من نصبه ، وجعله اسم إنّ ، ومنهم من رفعه على أنّه خبرها ، والجارية مصرّة على أنّ شيخها أبا عثمان لقّنها إيّاه بالنصب ، فأمر الواثق بأشخاصه ، قال أبو عثمان ، فلمّا مثّلت بين يديه ، قال : ممّن الرجل؟ قلت : من بني مازن ، قال أي الموازن؟ أمازن قيس أم مازن ربيعة؟ قلت : من مازن ربيعة ، فكلّمني بكلام قومي ، فقال لي با اسمك؟ لأنّهم يقلبون الميم باء ، والباء ميما ، قال : فكرهت أن أجيبه على لغة قومي ، لئلّا أواجهه بالمكر. فقلت : بكري أمير المومنين ، ففطن لما قصدته ، وأعجب له ، ثمّ قال : ما تقول في وقول الشاعر [من الكامل] :

٦٢١ ـ أظلوم إنّ مصابكم رجلا

 ... (٦)

أترفع رجلا أم تنصبه؟ فقلت : إنّ الوجه النصب يا أمير المومنين. قال : ولم ذلك؟

فقلت : إنّ مصابكم مصدر بمعنى أصابتكم ، فأخذ اليزيديّ في معارفتي ، فقلت ، هو بمترلة قولك : إنّ ضربك زيدا ظلم ، فالرجل مفعول مصابكم ومنصوب به ، والدليل عليه أنّ

__________________

(١) ينسب هذا البيت إلى العرجي ونسبه آخرون إلى الحارث بن خالد المخزومي. ظلوم : أصله مبالغة ظالمة ، وقد يكون باقيا على أصل معناه وهو الوصف. وقد يكون منقولا إلى اسم امراة كما اختاره المؤلف. اللغة : مصابكم : مصدر ميمي بمعنى الإصابة.

(٢) أبو محمد قاسم بن على الحريرى المتوفى سنة ٥١٦ ه‍ ، أديب من أهل البصرة ، من أدباء بدء الانحطاط ، أشهر مؤلّفاته «المقامات» من كتبه «درّة الغواص في أوهام الخواص» بغية الوعاة ٢ / ٢٥٧.

(٣) الفاقة : الفقر والحاجة.

(٤) الواثق بالله (هارون بن المعتصم) خليفة عباسي (٢٢٧ ـ ٢٣٢ ه‍).

(٥) تقدم برقم ٦١٩.

(٦) تقدم برقم ٦١٩ و ٦٢٠.

٥٨٢

الكلام معلّق إلى أن تقول ظلم ، فيتمّ الكلام ، فاستحسنه الواثق ، ثمّ أمر لي بألف دينار ، قال أبو العباس : فلمّا عاد إلى البصرة ، قال لي كيف رأيت يا أبا العباس رددناه لله مائة ، فعوّضنا ألفا ، انتهى ملخصا.

تنبيهات : الأوّل : قال العينيّ : قائل البيت المذكور الحارث بن الخالد بن العاص بن هشام المخزوميّ ، وما قاله الحريري أنّه للعرجيّ ليس بصحيح ، قال : والصواب ظليم ترخيم ظليمة ، وهو اسم أمّ عمران المذكورة في أوّل القصيدة.

الثاني : ما حكاه من أنّ المعارض للمازنيّ هو إلى زيديّ ذكره غيره أيضا ، وفيه نظر ، لأنّ إلى زيديّ الإمام أبا محمد كان يؤدّب المأمون الرشيد ، وتوفّي سنة اثنتين ومأتين على ما أرّخه ابن خلّكان والسيوطيّ في المزهر ، والواثق تولّي بعد موت أبيه المعتصم سنة سبع وعشرين ومأتين ، قال الصلاح الصفديّ : ولعلّ إلى زيديّ المذكور في هذه القصّة أحد أولاده ، فإنّهم خمسة ، كلّهم علماء أدباء شعراء رواة الأخبار ، انتهى.

وفي السراج والّذي رأيته في كتاب البصائر لأبي حيان التوحيديّ أنّ المعارض للمازنيّ في ذلك هو يعقوب بن السكيت وهذا هو الأقرب ، انتهى.

والّذي يؤيّد أنّ المعارض يعقوب ابن السكّيت ما ذكره أبو الطيب اللغويّ في مراتب النّحويّين أنّه شجريين محمد بن عبد الملك الزيات وأحمد بن أبي داود في هذا البيت ، فقال محمد : إنّ مصابكم رجلا ، وقال أحمد : رجل ، فسألا عنه يعقوب بن السكيت ، فحكم لأحمد بن أبي داود عصبيّة لا جهلا.

الثالث : قال الدمامينيّ في التحفة يمكن أن يراد على تقدير رفع الرجل في البيت معنى صحيحا ، ولا فساد ألبتّة ، وذلك بأن يجعل المصاب اسم مفعول لا مصدر ، وهو اسم إنّ ، ويرفع رجل على أنّه خبرها ، وأهدي السّلام تحيّة جملة في محلّ رفع على أنّها صفة رجل ، وقوله : ظلم على أنّه خبر مبتدأ محذوف ، أي هذا ظلم ، ويمكن أن يجعل صفة أخري لرجل على وجه المبالغة ، أي مظلوم كالدراهم ضرب الأمير ، فيحصل للبيت بما ذكرناه معنى يترقرق به أسارير وجهة من أمور الصحّة ولا يلمّ بساحته طارق فساد.

٥٨٣

اسم الفاعل واسم المفعول

ص : الثّاني والثالث اسم الفاعل والمفعول ، فاسم الفاعل : ما دلّ على حدث ، وفاعله على معنى الحدوث ، فإن كان صلة لأل عمل مطلقا ، وإلا فيشترط كونه للحال والاستقبال واعتماده بنفي أو استفهام أو مخبر عنه أو موصوف أو ذي حال ، ولا يعمل بمعنى الماضي خلافا للكسائي. و (كَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) حكاية حال ماضية.

واسم المفعول : ما دلّ على حدث ومفعوله ، وهو في العمل والشّرط كأخيه.

ش : «الثاني والثالث» من الأسماء العاملة عمل الفعل «اسم الفاعل واسم المفعول» ولو كانا مثنيين أو مجموعين ، «فاسم الفاعل» قال ابن الحاجب : وبه سمّي لكثرة الثلاثيّ وغلبة اسم الفاعل على هذا الوزن ، فلم يقولوا اسم المفعل ولا اسم المستفعل ، فجعل اسم الفاعل بمعنى اسم له مزيد اختصاص بهذه الهيئة.

قال بعض المحقّقين ، وفيه نظر : لأنّه وإن كان وجها معقولا ، لكن لنا شاهد على أنّ قصدهم ليس إلى ذلك ، بل قصدهم باسم الفاعل إلى اسم موضوع لذات قام به الفعل ، وليس المفعل والمستفعل وغيرهما بهذا المعنى ، والشاهد أنّهم سمّوا أخوات اسم الفاعل بالاسم المضاف إلى المدلول ، لا إلى الوزن كاسم الآلة واسم الزمان واسم المكان واسم التفضيل ، ويمكن دفعه بأنّه لم يرد أنّ اسم الفاعل بمعنى اسم هو على وزن الفاعل ، بل أراد به الاسم الموضوع لذات قام بها الفعل ، وإنّما اختير له هذا الاسم باعتبار كونه فاعلا لا المفعل باعتبار أنّه جاعل شخص فاعلا كالمفرح ، فإنّه جاعل شخص فرحا ، ولا المستفعل باعتبار أنّه طالب الفعل كالمستخرج ، فإنّه طالب الخروج ، لأنّ هذه الصيغة غالبة.

نعم يتّجه أنّ اختيار هذا الاسم وجها أظهر ممّا ذكره ، وهو أنّ معنى لفظ الفاعل أكثر وجودا في أفراد اسم الفاعل من المعاني المفعل والمستفعل (١) ونحوهما ، وبناء التسمية باسم الفاعل على الأكثر. هذا إذا قلنا : إنّ لفظ اسم الفاعل اسم الفاعل مشتقّ من الفعل ، كما هو الأظهر والأنسب بالتسمية باسم المفعول ، أمّا لو قيل : بأنّه صيغة نسبة ، أي ما له نسبة إلى الفعل كان اسم الفاعل شاملا للجميع بلا كلفة.

«ما» أي اسم ، فلا يشتمل الفعل لما مرّ «دلّ على حدث ، وفاعله على معنى الحدوث» فالدّالّ على الحدث بمترلة الجنس يشتمل جميع الأوصاف ، وخرج بذكر فاعله

__________________

(١) من نعم حتى هنا سقطت في «س».

٥٨٤

اسم المفعول ، فإنّه إنّما يدلّ على مفعوله لا على فاعله ، وبقوله : على معنى الحدوث ، اسم التفضيل والصفة المشبّهة ، فإنّهما يدلّان على معنى الثبوت لا الحدوث ، كذا قال غير واحد.

والتحقيق : أنّهما لمطلق الحدث من غير تقييد بثبوت أو حدوث ، ولهذا يشتقّ اسم التفضيل من الحادث ، نحو : أضرب ، ومن الثابت نحو : أحسن ، وهما خارجان بهذا القيد على هذا التحقيق أيضا ، لأنّهما ليسا على معنى الحدوث فقط ، بل أعمّ.

تنبيهات : الأوّل : المراد عندهم بالحدوث عدم استمرار الحدث للذات بعد ما حدث لها وبالثبوت ما يقابله ، لا ما يكون مسبوقا بالعدم كما هو اصطلاح المتكلّمين ، ويقابله القدم ، قاله بعض المحقّقين.

الثاني : لا يرد على اعتبار الحدوث أنّه مخرج لما كان من اسم الفاعل للثبوت كالرازق والعالم من أسماء الله تعالى ، لأنّ الثبوت فيهما ليس مدلولا لللفظ ، بل مستفاد من العلم بأنّ كلّ ما هو صفة لله تعالى ، فهو مستمرّ به.

الثالث : قيل : هذا الحدّ منقوض بنحو : خالد ودائم وثابت وراسخ ومستمرّ ، ممّا يدلّ على الدوام والثبوت ، مع أنّ كلّا منها اسم فاعل ، وليس على معنى الحدوث ، وأجاب عنه القاضي شهاب الدين (١) في شرح الكافية بأنّها يدلّ على حدوث الخلود والدوام والثبوت والرسوخ والاستمرار ، وفيه نظر ، يظهر من تفسير الحدوث المتقدّم ذكره ، فإنّه ظاهر على معنى الحدوث باصطلاح المتكلّمين لا باصطلاح النّحويّين ، ولعلّ الأظهر في الجواب أن يقال : إنّ الثبوت والدوام في نحو ذلك مدلول المادّة لا الصيغة.

عمل اسم الفاعل المقترن بأل : «فإن كان» اسم الفاعل «صلة لأل عمل» عمل فعله «مطلقا» أي : سواء كان ماضيا أم حالا أم مستقبلا ، وسواء اعتمد على ما سيأتي أم لا ، لوقوعه حينئذ موقع الفعل ، وهو فعل إن أريد به المضي ، ويفعل إن أريد به الحال والاستقبال ، كجاء الضّارب زيدا أمس ، أو الآن ، أو غدا.

تنبيهات : الأوّل : جعله اسم الفاعل صلة لأل كغيره فيه تسامح ، لأنّ الصلة إنّما هي الجملة الّتي هو منها ، لا هو وحده.

الثاني : إنّما قال : فإن كان صلة لأل ، ولم يقل : فإن كان بأل مثلا ، لأنّه لو كان بأل المعرفة لم يعمل ، قال ابن الخباز في شرح الدّرة الألفية عند قول الناظم [من الرجز] :

__________________

(١) شهاب الدين أحمد بن عمر الهندي المتوفى سنة ٨٤٩ ه‍ من شرّاح الكافية وعلى شرحه حاشية لميان الله داد الجانبوري. كشف الظنون ، ٢ / ١٣٧١.

٥٨٥

٦٢٢ ـ وإن ترد به المضيّ فأضف

وإن تعرّفه بلام وألف

فالنصب لازم بكلّ حال

في الحال والماضي والاستقبال

في جعله اللام معرفة نظر ، لأنّ المعرفة بعيدة عن مذهب الفعل. وقال ابن هشام في شرح اللمحة : إنّها متى قدّرت للتعريف اقتضي القياس أن لا يعمل شيئا ، نصّ على ذلك أصحاب الأخفش سعيد ، وهو الحقّ لمن تأمّله. وقال في المعنى : لو صحّ أنّ أل في اسمي الفاعل والمفعول حرف تعريف لمنعت من إعمالها ، كما منع منه التصغير والوصف ، انتهى.

ومن زعم أنّها فيها حرف تعريف كالأخفش زعم أنّ انتصاب الاسم في نحو : الضارب زيدا على التشبيه بالمفعول ، وردّ بأنّ المشبه إنّما يكون سببيّا ، وهذا ينصب الأجنبيّ كما في المثال ، وقيل : انتصابه بفعل مضمر ، ولا عمل لاسم الفاعل مطلقا ، فالتقدير في المثال ضرب زيدا ، أو يضرب ، وهي دعوى بلا دليل ، وبهذا ينتقد ما حكاه بدر بن مالك من أنّ عمل المقرون بأل مطلقا مرضيّ عند جميع النحاة.

الثالث : قوله : عمل مطلقا هو المشهور الّذي عليه الجمهور ، وزعم الرمانيّ وأبو على في كتاب الشعر أنّه إذا كان بأل لا يعمل إلا ماضيا. قال أبو على في الكتاب المذكور في قول جرير [من البسيط] :

٦٢٣ ـ فبتّ والهمّ تغشاني طوارقه

من خوف رحلة بين الظاعنين غدا (١)

أنّ غدا متعلّق بخوف أو ببين ، لا بالظاعنين.

قال الرضيّ : ولعلّ ذلك ، لأنّ المجرّد من اللام لم يكن يعمل بمعنى الماضي ، فتوسّل إلى إعماله بمعناه باللام ، وإن لم يكن مع اللام اسم فاعل في الحقيقة ، بل هو فعل في صورة الاسم ، ونقل ابن الدهان ذلك عن سيبويه ، ولم يصرّح سيبويه بذلك ، بل قال :

الضارب زيدا بمعنى ضرب ، ويحتمل تفسيره بذلك أنّه إذا عمل بمعنى الماضي فالأولى جواز عمله بمعنى الحال والاستقبال ، إذا كان مع التجريد يعمل بمعناها.

«وإلا» يكن صلة لأل «فيشترط» لعمله «كونه للحال أو الاستقبال» لتتمّ مشابهته للفعل لفظا من جهة موافقته له في الحركات والسكنات ، ومعنى من جهة اقتران حدثه بأحد الزمانين ، أمّا إذا كان للماضي فإنّها يشابهه معنى لا لفظا ، لأنّه لا يوازنه مستمرا.

«واعتماده على نفي» بحرف أو اسم أو فعل نحو : ما أو غير أو ليس ضارب زيد عمرا الآن أو غدا ، «أو» على «استفهام» بحرف أو اسم ، نحو : أضارب أو كيف ضارب

__________________

(١) اللغة : تغشاني : تغطيني ، الطوارق : جمع الطارق أي : الحادث أو الحادث ليلا ، الرحلة : اسم مصدر بمعنى الارتحال ، الظاعنون : المرتحلون.

٥٨٦

زيد عمرا الآن أو غدا ، «أو» على اسم «مخبر عنه» الظرف نائب الفاعل. والمراد مخبر عنه باسم الفاعل ، نحو : زيد ضارب عمرا الآن أو غدا ، أو كان زيد ضاربا عمرا ، أو إنّ زيدا ضارب عمرا ، أو ظننت زيدا ضاربا عمرا ، أو أعلمت زيدا عمرا ضاربا بكرا الآن أو غدا.

«أو» على اسم «موصوف» به ، نحو : مررت برجل ضارب عمرا الآن أو غدا ، «أو» على اسم «ذي حال» ، نحو : جاء زيد راكبا فرسا ، والاعتماد على المقدّر كالاعتماد على الملفوظ به ، نحو : مهين زيد عمرا أم مكرمه؟ أي أمهين ، ونحو : ضارب عمرا الآن أو غدا لمن قال : أضارب زيد عمرا. أي هو ضارب ، ونحو قوله [من البسيط] :

٦٢٤ ـ كناطح صخرة يوما ليوهنها

 ... (١)

أي كوعل ناطح.

قيل : ومنه يا طالعا جبلا ، أي يا رجلا طالعا ، وقد مرّ ما فيه في بحث المنادى. وقال ابن مالك : إنّه اعتمد على حرف النداء ، وردّ ابنه بأنّ المعتمد عليه ما يقرب الوصف من الفعل ، وحرف النداء لا يصلح لذلك ، لأنّه من خواصّ الأسماء ، انتهى بالمعنى. والأصل فيه أن يعتمد على صاحبه من مخبر عنه أو موصوف أو ذي حال ، لأنّه وصف يقتضي أن يكون له موصوف ، فقياسه أن لا يقع إلا مع صاحبه ، وذكره بدونه يخرجه عن أصل وضعه ، فيلتحق بالجوامد ، فلا يعمل ، وإنّما اشترط عند فقدان الاعتماد على صاحبه اعتماده على النفي والاستفهام ، لأنّهم قصدوا به قصد الفعل نفسه ، فجرى مجراه ، وقد علم بالاستقراء أنّهم لا يستعملون الوصف قائما مقام الفعل إلا مع النفي أو الاستفهام.

تنبيهات : الأوّل : اشتراط أحد الزمانين والاعتماد أنّما هو للعمل في المنصوب لا لمطلق العمل بدليلين : أحدهما إنّه يصحّ زيد قائم أبوه أمس ، والثاني : إنّهم لم يشترطوا الصحّة نحو : أقائم الزيدان كون الوصف بمعنى الحال أو الاستقبال قاله ابن هشام في المغني.

الثاني : إذا قصد باسم الفاعل الاستمرار لم يعمل ، كما إذا كان بمعنى المضي ، فتكون إضافته حقيقة. ووقع للزمخشريّ في الكشاف أنّه يعمل ، وإن كانت إضافته غير حقيقية. قال في قوله تعالى : وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا (٢) [الأنعام

__________________

(١) تمامه «فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل» ، وهو للأعشى. اللغة : ليوهنها : مضارع أوهن الشيء إذا أضعفه. أو هي : أضعف ، الوعل : تيس الجبل ، أي ذكر الأروى.

(٢) في القرآن (وَجَعَلَ اللَّيْلَ ...) وو جاعل الليل ... على حسب قراءة بعض القرّاء.

٥٨٧

/ ٩٦] ، قرئ بجرّ الشمس والقمر عطفا على الليل ، وبنصبهما بإضمار جعل ، أو عطفا على محلّ الليل ، لأنّ اسم الفاعل هنا ليس في معنى المضيّ ، فتكون إضافته حقيقية ، بل هو على جعل مستمرّ في الأزمنة المختلفة ، ومثله : (فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى) [الأنعام / ٩٥] ، و (فالِقُ الْإِصْباحِ) [الأنعام / ٩٦] ، كما تقول : زيد قادر وعالم ، ولا تقصد زمانا دون زمان ، انتهى.

وناقض ذلك في محلّ آخر منه ، فقال : إذا قصد باسم الفاعل معنى الماضي كقولك : هو مالك عبده أمس أو زمان مستمرّ كقولك : زيد مالك العبيد ، كانت الإضافته حقيقية كقولك : مولي العبيد ، قال : وهذا هو المعنى في : (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الحمد / ٣] ، انتهى. فالتناقض بين كلاميه ظاهر.

قال السعد التفتازاني في حواشيه : وذكر في وجه التوفيق أنّ الاستمرار لما تناول الماضي الحال والاستقبال فبالنظر إلى حال الماضي تجعل الإضافة حقيقية كما في : (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وإلى الأخيرين غير حقيقية كما في : جاعل الليل سكنا ، انتهى.

وقال المحقّق الجرجاني : وأجيب بأنّه أيضا لا منافاة بين أن يكون المستمرّ عاملا ومضافا إضافة حقيقية ، لأنّ المستمرّ لمّا احتوي على المضي ومقابليه روعي الجهتان معا ، فجعلت الإضافة حقيقية نظرا إلى الجهة الأولى ، واسم الفاعل عاملا نظرا إلى الجهة الثانية ، وليس بشيء ، لأنّ مدار كون إضافته حقيقية أو غيرها على كونه عاملا أو غير عامل ، انتهى.

وقال بعض المحقّقين : ـ ونعم ما قال ـ إن المستمرّ يصحّ عمله نظرا إلى اشتماله على الحال أو الاستقبال وإلغاؤة نظرا إلى الماضي ، فتحتمل إضافته قسمي الإضافة.

الثالث : زاد بعضهم لعمل اسم الفاعل شرطين آخرين : أحدهما أن لا يصغّر ، والثاني أن لا يوصف ، فلا يقال : جاء رجل ضويرب زيدا ، ولا رأيت ضاربا مسيئا زيدا لمباينته حينئذ للفعل. قال ابن مالك في سبك المنظوم : لا خلاف في منع عمل المصغّر ، وردّ بأنّ الكوفيّين خلا الفرّاء أجازوه مطلقا قياسا على المثنّى والمجموع.

وأمّا إعمال الموصوف ففيه ثلاثة مذاهب : المنع مطلقا ، وعليه ابن مالك وأبو البقاء ، والجواز مطلقا ، وعليه الكسائيّ وغير الفرّاء من الكوفيّين ، والجواز بعد العمل لا قبله وعليه البصريّون والفرّاء.

الرابع : وجود الشروط لا يوجب عمله ، بل تجوز إضافته إلى مفعوله ، وقد قرئ بالوجهين : (إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ) [الطلاق / ٣] ، (هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ) [الزمر / ٣٨].

٥٨٨

وظاهر كلام سيبويه أنّ النصب أولى من الجرّ ، وجزم به ابن هشام في المغني ، وهو الصحيح كما مرّ. وقال الكسائيّ : هما سواء ، وهو ظاهر كلام ابن مالك. وقال أبو حيّان : والّذي يظهر لي أنّ الجرّ أولى من النصب ، لأنّ الأصل في الاسمين إذا تعلّق أحدهما بالآخر الإضافة ، والعمل أنّما هو على التشبيه بالفعل ، فالحمل على الأصل أولى.

الخامس : لم يشترط الأخفش والكوفيّون الاعتماد محتجّين بقوله [من الطويل] :

٦٢٥ ـ خبير بنو لهب فلاتك ملغيا

مقالة لهبيّ إذا الطير مرّت (١)

وذلك أنّ بنو لهب فاعل بخبير مع أنّه لم يعتمد ، وأجاب البصريّون بأنّه على التقديم والتأخير ، فبنو لهب مبتدأ ، وخبير خبر ، وردّ بأنّه يلزم منه الإخبار بالمفرد عن الجمع ، وأجيب بأنّ فعيلا قد يستعمل للجماعة كقوله تعالى : (وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ) [التحريم / ٤].

حكم تابع ما أضيف اسم الفاعل إليه : فائدة : لك في تابع المعمول المجرور باسم الفاعل «كمبتغي جاه ومالا من نصب (٢)» الجرّ على اللفظ والنصب على المحل عند الكوفيّين وجماعة من البصريّين والزمخشريّ وابن مالك من المتأخّرين وبإضمار عامل عند سيبويه ومحقّقي البصريّين.

«ولا يعمل» اسم الفاعل «بمعنى الماضي خلافا للكسائي» ، وهو على بن حمزة الكوفيّ الأسديّ ، وإنّما قيل له : الكسائيّ لأنّه أحرم في كساء ، وقيل : لأنّه دخل الكوفة ، وجاء إلى حمزة بن جيب ملتفا بكساء ، فقال حمزة : من يقرأ؟ فقيل له : صاحب كساء ، فبقى عليه ، ووافقه هشام وابن مضاء ، وأجازوا إعماله بمعنى الماضي مع كونه عاريا من أل وغيره مقصود به الحكاية ، وحجّتهم من القياس أنّه في معنى الفعل مشتقّ منه ، وردّ بأنّ عمله لمشابهته له لا لكونه في معنى الفعل فقط ، وإلا لوجب أن يعمل لذلك اسم التفضيل ونحوه ممّا هو في معنى الفعل ، ومن السماع قوله تعالى : (وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) [الكهف / ٢٨] ، فباسط بمعنى الماضي ، وعمل في ذراعيه النصب ، ولا حجّة لهم فيه ، لأنّه حكاية حال ماضية ، والمعنى يبسط ذراعيه بدليل أنّ الواو في كلبهم للحال ولهذا قال تعالى : (وَنُقَلِّبُهُمْ) [الكهف / ١٨] ، ولم يقل : وقلبناهم.

__________________

(١) هذا البيت ينسب إلى رجل طائي ، ولم يعين اسمه. اللغة : خبير : من الخبرة ، وهي العلم بشيء. بنو لهب : جماعة من بني نصر بن الأزد ، ملغيا : اسم فاعل من الإلغاء بمعنى مهمل.

(٢) أشار إلى بيت من ألفية ابن مالك :

واجرر أو انصب تابع الّذي انخفض

كمبتغي جاه ومالا من نهض

٥٨٩

قال الأندلسيّ : معنى حكاية الحال أن تقدّر نفسك كأنّك موجود في ذلك الزمان ، أو تقدّر ذلك الزمان كأنّه موجود الآن ، ولا يريدون به أنّ اللفظ الّذي في ذلك الزمان (١) محكى الآن على ما يلفظ به كما في قوله : دعنا من ثمرتان ، بل المقصود حكاية الحال حكاية المعاني الكائنة حينئذ لا الألفاظ.

قال الزمخشريّ : معنى حكاية الحال أن تقدّر أنّ ذلك الفعل الماضي واقع في حال التّكلّم ، كما في قوله تعالى : (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ) [البقرة / ٩١] ، وإنّما يفعل هذا في الفعل الماضي المستغرب ، كأنّك تحضره للمخاطب وتصوّره له ، ليتعجّب منه ، تقول : رأيت الأسد فأخذ السيف فقتله.

تنبيهان : الأوّل : إنّما جعلت الواو من : (وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ) من كلام المصنّف لا من جملة الآية ليرتبط الكلام ، فتكون للاستئناف ، والجملة مستأنفة ، وجعلها بعضهم من جملة الآية ، وهو كما ترى. فإن قلت : يلزم على صنعك حذف الواو الّتي هي جزء من الآية ، قلت : لا محذور في ذلك فقد وقع مثله في كلامه (ص) ، نبّه على ذلك النوويّ (٢) وغيره.

الثاني : محلّ الخلاف ، أنّما هو في رفعه الظاهر ونصب المفعول به ونحوه من المعمولات الفعلية لكونها أجنبيّة. أمّا رفعه الضمير المستتر فحكى ابن عصفور الاتّفاق عليه ، وتعقّبه أبو حيّان بأنّ ابن خروف وابن طاهر على أنّه لا يرفعه ولا يتحمّله. قال : والّذي تلقّيناه عن الشيوخ أنّه يتحمّله لاشتقاقه ، وأمّا النصب للظرف ، فيجوز ، لأنّه تكفيه رائحة الفعل ، والظاهر أنّ الحال والمفعول المطلق مثله ، لأنّ الحال كالظرف ، والمفعول المطلق ليس بأجنبيّ.

وأمّا رفعه الظاهر فقال أبو حيّان : إنّ ظاهر كلام سيبويه جوازه ، وهو اختيار ابن عصفور وبعض النّحويّين. قال الرضيّ : عمل اسم الفاعل والمفعول الرفع جائز مطلقا ، سواء كانا بمعنى الماضي أو الحال أو الاستقبال ، أو لم يكونا لأحد الأزمنة الثلاثة ، بل كانا للإطلاق المستفاد منه الاستمرار ، نحو : زيد ضامر بطنه ومسوّد وجهه ، لأنّ أدني مشابهة الفعل تكفي في عمل الرفع لشدّة اختصاص المرفوع بالفعل ، وخاصّة إذا كان سببيّا ، ويعملانه في غير السبب أيضا بمعنى الإطلاق كانا ، أو بأحد الأزمنة الثلاثة ، نحو : مررت برجل قائم في داره عمرو ومضروب على بابه بكر ، انتهى.

__________________

(١) سقطت هذه الجمل في «ح».

(٢) النّووي (يحيي بن شرف) (ت ٦٧٦ ه‍ / ١٢٧٧ م) محدّث من الأئمه ، من مصنفاته «الأربعول النووية» و «تهذيب الأسماء واللغات» المنجد في الأعلام ص ٥٨١.

٥٩٠

تكميل : تحوّل صيغة فاعل للمبالغة والتكثير إلى فعّال بفتح الفاء وتشديد العين ، أو فعول بفتح الفاء ، أو مفعال بكسر الميم ، أو فعيل بفتح الفاء وكسر العين وبعدها ياء ، أو فعل بفتح الفاء وكسر العين بلا ياء ، فتعمل عمله بشروطه المتقدّمة عند سيبويه وأصحابه للسماع والحمل على أصلها ، وأكثرها استعمالا فعّال وفعول ، كقوله [من الطويل] :

٦٢٦ ـ أخا الحرب لبّاسا إليها جلالها

وليس بولّاج الخوالف أعقلا (١)

وقول الآخر [من الطويل] :

٦٢٧ ـ ضروب بنصل السّيف سوق سمانها

إذا عدموا زادا فإنّك عاقر (٢)

ثمّ مفعال كقولهم : إنّه لمنحار بوائكها أي سمانها ، حكاه سيبويه ، ثمّ فعيل كقولهم : إنّ الله سميع دعاء من دعاه ، ثمّ فعل ، كقوله [من الوافر] :

٦٢٨ ـ أتاني أنّهم مزقون عرضي

حجاش الكرملين لها فديد (٣)

قال سيبويه : وفعل أقلّ من فعيل بكثير ، ولم يجز الكوفيّون إعمال شيء منها لمخالفتها لأوزان المضارع ولمعناه ، ومتى وجدوا بعد شيء منها منصوبا قدّروا له فعلا ، ومنعوا تقديمه عليهم ، ويردّ عليه قول العرب. أمّا العسل فأنا شرّاب. ومنع أكثر البصريّين إعمال فعيل وفعل لقلّة استمالهما.

وأجاز المازنيّ إعمال فعل دون فعيل ، لأنّه على وزن الفعل كعلم وفهم ، وأنكره الجرميّ دون فعيل ، لأنّه أقلّ ورودا حتى أنّه لم يسمع إعماله في نثر. وقال أبو حيّان : لا يتعدّي فيهما السماع بخلاف الثلاثة فيقاس عليها.

اسم المفعول وإعماله : «واسم المفعول» ، قال بعضهم : ولفظ مفعول هنا في تقدير المفعول به على الحذف والإيصال ، لأنّ المفعول هو الحدث ، وما وقع عليه الحدث مفعول به ، وإمّا على ما ذكره ابن الحاجب في اسم الفاعل ، إنّ إضافة الاسم إلى الصيغة

__________________

(١) هو للقلاخ بن حزن بن جناب. اللغة : إليها : إلى بمعنى اللام ، جلالها : جمع جل ، وأراد به ما يلبس في الحرب من الدرع ونحوها ، ولاج : كثير الولوج ، الخوالف : جمع خالفة : عمود الخباء ، لكنّه أراد به هنا نفس الخيمة ، أعقلا : مأخوذ من العقل ، وهو التواء الرجل من الفزع ، أو اصطكاك الركبتين.

(٢) هو من قصيدة لأبي طالب بن عبد المطلب. اللغة : النصل : من السيف حدّه ، السوق : جمع ساق ، السمان : جمع سمينة ، ضدّ الهزيلة والضمير فيه للإبل ، الزاد : طعام المسافر ، العاقر : فاعل من العقر ، كناية عن نحرها والإطعام بها.

(٣) هذا البيت لزيد الخير وكان اسمه زيد الخيل ، فسماه النبي (ص) زيد الخبر. اللغة : حجاش : جمع حجش ، وهو ولد الحمار ، الكرملين : تثنية كرمل ، وهو ماء بجبل طئ ، فديد : صوت.

٥٩١

الّتي هي الأكثر في باب اسم الفاعل ، فلا حاجة إلى الحذف والإيصال ، وكأنّه الّذي جراه على ما قال.

«ما» أي اسم «دلّ على حدث ومفعوله» ، فخرج بقوله : ومفعوله ، ما عدا المحدود من الصّفات والمصادر ، ولم يقل هنا بمعنى الحدوث ، كما ذكره في حدّ اسم الفاعل ، وإن كان كذلك ، لأنّ ذكره هناك لإخراج الصفة المشبّهة واسم التفضيل كما مرّ ، وهما هنا خارجان بقوله : ومفعوله ، كما علم ، فلم يحتج إلى ذكره.

«وهو في العمل وشرطه كأخيه» اسم الفاعل ، يعني كما يعمل اسم الفاعل عمل فعله ، يعمل هذا عمل فعله المبنيّ للمفعول ، ويشترط لصحّة عمله جميع ما اشترط في ذلك ، حتى عدم التصغير والوصف عند من اشترطه ، نحو : جاء المعطى غلامه دينارا ، أو نحو : مررت برجل معطى غلامه دينارا الآن أو غدا.

تنبيه : بناء اسم المفعول من الثلاثيّ المجرّد على زنة مفعول كمضروب ، ومن غيره على زنة اسم الفاعل مفتوحا ما قبل آخره كمكرم ومستخرج ، ولا يعمل عمل الفعل المبنيّ للمفعول من الصفات غير هاتين الصيغتين ، وإن دلّ على معناهما ، كما صرّح به في التسهيل ، وذلك نحو : فعل بكسر الفاء وسكون العين ، كذبح وطرح وطحن بمعنى مذبوج ومطروح ومطحون ، وفعل بفتح الفاء والعين ، نحو : عدد وخبط (١) بمعنى معدود ومخبوط ، وفعلة بضم الفاء وسكون العين ، كغرفة ومضغة ولقمه بمعنى مغروف وممضوع وملقوم ، وفعيل كجريح وقتيل وصريح ، وهو أكثرها استعمالا في معنى المفعول ، فلا يعمل شيء من هذه الصفات ، فلا يقال : مررت برجل ذبح كبشه ، ولا طحن بره ، وفي المقرّب لابن عصفور : واسم المفعول وما كان من الصفات بمعناه حكمه بالنظر إلى ما يطلبه من المعمولات حكم الفعل المبنيّ للمفعول ، فعليه يجوز مررت برجل جريح أبوه ، ويحتاج إلى سماع كما قاله المراديّ.

__________________

(١) الخبط : ما سقط من ورق الشجر بالخبط والنفض.

٥٩٢

الصفة المشبهة

ص : الرّابع : الصّفة المشبهة وهي ما دلّ على حدث ، وفاعله على معنى الثّبوت ، وتفترق عن اسم الفاعل بصوغها عن اللازم دون المتعدّي ، كحسن وصعب ، وبعدم جواز كونها صلة لأل ، وبعملها من غير شرط زمان ، وبمخالفة فعلها في العمل ، وبعدم جرى انها على المضارع.

تبصرة : ولمعمولها ثلاث حالات : الرفع بالفاعلية والنّصب على التشبيه بالمفعول ، إن كان معرفة ، والتمييز إن كان نكرة ، والجرّ بالإضافة ، وهي مع كلّ من هذه الثلاثة : إمّا باللام أو لا : والمعمول مع كلّ من هذه الستّة إمّا مضاف أو باللام أو مجرّد : صارت ثمانيه عشر ، فالممتنع : الحسن وجهه ، والحسن وجه ، واختلف في : حسن وجهه. أمّا البواقي : فالأحسن ذو الضمير الواحد ، وهو تسعة والحسن ذو الضميرين وهو اثنان ، والقبيح الخالي من الضمير ، وهو أربعة.

ش : «الرابع» من الأسماء العاملة عمل الفعل «الصفة المشبهة» ، سمّيت بذلك لأنّها مشبهة باسم الفاعل المتعدّي لواحد في أنّها تؤنّث وتثنّى وتجمع ، تقول في حسن : حسنة وحسنان وحسنتان وحسنون وحسنات ، كما تقول في ضارب : ضاربة وضاربان وضاربتان وضاربون وضاربات.

فلذلك عملت النصب ، كما يعمله اسم الفاعل ، وكان أصلها أن لا تعمل النصب لمباينتها الفعل بدلالتها على الثبوت ، ولكونه مأخوذة من فعل قاصر. واقتصر في عملها على واحد ، لأنّه أدنى درجات المتعدّي.

«وهي ما» أي اسم «دلّ على حدث ، وفاعله على معنى الثبوت» ، فخرج اسما الفاعل والمفعول ، فإنّهما يدلّان على معنى الحدوث كما مرّ ، وأمّا اسم التفضيل فان قيل : إنّه على معنى الثبوت ، وهو المشهور ، فهو داخل في هذا الحدّ قطعا ، ولعلّ المصنّف (ره) يرى أنّه لمطلق الحدث من غير تقييد كما مرّ أنّه التحقيق ، فيخرج بهذا القيد أيضا.

تنبيهات : الأوّل : يرد على الطّرد هنا ما ورد في حدّ اسم الفاعل على العكس من نحو ثابت ولازم ودائم والجواب الجواب.

الثاني : قال الرضيّ ـ عليه من الله الرضا ـ الّذي أرى أنّ الصفة المشبهة كما أنّها ليست موضوعة للحدوث ، ليست أيضا موضوعة للاستمرار في جميع الأزمنة ، لأنّ الحدوث والاستمرار قيدان في الصفة ، ولا دليل فيها عليهما ، فليس معنى حسن في الوضع إلا ذو حسن ، سواء كان في بعض الأزمنة أو جميعها ، ولا دليل في اللفظ على

٥٩٣

أحد القيدين ، فهي حقيقة في القدر المشترك بينهما ، وهو الاتّصاف بالحسن ، لكن لما أطلق ذلك ولم يكن بعض الأزمنة أولى من بعض ، ولم يجز نفيه في جميع الأزمنة ، لأنّك حكمت بثبوته ، فلا بدّ من وقوعه في زمان كان الظاهر ثبوته في جميع الأزمنة (١) إلى أن تقوم قرينة على تخصّصه ببعضها ، كما تقول : كان هذا حسنا فقبح أو سيصير حسنا ، أو هو الآن فقط حسن ، فظهوره في الاستمرار ليس وضعيّا ، انتهى.

وتشارك الصفة المشبهة اسم الفاعل في الدلالة على الحدث وفاعله وفي التذكير والتأنيث والتثنية والجمع وشرط الاعتماد إذا تجرّد من أل.

ما افترقت فيه الصفة المشبهة واسم الفاعل : «وتفترق عن اسم الفاعل بصوغها من الفعل اللازم» وضعا أو نقلا أو قصدا «دون» الفعل «المتعدّي» الّذي لم يرد بالوصف منه الثبوت. فالمصوغة من اللازم وضعا «كحسن وصعب» ، فإنّهما مصوغان من حسن وصعب ، وهما لازمان وضعا ، والمصوغة من اللازم نقلا كرحمن ورحيم ، فإنّهما مصوغان من رحم بكسر الحاء بعد نقله (٢) إلى رحم بضمّ الحاء ، أي صار الرحم طبيعة له ، ككرم بمعنى صار الكرم طبيعة له على أحد القولين ، والمصوغة من اللازم قصدا كضارب الأب ومضرب العبد ، فإنّ اسمي الفاعل والمفعول إذا قصد بهما الثبوت جرى ا مجرى صفة المشبهة ، كما قاله في التسهيل ، واسم الفاعل يصاغ من اللازم والمتعدّي كقائم وضارب. «وبعدم جواز كونها صلة لأل» على الأصحّ ، فأل فيها للتعريف لا موصولة ، كما جزم به صاحب البسيط وابن العلج ، ورجّحة ابن هشام في الجامع والمغني. قال : لأنّ الصفة المشبهة للثبوت ، فلا تؤوّل بالفعل ، أي الدالّ على الحدوث ، ولهذا كانت الداخلة على اسم التفضيل ليست بموصولة بالاتّفاق ، انتهى.

وقال الرضيّ : إنّما لم توصل اللام بالصفة المشبّهة مع تضمّنها للحكم لنقصان مشابهتها للفعل ، ولذا لم توصل بالمصدر ، لأنّه لا يقدّر بالفعل إلا مع ضميمة أن ، وهو معها بتقدير المفرد ، والصلة لا تكون إلا جملة ، انتهى.

ويقابل الأصحّ ما ذهب إليه ابن عصفور في أحد قوليه وابن مالك ، وتبعه ابن أمّ قاسم وابن الصّائغ (٣) من جواز كونها صلة لأل ، وإنّ أل فيها موصولة ، وبهذا الخلاف

__________________

(١) سقطت «فلا بدّ من وقوعه في زمان كان الظاهر ثبوته في جميع الأزمنة» في «س».

(٢) سقط بعد نقله في «ح».

(٣) محمد بن عبد الرحمن بن على بن أبي الحسن الزمردي الشيخ شمس الدين بن الصائغ النحويّ ولد سنة ٧١٦ ه‍ وبرع في النحو واللغة والفقه وله من التصانيف : «شرح الفية ابن مالك في غاية الحسن والجمع والاختصار» و «المباني في المعاني» و... ومات سنة ٧٧٦ ه‍ ق. بغية الوعاة ١ / ١٥٥.

٥٩٤

يتبيّن غلط من حكى الإجماع على القول الأوّل ، واسم الفاعل الأصحّ فيه كونه صلة لأل كما تقدّم.

«وبعملها من غير شرط زمان» ماض أو حال أو استقبال ، لأنّها بمعنى الثبوت ، فلا وجه لاشتراط الزمان فيها ، لأنّ ما لم يدلّ على حدوث ، لا تعلّق له بالزمان ، بخلاف اسم الفاعل ، فقد مرّ أنّه يشترط لعمله زمان الحال أو الاستقبال ، وأمّا شرط الاعتماد فلا بدّ منه ، وإنّما لم يذكره هنا ، لأنّ ذكره ثمّة كاف ، لأنّ الصفة المشبهة فرع اسم الفاعل ، فهي أحوج إلى الاعتماد منه.

«وبمخالفة فعلها في العمل» ، فإنّها تنصب مع قصور فعلها كما سيأتي بخلاف اسم الفاعل ، فإنّه لا يخالف فعله.

«وبعدم جريانها على» الفعل «المضارع» ، بخلاف اسم الفاعل ، فإنّه لا يكون إلا مجاريا للمضارع في تحرّكه وسكونه ، والمراد تقابل حركة بحركة وسكون بسكون ، لا تقابل حركة بعينها ، إذ لا يشترط التوافق في أعيان الحركات ، ولهذا قال ابن الخشاب : هو وزن عروضيّ لا تصريفيّ.

والقول بعدم جريانها عليه كما قال المصنّف هو مذهب جماعة ، منهم الزمخشريّ في المفصّل وابن الحاجب وابن العلج ، وهو ظاهر كلام الفارسيّ في الإيضاح ، والجمهور على أنّها تكون مجارية له كمنطلق اللسان ومطمئنّ النفس وطاهر العرض ، وغير مجارية ، وهو الغالب في المبنيّة من الثلاثيّ ، نحو : ظريف وجميل. قالوا : والقول بأنّها لا تكون إلا غير مجارية مردود باتّفاقهم على أنّ منها قوله [من المديد] :

٦٢٩ ـ من صديق أو أخي ثقة

أو عدّو شاحط دارا (١)

بالشين المعجمة والحاء والطاء المهملتين بمعنى بعيد صفة مشبهة ، وهي مجارية ليشحط ، قال المراديّ : ولقائل أن يقول : إنّ طاهرا ومنطلقا ومطمئنّا ونحوها ممّا يجرى على المضارع اسماء فاعلين ، قصد بها الثبوت ، فعوملت معاملة الصفة المشبهة ، وليست بصفة مشبهة ، والاتّفاق المذكور إن صحّ فهو محمول على أنّ حكمه حكم الصفة المشبهة ، لأنّه قصد به الثبوت ، فلذا أطلقوا عليه صفة مشبهة ، انتهى.

تنبيه : تفترق الصفة المشبهة عن اسم الفاعل لأمور أخر :

منها أنّ منصوبها لا يتقدّم عليها بخلاف اسم الفاعل ، فإنّه يجوز تقديم منصوبه عليه ، نحو : زيد عمرا ضارب ، ولا يجوز زيد وجهه حسن بنصب وجهه.

__________________

(١) هو لعدي بن زيد. اللغة : شاحط : من الشحط وهو البعد.

٥٩٥

ومنها أنّ معمولها لا يكون إلا سببيّا ، أي متّصلا بضمير موصوفها إمّا لفظا ، نحو : زيد حسن وجهه ، أو معنى ، نحو : زيد حسن الوجه أي منه ، وقيل : إنّ أل خلف عن المضاف إليه بخلاف اسم الفاعل ، فإنّ معموله يكون أجنبيّا ، نحو : زيد ضارب عمرا وسببيّا ، نحو : زيد ضارب غلامه.

وقال ابن هشام في الأوضح (١) : وقول ابن الناظم إنّ جواز «زيد بك فرح» مبطل لعموم قولهم : إنّ معمول الصفة لا يكون إلا سببيّا مردود ، لأنّ المراد بالمعمول ما عملها فيه بحقّ الشبه وعملها في الظرف بما فيها من معنى الفعل ، وكذا عملها في الحال والتمييز ونحو ذلك ، انتهى.

ومنها أنّه لا يجوز أن يفصل بينها وبين معمولها بظرف أو عديله (٢) عند الجمهور بخلاف اسم الفاعل فيجوز بالاتّفاق.

ومنها أنّها لا تحذف ، ويبقي معمولها بخلاف اسم الفاعل ، فإنّه يحذف كما في باب الاشتغال ، نحو : زيد أنا ضاربه ، كما في نحو : هذا ضارب زيد وعمرا بخفض زيد ونصب عمر على إضمار فعل أو وصف منوّن ، ولا يجوز مررت برجل حسن الوجه والفعل ، بخفض الوجه ونصب الفعل ، ولا مررت برجل وجهه حسنه بنصب وجهه وخفض الصفة ، لأنّها لا تعمل محذوفة ، ولأنّ معمولها لا يتقدّمها ، وما لا يعمل لا يفسّر عاملا.

ومنها أنّها لا تتعرّف بالإضافة مطلقا بخلاف اسم الفاعل ، فإنّه يتعرّف بالإضافة ، إذا كان بمعنى الماضي ، أو أريد به الاستمرار.

ومنها أنّ معمولها لا يتبع بالصفة ، قاله الزجّاج ومتأخّر والمغاربة بخلاف اسم الفاعل ، فإنّه يجوز اتّباع معموله بجميع التوابع. قال ابن هشام : ويشكل على قول الزجاج الحديث في صفة الدجال : «الأعور عينه اليمني» (٣) قال الدمامينيّ : وخرّجه بعضهم على أنّ اليمني خبر لمبتداء محذوف ، لا صفة عينه ، كأنّه قيل : أيّ عينيه؟ قيل اليمني ، انتهى. وخرّجه بعض على أنّه منصوب بفعل محذوف ، أي أعني.

ومنها أنّها تؤنّث بالألف كحمراء الوجه بخلاف اسم الفاعل ، فإنّه لا يؤنّث إلا بالتاء.

__________________

(١) سقطت هذه الجملة في «ح».

(٢) العديل : المثل والنظير.

(٣) صحيح البخاري ، ٤ / ٧٨٨ ، رقم ٢٢٠٩.

٥٩٦

ومنها أنّ منصوبها المعرفة مشبه بالمفعول به ، ومنصوب اسم الفاعل مفعول به ، وقد ذكروا فروقا أخري غير هذه ، لا نطول بذكرها ، وفيما ذكرناه كفاية.

أحوال معمول الصفة المشبهة : هذه «تبصرة» في بيان أحوال معمول الصّفة المشبهة في الإعراب ، و «لمعمولها ثلاث حالات» :

أحدها : «الرفع بالفاعلية» بالاتّفاق ، وحينئذ فالصفة خالية عن الضمير ضرورة ، إذ لا يكون للشيء فاعلان ، نحو : زيد حسن وجهه : قال الفارسيّ : أو على الإبدال من ضمير مستتر في الصفة يعود على موصوفها بدل بعض من كلّ ، ولم يذكره المصنّف لضعفه ، قال في التصريح : ويردّه حكاية الفرّاء : مررت بامرأة حسن الوجه ، وحكاية الكوفيّين : بامرأة قويم الأنف ، وأنّه يجوز مررت برجل مضروب الأب بالرفع ، ولا يصحّ في هذا أن يكون بدل كلّ ولا بعض ولا اشتمال ، انتهى.

وأيضا حينئذ الردّ بالأوّل أنّه لو كان الوجه بدلا من ضمير مستتر في حسن لوجب تانيثه ، لأنّ المسند إذا رفع ضمير مؤنّث وجب تأنيثه ، وقس عليه.

الثاني : والحالة الثانية «النصب على التشبيه بالمفعول به إن كان معرفة» إمّا بأل ، نحو : زيد حسن الوجه ، أو بالإضافة ، نحو : حسن وجهه بنصب الوجه ، وذلك لأنّ هذا المعمول المعرفة لا يصحّ أن يكون مفعولا لتلك الصفة ، لأنّها من فعل لازم ، ولا يصحّ أن يكون تمييزا ، لأنّه معرفة ، والتمييز لا يكون إلا نكرة على الأصحّ ، فلمّا لم يصحّ فيه المفعولية ولا التمييز ، حملوه على التشبية بمفعول اسم الفاعل في نحو : الضارب الرجل ، بنصب الرجل ، فأعطوا الصفة المشبهة حكم اسم الفاعل في نصب المعمول ، كما أعطوه حكمها في جرّ المضاف إليه حيث قالوا : الضارب الرجل بالجرّ حملا على الحسن الوجه ، فحصل بينهما تعارض ، «وعلى التمييز إن كان نكرة» : نحو : زيد حسن وجها.

وهذا التفضيل هو مذهب البصريّين ، وبه جزم ابن الحاجب ، وهو الحقّ ، وفي المسألة ثلاثة أقوال أخر : أحدها : أنّ النصب على التمييز مطلقا ، وهو رأي الكوفيّين بناء على رأيهم من جواز وقوع التمييز معرفة. قال ابن بابشاذ في شرح الجمل : ويحكى هذا القول عن أبي على قال : لأنّ التعريف هنا لا يفيد شيئا ، فهو بمترلة تعريف الأجناس كعسل والماء. الثاني : إنّه على التشبيه بالمفعول به مطلقا ، وليس بشيء ، لأنّ التشبيه بالمفعول أنّما صيّر إليه مع المعرفة للضرورة ، وأمّا مع النكرة فلا ضرورة تدعو إليه مع إمكان وجه جار على القياس ، وهو النصب على التمييز. الثالث : إنّه على التشبيه

٥٩٧

بالمفعول به إن كان معرفة ، وعليه أو على التمييز إن كان نكرة ، وبه جزم ابن هشام في الجامع والقطر وشرحه وشرح الشذور وشرح اللمحة.

والحالة الثالثة : «الجرّ بالإضافة» أي بسببها ، نحو : زيد حسن الوجه ، «وهي» أي الصفة «مع كلّ من هذه» الحالات «الثلاثة» وهي الرفع والنصب والجرّ «إمّا» مقرونة «باللام أو لا ، والمعمول مع كلّ من هذه الستّة» الحاصلة من ضرب وجوه الإعراب الثلاثة في حالتي كون الصفة باللام أو لا «إمّا مضاف أو» مقرون «باللام أو مجرّد» عنهما ، «صارت» الأقسام «ثمانية عشر» قسما حاصله من ضرب ستّة هي أحوال المعمول من كونه مرفوعا ومنصوبا ومجرورا مضروبة في حالتي الصفة من كونها باللام أو مجرّدا عنها في ثلاثة ، هي أحوال المعمول من كونه مضافا أو باللام أو مجرّدا عنها.

وتفصيلها الحسن وجهه بالرفع ، الحسن وجهه بالنصب ، الحسن وجهه بالجرّ ، الحسن الوجه بالرفع ، الحسن الوجه بالنصب ، الحسن الوجه بالجرّ ، الحسن وجه بالرفع ، الحسن وجها بالنصب ، الحسن وجه بالجرّ ، حسن وجهه بالرفع ، حسن وجهه بالنصب ، حسن وجهه بالجرّ ، حسن الوجه بالرفع ، حسن الوجه بالنصب ، حسن الوجه بالجرّ ، حسن وجه بالرفع ، حسن وجها بالنصب ، حسن وجه بالجرّ. فهذه ثمانية عشر قسما ، منها ممتنع ومختلف فيه وجائزة.

«فالممتنع» منها اثنان : أحدهما أن تكون الصفة باللام مضافة إلى معمولها ، المضاف إلى ضمير الموصوف ولو بواسطة ، نحو : «الحسن وجهه» والحسن وجه أبيه. والثاني : أن تكون الصفة باللام مضافة إلى معمولها المجرّد عن اللام ، أو المضاف إلى المجرّد عنها ، نحو : «الحسن وجه» والحسن وجه أب.

وإنّما امتنعا لأنّ الإضافة فيهما لم تفد تعريفا كما في نحو : غلام زيد ولا تخصيصا كما في نحو : غلام رجل ولا تخفيفا كما في نحو : حسن الوجه ولا تخلّصا من قبح حذف الرابط ، أو التجوّز في العمل كما في الحسن الوجه ، وقال ابن الحاجب : وإنّما امتنع الأوّل لعدم التحفيف ، والثاني لأنّ فيه إضافة المعرفة إلى النكرة ، وهي عكس ما ينبغي في الإضافة فكره لذلك ، انتهى.

وتعليله امتناع الأوّل بالتخفيف دون الثاني يفهم أنّ في إضافة الثاني تخفيفا ، وامتناعه لعلّه أخري ، وبه صرّح الرضي ، فقال : إنّما امتنع مع حصول التخفيف فيه بحذف الضمير من وجهه ، لأنّ هذه الإضافة وإن كانت لفظيّة غير مطلوب فيها التعريف ، لكنّها فرع الإضافة المحضة ، فإذا لم تكن مثلها لجواز تعريف المضاف والمضاف

٥٩٨

إليه معا هاهنا بخلاف المحضة فلا أقلّ من أن لا تكون على ضدّ ما هي عليه ، وهو تعريف المضاف ، وتنكير المضاف إليه ، انتهى.

قلت : وإنّما يكون في هذه الإضافة تخفيف بحذف الضمير من وجهه أن لو كان الأصل الحسن وجهه لا الحسن وجها ، وأمّا إذا قلنا : إنّ الأصل الحسن وجها ، فلا تخفيف ألبتّة ، وتعيّن الأوّل دون الثاني غير ظاهر.

«واختلف في حسن وجهه» بتجريد الصفة مضافة إلى معمولها المضاف إلى ضمير الموصوف ، فسيبويه والبصريّون على جوازه على قبح في ضرورة الشعر فقط ، لأنّ تخفيف هذه الإضافة يكون بحذف التنوين وبحذف الضمير والتخفيف بحذف الضمير أعلى منه بحذف التنوين ، فلا وجه لترك الأعلى مع إمكانه واختيار الأدنى ، وما هو إلا ترجيح المرجوح. والمبرّد على منعه مطلقا في الشعر وغيره ، وردّ بقول الشماخ [من الطويل] :

٦٣٠ ـ أقامت على ربعيهما جارتا صفا

كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما (١)

أنشده سيبويه مستدلّا به على مجئيه في الشعر ، وضمير ربعيها يعود إلى الدمنتين ، والمراد بالجارتين صخرتان تجعلان تحت القدر ، وتشدّ القدر إلى الجبل ، وهو المعنى هنا بالصفا ، فيقوم الجبل مقام حجر ثالث للقدر ، والكميت الشديد الحمرة ، والجون هنا الأسود ، والمصطلى مصدر ميميّ على أنّ ثمّ مضافا محذوفا ، أي موضع اصطلاهما ، أو اسم مفعول واقع موقع المثنّى كما في رأس الكبشين. والمعنى أنّ تينك الصخرتين محمّرتا الأعإلى بما يرتفع إليهما من النّار مسوّدتا مكان الاصطلاء من كثرة إيقاد النار بينهما. والشاهد في البيت ظاهر ، ونازع فيها المبرّد زاعما أنّ ضمير مصطلاهما عائد إلى الأعالي ، إذ هي جمع في معنى المثنّى من حيث إنّه للجاريتين ، وليس لهما إلا أعليان ، وإنّما جمعا بما حولهما كقوله [من الوافر] :

٦٣١ ـ ...

روانف اليتيك وتستطارا (٢)

والألف في تستطارا راجع إلى الروانف ، لأنّه رانفتين ، وهما أسفلا الإلية وطرفاها اللذان يليان الأرض من الإنسان إذا كان قائما ، فكأنّه قال : جونتا مصطلى الأعالي : فليس فيه إلا ضمير واحد ، وهو المستكن في جونتا. فهو كقولك : زيد حسن الغلام

__________________

(١) اللغة : الربع : الدار المترل ، الصفا : الصخر الأملس ، واحدة صفاة ، كميتا : مثنى كميت بالتصغير من الكمتة ، وهي الحمرة الشديدة المائلة إلى السواد ، الجونة : السوداء ، المصطلي : اسم مكان الصّلاء ، أي : الاحتراق بالنار.

(٢) صدر البيت : «ومتى ما تلقني فردين ترجف» ، وهو لعنترة. اللغة : روانف : جمع الرانفة بمعنى أطراف الإليتين. الإلية : العجيزة. تستطار : بمعنى يطلب منك أن تطير خوفا وجبنا.

٥٩٩

قبيح فعله ، أي فعل الغلام ، ولا خفاء بما فيه من التكلّف ، والظاهر مع سيبويه والكوفيّون على جوازه مطلقا في الكلام كلّه لحصول التخفيف بالإضافة في الجملة ، وهو حذف التنوين.

قال ابن مالك : وما ذهبوا إليه ، هو الصحيح ، لأنّ مثله قد ورد في الحديث كقوله (ع) في حديث : أم زرع صفر وشاحها. (١) وفي حديث «الدجال أعور عينه اليمني» (٢). وفي وصف سيّدنا النبي (ص) شثن (٣) أصابعه. ومع جوازه ففيه ضعف ، انتهى.

قال ابنه لأنّه يشبه إضافة الشيء إلى نفسه ، وإنّما قال : يشبه لأنّ الإضافة ليست عن رفع ، وإن كان هو الأصل ، وإذ لو كانت عن رفع لكانت من إضافة الصفة إلى مرفوعها ، وهي هو في المعنى. لكنّهم لما استنكروا هذا حوّلوا الإسناد ، فانتصب المعمول على التشبه بالمفعول ، ثمّ أضيف ، فالإضافة ناشيءة عن النصب ، والصفة ليست نفس منصوبها.

«أمّا» الصور «البواقي» من الثمانية عشر وجها بعد إخراج الثلاثة الممنوعين باتّفاق ، والممنوع على خلاف ، وهي خمسة عشر وجها فجائزة ، لكن منها أحسن وحسن وقبيح. «فالأحسن ذو الضمير الواحد» لأنّه جاء على وفق ما يقتضيه الكلام من الإتيان بالمحتاج إليه في الربط من غير زيادة ولا نقصان ، وخير الكلام ما قلّ ودلّ.

«وهو» أي ذو الضمير الواحد «تسعة» أقسام. سبعة منها تشتمل فيها الصفة على الضمير ، وهي الحسن الوجه بنصب المعمول ، والحسن الوجه بجرّه ، وحسن الوجه بنصبه وتنوين الصفة ، وحسن الوجه بجرّه ، والحسن وجها وحسن وجها وحسن وجه بجرّه. واثنان يشتمل فيهما المعمول على الضمير ، وهما الحسن وجهه وحسن وجهه برفع المعمول فيهما ، فالمجموع تسعة.

«والحسن ذو الضميرين» لاشتماله على الضمير الّذي يحصل به الربط وزيادة الضمير الآخر لا تخلّ بالمعنى ، فلم يعد قبيحا ، نعم حطّته عن مرتبة الأحسنيّة ، «وهو اثنان» وهما حسن وجهه والحسن وجهه بنصب المعمول فيهما ، ففي كلّ من المثالين ضميران : أحدهما في الصفة ، والأخرى في المعمول.

«والقبيح» وهو «الخالي من الضمير» لخلوّه من الضمير المحتاج إليه في الصفة ، وبقاؤها كالأجنبيّ عن موصوفها «وهو أربعة» ، وهي الحسن الوجه وحسن الوجه و

__________________

(١) لم أجد الحديث.

(٢) تقدم في ص ٥٩٦.

(٣) الشثن : الغليظ الخشن.

٦٠٠

الحسن وجه وحسن وجه برفعه فيها ، وضابط ما يعرف له الأحسن والحسن والقبيح بحسب الضمير كما ذكر أنّه متى كان المعمول مضافا مرفوعا أو غير مضاف ولا مرفوع ، سواء كان منصوبا أو مرفوعا ، فالضمير واحد ، وإن كان مضافا غير مرفوع ، وسواء كان منصوبا أو مجرورا فضميران ، وإن كان مرفوعا غير مضاف فلا ضمير.

تنبيهات : الأوّل : حكم المعمول إذا كان معرّفا باللام حكمه إذا كان مضافا إلى المعرّف أو إلى المضاف إليه بالغا ما بلغ ، نحو : مررت برجل حسن الوجه وحسن الوجه الغلام وحسن وجه أبي الغلام. وحكم المعمول المضاف إلى المضمر حكم المضاف إلى المضاف إلى المضمر وهلم جرّا ، نحو : مررت برجل حسن وجهه وحسن وجه غلامه وحسن وجه أبي غلامه ، وكذا إن كان فيه ضمير ، ولم يكن مضافا إليه ، نحو : مررت برجل حسن وجه يصونه ، وحكم المجرّد عن اللام والإضافة إلى المضمر حكم المضاف إلى المجرّد عنهما بالغا ما بلغ ، نحو : مررت برجل حسن غلام وحسن وجه أبي غلام.

الثاني : قال في التصريح : أوصل بعض المتأخّرين الصور الحاصلة من الصفة ومعمولها إلى أربع عشرة ألف صورة ومأتين وستّ وخمسين صورة ، وذلك أنّه جعل الصفة إمّا بأل أو لا ، فهذه حالتان ، ومعمولها إمّا بأل أو مضاف أو مجرّد ، والمقرون بأل نوع واحد ، كالحسن الوجه ، والمضاف ثمانية أنواع :

الأوّل : مضاف إلى ضمير الموصوف ، نحو : حسن وجهه.

والثاني : مضاف إلى مضاف إلى ضميره ، نحو : حسن وجه أبيه.

والثالث : مضاف إلى المعرّف بأل ، نحو : حسن وجه الأب.

والرابع : مضاف إلى مجرّد ، نحو : حسن وجه أب.

الخامس : مضاف إلى ضمير مضاف إلى ضمير الموصوف ، نحو : جميلة أنفه من قولك :

مررت بامرأة حسن وجه جاريتها جميلة أنفه.

والسادس : مضاف إلى ضمير معمول صفة أخري نحو : جميل خالها من قولك :

مررت برجل حسن الوجنة جميل خالها.

والسابع : مضاف إلى موصول نحو : الطّيّبي كلّ ما التاثت به الأزر من قوله [من البسيط] :

٦٣٢ ـ فعجتها قبل الأخيار منزلة

والطّيبي ... (١)

والثامن : مضاف إلى موصوف بجملة نحو : رأيت رجلا حديد سنان رمح يطعن به.

__________________

(١) تمامه «كلّ ما التالث به الأزر» ، وهو للفرزدق. اللغة : عجبتها : ملت بها ، قبل : صوب ، التاثت : التفت ، الأزر : جمع الإزار : الثوب.

٦٠١

والمجرّد من الإضافة وأل يشمل ثلاثة أنواع : الموصول نحو قوله [من الطويل] :

٦٣٣ ـ أسيلات أبدان دقاق خصورها

وثيرات ما التفّت عليها المآزر (١)

والموصوف نحو : جمّا نوال أعدّه من قوله [من الطويل] :

٦٣٤ ـ تزور أمرا جمّا نوال أعدّه

لمن أمّه مستكفيا أزمة الدّهر (٢)

وغيرهما ، نحو : مررت برجل حسن وجه.

هذه اثنتا عشرة صورة مضروبة في حالتي تنكير الصفة وتعريفها تصير أربعة وعشرين ، وكلّ من هذه الأربع والعشرين مضروبة في ثلاثة أحوال الإعراب تبلع اثنتين وسبعين صورة ، ويضمّ إليها صور ما إذا كان معمول الصفة ضميرا وهي ثلاث.

الأولى : أن يكون مجرورا ، وذلك إذا باشرته الصّفة المجرّدة من أل نحو قولك : مررت برجل حسن الوجه جميلة.

الثانية : أن تفصل الصفة من الضمير ، وهي مجرّدة من أل ، نحو : قريش نجياء الناس (٣) ذريّة وكرامهموها.

الثالثة : أن يتّصل به ، ولكن تكون الصفة بأل نحو : زيد الحسن الوجه الجميلة ، والضمير في هاتين الصورتين منصوب ، فصارت خمسا وسبعين ، والصفة إمّا أن تكون لمفرد مذكّر أو لمثنّاه أو لمجموعه جمع سلامة أو جمع تكسير أو لمفرد مؤنّث أو لمثنّاه أو لمجموعه جمع سلامة أو جمع تكسير.

هذه ثمان في خمسين وسبعين تصير ستّمائة ، وإذا نوّعت نفس الصفة إلى مرفوعة ومنصوبة ومجرورة وضربتها في الستّة مائة تصير ألفا وثمانمائة ، وإذا نوّعت الصفة أيضا من وجه آخر إلى مفرد مذكّر ومثنّاه ومجموعه وإلى مفرد مؤنّث ومثنّاه ومجموعه وكانت ثمانيا ، فإذا ضربت فيها الألف والثمانمائة تصير أربع عشر ألفا وأربعمائة. قال : ويستثنى من هذه الصور الضمير ، فإنّه لا يكون مجموعا جمع تكسير ولا جمع سلامة ، وجملة صوره مائة وأربع وأربعون ، فالباقي أربع عشرة ألفا ومائتان وستة وخمسون ، بعضها جائز ، وبعضها ممتنع ، فيخرج منها الممتنع على ما تقدّم ، انتهى.

الثالث : تأنيث الصفة وتثنيتها وجمعها بحسب الضمير المستكن فيها لا بحسب ما أسند إليها. فتؤنّث إن كان موصوفها مؤنّثا وتثنّى وتجمع إن كان موصوفها كذلك

__________________

(١) نسب إلى عمر بن أبي ربيعة وليس في ديوانه. اللغة : أسيلات : طويلات ، أبدان : جمع بدن ، الدقاق : جمع دقيق ، الخصور : جمع الخصر بمعنى وسط البدن ، الوثيرة : من النساء : الكثرة اللحم ، المآزر : جمع المئزر بمعنى الإزار.

(٢) لم يعين قائله. اللغة : الجمّ : الكثير من كلّ شيء ، النوال : النصيب والعطاء ، أمّ : قصد ، الأزمة : الشدّة.

(٣) سقط «نجباء الناس» في «ح».

٦٠٢

كما في سائر الأوصاف المشتقّة ، تقول : هذه امرأة حسنة الوجه ، ورجال حسان الوجه ، ولا تقول : زيد حسنة عينه ، بنصب العين على التشبيه بالمفعول ، وتأنيث الصفة نظرا إلى أنّ العين في الأصل فاعل. وقد كانت تؤنّث عند إسنادها ، وإنّما تقول : حسن عينه بالتذكير رعاية للضمير المستكن في الصفة عائدا إلى زيد.

الرابع : قد يضمن الجامد معنى المشتقّ ، فيعطي حكم المشبهة ، وهو قليل ، كقول الشاعر [من البسيط] :

٦٣٥ ـ فراشة الحلم فرعون العذاب وإن

تطلب نداه فكلب دونه كلب (١)

وقول الآخر [من الوافر] :

٦٣٦ ـ فلولا الله والمهر المفدّي

لرحت وأنت غربال الإهاب (٢)

فضمن فراشة الحلم معنى طائش ، وفرعون معنى أليم وغربال معنى مثقب ، فأجريت مجراها إلى ما هو فاعل في المعنى ، ولو رفع بها أو نصب بها لم يمتنع ، وإلى هذه المسألة أشار ابن مالك في الكافية بقوله [من الرجز] :

٦٣٧ ـ وضمّن الجامد معنى الوصف

فاستعمل استعماله بضعف

كأنت غربال الإهاب وكذا

فراشة الحلم فراغ المأخذا

__________________

(١) هو للضحاك بن سعد : اللغة : فراشة الحلم : طائش. فرعون : إلى م. الندي : الجود والسخاء.

(٢) هو لمنذر بن حسان. اللغة : المهر : أول ما ينتج من الخيل والحمر الأهلية وغيرها. الغربال : مثقب.

٦٠٣

اسم التفضيل

ص : الخامس : اسم التفضيل وهو ما دلّ على موصوف بزيادة على غيره ، وهو :

أفعل للمذكّر ، وفعلى للمؤنّث ، ولا يبنى إلا من ثلاثيّ تامّ متصرّف ، قابل للتّفاضل ، غير مصوغ منه أفعل لغير التّفضيل ، فلا يبنى من نحو : دحرج وصار ونعم ومات ولا من عور وخضر وحمق ، لمجيء أعور وأخضر وأحمق لغيره ، فإن فقد الشّرط توصل بأشدّ ونحوه ، و «أحمق من هبنّقة» شاذّ ، و «أبيض من اللّبن» نادر.

تتمّة : ويستعمل إمّا بمن أو بأل أو مضافا.

فالأوّل : مفرد مذكر دائما ، نحو : هند أو الزّيدان أفضل من عمرو ، وقد تحذف من ، نحو : الله اكبر.

والثّاني : يطابق موصوفه ، ولا يجامع من ، نحو : هند الفضلى ، والزّيدان الأفضلان.

الثّالث : إن قصد تفضيله على من أضيف إليه ، وجب كونه منهم ، وجازت المطابقة وعدمها ، نحو : الزّيدان أعلما النّاس ، أو أعلمهم ، وعلى هذا يمتنع يوسف أحسن إخوته. وإن قصد تفضيله مطلقا فمفرد مذكّر مطلقا ، نحو : يوسف أحسن إخوته ، والزّيدان أحسن إخوتهما ، أي : أحسن النّاس من بينهم.

تبصرة : ويرفع الضّمير المستتر اتّفاقا ، ولا ينصب المفعول به إجماعا ، ورفعه للظاهر قليل ، نحو : رأيت رجلا أحسن منه أبوه ، ويكثر ذلك في نحو : ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد ، لأنّه بمعنى الفعل.

ش : «الخامس» من الأسماء العاملة عمل الفعل «اسم التفضيل» ، وبعضهم يقول : أفعل التفضيل. قيل : وما عبّر به المصنّف (ره) أولى ، ليشتمل خيرا وشرّا ، وردّ بأنّهما بزنة أفعل في الأصل ، إذ أصلهما أخير وأشر ، فحذفت الهمزة بدليل ظهورها في قراءة أبي قلابة (١) : (سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ) [القمر / ٢٦] ، بفتح الشين وتشديد الراء ، وقول الشاعر [من الرجز] :

٦٣٨ ـ ...

بلال خير النّاس وابن الأخير (٢)

وأجيب بأنّ المراد بالشمول على وجه الظهور ، وهو كاف في الأولويّة ، واختلف في سبب حذف الهمزة منها ، فقيل : لكثرة الاستعمال ، وهو المشهور ، قال الأخفش :

__________________

(١) أبو قلابة (... ١٠٤ ه‍) هو عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمّي عالم بالقصاء والأحكام وكان من رجال الحديث الثقات. الأعلام للزركلي ٤ / ٨٨.

(٢) مجهول قائله.

٦٠٤

لأنّهما لما لم يشتقّا من فعل خولف لفظهما ، فعلى هذا فيهما شذوذان : حذف الهمزة ، وكونهما لأفعل لهما.

قال ابن هشام : من عبّر باسم التفضيل (١) أجراه مجرى قولهم اسم الفاعل ، ومن قال أفعل التفضيل احترز به عن نحو : أفكل وأحمر. قال : ولو سمّوه بأفعل الزيادة لكان عندي أولى ، لأنّ التفضيل وإن كان في الأصل من الفضل الّذي هو الزيادة ، إلا أنّه يرد مستعملا كثيرا بمعنى ترجيح الشيء على غيره في صفات المدح ، وإن كان ذلك ليس مقتضي الاشتقاق بدليل : (وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ) [النحل / ٧١] ، ولكنّه في العرف متى لم يقيّد برزق ونحو ، لا يراد به إلا ما قدّمنا ، وحينئذ فلا يشمل نحو : زيد أجهل من عمرو وأحمق منه ، ثمّ إنّ حقيقة فضله جعله فاضلا لا نسبة إلى الفضل ، وأنت إذا قلت : زيد أعلم ، إنّما نسبته إلى الزيادة في العلم ، ولم تجعله أنت زائدا ، فقد استعملت فضلت بمعنى (٢) نسبة إلى الفضل ، وهو مستعمل ، لكنّه خلاف الوضع الأصليّ ، لأنّ معنى فضل بالتخفيف زاد ، ومعنى فضّل بالتشديد جعله زائدا كفرح زيد وفرّحته ، فيكون فضله بمعنى عدله ، انتهى. وسيبويه يسمّيه الصفة.

«وهو ما دلّ على موصوف» شمل جميع الصفات «بزيادة على غيره» أخرج ما عدا المحدود ، أي وضع للموصوف بالزيادة فلا يرد زائد ، لأنّه لم يوضع للموصوف بالزيادة ، بل لمن قام به الشيء إلا أنّه جعله كون القائم به الزيادة زائدا ، ولا طائل بمعنى الزائد في الطول ، لأنّه لم يوضع له ، بل لمن قام به الطول ، إلا أنّ عدم وصف العرف بالمتّصف بالطول إلا من له زيادة في الطول جعله بمعنى الزائد في الطول ، فكذا قال بعض المحقّقين من شرّاح الكافية.

والمراد بالغير أعمّ من الغير بالذات أو بالاعتبار كما في قولك : هذا بسرا أطيب منه رطبا. والمراد بالزيادة على الغير أعمّ من الزيادة في قيام الفعل به أو وقوع الفعل عليه.

شروط ما يصاغ منه أفعل التفضيل : «ولا يبنى إلا من فعل ثلاثيّ» والمراد به ما كان حروفه ثلاثة ، كما هو اصطلاح النّحويّين ، لا ما حروفه الأصليّة ثلاثة ، سواء اشتمل على زيادة أم لا ، كما هو اصطلاح الصرفيّين ، ولهذا استغنى عن التقييد بالتجريد.

«تامّ متصرّف قابل للتفاضل» في الصفات الإضافيّة الّتي يختلف بها أحوال الناس ، سواء كانت بالنسبة إلى شخص واحد في حالين كالعلم والجهل أو شخصين كالحسن و

__________________

(١) سقطت هذه الجملة في «ح».

(٢) في «ح» سقط بمعنى.

٦٠٥

القبح ، فتقول : هو أعلم من زيد يوم الأربعاء وأجهل منه يوم الخمسين ، وزيد أحسن من عمرو ، وعمرو أقبح من بكر.

«غير مصوغ منه أفعل لغير التفضيل» ويعبّر عن هذا بأن لا يدلّ على لون ولا عيب ، وما عبّر به المصنّف (ره) أولى ، لأنّه لا يبنى ممّا يدلّ على حلية أيضا ، فعبارتهم تحتاج إلى زيادة قيد ولا حلية كما نبّه عليه بعضهم.

«فلا يبنى من» غير فعل ، وشذّ هو أحنك البعيرين ، وهو أقمن به ، وألصّ من شظاظ ، صاغوا الأوّل من الحنك ، وهو اسم عين ، والمعنى أكلهما أي أشدّهما أكلا ، والثاني من القمن ، وهو الحقيق ، والثالث من اللص بمعنى السارق.

وشظاظ بكسر الشين وظائين معجمات اسم لصّ من بني ضبّة ، قاله في التصريح ، ثمّ انتقد الحكم لشذوذ الأخير المجزوم به في التصريح كغيره بأنّ ابن القطاع (١) نقل لا لصّ فعلا ، فقال يقال : لصّ ، إذا أخذ المال بخفية ، قال : فعلى هذا لا شذوذ فيه ، انتهى.

وقال بعضهم : وفي الحكم بشذوذ الأوّل أيضا نظر ، لأنّه يجوز أن يكون من أحنك الجراد الأرض ، إذا أكل ما عليها ، فيكون مثل أخصر من اختصر بحذف الزوائد ، انتهى. قلت : وهو كغسل الدم بالدم ، إذ هو على هذا التقدير شاذّ أيضا ، لكن شذوذه من جهة بنائه من غير الثلاثيّ.

ولا من فعل رباعيّ ، أي ما كان حروفه أربعة ، سواء كان كلّها أصولا ، أم بعضها زائدا ، كما هو مصطلح النحاة ، «نحو : دحرج و» انطلق ، إذ لا يمكن بناؤه منه ، لأنّه لو نقص لاختلّ ، ولو لم يحذف لزاد على بناء افعل ، وشذّ هذا الكلام أخصر من غيره ، بنوه من اختصر بالبناء للمفعول ، وهو أعطاهم للدراهم من أعطى ، وأولاهم للمعروف من أولى ، وأكرمهم للضيف من أكرم ، وهذا المكان أقفر من غيره من أقفر.

هذا مذهب جمهور البصريّين ، وجوزّ بعضهم بناءه من أفعل مطلقا ، وعزي إلى سيبويه ، وجزم به ابن مالك في التسهيل وفاقا له ، وصحّحه ابن هشام الخضراويّ ، وفصّل ابن عصفور بين أن تكون الهمزة للنقل كأعطى ، فلا يجوز ، وبين أن لا يكون للنقل ، فيجوز نحو : هذه الليلة أظلم من تلك الليلة ، وهذا المكان أقفر من ذلك المكان. قال ابن الحاج (٢) والرضيّ والشاطبيّ : وهذا التفضيل لا يعرفه نحويّ.

__________________

(١) أحمد بن محمد بن أحمد الأزديّ يعرف بابن الحاج قرأ على الشّلوبين وأمثاله. وله على كتاب سيبويه إملاء ، ومصنّف في علوم القوافي ، ومختصر خصائص ابن جنيّ ، وله حواش على سرّ الصناعة وعلى الإيضاح ومات سنة ٤٦٧ ه‍. بغية الوعاه ١ / ٣٩٥.

(٢) على بن جعفر بن محمد المعروف بابن القطاع الصقلي ، كان إمام وقته بمصر في علم العربية وفنون الأدب ، صنف : الأفعال ، أبنية الاسماء و... مات سنه ٥١٥ ه‍ ، المصدر السابق ٢ / ١٥٤.

٦٠٦

ولا من فعل ناقص ، نحو : «صار و» كان عند الجمهور ، فلا يقال : أصير ولا أكون ، وأجازه ابن الأنباريّ ، والرضيّ قال : ولعلّ علّة المنع كون مدلول الناقص الزمان دون الحدث ، كما توهّم بعضهم ، وأفعل موضوع للتفضيل في الحدث ، والحقّ أنّها دالّة على الحدث أيضا فلا منع ، وإن لم يسمع أن يقال هو أكون مطلقا ، وهو أصير منك غنيّا ، أي أشدّ انتقالا إلى الغني ، انتهى.

ولا من فعل غير متصرّف ، قال في التصريح : وعدم التّصرّف على وجهين : أحدهما أن يكون بخروج الفعل عن طريقة الأفعال من الدالّة على الحدث والزمان كنعم وبئس ، والثاني : يكون لمجرّد الاستغناء عن تصرّفه بتصرّف غيره ، وإن كان باقيا على أصله من الدالّة على الحدث والزمان ك يذر ويدع ، حيث استغني عن ماضيهما بماضي يترك ، وكلا القسمين مراد هنا ، فلا يبنى من نحو : «نعم و» بئس ويذر ويدع ، لا يقال : زيد أنعم من عمرو ، ولا أبئس منه ، وهما باقيان على معناهما من إنشاء المدح والذّمّ ، ولا هو أوذر من بكر ، وأودع منه.

ولا من غير قابل للتفاضل نحو : «مات و» فني ، لأنّه لا مزيد فيه لبعض فاعليه على بعض ، حتى يفضل ، لا يقال : زيد أموت من عمرو ، ولا أفني منه.

«ولا من» مصوغ منه أفعل لغير التفضيل نحو : «عور» من العيوب الظاهرة ، «وخضر» من الألوان ، «وحمق» من العيوب الباطنة ، ولمي وشهل من الحلي «لمجئيء أعور» من عور «وأخضر» من خضر «وأحمق» من حمق ، وألمى وأشهل من لمي وشهل. «لغيره» أي لغير التفضيل ، فلو بنى منه أفعل التفضيل أيضا لالتبس.

قال بعضهم : وهذا التعليل أنّما يتمّ إذا بيّن أنّ أفعل الصفة مقدّم بناؤه على أفعل التفضيل ، وهو كذلك ، لأنّ ما يدلّ على ثبوت مطلق الصفة مقدّم بالطبع على ما يدلّ على زيادة على الآخر في الصفة ، والأولى موافقة الوضع الطبع. قيل : إنّما لم يبن من ذلك ، لأنّ حقّ أفعل التفضيل أن يبنى من الثلاثيّ المحض كما تقدّم ، وأكثر أفعال الألوان والخلق إنّما تجئ على أفعل بتسكين الفاء وبزيادة مثل اللام ، نحو : أخضر فلم يبن أفعل التفضيل في الغالب ممّا كان منها ثلاثيّا إجراء للأقلّ مجرى الأكثر ، وقيل : لأنّ الألوان والعيوب جرت مجرى الخلق الثابتة الّتي لا تزيد ولا تنقص كاليد والرجل في عدم التفضيل منها.

وأجاز الكوفيّون بناءه من البياض والسواد اللذين هما أصلا الألوان ، وقيل : وقد يبنى من فعل أفعل مفهم عسر أو جهل ، نحو : هو ألدّ منه وأحمق منه ، وأكثر المغاربة

٦٠٧

عدّوا هذا من الشواذّ ، وعليه جرى المصنّف ، فأطلق المنع من بنائه من نحو ذلك ، وسيصرّح بشذوذ أحمق منه تصريحا.

تنبيه : بقي على المصنّف شرطان آخران ، أحدهما : أنّه لا يبنى إلا من فعل مثبت ، فلا يبنى من منفيّ ، سواء كان ملازما لنفي نحو : ما عاج بالدواء ، أي ما انتفع به ، ومضارعه يعيج أو غير ملازم ، نحو : ما عاج : أي ما مال ، ومضارعه يعوج ، فلا يقال : زيدا أعوج من عمرو ، لئلا يلتبس المنفيّ بالمثبت ، وما حكمت به من أنّ عاج الأولى ملازمة للنفي ، هو ما جزم به ابن مالك في التسهيل ، وابن هشام في التوضيح. واعترض بأنّه قد جاء في الإثبات ، قال أبو على القإلى (١) في نوادره : أنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي [من الطويل] :

٦٣٩ ـ ولم أر شيئا بعد ليلى ألذّه

ولا مشربا أروى به فأعيج (٢)

الثاني : إنّه لا يبنى من مبنيّ للمفعول ، سواء كان ملازما للبناء ، أم لا كضرب ، ومن الأوّل زهي علينا بمعنى تكبّر ، وعني بحاجته ، وشذّ : هو أزهى من ديك وأعنى بحاجتي ، قاله في الأوضح ، وانتقد شارحه الأوّل بأنّ ابن دريد حكى زها يزهو ، أي تكبّر ، والثاني بأنّه سمع فيه عني كرضي بالبناء للفاعل.

صوغ اسم التفضيل ممّا لم يستوف الشروط : «فإن فقد شرط» من الشروط المتقدّمة لبناء أفعل التفضيل ، «توصل» إلى التفضيل «بأشدّ ونحوه» ممّا يدلّ على الشدّة والضعف أو الزيادة أو النقص أو الكثرة أو القلّة أو الحسن أو القبح على حسب تفاوت المقاصد ، ويجاء بعد أشدّ أو نحوه بمصدر الممتنع تمييزا عن نسبة إلى المفضّل فيقال : زيد أشدّ دحرجة ، وأحسن بياضا منه ، وأقبح عورا منه.

قال الدمامينيّ : كذا قال الجماعة ، ويظهر لي أنّ هذا ليس بمساو للعرض من التفضيل ، وذلك أنّ هذا يقتضي اشتراك زيد وعمرو في شدّة الدحرجة وحسن البياض مثلا ، وأنّ زيدا زاد عليه في ذلك ، والغرض أنّما هو التفضيل عليه في مطلق الدحرجة والبياض ، لا في شدّة الدحرجة وحسن البياض فتأمّله ، انتهى.

قال بعض المتأخّرين : تأمّلت ما قاله في وجه عدم المساواة ، فوجدته أنّما يتمّ على تقدير أن يكون نحو : أشدّ في مثل زيد أشدّ دحرجة مسوقا لغرض إفادة الاشتراك في

__________________

(١) اسماعيل بن القاسم أبو على البغدادي المعروف بالقإلى ، كان أعلم الناس بنحو البصريّين ، وأحفظ أهل زمانه لللغة ، وأرواهم للشعر الجاهلي ، صنّف : الأمالي ، النوادر البارع في اللغة ، مات سنة ٥٠٦ ه‍. المصدر السابق ١ / ٤٥٣.

(٢) لم ينسب البيت إلى قائل معين. اللغة : أعيج : من «عاج يعيج» بمعنى انتفع.

٦٠٨

أصل الدحرجة والتفضيل باعتبار مجرّد الشدّة باقيا على معناه التفضيلي ، وذلك ممنوع لجواز أن يكون في هذه الحالة مستعملا في أصل الفعل مجرّدا عن معنى الزيادة ، وحينئذ يكون الكلام مساويا للغرض من التفضيل قطعا ، فتدبّر.

تنبيهات : الأوّل : قال بعض المحقّقين : الظاهر أنّه لا يختصّ التوصّل إلى التفضيل ممّا ذكر بصيغة أفعل ، بل يصحّ التوصّل بغيره أيضا ، نحو : زيد زائد استخراجا ، بل هو أوفق بالمقصود ، إذ المقصود جعله زائدا في نفس الاستخراج ، لا زائدا في زيادة الاستخراج ، انتهى.

الثاني : لا يختصّ التوصّل إلى التفضيل بما فقد بعض الشروط ، بل يتأتّي فيما استوفى الشروط ، فتقول : زيد أشدّ ضربا من عمرو ، وهو واضح.

وقولهم : «أحمق من هبنّقة شاذّ» ، فلا يقاس عليه ، هبنّقة بفتح الهاء والباء الموحّدة والنون المشدّدة والقاف ، لقب ذي الودعات ، يزيد بن ثروان ، وإنّما قيل له : ذو الودعات ، لأنّه جعل في عنقه قلادة من ودع (١) وعظام وخزف مع طول لحيته فسئل؟ فقال : لئلّا أضلّ : فسرقها أخوه في ليلة ، وتقلّدها ، فأصبح هبنّقة ورأها في عنقه ، فقال : أخي أنت أنا ، فمن أنا ، فضرب لحمقه المثل. ومن حمقه أنّه كان في جماعة ، فهبّت عليهم ريح سوداء مخوفة ، فجعل كلّ منهم يعتق رفيقا ، وبعضهم يتصدّق بضيعته. فقال هبنّقة : أللهمّ إنّك تعلم أنّي لا أملك شيئا أتصدّق به ، ولكن زوجتي طالق لوجهك الكريم ، فأخذ الضحك بالجماعة ، واشتغلوا عمّا هم من الخوف.

وقوله (ع) في وصف ماء الكوثر : أبيض من اللبن وأحلي من العسل (٢) ، نادر ، ولا يقاس عليه أيضا خلافا للكوفيّين كما اقتضاه إطلاق منعه فيما مرّ ، ومثله قول الراجز [من الرجز] :

٦٤٠ ـ جارية في ذرعها الفضفاض

أبيض من أخت بني أباض (٣)

هذا إن حمل على الندرة والشذوذ دون التأويل ، قال ابن مالك في شرح الكافية : وجائز أن يكون أبيض مبنيّا من قولهم : باض الشيء الشيء بيوضا ، إذا فاقه في البياض ، فالمعنى على هذا أنّ غلبة ذلك الماء غيره من الأشياء المبيضة أكثر من غلبة بعضها بعضا ، وأبيض بهذا الاعتبار أبلغ من أشدّ بياضا. قال : ويجوز أن يكون من المذكورة بعد أبيض

__________________

(١) الودع : خزر بيض جوف ، في بطونها شقّ كشقّ النواة ، تتفاوت في الصغر والكبر. الواحدة : ودعة.

(٢) تمام الحديث : أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك وأحلى من العسل. صحيح البخاري ، ٤ / ٥٠٤ ، رقم ١٤٣٨.

(٣) هو لرؤبة ، اللغة : الدرع : القميص ، الفضفاض : الواسع ، وأخت بني أباض كانت معروفة بالبياض.

٦٠٩

متعلّقة بمحذوف ، دلّ عليه أبيض المذكور ، والتقدير : ماؤه أبيض صفاء ، وأخلص من اللبن ، انتهى.

وسمع أيضا هو أسود من حنك (١) الغراب ، وأمّا قول المتنبي يخاطب الشيب [من البسيط] :

٦٤١ ـ إبعد بعدت بياضا لا بياض له

لأنت أسود في عيني من الظّلم (٢)

فقال ابن هشام في المغني : إنّ من الظلم صفة لأسود لا متعلّق به ، أي أسود كائن من جملة الظلم ، وكذا قوله [من الكامل] :

٦٤٢ ـ يلقاك مرتديا بأحمر من دم

ذهبت بخضرته الطّلي والأكبد (٣)

«من دم» إمّا تعليل ، أي أحمر من أجل التباسه بالدّم ، أو صفة ، كأنّ السيف للكثرة التباسه بالدم صار دما ، انتهى.

قال الدمامينيّ في شرحه الظاهر : إنّ المتنبيّ إنّما قصد التفضيل بناء على مذهب الكوفيّ ، لأنّه كوفيّ (٤) ، والكوفيّون يجوّزون بناءه من السواد والبياض ، فلا حرج عليه في ارتكاب طريقته وطريقة أصحابه وتخريج المصنّف مفوت لغرضه من كون الشيب عنده أشدّ سوادا من الظلم ، انتهى.

كيفيّة استعمال اسم تفضيل : هذه «تتمّة» لباب اسم تفضيل ، تشتمل على بيان كيفيّة استعماله في التركيب وأحكامه وأعماله ، و «يستعمل» اسم التفضيل وجوبا على أحد ثلاثة أوجه :

«إمّا» مقرونا «بمن» جارّة للمفضول ، وعند سيبويه وغيره لابتداء الارتفاع في نحو : زيد أفضل من عمر ، ولابتداء الانحطاط في نحو : زيد شرّ من عمرو ، وعند ابن مالك للمجاوزة ، كأنّه قيل : جاوز زيد عمرا ، وهو أولى من قول سيبويه وغيره ، إذ لا يقع بعدها إلى ، قال ابن هشام : وقد يقال : ولو كانت للمجاوزة لصحّ في موقعها عن ، ودفع بأنّ صحّة وقوع المرادف موقع مرادفه أنّما هو إذا لم يمنع من ذلك مانع ، وها هنا منع منه مانع ، وهو الاستعمال ، فإنّ اسم التفضيل لا يصاحب من حروف الجرّ إلا من خاصّة.

__________________

(١) الحنك : المنقار.

(٢) اللغة : إبعد : فعل أمر بمعنى اهلك.

(٣) لم يسمّ قائله. اللغة : بأحمر : أي بسيف أحمر ، والخضرة هنا : السمرة أو غبرة تخالطها دهمة يريد بها : لون السيف ، الطلي : جمع طليه وهي العنق.

(٤) سقطت «لأنّه كوفيّ» في «ح».

٦١٠

«أو» معرّفا «بأل ، أو مضافا» ، وإنّما وجب استعماله على أحد هذه الاوجه ، لأنّ وصفه لتفضيل الشيء على غيره ، فلا بدّ فيه من ذكر الغير الّذي هو المفضّل عليه ، وذلك مع من ، والإضافة ظاهر ، وأمّا مع «ال» فلأنّها للعهد ، يشار بها إلى معيّن متلّبس بتعيين المفضّل عليه مذكور قبله أو حكما ، كما إذا قلت : عندي شخص أفضل من زيد ، ثم قلت : عمرو الأفضل ، أي الشخص الّذي قلت : إنّه أفضل من زيد هو عمرو.

تنبيه : محلّ وجوب استعماله بأحد الثلاثة إذا لم يكن معدولا كما في آخر واسما كالدنيا والجلّى للخطة العظيمة خارجا عن معناه كاخر بمعنى غير.

«فالأوّل» وهو المستعمل بمن «مفرد مذكر دائما» ، سواء كان لمفرد أم لغيره ولمذكّر أم لغيره «نحو» زيد أو «هند أو الزيدان» أو الهندان أو الزيدون أو الهندات «أفضل من عمرو» وذلك لكراهتهم إلحاق أداة التثنية والجمع المختصّة بالأخر فيما هو في حكم الوسط باعتبار امتزاجه بمن التفضيليّة ، لأنّها الفارقة بينه وبين باب أحمر ، فكانت كتمام الكلمة ، وقيل : لمشابهته لفظا ومعنى لأفعل التعجّب الّذي هو فعل غير متصرّف ، أمّا لفظا فظاهر ، وأمّا معنى فلأنّه لا يتعجّب من شيء إلا وهو مفضّل ، ولهذا اشترطوا فيما يبنى منه أفعل التفضيل ما يشترط في بناء أفعل التعجّب فلمّا أجروه مجراه لفظا ومعنى أفردوه ، كما أفردوا (١) الفعل.

«وقد تحذف من» مع مجرورها إذا علم المفضول ، «نحو» قوله تعالى : «اللهِ أَكْبَرُ (٢)» * ، أي من كلّ شيء ، وقوله : (وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً) [الإسراء / ٢١] ، أي من الدنيا ، وقول الشاعر [من الكامل] :

٦٤٣ ـ إنّ الّذي سمك السّماء بنى لنا

بيتا دعائمه أعزّ وأطول (٣)

وقد جاء الحذف والإثبات في قوله تعالى : (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً) [الكهف / ٣٤] ، أي منك ، وأكثر ما يحذف إذا كان أفعل خبرا في الحال كما مرّ ، أو في الاصل ، نحو : كان زيد أفضل ، ويقلّ إذا كان حالا كقوله [من الطويل] :

٦٤٤ ـ دنوت وقد خلناك كالبدر أجملا

 ... (٤)

أي دنوت أجملا من بدر البدر ، أو صفة كقوله [من السريع] :

__________________

(١) سقط «كما أفردوا» في «ح».

(٢) ليس «الله اكبر» بصورة المبتدإ والخبر آية من القرآن الكريم.

(٣) هو للفرزدوق. اللغة : سمك : رفع : البيت ، أراد به بيت المجد والشرف ، الدعائم : جمع دعامة وهي في الأصل ما يسدّ به الحائط إذا مال ليمنعه السقوط.

(٤) تمامه «فظلّ فؤادي في هواك مضللا» ولم يسّم قائلة. اللغة : دنوت : قربت ، خلناك : ظننا شأنك كذا.

٦١١

٦٤٥ ـ تروّحي أجدر أن تقيلي

 ... (١)

أي تروحي ، وأتى مكانا أجدر من غيره بأن تقيلي فيه.

وزعم الرمانيّ أنّ الحذف لا يجوز إلا في الخبر ، وأجازه البصريّون إذا كان فاعلا ، نحو : جاءني أفضل ، أو اسم إنّ ، نحو : إنّ اكبر الله ، ومنعه الكوفيّون.

تنبيهات : الأوّل : لا يتعيّن في نحو : الله اكبر ، ودعائمه أعزّ وأطول أن يكون المحذوف من مع مجرورها ، بل يجوز أن يقال : إنّ المحذوف هو المضاف إليه ، أي أكبر كلّ شيء ، وأعزّ دعامة ، ولم يعوّض منه التنوين لكون أفعل غير متصرّف ، فاستبشع ذلك.

الثاني : يجب أن يكون المجرور بمن التفضيليّة مشاركا للمفضّل في المعنى إمّا تحقيقا ، نحو : زيد أحسن من عمرو ، أو تقديرا كقول على (ع) : لأن أصوم يوما من شعبان أحبّ إلى أن أفطر يوما من رمضان (٢). لأنّ إفطار يوم الشكّ الّذي يمكن أن يكون من رمضان محبوب عند المخالف فقدّره (ع) محبوبا إلى نفسه أيضا ، ثمّ فضّل صوم شعبان عليه ، فكأنّه قال : هب أنّه محبوب عندي أيضا ، أليس صوم يوم من شعبان أحبّ منه.

وقال (ع) : أللهمّ أبدلني بهم خيرا منهم (٣) ، أي في اعتقادهم وأبدلهم بي شرّا منّي ، أي في اعتقادهم أيضا ، وإلا فلم يكن فيهم خيرا ولا فيه (ع) شرّ ، ومثله قوله تعالى : (أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا) [الفرقان / ٢٤] ، كأنّهم لمّا اختاروا موجب النار اختاروا النار.

ويقال في التهكّم : أنت أعلم من الحمار ، فكأنّك قلت : إن أمكن أن يكون للحمار علم ، فأنت مثله مع زيادة ، وليس المقصود بيان الزيادة ، بل الغرض التشريك بينهما في شيء معلوم انتفاؤه عن الحمار.

وأمّا نحو قولهم : أنا أكبر من الشعر ، وأنت أعقل من أن تقول كذا ، فليس المراد تفضيل المتكلّم على الشعر والمخاطب على القول ، بل المراد بعدهما عن الشعر والقول. وأفعل التفضيل يفيد بعد الفاضل من المفضول وتجاوزه عنه ، فمن في مثله ليست تفضيلية ، بل هي مثل ما في قولك : بنت من زيد ، تعلّقت بأفعل المستعمل بمعنى متجاوز وبائن بلا تفضيل ، فمعنى قولك : أنت أعزّ على من أن أضربك ، أي بائن من أن أضربك من فرط عزّتك على ، وإنّما جاز ذلك ، لأنّ من التفضيليّة متعلّقة بأفعل التفضيل بقريب

__________________

(١) تمامه «غدا بجنبي بارد ظليل» وهو مجهول القائل. اللغة : تروّحي : من تروّح : سار في العشيّ ، أو عمل فيه ، أن تقيلي : من قال ـ قيلا أي : نام وسط النهار ، الظليل : ذو الظل.

(٢) الشيخ الحرّ العاملي ، وسائل الشيعة ، ج ١٠ ، موسسه آل البيت ، رقم ١٢٧٣٠.

(٣) سنن الترمذي كتاب الدعوات ٨٣.

٦١٢

من هذه المعنى ، ألا ترى أنّك إذا قلت : زيد أفضل من عمرو ، فمعناه زيد متجاوز في الفضل عن مرتبة عمرو ، فمن فيما نحن فيه كالتفضيليّة ، قاله الرضي كالّذي قبله.

الثالث : يجب أن تلا من التفضيليّة أفعل ، لأنّها من تمام معناه أو تلا معموله كقوله [من الطويل] :

٦٤٦ ـ فإنّا وجدنا العرض أحوج ساعة

إلى الصّون من ريط يمان مسهّم (١)

وقد يفصل بينهما بلو وفعلها نحو قولك : هي أحسن لو أنصفت من الشمس ، وأكره لو لم يمن من الحجر.

وقد يتقدّم عليه ضرورة كقوله [من الطويل] :

٦٤٧ ـ إذا سايرت أسماء يوما ظعينة

فأسماء من تلك الظعينة أملح (٢)

ويجب ذلك إن كان المفضول اسم استفهام ، أو مضافا إليه ، نحو : ممّن أنت أعلم ، ومن أيّ رجل أنت أكرم ، وذلك لأنّ اسم الاستفهام له الصدر ، وما أضيف إلى ما له الصدر ، فله الصدر كما مرّ.

«والثاني» وهو المستعمل بأل «يطابق موصوفه» وجوبا في الإفراد والتذكير وفروعهما للزوم مطابقة الصفة لموصوفها مع عدم المانع ، «ولا يجامع من» ، لأنّ من وأل تغني إحداهما عن الأخرى في إفادة ذكر المفضول ، فلو اجتمعتا كان إحداهما لغوا ، «نحو» : زيد الأفضل ، و «هند الفضلي ، والزيدان الأفضلان» ، والزيدون الأفضلون والهندات الفضيلات أو الفضل ، وعن الوهم في ذلك قول الجاحظ في قول الأعشى [من السريع] :

٦٤٨ ـ ولست بالأكثر منهم حصى

وإنّما العزّة للكاثر (٣)

إنّه يبطل قول النّحويّين : لا يجتمع من وأل في اسم التفضيل فجعل كلّا من أل ومن متعد به جاريا على ظاهره ، والصواب أن تقدّر أل زائدة أو معرفة ، ومن متعلقة بأكثر منكّرا محذوفا مبدلا من المذكور أو بالمذكور على أنّها بمترلتها في قولك : أنت منهم الفارس البطل ، أي أنت من بينهم ، وقول بعضهم إنّما متعلقة بليس قد يردّ بأنّها لا تدلّ على الحدث ، وبأنّ فيه فصلا بين أفعل وتمييزه بالأجنبي.

__________________

(١) هو لأوس بن حجر. اللغة : العرض : موضع المدح والذم من الرجل. الصون : مصدر صانه يصونه بمعنى حفظه ووقاه ، ريط : الملاءة ، أو جمع ريطة بمعنى الغلالة الرقيقة ، مسهم : مخطط.

(٢) هذا البيت لجرير بن عطية. اللغة : سايرت : جارت وباهت ، ظعينة : أصله الهودج تكون فيه المرأة ، ثمّ نقل إلى المرأة في الهودج بعلاقة الحالية والمحلية ، ثمّ توسعوا فيه فأطلقوه على المرأة مطلقا ، راكبة ، أو غير راكبة.

(٣) البيت للأعشى ميمون بن قيس. اللغة : الأكثر حصى : كناية عن كثرة الأعوان والأنصار ، الكاثر : الغالب في الكثرة.

٦١٣

وقد يجاب بأنّ الظرف يتعلّق بالوهم ، وفي ليس رائحة قولك : انتفي ، وبأن الفصل بالتمييز قد جاء في الضرورة في قوله [من المتقارب] :

٦٤٩ ـ على أنّني بعد ما قد مضي

ثلاثون للهجر حولا كميلا (١)

وأفعل أقوى في العمل من ثلاثون ، قاله ابن هشام في المغني.

تنبيه : لا بدّ في المطابقة من ملاحظة السماع ، قال أبو سعيد على بن سعد (٢) في كفاية المستوفي ما ملخّصه : ولا يستثنى في الجمع والتانيث عن السماع ، فإنّ الأشرف والأظرف لم يقل فيهما الأرشاف والشرفى ، والأظارف والظرفى ، كما قيل ذلك في الأفضل والأطول. وكذلك الأكرم والأمجد قيل فيهما : الأكارم والأماجد ، ولم يسمع فيهما الكرمى والمجدى ، انتهى ، قاله في التصريح.

«الثالث» : وهو المستعمل مضافا ففيه تفضيل ، فإنّه «إن قصد به تفضيله» ، أي تفضيل موصوفه «على من أضيف» اسم التفضيل إليه ، والتعبير بمن على سبيل التغليب ، فلا نقض بنحو : أعدى الخليل وأحسن الطير ، وهذا هو الأكثر استعمالا ، لأنّ وضعه لتفضيل الشيء على غيره ، فالأولى ذكر المفضّل عليه. «وجب كونه منهم» أي وجب كون موصوفه ممّن أضيف إليهم ، قيل : والأولى أن يقال : منه لئلّا يوهم ضمير الجمع أنّ المضاف إليه يجب أن يكون جمعا فينقض بنحو : زيد أفضل الرجلين ، وإنّما وجب كونه منهم لتحصل المشاركة بين الجميع في المعنى لذكره معهم ليصحّ تفضيله عليهم ، وأورد أنّ وجوب كونه منهم تستلزم تفضيل الشيء على نفسه ، وأجيب بأنّه داخل فيهم افرادا خارج منهم تركيبا ، أو داخل فيهم لفظا خارج عنهم إرادة ، فلا يلزم ذلك.

وبهذا يندفع أيضا ما أورده الرضيّ على ابن الحاجب من أنّ قوله على من أضيف إليه ليس بمرضيّ ، لأنّه مفضّل على ما سواه من جملة ما أضيف إليه ، وليس مفضّلا على كلّ ما أضيف إليه ، وكيف ذلك ، وهو من تلك الجملة ، فيلزم تفضيل الشيء على نفسه.

«وجازت المطابقة وعدمها» وهو الإفراد والتذكير ، «نحو : الزيدان أعلما الناس أو أعلمهم» ، والزيدون أفضلوا الناس وأفضلهم ، وهند فضلى النساء وأفضلهنّ ، أمّا المطابقة فلمشابهته للمعرّف بأل في التعريف ، وأمّا عدمها فلمشابهته أفعل في كون المفضّل عليه مذكورا ، وليس الوجهان متساوين كما يوهمه كلامه ، بل عدم المطابقة

__________________

(١) هو للعباس بن مرداس. اللغة : الحول : العام ، الكميل : الكامل.

(٢) لم أجد ترجمه حياته.

٦١٤

أولى ، قال تعالى : (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ) [البقرة / ٩٦] ، ولم يقل : حرصى بالياء.

وعن ابن السراج أنّه أوجب عدم المطابقة ، وردّ بقوله تعالى : (إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا) [هود / ٢٧] ، (وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها) [الأنعام / ١٢٣] ، قال في الأوضح : فإن قدّر أكابر مفعولا ثانيا ، ومجرميها مفعولا أوّلا ، لزمه المطابقة في المجرّد من أل والإضافة.

«وعلى هذا» القصد «يمتنع أن يقال : يوسف أحسن إخوته» لخروجه عنهم لفظا بإضافتهم إليه ، لأنّ إخوة يوسف غير يوسف. «وإن قصد تفضيله» أي تفضيل موصوفه تفضيلا «مطلقا» ، أي غير مقيّد بكونه على من أضيف إليه ، بل على كلّ من سواه ، فالمطابقة لا غير ، لمشابهته باسم الفاعل في عدم المشاركة ، فجرى مجراه في وجوب المطابقة وإضافة اسم التفضيل حينئذ للتوضيح ، كما تضيف سائر الصفات ، نحو : مصارع مصر وحسن القوم ، ممّا لا تفضيل فيه ، فلا يجب كونه من المضاف إليه.

فيجوز بهذا المعنى أن تصيفة إلى جماعة ، هو دخل فيهم ، نحو قولك : نبيّنا (ص) أفضل قريش ، بمعنى أفضل الناس من قريش ، وأن تضيفه إلى جماعة من جنسه ليس داخلا فيهم ، نحو : يوسف أحسن إخوته ، والزيدان أحسنا إخوتهما ، والزيدون أحسن إخوتهم ، أي يوسف أحسن الناس من بينهم ، وكذا الباقي ، وأن تضيفه إلى غير جماعة ، نحو : فلان أعلم بغداد ، أي أعلم ممّن سواه ، وهو مختصّ ببغداد ، لأنّه منشأه أي مسكنه ، وإن قدّرت المضاف ، أي أعلم أهل بغداد فهو مضاف إلى جماعة يجوز أن يدخل فيهم.

تنبيهات : الأوّل : وقع فيما وقفت عليه من نسخ هذا المتن ما نصّه : وإن قصد تفضيله مطلقا فمفرد مذكر مطلقا ، نحو : يوسف أحسن إخوته ، والزيدان أحسن إخواتهما ، وهو غلط صريح ، بل المطابقة واجبة إجماعا كما في سائر المتون ، حتى التهذيب للمصنّف ، ولم يتنبّه لذلك بعض من كتب على هذا الكتاب من طلبة العجم المعاصرين ، فشرحه على هذا العبارة ، وهو غلط واضح ، ووهم فاضح ، فاحذره.

وحاشا المصنّف أن يقع له مثل هذا الغلط الّذي لا يخفي على أدني طلبته فضلا عن مثله ، فلذلك غيّرت العبارة وأصلحتها ، إذ لا يمكن حملها إلا على تغيير النسّاخ كما قبل [من الطويل] :

٦٥٠ ـ فكم أفسد الراوي كلاما بعقله

وكم حرّف المنقول قوم وصحّفوا

وكم ناسخ أضحي لمعنى مغيّرا

وجاء بشيء لم يرده المصنّف (١)

__________________

(١) ما وجدت البيتين.

٦١٥

الثاني : قد يقصد بأفعل أصل الفعل ، فلا تفضيل فيه ، ويجرى حينئذ مجرى ما قصد به التفضيل مطلقا من وجوب المطابقة كقولهم : الناقص والأشج أعدلا بني مروان ، أي عادلاهم ، لأنّهما لا يشاركهما أحد من بني مروان في العدل ، والناقص هو يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مراون ، لأنّه نقص أرزاق الجند ، والأشج بالشين المعجمة والحجيم هو عمر بن عبد العزير ، لقّب بذلك ، لأنّه كان بجبينه أثر شجّة من دابة ضربته.

الثالث : التفضيل الّذي ذكره المصنّف (ره) في المستعمل مضافا أنّما يجري في المضاف المعرفة ، وأمّا المضاف للنكرة فيلزمه الإفراد والتذكير لموافقته المستعمل بمن في التنكير ، نحو : زيد أفضل رجل ، والزيدان أفضل رجلين ، والزيدون أفضل رجال ، وهند أفضل امرأة ، والهندان أفضل امرأتين ، والهندات أفضل نساء ، أي زيد أفضل من كلّ رجلين قيس فضله بفضله ، والزيدان أفضل من كلّ رجل قيس فضلهما بفصلهما ، والزيدون أفضل من كلّ رجال قيس فضلهم بفضلهم ، وكذا الباقي.

عمل اسم التفضيل : هذه «تبصرة» في بيان إعمال اسم التفضيل ، و «يرفع الضمير المستتر إجماعا» نحو : زيد أفضل ، ففي أفضل ضمير مستتر مرفوع على الفاعلية يعود إلى زيد ، وإنّما عمل فيه لضعفه ، لأنّ وجوده خفيّ ، ولا يختلف لفظه بالتّكلّم والخطاب والغيبة ، والعمل فيه كلا عمل ، فلم يحتج إلى ما (١) يقوّي العامل على العمل فيه.

«ولا ينصب المفعول به إجماعا» ، فلا يقال : زيد أشرب الناس عسلا ، لأنّه التحق بالأفعال الغريزيّة ، وما أوهم ذلك فهو منصوب بفعل مقدّر دالّ عليه ، نحو ، قوله تعالى : (هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ) [الأنعام / ١١٧] ، فمن ليست مفعولا بأعلم ولا مضافا إليه ، لأنّ أفعل بعض من يضاف إليه ، فيكون التقدير أعلم المضلّين ، فهو محال ، بل هو منصوب بفعل محذوف يدلّ عليه أعلم ، أي يعلم من يضلّ.

وعلى هذا فمن موصولة أو موصوفة ، هذا هو الظاهر ويحتمل أن تكون استفهامية في محل رفع على أنّه مبتدأ ، ويضلّ خبره ، والجملة في محل نصب ، علّق عنها العامل ، والاستفهام للتعجّب من شان الضّالّ المتبع للظنّ الكاذب ، وتجويز الكواشي (٢) كون من موصولة أو موصوفة في حمل جرّ بالباء المحذوفة ، أو باضافة أعلم إليه ليس بشيء لامتناع الثاني ، كما علم ، وضعف الأوّل لشذوذ حذف حرف الجرّ مع بقاء عمله.

__________________

(١) سقطت «فلم يحتج إلى ما» في «ح».

(٢) أحمد بن يوسف بن حسن بن رافع الإمام موفق الدين الكواشيّ الموصلي برع في العربية والقراءات والتفسير ، وله التفسير الكبير والصغير ومات سنة ٦٨٠ ه‍ ، المصدر السابق ١ / ٤٠١.

٦١٦

تنبيهات : الأوّل : ما ادّعاه المصنّف من الإجماع على أنّه لا ينصب المفعول به تبع فيه ابن مالك في شرح الكافية ، وابن هشام في شرح القطر ، والرضيّ في شرح الحاجبية ، وفيه نظر ، فقد نقل ابن هشام في حواشي التسهيل عن محمد بن مسعود بن الزكي جواز نصبه به مطلقا ، وإنّه قال في كتاب البديع : غلط من قال : إنّ التفضيل لا يعمل في المفعول به لورود السماع بذلك كقوله تعالى : (هُوَ أَهْدى سَبِيلاً) [الإسراء / ٨٤] ، وليس تمييزا ، لأنّه ليس فاعلا كما في زيد أحسن وجها ، وقول عباس بن مرداس [من الطويل] :

٦٥١ ـ ...

وأضرب منّا بالسيوف القوانسا (١)

ونقل في المغني عن بعضهم جوازه إن قصد به أصل الفعل. قال الدمامينيّ : وهذا الرأي حسن ، فينتصب حين يقصد به ذلك كما أنّه يضاف حينئذ إلى ما ليس بعضه ، فيجرى حكم النصب والجرّ على طريقة واحدة انتهى. وقد يجاب عن مدّعي الإجماع بأنهم نزّلوا الخلاف في ذلك مترلة العدم.

الثاني : إنّما قال المصنّف : ولا ينصب المفعول به ، ولم يقل : ولا يعمل في المفعول به ، لأنّه يعمل فيه بواسطة حرف الجرّ ، فيعمل فيه بلام التقوية ك زيد أوعي للعلم ، وأبذل للمعروف ، أو بالباء ك خالد أعرف بالفقه وأجهل بالنحو ، فان كان فعله يتعدّي لاثنين ، نصبت الثاني بفعل مقدّر ، ك زيد أكسي للفقراء الثياب ، أي يكسوهم.

الثالث : لا ينصب المفعول المطلق أيضا إجماعا ، فلا يقال ، أنا أحسن الناس حسنا ، ولا المفعول له ، فلا يقال : أنا أضرب الناس تأديبا ، ولا المفعول معه ، فلا يقال : أنا أسير والنيل ، ونقل ابن هشام في المغني عن سيبويه نصبه للشبه بالمفعول به ، وردّه بأنّ اسم التفضيل لا يشبه باسم الفاعل ، إذ لا يلحقه علامات الفروع إلا بشروط ، لكن قال في موضع آخر منه : الهاء في قولهم : لا عهد لي بألأم قفا منه ولا أوضعه ، في محلّ نصب كالهاء في «الضاربه» إلا أنّ ذاك مفعول ، وهذا مشبّة بالمفعول ، لأنّ اسم التفضيل (٢) لا ينصب المفعول إجماعا ، وليست مضافا إليها ، وإلا لخفض «أوضع» بالكسرة ، انتهى.

وقال الرضيّ : لا ينصب شبه المفعول كالحسن الوجه ، إمّا لأنّه لا ينصب المفعول به ، فلا ينصب أيضا شبهه ، وإمّا لأنّ نصب ذلك في الصفة فرع الرفع ، كما مرّ ، وهو توطئة للإضافة إلى ما كان مرتفعا به ، وهو لا يرفع الفاعل الظاهر إلا بشروط ، وإن رفع ذلك فلا يضاف إليه ، انتهى.

__________________

(١) صدر البيت «أكرّ وأحمي للحقيقة منهم» ، اللغة : القوانس : جمع قونس بمعنى أعلى البيضة من الحديد.

(٢) من لا يشبه حتى هنا محذوف في «س».

٦١٧

ولا خلاف في نصبه الظرف ، نحو : زيد أفضل الناس اليوم ، لأنّ الظرف يتوسّع فيه ، وتكفيه رائحة الفعل ، والحال نحو : زيد أحسن الناس متبسما ، لأنّها بمثابة الظرف ، وفي معناه التمييز نحو : (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً) [الكهف / ٣٤] ، لأنّه في غاية الضعف ، إذ ينصبه ما يخلو عن معنى الفعل أيضا ، وما لا يشمّ رائحته نحو : راقود خلّا (١).

«ورفعه للظاهر» أي الموجود الّذي يسمع التلفّظ به ، فيشتمل الضمير المنفصل أيضا «قليل» مختصّ بلغة ضعيفة حكاها سيبويه «نحو رأيت رجلا أحسن منه أبوه» أو أنت ، ينصب أحسن على أنّه صفة لرجل ، ويرفع أبوه أو أنت على الفاعلية بأحسن على معنى فاقه في الحسن أبوه أو أنت ، وأكثر العرب يوجب رفع أحسن في ذلك على أنّه خبر مقدّم ، وأبوه أو أنت مبتدأ مؤخّر ، وفاعل أحسن ضمير مستتر فيه عائد على المبتدأ ، والجملة من المبتدأ والخبر في موضع نصب صفة لرجل ، ورابطها الضمير المجرور بمن.

ولا يرفعون به الظاهر لضعفه عن العمل ، لأنّه ليس له فعل بمعناه في الزيادة حيث يعمل عمله ، ولا هو مشابه لاسم الفاعل ، ليحمل عليه في العمل في الظاهر ، كما حملت عليه الصفة المشبهة في العمل فيه ، لأنّ اسم الفاعل يثنّى ويجمع ، واسم التفضيل لا يثنّى ولا يجمع ما هو الأصل فيه ، وهو المستعمل بمن ، بخلاف الصفة المشبة ، فإنّها تثنّى وتجمع كما مرّ.

«ويكثر ذلك» أي رفعه للظاهر في مسالة الكحل ، وضابطها أن يكون اسم التفضيل صفة في المعنى لاسم جنس مسبوق بنفي ، ومرفوعه أجنبيّا مفضلّا على نفسه باعتبارين «نحو» قول العرب : «ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد» ، فأحسن صفة لرجل ، وهو اسم جنس مسبوق بنفي ، والكحل مرفوع به على أنّه فاعله ، وهو أجنبيّ من الموصوف ، لكونه لم يتّصل بضميره ، وفي عينه ظرف مستقرّ حال من الكحل ، وقدّمت عليه ، ومنه لغو متعلّق بأحسن زيد ، وفي عين زيد مستقرّ حال من الضمير المجرور بمن ، والمعنى : ما رأيت رجلا أحسن الكحل كائنا في عينه منه ، أي من الكحل كائنا في عين زيد ، وقد ظهر أنّ الكحل الّذي هو مرفوع اسم التفضيل مفضّل على نفسه باعتبارين ، أمّا كونه مفضّلا فباعتبار كونه في عين الرجل ، وأمّا كونه مفضّلا على نفسه فباعتبار كونه في عين زيد.

قال في الهمع : ولاشتهار هذا المثال في ما بين النحاة بهذه المسألة عرفت بمسالة الكحل ، وإنّما ساغ لاسم التفضيل هنا ذلك العمل ، «لأنّه بمعنى الفعل» إذ يصحّ أن

__________________

(١) الراقود : إناء خزف مستطيل مقيّر.

٦١٨

يحلّ محله فعله مع استقامة المعنى ، فيقال : ما رأيت رجلا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد ، ولأنّه لو لم يعرب المرفوع في ذلك فاعلا كان مبتدأ ، وأحسن خبره ، ولزم الفصل بين أفعل ومعموله بأجنبيّ ، وهو الكحل.

تنبيهات : الأوّل : الأصل في هذه المسالة أن يقع الاسم الظاهر بين ضميرى ن : أوّلها للموصوف وثانيهما للظاهر ، كما مثّلنا ، وقد يحذف الضمير الثاني ، وتدخل من إمّا على الاسم الظاهر أو على محلّه أو على ذي المحلّ ، فتقول : ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل من كحل عين زيد ، أو من عين زيد ، أو من زيد ، فيحذف مضافا أو مضافين ، وقد لا يؤتي بعد المرفوع بشيء ، فتقول : ما رأيت كعين زيد أحسن فيها الكحل ، قالوا : ما أحد أحسن به الجميل من زيد ، والأصل ما أحد أحسن به الجميل من حسن الجميل بزيد ، ثمّ إنّهم أضافوا الجميل إلى زيد لملابسته له في المعنى ، ثمّ حذفوا المضاف ، وأقاموا المضاف إليه مقامه ، قاله في الأوضح.

الثاني : قال ابن مالك : لم يرد هذا الكلام المتضمّن رفع الظاهر إلا بعد النفي ، ولا بأس باستعماله بعد النهي والاستفهام الّذي فيه معنى النفي ، نحو : لا يكن أحد أحبّ إليه الخير منه إليك ، وهل رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد.

ومنع ذلك أبو حيّان ، فقال : يجب اتّباع السماع والاقتصار على ما قالته العرب على أنّ إلحاقهما ظاهر في القياس ، لكن الأولى اتباع السماع.

٦١٩

الاسم الّذي لا ينصرف

ص : خاتمة :

موانع صرف الاسم تسع : فعجمة

وجمع وتأنيث وعدل ومعرفة

وزائدتا فعلان ، ثمّ تركّب

كذلك وزن الفعل ، والتاسع الصّفة

بثنتين منها يمنع الصّرف

هكذا بواحدة نابت فقالوا مضعّفة

والعجمة تمنع صرف العلم العجمي العلميّة ، بشرط زيادته على الثلاثة : كإبراهيم ، ولا أثر لتحرّك الأوسط عند الأكثر ، والجمع يمنع صرف وزن مفاعل ومفاعيل : كدراهم ودنانير ، بالنّيابة عن علّتين ، وألحق به حضاجر للأصل ، وسراويل للشبه ، والتأنيث إن كان بألفي حبلى وحمراء ، ناب عن علّتين ، وإلا منع صرف العلم حتما ، إن كان بالتّاء كطلحة ، أو زائدا على الثلاثة : كزينب ، أو متحرّك الأوسط كسقر ، أو أعجميّا كجور ، فلا يتحتّم منع صرف هند ، خلافا للزجاج. والعدل يمنع صرف الصفة المعدولة عن أصلها ، كرباع ومربع وكأخر ، في : مررت بنسوة أخر ، إذ القياس بنسوة آخر ، لأنّ اسم التفضيل المجرّد عن اللام والإضافة مفرد مذكّر دائما ، ويقدّر العدل فيما سمع غير منصرف ، وليس فيه سوى العلمية : كزحل وعمر ، بتقدير زاحل وعامر.

والتعريف شرط تأثيره في منع الصرف العلمية ، والألف والنون يمنع صرف العلم كعمران ، والوصف الغير القابل للتاء كسكران ، فعريان منصرف ، ورحمن ممتنع ، والتركيب المزجيّ يمنع صرف العلم كبعلبك ، ووزن الفعل شرطه الاختصاص بالفعل ، أو تصديره بزائد من زوائد ، ويمنع صرف العلم كشمّر ، والوصف الغير القابل للتاء كأحمر ، فيعمل منصرف لوجود يعلمة ، والصفة تمنع صرف الموازن للفعل ، بشرط كونها الأصل فيه ، وعدم قبوله التاء ، فأربع في مررت بنسوة أربع منصرف لوجهين. وجميع الباب يكسر مع اللام والإضافة والضرورة.

ش : هذه خاتمة لمباحث الأسماء في موانع الصرف. قال ابن يعيش في شرح المفصّل اختلف النّحويّون في منع الصرف ، ما هو؟ فقال قوم : هو عبارة عن منع الاسم الجرّ والتنوين دفعة واحداة ، وليس أحدهما تابعا للآخر ، إذ كان الفعل لا يدخله جرّ ولا تنوين ، وهو قول بظاهر الحال ، وقال قوم ينتمون إلى التحقيق : إنّ الجرّ في الأسماء نظير الجزم في الأفعال ، فلا يمنع الّذي لا ينصرف ما في الفعل نظيره ، وإنّما المحذوف منه على الخفّة ، وهو التنوين وحده لثقل ما لا ينصرف لمشابهة الفعل ، ثمّ تبع الجرّ التنوين في الزوال ، لأن التنوين خاصّة للاسم ، والجرّ خاصة له ، فيتبع الخاصّة الخاصّة.

٦٢٠

ويدلّ على ذلك أنّ المرفوع والمنصوب ممّا لا مدخل للجرّ فيه ، وإنّما يذهب منه التنوين لا غير ، فعلى هذا القول إذا قلت : نظرت إلى الرجل الأسمر ، أو أسمركم ، فالأسمر باق على منع صرفه وإن انجرّ ، لأنّ الشبه قائم ، وعدم الصرف الّذي هو التنوين معدوم ، وعلى القول يكون الاسم منصرفا ، لأنّه لمّا دخله الألف واللام والإضافة ، وهما خاصّة للاسم بعدا عن الأفعال ، وغلبت الاسميّة فانصرف ، انتهى.

ثمّ المعتبر في الاسم الّذي لا ينصرف من شبه الفعل أن يكون فيه فرعيّتان عن تسع ، إحداهما من جهة اللفظ ، والأخرى من جهة المعنى ، أو فرعيّة واحدة تقوم مقامهما ، كما أنّ في الفعل فرعيّتين عن الاسم ، إحداهما من جهة اللفظ ، وهي اشتقاقه من المصدر ، والأخرى من جهة المعنى ، وهي افتقاره إلى الاسم الّذي به يكون كلاما ، وحيث أشبه الاسم الفعل ، أو كان فرعا له بالاعتبار المذكور ، كان مثله في امتناع ما يمنع فيه من الجرّ والتنوين أو التنوين وحده على الخلاف.

أسباب منع الاسم من الصرف : إذا عرفت ذلك فنقول : موانع الصرف وتسمّى عللا وأسبابا بالاستقراء تسعة وهي :

١ ـ العجمة ، وهي في لسان العرب فرع العربيّة ، إذ الأصل في كلّ كلام أن لا يخالطه لسان آخر.

٢ ـ والجمع ، وهو فرع الواحد.

٣ ـ والتأنيث ، وهو فرع التذكير ، لأنّك تقول : قائم ، ثمّ تقول : قائمة.

٤ ـ والعدل ، وهو فرع المعدول عنه ، لأنّ الأصل بقاء الاسم على حالة.

٥ ـ التعريف ، وهو فرع التنكير ، لأنّك تقول : رجل ، ثمّ تقول : الرجل ، ولا يخفى أنّ المعروض لأل هو رجل المطلق ، لا رجل المجرّد عن أل ، وهو النكرة ، وكذا المعروض للتاء قائم المطلق ، لا قائم المجرّد عن التاء ، وهو المذكّر ، فالفرعيّة في التأنيث والتعريف وهميّة ، والفرعية المعتبرة في منع الصرف أعمّ من الوهميّ والحقيقية ، كذا قال بعض المحقّقين.

٦ ـ وزيادة الألف والنون ، وهي فرع المزيد عليه.

٧ ـ والتركيب وهو فرع الإفراد.

٨ ـ ووزن الفعل ، وهو فرع وزن الاسم ، لأنّ الأصل في كلّ نوع أن لا يكون فيه الوزن المختصّ بنوع آخر ، فإذا وجد فيه ذلك الوزن كان فرعا لوزنه ، والمراد

٦٢١

بقولهم : المختصّ بنوع آخر المختصّ به حقيقة أو حكما ، ووزن الفعل المبدوّ بإحدى الزوائد الأربع في حكم المختصّ ، فلا يتّجه أنّ البيان قاصر.

٩ ـ والوصف وهو فرع الموصوف ، قال الرضي كغيره.

وتسميتهم لكلّ واحد من الفروغ المذكورة مانعا وسببا وعلّة مجاز ، لأنّ كلّ واحد منها جزء العلّة لا علّة تامّة ، إذ باجتماع اثنتين منها يحصل الحكم ، فالعلّة التامّة إذن مجموع علّتين ، أو واحدة منها تقوم مقامهما ، انتهى.

قال بعض المحقّقين : وفيه أنّ إطلاق العلّة على العلّة الناقصة حقيقة ، بل التحقيق أنّها العلّة ، واطلاق العلّة على مجموع الاثنين هو التجوّز ، انتهى. قيل : ووجهه أنّ التاء في العلّة للوحدة ولا وحدة في الاثنين.

وقد جمع المصنّف هذه الموانع التسع بقوله [من الطويل] :

٦٥٢ ـ موانع صرف الاسم تسع فعجمة

وجمع وتأنيث وعدل ومعرفة

وزائدتا فعلان ثمّ تركّب

كذلك وزن الفعل والتاسع الصفة

وجمعها بعضهم أيضا ، فقال [من الطويل] :

٦٥٣ ـ إذا اثنان من تسع ألّما بلفظة

فدع صرفها وهي الزيادة والصفة

وجمع وتانيث وعدل وعجمة

وأشباه فعل ثمّ تركيب معرفة

وقال الشيخ تاج الدين ابن مكتوم (١) [من البسيط] :

٦٥٤ ـ موانع الصرف وزن الفعل يتبعه

عدل ووصف وتأنيث وتمنعه

نون تلت ألفا زيدت ومعرفة

وعجمة ثمّ تركيب وتجمعه

أي وجمعه. وقال [من الطويل] :

٦٥٥ ـ إذا رمت إحصاء الموانع للصرف

فعدل وتعريف مع الوزن والوصف

وجمع وتركيب وتأنيث صيغة

وزائدتي فعلان والعجمة الصرف

وقال أيضا [من الطويل] :

٦٥٦ ـ موانع صرف الاسم تسع فهاكها

منظمة إن كنت في العلم ترغب

من العدل والتأنيث والوصف عجمة

وزائدتي فعلان جمع مركّب

وثامنها التعريف والوزن تاسع

وزاد سواها باحث يتطلّب

وقال آخر [من الكامل] :

__________________

(١) أحمد بن عبد القادر بن أحمد بن مكتوم تاج الدين أبو محمد النحويّ. ولد سنة ٦٨٢ ه‍ ، أخذ النحو عن ابن النحاس ، من تصانيفه : شرح كافية ابن الحاجب ، شرح شافيته و... توفّي سنة ٧٤٩ ه‍. بغية الوعاة ١ / ٣٢٦.

٦٢٢

٦٥٧ ـ موانع الصرف تسع كلّما اجتمعت

ثنتان منها فما للصرف تصويب

عدل ووصف وتأنيث ومعرفة

وعجمة ثمّ جمع ثمّ تركيب

والنون زائدة من قبلها ألف

ووزن فعل وهذا القول تقريب

وجمعها بعضهم في بيت واحد فقال [من البسيط] :

٦٥٨ ـ إجمع وزن عادلا أنّث بمعرفة

ركّب وزد عجمة فالوصف قد كملا

وأنشد الشيخ بهاء الدين النحاس في ذلك لنفسه [من الرجز] :

٦٥٩ ـ وزن المركّب عجمة تعريفها

عدل ووصف الجمع زد تأنيثا

وقال الآخر [من البسيط] :

٦٦٠ ـ جمع ووزن وعدل وصف معرفة

تركيب عجمة تأنيث زيادتها

وقال آخر أيضا [من الطويل] :

٦٦١ ـ زيادة وزن وصف تأنيث عجمة

وعدل وتعريف وجمع وتركيب

وقال آخر [من البسيط] :

٦٦٢ ـ موانع الصرف تأنيث وتركيب

وعجمة ثمّ عدل ثمّ تعريف

ووزن فعل ونون قبلها ألف

ومزيدتين وعدل ثمّ توصيف

تنبيه : ما صرّح به من انحصار الموانع في التسعة هو المشهور الّذي عليه الجمهور. وقيل : المانع من الصرف اثنان : الحكاية والتركيب ، أمّا الحكاية ففي وزن الفعل مع الوصف ، نحو : أعلم وأجهل أو مع العلميّة ، نحو : يزيد ويشكر ، فإنّ امتناع الصرف فيهما بطريق الحكاية الفعلية يعني كما لا يدخل عليهما الكسر والتنوين قبل نقلها من الفعلية إلى الاسميّة ، كذلك لم يدخل عليهما بعد النقل.

وأما التركيب ففي البواقي كتركيب التأنيث بالتاء الظاهرة أو المقدّرة أو بالألف ، وهو إمّا تركيب التأنيث مع العلميّة أو تركيب حرف التأنيث مع الاسم وتركيب العدل ، ووجهة أنّه بمترلة علمين تقديرا ، لأنّ الواضع قصد التسمية بعامر ، فعدل عنه خوف اللبس بالصفة إلى عمر ، وفي نحو : ثلاث فإنّه بمترلة ثلاثة ثلاثة ، وتركيب الجمع ، فإنّه بمترلة أجمعين ، وتركيب الاسمين في نحو : بعلبك ، وتركيب الألف والنون إمّا مع العلميّة أو مع الوصفيّة وتركيب العجمة ، وهي إمّا تكرّرها في العجميّ والعربيّ وتركيبها مع العلميّة.

٦٢٣

وقال بعضهم : إنّها عشرة ، والزائد شبه ألف التأنيث كأرطي (١) إذا سمّي به. وقال بعضهم : إنّها أحد عشر ، والزائد مراعاة الأصل في نحو : أحمد ، إذا نكّر بعد العلميّة ، وقال بعضهم إنّما ثلاثة عشر ، والزائد أنّ لزوم التأنيث ولزوم الجمع ، وردّ القول بأنها اثنان ما ذكره من الحكاية لا يتناول نحو : أحمر وأفكل (٢) ، لأنّهما ليسا بمنقولين من الفعل.

وما ذكره من معنى التركيب ليس بتركيب ، لأنّ التركيب المعتبر في منع الصرف تركيب الكلمتين ، وما ذكره ليس كذلك ، نعم هو صحيح في بعلبك ، لكن يبطله جعله مجرّدا لتركيب سببا لمنع الصرف ، وهو يقتضي منع صرفه في حال التنكير أيضا لوجود السبب ، وهو باطل ، وردّ باقي الأقوال بأنّ شبه الشيء منجذب إليه وداخل في عداده ، ومراعاة الأصل في نحو أحمر مندرج في الوصف ، ولزوم التأنيث داخل في التأنيث ، لأنّ لزوم التأنيث صفة له ، وصفة الشيء ملحقة بأصلها ، وكذا لزوم الجمع داخل في الجمع ، فالحقّ أنّها تسعة كما ذكره المصنّف (ره).

العجمة : «والعجمة» والمراد بها غير العربيّة ، فارسيّة كانت أو غيرها «تمنع صرف العلم العجميّ العلميّة» بإضافة العجمي إلى العلميّة ، وذلك بأن يكون قبل استعمال العرب له علما في لغة العجم بخلاف ما نقل عن لسانهم نكرة ، فلا أثر للعجمة فيها ، لأنّها عجميّة جنسيّة ، فألحقت بالأمثلة العربيّة ، وذلك كلجام وديباج ونحوهما من أسماء الأجناس ، وكذا ما كان نكرة في لسانهم ، ثمّ نقل في أوّل أحواله علما ، كما إذا سمّي بلجام لحدوث علميّة ، فإن كان فيه مع العلميّة سبب آخر غير العجمة منع الصرف كصبخة علما لمؤنّث ، وما ذكره من اشتراط العلميّة في العجميّة ، هو مذهب أبي الحسن ابن الدبّاج (٣) ، ونقل عن ظاهر مذهب سيبويه قال أبو حيّان : والجمهور على خلافه ، انتهى.

ويظهر أثر الخلاف في نحو : قالون ، فيصرف على الأوّل لأنّهم لم يستعملوه علما ، وإنّما استعملوه صفة بمعنى جيّد ، ويمنع الصرف على الثاني ، لأنّه لم يكن في كلام العرب قبل أن يسمّى به.

__________________

(١) الأرطي : شجر ينبت بالرمّل.

(٢) أفكل : الرعدة من برد أو خوف.

(٣) على بن جابر بن على الإمام أبو الحسن الدّباج كان نحويّا أدبيا فاضلا قرأ النحو على ابن خروف وتصدر لإقراء النحو والقرآن نحو خمسين سنة. ومات سنة ٦٤٦ ه‍ المصدر السابق ٢ / ١٥٣.

٦٢٤

الوجوه الّتي تعرف بها عجمة الاسم : تنبيه : قال أئمة العربية : تعرف عجمة الاسم بوجوه.

أحدها : النقل بأن ينقل ذلك بعض أئمة اللغة.

الثاني : خروجه عن أوزان الأسماء العربية ، نحو : أبريسم ، فإنّ مثل هذا الوزن مفقود في أبنية الأسماء في اللسان العربيّ.

الثالث : أن يكون أوّله نون ثمّ راء ، نحو : نرجس ، فإنّ ذلك لا يكون في كلمة عربيّة.

الرابع : أن يكون في آخره زاء ، نحو : مهندز (١) ، فإنّ ذلك لا يكون في كلمة عربيّة.

الخامس : أن يجتمع فيه الصاد والجيم ، نحو : الصولجان (٢) والجص (٣).

السادس : أن يكون فيه الجيم والقاف ، نحو المنجنيق.

السابع : أن يكون خماسيّا أو رباعيّا عاريا من حروف الذلّاقة ، وهي الياء والراء والفاء واللام والميم والنون. فإنّه متى كان عربيّا فلا بدّ أن يكون فيه شيء منها ، نحو : سفرجل وقذعمل (٤) وقرطعب (٥) وجحمرش (٦). هذا ما جمعه أبو حيّان في شرح التسهيل ، قاله في المزهر.

وإنّما تمنع العجمة صرف العجمي العلميّة «بشرط زيادته على الثلاثة ، كإبراهيم» واسماعيل وإسحق ويعقوب ، لأنّه إذا كان ثلاثيّا ضعف فيه فرعيّة اللفظ لمجيئه على أصل ما يبني عليه الآحاد العربيّة.

تنبيه : قيّد صاحب جمع الجوامع (٧) الزيادة بأن لا يكون بياء التصغير ، قال في شرحه لو كان رباعيّا ، واحد حروفه ياء التصغير ، لم يمنع الصرف إلحاقا بما قبل التصغير «ولا أثر لتحرّك الأوسط» من الثلاثيّ كشتر بفتح الشين المعجمة وفتح المثنّاة من فوق ، اسم حصن بديار بكر فهو منصرف «عند الأكثر».

قال الرضي : وهو أولى وذلك أنّ تحرّك الأوسط في المؤنّث نحو : سقر أنّما أثر لقيامه مقام السادّ مسدّ علامة التأنيث ، وأمّا المجمعة فلا علامة لها حتى يسدّ شيء مسدّها ، بل الأعجميّ بمجرّد كونه ثلاثيّا سكن وسطه ، أو تحرّك ، يشابه كلام العرب ، و

__________________

(١) المهندز : الّذي يقدّر مجاري القني والأبنية إلا أنّهم صيروا الزاي سينا ، فقالوا مهندس ، لأنه ليس في كلام العرب زاي قبلها دال. لسان العرب ٤ / ٤١٧١.

(٢) الصّولج والصّولجان والصّلجانة : العود المعوج. والجمع صوالجة.

(٣) الجصّ : الّذي يطلي به.

(٤) القذعمل : القصير الضخم من الإبل.

(٥) قرطعب : ما عليه قرطعبة أي قطعة خرقة.

(٦) الجحمرش : العجوز الكبيرة الغليظة.

(٧) جمع الجوامع في النحو لجلال الدين عبد الرحمن ابي بكر السيوطي المتوفى سنة ٩١١. كشف الظنون ١ / ٥٩٨.

٦٢٥

يصير كأنّه خارج عن وضع كلام العجم ، لأنّ أكثر كلامهم على الطول ، ولا يراعون الأوزان الخفيفة بخلاف كلام العرب ، انتهى.

وذهب قوم منهم ابن الحاجب إلى اعتبار تحرّك الأوسط من الثلاثيّ في تحتّم منع صرفه بخلاف ساكنه فيتحتّم صرفه ، قال المراديّ : ونقل عن عيسى بن عمر وتبعه ابن قتيبة والجرجانيّ جواز المنع والصرف في الساكن الوسط. قلت : وبه قال الزمخشريّ أيضا ، ويتحصل في الثلاثي أقوال :

إحداها : تحتّم الصرف مطلقا. الثاني : تحتّم المنع في محرك الوسط ككمك اسم أبي نوح (ع) ، وتحتّم الصرف في ساكنه. الثالث : منع صرف المتحرّك الوسط ، والوجهان في ساكنه.

تنبيهات : الأوّل : قالوا : إنّ جميع أسماء الانبياء لا ينصرف إلا محمدا (ص) وصالحا وشعيبا وهودا لعربيّتها ، ونوحا ولوطا لانتفاء شرط العجمة ، وقيل : هو كنوح حيث قرنه سيبويه معه (١) ، ويؤيّده تقدّمه على إسماعيل ، وإنّه لا عرب قبل هذا ، وفيه أنّ شيثا وعزيرا منصرفان أيضا ، قاله بعض المحقّقين.

وفي البحر للرزكشي (٢) قد روى عن ابن عباس : إنّ أوّل من تكلّم بالعربية المحضة إسماعيل ، وأراد به عربية قريش الّتي نزل بها القرآن ، وأمّا عربية قحطان وحمير فكانت قبل اسماعيل. انتهى.

وفي الكشاف إنّ من لم ينوّن عزيز جعله غير منصرف للعلميّة والعجمة ، ومن صرفه جعله عربيّا ، وفي القاموس عزير منصرف لخفّته.

وذكر بعضهم أنّ أسماء الملائكة ممتنعة من الصرف إلا أربعة ، منكر ونكير ومالك ورضوان.

الثاني : لا عبرة باتّفاق الألفاظ ولا باتّفاق الأوزان ، أمّا الأوّل فإسحاق ويعقوب وموسى أسماء الأنبياء غير منصرفة ، وإسحاق مصدر أسحق الضرع ، إذا ذهب لبنه ، ويعقوب لذكر الحجل ، وموسى لما يلحق به مصروفه ، ومن قال : إنّما سمّي يعقوب ، لأنّه خرج من بطن أمّه آخذا بعقب عيص (٣) ، فهو من موافقة اللفظ ، وليس بمشتقّ ، لأنّ الاشتقاق من العربيّ يوجب الصرف.

__________________

(١) من هود حتى هنا محذوف في «ح».

(٢) الرزكشي (بدر الدين) (ت ٧٤٩ ه‍ / ١٣٩٢ م) فقيه شافعيّ مصريّ ، من آثاره «لقطه العجلان» و «البحر المحيط» في الأصول و «الديباج في توضيح المنهاج» المنجد في الأعلام ، ص ٣٧٨.

(٣) العيص قد جاء في إعراب المحيط : و [يعقوب] عربي ، وهو ذكر القبج (الحجل) ، وهو مصروف ، ولو سمي بهذا لكان مصروفا. ومن زعم أن يعقوب النبي أنّما سمّي يعقوب لأنّه هو وأخوه العيص توأمان ، فخرج العيص أولا ثمّ خرج هو يعقبه ، أو سمّي بذلك لكثرة عقبه ، فقوله فاسد ، إذ لو كان كذلك لكان له اشتقاق ــ عربي ، فكان يكون مصروفا. (اعراب المحيط سورة بقرة). وجاء في معجم البلدان : وقال ابن الكلبي : ولد لإسحاق بن إبراهيم الخليل (ع) ، يعقوب ، وهو إسرائيل (ع) ، والعيص ، وهو عيصو وهو أكبرهم ، وقد ولدا توأمين وإنّما سمّي يعقوب لأنّه خرج من بطن أمّه آخذا بعقب العيص ، وقال آخرون : سمّي يعقوب لأنّه هو والعيص وقت الولادة تخاصما في الولادة فكل أراد الخروج قبل صاحبه وكان إسحاق (ع) ، حاضرا وقت الولادة فقال اعقب يا يعقوب ، وقال أهل الكتاب : إنّما سمّي عيصو بهذا الإسم لأنّه عصى في بطن أمّه وذاك أنّه غلب على الخروج قبله مثل ما ذكرناه ، وخرج يعقوب على أثره آخذا بعقبه فلذلك سمّي يعقوب ، (معجم البلدان «روم»)

٦٢٦

وكذلك إبليس لا ينصرف للمعرفة والعجمة ، ومن زعم أنّه مشتقّ من أبلس ، إذا يئس (١) ، فقد غلط ، لأنّ الاشتقاق من العربيّ ، يوجب الصرف ، وإنّما هو من اتّفاق اللفظ ، وأما الثاني فإنّ جالوت وطالوت وقارون غير منصرف ، وجاموس وطاوس وراقود مصروفة ، لكونها نكرات ، ولا عبرة باتّفاق الوزن ، قاله في البسيط.

الجمع : «والجمع يمنع صرف وزن مفاعل ومفاعيل» في كون أوله حرفا مفتوحا ، وثالثة ألف وبعد الألف حرفان ، أولهما مكسور تحقيقا كما سيأتي ، أو تقديرا كدوابّ ، أو ثلاثة أوسطها ساكن ، فالمراد بالوزن الوزن العروضيّ الحاصل بمجرّد مقابله المتحرّك (٢) بالمتحرّك ، والساكن بالساكن ، دون التصريفيّ المعتبر فيه مقابلة الأصليّ بالأصليّ والزائد بالزائد ، ليشمل فعالل وفعاليل وفوعل وفواعيل وأفاعل وأفاعيل إلى غير ذلك ، ولو أريد التصريفيّ ، لخرجت جميع موزونات هذه الموازين. وقول بعضهم : إنّ المعتبر عندهم الوزن الصرفيّ دون العروضيّ ، ولهذا عدّوا وزن شمر مختصّا بالفعل مع أنّه كجعفر في الوزن العروضيّ ليس بشيء ، لأنّ قرينة المقام ظاهرة في ما ذكرناه.

ولقد أحسن المصنّف (ره) في التمثيل لموزوني هذين الميزانين بقوله : «كدراهم ودنانير» فتعيّن كون المراد بالوزن العروضيّ لا غير ، ومنع هذا الجمع الصرف «بالنيابة عن علّتين» على الأشهر ، لكونه لا نظير له في الآحاد كما سيأتي. وقيل : لكونه نهاية جمع التكسير ، أي يجمع الجمع إلى أن ينتهي إلى هذا الوزن ، فيرتدع ، فترل كونه على صيغه منتهي الجموع مترلة جمع ثان.

وقال الجزوليّ : فيه الجمع وعدم النظير ، وقيل : لمّا لم يكن له نظير في الآحاد أشبه الأعجميّ ، ففيه الجمع وشبه العجمة ، ويقال لهذا الجمع : الجمع المتناهي والجمع الأقصي لما عرفت ، والجمع الّذي لا نظير له في الآحاد ، أي لا مفرد عربيّا على وزنه ، أما نحو : ثماني ورباعي للّذي ألقي رباعيته ، وهو السّنّ الّذي بين الناب والثّنيّة فشاذّ.

__________________

(١) في سائر النسخ «إذا باس».

(٢) من ساكن حتى هنا سقط في «ح».

٦٢٧

وأمّا نحو : الترامي والتغازي فالأصل فيه ضمّ ما قبل الآخر لكنّه كسر لأجل الياء ، وأمّا نحو : هوازن لقبيلة من قيس وشراحيل علم لشخص فمنقولان عن الجمع ، وأمّا نحو : يمانيّ وشاميّ في المنسوب إلى اليمن والشام فالألف فيهما عوض من إحدى يائي النسبة والألف الّتي هي بدل من الأخرى ، وياء النسبة عارضة لا اعتداد بها في الوزن ، وقال سيبويه : منهم من يقول : يمانيّ وشاميّ بتشديد الياء ، وهو قليل.

«وألحق به» أي بهذا الجمع في منع الصرف «حضاجر» للضبع ، وهي الأنثى كعلمية أسامة للأسد ، ويسمّى الذكر ضبعان «للأصل» أي لكونه في الأصل جمعا لحضجر كقمطر (١) ، ثمّ نقل منه إلى العلميّة ، فعلم بذلك أنّ المعتبر في منع الجمع المذكور أن يكون موضوعا في الأصل للجمع ، كما أنّ المعتبر في الوصف كونه كذلك في الأصل ، فلا يضرّ زوال الجمع بالعلميّة ، لأنّه عارض ، كما لا تضرّ غلبة الاسميّة في الوصف الأصليّ لعروضها ، إذ الاصل لا يتعدّ بالعارض. وما ألطف ما أنشده الشيخ أبو حيّان لنفسه [من السريع] :

٦٦٣ ـ راض حبيبي عارض قد بدا

يا حسنه من عارض رائض

فظنّ قوم أنّ قلبي سلا

والأصل لا يعتدّ بالعارض

تنبيه : قال في الهمع : ولو سمّيت بهذا الجمع كمساجد ، فلا خالف في منع صرفه ، فقد منعت العرب شراحيل من الصرف ، وهو جمع سمّي به الرجل ، انتهى.

وفي دعوى عدم الخلاف نظر ، فقد قال الرضيّ : وهو العمدة فيما ينقل ، وكان سعيد الأخفش يصرف نحو : مساجد علما لزوال السبب ، وهو الجمع ، وهو خلاف المستعمل ، انتهى.

ولعلّه لم يتعدّ الخلاف فعدّه كالعدم ، وألحق به سراويل على الأشهر مع أنّه مفرد للشبه عند سيبويه وأبي على ، قالا : إنّه اسم عجميّ معرّب ، لكنّه أشبه من كلامهم ما لا ينصرف قطعا كقناديل ، فحمل ما يناسبه فمنع الصرف ، قال الشاعر [من الطويل] :

٦٦٤ ـ ...

فتي فارسيّ في سراويل رامح (٢)

فعلى هذا ليس فيه من الأسباب شيء ، لأنّ العجمة شرطها العلميّة ، والتأنيث المعنويّ مشروط بها أيضا.

__________________

(١) القمطر : الجمل القوي السريع ، وقيل : الجمل الضخم القويّ.

(٢) صدره «أتى دونها الرّياد كأنّه» ، وهو لتميم بن مقبل. اللغة : الذب : الثور الوحشي ، ويقال له ذبّ الرّياد لأنّه يرود : أي يذهب ويجئ ولا يثبت في موضع.

٦٢٨

وأمّا صيغة الجمع فليست سببا ، بل هي شرط للجمعية ، فيلزم المنع بمجرّد موازنة غير المنصرف فقط ، وهو مشكل ، وذهب المبرّد إلى أنّه منقول عن جمع سراوله ، سمّي به المفرد الجنسيّ. قال في التصريح : واختلف في سماع سروالة ، فقال أبو العباس : إنّها مسموعة وأنشد [من المتقارب] :

٦٦٥ ـ عليه من اللّوم سروالة

فليس يرقّ لمستعطف (١)

وقيل : لم يسمع ، والبيت مصنوع ، فلا حجّة فيه ، والصحيح ما قاله أبو العباس ، فقد ذكر الأخفش أنّه سمع من العرب سروالة. وقال أبو حاتم : من العرب من يقول : سروال ، وقيل : سراويل جمع سراول كشماليل جمع شملال (٢) ، حكاه الحريرى في المقامات ، ونقل ابن الحاجب أنّ من العرب من يصرفه ، وأنكر ابن مالك ذلك عليه ، قلت : ونقل ذلك ابن الحاجب أبو الحسن الأخفش ، وردّ إنكار ابن مالك بأنّ من ينقل حجّة على من لم ينقل.

التأنيث : «والتأنيث إن كان بألفي حبلي وحمراء» أي المقصورة والممدودة ، وإنّما اضافهما إلى حبلي وحمراء للاختصار مع الفائدة للاستغناء عن التمثيل لهما على أنّه قد استشكل القول بأنّ التأنيث في مثل حمراء بألف ممدودة بأنّ علامة التأنيث الهمزة ، لأنّها منقلبة عن ألف التأنيث ، وليست ممدودة ، والألف الممدودة قبلها زائدة ، وليست للتأنيث ، وأجيب بأنّ المراد بالألف الممدودة هو الهمزة ، سمّيت بذلك لأنّها الممدودة بها ، ففيه حذف وإيصال ، ولا نزاع في صحّة إطلاق الألف على الهمزة ، لأنّ الألف إمّا اسم للأعمّ أو للمتحرّك فقط واسم الساكن لا ، فلا حاجة في إطلاق الألف على الممدود إلى القول بأنّها في الأصل ألف ، انتهى.

قال بعض المتأخّرين : ولك أن تقول : سمّيت الهمزة في ذلك بالممدودة لعلاقة المجاورة «ناب عن علتين» للزوم ألفة الكلمة وبناء الكلمة عليهما بخلافه بالتاء ، فترل لزومهما مترلة تأنيث ثان.

تنبيهات : الأوّل : توهّم بعضهم من قولهم : ألفا حبلى وحمراء أنّ المانع الصفة وألف التانيث ، وهو غلط صريح ، بل المانع التأنيث بهما فقط ، كما صرّح به المصنّف ، سواء كان مصحوبهما نكرة كذكرى وصحراء ، أم معرفة كرضوى وزكريا ، أم مفردا كما

__________________

(١) البيت بلا نسبة. اللغة : السروالة : لباس يغطّي السّرة والركبتين وما بينهما.

(٢) الشملال : السريع الخفيف.

٦٢٩

تقدّم ، أم جمعا كجرحي وأصدقاء ، أو اسما كما مرّ ، أم صفة كحبلى وحمراء لا خلاف في شيء من ذلك.

الثاني : تحمل ألف الإلحاق المقصورة على ألف التانيث المقصورة ، فيمتنع بشرط العلميّة لشبهها بها من جهة أنّها زائدة ، ليست بدلا من حرف ، ولا تكون إلا في مثال يصلح لألف التأنيث كارطى ، فإنّه على مثال سكرى ، وأمّا ألف الإلحاق الممدودة فلا يشبه ألف التأنيث ، لأنّ الهمزة مبدلة من حرف بخلاف ألف التانيث ، فإنّها غير مبدلة من شيء ، والمثال الّذي يقع فيه الممدودة كعلياء لا يصلح لألف التأنيث الممدودة.

قال السيوطيّ في شرح ألفية : وفي الهمع معنى الإلحاق أن تبنى مثلا من الثلاثيّ كلمة على بناء يكون رباعيّ الأصول ، فيجعل كلّ حرف مقابل حرف ، فتغني أصول الثلاثيّ ، فتأتي بحرف زائد مقابل للحرف الرابع من البناء الرباعيّ الأصول ، فيسمّى ذلك الحرف حرف الإلحاق ، انتهى.

قال أبو حيّان : وما فيه ألف التكثير أيضا إذا سمّي به امتنع كقبعثرى (١) لشبهها بألف التأنيث المقصورة ، من حيث إنّها زائدة في الآخر لم تنقلب ، ولا تدخل عليها تاء تانيث ، كما أنّ ألف التأنيث كذلك ، ولم تجعل ألف قبعثرى للإلحاق ، لأنّه لا سداسيّ في الاسم أصليّا ، حتى تلحق به ، ووهم الجوهريّ في جعل ألفها للإلحاق.

«وإلا» يكن التأنيث بألفي حبلى وحمراء ، بل كان بغيرهما «منع» أي التانيث «صرف العلم حتما» أي وجوبا «إن كان» أي العلم مؤنثا «بالتاء» ، سواء كان علما مذكّرا «كطلحة» أو مؤنثا كفاطمة. وإنّما لم يصرفوه لوجود العلميّة في معناه ولزوم علامة التأنيث في لفظه ، وهي ملازمة له ، ومن ثمّ لم تؤثّر في الصفة ، نحو : قائمة ، لأنّها في حكم الانفصال ، فإنّها تارة تجرّد منها ، وتارة تقترن بها.

«أو» كان العلم «زائدا على الثلاثة» ولم يكن بالتاء «كزينب» وسعاد تتريلا للحرف الرابع مترلة تاء التأنيث «أو» كان ثلاثيّا «متحرّك الوسط» لفظا «كسقر» اسم لجهنم ـ أعاذنا الله تعالى منها ـ تتريلا للحركة مترلة الزائد ، خلافا لابن الأنباريّ حيث جعله ذا وجهين كهند ، وأمّا متحرّك الوسط تقديرا كدار علم امرأة فيلتحق بباب هند ، وإنّما قلنا : يتحرّك وسطه تقديرا ، لأنّ أصلها دور بالفتح ، فقلبت الواو ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.

«أو» كان ثلاثيا «أعجميّا كجور» بضم الجيم ، اسم بلد من بلاد العجم ، لأنّ العجمة لمّا انضمّت إلى التأنيث والعلميّة تحتّم المنع ، وإن كانت العجمة لا تمنع صرف

__________________

(١) القبعثرى : الجمل العظيم ، أو الفصيل المهزول.

٦٣٠

الثلاثيّ كما مرّ ، لأنّها لم تؤثّر هنا منع الصرف ، وإنّما أثّرت تحتّمه ، وقيل هو ذو وجهين كهند.

«فلا يتحتّم» أي لا يجب «منع صرفه» نحو «هند» من الثلاثيّ الساكن الوسط لعدم الشروط المذكور ، بل يجوز المنع وعدمه ، فالمنع نظرا لوجود العلّتين ، والصرف نظرا إلى خفّة الوسط بالسكون ، وإنّها قد قاومت أحد السببين «خلافا للزجاج» في إيجابه المنع ، وعلّله بأن السكون لا يغيّر حكما أوجبه اجتماع علّتين يمنعان الصرف.

والجمهور على أنّ المنع أجود تحاشيا عن إلغاء العلّتين. قال ابن جني : وهو القياس ، والأكثر في كلامهم ، وقال شيخه الفارسيّ : الصرف أجود ، قال الخضراويّ : لا أعلم أحدا قال هذا القول قبله ، وهو غلط ، انتهى.

قلت : ولا قال به أحد بعده ، وقد اجتمع الوجهان في قوله [من المنسرح] :

٦٦٦ ـ لم تتلفّع بفضل مئزرها

دعد ولم تغذ دعد في العلب (١)

تنبيهات : الأوّل : الجمهور على تحتّم منع الثلاثيّ المنقول من المذكّر إلى المؤنّث كزيد اسم امرأة ، لأنّه بنقله إلى المؤنّث ، حصل له ثقل ما دلّ خفّة اللفظ ، وهو مذهب سيبويه. وقال عيسى والجرميّ والمبرّد : إنّه كهند ، ولعلّه اختيار المصنّف ، حيث لم يذكره.

الثاني : صرف أسماء القبائل والأرضين والكلم ومنعها مبنيّان على المعنى ، فإن كان اسم أب كمعد وتميم أو اسم حيّ كقريش وثقيف أو اسم مكان كبدر ثبير (٢) أو اسم لفظ ، نحو كتب زيد ، فأجاده صرف إلا إن كان فيه مانع آخر ، فيمنع كتغلب مرادا به الحيّ أو القبيلة للعلميّة والوزن ، فإن كان اسم أمّ كباهلة وسدوس وسلول ، أو اسم قبيلة كمجوس ويهود ، أو بقعة كفارس وعمان بتخفيف ميمها ، أو اسم كلمة نحو : كتب زيد فأجادها ، منع الصرف. والأسماء والأفعال والحروف تذكّر باعتبار اللفظ فتصرف ، وتؤنّث باعتبار الكلمة ، فإن انضمّ إليه سبب يوجب المنع منع ، وكذا حروف تذكّر وتؤنّث ، وزعم الفرّاء أنّ تذكيرها لا يكون إلا في الشعر ، قاله في الإرتشاف.

وأمّا أسماء السور فأقسام :

أحدها : ما فيه أل ، وحكمه الصرف كالأنعام والأعراف والأنفال.

__________________

(١) هو لجرير. اللغة : تتلفع. تتقنع ، العلب : وعاء من جلد يشرب فيه الأعراب.

(٢) ثبير : جبل بمكة.

٦٣١

الثاني : العاري منها ، فإن لم تضف إليه سورة ، منع ، كهذه هود ، وقرأت هود ، وإن أضيفت إليه سورة لفظا أو تقديرا صرف ، كقرأت سورة هود ، ما لم يكن فيه مانع يمنعه كقرأت سورة يونس.

الثالث : الجملة (قُلْ أُوحِيَ) [الجن / ١] ، و (أَتى أَمْرُ اللهِ) [النحل / ١] ، فيحكى ، فإن كان أوّلها همزة وصل قطعت ، لأنّها لا تكون في الأسماء إلا في ألفاظ معدودة تحفظ ، ولا يقاس عليها. أو في آخرها تاء التأنيث ، قلبت هاء في الوقف ، إذ هو شأن التاء الّتي في الأسماء ، وتعرب لتصير اسما ، ولا موجب للبناء ، ويمنع الصرف للعلميّة والتأنيث نحو قرأت : (اقْتَرَبَتِ) [القمر / ١] ، بفتح الباء ، وفي الوقف اقتربه.

الرابع : حرف الهجاء كصاد وقاف ونون ، فيجوز فيها الحكاية ، لأنّها حروف ، فتحكى ، كما هي ، والإعراب لجعلها أسماء لحروف الهجاء ، وعلى هذا يجوز فيها الصرف والمنع بناء على الحرف وتأنيثه ، وسواء فيه أضيف إليه سورة أم لا ، كقرأت صاد أو سورة صاد بالسكون والفتح منوّنا وغيره.

الخامس : ما وزان الأعجميّ كحاميم وطاسين وياسين ، فأوجب ابن عصفور فيه الحكاية ، لأنّها حروف مقطعة ، وجوّز الشلوبين فيه ذلك والإعراب غير منصرف لموازنته هابيل وقابيل. وقد قرئ ياسين بنصب النون ، وسواء في جواز الأمرين أضيفت إليه سورة أم لا.

السادس : المركّب نحو : طسم ، فإن لم تضف إليه سورة ففيه رأي ابن عصفور والشلوبين فيما قبله ، ورأي ثالث هو البناء للجزءين على الفتح كخمسة عشر ، وإن أضيفت إليه سورة لفظا أو تقديرا ففيه الرأيان ، ويجوز على الإعراب فتح النون وإجراء الإعراب على الميم كبعلبك ، وإجراءه على النون مضافا لما بعده ، وعلى هذا في ميم الصرف وعدمه بناء على تذكير الحرف وتأنيثه.

وأمّا (كهيعص) [مريم / ١] ، و (حم عسق) [الشوري / ١ و ٢] فلا يجوز فيها إلا الحكاية ، سواء أضيف إليها سورة أم لا ، ولا يجوز فيهما الإعراب ، لأنّه لا نظير لهما في الاسماء المعربة ، ولا تركيب المزج ، لأنّه لا يتركّب من أسماء كثيرة ، وأجاز يونس في : (كهيعص) أن يكون كلّه مفتوحا ، والصاد مضمومة ، ووجهه أنّه جعله اسما أعجميّا ، وأعربه وإن لم يكن له نظير في الاسماء المعربة ، قاله في الهمع.

العدل : «والعدل» وهو تحويل الاسم عن صيغته الأصليّة إلى أخري مع اتّحاد المعنى لا لإلحاق ولا إعلال ولا ترخيم ولا قلب ، فخرج نحو : رجل لعدم اتّحاد المعنى ونحو :

٦٣٢

كوثر لإلحاقه بجعفر ، ونحو : مقام لإعلاله ، ونحو : يا حار في يا حارث لترخيمه ، ونحو : آرام جمع ريمة ، لأنّه مقلوب عن آرام براء ساكنة تلي همزة ، فقلبت العين إلى موضع الفاء.

«يمنع صرف الصفة المعدولة عن أصلها» ، أي عن صيغتها الأصليّة الّتي يقتضي الأصل أن تكون عليها إلى صيغة أخري «كرباع ومربع» ، فإنّهما معدولان عن أربعة أربعة ، والدليل على أنّ أصلهما ذلك أنّ في معناها تكرارا دون لفظهما ، والأصل في ما إذا كان المعنى مكرّرا أن يكون اللفظ أيضا مكررا ، فعلم أنّ أصلهما لفظ مكرّر ، وهو أربعة أربعة ، وكذا الحال في أحاد وموحد ، وثناء ومثنى ، وثلاث ومثلت ، والجميع متّفق عليه ، وفيما وراءها إلى عشار ومعشر خلاف.

قال أبو حيّان : والصحيح مجئيه لسماع ذلك عن العرب ، فتقول : موحد وأحاد إلى معشر وعشار ، وحكى البناءين أبو عمرو والشيباني ، انتهى.

قال ابن هشام : ولا يعارض بقول أبي عبيدة والبخاريّ في صحيحه أنّ العرب لا تتجاوز الأربعة ، لأنّ غيرهما سمع ما لم يسمعا ، ونقل السخاويّ أنّه يعدل أيضا على فعلان بضمّ الفاء من الواحد إلى العشرة كقوله [من البسيط] :

٦٦٧ ـ ...

طاروا إليه زرافات ووحدانا (١)

ووجه اعتبار الصفة في المذكورات مع عدم اعتبارها في أصولها كونها متأصّلة فيها لكونها معتبرة في موضوعها بخلافها في تلك لعروضها في الاستعمال ، ومن ثمّ لم يستعمل إلا صفة نحو : (أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) [فاطر / ١] ، أو حالا نحو : (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) [النساء / ٣] ، أو خبرا نحو صلاة الليل مثنى مثنى ، والحال والخبر صفة في المعنى ومثنى الثاني في الحديث لا للتكرير.

تنبيه : ما ذكره من أنّ منع الصرف في ذلك للعدل والصفة هو مذهب سيبويه والخليل ، وهو المشهور ، وذهب ابن السراج إلى أنّ مانع الصرف فيه عدلان لفظيّ ومعنويّ ، لأنّ مثنى مثلا معدول عن لفظ اثنين وعن معناه ، أعني الاثنين مرّة واحدة إلى معنى اثنين اثنين.

وقال الكوفيّون وابن كيسان : إنّ فيه العدل والتعريف كما في عمر ، إذ لا تدخله اللام ، وإذا جرى على النكرة فمحمول على البدل. قال الرضيّ : ولا دليل على ما

__________________

(١) صدره «قوم إذا الشّر أبدي ناجذيه لهم» ، وهو للعنبري. اللغة : أبدي : أظهر ، الناجذ : الضرس (ج) نواجذ ، الزرافات : الجماعات ، الوحدان : جمع الواحد.

٦٣٣

قالوا ، ولو كان معرفة ، ولا شكّ أنّ فيه معنى الوصف يجرى على المعارف ، وكيف يكون معرفه ، وهو يقع حالا ، انتهى.

«وكأخر» بضم الهمزة وفتح الخاء «في نحو : مررت بنسوة أخر» وبرجال أخر وبامرأة أخر وبامرأتين أخر وبرجلين أخر ، «لأنّ اسم التفضيل المجرّد عن اللام والإضافة مفرد مذكر دائما» كما مرّ في بابه ، لكنّهم قالوا : أخري وأخريين وآخرين وآخرين.

قال ابن هشام في الأوضح : وإنّما خصّ النّحويّون أخر بالذكر لأنّ في أخري ألف التأنيث ، وهي أوضح من العدل ، وأمّا آخرون وآخران فمعربان بالحروف ، فلا مدخل لهما في هذا الباب ، وأمّا آخر فلا عدل فيه ، وإنّما العدل في فروعه ، وإنّما امتنع من الصرف للوصف والوزن ، انتهى.

تنبيهات : الأوّل : قال في التصريح في جعل أخر من باب التفضيل إشكال ، لأنّه لا يدلّ على المشاركة والزيادة في المغايرة ، ومن ثمّ قال الموضح في الحواشي : الصواب أنّ أخر مشابه لأفصل من ثلاث جهات : إحداها : الوصف ، والثانية : الزيادة ، والثالثة أنّه لا يتقوّم معناه إلا باثنين مغاير ، كما أنّ أفضل إنّما يتقوّم معناه باثنين مفضّل ومفضّل عليه ، فلمّا أشبهه من هذه الجهات استحقّ أحكامه في جميع تصاريفه.

وعلى هذا فكان ينبغي أن لا تستعمل تصاريفه مع التنكير ، بل مع أل والإضافة لمعرفة ، فلمّا خولف بها عن ذلك كان ذلك عدلا عمّا استحقّه بمقتضي المشابهة ، فعلى هذا إذا قيل : مررت بنسوة أخر ، كان معدولا عن آخر بالفتح والمدّ ، ولا تقول عن الاخر ، لأنّه نكرة لجرى ه على نكرة معنا ، ولا عن آخر لما بينّا من انتفاء حقيقة التفضيل من هذه الكلمة ، وكثير غلط في المسألة ، انتهى.

الثاني : إذا كان أخري بمعنى آخرة بكسر الخاء مقابله الأولى جمعت على أخر مصروفا ، لأنّه غير معدول ، لأنّ مذكّرها آخر بالكسر ، فليست من باب اسم التفضيل.

«ويقدّر العدل فيما» ، أي في اسم «سمع غير منصرف وليس فيه» من أسباب منع الصرف علّة ظاهرة «سوى العلميّة كزحل وعمر بتقدير زاحل وعامر» فهما معدولان عنهما ، لا لقياس دلّ على ذلك ، بل لمّا رأوهما ممنوعين من الصرف ، وليس فيهما بحسب الظاهر إلا سبب واحد وهو العلميّة ، ولا يستقلّ بالمنع اجماعا ، احتى ج إلى تقدير سبب آخر ، ولم يمكنهم غير العدل ، فقدّروه ، كيلا تنخرم القاعدة المعلومة بالاستقراء من كلامهم ، فما سمع منصرفا ، فليس بمعدول نحو : لبد (١) ، أو سمع غير منصرف ، وفيه مع

__________________

(١) لبد : اسم آخر نسور لقمان بن عاد سمّاه بذلك لأنه لبد فبقي لا يذهب ولا يموت كاللبد من الرجال اللازم لرحله لا يفارقه ، ولبد ينصرف لأنّه ليس بمعدول. لسان العرب ٤ / ٣٥٢٨.

٦٣٤

العلميّة مانع آخر ، فكذلك نحو : طوى (١) ، ممن منعه ، فإنّ فيه مع العلميّة التأنيث المعنويّ باعتبار البقعة ، فلا وجه لتكلّف العدل.

تنبيه : قال بعض المتأخّرين : ما اشتهر من عدم إمكان غير العدل في نحو عمر ممنوع ، بل ثمّ شيء يمكن تقديره مع وجود أصل مقيس عليه في الباب ، وهو لزوم العلميّة ، فإنّ نحو عمر وزفر من الأعلام الّتي على فعل لازم للعلميّة لا يجوز تجرى ده عنها ، فلذلك لا يثنّى ولا يجمع ، بل يقال : جاءني عمر كلاهما في التثنية. وجاءني عمر كلّهم في الجمع ، فإحدى الفرعيتين العلميّة ، والأخرى لزومها ، ونظير ذلك ألف التأنيث كما مرّ ، وإذا كان كذلك فلا حاجة إلى تقدير العدل ، انتهى.

وليس بشيء إذ لا يؤثّر منع تثنية المعدول وجمعه إلا عن المازني فقط ، ويردّه قولهم : سيرة العمرين بن الخطاب وابن عبد العزيز ، كما صرّح به بعضهم. قال [الفيروز آبادي] في القاموس : والعمران أبو بكر وعمر ، أو عمرو عمر بن عبد العزيز ، فكيف يجعل مثل هذا أصلا مقيسا عليه.

هكذا كنت رددت هذا الكلام ، ثمّ وفقت في همع الهوامع على ما نصّه : منع المازنيّ من تثنية العلم المعدول وجمعه جمع سلامة أو تكسير ، وقال ، أقول : جاءني رجلان كلاهما عمر ، ورجال كلّهم عمر. قال أبو حيّان : ولا أعلم أحدا وافقه على المنع ، ويردّه ما سمع من قول العرب العمران ، فإذا ثنّي على سبيل التغليب فمع اتّفاق اللفظ والمعنى أولى ، انتهى.

التعريف : «والتعريف» المعبّر عنه في التبيين المتقدّمين بلفظ المعرفة «شرط تأثيره في منع الصرف العلمية» أي أن يكون اسم المعرفة علما شخصيّا كما في أحد ، أو جنسيّا كما في أسامة. وإنّما جعل السبب التعريف دون العلميّة إشارة إلى أنّ المؤثّر هو التعريف ، لأنه فرع التنكير ، ووجه اشتراط العلميّة أنّ ما سواها من التعاريف إمّا أن يستلزم البناء كما في المبهمات سوى أيّ وأية ، وإمّا أن يستلزم المنافات لحكم منع الصرف كتعريف اللام والإضافة ، وإمّا أن يكون غير لازم كتعريف النداء ، فإنّه يدور مع قصد المتكلّم ، فمن قال تعريف المضمر والموصول والإشارة يستلزم البناء ، واللام والإضافة

__________________

(١) قال الجوهري : طوى اسم موضع بالشام ، تكسر طاؤه وتضم ويصرف ولا يصرف ، فمن صرفه جعله اسم واد ومكان وجعله نكرة. ومن لم يصرفه جعله اسم بلدة ويقعة وجعله معرفة. وقال ابن سيدة : وطوى وطوى جبل بالشام وقيل : هو واد في أصل الطور. وفي التتريل العزيز : (إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً)[طه / ١٢] ، المصدر السابق ٣ / ٢٤٣٦.

٦٣٥

منافيان لحكم منع الصرف ، فتعيّنت العلميّة ، فقد غفل أية غفلة مع نداء الفطنة على فساده ، قاله بعض شارحي الحاجبية.

والألف والنون المعبّر عنهما في البيتين بـ «زائدتا فعلان» ، وتسمّيان بالزائدتين لزيادتهما ، وقيل : لكونهما من حروف الزيادة ، وهو بعيد ، وتسمّيان المضارعتين أيضا لمضارعتهما ، أي مشابهتهما ألفي التأنيث في كونهما مزيدتين معا ، كذا قالوا.

قال بعضهم : وهذا ينافي قولهم : إنّ الممدودة في الأصل مقصورة ، زيدت قلبها ألف ، فانقلبت همزة ، وتأثيرهما في منع الصرف لمشابهتهما ألفي التأنيث في أنّهما في بناء يخصّ المذكّر ، كما أنّ ألفي التأنيث في بناء يخصّ المونّث ، وأنّهما لا تلحقهما التاء بدليل سقوط التأثير بفوات هذه الجهة.

هذا مذهب البصريّين ، وهو الحقّ ، وذهب الكوفيّون إلى أنّ تأثيرهما لكونهما زائدتين. قال ابن هشام : ويلزمهم أن يمنعوا صرف عفريت علما ، فإن أجابوا بأنّ المعتبر أنّما هو زائدتان بأعيانهما ، سألناهم عن علّة الاختصاص ، فلا يجدون مصرفا عن التعليل بمشابهة ألفي التأنيث ، فيرجعون إلى ما اعتبره البصريّون.

زيادة الألف والنون : تنبيهات : الأوّل : قال بعضهم : المراد بالألف والنون أعمّ من الألف والنون في الاصل (١) أو في الحال ، لأنّ أصيلال علما غير منصرف ، لأنّ اللام فيه بدل من النون ، وهو في الأصل مصغّر أصلان كعثمان جمع أصيل ، وهو الوقت من بعد العصر إلى المغرب ، لكنّهم لم ينظروا إلى الأصل في التصغير ، فحكموا بأنّ عمرين في تصغير عمران منصرف ، وإن كان فيه الألف والنون في الأصل لتغيير الألف ، انتهى. وفي الارتشاف قال : أصلان مفرد ، ليس بجمع ، ولذلك ساغ تصغيره.

الثاني : علامة زيادتهما أن يكون قبلها أكثر من حرفين ، فإن كان قبلهما حرفان ، وكان الثاني مضعّفا ففيه اعتباران ، إن قدّر أصالة التضعيف فزائدتان ، أو زيادته ، فالنون أصليّة كحسان ، إن جعلته من الحسن فوزنه فعلان ، فلا ينصرف ، أو من الحسن فوزنه فعال ، فينصرف ، وكذا حيّان هل هو من الحيوة أو من الحين؟

وقال السخاويّ في تنوير الدياجي : سأل سيبويه الخليل عن رمّان؟ فقال : لا أصرفه في المعرفة ، وأحمله على الأكثر إذا لم يكن معنى يعرف به. قال السخاويّ : أي إذا كان لا يعلم من أي شيء اشتقاقه حمل على الأكثر ، والأكثر زيادة الألف والنون. وقال

__________________

(١) أعم من الالف والنون في الاصل سقط في «ح».

٦٣٦

ابن يعيش : القياس يقتضي زيادة الألف والنون في حسان ، وأن لا ينصرف حملا على الأكثر.

لطيفة : لقي بعض الملوك حيّان النحويّ ، فقال الملك : أحيّان منصرف أم لا؟ فقال : إن كان حياة الملك فغير منصرف ، وإلا فينصرف. ذكره الطييّ في التبيان (١).

«يمنع» أي الألف والنون ، وإفراد الضمير باعتبار أنّهما سبب واحد «صرف العلم كعمران» وعثمان وغطفان. قال بعض شارحي الكافية : ولا يخفى أنّ هذا الشرط متحقّق في سعدانة وبهراني ولحياني ورقباني أعلاما مع أنّه لا أثر فيهنّ للزيادة ، وهي منصرفة ، وينبغي اشتراط أن لا يكون مع الهاء ولا ياء النسبة.

«و» يمنع «الوصف الغير القابل للتاء» ، أي إلحاقها به ، إمّا لأنّه لا مؤنّث له أصلا كلحيان لكبير اللحية ، أو لأنّ مؤنثة فعلى بفتح الفاء والألف المقصورة «كسكران» ، فإنّ مؤنّثه سكرى على لغة الجمهور ، ونقل عن بني أسد يقولون : سكرانة ، وقال الزبيديّ : ذكر يعقوب أنّ ذلك ضعيف ردئ ، وقال أبو حاتم لبني أسد : مناكير (٢) لا يؤخذ بها.

«فعريان منصرف» لأنّ مؤنّثه عريانة ، وقد جاء في الشعر ممنوعا تشبيها له بباب سكران ، «ورحمن ممتنع» من الصرف لامتناع رحمانة ، هذا هو المشهور ، وقيل : الألف والنون يمنع صرف الوصف الّذي مؤنّثه فعلى ، فعلى هذا رحمن منصرف لانتفاء رحمى ، قال الرضيّ : والأوّل أولى ، لأنّ وجود فعلى ليس مقصودا بذاته ، بل المطلوب منه انتفاء التاء ، لأنّ كلّ ما يجئ منه فعلى لا يجئ منه فعلانة في لغتهم إلا عند بعض بني أسد ، فإنّهم يقولون في كلّ فعلان جاء منه فعلى فعلانة أيضا ، نحو : عضبان وسكران ، فيصرفون إذن فعلان فعلى.

وهذا دليل قويّ على أنّ المعتبر في تأثير الألف والنون انتفاء التاء ، لا وجود فعلى ، فإذا كان المقصود من وجود فعلى انتفاء التاء ، وقد حصل هذا المقصود في رحمن لا بواسطة وجود رحمى ، بل لأنّهم خصّصوا هذه اللفظة بالبارئ تعالى ، فلم يضعوا منه مؤنّثا لا من لفظه بالتاء ولا من غيره ، أعني فعلى ، فيجب أن يكون غير منصرف ، انتهى.

__________________

(١) التيبان في المعاني والبيان للعلّامة شرف الدين حسين ابن محمد الطيي المتوفى سنة ٦٤٣ ه‍. كشف الظنون ١ / ٣٤١.

(٢) المناكير : جمع المنكور : المجهول.

٦٣٧

وهذا كلّه مبنيّ على أنّ الرحمن صفة ، كما ذهب إليه الزمخشريّ وابن الحاجب وجماعة ، وقد تقدّم في شرح الديباجة أنّ الأعلم وابن مالك وابن هشام ذهبوا إلى أنّه علم لا صفة ، وقالوا : لا نسلم أنّه موضوع بازاء المعنى لا الذات ، وكونه مشتقّا من الرحمة لا ينافي علميّته كعلى وحسن وصالح وحارث.

قال ابن هشام : وأمّا قول الزمخشريّ : إذا قلت : الله رحمن ، أتصرفه أم لا؟ وقول ابن الحاجب : إنّه اختلف في رحمن ، أي في صرفه ، فخارج عن كلام العرب من وجهين ، لأنّه لم يستعمل صفة ولا مجرّدا من أل إلا في الضرورة ، انتهى. وقد مرّ أنّهم يعربونه في البسملة بدلا من اسم الجلالة لا صفة.

تنبيه : جميع أبنيه فعلان مؤنّثاتها على فعلى إلا أربع عشرة جاءت مؤنثاتها على فعلانة فتصرف ، وقد جمع ابن مالك منها اثنتي عشره في قوله [من الهزج] :

٦٦٨ ـ أجز فعلى لفعلانا

إذا استثنيت حبلانا

ودجنانا وسخنانا

وسيفانا وضحيانا

وصوحانا وعلّانا

وقسوانا ومصانا

وموتانا وندامانا

واتبعهنّ نصرانا

وذيّل عليه المراديّ الباقيتين فقال : وزد فيهنّ خمصانا على لغة وألبانا.

الحبلان بحاء مهملة ومؤحدة العظيم البطن ، وقيل : الممتلي غيظا ، والدجنان بدال مهملة وجيم : اليوم المظلم. والسخنان بسين مهملة وخاء معجمه : اليوم الحارّ. والسيفان بسين المهملة وبعده اليا المثناة من تحت فاء : الرّجل الطويل ، كأنّه من السيف. والضحيان بضاد معجمة وحاء مهملة ومثناة تحتية : الرّجل الّذي يأكل في الضحى ، كذا في القاموس. وقال بعضهم : هو اليوم الّذي لا غيم فيه ، وضبطه آخر بالصاد المهملة. والصوحان بصاد وحاء مهملتين : البعير اليابس الظهر. والعلّان بعين مهملة وتشديد اللام : الرجل الكثير النسيان ، وقيل الحقير. القشوان بقاف وشين معجمة : الرقيق الساقين. والمصان بميم وصاد مهملة : اللئيم. والموتان : البليد الميّت القلب. والندمان : المنادم في الشراب. والنصران : واحد النصارى. والخمصان : بفتح الخاء المعجمة وبعده الميم وصاد مهماة : الضامر البطن ، وهي لغة في خمصان بضم الخاء ، ولهذا قال على لغة. والإليان : الكبير الإلية ، فهذه كلّها منصرفة ، لما مرّ.

التركيب : «والتركيب» المعبّر عنه في البيتن لضرورة الوزن بالتركيب «المزجيّ» ، وهو جعل اسمين اسما واحدا مترّلا ثانيهما مترلة هاء التأنيث ، وخرج به الإضافيّ كامرئ

٦٣٨

القيس ، والإسناديّ كشاب قرناها ، لأنّ الإضافة تجعل غير المنصرف منصرفا ، فلا تلائم منع الصرف ، والاسناد يلزم بناء المركّب على المشهور ، أو كونه واسطة لا معرب ولا مبنيّ ، على ما نقله الرضي عن ابن الحاجب ، وأمّا إذا قيل : بأنّه معرب محكى كما حكى عن جماعة ، فقيل : لا يبعد أن يجعل غير منصرف ، وإن لم يظهر أثر منع الصرف فيه ، وردّ بأنّه لا فائدة للحكم بمنع الصرف مع عدم ظهور أثره ، والأصل في الاسم الصرف.

«يمنع صرف العلم كبعلبك» وحضر موت ومعدي كرب ، ويستثني نحو سيبويه ، فإنّه مبنيّ ، لا أثر للتركيب المزجيّ فيه في منع الصرف ، وإنّما لم يحترز عنه اكتفاء بالعلم بحاله ممّا ذكره في باب المركّب من المبنيّات ، وقد تقدّم الكلام عليه. والجرميّ أجاز فيه إجراء مجرى بعلبك ، فليطلب ثمّة.

وزن الفعل : «ووزن الفعل» وهو الّذي يكون للفعل ، سواء ترجّحت نسبة إلى الفعل أو تساوت نسبته إليه ، ونسبته إلى الاسم بدليل إطلاقهم له على الوزن المشترك ، وما قيل من أنّ وزن الفعل عند النحاة ما يختصّ بالفعل ، أو يغلب له ، إذ لو اشترك بين الاسم والفعل على السوية لما صحّ أن يضاف إلى الفعل ، فيقال له : وزن الفعل ، فليس بشيء ، إذ قد يكون الوزن أغلب في الفعل اتّفاقا ، وهو لا يؤثّر كفاعل ، فإنّه في الأفعال أغلب ، ولو سمّيت بخاتم لا يصرف اتّفاقا ، هكذا يستفاد من كلام بعضهم ، فتأمّل.

«شرطه» لمنع الصرف «الاختصاص بالفعل» ، أي يكون مختصّا به ، بمعنى أنّه لا يوجد في الاسم العربيّ إلا منقولا من الفعل ، ولا ينافي اختصاصه بالفعل ، إذ وجوده فيه حينئذ بطريق النقل والعارية ، وأمّا وجوده في الاسم العجميّ فلا حكم له ، لأنّ كلامنا في كلام العرب.

«أو تصديره» أي وزن الفعل بواحدة «من زوائده» أي زوائد الفعل ، وهي حروف نابت لتحقّق الفرعيّة ، فإنّ هذه الزوائد في الفعل يدلّ على معنى بخلافها في الاسم نحو : أذهب مضارع ذهبت تدلّ على المتكلّم ، والدّال أصل لغير الدّال.

«ويمنع» أي وزن الفعل «صرف العلم كشمّر» ، فإنّ فعّل بتضعيف العين مختصّ بالفعل ، وهو علم لفرس جدّ جميل بن عبد الله بن معمر الشاعر ، كذا في القاموس ، ومن قال : إنّه علم لفرس حجاج فقد أخطا ، والشاعر المذكور هو القائل [من الطويل] :

٦٦٩ ـ أبوك حباب سارق الضّيف برده

وجدّي يا حجّاج فارس شمّرا (١)

__________________

(١) هو لجميل بثينة.

٦٣٩

هو منقول عن معنى مرّ جادّا أو مختالا.

ونحوه ضرب علما بالبناء للمفعول ، إذ هو بالبناء للفاعل غير مختصّ ، فلا يؤثّر في منع الصرف خلافا لعيسى بن عمر والفرّاء ، وأمّا بقّم اسم لضبع معروف ، وهو العندم ، وشلّم لبيت المقدس فهما من الأسماء العجميّة المنقولة إلى العربية فلا يقدحان في الاختصاص.

الوصف : «والوصف الغير القابل للتاء» إمّا لأنّه لا مؤنّث له أصلا ، كأكمر لعظيم الكمرة ، وهي رأس الذكر ، أو لأنّ مؤنّثه فعلاء بالألف الممدودة ، أو فعلى بضمّ الفاء والألف المقصورة كأحمر وأفضل ، فإن مؤنّثيهما حمراء وفضلى ، وإنّما اشترط عدم قبوله للتاء ، ليقوّي شبهه بالفعل من حيث هو لا يقبلها ، فينتهض للسببيّة.

«فيعمل» وهو الجمل القوي على العمل والسير «منصرف لوجود يعملة» لناقة ، كذلك قال بعضهم ، وإنّما يصحّ التمثيل به على التحقيق لو كان وصفا ، وهو ممنوع ، إذ لم يستعمل يعمل في كلام العرب بمعنى القويّ على العمل والسير مطلقا ، وإنّما هو بمعنى الجمل القوي عليهما ، وفي القاموس هما اسمان ، إذ لا يقال جمل يعمل وناقة يعمله ، انتهى.

ونصّه اليعلمة : الناقة النجيبة المعتملة والمطبوعة ، والجمل يعمل ، ولا يوصف بها ، إنّما هما اسمان ، انتهى ، وعلى هذا فالتمثيل بأرمل لوجود أرملة أولى.

تنبيهان : الأوّل : يشترط في وزن الفعل أيضا أن لا يكون لازما باقيا على حالته غير مخالف لطريقة الفعل ، فباللازم خرج نحو : امرؤ وابنم علمين ، فإنّهما على لغة الاتّباع في الرفع نظير اكتب ، وفي النصب نظير أذهب ، وفي الخبر نظير اضرب ، فلم يبقيا على حالة واحدة ، فهما وإن لم يخرجا بذلك عن وزن الفعل مخالفان له في الاستعمال ، إذ الفعل لا اتّباع فيه ، فلم يعتبر فيهما الموازنة ، فلم يجز فيهما إلا الصرف.

وبقولنا : باقيا على حالته خرج نحو : ردّ وقيل وبيع ، فإنّ أصلها فعل بضمّ الفاء وكسر العين ، ثمّ دخلها الإدغام والإعلال ، فالادغام في ردّ ، والإعلال بالنقل والقلب في قيل ، وبالنقل في بيع وصار ، وردّ بمترلة قفل بضمّ القاف وسكون الفاء ، وقيل وبيع بمترلة ديك بكسر الدال وسكون الياء آخر الحروف والكاف فوجب صرفها.

وبقولنا غير مخالف لطريقة الفعل ، نحو : ألبب بضمّ الباء الموحّدة جمع لبّ علما ، لأنّه قد باين الفعل بالفكّ ، فينصرف ، قاله أبو الحسن الأخفش ، وخولف لأنّه بعد الفكّ موازن لا قتل وانصرف لموازنة موجودة ، وهو الصحيح.

٦٤٠

الثاني : مدار وزن الفعل المصدّر بواحدة من زوائده على وجودها ، فلو تغيّرت صورته مع وجودها أو وجود بدلها الّذي لا يلزم إبدالها به لم يقدح في وزن الفعل ، فالأوّل كاحمير ، والثاني كهراق وهرق علمين ، فإنّ الهاء وإن كانت ليست من زوائد الفعل ، إلا أنّها مبدلة من الهمزة إبدالا غير لازم ، فلم يضرّ ، لأنّ الأكثر في الاستعمال أراق وأرق.

الصفة : «والصفة» ويقال : الوصف أيضا ، وهو كون الاسم دالّا على ذات مبهمة مع بعض صفاتها «تمنع صرف الاسم الموازن للفعل» كما مرّ آنفا «بشرط كونها الأصل فيه» ، أي بحسب الوضع احترازا عن نحو أرنب بمعنى ذليل ، لأنّ وضعه للحيوان المعروف ، فلا أثر لما طرأ عليه من الوصفيّة ، كما لا أثر لما طرا من الاسميّة في أدهم للقيد من الحديد ، وأسود للحيّة السوداء ، وأرقم للحيّة الّتي فيها نقط سود بيض.

وربّما اعتدّ بعضهم باسميّتها فصرفها ، وأمّا أجدل للصقر ، وأخيل لطائر ذي خيلان ، وأفعي للحيّة ، فإنّها أسماء في الأصل والحال ، فلهذا صرفت في لغة الأكثر ، وبعضهم منع صرفها للمح معنى الصفة ، وهي القوّة في أجدل ، والتلوّن في أخيل ، والإيذاء في الأفعي ، لكن المنع في أفعي أبعد منه في الأولين ، لأنّ الأخيل من الخيول ، وهو الكثير الخيلان ، والأجدل من الجدال ، وهو الشدّة ، وأمّا الأفعي فلا مادّة لها في الاشتقاق ، لكن ذكرها يقارن تصوير إيذائها ، فاشبهت المشتقّ ، وجرت مجراه على هذه اللغة ، قاله البدر بن مالك.

وعدم قبول التاء لما مرّ ، واعلم أنّ على المصنّف (ره) في هذا الكلام انتقادا ، وذلك أنّ قوله : يمنع صرف الموازن للفعل تكرار لا طائل تحته لما علم قبله من أنّ وزن الفعل يمنع الوصف ، بل هو موهم لكون هذه الصفة غير ذلك الوصف ، وبطلانه ظاهر ، فإن أراد بذكر ذلك بيان الشرطين المذكورين ، فلا اختصاص لوزن الفعل بهما ، بل يشترطان أيضا في منع الوصف الكائن بالألف والنون المزيدتين إمّا عدم قبول التاء ، فقد مرّ اشتراطه في كلامه صريحا ، وإمّا اشتراط أصليّة الصفة ، فقد صرّح به غير واحد للاحتراز عن نحو : صفوان بمعنى فأس ، لأنّ وضعه للحجر الأملس ، فلا أثر لما طرأ عليه من الوصفيّة ، فلو قال : والصفة شرطها أن تكون في الأصل ، كما قال ابن الحاجب لسلم من ذلك.

«و» أمّا اشتراط «عدم قبول التاء» فقد علم سابقا في كلّ من الوضعين «فأربع في نحو : مررت بنسوة أربع منصرف لوجهين» : أحدهما عدم أصليّة الوصف فيه ، لأنّه وضع

٦٤١

اسما للعدد ، فلم يلتفت لما طرأ عليه من الوصفيّة ، والثاني قبوله للتاء في نحو : مررت برجال أربعة.

تنبيه : ما كان أحد سببيه العلميّة إذا نكر صرف ، فتزول العلميّة ، ويبقى السبب الثاني غير مؤثّر ، وهو إمّا التأنيث أو الزيادة أو العدل أو الوزن أو العجمة أو التركيب أو ألف إلحاق المقصورة ، نحو : ربّ فاطمة وعمران وعمر وأحمد وإبراهيم ومعدي كرب وأرطي لقيتهم.

ويستثنى من ذلك ما كان قبل العلميّة صفة كأحمر إذا كانا علمين فنكّرا ، فسيبويه يبقيه غير منصرف ، وخالفه الأخفش أوّلا ، فقال بصرفه بناء على أنّ الصفة إذا زالت لا تعود ، وردّ بأنّ زوال الصفة كان لمانع ، وهو العلميّة ، وإذا زال المانع رجعت الصفة ، ثمّ رجع الأخفش عن مخالفة سيبويه ، فوافقه في كتابه الأوسط. قال ابن مالك في شرح الكافية : وأكثر المصنّفين لا يذكرون إلا مخالفته ، وذكر موافقته أولى ، لأنّها آخر قوليه ، انتهى.

والتصغير المزيل لأحد السببين مخلّ بمنع كحميد وعمير في تصغير أحمد وعمر (١) ، فينصرفان لزوال الوزن والعدل. أمّا زوال الوزن فواصح ، وأمّا زوال العدل فقال ابن هشام في حواشي التسهيل : إنّ نحو : عمر قد حكموا بأنّه معدول الصيغة ، والتصغير لا يزيل شيئا ممّا ثبت ، إذا لم يكن معتادا له فالحكم بصرفه بعيد ، انتهى. قال الأزهريّ : وجوابه أنّ ذلك في العدل التحقيقيّ ، أمّا العدل التقديرى فلا ، لأنّهم إنّما ارتكبوه حفظا لقاعدتهم ، لمّا رأوه غير منصرف ، فإذا صرف فلا حاجة لتقديره.

«وجميع الباب» أي باب ما لا ينصرف «يكسر» أي يجر بالكسرة وجوبا على أصله «مع اللام» معرفة كانت ، نحو : مررت بالمساجد ، أو موصولة كالأعمي والأصم ، أو زائدة كقوله [من الطويل] :

٦٧٠ ـ رأيت الوليد بن إليزيد مباركا

 ... (٢)

ومثلها أم في لغة طي كما ذكره ابن مالك في التسهيل وغيره.

«والإضافة» أي إضافته إلى غيره ، نحو : مررت بأحدكم ومساجد الله. «والضرورة» أي ما يضطرّ إليه الشاعر [من الطويل] :

__________________

(١) سقط «في تصغير احمد وعمر» في «ح».

(٢) تمامه «شديدا بأعباء الخلافة كاهلة» وهو لابن ميادة واسمه الرماح بن أبرد بن ثوبان. اللغة : أعباء الخلافة ، الأعباء : جمع عبء ، وهو الحمل الّذي يثقل عليك ، الكاهل : ما بين الكتفين.

٦٤٢

٦٧١ ـ إذا ما غزا في الجيش حلّق فوقهم

كتائب طير تهتدي بعصائب (١)

والقوافي مجرورة.

وإنّما قال : يكسر ، ولم يقل ينصرف ، لأنّ المسألة خلافية ، فبيّن ما هو المتّفق عليه ، وأعرض عن بيان الخلاف ، لأنّه خلاف لا يثمر ، وهو على ثلاثة أقوال ، مرّ منها قولان في أوّل الباب ، والثالث : وهو التحقيق أنّه إن زالت إحدى علّتيه باللام أو الاضافة كما في العلم ، فمنصرف ، وان بقيت العلّتان كما في أحمر بقي على منع صرفه (٢).

هذا بالنسبة إلى ما أضيف ، أو دخلته اللام ، وأمّا بالنسبة إلى الضرورة فقيل : ينصرف ، وهو المشهور ، لأنّ الضرورة تجيز ردّ الشيء إلى أصله ، وأصل الأسماء الصرف ، وقيل : بل هو باق على منع صرفه لوجود العلّتين ، وإنّما جعل كالمنصرف في الصورة باعتبار إدخال الكسرة عليه أو التنوين كما سيأتي.

يصرف الممنوع من الصرف ويمنع المصروف للضرورة : تنبيهات : الأوّل : قد ينوّن غير المنصرف للضرورة والتناسب ، والضرورة قد تكون موجبة التنوين ، وقد تكون غير موجبة له ، فالأوّل كقوله [من الطويل] :

٦٧٢ ـ ويوم دخلت الخدر خدر عنيرة

 ... (٣)

إذ لا محيص فيه عن التنوين ، لأنّه لا يستقيم الوزن إلا به ، والثاني كقوله [من الطويل] :

٦٧٣ ـ أعد ذكر نعمان لنا إنّ ذكره

هو المسك ما كررته يتضوّع (٤)

إذ لو بقي نعمان هنا على منع صرفه لم ينكسر الوزن ، إلا أنّه يكون فيه الزحاف

__________________

(١) هو للنابغة الذبياني اللغة : حلّق : ارتفع في طيرانه واستدار ، الكتائب : جمع كتيبة بمغني الجيش ، العصائب : جمع عصابة بمغني الجماعة من الناس أو الخيل أو الطير.

(٢) يبدو أنّ الممنوع من الصرف يبقي ممنوعا من الصرف وإن أضيف أو دخلته اللام ، يعني عند ما أضيف أو دخلته اللام يجرّ بالكسرة فقط ، ولا يصير منصرفا ، يقول ابن مالك في الألفية :

الصرف تنوين أتي مبيّنا

معنى به يكون الاسم أمكنا

(شرح ابن عقيل ٢ / ٣٢٠)

يعني علامة المنصرف أن يدخله التنوين ، ويقول أيضا :

وجرّ بالفتحة ما لا ينصرف

ما لم يضف أو يك بعد أل ردف

(شرح ابن عقيل ١ / ٧٧)

يعني الاسم الذي لا ينصرف جرّ بالكسرة إن أضيف أو إن دخلته الألف واللام.

(٣) تمامه «فقالت لك الويلات إنك مرجلي» وهو لامرئ القيس. اللغة : الخدر : الهودج.

(٤) لم يسم قائله. اللغة : أعد : أمر من الإعادة بمعنى التكرار ، يتضوّع : من التضوغ بمعنى التحريك وانتشار الرائحة.

٦٤٣

المسمّى بالكفّ (١) ، وهو قبيح عندهم ، فدعت الضرورة إلى تنوينه لتحصيل أمر مستحسن ، قاله الدمامينيّ في المنهل. قال بعضهم : والكفّ ليس قبيحا في الطويل متّفق عليه ، فقد ذهب الأخفش إلى أنّه أحسن من القبض (٢) ، انتهى.

وأمّا التناسب فالمراد به تناسب كلمة معه مصروفة ، إمّا بوزن كسبأ بنبأ ، أو قرينه منه ك سلاسلا وأغلالا [الإنسان / ٤] ، أو لا ، ولكن تعدّدت الألفاظ المصروفة ، واقترنت اقترانا متناسبا منسجما ك ودا ولا سواعا لا يغوثا ويعونا ونسرا (٣) [نوح / ٢٣] ، وآخر الفواصل الأسجاع كـ (قَوارِيرَا) [الإنسان / ١٥].

قال جماعة منهم ابن بابشاذ في شرح الجمل وابن عصفور والرضيّ في شرح الحاجبية وابن هشام في الجامع الصغير : لا ينوّن ما فيه الألف المقصورة لعدم الضرورة ، لأنّ التنوين حرف ساكن كالألف ، ولا داعي أن يحذف ساكن ، ويؤتى بدله بمثله ، وردّ بأنّ هذا إنّما يتمّ إن لو كان الساكنان متساوين ، وليس كذلك ، فإن الألف لا تقبل الحركة ، والنون الساكنة تقبلها ، وقد تدعو الضرورة إلى نقل حركة متأخّرة إلى ساكن متقدّم ، لا يتأتّى الوزن إلا به ، فيحذف الألف ، ويؤتى بالتنوين ليتأتّى النقل كما قال الشاعر [من الكامل] :

٦٧٤ ـ علقتها غضبى إن استرضها نفرت

وبدلتني بالإقبال إعراضا (٤)

الثالث : قال السيوطيّ في شرح الألفية : إذا اضطرّ إلى تنوين مجرور بالفتحة فهل ينوّن بالنصب أو الجرّ؟ صرّح الرضيّ بالثاني ، ولو قيل بالوجهين كالمنادى لم يبعد ، انتهى. قلت : والظاهر أنّه لم يرد بتنوينه بالنصب سماع ، والقياس لا يجدي.

الرابع : قال الأخفش : صرف ما لا ينصرف مطلقا ، أي في الشعر ، وغيره لغة الشعراء ، وذلك أنّهم كانوا يضطرّون كثيرا لإقامة الوزن إلى صرف ما لا ينصرف ، فتمرّنت على ذلك ألسنتهم ، فصار الأمر إلى أن صرفوه في الاختيار أيضا ، وعليه حمل قوله تعالى : سلاسلا وأغلالا و (قَوارِيرَا.)

وقال الكسائي : إنّ صرف ما لا ينصرف مطلقا لغة قوم إلا أفعل منك وأنكر غيرها ، إذ ليس بمشهور عن أحد في الاختيار ، نحو : جاءني أحمد وإبراهيم ونحو ذلك ، و

__________________

(١) الزحاف : هو تغيير يقع على الحرف الثاني من السبب الخفيف أو الثقيل ، وله أنواع منها الكف ، وهو حذف الحرف السابع الساكن ، نحو : فاعلاتن. فاعلات : مفاعيلن. مفاعيل. يحيي معروف ، العروض العربي البسيط ، الطبعة الأولى. سمت ١٣٧٨ ش ، ص ٢٢ و ٢٠.

(٢) القبض : هو حذف الخامس الساكن ، نحو : فعولن ـ فعول ، ومفاعيلن ـ مفاعلن ، المصدر السابق ص ٢١.

(٣) في القرآن (وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ.)

(٤) ما وجدت البيت.

٦٤٤

أمّا للضرورة فلا خلاف في جواز صرفه ، وعدم جواز صرف أفعل منك في الضرورة مذهب الكوفيّين ، قالوا : لأنّ من مع مجرورها كالمضاف إليه ، فلا ينوّن ما هو كالمضاف (١) ، والأصل الجواز ، لأنّ اللكلام في الضرورة ، وبين المضاف وما هو كالمضاف فرق ، قاله الرضيّ.

الخامس : ذهب الكوفيون والأخفش وجماعة إلى جواز منع صرف المنصرف للضرورة ، كما جاز العكس لها ، واختاره ابن مالك وأبو حيّان كقوله [من الكامل] :

٦٧٥ ـ طلب الأزارق بالكتائب إذ هوت

بشيب غائلة النّفوس غدور (٢)

وأباه سائر البصريّين ، واختاره ثعلب في الكلام مطلقا ، وفصّل بعضهم بين ما فيه العلميّة وغيره ، فأجازه معها لوجود أحد السببين ومنعه مع غيرها ، ويؤيده أنّه لم يسمع إلا في العلم.

فائدة : قال ابن جنيّ في الخصائص : سألت أبا على. هل يجوز لنا في الشعر من الضرورة ما جاز للعرب أو لا؟ فقال : كما جاز أن نقيس منثورنا على منثورهم ، فكذلك يجوز لنا أن نقيس شعرنا على شعرهم ، فما أجازته الضرورة لهم ، أجازته لنا ، وما حظرته عليهم حظرته علينا ، وإذا كان كذلك فما كان من أحسن ضروراتهم ، فليكن من أحسن ضروراتنا ، وما كان من أقبحها عندهم ، فليكن من أقبحها عندنا ، وما بين ذلك ، انتهى.

فهنا انقضى كلام المصنّف (ره) على ما يتعلّق بالأسماء ، فشرع في الكلام على ما يتعلّق بالأفعال فقال :

__________________

(١) سقطت «فلا ينوّن ما هو كالمضاف» في «ح».

(٢) هو الأخطل. اللغة : والازارق : هم الأزارقة ، فرقة من الخوارج وأصحاب نافع بن الأزرق ، شيب : هو ابن يزيد من بني مرّة ، وأحد الثائرين على بني أمية ، غائلة النفوس : شرّها.

٦٤٥
٦٤٦

الفصل الثالث الحديقة الثالثة

٦٤٧
٦٤٨

فيما يختصّ بالأفعال

إعراب الفعل المضارع

الحديقة الثّالثّة : فيما يتعلّق بالأفعال.

يختصّ المضارع بالإعراب : فيرتفع بالتجرّد عن النّاصب والجازم.

وينصب بأربعة أحرف «لن» وهي لتأكيد نفي المستقبل و «كي» ومعناها السببيّة و «أن» وهي حرف مصدريّ ، والّتي بعد العلم غير ناصبة ، وفي «أن» الّتي بعد الظّنّ وجهان ، و «إذن» وهي للجواب والجزاء ، وتنصبه مباشرة مقصودا به للاستقبال. نحو : إذن أكرمك ، لمن قال : أزورك ، ويجوز الفصل بالقسم ، وبعد التإليه للواو والفاء وجهان.

تكميل : وينصب بأن مضمرة جوازا بعد الحروف العاطفة له على اسم صريح ، نحو : «للبس عباءه وتقرّ عيني» وبعد لام كي إذا لم يقترن بلا ، نحو : أسلمت لأدخل الجنّة ، ووجوبا بعد خمسة أحرف :

«لام الجحود» : وهي المسبوقة بكون منفي ، نحو : (وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ.) و «أو» بمعنى إلى أو إلا ، نحو : لالزمنك أو تعطيني حقّي. و «فاء السببية وواو المعية» ، المسبوقتين بنفي أو طلب ، نحو : زرني فأكرمك ، ولا تأكل السّمك وتشرب اللّبن. و «حتّى» بمعنى إلى وكي ، إذا أريد به الاستقبال ، نحو : أسير حتّى تغرب الشّمس ، وأسلمت حتّى أدخل الجنّة ، فإن أردت الحال كانت حرف ابتداء.

ش : الحديقة الثالثة فيما يتعلّق بالأفعال ممّا لم يسبق له ذكر ، إذ قد مرّ في الحديقة الأولى بيان حدّ الفعل وخواصّه وتقسيمه وأحكام أقسامه من الإعراب والبناء.

٦٤٩

رفع المضارع

يرتفع المضارع بالتجرّد عن الناصب والجازم : والكلام الآن في ما عدا ذلك ، «يختصّ» الفعل «المضارع» من بين أقسام الفعل «بالإعراب» ، وذلك لمشابهته الاسم فيما مرّ «فيرتفع بالتجرّد عن الناصب والجازم».

هذا أحد الأقول في رافعه ، وهو قول الفرّاء وحذّاق الكوفيّين ، وأورد عليه أن التجرّد أمر عدميّ ، والرفع وجوديّ ، والعدمّي لا يكون عاملا في الوجودي ، وردّ بمنع كونه عدميّا ، بل هو الإتيان بالمضارع على أوّل أحواله ، وهذا ليس بعدميّ ، ولو سلم فمن أين أنّه لا يعمل في الوجوديّ ، بل يعمل ، لأنّه هنا علّة لا مؤثّر ، كما في المبتدإ.

وذهب الكسائيّ إلى أنّ رافعه حرف المضارع (١) ، وثعلب إلى أنّه مضارعته الاسم ، والبصريّون إلى أنّه وقوعه موقع الاسم. قالوا : ولهذا إذا أدخل عليه نحو : إن ولم ولمّا امتنع رفعه ، لأنّ الاسم لا يقع بعدها ، فليس حينئذ واقعا موقع الاسم.

قال ابن هشام : وأصحّ الأقوال الأوّل ، وهو الّذي يجري على ألسنه المعربين ، حيث يقولون : مرفوع لتجرّده عن الناصب والجازم. قال : ويفسد قول الكسائيّ أنّ جزء الشيء لا يعمل فيه ، وقول ثعلب إنّ المضارعة أنّما اقتضت إعرابه من حيث الجملة ، ثمّ يحتاج كلّ نوع من أنواع الإعراب إلى عامل يقتضيه ، ثمّ يلزم على المذهبين أن يكون المضارع مرفوعا دائما ، ولا قائل به.

ويردّ قول البصريّين ارتفاعه بعد هلّا يقوم ، إذ الاسم لا يقع بعد حرف التحضيض وإنّما يرجّح عامل النصب والجزم على عامل الرفع. إذا دخل على الفعل لقوّته ، إذ هو لفظيّ ، وعامل الرفع معنويّ ، انتهى. وهو خلاف لا ثمرة له ، إذ لا ينشأ عنه حكم نطقيّ.

المضارع المنصوب ونواصبه

و «ينتصب» بحرف من أربعة أحرف على الأصحّ :

احدها «لن» وبدأ بها لملازمتها النصب ، نحو : (لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ) [طه / ٩١] ، وهي حرف بالإجماع بسيطة على وضعها الأصليّ عند سيبويه والجمهور. وادّعى الفرّاء أنّ أصلها لا النافية ، فأبدلت الألف نونا ، وحجّته أنّهما حرفان نافيان ثنائيان ولا

__________________

(١) هذا القول فاسد ، لأنّ حرف المضارع بعض الفعل ، ولا ينفصل منه في اللفظ ، بل من تمام معناه. أبو البركات الانباري ، الإنصاف في مسائل الخلاف ، الجزء الثاني ، لاط ، صيدا ـ بيروت ، المكتبة العصرية ؛ ١٤١٩ ه‍ ، ص ٥٥٤.

٦٥٠

أكثر استعمالا ، ويردّه أنّ الإبدال لا يغيّر حكم المهمل ، فيجعله معملا ، وأنّ المعروف أنّما هو إبدال النون ألفا لا العكس ، نحو : (لَنَسْفَعاً) [العلق / ١٥] ، (وَلَيَكُوناً) [يوسف / ٣٢].

وزعم الخليل والكساني أنّ أصلها لا وأن الناصبه ، فحذفت الهمزة تخفيفا لكثرة الاستعمال ، كما حذفت في قولهم : ويلمه ، وأصله ويل أمّته ، والألف لالتقاء الساكنين ، هي والنون ، وحجّتهما قرب لفظهما منهما ، وأنّ معناهما من النفي والتخلّص للاستقبال حاصل فيها. وقد جاءت على الأصل في الضروره كقوله [من الوافر] :

٦٧٦ ـ يرجّي المرء ما إن لا يراه

وتعرض دون أبعده الخطوب (١)

أي ما أن يلاقي.

وردّه سيبويه بجواز تقديم معمول معمولها عليها ، نحو : زيدا لن أضرب ، وامتناع نحو : زيدا يعجبني أن تضرب. قال الرضيّ : وللخليل أن يقول : لا منع أن تتغيّر الكلمه بالتركيب عن مقتضاها معنى وعملا ، إذ هو وضع مستأنف ، انتهى.

والنفي بها أبلغ من النفي بلا ، فهي لتأكيد نفي الفعل المستقبل وفاقا للزمخشريّ في كشافه ومفصّله. ووافقه ابن الخباز في شرح الإيضاح ، فقال : لن لنفي المضارع على جهه التأكيد ، ووافقه الرضيّ وصاحب التبيان أيضا ، بل قال بعضهم : إنّ منعه مكابرة ، فهي لنفي إنّي أفعل ، ولا لنفي أفعل كما في لم ولما.

ادّعى الزمخشرّي في أنموذجه (٢) أيضا لتأييد النفي ، كقوله تعالى : (لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً) [الحج / ٧٣] ، (وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ) [الحج / ٤٧]. قال ابن مالك : والحاصل له على ذلك اعتقاده في : (لَنْ تَرانِي) [الأعراف / ١٤٣] ، أنّ الله تعالى لا يرى ، وردّ غيره بأنّه لو كانت للتأييد لم يقيّد منفيها باليوم في : (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) [مريم / ٢٦] ، ولكان ذكر الأبد في : (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً) [البقرة / ٩٥] ، تكرارا ، والأصل عدمه ، انتهى.

وهو ضعيف ، إذ للقائل بالتأييد أن يجيب عن الأوّل بأنّ قولنا : بذلك عند إطلاق منفيّها وخلوّ المقام عن مقيّداته ، وعن الثاني بأنّ ذكر الأبد ليس تكرارا باللفظ ، وهو ظاهر ولا بالمرادف ، لأنّ أبدا لا يرادف لن ، لأنّ الاسم لا يرادف الحرف كما تقرّر في غير هذا الموضع ، ولأنّ التأييد نفس معنى أبدا ، وجزء معنى لن ، وإنّما هو تصريح ودلالة بالمطابقة على ما يفهم بالتضمّن ، ولو سلم فله فائدة ، وهي دفع ما يتوهّم من أنّ

__________________

(١) هو لجابر بن رألان. اللغة : الخطوب : جمع الخطب : الأمر الشديد يترل.

(٢) النموذج في النحو للعلّامة جار الله الزمخشري المتوفى سنة ٥٨٨ ، كشف الظنون ١ / ١٨٥.

٦٥١

لن لمجرّد النفي بناء على استبعاد نفي تمنّي الموت منهم على جهه التأييد. قاله التقيّ الشمنيّ في شرح المغني.

ومذهب سيبويه والجمهور أنّها لنفي المستقبل ، أعمّ من أن يكون محدّدا كما في : (لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى) [طه / ٩١] ، أو مؤبّدا كما في : (لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً) [الجاثية / ١٩] ، قال بعضهم : وإنكارهم اقتضاءها التأييد مناقض لقولهم هذا ، كما لا يخفي.

تنبيهان : الأوّل : ذهب جماعه منهم ابن عصفور إلى أنّ الفعل قد يخرج بعد لن إلى الدعاء كحاله بعد لا ، وأنكره الجمهور ، قالوا : بل حاله بعدها كحاله بعد سائر حرف النفي غير لا ، واختار الأوّل ابن هشام في المعنى ، قال : والحجّة في قوله [من الخفيف] :

٦٧٧ ـ لن تزالوا كذلكم ثمّ لازل

 ... ت لكم خالدا خلود الجبال (١)

وأما قوله تعالى : (رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ) [القصص / ١٨] ، وقيل : منه ، وقيل : ليس منه ، لأنّ فعل الدعاء لا يستند إلى المتكلّم بل إلى المخاطب ، أو إلى الغائب ، نحو : يا ربّ لا عذّبت فلانا ، ونحو : لا عذّب الله عمرا ، انتهى.

ويردّه قوله [من الخفيف] :

٦٧٨ ـ ... ثمّ لازل ...

ت لكم خالدا ... (٢)

الثاني : ما أسلفت من ملازمة لن النصب هو المشهور ، وزعم بعضهم أنّها قد تجزم كقوله [من الطويل] :

٦٧٩ ـ ...

فلن يحل للعينين بعدك منظر (٣)

وقوله [من المنسرح] :

٦٨٠ ـ لن يخب الآن من رجالك من

حرّك من دون بابك الحلقه (٤)

قال ابن هشام : والأوّل محتمل للاجتزاء (٥) بالفتحة عن الألف للضرورة ، وسكت عن الثاني ، لأنّ الراوية فيه بكسر الباء ، كما صرّح به في موضع آخر من المغني.

وهذا البيت من جملة أبيات ، لها حكاية لطيفة ، لا بأس بإيرادها ، وهي ما رواه الحسن عن إسماعيل بن موسى عن جعفر بن محمد (ع) : قال بلغني أنّ أعرابيا دخل المدينة ، فبينما هو يجول في أزقّتها ، إذ مرّ بباب الحسين بن علي بن أبي طالب (ع).

__________________

(١) هو للأعشى.

(٢) تقدم برقم ٦٧٧.

(٣) صدره «أيادي سبا يا عزّ ما كنت بعدكم» ، وهو لكثير عزة. اللغة : سبا : لقب ابن يشجب ابن يعرب بن قحطان ، وأيادي سبا أي متفرقين ، أي مثل تفرّق أيادي سبا.

(٤) البيت لأعرابي يمدح بها حسين بن علي بن أبي طالب (ع).

(٥) الاجتزاء : الاكتفاء.

٦٥٢

فلمّا عرف الدار أنشأ يقول [من المنسرح] :

٦٨١ ـ لن يخب الآن من رجائك من

حرك من دون بابك الحلقة

أنت جواد وأنت معتبر

أبوك من كان قاتل الفسقة

لولا الّذي كان في أوائلكم

كانت علينا الجحيم منطبقة (١)

فسمعه الحسين (ع) : وهو يصلّي ، فأوجز في صلاته ، ثمّ خرج ، فإذا هو بأعرابي في أسمال (٢) ، فقال : رويد يا أعرابيّ ، ثمّ نادي يا قنبر ، ما معك من النفقة؟ فقال : ألف درهم ، قال : فأت بها ، فقد جاء من هو أحقّ بها منّا ، ثمّ أخذها من قنبر ، فصيّرها في إحدى بردتين كانتا عليه ، ثمّ دفعها للأعرابي من داخل الباب ، وقال [من المنسرح] :

٦٨٢ ـ خذها فإني إليك معتذر

وأعلم بأنّي عليك ذو شفقة

لو كان في سيرنا الغداة عصي

كانت سمانا عليك مندفقة

لكنّ ريب الزمان ذو غير

والكفّ منا قليلة النفقة

فأخذها الأعرابيّ وقال [من البسيط] :

٦٨٣ ـ مطهّرون نقيات ثيابهم

تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا

فأنتم أنتم الأعلون إنّ لكم

أمّ الكتاب وما جاءت به السور

من لم يكن علويّا حين تنسبه

فلن يكون له في الناس مفتخر

قال البطليوسيّ : وجزم الأعرابيّ بلن. وذكر اللحيانيّ أنّ ذلك لغة العرب ، يجزمون بالنواصب ، وينصبون بالجوازم. وسكن اللغويّون لام الحلقة ، وفتحها الأعرابيّ. قال ابن الجنيّ يقال : حلقة حديد وحلقة من الناس بالسكون ، والجمع حلق بفتح اللام ، وحكي عن يونس حلقة ، وحلق بفتح اللام فيها ، وقال أبو عمرو الشيباني : ليس في كلامهم حلقة بفتح اللام إلا في جمع حالق.

والثاني : «كي» ، وجاء بها بعد لن لمشاركتها لها في العمل من غير شرط ، نحو : أسلمت كي أدخل الجنّة ، ومعناها السببيّة أي سببيّة ما قبلها لما بعدها ، وحينئذ المراد السببيّة الخارجيّة ، بأن يكون تحقّق ما قبلها في الخارج سببا لما بعدها ، أو المعنى سببيّة ما بعدها لما قبلها ، بمعنى أنّ ما بعدها باعتبار تصوّره سبب لما قبلها ، أو المعنى سببيّة كلّ من ما قبلها وما بعدها للآخر ، إلا أنّ سببيّة ما قبلها بحسب الخارج ، وسببيّة ما بعدها بحسب الذهن ، ويقال لها ، التعليليّة ، والقول بأنّها هي الناصبة دائما ، كما اختاره المصنّف تبعا لابن حاجب هو مذهب الكوفيّين. وجمهور البصريّين على أنّ كي قسمين :

__________________

(١) تقدّم البيت الأوّل من هذه الأبيات برقم ٦٨٠.

(٢) الأسمال : جمع السمل ، وثوب سمل : خلق بال.

٦٥٣

مصدريّة ناصبة بمترلة أن معنى وعملا ، وتعليليّة جارّة بمترلة لام التعليل معنى وعملا ، والنصب بعدها بأن مضمرة غير جائزة الإظهار.

قال ابن مالك في شرح الكافية. والّذي أحوج إلى القول بذلك قول العرب في السؤال عن العلّة كيمه؟ كما يقولون : لمه؟ فسوّوا بينهما وبين اللام في المعنى ، فثبت بذلك أنّها حرف جرّ مرادف لللام ، وثبت بدخول اللام عليها ، نحو : قوله تعالى : (لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ) [الأحزاب / ٣٧] ، إنّها مصدريّة ، لأنّ حرف الجرّ لا يدخل على حرف الجرّ ، إلا أن يكون مصدريّا ، فيلزم من ذلك جعل كي على قسمين ، انتهى.

ويتعيّن المصدريّة إن سبقتها اللام كما في الآية ، والتعليلية إن تأخّرت عنها اللام أو أن كقوله [من المديد] :

٦٨٤ ـ كي لتقضيني رقيّة ما

وعدتني غير مختلس (١)

والثاني كقوله [من الطويل] :

٦٨٥ ـ فقالت أكلّ الناس أصبحت مانحا

لسانك كيما أن تغرّ وتخدعا (٢)

ويجوز الأمران في نحو : (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً) [الحشر / ٧] ، فإن قدّرت قبلها اللام فهي مصدريّة ، وإلا فهي تعليليّة.

والأوّل أولى لكثرة ظهور اللام معها ، نحو : (لِكَيْلا تَأْسَوْا) [الحديد / ٢٣] ، وفي نحو قوله [من الطويل] :

٦٨٦ ـ أردت لكيما أن تطير بقربتي

فتتركها شنّا ببيداء بلقع (٣)

فكي هنا تحتمل أن تكون مصدريّة لدخول اللام عليها ، وتحتمل أن تكون تعليليّة لتأخّر أن بعدها ، فإن كانت مصدريّة كانت أن مؤكّدة لها لمعنى السبك ، وإن كانت تعليليّة فاللام مؤكّدة لمعنى التعليل ، وكونها تعليليّة أولى ، لأنّ توكيد الجارّ بالجارّ أسهل من توكيد الحرف المصدريّ بمثله. قاله ابن هشام في حواشي التسهيل : وأجاب الكوفيّون عن كيمه بأنّ الفعل المنصوب بكي مقدّر ، والأصل كي تفعل ما ذا ، ويلزمهم كثرة الحذف وإخراج ما الاستفهاميّة عن المصدر ، وحذف ألفها في غير الجرّ ، وحذف الفعل المنصوب مع بقاء عامل النصب ، وكلّ ذلك لم يثبت ، قاله في المغني ، وفي عدم ثبوت إخراج ما ذا عن المصدر بحث تقدّم الكلام عليه.

__________________

(١) هو لعبد الله بن قيس الرقيّات. اللغة : لتقتضني : من القضاء : الأداء ، رقيه : اسم محبوته ، ما : زائدة ، المختلس : مصدر ميمي ، بمعنى المختلف.

(٢) هو لجميل بثينة.

(٣) لم يعين قائله ، اللغة : الشن : القربه الخلق ، البيداء : الفلاة الّتي يبيد (يهلك) من يدخلها ، البلقع ، القفر.

٦٥٤

وأجابوا عن نحو كيما أن تعزّ بأنّ أن زائدة ، أو بدل عن كي وعن كي لتقتضيني بزيادة اللام كما في ردف لكم ، وذهب الأخفش إلى أنّ كي جارّة دائما ، وأنّ النصب بعدها بأن ظاهرة أو مقدّرة ، ويردّه نحو : (لِكَيْلا تَأْسَوْا) [الحديد / ٢٣] ، فإن زعم أنّ كي تاكيد لللام كقوله [من الوافر] :

٦٨٧ ـ ...

ولا للمابهم أبدا دواء (١)

وردّ بأن الفصيح المقيس لا يخرج عن الشاذّ.

تنبيه : أثبت الكوفيّون من حروف النصب كما بمعنى كيما ، ووافقهم المبرّد ، واستدلّوا بقوله [من الطويل] :

٦٨٨ ـ وطرفك إمّا جئتنا فاصرفنّه

كما حسبوا أنّ الهوي حيث تنظر (٢)

وأنكر ذلك البصريّون ، وتأوّلوا ما ورد على أنّ الأصل كيما ، حذفت ياؤه ضرورة ، أو الكاف الجارّة كفّت بما ، وحذفت النون من الفعل ضرورة ، قاله في الهمع.

والثالث أن ، ويقال فيما : عن ، بإبدال الهمزة عينا ، و «هي حرف مصدريّ» نسبه إلى المصدر ، لأنّه يؤوّل مع صلته به كما تقدّم ، نحو : (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) [البقرة / ١٨٤] ، وهي أمّ الباب. قال أبو حيّان : بدليل الاتّفاق عليها والاختلاف في لن وإذن وكي ، وعن الخليل أن لا ناصب سواها ، وبعضهم يهملها حملا على ما المصدريّة كقراءة ابن محيصن : (لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ) [البقرة / ٢٣٣] ، برفع يتمّ وكقوله [من البسيط] :

٦٨٩ ـ أن تقران على أسماء ويحكما

منّي السّلام وأن لا تشعرا أحدا (٣)

قال ابن الحاجب : وذلك كما أعملت ما المصدريّة حملا عليها فيما روي عنه (ع) : كما تكونوا يولى عليكم (٤). قال ابن هشام : والمعروف في الرواية كما تكونون. وقال أبو حيّان : لا يحفظ أن غير ناصية إلا في القراءة المذكورة وفي البيت المذكور ، وما هذا سبيله لا تبنى عليه قاعدة.

وصرّح بشذوذه ابن مالك في الكافية ، حيث قال [من الرجز] :

٦٩٠ ـ وشذّ رفع بعد أن حيث استحقّ

نصبا بها فاعرف شذوذه وثق

__________________

(١) صدره «فلا والله لا يلفي لما بي» ، وهو لمسلم بن معبد الوالبي.

(٢) هو لعمر ابن أبي ربيعة. اللغة : الطرف : العين.

(٣) البيت مجهول القائل.

(٤) نهج الفصاحة ص ٤٦٢ رقم ٢١٨٢.

٦٥٥

على أنّ القول بأنّ هذه مصدريّة مهملة هو قول البصريّين ، وقال الكوفيّون : إنّها المخفّفة من الثقلية ، شذّ اتصالها بالفعل المتصرّف الخبريّ ، والقياس فصله منها بقد أو إحدى أخواتها.

أن بعد العلم غير ناصبة : وأن «الّتي بعد العلم» الخالص ، سواء دلّ بمادّة (ع ل م) أم لا «غير ناصبة» لأنها ليست المصدريّة ، بل هي المخفّفة من الثقيلة ، فتعمل عملها ، لأنّ أن الناصبة علم الاستقبال ، فما بعدها غير معلوم التحقّق ، فلا يقع بعد العلم بخلاف المخفّفة ، لأنّها للتحقيق فتناسب العلم. وتقييد العلم بالخالص احترازا من إجرائه مجرى الإشارة نحو قولهم : ما علمت إلا أن تقوم. قال سيبويه : يجوز النصب ، لأنّه كلام خرج مخرج الإشارة ، فجرى مجرى قولك : أشير عليك أن تقوم ، انتهى.

ومن إجرائه مجري الظنّ كقراءة بعضهم : (أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ) [طه / ٨٩] ، بالنصب وقولنا : سواء دلّ عليه بمادة (ع ل م) أم لا تعميم لنحو قوله تعالى : (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى) [المزمل / ٢٠] ، (أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ ،) ومثل ذلك كلّ ما يؤدّي معناه كالتبيّن والتيقّن والانكشاف والظهور والنظر الفكريّ والايحاء ونحو ذلك.

وفي أن الّتي بعد الظّن وجهان : إهمالها بناء على تأويله بالعلم ، وإعمالها إجراء له على أصله ، وهو الأرجح عقلا ونقلا ، لأنّ التأويل خلاف الأصل ، والأكثر في لسان العرب النصب بعده ، ولذا أجمع القرّاء عليه في : (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا) [العنكبوت / ٢] ، واختلفوا في قوله : (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ) [المائدة / ٧١] ، فقراءة غير أبي عمرو وحمزة والكسائيّ بالنصب ، والثلاثة بالرفع.

قال أبو حيّان : وليس في الواقعه بعد الشكّ إلا النصب. وأجراها سيبويه والأخفش بعد الخوف مجراها بعد العلم لتيقّن الخوف ، نحو : خفت أن لا يفعل ، وخشيت أن تقوم ، ومنه قوله [من الطويل] :

٦٩١ ـ ...

أخاف إذا ما متّ أن لأأذوقها (١)

ومنع ذلك الفرّاء ، وترد أن مفسّرة وزائدة أيضا ، سيأتي الكلام عليهما في الحديقة الخامسة إن شاء الله تعالى.

__________________

(١) صدره «ولا تذفننّي في الفلاة فإنّني» ، وهو لأبي مجحن التفقي.

٦٥٦

تنبيه : جوّز بعض الكوفيّين الجزم بأن ، وأنكره الجمهور ، قال الرواسيّ (١) : فصحاء العرب ينصبون بأن وأخواتها الفعل ، ودونهم قوم يرفعون بها ، ودونهم قوم يجزمون بها ، وأنشد على الجزم [من الطويل] :

٦٩٢ ـ أحاذر أن تعلم بها فتردّها

فتتركها ثقلا على كما هيا (٢)

وحكاه من البصريّين أبو عبيده واللحيانيّ ، وقال : إنّها لغة بني الصباح ، قاله في الهمع. قال ابن هشام : وفي كونها في البيت جازمة نظر ، لأنّ عطف المنصوب عليه يدلّ على أنّه سكن للضرورة لا مجزوم ، انتهى.

وأنشد غيره على ذلك قول امرئ القيس [من الطويل] :

٦٩٣ ـ إذا ما غدونا قال ولدان أهلنا

تعالوا إلى أن يأتنا الّصيد نحطب (٣)

والرابع إذن ، وقد يحذفون الهمزة ، فيقولون : ذن ، وأخّرها لطول الكلام عليها ، قال الجمهور : هي حرف ، وذهب بعض الكوفيّين إلى أنّها اسم ، والأصل في إذن أكرمك إذا جئتني أكرمك ، ثمّ حذفت الجملة ، وعوّض عنها التنوين ، وأضمرت أن.

وعلى الأوّل فالصحيح أنّها بسيطة لا مركّبة من إذ وأن ، وعلى البساطة فالصحيح أنّها الناصبة لا أن مضمرة بعدها ، خلافا للزجاج والفارسيّ والرضيّ ، وهو أحد قولي الخليل ، وهو المشهور عنه ، وحكى سيبويه عنه سماعا الأوّل.

و «هي للجواب والجزاء» ، قال الدمامينيّ : المراد بكونها للجواب أن تقع في كلام يجاب به كلام آخر ملفوظا أو مقدّرا ، سواء وقع في صدره أو في حشوه أو آخره ، ولا يقع في كلام مقتضب ابتداء ليس جوابا عن شيء ، فباعتبار ملابستها للجواب على هذا الوجه سمّيت حرف جواب.

والمراد بكونها للجزاء أن يكون مضمون الكلام الّتي هي فيه جزاء لمضمون كلام آخر ، قال في المفصّل : وإذن جواب وجزاء ، يقول الرجل : أنا آتيك ، فتقول : إذن أكرمك. فهذا الكلام قد أجبته به ، وصيّرت إكرمك جزاء له على إتيانه ، انتهى.

وكونها للجواب والجزاء هو نصّ سيبويه ، واختلف فيه ، فحمله قوم منهم الشلوبين على ظاهره ، وقال : إنّها لهما في كلّ موضع ، وتكلّف تخرّج ما خفي فيه ذلك ، وذهب الفارسيّ إلى أنّها قد ترد لهما ، وهو الأكثر ، وقد تتمحّض للجواب

__________________

(١) محمد بن الحسن بن أبي سارة الرواسي النحوي وهو أول من وضع من الكوفيّين كتابا في النحو ، وهو أستاذ الكسائي والفرّاء ، وله من الكتب : الفيصل ، معاني القرآن و... المصدر السابق ، / ٨٢.

(٢) هو لجميل بثنية. اللغة : الثقل : الحمل. والضمير في بها وتردها يعود إلى الحاجة الّتي ذكرها في البيت السابق.

(٣) اللغة : غدونا : دخلنا في البكرة. الولدان : جمع ولد ، نحطب : نجمع الحطب.

٦٥٧

وحده ، نحو أن يقول : أحبّك ، فتقول : إذن أظنّك صادقا. فلا يتصوّر هنا الجزاء ، قال الرضّي : لأنّ الشرط والجزاء إمّا في المستقبل أو في الماضي ، ولا مدخل للجزاء في الحال.

تنصب إذن المضارع بثلاثة شروط : وإنّما «تنصبه» أي المضارع بثلاثة شروط :

أحدها : أن تكون مصدّرة في أوّل الجواب ، لأنّها حينئذ في أشرف محالّها ، فإن وقعت حشوا بأن كان ما بعدها من تمام ما قبلها لم تنصبه ، وذلك في ثلاثه مواضع :

الأوّل : أن يكون ما بعدها خبرا لما قبلها ، نحو : أنا إذن أكرمك ، وإنّي إذن أكرمك ، وأمّا قوله [من الرجز] :

٦٩٤ ـ لا تتركنّي فيهم شطيرا

إنّي إذن أهلك أو أطيرا (١)

فضرورة. أو الخبر محذوف. أي إنّي لا أستطيع ذلك ، ثمّ استؤنف ما بعده ، أو الخبر مجموع إنّي إذن أهلك ، لا أهلك ، قاله الرضيّ.

قال الدمامينّي : وفيه نظر ، إذ مقتضاه جواز مثل قولك : زيد إذن يقيم بالنصب ، على أن يجعل الخبر هو المجموع من إذن وما دخلت عليه ، وظاهر كلامهم يأباه ، انتهى.

الثاني : أن يكون جوابا لشرط ما قبلها ، نحو : إن تأتني إذن أكرمك.

الثالث : أن يكون جوابا لقسم قبلها ، نحو : والله إذن لأخرجنّ ، وقوله [من الطويل] :

٦٩٥ ـ لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها

وأمكنني منها إذن لا أقيلها (٢)

التقدير : والله لئن عاد ، وجواب الشرط محذوف.

الشرط الثاني : أن تكون «مباشرة» للمضارع غير منفصل عنه ، فلو انفصلت عنه لم تنصب لضعفها مع الفصل عن العمل فيما بعدها ، نحو : إذن زيد يكرمك.

الثالث : أن يكون الفعل المضارع «مقصودا به الاستقبال» ، فلو قصد به الحال لم تنصبه ، نحو قولك : إذن تصدق لمن قال : أنا أحبّك ، قياسا على سائر النواصب ، حيث لم يعمل إلا في المستقبل ، لأنّ فعل الحال له تحقّق في الوجود كالأسماء ، فلا يعمل فيه عوامل الأفعال.

وإذا استوفت إذن هذه الشروط نصبت المضارع وجوبا في الأشهر ، نحو : «إذن أكرمك» بالنصب «لمن قال لك أزورك» وإلغاوها حينئذ لغة لبعض العرب ، حكاها عيسى بن عمر ، وتلقّاه البصريّون بالقبول ، ووافقهم ثعلب ، وخالف سائر الكوفيّين فلم يجز أحد الرفع بعدها.

__________________

(١) البيت مجهول القائل. اللغة : الشطير : الغريب.

(٢) هو لكثير عزة. اللغة : لا أقيلها : لا أتركها تفوتني.

٦٥٨

قال أبو حيّان : ورواية الثقة مقبولة ، ومن حفظ حجّة على من لم يحفظ ، إلا أنّها لغة نادرة جدّا ، ولذلك أنكرها الكسائيّ والفرّاء على اتّساع حفظهما ، وأخذهما بالشاذّ والقليل ، قاله في الهمع. وقال في التصريح : إلغاؤها هو القياس ، لأنّها غير مختصّة ، وإنّما أعملها الأكثرون حملا على الظّنّ ، لأنّها مثلها في جواز تقديمها على الجملة وتأخيرها عنها وتوسّطها بين جزءيها كما حملت ما على ليس ، لأنّها مثلها في نفي الحال ، والمرجع في ذلك كلّه إلى السماع ، انتهى.

ويجوز الفصل بينها وبين المضارع «بالقسم» ولا يقدح في نصبها له كقوله [من الوافر] :

٦٩٦ ـ إذن والله نرميهم بحرب

تشيب الطفل من قبل المشيب (١)

وإنّما اغتفر الفصل به لأنّه زائد : جيء به للتأكيد ، فلا يمتنع النصب كما لا يمنع الجرّ في قولهم : إنّ الشاة لتجترّ فتسمع صوت والله ربّها.

وأجاز ابن هشام في المغني والشذور الفصل بلا النافيه أيضا ، نحو : إذن لا أهينك ، لأنّ النافي كالجزء من المنفي ، فكأنّه لا فاصل ، وأجاز ابن عصفور والأبذيّ وغيرهما الفصل بالظرف ، وابن بابشاذ الفصل بالنداء أو الدعاء ، والرضيّ بأحد الثلاثة ، والكسائيّ وهشام الفصل بمعمول الفعل ، نحو : إذن زيدا أكرم ، والأرجح عند الكسائيّ النصب ، وعنده هشام الرفع.

وفي المضارع «بعد» إذن «التالية للواو والفاء وجهان» الرفع والنصب باعتبارين ، فالرفع باعتبار كون العاطف من تمام ما قبله بسبب ربطه بعض الكلام ببعض ، والنصب باعتبار كون ما بعد العاطف جملة مستقلّة ، والفعل فيها بعد إذن ليس من تمام ما قبلها ، والرفع أجود وأكثر في لسان العرب ، قال تعالى : (وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلاً) [الإسراء / ٧٦] ، (فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً) [النساء / ٥٣] ، وقرئ شاذّا بالنصب فيهما.

قال ابن هشام في المغني : والتحقيق أنّه إذا قيل : إن تزرني أزرك ، وإذن أحسن إليك ، فإن قدّرت العطف على الجواب ، جزمت ، وبطل عمل إذن لوقوعها حشوا ، أو على الجملتين معا ، جاز الرفع والنصب لتقدّم العاطف فقط ، وقيل : يتعيّن النصب ، لأنّ ما بعدها مستأنف ، أو لأنّ المعطوف على الأوّل أولى ، ومثل ذلك زيد يقوم ، وإذن أحسن إليه ، إن عطفت على الفعلية ، رفعت ، أو على الاسميّة فالمذهبان.

__________________

(١) هو لحسان بن ثابت. اللغة : تشيب : تصيّره أشيب.

٦٥٩

تنبيهات : الأوّل : إنّما اقتصر أكثر النّحويّين كالمصنّف على ذكر الواو والفاء من حروف العطف ، لأنّهم لم يعثروا على وقوع إذن بعد غيرهما ، صرّح به ابن مالك في العمدة وشرحها ، ومن أطلق العاطف فقد قاس.

الثاني : قال بعضهم هاهنا صورة أخرى ، لم يذكره ابن مالك في شيء من كتبه سوي شرح العمدة. قال : وكذا لا يمتنع النصب إذا بدئ بإذن بعد قول حكيت به نحو قيل للقائل : أزورك إذن أكرمك.

كتابة إذن : الثالث : اختلف في إذن في حالة الوقف عليها ، فقيل : تبدل ألفا تشبيها لها بتنوين المنصوب ، قال ابن هشام : وهو الصحيح : وقيل : توقف بالنون ، لأنّها كنون من ، وإن نقل عن المازنيّ والمبرّد ، ويبتني على هذا الخلاف الخلاف في كتابتها ، فجزم ابن مالك في التسهيل بأنّها تكتب بالألف مراعاة للوقف عليها ، وهو قول أبي علي والجمهور ، وقال المبرّد : تكتب بالنون ، وبالغ في الإنكار على من يكتبها بالألف.

قال أبو حيّان : وجد بخطّ الشيخ بهاء الدين النحاس ما نصّه : وجدت بخطّ عالي بن عثمان بن جنيّ (١) ، حكي أبو جعفر النحاس ، قال : سمعت على بن سليمان (٢) يقول : سمعت أبا العباس محمد بن يزيد (٣) يقول : أشتهي أن أكوي يد من يكتب إذن بالألف ، لأنّها مثل أن ولن ، ولا يدخل التنوين في الحرف ، انتهى.

قال في الهمع : وممّن صحّح كتابتها بالنون الزنجانيّ (٤) في شرح الهادي ، انتهى ، وصحّحه ابن عصفور أيضا ، فقال : الصحيح كتابتها بالنون فرقا بينها وبين إذا الظرفيّة ، لئلا يقع الالتباس. قال أبو حيّان : ولأنّ الوقف عنده بالنون ، وفصّل الفرّاء ، فقال : إذا أعملتها فاكتبها بالألف ، وإذا ألغيتها فاكتبها بالنون ، لئلا يلتبس بإذا الزمانية ، وأمّا إذا أعملتها ، فالعمل يميّزها عنها ، وقال ابن هشام في حاشية التسهيل بعد حكايته لما نقل عن المبرّد ما لفظه : الحقّ أنّ كتابتها بالالف ، وأنّ الوقف عليها بالألف ، وكذا وقف

__________________

(١) عالي بن عثمان بن جني النحوي ابن النحوي ، كان مثل أبيه ، نحويّا أديبا ، روي عن إبيه وعيسى بن علي الوزير. مات سنة ٤٥٨. المصدر السابق ٢ / ٢٤.

(٢) على بن سليمان بن الفض النحوي أبو الحسن الأخفش الأصغر ، قرأ على ثعلب والمبرد. له تصانيف وهي : شرح سيبويه ، الانواء ، التثنية والجمع و... مات سنة ٢١٥. المصدر السابق ١٦٨.

(٣) هو محمد بن يزيد أبو العباس المبرّد وقد تقدّم ذكره.

(٤) عبد الوهاب بن إبراهيم بن عبد الوهاب بن أبي المعإلى الخرزجيّ الزنجاني ، صاحب شرح الهادي المشهور (في النحو والصرف) ، أكثر الجاربردي من النقل عنه في شرح الشافي ، ذكر في آخره أنه فرغ منه سنة ٦٥٤. المصدر السابق ص ١٢٢.

٦٦٠

الفرّاء ، وقول المبرّد مردود برسم الصحابة بالألف على حسب الوقف ، ويخشى عليه عاقبة ما قال ، ولا يعذّب بالنّار إلا خالقها ، انتهى.

نصب المضارع بأن مضمرة جوازا : هذا «تكميل» لنواصب المضارع ، وينصب المضارع بأن مضمرة جوازا ، أي إضمارا جائزا في موضعين :

أحدهما : بعد الحروف العاطفة له على اسم صريح ، ليس في تأويل الفعل ، وهذه الحروف هي الواو والفاء وأو وثمّ ، إذ لم يسمع في غيرها. فهو بعد الواو نحو قول ميسون ابنة بحدل بالحاء المهملة ، وهي زوج معاوية [من الوافر] :

٦٩٧ ـ للبس عباءة وتقرّ عيني

أحبّ إلى من لبس الشفوف (١)

بنصب تقرّ بأن مضمرة جوازا بعد الواو ، وأن والفعل في تأويل مصدر مرفوع بالعطف على لبس والتقدير : ولبس عباءة وقرّة عيني ، والواقع في نسخ هذا المتن للبس عباءة باللام ، وهو تحريف ، والصواب ولبس بالواو ، والعاطفة على قولها قبله :

٦٩٨ ـ لبيت تخفق الأرواح فيه

أحبّ إلى من قصر منيف (٢)

وبعد الفاء نحو قوله [من البسيط] :

٦٩٩ ـ لولا توقّع معترّ فأرضيه

ما كنت أوثر إترابا على ترب (٣)

بنصب فأرضيه بأن مضمرة جوازا بعد الفاء لعطفه على توقّع ، وبعد أو نحو قوله تعالى : (ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً) [الشورى / ٥١] ، بنصب يرسل في قراءة غير نافع بأن مضمرة لعطفه على وحيا.

وبعد ثمّ نحو قوله [من البسيط] :

٧٠٠ ـ إنّي وقتلي سليكا ثمّ أعقله

كالثّور يضرب لما عافت البقر (٤)

بنصب أعقله بأن مضمرة جوازا بعد ثمّ لعطفه على قتلي ، وسليكا بالتصغير اسم رجل.

__________________

(١) ميسون بنت بحدل الكليبيّة بدويّة تزوّجها معاوية ، فولدت له يزيد ، ثمّ سمعها تنشد أبياتا منها هذا البيت تفضّل فيها حياة البادية فاستجاب لرغبتها وطلّقها. اللغة : عباءة : جبة من الصوف ونحوه : تقرّ عيني : كناية عن سكون النفس ، وعدم طموحها إلى ما ليس في يدها ، الشفوف : جمع شف ، وهو ثوب رقيق يستشف ما وراءه.

(٢) اللغة : قصر منيف : طويل في الارتفاع.

(٣) لم ينسب البيت إلى قائل معين ويروي أترابا على ترب. اللغة : المعتر : الفقير ، أوثر : أفضل ، أرجّج ، إتراب : مصدر أترب الرجل ، إذا استغني ، الترب : الفقر والعوز ، وأصله لصوق اليد بالتراب.

(٤) البيت لانس بن مدركه الخثعمي. اللغة : أعقله : مضارع عقل القتيل ، أي أدّي ديته ، عافت ، كرهت وامتنعت.

٦٦١

قال ابن هشام : كانت العرب إذا رأت البقر عافت ورود الماء ، تعمّد إلى الثور ، فتضربه ، فترد البقر حينئذ ، ولا تمتنع منه فرقا من الضرب أن يصيبها ، وإنّما امتنعوا من ضربها لضعفها عن حمله بخلاف الثور. وقيل : المراد بالثور : ثور الطحلب ، وهو الّذي يعلو الماء فيصدّ البقر عن الشرب ، فيضربه صاحب البقر لتفحص عن الماء فتشربه ، والمناسب للتشبيه الأوّل ، لأنّ الغرض من وقوع الفعل به تخويف غيره ، وأيضا فلو كان المراد بالثور الطحلب ، لم يكن لذكر البقر خصوصيته ، بل البقر وغيرها في ذلك شرع (١) ، فتأمّل.

وخرج بقوله على اسم صريح ، نحو : الطائر فيغضب زيد الذباب ، فلا ينصب الفعل ، لأنّ الاسم المعطوف عليه مؤوّل بالفعل لوقوعه صلة لال ، أي الّذي يطير.

الثاني : بعد لام كي ، وهي لام السببيّة ، وإنّما أضيفت إلى كي ، لأنّها بمعناها ، وذلك إذا لم يقترن الفعل بعدها بلا النافية والزائدة ، نحو : أسلمت لأدخل الجنّة ، بنصب أدخل بأن مقدّرة بعد لام ، فلو اقترن الفعل بلا سواء كانت نافية ، نحو : (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) [البقرة / ١٥٠] ، أو زائدة نحو : (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ) [الحديد / ٢٩] ، لم يجز إضمار أن ، لئلا يحصل الثقل لبقاء المثلين.

تنبيهان : الأوّل : قال ابن هشام في شرح الشذور وغيره : تضمر أن جوازا بعد العاقبة ، وهي الّتي يكون ما بعدها نقضيا لمقتضي ما قبلها نحو : (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً) [القصص / ٨] ، فإنّ التقاطهم له أنّما كان لرأفتهم عليه ، ولما ألقى الله عليه من المحبّة ، فلا يراه أحد إلا أحبّه ، فقصدوا أن يصير قرّة عين لهم ، فصارت عاقبة الأمر أن كان لهم عدوّا وحزنا. وبعد اللام الزائدة ، وهي الآتية بعد فعل متعدّ ، نحو (يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) [النساء / ٢٦] ، انتهى.

ولا يرد شيء منهما على قضيه كلام المصنّف (ره) ، لأنّ التحقيق أنّ كلّا منهما داخل في لام التعليل. أمّا العاقبة فقد مرّ أنّ البصريّين ينكرونها. قال الزمخشريّ : إنّها لام العلّة ، والتعليل فيها على طريق المجاز دون الحقيقة ، وبيانه أنّه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عدوّا وحزنا ، بل المحبّة والتبنّي ، غير أنّ ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له وثمرته شبّه بالداعي الّذي يفعل الفعل لأجله ، فاللام للاستعارة لما يشبه التعليل كما أستعير الأسد لمن يشبه الأسد ، انتهى.

فتكون استعارة تبعية ، وتحقيقها هنا أنّه شبّه ترتّب العداوة والحزن على الالتقاط بترتّب علّته الغائية عليه ، ثمّ استعمل في المشبّهة اللام الموضوعة للمشبّه به ، أعني ترتّب

__________________

(١) شرع : سواء.

٦٦٢

العلّة الغائية عليه ، فجرت الاستعاره أوّلا في العلية والغرضية ، وثالثا بتبعيّتها في اللام ، فصار حكم اللام حكم الأسد ، حيث استعيرت لما يشبه العلّة ، وصار معنى اللام هو العلية والفرضيّة لا المجرور كما ذكره صاحب التخليص ، قاله الدمامينيّ في التحفة (١).

وأمّا اللام الزائدة فقال ابن أم قاسم : ذهب المحقّقون إلى أنّ اللام في نحو : (يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) [النساء / ٢٦] لام كي ، ولهم في ذلك قولان : أحدهما أنّ الفعل محذوف ، واللام للتعليل ، والمعنى يريد الله ذلك ليبيّن ، والثاني : ما حكي عن سيبويه وأصحابه أنّ الفعل مقدّر بالمصدر ، أي إرادة الله ليبيّن لينعقد من ذلك مبتدأ وخبر ، فان قلت : ما حقيقة هذا القول؟ قلت : هو كالّذي قبله أنّ اللام للتعليل ، ولكنّ معمول الفعل على القول الأوّل حذف اختصارا ، فهو منويّ لدليل ، وعلى هذا القول حذف اقتصارا ، وفهو غير منويّ ، إذ لم يتعلّق به قصد المتكلّم ، فيصير الفعل على هذا كاللازم ، ولذلك انعقد من ذلك مبتدأ وخبر ، انتهى.

الثاني : ما ذكره من أنّ الناصب هو أن مضمرة بعد اللام هو مذهب جمهور البصريّين ، وذهب جمهور الكوفيّين إلى أنّ الناصب هو اللام ، وجوّزوا إظهار أن بعدها توكيدا ، وقال ثعلب : الناصب اللام ، كما قالوا ، ولكن لنيابتها عن أن المخدوفة. وقال ابن كيسان والسيرافيّ : يجوز أن يكون الناصب أن المقدّرة بعدها ، وأن يكون كي ، ولا تتعيّن أن لذلك ، ودليلهم صحّة إظهار كي بعدها ، فيحصل لنا قولان ، إذا قلنا : إنّ اللام ناصبة ، وقولان ، إذا قلنا : إنّها غير ناصبة ، قاله في التصريح.

نصب المضارع بأن مضمرة وجوبا : ينصب بأن مضمرة «وجوبا بعد خمسة أحرف» :

أحدها : «لام الجحود ، وهي المسبوقة بكون» ناقص ماض ، ولو معنى «منفيّ» بما أو لم مسند لما أسند إليه الفعل المقرون باللام «نحو» قوله تعالى : (ما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ) [الأنفال / ٣٣] ، (لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) [النساء / ١٦٨] ، وإنّما سمّيت لام الجحود لملازمتها الجحد ، أي النفي ، قال النحاس : والصواب تسميتها لام النفي ، لأنّ الحجد في اللغة إنكار ما تعرفه لا مطلق الإنكار. وقال في التصريح : التعبير بالجحود هنا من باب تسمية العامّ باسم الخاصّ ، انتهى.

وما قاله بيان لعلاقه التجوّز أو النقل ، والثاني أقرب ، ويسمّيها البصريّون مؤكّدة لصحّة الكلام بدونها ، إذ يقال في ما كان زيد ليفعل : ما كان زيد يفعل لا ، لأنّها زائده ، اذ لو كانت زائدة لما كان لنصب الفعل بعدها وجه صحيح ، وإنّما وجب إضمار أن

__________________

(١) تحفة الغريب في حاشية مغني اللبيب من تصانيف الدمامينيّ. المصدر السابق ١ / ٦٧.

٦٦٣

بعدها ، لأنّ ما كان ليفعل ردّ على من قال : سيفعل ، فاللام في مقابلة السين ، فكما لا يجمع بين أن الناصبة والسين ، لا يجمع بين أن واللام في اللفظ مراعاة للمطابقة بينهما لفظا ، وأجاز بعض الكوفيّين إظهارها تاكيدا ، كما جاز ذلك في كي ، نحو : ما كان زيد لأن يقوم. قال أبو حيّان : يحتاج إلى سماع من العرب.

تنبيهات : الأوّل : ما ذكر من ضابط هذه اللام من خصوصية الفعل وحرف النفي واتّحاد المسند إليه هو المشهور ، قال ابن هشام في المنفي : وزعم كثير من الناس في قوله تعالى : (وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ)(١) [إبراهيم / ٤٦] ، في قراءة غير الكسائيّ بكسر اللام الأولى وفتح الثانية ، إنّها لام الجحود ، وفيه نظر ، لأنّ النافي على هذا غير ما ولم ولاختلاف فاعلي كان وتزول ، والّذي يظهر لي أنّها لام كي ، وأنّ إن شرطيّة ، أي وعند الله جزاء مكرهم ، وهو مكر أعظم منه ، وإن كان مكرهم لشدتّه معدّا لأجل زوال الأمور العظائم المشبهة في عظمها بالجبال ، كما تقول : أنا أشجع من فلان وإن كان معدّا للنوازل ، انتهى.

وذهب بعضهم إلى أنّها تكون في أخوات كان قياسا عليها ، نحو : ما أصبح زيد ليضرب عمرا ، ولم يصبح زيد ليضرب عمرا. وزعم بعضهم أنّها تكون في ظننت وأخواتها ، نحو : ما ظننت زيدا ليضرب عمرا ، ولم أظنّ زيدا ليضرب عمرا. قال أبو حيّان :

وهذا كلّه تركيب لم يسمع ، فوجب منعه. ووسّع بعضهم الدائرة ، فذهب إلى أنّها تدخل في كلّ فعل تقدّمه فعل منفي ، نحو : ما جاء زيد ليفعل ، والصواب أنّ هذه لام كي.

الثاني : اختلف في الفعل الواقع بعد لام الجحود ، فذهب الكوفيّون إلى أنّه في موضع نصب على أنّه خبر كان ، واللام زائدة للتأكيد ، وذهب البصريّون إلى أنّ خبر كان محذوف ، وأنّ هذه اللام متعلّقة بذلك الخبر المخذوف ، وأنّ الفعل ليس بخبر ، بل المصدر المنسبك من أنّ المضمرة والفعل المنصوب بها في موضع جرّ ، والتقدير ما كان مريدا لكذا ، والدليل على هذا التقدير أنّه قد جاء مصرّحا به في قول الشاعر [من الوافر] :

٧٠١ ـ سموت ولم تكن أهلا لتسمو

ولكنّ المضيّع قد يصاب (٢)

فصرّح بالخبر الّذي هو أهلا مع وجود اللام والفعل بعده.

الثالث : قال في المغني : قد يحذف كان قبل لام الجحود ، كقوله [من الوافر] :

__________________

(١) ابتداء الآية الشريفة (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ.)

(٢) البيت بلا نسبة.

٦٦٤

٧٠٢ ـ فما جمع ليغلب جمع قومي

مقاومة ولا فرد لفرد (١)

أي فما كان جمع ، وقول أبي الدرداء في الركعتين بعد العصر : ما أنا لأدعهما ، انتهى.

الثاني : «أو» العاطفة إذا كانت «بمعنى إلى» بأن كان الفعل قبلها ممّا ينقضي شيئا فشيئا. «أو» بمعنى «إلا» الاستثنائية ، نحو : لألزمنّك أو تعطيني حقّي ، أي إلى أن تعطيني حقّي ، أو إلا أن تعطيني حقّي.

وتتعيّن الغاية في نحو : لأنتظرن أو يجيء ، والاستثناء في نحو : لأقتل الكافر أو يسلم ، وقوله [من الوافر] :

٧٠٣ ـ وكنت إذا غمزت قناة قوم

كسرت كعوبها أو تستقيما (٢)

إذ الاسلام لا يكون غاية للقتل ، والاستقامة لا تكون غاية للكسر.

واحترز بقوله : بمعنى إلى أو إلا عن الّتي لا تكون بمعنى أحدهما ، فإنّ المضارع إذا وجد بعدها منصوبا جاز إظهار أن ، كقوله [من الطويل] :

٧٠٤ ـ ولو لا رجال من رزام أعزّه

وآل سبيع أو أسوءك علقما (٣)

تنبيهات : الأوّل : ما اقتضاه كلامه عن مرادفة أو للحرفين المذكورين هو قضية كلام كثيرين ، لكن قال بعضهم : الأظهر أنّهم لن يريدوا أنّ أو بمعنى إلى أو إلا حقيقة ، بل أرادوا أنّها لأجل الأمرين وما بعدها حين التّكلّم به غير متحقّق ، وما قبلها متحقّق ، فالحكم بأنّ أحد الأمرين لا محالة يستلزم أنّ ما قبلها متحقّق إلى أن يتحقّق ما بعدها ، أو أنّ ما قبلها متحقّق كلّ وقت إلا وقت تحقّق ما بعدها. وما قيل : إنّ الوقت محذوف على الثاني ، وإنّ ما بعد أو في محلّ جرّ على الأوّل ، وفي محلّ النصب على الثاني من عدم التأمّل ، وكفى شاهدا على صدق ما قلنا أنّهم لم يعدّوا أو من حروف الجرّ ، ولا من أدوات الإستثناء ، انتهى.

وهو ردّ لما قاله الرضيّ من أنّ أو إذا فسّرت بإلى فما بعدها بتأويل مصدر مجرور بها ، لأنّها بمعنى إلى وإن فسّرت بإلا فالمضاف بعدها محذوف ، وهو الظرف ، أي لألزمنّك إلا وقت أن تعطيني ، فهو في محلّ نصب على أنّه ظرف لما قبل أو ، انتهى.

وقال ابن مالك : تقدير إلى وإلا في موضع أو تقدير لحظ فيه المعنى دون الإعراب ، والتقدير الإعرابيّ المرتّب على اللفظ أن يقدّر قبل أو مصدر ، وبعدها أن ناصبة للفعل ،

__________________

(١) لم يعيّن قائلة.

(٢) هو لزياد الأعجم. اللغة : غمزت : الغمز : حبس باليد يشبه النخس ، القناة : الرمح ، الكعوب : جمع كعب ، وهو طرف الأنبوبة الناشز ، تستقيم : تعتدل.

(٣) هو للحصين بن الحمام. اللغة : رزام وسبيع وعلقما : أسماء أعلام.

٦٦٥

وهما في تأويل مصدر معطوف بأو على المقدّر قبلها ، فتقدير لانتظرته أو يقدم ، ليكوننّ أو انتظار قدوم. وتقدير لأفتلنّ الكافر أو يسلم ، ليكونن قتله أو إسلامه ، وكذلك العمل في غيرهما ، انتهى.

الثاني : عبّر ابن مالك في الكافية والخلاصة بدل إلى بحتّى ، قال غير واحد : وهو أولى من إلى ، لأنّ لحتّى معينين ، كلاهما يصحّ هنا ، الأوّل الغاية مثل إلى ، والثاني التعليل مثل كي ، فشتمل العبارة نحو : لأطيعنّ الله أو يغفر لي ، فأو هنا لا تصلح لشيء من معنى إلى أو إلا ، بل هي بمعنى كي.

الثالث : ما ذكره من أنّ النصب بأن مضمرة بعد أو هو مذهب الجمهور ، وذهب الكسائيّ إلى أنّ أو المذكورة ناصبة بنفسها ، وذهب الفرّاء ومن وافقه من الكوفيّين إلى أنّ الفعل انتصب بالمخالفة ، والصحيح الأوّل ، لأنّ أو حرف عطف لا عمل لها ، ولكنّها عطفت مصدرا مقدّرا على متوهّم ، ومن ثمّ لزم إضمار أن بعدها.

والثالث : «فاء السببيّة» أي الّتي قصد بها السببيّة ، والجمهور على أنّها حينئذ عاطفة للمصدر المسبوك من أنّ المضمرة بعدها وصلتها على مصدر متصيّد من الفعل المتقدّم ، فتقدير : «زرني فأكرمك» لتكن زيارة منك فإكرام منّي.

واستشكله الرضيّ لأنّ فاء العطف لا تكون للسببيّة ، إلا إذا عطفت جملة على جملة ، نحو : الّذي يطير فيغضب زيد الذباب. واختار هو أن تكون الفاء للسّببيّة دون العطف ، وإنّ ما بعد الفاء مبتدأ محذوف الخبر وجوبا ، التقدير : زرني فإكرامك ثابت.

الرابع : «واو المعيّة» أي الّتي تقع موقعها مع ، وهي ما يجتمع مضمون ما قبلها وما بعدها في زمان واحد ، ويسمّيها الكوفيّون واو الصرف ، والجمهور على أنّها عاطفة ، وخالفهم الرّضيّ ، فقال : إنّهم لمّا قصدوا فيها معنى الجمعيّة ، نصبوا المضارع بعدها ، ليكون الصرف عن سنن الكلام المتقدّم مرشدا من أوّل الأمر إلى أنّها ليست للعطف ، فهي إذن إمّا واو الحال ، وأكثر دخولها على الاسميّة ، فالمضارع بعدها في تقدير مبتدإ محذوف الخبر وجوبا ، فمعنى قم وأقوم ، قم وقيامي ثابت ، أي في حال ثبوت قيامي ، وإمّا بمعنى مع ، أي قم مع قيامي ، كما قصدوا في المفعول معه مصاحبة الاسم للاسم ، فنصبوا ما بعد الواو ، ولو جعلنا الواو عاطفة للمصدر على مصدر متصيّد من الفعل قبله ، كما قال النحاة ، أي ليكن قيام منك ، وقيام منّي ، لم يكن فيه نصوصيّة على معنى الجمع ، كما لم يكن في تقديرهم في الفاء معنى السببيّة ، بل كون واو العطف للجمعيّة قليل ، نحو : كلّ رجل وضعيته ، انتهى.

٦٦٦

وردّ عليه في الموضعين ، أعني في الفاء والواو أنّه يلزم حذف الخبر وجوبا من غير شيء يسدّ مسدّه ، وهو ممتنع ، وأجيب بأنّه أشار إلى جواب ذلك في الحروف المشبهة بالفعل حيث قال : والتزم حذف الخبر في ليت شعري أتأتيني أم لا؟ فهذا الاستفهام مفعول شعري ، والخبر محذوف وجوبا بلا شيء يسدّ مسدّه لكثرة الاستعمال ، انتهى.

وهو هنا كذلك ، وخرج بالسببيّة الفاء الاستئنافيّة بأن يقدّر ما بعدها مبنيّا على مبتدإ محذوف كقوله [من الطويل] :

٧٠٥ ـ ألم تسأل الرّبع القواء فينطق

 ... (١)

أي فهو ينطق ، كذا قيل. قال ابن هشام : والتحقيق أنّ الفاء في ذلك للعطف ، وأنّ المعتمد بالعطف الجملة لا الفعل وحده. وإنّما يقدّر النّحويّون كلمة هو ، ليبيّنوا أنّ الفعل ليس المعتمد بالعطف ، انتهى.

والعاطفه نحو : ما تأتينا فتحدّثنا ، على معنى ما تأتينا فما تحدّثنا ، فيجب الرفع ، وبالمعيّة الواو الاستثنافية والعاطفة نحو : لا تأكل سمكا وتشرب لبنا ، فإن جعلت الواو استثنافية ، وجب الرفع ، فيكون الكلام نهيا عن أكل السمك واخبارا بإباحة شرب اللبن ، فكأنّك قلت : لا تاكل السمك ولك شرب اللبن ، وإن جعلتها عاطفة وجب الجزم ، فيكون نهيا عن كلّ واحد منهما بخلاف ما إذا جعلتها بمعنى مع كما سيأتي.

وقيّد الواو والفاء بقوله المسبوقتين بنفيّ محض أو مؤوّل أو طلب احترازا عن نحو :

زيد يأتينا فيحدّثنا ، وينهي عن خلق ويأتي مثله ، فيمتنع النصب ، وأمّا قوله [من الوافر] :

٧٠٦ ـ سأترك مترلي لبني تميم

وألحق بالحجاز فأستريحا (٢)

فضرورة.

ويشمل النفي ما كان بحرف أو فعل أو اسم ، وما كان تقليلا مرادا به النفي فهو مع الفاء نحو : (لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا) [فاطر / ٣٦] ، وليس زيد حاضرا فيكلّمك ، وأنت غير آت فتحدّثنا ، وقلّما تأتينا فتحدّثنا ، لأنّ هذه الكلمة مستعملة بمعنى النفي المحض ومع الواو نحو : (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران / ١٤٢].

__________________

(١) تمامه «وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق» وهو لجميل بثنية. اللغة : الربع : المترل ، القواء : الخالي من الأهل ، البيداء الصحراء ، وسمّيت بذلك لأنها تبيد من يسلكها ، أي تهلكه. سملق : الأرض الّتي لا تنبت شيئا مطلقا.

(٢) هو لمغيرة بن حبناء.

٦٦٧

واحترزت بالمحض من النفي التإلى للتقرير ، نحو : ألم تأتني فأحسن إليك ، إذا لم ترد الاستفهام الحقيقيّ ، لأنّ ذلك يتضمّن ثبوت الفعل ، فيمتنع نصب المضارع في جوابه لعدم تمحّض النفي ، وما ورد منه منصوبا فلمراعاة صورة النفي وإن كان تقريرا ، أو لأنّه جواب الاستفهام وعن النفي المتلوّ بنفي آخر نحو : ما تزال تأتينا فتحدّثنا ، والنفي المنتقض بإلا نحو : ما تأتينا إلا فتحدّثنا ، فيمتنع النصب فيهما أيضا ، بخلاف ما لو كان الانتقاض بعد الفعل ، نحو : ما تأتينا فتحدّثنا إلا في الدار ، ويتفرّع على ذلك ما ، إذا قلت : ما جاءني أحد إلا زيد فأكرمه ، فإن جعلت الهاء لأحد نصبت لتقدّم الفعل على انتقاض النفي ، وإن جعلتها لزيد رفعت لتأخّره عنه.

ويشمل الطلب الأمر والنهي والدعاء والعرض والتحضيض والتمنّي والاستفهام فهو مع الفاء نحو : زرني فأكرمك ، وقوله تعالى : (لا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي) [طه / ٨١] ، وقول الشاعر [من الرمل] :

٧٠٧ ـ ربّ وفّقني فلا أعدل عن

سنن السّاعين في خير سنن (١)

وقوله [من البسيط] :

٧٠٨ ـ يا ابن الكرام ألا تدنو فتبصرها

قد حدّثوك فما راء كمن سمعا (٢)

وقولك : هلّا اتّقيت الله فيغفر لك ، وقوله تعالى : (يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ) [النساء / ٧٣] ، قوله تعالى : (فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا) [الأعراف / ٥٣] ، ومع الواو نحو قول الشاعر [من الوافر] :

٧٠٩ ـ فقلت أدعي وأدعوا أنّ أندي

لصوت أن ينادي داعيان (٣)

قولك : لا تأكل السمك وتشرب اللبن على معنى لا يكن منك أكل السمك مع شرب اللبن ، فيكون الكلام نهيا عن الجمع بينهما وقوله [من الكامل] :

٧١٠ ـ لا تنه عن خلق وتأتي مثله

عار عليك إذا فعلت عظيم (٤)

وقس على ذلك. ويشترط في النهي عدم النقض بإلا فلو نقض بما لم يجز النصب ، نحو : لا تضرب إلا عمرا فيغضب ، فيجب في يغضب الرفع ، قاله ابن هشام في شرح الشذور تبعا لسبيويه. وفي الاستفهام أن لا تكون بأداة تليها جملة اسميّة ، خبرها جامد ، فيمتنع النصب في نحو : هل أخوك زيد فأكرمك ، بخلاف هل أخوك قائم فأكرمه.

__________________

(١) لم ينسب البيت لقائل معيّن.

(٢) البيت مجهول القائل.

(٣) اختلف العلماء في نسبه هذا البيت فنسب إلى الأعشى والحطيئه ودثار بن شيبيان النمري ، اللغة : أندي : أفعل تفضيل من الندي ، وهو بعد الصوت.

(٤) البت لأبي الأسود الدؤلي ، أو للمتوكل الكناني.

٦٦٨

تنبيهات : الأوّل : يلحق بالنفي التشبيه الواقع موقعه ، نحو : كأنّك وال علينا فتشتمنا ، تقديره ما أنت وال علينا فتشتمنا ، قاله في التسهيل. قال أبو حيّان : وهذا شيء زعمه الكوفيّون ، ولا يحفظه البصريّون ، ولا يكون كأنّ أبدا إلا للتشبيه. وذكر ابن سيدة وابن مالك أنّه ربّما نفي بقد ، فينصب الجواب بعدها ، وحكي عن بعض الفصحاء : قد كنت في خير فنعرفه بالنصب ، يريد ما كنت في خير فنعرفه.

الثاني : يعتبر في الطلب أن يكون بصريح الفعل ، فإن دلّ عليه باسم فعل أو خبر ، لم يجز النصب ، نحو : صه فأكرمك ، ونحو : حسبك الحديث فينام الناس. هذا مذهب الجمهور ، وجوّزه الكسائيّ قياسا مطلقا ، وفصّل ابن جنيّ وابن عصفور ، فأجازا النصب بعد اسم الفعل ، إذا كان من لفظ الفعل ، نحو : نزال فنحدّثك ، ومنعناه إذا لم يكن من لفظه ، نحو : صه فنكرمك. قال ابن هشام : وما أجدر هذا القول بأن يكون صوابا ، قال أبو حيّان : الصواب أنّ ذلك لا يجوز ، لأنّه غير مسموع من كلام العرب.

الثالث : اختلف النحاة في الرجاء ، هل له جواب ، فينصب الفعل بعد الفاء جوابا له؟ فذهب البصريّون إلى أنّ الترجّي في حكم الواجب ، وأنّه لا ينصب الفعل بعد الفاء جوابا له ، وذهب الكوفيّون إلى جواز ذلك ، قال ابن مالك : وهو الصحيح ، قال تعالى : (وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى* أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى) [عبس / ٣ و ٤] ، وقال تعالى : (لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ* أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ) [غافر / ٣٧ و ٣٦] ، في قراءة من نصب فيهما.

قال أبو حيّان : يمكن تأويل الآيتين بأنّ النصب فيهما من العطف على التوهّم ، لأنّ خبر لعلّ كثر في لسان العرب دخول أن عليه ، قاله في الهمع.

ويمكن تأويل الآية الثانية أيضا إمّا على أنّه جواب للأمر ، وهو : (ابْنِ لِي صَرْحاً) [غافر / ٣٦] ، أو على العطف على الأسباب على حدّ قولها [من الوافر] :

٧١١ ـ ولبس عباءه وتقرّ عيني

 ... (١)

ذكره في المغني.

الرابع : الخلاف في الفاء والواو كالخلاف في أو ، من أنّ ما بعدهما منصوب بالمخالفة أو بهما ، والصحيح ما ذكره المصنّف ، كما تقدّم.

الخامس : «حتّى» إذا كانت بمعنى إلى الغائية بأن يكون ما بعدها غاية لما قبلها ، أو بمعنى كي السببيّة بأن يكون ما بعدها سببا لما قبلها ، واحترز بذلك عن العاطفة والابتدائيّة ، ولا ينصب المضارع بأن مضمرة بعدها ، إلا إذا أريد به الاستقبال تحقيقا ، نحو : (لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى) [طه / ٩١] ، فإنّ يرجع مراد به

__________________

(١) تقدّم برقم ٦٩٧.

٦٦٩

الاستقبال حقيقة ، لأنّ رجوع موسى ـ على نبينا وآله وعليه السّلام ـ مستقبل بالنظر (١) إلى تكلّمهم بذلك أو حكاية ، نحو : (وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ) [البقرة / ٢١] ، بنصب يقول في قراءة غير نافع (٢) ، فإنّ يقول مراد به لاستقبال حكاية لا تحقيقا ، لأنّ قول الرسول ماض بالنسبة إلى زمن الأخبار وقصّه علينا ، إلا أنّه حكي استقباله بالنظر إلى الزلزال.

واحترز بذلك عمّا إذا أريد به الحال ، فإنّها حينئذ تكون ابتدائية ، ويجب رفع المضارع بعدها على ما سنبيّنه. وقوله : «نحو أسير حتّى تغرب الشمس» مثال لحتّى بمعنى إلى ، أي إلى أن تغرب الشمس «وأسلمت حتّى أدخل الجنّة» مثال لها بمعنى كي ، أي أسلمت كي أدخل الجنة ، وهذان المعنيان هما اللّذان ذكرهما معظم النّحاة لحتّى هذه.

وزاد ابن مالك أنّها تكون بمعنى إلا الاستثنائيّة في الانقطاع وعلى تقدير ثبوته ، فهو قليل ، وأنشد على ذلك قوله [من الكامل] :

٧١٢ ـ ليس العطاء من الفضول سماحة

حتّى تجود وما لديك قليل (٣)

وقوله [من الرجز] :

٧١٣ ـ والله لا يذهب شيخي باطلا

حتّى أبير مالكا وكاهلا (٤)

لأنّ ما بعدهما ليس غاية لما قبلهما ولا مسبّبا عنه ، وإنّما لم يعترض المصنّف في الأصل لهذا المعنى لقلّته لذهابه إلى ما هو المشهور.

«فإن أردت» بالمضارع الداخل عليه حتّى زمان «الحال» تحقيقا ، نحو : سرت حتّى أدخل البلد ، إذا قلت ذلك وأنت في حالة الدخول ، أو حكاية ، نحو : سرت حتّى أدخله ، إذا قلته بعد حصول السير والدخول مخبرا عن ذلك حاكيا لحالة الدخول. وقد يؤوّل الاستقبال بالحال بأن يكون ما بعد حتّى لم يقع ، لكنّك متمكّن من إيقاعه في الحال ، نحو : سرت حتّى أدخلها ، أي فأنا الآن متمكّن من دخولها لا أمنع من ذلك «كانت» حتّى عند هذه الإرادة «حرف ابتداء» أي حرفا تبتدئ الجمل بعده ، وتستأنف ، ويرفع المضارع بعدها بثلاثة شروط.

أحدها : أن يكون حالا أو مؤوّلا به كما مرّ.

الثاني : أن يكون مسبّبا عمّا قبلها ، فلا يجوز سرت حتّى تطلع الشمس ، لأنّ طلوع الشمس لا يتسبّب عن السير.

__________________

(١) من الآية الشريفة حتّى هنا سقط في «ح».

(٢) في قراءة غير نافع سقط في «ح».

(٣) هو للمقنع الكندي. اللغة : الفضول : جمع فضل وهو بمعنى الزيادة. السماحه : السخاوة.

(٤) هو لامري القيس. اللغة : أبير : أهلك. يقسم فيه إلا يذهب دم أبيه باطلا حتّى يبيد القبيلتين الجانيتين عليه.

٦٧٠

الثالث : أن يكون فضلة ، فلا يجوز سيري حتّى أدخلها ، لئلا يبقى المبتدأ بدون الخبر ، ولا في نحو : كان سيري حتّى أدخلها إن قدّرت كان ناقصة. فإن قدّرت تامّة ، جاز الرفع. قال ابن هشام في حاشيه التسهيل : تلخيص مسألة حتّى بأسهل طريق أن يقال : إن صلح المضارع بعدها لوقوع الماضي موقعه جاز فيه الرفع والنصب ، نحو : (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ) [البقرة / ٢١٤] ، وإلا فإن كان حاضرا فالرفع ، أو مستقبلا فالنصب ، انتهى.

تنبيه : ما ذكره المصنّف من أنّ النصب مضمرة بعد حتّى هو مذهب البصريّين ، وهو الصحيح. وقال الكوفيّون : هو حتّى نفسها ، وسيأتي الكلام على ذلك في حديقة المفردات ، إن شاء الله تعالى.

فائدة : من أحكام حتّى أنّها لا يفصل بينها وبين الفعل بشيء ، وجوّز الأخفش وابن السّراج فصلها بظرف ، نحو : أقعد حتّى عندك يجتمع الناس ، وبشرط ماض ، نحو :

أصحبك حتّى إن قدّر الله أتعلّم العلم. وجوّزه هشام بالقسم والمفعول والجارّ والمجرور ، نحو : أسير حتّى إليك يجتمع الناس ، قاله في الهمع.

قال الرضيّ : ولا يجوز الفصل اتّفاقا بين أن ولن وكي ومنصوباتها ، لأنّها الناصبة بأنفسها ، ولا يفصل بين العامل الحرفيّ ومعموله ، كذا لا يفصل بين الواو والفاء واللام وبين ما انتصب بعدها لكونها على حرف واحد.

جزم المضارع

ص : فصل : الجوارم نوعان :

فلأوّل : ما يجزم فعلا واحدا ، وهو أربعة أحرف : «اللّام» و «لا» الطلبيّتان ، نحو :

ليقم زيد ، ولا تشرك بالله و «لم» و «لمّا» ويشتركان في النّفي والقلب إلى الماضي ، ويختصّ «لم» بمصاحبة أداة الشرط ، نحو : إن لم تقم أقم ، وبجواز انقطاع نفيها ، نحو : لم يكن ثمّ كان. ويختصّ «لمّا» بجواز حذف مجزومها ، نحو : قاربت المدينه ولمّا. وبكونه متوقّعا غالبا. كقولك : لمّا يركب الأمير ، للمتوقّع ركوبه.

الثاني : ما يجزم فعلين وهو : «إن» و «إذما» و «من» و «ما» و «متّى» و «أيّ» و «أيّان» و «أين» و «أنّى» و «حيثما» و «مهما» : فالأوّلان حرفان ، والبواقي أسماء على الأشهر ، وكلّ واحد منها يقتضي شرطا وجزاء ، ماضيين أو مضارعين ، أو مختلفين ، فإن كان مضارعين أو الأوّل فالجزم ، وإن كان الثاني وحده ، فوجهان ، وكلّ

٦٧١

جزاء يمتنع جعله شرطا «فالفاء» لازمة له ، كأن يكون جملة اسمية أو انشائية أو فعلا جامدا أو ماضيا مقرونا بقد ، نحو : إن تقم فأنا أقوم أو فأكرمني ، أو فعسى أن أقوم ، أو فقد قمت.

مسألة : وينجزم بعد الطلب : بإن» مقدرّة مع قصد السّببيّة ، نحو : زرني أكرمك ، ولا تكفر تدخل الجنّة ، ومن ثمّ امتنع لا تكفر تدخل النار ، بالجزم لفساد المعنى.

ش : هذا فصل في الكلام على جوازم المضارع ، والجوازم نوعان :

فالنوع «الأوّل ما يجزم فعلا واحدا» وظاهر أنّ المراد بقوله : ما يجزم هنا وفي مقابلة الآتي ما يجزم بالإصالة ، وإلا فكلّ جازم يجزم بالتبعيّة ما لا ينحصر ، وهو أربعة أحرف لا غير بدليل الاستقراء.

أحدها والثاني : «اللام ولا الطلبيّتان» أي الدالّتان على الطلب ، فدخل في ذلك لام الأمر «نحو : ليقم زيد» ولام الدعاء ، نحو : (لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ) [الزخرف / ٧٧] ، ولا الناهية نحو : (لا تُشْرِكْ بِاللهِ) [لقمان / ١٣] ، ولا الدعائية ، نحو : (لا تُؤاخِذْنا) [البقرة / ٢٨٦].

وحركة اللام الطلبيّة الكسر ، وفتحها لغة سليم ، وتسكن غالبا بعد الواو والفاء وثمّ ، وجزمها فعل المتكلّم مبنيّا للفاعل قليل ، سواء كان المتكلّم مفردا كقوله (ع) : قوموا فلأصلّ بكم (١) أو معه غيره ، نحو قوله تعالى : (وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ) [العنكبوت / ١٢] ، لأنّ المتكلّم لا يأمر نفسه ، وأقلّ منه جزمها فعل الفاعل المخاطب كقراءة عثمان (٢) وأبي (٣) وأنس وزيد فبذلك فلتفرحوا [يونس / ٥٨]. وقوله (ع) : لتأخذوا مصافكم (٤).

والأكثر الاستغناء عن هذا بفعل الأمر ، نحو : افرحوا وخذوا وقوموا ، وإذا انتفت الفاعلية نحو : ليعن بحاجتي أو الخطاب ، نحو : ليقم زيد أو كلاهما ، نحو ، ليعن زيد بحاجتي ، وجبت اللام ، وقد تحذف في الشعر فقط على الصحيح ، نحو قوله [من الطويل] :

٧١٤ ـ فلا تستطل منّي بقائي ومدّتي

ولكن يكن للخير منك نصيب (٥)

__________________

(١) روي فنصلّ ، سنن الترمذي ١ / ٤٥٥ ، رقم ٢٣٤.

(٢) عثمان بن سعيد بن عدّي المصري ، من كبار القرّاء ، غلب عليه لقب «ورش» أصله من قيروان ومولد ووفاته بمصر سنة ١٩٧ ه‍. الأعلام للزركلي ، ٤ / ٣٦٦.

(٣) أبي بن قيس بن عبيد ، صحابي أنصاري ، أمره عثمان بجمع القرآن ، فاشترك في جمعه ، وفي الحديث ، أقرأ أمّتي أبّي بن كعب ، مات بالمدينه سنة ٢١ ه‍ المصدر السابق ، ١ / ٧٨.

(٤) ما وجدت الحديث في المصادر.

(٥) البيت مجهول القائل.

٦٧٢

ولا تفصل عن معمولها ولا بغيره ، وليس أصل لا الطلبيّة لام الأمر زيدت عليها الألف ، فانفتحت خلافا لبعضهم ، وليست لاء النافية والجزم بعدها بلام الأم مقدّرة حذفت كراهة اجتماع لامين خلافا للسهيّلي ، لأنّ ذلك دعوي لا يقوم على صحّتها دليل ، وجزمها فعل المتكلّم مطلقا نادر كقوله [من البسيط] :

٧١٥ ـ لا أعرفن ربربا حورا مدامعها

 ... (١)

وقوله [من الطويل] :

٧١٦ ـ إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد

 ... (٢)

وقولك : لا أخرج ولا نخرج ، وما وقع في الأوضح من التفصيل بين كونه مبنيّا للفاعل فقليل ، أو مبنيّا للمفعول فكثير فطريقة لبعضهم ، قاله بعض المحقّقين.

وجزمها فعل الغائب والمخاطب كثير قال الرضّي : على السواء ، ولا يختصّ بالغائب كاللام ، وقال أبو حيّان في الإرتشاف : الأكثر كونها للمخاطب ، ويضعف كونها للغائب كالمتكلّم ، ومن أمثلته : (فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) [الإسراء / ٣٣] ، (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ) [آل عمران / ٢٨]. وهل فصلها عن معمولها بمعموله قليل أو ضرورة؟ خلاف ، حكاه في الإرتشاف ، ومنه قوله [من الطويل] :

٧١٧ ـ وقالوا أخانا لا تخشّع لظالم

عزيز ولا ذا حقّ قومك تظلم (٣)

أي ولا تظلم ذا حقّ قومك.

قال في شرح الكافية : وهذا رديّ ، لأنّه شبّه بالفعل بين حرف الجرّ ومجروره ، وجوّز ابن عصفور والأبذيّ حذف مجزومها وإبقاؤها لدليل ، نحو : أكرم زيدا إن جاءك ، وإلا فلا ، وهو حسن.

الثالث : لم ، نحو (لَمْ يَلِدْ) [التوحيد / ٣].

والرابع : «لمّا» ، نحو (لَمَّا يَقْضِ) [عبس / ٢٣]. والجمهور على أنّها مركّبة من لم الجازمة وما الزائدة كما في أمّا ، وقيل : بسيطه.

ما تشترك فيه لم ولمّا وما تتفرد به كلّ : «ويشتركان» أي لم ولمّا «في» أمور الحرفيّة والاختصاص بالمضارع والجزم و «النفي والقلب إلى الماضي» وجواز دخول همزة

__________________

(١) تمامه «كأنّ أبكارها نعاج دوّار» ، وهو للنابغة الذبياني. اللغة : الربرب : القطيع من بقر الوحش ، دوار : اسم موضع.

(٢) تمامه «لها أبدا مادام فيها الجزاضم» ، وهو للفرزدق ، أو لوليد بن عقبه. اللغة : الجاضم. الأكول الواسع البطن.

(٣) لم يعيّن قائله.

٦٧٣

الاستفهام عليهما. وكلّ منها حرف يختصّ بالمضارع ، ويجزمه ، وينفي معناه ، ويقلب زمانه إلى المضي وفاقا للمبرّد ، وأكثر المتأخرين ، وهو ظاهر مذهب سيبويه.

وذهب قوم منهم الجزوليّ إلى أنّه يدخل على لفظ الماضي فيقلبه إلى المضارع ، ونسبه بعضهم إلى سيبويه ، ووجّهوه بأنّ المحافظة على المعنى أولى من المحافظة على اللفظ ، قال المراديّ في الجني الدانيّ : والأوّل هو الصحيح ، لأنّ له نظيرا ، وهو المضارع الواقع بعد لولا ، والقول الثاني لا نظير له.

«وتختصّ لم بمصاحبه أداة الشرط ، نحو : إن لم تقم أقم» بخلاف لمّا ، فلا تصاحبها ، فلا يجوز : إن لما تقم. قال الرضيّ : كأنّه لكونها فاصلة قويّة بين العامل الحرفي أو شبهه ومعموله ، انتهى.

ويريد بشبه الحرف أسماء الشرط كمن ، تقول : من لم يكرمني أهنه ، ولا تقول : من لمّا يكرمني. قال الدمامينيّ : وهذا تصريح منه بأنّ حرف الشرط هو العامل للجزم في المضارع المقترن بحرف النفي مثل : إن لم تقم. وليس كذلك ، انتهى.

وعلّل ذلك غير الرضيّ بأنّ الشرطية يليه مثبت لم ، تقول : إن قام زيد قام عمرو. ولا يليه مثبت لمّا ، لا تقول : إن قد قام زيد ، فعودل بين النفي والإثبات. وإنّما لم يقع قد بعد الشرط ، لأنّها تقتضي تحقيق وقوعه تقريبه من الحال ، والشرط يقتضي احتمال وقومه وعدمه وقلبه إلى الاستقبال ، قاله في التصريح.

«و» تختصّ لم أيضا «بجواز انقطاع نفيها» عن الحال. لأنّها لمطلق الانتقاء فيكون للمتّصل به نحو : (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) [مريم / ٤] ، ولغيره نحو : هذا «لم يكن ثمّ كان» بخلاف لمّا ، لا يقال : لما يكن ثمّ كان ، بل لمّا يكن وقد يكون.

وذلك لأنّ امتداد النفي واستمراره إلى زمن التّكلّم يمنع من الإخبار بأنّ ذلك المنفيّ المستمرّ نفيه وجد في الماضي ، نعم الإخبار بأن سيكون فيما يستقبل صحيح ، ولا ينافي استمرار النفي إلى الحال. قال الدمامينيّ في التحفة : ومنع الأندلسيّ اختصاص لم بذلك ، وقال : لم ولمّا سيّان في جواز الانقطاع. قال الرضيّ : والظاهر ما قاله النحاة.

وتختصّ لم أيضا بأنّها قد تهمل حملا على ما وقيل لا كقوله [من البسيط] :

٧١٨ ـ لولا فوارس من نعم وأسرتهم

يوم الصّليفاء لم يوفون بالجار (١)

__________________

(١) البيت مجهول القائل. اللغة : الفوارس جمع الفارس : الماهر في ركوب الخيل. نعم : اسم قبيلة. الصليفاء : اسم موضع وقع فيه الحرب.

٦٧٤

وهل هو ضرورة أو لغة؟ خلاف. بخلاف لمّا. ولا تهمل ، وبأنّها قد تنصب في لغة حكاها اللحيانيّ كقراءة بعضهم : (أَلَمْ نَشْرَحْ) [الشرح / ١] ، بفتح الحاء ، وقوله [من الرجز] :

٧١٩ ـ في أيّ يوميّ من الموت أفرّ

أيوم لم يقدّر أم يوم قدر (١)

بفتح الرّاء قال بعضهم : وذلك بالحمل على لن. قال ابن هشام : وفيه نظر ، لأنّ لن لا تحلّ هنا ، وإنّما يصحّ حمل الشيء على ما يحلّ محلّه : انتهى بخلاف لمّا فلا تنصب.

«وتختصّ لمّا بجواز حذف مجزومها» لدليل اختيارا ، «نحو : قاربت المدينة ولمّا» أي ولمّا أدخلها. قال أبو حيّان : وهذا أحسن ما يخرّج عليه قوله تعالى : (وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) [هود / ١١١] في قراءة ابن عامر وحمزة وحفص ، بتشديد نون إنّ وميم لمّا ، أي لمّا ينقص من علمه ، وقد خرّجه على ذلك ابن الحاجب أيضا ، لكنّه قدّره لمّا يهملوا أو يتركوا. قال ابن هشام : الأولى أن يقدّر لمّا يوفوا أعمالهم ، لأنّ ما بعده دليل على أنّ التوفية لم يقع ، وإنّما ستقع ، ولأنّ منفي لمّا متوقّع الثبوت ، انتهى.

ولا يجوز حذف مجزوم لم إلا في الضرورة ، كقوله [من الكامل] :

٧٢٠ ـ إحفظ وديعتك الّتي استودعتها

يوم الأعازب إن وصلت وإن لم (٢)

أي وإن لم تصل ، وإنّما جار ذلك في لمّا دونها ، لأنّ لمّا تقوم بنفسها بسبب أنّها مركّبة من لم وما ، فكان ما

عوّض عن المحذوف ، قاله أبو حيّان. قال غيره : لأنّ مثبتها وهو قد فعل يجوز فيه ذلك بأن يقتصر على قد كقوله [من الكامل] :

٧٢١ ـ ...

 ... وكأن قد (٣)

«و» تختصّ لمّا أيضا «بكونه» أي مجزومها «متوقّعا» ثبوته «غالبا» لا لازما ، «كقولك لمّا يركب الأمير ، للمتوقّع ركوبه» أي إلى الآن لم يركب ، وسوف يركب بخلاف لم ، فلا يكون منفيّها متوقّعا ، ولهذا يقال : لم يقض ما لا يكون ، دون لمّا ، وهذا معنى قولهم : لم لنفي فعل ، ولمّا لنفي قد فعل. وقد يكون منفيها غير متوقّع في غير الغائب ، نحو : ندم إبليس ، ولمّا ينفعه الندم. واختصاص لمّا بذلك غالبا بالنسبة إلى المستقبل ، وأمّا بالنسبة

__________________

(١) هو للحارث بن منذر.

(٢) هو لابراهيم بن هرمه. اللغة : الوديعة ، العهد. استودعتها : مجهول مخاطب من استودعتها وديعة أي استحفظته إيّاها. يوم الأعازب : يوم معهود بينهم.

(٣) هو من بيت للنابغة الذبياني وتمامه.

أزف الترحّل غير أنّ ركابنا

لما تزل برحالنا وكأن قد.

اللغة : أزف : دنا. الترحّل : الرحيل ، الركاب : المطايا ، لما تزل : لما تفارق بعد. الرحال : ما يوضع على ظهر المطية لتركب ، كأن قد أي كأن قد زالت لاقتراب موعد الرحيل.

٦٧٥

إلى الماضي فهي ولم سيّان في نفي المتوقّع وغيره ، مثال المتوقّع أن تقول : مإلى قمت فلم تقم أو فلمّا تقم ، ومثال غير المتوقّع أن تقول : إبتداء لم يقم أو لمّا يقم ، قاله في المغني.

الجوازم الّتي تجزم فعلين : النوع الثاني من الجوازم ما يجزم فعلين ، وهو إحدى عشرة كلمة ، وهي : «إن» ، وهي أمّ الباب ، ولذلك قدّمها «وإذما» وأنكر القوم الجزم بها ، وخصّوه بالضرورة ، وهما موضوعان لمجرّد تعلى ق الجواب بالشرط ، نحو : (وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ) [الأنفال / ١٩] ، وإذا ما تقم أقم.

«ومن» وهي موضوعه للعاقل ، ثمّ ضمنّت معنى الشرط ، نحو : (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) [النساء / ١٢٣]. «وما» وهي موضوعة لغير العاقل ، ثمّ ضمّنت معنى الشرط ، نحو : (وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ) [البقرة / ١٩٧] ، «ومتى» وهي موضوعة للزمان ثمّ ضمّنت معنى الشرط ، نحو : [من الوافر] :

٧٢٢ ـ ...

متي أضع العمامة تعرفوني (١)

«وأيّ» وهي بحسب ما تضاف إليه ، فتكون للعاقل في نحو : أيّهم يقم أقم معه ، ولغيره في نحو : أيّ الدوابّ تركب أركب ، وللزمان ، نحو : أيّ يوم تصم أصم ، وللمكان ، نحو : أيّ مكان تجلس أجلس. «وأيّان» وهي كمتى ، نحو : قوله [من البسيط] :

٧٢٣ ـ أيّان نؤمنك تأمن غيرنا وإذا

لم تدرك الأمن منّا لم تزل حذرا (٢)

وأين وأنّى وحيثما ، وهي موضوعة للمكان ، ثمّ ضمّنت معنى الشرط ، نحو : (أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ) [النساء / ٧٨] وقوله [من الطويل] :

٧٢٤ ـ خليلّي أنّي تأتياني تأتيا

أخا غير ما يرضيكما لا يحاول (٣)

وقوله [من الخفيف] :

٧٢٥ ـ حيثما تستقم يقدّر لك الله

نجاحا في غابر الأزمان (٤)

«ومهما» وهي بسيطة لا مركّبة من مه وما الشرطية خلافا للأخفش ، ولا من ما الشرطيّة وما الزائدة ، ثمّ أبدلت الها من الألف الأولى دفعا للتكرار خلافا للخليل ، و

__________________

(١) صدره «أنا ابن جلاو طلاع الثنايا» ، لسحيم بن وثيل الرياحي. اللغة : جلا : أصله فعل ماض ، فسمّي به كما سمّي بيزيد ويشكر ويقم ، فهو الآن علم ، وقيل : هو باق على فعليته. قال سيبويه : جلا فعل ماض ، كأنّه بمعنى جلا الأمور أي أوضحها وكشفها. لسان العرب ١ / ٦٤٧. طلّاع : مبالغة لطالع ، الثنايا : جمع ثنية ، وهي الطريق في الجبل.

(٢) لم ينسب إلى قائل معين. اللغة : نومك : نعطك الأمان. حذرا : خائفا.

(٣) لم يعين قائله.

(٤) البيت مجهول القائل. اللغة : تستقم : تعتدل ، وتأخذ في الطريق السوي ، الغابر : الباقي.

٦٧٦

على القول بالبساطة ينبغي أن يكتب بالياء كحبلي ، وعلى القولين الأخرين ينبغي أن يكتب بالألف. وهي موضوعة لغير العاقل كما في نحو قوله [من الطويل] :

٧٢٦ ـ ومهما تكن عند امرئ من خليقة

وإن خالها تخفى على الناس تعلم (١)

فعلم أنّ هذه الأدوات بالنظر لموضوعها ستّة أنواع : ما وضع لمجرّد التعليق ، وهي إن وإذا وما ، وما وضع للعاقل وهو من ، وما وضع لغير العاقل ، وهو ما ومهما ، وما وضع للزمان ، وهو متى وأيّان ، وما وضع للمكان ، وهو أين وأنّى وحيثما ، وما هو بحسب ما يضاف إليه وهو أيّ.

«فالأوّلان» وهما إن وإذما «حرفان والبواقي أسماء على الأشهر» أي أشهر الأقوال من أنّ الأولين حرفان ، والبواقي أسماء ، أمّا القول بحرفيّة إن فمجمع عليه ، وأمّا إذا فقال سيبويه : إنّها حرف بمترلة إن الشرطيّة ، فإذا قلت : إذ ما تقم أقم ، فمعناه إن تقم أقم. وقال المبرّد وابن السرّاج والفارسيّ : إنّها اسم ظرف زمان ، وأصلها إذ الّتي هي ظرف لما مضي ، فزيد عليها ما وجوبا في الشرط ، فجزم بها ، واحتجّوا بأنّها قبل دخول ما كانت اسما ، والأصل عدم التغيير ، وأجيب بأنّ التغيير قد تحقّق بدليل أنّها كانت للماضي فصارت للمستقبل فدلّ على أنّه نزع منها ذلك المعنى ألبتّة.

واعترض عليه بأنّه لا يلزم من تغيير زمانها تغيير ذاتها كالمضارع ، فإنّه موضوع لأحد الزمانين الحال والاستقبال ، وإذا دخل عليه لم ينقلب زمانه إلى المضي مع بقاء ذاته على أصلها ، قال في الهمع ، واستدلّ سيبويه بأنّها لمّا ركّبت مع ما ، صارت معها كالشيء الواحد ، فيبطل دلالتها على معناه الأوّل بالتركيب ، وصارت حرفا ، قال : ونظير ذلك أنّهم لمّا ركّبوا حبّ مع ذا ، فقالوا : حبّذا ، بطل معنى حبّ من الفعلية ، وصارت مع ذا جزء الكلمة ، وصارت حبّذا كلّها اسما بالتركيب ، وخرجت عن أصل وضعها بالكليّة.

وأمّا البواقي غير مهما فالقول باسميّتها مجمع عليه. وأمّا مهما فقال الجمهور : إنّها اسم ، والدليل عليه قوله تعالى : (مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها) [الأعراف / ١٣٢] ، فعاد الضمير المجرور به عليها ، ولا يعود الضمير إلا على الاسم. وزعم السهيليّ وابن يسعون أنّها حرف.

تنبيهات : الأوّل : فهم من كلامه أنّ الجزم بإذ وحيث مخصوص باقتران ما بهما كما لفظ به ، وهو كذلك على الأصحّ خلافا للفرّاء في جواز الجزم بهما بدونها قياسا على أين وأخواتها ، وأمّا غيرهما فقسمان : قسم لا يلحقه ما ، وهو من وما ومهما ، وأجازه

__________________

(١) البيت لزهير بن أبي سلمي من معلقته المشهورة. اللغة : الخليقة : الخصلة والسجية ، والطبيعه ، خالها : ظنّها وحسبها.

٦٧٧

الكوفيّون في من وأنّى ، وقسم يجوز فيه الأمران ، وهو أين وأيّ ومتى وأيّان ، ومنع بعضهم في أيّان ، والصحيح الجواز.

الثاني : قال ابن مالك : قد تهمل إن حملا على لو كحديث : إن لا تراه فإنّه يراك (١) ، ومتى حملا على إذا كحديث البخاري : وإنّه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس (٢). قال أبو حيّان : وهذا شيء غريب.

الثالث : أسقط المصنّف من الجوازم ما ذكره بعضهم ، وهو إذا وكيفما ولو ، لأنّ المشهور في إذا أنّها لا تجزم إلا في الشعر خاصّة كقوله [من الكامل] :

٧٢٧ ـ ...

وإذا تصبك خصاصة فتجمّل (٣)

وفي كيفما عدم الجزم بها لعدم السماع بذلك ، وأجاز الكوفيّون الجزم بها مطلقا قياسا على غيرها ، وخصّه قوم بحالة اقترانها بما ، وأمّا لو فالأصحّ أنّها لا تجزم أصلا ، ومن أجازه خصّه بالشعر كقوله [من الرمل] :

٧٢٨ ـ لو يشأ طار به ذو ميعة

 ... (٤)

وقوله [من البسيط] :

٧٢٩ ـ تامت فؤادك لو يحزنك ما صنعت

إحدى نساء بني ذهل بن شيبانا (٥)

«و» هذه الأدوات «كلّ منها يقتضي» فعلين ، يسمّى أولهما «شرطا» وهو لغة العلّامة ، سمّي به الفعل الأوّل لكونه علامة على ترتّب الثاني عليه ، ويسمّى الثاني «جزاء» وجوابا. قال أبو حيّان : والتسمية بالجزاء والجواب مجاز ، ووجهه أنّه شابه الجزاء من حيث كونه فعلا مترتّبا على فعل آخر ، فاشبه حقيقة الجزاء الّذي هو الفعل المترتّب على فعل آخر ثوابا عليه أو عقابا ، وشابه الجواب من حيث كونه لازما عن القول الأوّل ، فصار كالجواب الآتي بعد كلام السائل ، انتهى.

تنبيه : ما ذكره من أنّ هذه الأدوات جازمة للشرط والجزاء معا هو مذهب المحقّقين من البصريّين ، وعزاه السيرافيّ لسيبويه ، واختاره الجزوليّ وابن عصفور والأبذيّ. واعترض بأنّ الجازم كالجارّ ، فلا يعمل في شيئين ، وبأنّه ليس لنا ما يتعدّد عمله إلا ويختلف كرفع ونصب ، وأجيب بالفرق بأنّ الجازم لمّا كان لتعليق حكم على آخر ، عمل

__________________

(١) صحيح مسلم ١ / ٥٤ ، رقم ٥.

(٢) النسائي ، ٢١٢ ، رقم ٨٢٩.

(٣) صدره «واستغن ما أغناك ربك بالغنا» ، وهو نسب لعبد قيس بن خفاف ولحارثة بن بدر. اللغة : الخصاصة : الفقر وسوء الحال.

(٤) تمامه «لا حق الآطال نهد ذو خصل» ، نسب هذا البيت لعلقمة الفحل ولامرأة من بني الحارث. اللغة : الميعة : النشاط. لاحق الأطال : ضامر الجنبين. النهد : الكريم ، الخصل : جمع الخصلة : الشعر المجتمع.

(٥) هو للقيط بن زرارة. اللغة : تامت : تيّمت. وهو ذهاب العقل من الهوي.

٦٧٨

فيهما بخلاف الجارّ ، وبأنّ تعدّد العمل قد عهد من غير اختلاف كمفعولي ظنّ ومفاعيل أعلم.

وقيل : الشرط مجزوم بالأداة ، والجزاء مجزوم بالشرط ، كما أنّ المبتدأ مرفوع ، بالابتداء ، والخبر مرفوع بالمبتدإ ، قاله الأخفش ، واختاره ابن مالك ، لأنّ الشرط مستدع للجزاء بما أحدثت فيه الأداة من المعنى والاستلزام ، وردّ بأنّ النوع لا يعمل في نفسه ، إذ ليس أحدهما أولى من الآخر ، وإنّما يعمل بمزيّة ، وهو أن يضمّن العامل من غير النوع أو شبهه كعمل الأسماء في الأسماء. وقيل : الشرط والجزاء تجازما كما قال الكوفيّون في المبتدإ والخبر : إنّهما ترافعا : نقله ابن جنيّ عن الأخفش ، وفيه أقوال آخر ، لا نطول بذكرها ، فإنّه خلاف لا ثمرة له ، ولا يترتّب عليه حكم نطقيّ.

وقوله : «ماضيين أو مضارعين» حالان من الشرط والجزاء ، كان ينبغي أن يقول أو «مختلفين» ، فإن كانا ماضيين فالجزم لمحلّهما ، نحو : (وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا) [الأسراء / ١٧] ، وإن كانا مضارعين ، أو كان الأوّل فقط مضارعا والثاني ماضيا فالجزم واجب للفظ المضارع ، فمثال كونهما مضارعين قوله تعالى : (وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ) [الانفال / ١٩] ، (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) [الطلاق / ٢] ، وأمّا قوله [من الرجز] :

٧٣٠ ـ يا أقرع بن حابس يا أقرع

إنّك إن يصرع أخوك تصرع (١)

فضرورة على الأصحّ ، واختلف في تخريج مثل ذلك فقال المبرّد : إنّه على حذف الفاء مطلقا. وفصّل سيبويه بين أن يكون قبله ما يطلبه ، نحو : إنّك في البيت ، فالأولى أن يكون على التقديم والتأخير ، وبين أن لا يكون ، فالأولى أن يكون على حذف الفاء ، وجوّز العكس. وقيل : إن كانت الأداة اسم شرط فعلى إضمار الفاء ، وإلا فعلى التقديم والتأخير ، وردّ كلّ ذلك بأنّ إضمار الفاء مع غير القول مختصّ بالضرورة ، وإنّ التقديم والتأخير يحوج إلى جواب ، ودعوي حذفه وجعل المذكور دليله خلاف الأصل ، وخلاف فرض المسألة ، لأنّ الفرض أنّه الجواب.

ومثال كون الأوّل فقط مضارعا والثاني ماضيا قوله (ع) : من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له (٢). وهذا النوع خصّه سيبويه والجمهور بالضرورة. قالوا : لأنّا إذا أعملنا الأداة في لفظ الشرط ثمّ جئنا بالجواب ماضيا ، كنّا قد هيّأنا العامل للعمل ، ثمّ قطعناه عنه وهو غير جائز ، وأجازه الفرّاء في الاختيار ، وتبعه ابن مالك ، وردّ على

__________________

(١) هو لعمرو خثارم البجلي. اللغة : يصرع : مجهول من الصرع بمعنى الطرح على الأرض ، وهنا كناية عن الهلاك.

(٢) تمام الحديث : ما تقدّم من ذنبه ، صحيح بخاري ١ / ٨١ ، رقم ٨١.

٦٧٩

الجمهور محتجّا بالحديث ، وبقوله تعالى : (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ) [الشعراء / ٤] ، فإنّ قوله : (فَظَلَّتْ) ماض ، وهو معطوف على الجواب ، وهو (نُنَزِّلْ ،) فيكون جوابا ، وأجيب عن الحديث بأنّه تجوّز روايته بالمعنى ، فليس نصّا في الدليل ، وعن الآية بأنّه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع.

وإن كان الفعل الثاني وحده مضارعا والأول ماضيا ، «فالوجهان» جائزان : الجزم والرفع ، فالجزم لتعلّقه بالجازم ، وهو أداة الشرط ، كقوله تعالى : (مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ) [الشوري / ٢٠] ، والرفع لضعف التعلّق لحيلولة الماضي والفصل بغير المعمول ، نحو قوله [من البسيط] :

٧٣١ ـ وإن أتاه خليل يوم مسألة

يقول لا غائب مإلى ولا حرم (١)

والجزم هو الفصيح المختار ، والرفع كثير ، وقال بعضهم : إنّه أحسن من الجزم ، وقيل : ليس المرفوع هو الجواب ، وإنّما هو دليله ، وهو مؤخّر من تقديم ، والجواب محذوف ، والأصل في قولك : إن قام زيد أقوم ، أقوم إن قام زيد أقم ، وهو مذهب سيبويه ، وقيل : هو الجواب ، لكن على إضمار الفاء ، والتقدير فأنا أقوم ، وهو مذهب الكوفيّين ، فعلى قول سيبويه لا محلّ له ، لأنّه مستأنف ، وعلى قول الكوفيّين محلّه الجزم ، ويظهر أثر ذلك في التابع ، فتقول على الأوّل : إن قام زيد أقوم ويقعد أخوك بالرفع لا غير ، وعلى الثاني يقعد أخواك بالرفع عطفا على لفظ الفعل ، وبالجزم عطفا على محلّ الفاء المقدّرة وما بعدها.

تنبيه : حكم المضارع بلم إذا كان شرطا حكم الماضي ، لأنّ مجزوم لم لا عمل للأداة فيه ، فهو كالماضي ، فتقول : إن لم تقم أقم وأقوم بالوجهين.

اقتران الجواب بالفاء : «وكلّ جزاء» يمتنع جعله شرطا فالفاء لازمة له ليحصل الربط بين الجزاء وشرطه ، وخصّت الفاء بذلك لما فيها من معنى السببيّة ، قيل : ولمناسبتها للجزاء معنى من حيث إنّ معناها التعقيب من غير فصل ، كما أنّ الجزاء يتعقّب على الشرط كذلك.

وهذا ضابط حسن في ضبط ما يدخله الفاء ، وقد سبق إليه ابن مالك. قال أبو حيّان : وهو أحسن وأقرب ممّا ذهب إليه بعض أصحابنا من تعداد ما يدخله الفاء ، وهو ستّة ، ذكر المصنّف منها أربعة ، فقال : «كأن يكون» أي الجزاء «جملة اسميّة» أي

__________________

(١) هو لزهير بن أبي سلمى. اللغة : خليل : فقير محتاج ، مأخوذ من الخلة ، وهي الفقر والحاجة ، المسغبة : جوع. ويروى يوم مسالة بمعنى طلب العطاء ، حرم : ممنوع.

٦٨٠

مبدوّة باسم ، أو يكون جملة «إنشائية» غير محتملة للتصديق والتكذيب ، «أو» يكون «فعلا جامدا» كعسى وليس ، أو يكون فعلا «ماضيا مقرونا بقد» لفظا أو تقديرا ، ومثّل لذلك على طريقة اللف والنشر المرتب (١) فقال : «نحو إن تقم فأنا أقوم» ، قيل : ومثله قوله تعالى : (وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الأنعام / ١٧] ، وإن تقم «فأكرمني» ومثله قوله : (فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ) [الجن / ١٣] ، فيمن قرأ بالجزم على أنّ لا ناهية «أو» إن تقم «فعسى أن أقوم» ومثله قوله تعالى : (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ) [الكهف / ٣٩] ، أو إن تقم فقد قمت ، ومثله قوله تعالى : (إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) [يوسف / ٧٧].

ومثال المقرون بقد تقديرا قوله تعالى : (إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ) [يوسف / ٢٦] ، أي فقد صدقت. والّذي لم يذكره المصنّف أن يكون مقرونا بحرف استقبال ، نحو : (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ) [المائدة / ٥٤] ، (وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ) [آل عمران / ١١٥] ، أو مقرونا بحرف له الصدر كما النافيه ، نحو : (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ) [يونس / ٧٢] ، وربّ كقوله [من الوافر] :

٧٣٢ ـ فإن أهلك فذي لهب لظاه

على يكاد يلتهب التهابا (٢)

لما عرفت من أنّ ربّ مقدّرة ، وأنّ لها الصدر.

فهذه ستّ مسائل ، يمتنع جعل الجواب فيها شرطا ، وأفهم كلامه أنّه إذا لم يمتنع جعل الجواب شرطا لم تكن الفاء لازمة له. قال ابن مالك : وإن اقترن بها فعلى خلاف الأصل ، وينبغي أن يكون خبر مبتدإ محذوف ، ولو لا ذلك لحكم بزيادة الفاء وجزم الفعل ، إن كان مضارعا ، لأنّ الفاء على ذلك التقدير زائدة في تقدير السقوط ، لكن العرب التزمت رفع المضارع بعدها فعلم أنّها غير زائدة ، وأنّها داخلة على المبتدإ مقدّر ، كما تدخل على مبتدأ مصرّح به ، ومن ذلك قوله تعالى : (فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً) [الجن / ١٣]. ومثله قراءة حمزة : (أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى) [البقرة / ٢٨٢]. ووقع لابنه في شرح الخلاصة أنّ ما بعد الفاء هو الجواب ، والأوّل هو التحقيق.

__________________

(١) اللفّ والنشر : هو ذكر متعدّد على التفصيل أو الإجمال ثمّ ما لكلّ واحد من غير تعيين ثقة بأن السامع يردّه إليه نحو : (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ)[القصص / ٧٣] انظر : الخطيب القزويني ، شرح المختصر ، الجزء الثاني ، د ط ، منشورات دار الحكمه ، ص ١٥٣.

(٢) هو لربيعة بن مقروم. اللغة : اللظى : النار ، تلتهب : تتوقّد وتشتعل.

٦٨١

تنبيهات : الأوّل : قضية إطلاق المصنّف أنّ الجزاء يكون ماضيا مقرونا بقد أنّه يكون ماضي اللفظ والمعنى ، وهو قول جماعة ، منهم الجزوليّ وابن مالك وابن هشام في أكثر مصنّفاته ، واستشكل بأنّ هذا لا يتمشّى مع القول بأنّ الشرط سبب ، والجزاء مسبّب ، إذ الشرط مستقبل بالفرض ، والجزاء محقّق المضي ، فكيف يكون الماضي مسبّبا عن المستقبل ، وهذا ممّا لا سبيل إليه ، وأجاب ابن الحاجب مع التزام هذه القاعدة بأنّ الجزاء على قسمين : إحدهما أن يكون مضمونه مسبّبا عن مضمون الشرط كما في قولك : إن جئتني أكرمك ، فإنّ مضمون الجزاء هو الإكرام مسبّب عن مضمون الشرط ، وهو المجي ، والثاني أن يكون مضمون الجزاء ليس مسبّبا عن مضمون الشرط ، وإنّما يكون الاخبار به مسبّبا ، نحو : إن تكرمني فقد أكرمتك أمس ، أي إنّ إكرمك لي سبب لأن أخبر بأنّي قد أكرمتك أمس ، وليس الإكرام الواقع بالأمس هو الجواب لاستحالة تسبّبه عن الإكرام الواقع في اليوم ، لكنّ الإخبار بذلك مسبّب على معنى أن اعتددت على بإكرامك إيّاي ، فأنا أيضا أقول : قد أكرمتك أي فأنا أيضا أعيد عليك بإكرامي إيّاك.

وقوله تعالى : (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ) [المائدة / ١١٦] ، و (إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ) [يوسف / ٢٦] ، من هذا القبيل وكذا قوله تعالى : (وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ) [النحل / ٥٣] ، وبيانه أنّ الآية جيء بها لإخبار قوم استقرّت بهم نعم ، جهلوا معطيها ، أو شكّوا فيه ، فكان استقرارها مجهولة أو مشكوكة سببا لإخبارهم بأنّها من الله ، فكأنّه قيل : اعلموا أنّها من عند الله ، فالمسبّب الإخبار بمضمون الجملة لا نفس مضمونها ، حتّى يردّ أنّ الأوّل وهو استقرار النعمة ليس سببا للثاني.

وقال الرضّي : لا نسلم أنّ الشرط سبب ، والجزاء مسبّب ، وإنّما الشرط عندهم ملزوم ، والجزاء لازمة ، سواء كان الشرط سببا ، نحو : لو كانت الشمس طالعة لكان النهار موجودا ، أو شرطا كما في قولك : لو كان لي مال لحججت به ، أو لا شرطا ولا سببا كقولك : لو كان زيد أبي لكنت ابنه ، ولو كان النهار موجودا ، لكانت الشمس طالعة. وقال في موضع آخر : لا يلزم مع الفاء أن يكون الأوّل سببا للثاني ، بل اللازم أن يكون ما بعد الفاء لازما لمضمون ما قبلها كما في الشرط والجزاء ، ففي قوله تعالى : (وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ) [النحل / ٥٣] ، كون النعمة من الله لازمة لحصولها معنى فلا يغرّنك قول بعضهم : إنّ الشرط سبب للجزاء ، انتهى. وهو تحقيق حقيق بالقبول.

الثاني : قد تحذف الفاء في ندور كقوله (ع) لابي بن كعب لمّا سأله عن اللّقطة (١) : فإن

__________________

(١) الشيء الذي تجده ملقي فتأخذه.

٦٨٢

جاء صاحبها وإلا استمتع بها (١) ، أخرجه البخاريّ أو في ضرورة كقوله [من البسيط] :

٧٣٣ ـ من يفعل الحسنات الله يشكرها

 ... (٢)

وزعم الأخقش أنّ حذفها واقع في النثر الفصيح وأنّ منه قوله تعالى : (إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) [البقرة / ١٨٠] ، وعن المبرّد أجازة حذفها في الإختيار ، لكن قال أبو حيّان : في محفوظي قديما أن المبرّد منع من حذفها في الضرورة ، وأنّه زعم في قوله [من البسيط] :

٧٣٤ ـ من يفعل الحسنات الله يشكرها

 ... (٣)

أنّ الرواية من يفعل الخير فالرحمن يشكره قال : وهذا ليس شيء ، لأنّه على تقدير صحّة الراوية لا يطعن ذلك في الراوية الأخرى.

قد تحلّ في بعض المواضع «إذا» محل الفاء : الثالث : يجوز أن تنوب إذا الفجائية عن الفاء في الربط ، لأنّها تشبهها في كونها لا يبتدأ بها ، ولا تقع إلا بعد ما هو معقّب بما بعدها ، وذلك إذا كانت الأداة إن والجواب جملة اسميّة غير إنشائية ولا منفية ولا مصدّرة بأنّ ، نحو : (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ) [الروم / ٣٦] ، فلو كانت إنشائية أو منفية أو مصدّرة بأنّ ، تعيّنت الفاء نحو : إن أطاع زيد فسلام عليه ، وإن قام زيد فما عمرو قائم ، وإن قام زيد فإنّ عمرا قائم.

عطف مضارع على جواب الشرط : الرابع : إذا انقضت جملتا الشرط والجواب ، ثمّ جيء بمضارع مقرون بالفاء أو بالواو ، جاز جزمه بالعطف على الجواب المجزوم لفظا أو محلّا ، ورفعه على الاستئناف ، ونصبه بأن مضمرة وجوبا ، وهو قليل ، كقوله تعالى : (إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ) [البقرة / ١٨٤] ، قرأ عاصم (٤) وابن عامر فيغفر ، بالرفع ، وباقيهم بالجزم وابن عباس (٥) بالنصب.

__________________

(١) مسند أحمد حنبل ٥ / ٩١.

(٢) تمامه «والشرّ بالشرّ عند الله مثلان» ، وهو لكعب بن مالك أو لعبد الرحمن بن حسان.

(٣) تقدّم برقم ٧٣٣.

(٤) عاصم بن أبي النجود ، أحد القرّاء السبعة ، تابعيّ من أهل الكوفة ، كان ثقة في القراءات. الأعلام للزركلي ٤ / ١٢.

(٥) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ، الصحابي الجليل ، لازم رسول الله (ص) وروي عنه الأحاديث الصحيحة ، ينسب إليه كتاب في تفسير القرآن جمعه بعض أهل العلم من مرويّات المفسّرين عنه. مات سنة ٦٨ ه‍. المصدر السابق ص ٢٢٨.

٦٨٣

عطف مضارع على فعل الشرط : وإذا توسّط بين الجملتين مضارع مقرون بالواو والفاء ، قال الكوفيّون : أو ثمّ ، فالوجه الجزم بالعطف على الشرط المجزوم لفظا أو محلا ، ويجوز النصب بأن مضمرة وجوبا كقوله [من الطويل] :

٧٣٥ ـ ومن يقترب منّا ويخضع نؤوه

ولا يخش ظلما ما أقام ولا هضما (١)

حذف فعل الشرط وجوابه : الخامس : يجوز حذف ما علم من شرط أو جواب ، لكن يشترط في الشرط أن يكون بعد أن مقرونة بلا كقوله [من الوافر] :

٧٣٦ ـ فطلّقها فلست لها بكفء

وإلا يعل مفرقك الحسام (٢)

أي وإلا تطلّقها يعل.

وفي الجواب أن يكون شرطه بلفظ الماضي أو مضارع المقرون بلم ، نحو قوله تعالى : (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ) [الانعام / ٣٥] ، أي فافعل ، ولا يجوز أن يكون بصيغة المضارع إلا في الشعر ، وهذا مذهب البصريّين ، وجزم به في التسهيل ، وقد يحذف الشرط والجواب معا بعد أن خاصّة كقوله [من الرجز] :

٧٣٧ ـ قالت بنات العمّ يا سلمى وإن

كان فقيرا معدما قالت وإن (٣)

أي وإن كان كما تصفن فزوّجته ، وخصّه ابن مالك بالضرورة تبعا لابن عصفور ، قال أبو حيّان : ولم ينصّ غيرهما على أنّ ذلك ضرورة ، بل أطلقوا الجواز إذا فهم المعنى.

هذه «مسالة» تتعلّق بهذا الباب «وينجزم» الفعل المضارع «بعد الطلب بإن» الشرطية «مقدّرة» هي وفعل الشرط ، «مع قصد السّببيّة» ، أي سببيّة الطلب للفعل ، بأن يقدّر الفعل مسبّبا عن ذلك الطلب المتقدّم ، كما أنّ فعل الشرط سبب لجزاء الشرط.

ويشمل الطلب الأمر ، «نحو : زرني أكرمك» ، فأكرمك واقع بعد الطلب ، وهو زرني ، وقصد به السّببيّة ، فجزم بأن مقدّرة ، والتقدير : زرني إن ترزني أكرمك ، فالزيارة سبب للإكرام ، والنهي نحو : لا تكفر تدخل الجنّة. التقدير لا تكفر ، إن لا تكفر تدخل الجنّة ، والدعاء نحو : أللهمّ اغفرلي أدخل الجنة ، والاستفهام نحو : هل تزرني أحسن إليك والتمنّي نحو : ليت لي مالا أنفقه ، والعرض نحو : ألا تترل عندنا تصب خيرا ، والتحضيض

__________________

(١) لم ينسب البيت إلى قائل معيّن. اللغة : نؤوه : نترله عندنا ، هضما : ظلما وضياعا لحقوقه.

(٢) البيت للأحوص. اللغة : الكلف : النظير المكافئ المفرق : وسط الرأس. الحسام : السيف.

(٣) البيت منسوب إلى رؤبة بن العجاج. اللغة : المعدم : من لا مال له.

٦٨٤

نحو : لولا تأتينا تحدّثنا ، والتقدير إن تغفر لي أدخل الجنة ، وإن تزرني أحسن إليك وإن يكن لي مال أنفقه ، وإن تترل عندنا تصب خيرا ، وإن تأتنا تحدّثنا.

قال أبو حيّان في الإرتشاف : وسمع الجزم بعد الترجّي ، واستشهد له في شرح التسهيل بقول الشاعر [من الطويل] :

٧٣٨ ـ لعلّ التفاتا منك نحوي ميّسر

يمل بك من بعد القساوة لليسر (١)

تنبيهات : الأوّل : لا فرق في الأمر بين أن يكون صريحا كما مرّ ، أو مدلولا عليه بخبر نحو : اتّق الله امرء خيرا يثب عليه ، أي إن يتّق ، أو اسم فعل كقوله [من الوافر] :

٧٣٩ ـ ...

مكانك تحمدي أو تستريحي (٢)

أي إن تثبتي تحمدي ، أو بجملة اسميّة ، نحو : أين بيتك أزرك ، أي إن تخبرني أزرك ، قال أبو حيّان : وقال بعض أصحابنا : الفعل الخبريّ لفظا ، الأمريّ معنى ، لا ينقاس ، إنّما هو موقوف على السماع ، والمسموع اتّق الله امرء فعل خيرا يثب عليه.

الثاني : ما ذكره من أنّ المضارع مجزوم بعد الطلب بأن مقدّرة هو مذهب الجمهور ، وذهب الخليل وسيبويه وابن خروف إلى أنّه مجزوم بنفس الطلب لما تضّمنه من معنى أنّ الشرطية ، كما أنّ أسماء الشرط إنّما جزمت لذلك ، واختاره ابن مالك ، وجرى عليه ابن هشام في شرح القطر ، وذهب السيرافيّ إلى أنّه بالطلب لنيابته مناب الجوازم الّذي هو الشرط المقدّر ، كما أن النصب بضربا في قولك : ضربا زيدا لنيابته عن اضرب لا لتضمّنه معناه ، وصحّحه ابن عصفور. قال ابن هشام في المغني : والأوّل أرحج من الثاني ، لأنّ الحذف والتضمين وإن اشتركا في أنّهما خلاف الأصل ، لكن في التضمين تغيير معنى الأصل ، ولا كذلك الحذف ، وأيضا فإنّ تضمين الفعل معنى الحرف إمّا غير واقع أو غير كثير ، وأرجح من الثالث ، لأنّ نائب الشيء يؤدّي معناء ، والطلب لا يؤدّي الشرط.

الثالث : إذا لم تقصد السببيّة بعد الطلب وجب رفع المضارع على أنّه حال نحو : (ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) [الأنعام / ٩١] ، أو نعت ، نحو : (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي) [مريم / ٥] ، على قراءة الرفع ، والاستئناف نحو : لا تذهب به تغلب عليه.

«ومن ثمّ» أي ومن أجل اعتبار قصد السببيّة «امتنع» قوله : «لا تكفر تدخل النار بالجزم» لتدخل «فساد المعنى» ، لأنّ عدم الكفر لا يكون سببا لدخول النار ، إذ التقدير إن

__________________

(١) لم يسمّ قائله.

(٢) صدره «وقولي كلّما جشأت وجاشت» ، وهو لعمرو بن الإطنابة. اللغة : جشأت : تطلعت ونهضت جزعا وكراهة ، جاشت : علت من الفزع أو الحزن.

٦٨٥

لا تكفر تدخل إلنار ، ولا يجوز أن يكون التقدير : إن تكفر تدخل النّار ، لأنّ المقدّر يجب أن يكون مثل المظهر نفيا وإثباتا.

هذا مذهب سيبويه وأكثر البصريّين ، وخالف الكسائيّ في ذلك ، قيل : بل الكوفيّون قاطبة ، فأجازوا الجزم في نحو المثال المذكور بتقدير إن تكفر بغير نفي ، واحتجّوا بالقياس على النصب ، نحو : لا تكفر فتدخل النار ، وفي التتريل : (لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ) [طه / ٦١] ، وبقوله : لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض (١) ، وقوله (ع) من أكل من هذه الشجرة فلا يقرب مسجدنا يوذنا (٢) ، وقول أبي طلحة (٣) للنبي (ص) لا تشرف يصبك سهم ، ويروي لا تطاول يصبك.

وأجاب البصريّون بأنّه لو صحّ القياس على النصب لصّح الجزم بعد النفي قياسا على النصب ويضرب مدغم ، ويؤذنا بدل من يقرب ، ويصبك بدل من تشرف أو تطاول. قال في التصريح : وفي ردّ القياس نظر ، فإنّهم قائلون بجواز الجزم بعد النفي ، نحو : ما تأتينا تحدّثنا ، انتهى.

تنبيهات : الأولّ : ظاهر كلامهم أنّ الخلاف بين الجماعة والكسائيّ معنويّ ، وقال بعض المحقّقين من شرّاح الكافية : الأظهر أنّ الخلاف لفظيّ لا معنويّ ، فالجمهور نفوا صحّة تقدير المثبت بمجرّد وقوعه بعد النهي ، والكسائيّ أثبتها عند قيام قرينة تقدير المثبت ، ولا نزاع للجمهور في هذه الصحّة ، وكيف ينازع في حذف الشرط لقرينة كما لا نزاع له في أنّ سبق النهي لا يستدعي تقدير المثبت.

وفي المغني لابن هشام قال الجمهور : لا تدن من الأسد يأكلك ، بالجزم لأنّ الشرط المقدّر إن قدّر مثبتا ، أي فإنّ تدن لم يناسب فعل النهي الّذي جعل دليلا عليه ، وإن قدّر منفيّا ، أي فإن لا تدن فسد المعنى ، بخلاف لا تدن من الأسد تسلم ، فإنّ الشرط المقدّر منفيّ ، وذلك صحيح في المعنى والصناعة ، وعن الكسائيّ في إجازته الجزم إنّه يقدّر الشرط مثبتا مدلولا عليه بالمعنى لا باللفظ ترجيحا للقرينة المعنويّة على القرينة اللفظيّة ، وهذا وجه حسن ، إذا كان المعنى مفهوما.

الثاني : لا في نحو : إن لا تكفر تدخل الجنّة نافية ، كما جزم به المراديّ وابن هشام وغيرهما ، قيل : وظاهر قول ابن مالك في الألفيه [من الرجز] :

٧٤٠ ـ وشرط جزم بعد نهي إن تضع

إن قيل لا دون تخالف يقع

__________________

(١) صحيح مسلم ، ١ / ٨٤ ، رقم ٦٦.

(٢) سنن ابن ماجه ، ص ٢٤٦ ، رقم ١٠١٦.

(٣) أبو طلحه زيد بن سهل بن الأسود الأنصاري ، صحابيّ ، وكان جهير الصوت ، وفي الحديث : لصوت أبي طلحه في الجيش خير من ألف رجل ، مات سنة ٣٤ ه‍. الأعلام للرزكلي ، ٣ / ٩٧.

٦٨٦

أنّ المراد إن تضع أن قبل لاء الناهية ، وعلى ذلك شرحه الشاطبيّ.

الثالث : قضيه اقتصار المصنّف على ما ذكره من الجوازم لفعل واحد ولفعلين أنّ الجزم لا تكون بغيره ، وهو مذهب البصريّين ، وأجاز الكوفيّون جزم المسبّب عن صلة الّذي والنكرة الموصوفة تشبيها بجواب الشرط ، نحو : الّذي يأتيني أحسن إليه ، وكلّ رجل يأتيني أكرمه ، واختاره ابن مالك ، قال الشاعر [من الكامل] :

٧٤١ ـ لا تحفرن بئرا تريد أخا بها

فإنّك فيها أنت من دونه تقع

كذلك الّذي يبغي على الناس ظالما

تصبه على رغم عواقب ما صنع (١)

وأنشد الروزباني [من طويل] :

٧٤٢ ـ وكلّ امرئ يبغي على الناس ظالما (٢)

وهذا عند البصريّين من الضرورة ، بحيث لا يقاس عليه.

__________________

(١) أنشدهما ابن الإعرابي ولم ينسبهما إلى شاعر. اللغة : يبغي : يتسلط ويظلم.

(٢) لم أقف على صدر هذا البيت أو عجزه.

٦٨٧

أفعال المدح والذّم

ص : فصل : في أفعال المدح والذّم : أفعال وضعت لإنشاء مدح أو ذمّ ، فمنها «نعم» و «بئس» و «ساء» وكلّ منها يرفع فاعلا معرّفا باللام ، أو مضافا إلى معرّف بها ، أو ضميرا مستترا مفسّرا بتمييز. ثمّ يذكر المخصوص مطابقا للفاعل ، ويجعل مبتدأ مقدّم الخبر ، أو خبرا محذوف المبتدأ ، نحو : نعم المرأة هند ، وبئس نساء الرّجل الهندات ، وساء رجلا زيد ، ومنها «حبّ» و «لا حبّ» وهما كنعم وبئس ، والفاعل «ذا» مطلقا ، وبعده المخصوص ، ولك أن تأتي قبله أو بعده بتمييز أو حال على وفقه ، نحو : حبّذا الزيدان ، وحبّذا زيد راكبا ، وحبّذا امرأة هند.

ش : فصل في أفعال المدح والذّم : أفعال وضعت لإنشاء مدح أو ذمّ ، فخرج ما يمدح به تجوّزا ، نحو : شرف زيد ، مقصودا به المدح وما هو للإخبار عن المدح والذم ، نحو : مدحت وذممت ، فإنّ شيئا من ذلك ليس موضوعا لإنشاء مدح أو ذمّ ، وفي قوله : مدح أو ذمّ بالتنكير إشارة إلى أنّها للمدح والذمّ العامّين أي اللذين لا خصوصيّة فيهما ، فإنّك إذا قلت : نعم الرجل زيد مثلا ، فقد مدحته مطلقا من غير تعيين خصلة بجهة ، وكذا بئس الرجل.

وإنّما قال : لإنشاء مدح أو ذمّ لأنّه إذا قيل : نعم الرجل زيد ، أو بئس الرجل عمرو ، كان إنشاء للمدح أو الذّمّ وإحداثا له بهذا اللفظ ، وليس المدح بموجود في الخارج في أحد الأزمنة مقصود مطابقة هذا الكلام له حتّى يكون خبرا ، بل يقصد بهذا الكلام مدحه على جودته أو ذمّه على ردائته الموجودتين خارجا ، فقول الأعرابيّ لمن بشّره بمولده فقال : نعم الولد هي ، والله ما هي بنعم الولد ليس تكذيبا له في المدح ، إذ لا يمكن تكذيبه فيه ، وإنّما هو إخبار بأنّ الجودة الّتي حكمت بحصولها في الخارج ليست بحاصلة ، فهو إنشاء متضمّن للإخبار ، فالتكذيب والتصديق أنّما يتسلّطان على ما تضمّنه من الخبر ، لا عليه باعتبار كونه إنشاء ، وكذا الانشاء التعجّبيّ وإلانشاء الّذي في كم الخبريّة ففي ربّ ، هذا معنى ما قرّره ابن الحاجب ، وأقرّه غيره.

قال الرضيّ : وفيه نظر ، إذ هذا الّذي قرّره يطّرد في جميع الاخبار ، لأنّك إذا قلت : زيد أفصل من عمرو ، فلا ريب في كونه خبرا ، ولا يمكن أن يكذب في التفضيل ، أو يقال لك : إنّك لم تفضّله ، بل التكذيب أنّما يتعلّق بأفضلية زيد ، وكذا إذا قلت : زيد قائم هو خبر بلا شكّ ، ولا يدخله التصديق والتكذيب من حيث الإخبار ، بل يدخلانه من حيث القيام ، فيقال : إنّ القيام حاصل ، أو ليس بحاصل. وكذا قوله : والله ما هي بنعم الولد

٦٨٨

بيان أنّ النعمة أي الجودة المحكوم بثبوتها خارجا ليست ثابتة ، وكذا في التعجّب وفي كم وربّ ، انتهى.

نعم وبئس وما جرى مجراهما : «فمنها» أي من أفعال المدح والذمّ «نعم وبئس» ، بكسر الأوّل وسكون الثاني ، نحو : (إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ) [ص / ٤٤] ، ونحو : (بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً) [الكهف / ٥٠] ، وأصلهما فعل بفتح الفاء وكسر العين ، وقد يردان به ، قال طرفة [بن العبد من الرمل] :

٧٤٣ ـ ما أقلّت قدم أنّهم

نعم الساعون في الأمر المبر (١)

وقد يقال : نعم وبئس بسكون العين وفتح الفاء تخفيفا. قال أبو حيّان : ولم يذكروا له شاهدا. ونعم وبئس بكسر العين والفاء معا اتباعا قال تعالى : (إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ) [النساء / ٥٨]. ويقال في بئس : بئس ، بفتح الباء وبياء ساكنة مبدلة من الهمزة على قياس ، حكاه الأخفش والفارسيّ.

قال بعضهم : والأفصح نعم بكسر الفاء وسكون العين ، وهي لغة القرآن ، ثمّ نعم بكسرهما وعليه : (فَنِعِمَّا هِيَ) [البقرة / ٢٧١] ، ثمّ نعم بفتح الفاء وكسر العين ، وهي الأصليّة ، ثمّ نعم بفتح الفاء وسكون العين ، والقول بفعليتها مذهب البصريّين والكسائيّ من الكوفيّين بدليل اتّصال التاء الساكنة بهما عند جميع العرب. وفي الحديث : من توضّأ يوم الجمعة فيها ونعمت (٢). وتقول : بئست المراة حمالة الحطب.

وذهب الكوفيّون سوى الكسائيّ إلى أنّهما اسمان لدخول حرف الجرّ عليهما ، كما في قول بعضهم ، وقد بشّر ببنت : والله ما هي بنعم الولد. وقول آخر ، وقد سار إلى محبوبته على حمار بطيء السير : نعم السير على بئس العير. ووهم الدمامينيّ في تفسيره السير هنا بقوله شيء يقدّ من الجلد ، ويجعل في عنق البهيمة. وأجيب عن ذلك بأنّه مؤوّل بحذف الموصوف وصفته وإقامة معمول الصفة مقامهما ، والتقدير ما هي بولد مقول فيه : نعم الولد ، ونعم السير على عير مقول فيه بئس العير ، فحرف الجرّ في الحقيقة إنّما دخل على اسم محذوف.

وفي حكاية الخلاف في حقيقتهما طريقة أخرى ، وهي الّتي حرّرها ابن عصفور في تصانيفه المتأخّرة ، فقال : لم يختلف أحد من البصريّين في أنّ نعم وبئس فعلان ، وإنّما

__________________

(١) اللغة : المبر : اسم الفاعل من أبرّ فلان على أصحابه ، أي : غلبهم أي : هم نعم الساعون في الأمر الغالب الّذي عجز الناس عن دفعه.

(٢) سنن الترمذي ، ٢ / ٣٦٩ ، رقم ٤٩٧.

٦٨٩

الخلاف بعد إسنادهما إلى الفاعل ، فالبصريّون يقولون : نعم الرجل وبئس الرجل جملتان فعليتان ، والكسائيّ يقول : هما اسمان محكيّان بمترلة تأبّط شرّا ، فنعم الرجل عنده اسم للمدوح ، وبئس الرجل اسم للمذموم ، وهما في الأصل جملتان نقلتا عن أصلهما ، وسمّي بهما.

والفرّاء يقول : الأصل في نعم الرجل زيد ، وبئس الرجل عمرو ، رجل نعم الرجل زيد ورجل بئس الرجل عمرو ، فحذف الموصوف الّذي هو رجل ، وأقيمت الصفة الّتي هي الجملة من نعم وبئس وفاعلهما مقامه ، فحكم لها بحكمه ، فنعم الرجل ، وبئس الرجل رافعان لزيد وعمرو ، كما لو قلت : ممدوح زيد ، ومذموم عمرو ، كذا في التصريح. وقال ابن هشام في البهجة المرضية : الخلاف في فعلية نعم وبئس قد نقله الأصحاب في مسائل الخلاف ، انتهى.

والصحيح أنّهما فعلان جامدان للزومهما إنشاء المدح والذّمّ على سبيل المبالغة ، فنقلتا عمّا وضعتا له من الدلالة على المضي ، وصارتا للإنشاء ، فنعم منقولة من قولك : نعم الرجل ، إذا أصاب نعمة ، وبئس منقولة من قولك : بئس الرجل إذا أصاب بؤسا.

«وساء» بالمدّ وهي ملحقه ببئس ، فإنّها في الأصل سوء بالفتح ، فحوّلت إلى فعل بالضّمّ ، فصارت فعلا قاصرا ، ثمّ ضمّنت معنى بئس ، فمنعت التصرّف. وكلّ فعل ثلاثيّ صالح للتعجّب منه ، فإنّه يجوز استعماله على فعل بضمّ العين ، إمّا بالإصالة كظرف ولؤم ، أو بالتحويل من مفتوح العين أو مكسورها كضرب وفهم ، ثمّ يجري مجرى نعم وبئس في إفادة المدح والذّمّ وفي حكم الفاعل وحكم المخصوص الآتي بيانه ، واستثني الكسائيّ علم وجهل وسمع ، فلا يجوز تحويلها إلى فعل بل استعمل استعمالة باقية على حالها.

فاعل أفعال المدح والذمّ : «وكلّ» منها أي من نعم وبئس وساء ومثلها ما جري مجراها يرفع فاعلا مظهرا معرّفا بأل ، نحو : (نِعْمَ الْمَوْلى) [الأنفال / ٤٠] ، (وَلَبِئْسَ الْمِهادُ) [البقرة / ٢٠٦] ، وساء الرجل أبو جهل ، وفهم الرجل زيد ، وخبث الرجل عمرو.

واختلف في أل هذه ، فقال الجمهور : هي جنسيّة ، ثمّ اختلفوا ، فقيل : للجنس حقيقة. فالجنس كلّه ممدوح أو مذموم ، والمخصوص مندرج تحته ، لأنّه فرد من أفراده ، ثمّ نصّ عليه ، كما ينصّ على الخاصّ بعد العامّ الشامل له ولغيره ، وهو المشهور ، ونقله ابن أياز في شرح الفصول عن أبي على وعبد القاهر الجرجانيّ ، ونسب إلى سيبويه ، و

٦٩٠

ردّ بأنّه يؤدّي إلى التكاذب في نحو قولك : نعم الرجل زيد ، وبئس الرجل عمرو ، وقيل : للجنس مجازا ، لأنّه لم يقصد غير مدح معيّن أو ذمّه ، لكنّه جعل جميع الجنس مبالغة.

وقال قوم : هي عهديّة ، ثمّ اختلفوا ، وقيل : عهديّة ذهنيّة ، كما تقول : اشتريت اللحم ، ولا تريد الجنس ولا معهودا تقدّم. وأريد بذلك أن يقع إبهام ، ثمّ يأتي التفسير بعده تفخيما للأمر ، وقيل : عهديّة شخصيّة ، والمعهود هو الشخص الممدوح والمذموم ، فإذا قلت : نعم الرجل زيد ، فكأنّك قلت : زيد نعم هو ، وهو قول ابن ملكون والجواليقيّ (١) والشلوبين الصغير (٢) ، واستدلّوا عليه بتثنيه وجمعه ، ولو كان عبارة عن الجنس ، لم يسغ فيه ذلك.

«أو مضافا إلى معرّف بها» أي بأل ، نحو : (وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ) [النحل / ٣٠] ، ولبئس دار المتكبّرين ، وساء حطب النار أبو لهب ، أو مضافا إلى مضاف إلى معرّف بها كقوله [من الطويل] :

٧٤٤ ـ فنعم ابن أخت القوم غير مكذّب

 ... (٣)

قيل : أو مضافا إلى ضمير عائد إلى معرّف بها كقوله [من الطويل] :

٧٤٥ ـ فنعم أخو الهيجاء ونعم شهابها (٤)

والأصحّ أنّه لا يقاس عليه لقلّته ، وأجاز الفرّاء أن يكون مضافا لنكرة كقولة [من البسيط] :

٧٤٦ ـ فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم

 ... (٥)

ونقل إجازته عن الكوفيّين وابن السّراج وخصّه سائر البصريّين بالضرورة ، وزعم صاحب البسيط أنّه لم يرد نكرة غير مضافة ، وليس كذلك ، بل ورد ، ولكنّه أقلّ من المضاف كقوله [من الوافر] :

٧٤٧ ـ نياف القرط غرّاء الثّنايا

وريد للنساء ونعم نيم (٦)

__________________

(١) موهوب بن أحمد الجواليقيّ النحويّ اللغويّ ، كان إماما في فنون الأدب ، وكان في اللغة أمثل منه في النحو ، صنف : شرح أدب الكاتب ، ما تلحن فيه العامّة ، ما عرّب من كلام العجم. مات سنة ٤٦٥. بغية الوعاة ٢ / ٣٠٨.

(٢) محمد بن على بن محمد المالقيّ يعرف بالشّلوبين الصغير ، شرح أبيات سيبويه شرحا مفيدا وكمل شرح شيخه ابن عصفور على الجزوليّة ومات سنة ٦٠٦. المصدر السابق ١ / ١٨٧.

(٣) تمامه «زهير حساما مفردا من حمائل» ، وهو لأبي طالب بن عبد المطلب. يمدح بها زهيرا : اللغة : الحسام : السيف القاطع ، الحمائل : جمع حمالة ، وهي علاقة السيف.

(٤) لم يسمّ قائله.

(٥) تمامه «وصاحب الركب عثمان بن عفّانا» ، وهو لكثير بن عبد الله النهشلي ، أو لاوس بن مغراء ، أو لحسان بن ثابت.

(٦) هو لتأبّط شرّا. اللغة : النياف : التامة الطول والحسن. الغرّاء : البيضاء الحسنة ، الثنايا : الأسنان الموجدة في الفم.

٦٩١

تنبيهات : الأوّل : قد يرد الفاعل اسم إشارة متبوعا بذي اللام وعلما ومضافا إلى اسم الجلالة كقوله [من الرمل] :

٧٤٨ ـ بئس هذا الحيّ حيّا ناصرا

 ... (١)

وقول سهل بن خيف : شهدت صفين وبئست صفون ، وقول بعض العبادلة : بئس عبد الله إن كان كذا ، وقول الشاعر [من الرمل] :

٧٤٩ ـ بئس قوم الله قوم طرقوا

 ... (٢)

وكلّ ذلك من الشذوذ ، بحيث لا يقاس عليه. قال الجرميّ باطّراد المضاف إلى اسم الجلالة وغيره بتأويل ما ورد منه ، ومن العلم على أنّه المخصوص ، والفاعل مضمر ، حذف مفسّره.

الثاني : القول بأنّ كلّا من نعم وبئس يرفع فاعلا مبنيّ على مذهب البصريّين والكسائيّ القائلين بفعليتهما ، وأمّا جمهور الكوفيّين القائلين باسميّتهما ، فقال ابن العلج في البسيط : ينبغي أن يكون المرفوع بعدهما تابعا عندهم لنعم ، أمّا بدلا أو عطف بيان ، ونعم اسم يراد به الممدوح ، فكأنّك قلت : الممدوح الرجل زيد.

الثالث : الجمهور على أنّه لا يجوز الفصل بين نعم وأخواتها وفاعلها بظرف ولا غيره ، وفي البسيط يجوز الفصل لتصرّف هذا الفعل في رفعه الظاهر والمضمر وعدم التركيب ، وقال الكسائيّ يجوز الفصل بمعمول الفاعل نحو : نعم فيك زيدا راغب ، وقال أبو حيّان : في الشعر ما يدلّ له قال [من الوافر] :

٧٥٠ ـ ...

وبئس من المليحات البديل (٣)

قال : وورد الفصل بإذن وبالقسم في قوله [من الطويل] :

٧٥١ ـ ...

لبئس إذن راعي المودّه والوصل (٤)

وقوله [من الرمل] :

٧٥٢ ـ بئس قوم الله قوم طرقوا

 ... (٥)

«أو ضميرا مستترا» فيه وجوبا «مفسّرا بتمييز» مؤخّر عن الفعل مطابق للمخصوص في الإفراد والتذكير ، وفروعهما عامّ في الوجود قابل لأل ، فلا يقال : نعم شمسا هذه الشمس ، لأنّ الشمس مفرد في الوجود ، ولا يفسّر بمثل وغير وأي وأفعل

__________________

(١) تمامه «ليت أحياءهم فيمن هلك» ، لم يسمّ قائله.

(٢) تمامه«فقروا جارهم لحما وحر» ، وهو مجهول القائل.

(٣) صدر «فبادرن الديار يزفن فيها» ، وهو لرفاعة بن عاصم الفقعسى.

(٤) صدره «أروح ولم أحدث ليلي زيارة» ، وهو لأبي هلال الأحدب.

(٥) تقدّم برقم ٧٤٩.

٦٩٢

التفضيل ، فلا يقال : نعم أفضل منك زيد ، لأنّه خلف عن فاعل مقرون بأل ، فاشترط صلاحيّته لها ، وقد يحذف عند فهم المعنى كقوله (ع) : من توضّأ يوم الجمعة فيها ونعمت ، أي فبالسنة أخذ ، ونعمت السنة سنة ، فأضمر الفاعل على شريطة التفسير ، وحذف المميّز للعلم به ، ونصّ سيبويه على لزوم ذكره ، وممّن أجاز حذفه ابن عصفور وابن مالك.

اختلاف النحاة في الجمع بين التمييز والفاعل الظاهر في كلام واحد : تنبيهان : الأوّل : اختلفوا في الجمع بين التمييز وبين الفاعل الظاهر على أقوال : أحدها : المنع مطلقا ، إذ لا إبهام يرفعه التمييز ، وعليه سيبويه والسيرافيّ وجماعة. والثاني : الجواز مطلقا وعليه المبرّد وابن السراج والفارسيّ ، وهو مختار ابن مالك ، قال : ولا يمنع منه زوال الإبهام ، لأنّ التمييز قد يؤتي به للتأكيد ، وممّا ورد منه قوله [من البسيط] :

٧٥٣ ـ والتغلبيّون بئس الفحل فحلهم

فحلا ... (١)

وقوله [من البسيط] :

٧٥٤ ـ نعم الفتاه هند لو بذلت

 ... (٢)

والثالث : وعليه ابن عصفور ، فإن أفاد التمييز ما لم يفده الفاعل جاز الجمع بينهما كقوله [من الوافر] :

٧٥٥ ـ ...

فنعم المرء من رجل تهامي (٣)

فالتمييز هنا أفاد معنى لم يفده الفاعل ، وهو كونه تهاميّا ، وان لم يفد امتنع الجمع.

الثاني : ما حكاه المصنّف من أنّ الفاعل في نحو : نعم رجلا زيد ضمير ، وأنّ المنصوب تمييز ، هو مذهب سيبويه والجمهور ، وذهب الكسائيّ والفرّاء إلى أنّه لا ضمير في الفعل ، بل المرفوع بعد المنصوب هو الفاعل واختلفا في المنصوب ، فقال الكسائيّ : هو حال ، وقال الفرّاء : محوّل عن الفاعل ، والأصل : نعم الرجل زيد ، ويقبح عنده تأخّره عن زيد ، وأجازه الكسائيّ تأخيره عنه. والصحيح رأي الجمهور بدليل قولهم : نعم رجلا كان زيد ، فادخلوا عليه الناسخ.

وحقّ الفاعل أن يذكر بعد الفعل ، ثمّ يذكر المخصوص ، وهو المقصود بالمدح والذمّ بعد الفاعل مطابقا للفاعل في الإفراد والتذكير وفروعها لكونه عبارة عن الفاعل

__________________

(١) تمامه «وأمّهم زلّاء منطبق» ، وهو لجرير بن عطية. اللغة : زلّاء : المرأة إذا كانت قليلة الحم الإليتين ، منطبق : المراد به هنا الّتي تتأزر بما يعظم عجيزتها.

(٢) تمامه «ردّ التحيّة نطقا أو بإيماء» ، وهو مجهول القائل. اللغة : الايماء : الاشارة.

(٣) صدره «تخيّره فلم يعدل سواه» ، وهو لأبي بكر بن الأسود المعروف بابن شعب الليثي.

٦٩٣

في المعنى ، وكذا يذكر المخصوص بعد التمييز ، لأنّه قائم مقام الفاعل المضمر ، ولا يجوز تأخّره عن المخصوص إلا في ضرورة خلافا للكوفيّين ، وعلى مذهبهم بني الحريري قوله في الملحة (١) [من الرجز] :

٧٥٦ ـ تقول منه نعم زيد رجلا

وبئس عبد الله منه بدلا

والسرّ في ذلك أنّه لمّا كان نعم وبئس للمدح العامّ والذّمّ العامّ الشايعين في كلّ خصلة محمودة أو مذمومة المستعبد تحقيقها ، سلكوا بهما في الأمر العامّ طريقي الإجمال والتفصيل لقصد مزيد التقرير ، فجاؤوا بعد الفعل بما يدلّ على المخصوص بالمدح والذمّ ، حتّى يتوجّه المدح والذمّ إلى المخصوص به أولّا على سبيل الإجمال لكونه فردا من الجنس ، ثمّ عقّبوه بذكر المخصوص ، حتّى يتوجّه المدح والذّمّ إليه ثانيا على سبيل التفضيل ، فيحصل من تقوي الحكم ومزيد التقرير ما يزيل ذلك الاستبعاد.

إعراب المخصوص : واختلف في رفع المخصوص ، فقيل : «يجعل مبتدأ مقدّم الخبر» ، فهو الجملة قبله ، «أو» يجعل «خبرا محذوف المبتدإ» وجوبا ، فتقدير نعم الرجل زيد ، الممدوح زيد ، والوجهان جائزان عند الجمهور. وقال سيبويه وابن الخروف وابن الباذش : يتعيّن الأوّل ، وقيل بتعيّن الثاني ، وقيل : يجعل مبتدأ محذوف الخبر وجوبا ، وإليه ذهب ابن عصفور ، قال ابن مالك في شرح التسهيل : وليس بصحيح ، لأنّ هذا الحذف لازم ، ولا نجد خبرا يلزم حذفه ، إلا ومحلّه مشغول بشيء يسدّ مسدّه ، وقيل : يجعل بدلا من الفاعل ، وإليه ذهب ابن كيسان ، وردّ بأنّه لازم ، ولا شيء من البدل بلازم (٢).

ومثّل المصنّف (ره) للأحكام المذكورة بقوله : «نحو نعم المرأة هند وبئس نساء الرجل الهندات ، وساء رجلا زيد» وتقول أيضا : نعم الرجل زيد ، ونعم رجلا زيد ، ونعم الرجلان الزيدان ، ونعم رجلين الزيدان ، ونعم المرأتان الهندان ، ونعم المرأتين الهندان ، ونعم الرجال الزيدون ، ونعم رجالا الزيدون ، ونعم النساء الهندات ، ونعم نساء الهندات ، وقس على ذلك.

تنبيهات : الأوّل : للمخصوص أحكام لم يذكرها المصنّف طلبا للاختصار ، ولا بأس بذكرها.

__________________

(١) ملحه الإعراب منظومة في النحو لأبي محمد قاسم بن على الحريريّ المتوفى سنة ٥١٦.

(٢) المشهور والمقبول من هذه الآراء الرأي الأوّل والثاني ، يعني المبتدأ المؤخّر ، أو خبر لمبتدإ محذوف ، وابن مالك أيضا يختارهما ، وهو يقول :

ويذكر المخصوص بعد مبتدأ

أو خبر اسم ليس يبدو أبدا

(شرح ابن عقيل ٢ / ١٦٦)

٦٩٤

فمنها أنّه يغلب أن يختصّ بأن يكون معرفة أو مقاربا لها بالتخصيص ، نحو : نعم الفتى رجل من قريش ، وإن يصلح للإخبار به عن الفاعل موصوفا بالممدوح بعد نعم وبالمذموم بعد بئس كقولك في نعم الرجل زيد ، وبئس الولد العاق أباه : الرجل الممدوح زيد ، والولد المذموم العاق أباه ، فإن وقع غير مختصّ ولا صالح للإخبار عنه ، بل وقع مباينا له أوّل كقوله تعالى : (بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ) [الجمعة / ٥] ، فإنّ الفاعل هنا المثل بالّذين مباين له ، فلو وصفت المثل بالمذموم ، وجعلته مبتدأ ، امتنع في الظاهر الإخبار عنه بالّذين ، إذ لا يقال : المثل المذموم الّذين ، لأنّ الّذين ليس بمثل فيؤوّل بحذف المضاف ، والتقدير مثل القوم مثل الّذين ، فيصحّ الإخبار به عن الفاعل حينئذ.

ومنها أنّه قد يدخله ناسخ : نحو : نعم الرجل كان زيد ، وبئس الرجل ظننت عمرا ، فالجملة في الأوّل في موضع خبر كان وفي الثاني في موضع مفعولي ظنّ.

ومنها أنّه قد يتقدّم على الفعل ، نحو : زيد نعم الرجل ، فتعيّن كونه مبتدأ على القول بفعلية نعم وبئس ، والجملة بعده خبر ، وعلى القول باسميّتها فجوّزوا أن يكون مبتدأ ، والمخصوص الخبر ، وبالعكس.

ومنها أنّه قد يحذف لدليل يدلّ عليه ، نحو : (نِعْمَ الْعَبْدُ) [ص / ٣٠] أي أيوب و: (فَنِعْمَ الْماهِدُونَ) [الذاريات / ٤٨] أي نحن ، وقيل : إنّما يحذف إذا تقدّم ذكره ، والأكثرون على عدم اشتراطه وتخلّفه إذا حذف صفته ، وهي إن كانت اسما فوقاق ، نحو : نعم الرجل حليم كريم ، أي رجل حليم ، وإن كانت فعلا نحو : نعم الصاحب تستعين به فيعينك ، أي رجل ، فممنوع عند الأكثر ، وجائز عند الكسائيّ ، وغالب إن كان الفاعل ما ، نحو : بئسما تشترون به ، وقليل دونها كالمثال المذكور عند ابن مالك ، وأقلّ منه أن يحذف المخصوص وصفته ، ويبقي متعلّقها كقوله [من الرجز] :

٧٥٧ ـ بئس مقام الشيخ إمرس إمرس

 ... (١)

أي مقام مقول فيه إمرس إمرس ، فحذف المخصوص وصفته ، وأبقي معمول القول.

الثاني : إذا كان المخصوص ، مؤنّثا جاز أن يقال : نعمت وبئست مع تذكير الفاعل ، لأنّهما في المعنى شي واحد ، نحو : نعمت الثواب الجنّة ، وبئست المقام النار ، والأجود التذكير ، نحو : نعم الثواب الجنّة ، قاله في التسهيل وشرحه ، وأمّا إذا كان مؤنّثا فقد مرّ في باب الفاعل أنّ الأجود عدم إلحاق علامة التأنيث أيضا.

__________________

(١) تمامه «إمّا على قعو وإمّا اقعنسس» ، وهو مجهول القائل. اللغة : القعو : البكرة من خشب : اقعنس : تأخّر ورجع إلى خلف.

٦٩٥

الثالث : يجوز في فاعل الفعل المجري نعم وبئس الجرّ بالباء الزائدة والاستغناء عن أل وإضماره على وفق ما قبله كقوله [من المديد] :

٧٥٨ ـ حبّ بالزّور الّذي لا يرى

منه إلا صفحة أو لمام (١)

ونحو : فهم زيد والزيدون كرموا رجالا نظرا لما فيه من معنى التعجّب.

حبّذا ولا حبّذا : «ومنها» أي من أفعال المدح والذّمّ «حبّ ولا حبّ ، وهما كنعم وبئس» فحبّ كنعم ، ولا حبّ كبئس ، وتزيد حبّ على نعم بأنّها تشعر بأنّ الممدوح محبوب للقلب وقريب من النفس ، وأصلها حبب بضمّ العين ، أي صار حبيبا محوّلا من حبب بفتحهما ، ثمّ ادغم فصار حبّ ، وألزم منع التصرّف لما مرّ.

تنبيه : دخول لا في الذمّ على حبّ لا يخلو من إشكال ، لأنّ لا لا تدخل على فعل ماض جامد ، ولا يعمل في اسم إذا لم يكن جنسا ، ولا يكون غير مكرّرة ، إذا لم تعمل في الاسم الّذي دخلت عليه إلا على قول أبي الحسن وأبي العباس ، وهو ضعيف ، قاله في التصريح.

«والفاعل» أي فاعل حبّ ولا حبّ «ذا مطلقا» أي في حالة الإفراد وضدّية والتذكير وضدّه ، فلا يتغيّر عن الإفراد والتذكير ، وإن كان المخصوص بخلاف ذلك بل يقال : حبّذا زيد ولا حبّذا هند ، وحبّذا الزيدان ، ولا حبّذا الهندان ، وحبّذا الزيدون ، ولا حبّذا الهندات. قال [من الطويل] :

٧٥٩ ـ ألا حبّذا أهل الملأ غير أنّه

إذا ذكرت ميّ فلا حبّذا هيا (٢)

واختلف في علّة التزام ذلك ، فقال ابن مالك : لأنّ ذلك كلام جرى مجري المثل ، والأمثال لا تغيّر كما في قولهم : في الصيف ضيّعت اللبن (٣) يقال لكلّ بكسر التاء وإفرادها ، ونسب هذا القول للخليل ، وقال ابن كيسان : لأنّ المشار إليه مضاف محذوف ، و

__________________

(١) هو للطرماح بن حكيم ، اللغة : صفحة الشيء : جانبه. اللمام : جمع لمّة ، وهي شعر الرأس الّذي يصل إلى شحمة الأذن.

(٢) هو لذي الرّمة أو لكترة أم شملة. اللغة : الملأ : الجماعة.

(٣) ويروي «الصيّف ضيّعت اللبن» والتاء من ضعيف مكسور في كلّ حال ، إذا خوطب به المذكّر والمونث والاثنان والجمع ، لأن المثل في الأصل خوطبت به امرأة ، وهي دختنوس بنت لقيط بن زرارة كانت تحت عمرو بن عداس ، وكان شيخا كبيرا ففركته (فركته : كرهته) فطلقها ، ثمّ تزوّجها فتي جميل الوجه ، أجدبت ، فبعثت إلى عمرو تطلب منه حلوبه فقال عمرو «في الصيف ضعيت اللبن» فلمّا رجع الرسول ، وقال لها ما قال عمرو ، ضربت يدها على منكب زوجها ، وقالت : «هذا ومذقه خير» تعني أنّ هذا الزوج مع عدم اللبن خير من عمرو. فذهبت كلماتها مثلا. فالأوّل يضرب لمن يطلب شيئا قد فوّته على نفسه ، والثاني يضرب لمن قنع باليسير إذا لم يجد الخطير. وإنّما خصّ الصيف لأن سؤالها الطلاق كان في الصيف ، أو أن الرجل إذا لم يطرق ماشيته في الصيف كان مضيعا لألبانها عند الحاجة. الميداني ، مجمع الأمثال ، الجزء الثاني ، الطبعة الثانية ، بيروت ، دار الجيل ١٤٠٧ ه‍. ص ٤٣٤.

٦٩٦

التقدير في حبّذا هند مثلا حبّذا حسن هند. وفي حبّذا زيد ، حبّذا أمره ، أو شأنه ، فالمقدّر المشار إليه مذكّر مفرد ، واقيم المضاف إليه مقامه ، وردّه ابن العلج بأنّه لم ينطق به في وقت ، وقال الفارسيّ في البغداديات : لأنّ ذا جنس شايع ، فالتزم فيه الإفراد كفاعل نعم ، إذا كان ضميرا ، ولهذا يجامع التمييز ، فيقال : حبّذا زيد رجلا.

فائدة : إنّما لم تغيّر الأمثال ، لأنّ المثل من قبيل الاستعارة ، والاستعارة يجب أن يكون لفظ المشبه به مستعملا في المشبه ، فلو تطرّق تغيير إلى المثل لما كان لفظ المشبّه بعينه ، فلا تكون استعارة ، فلا يكون مثلا ، وتحقيق ذلك أنّ المستعار يجب أن يكون اللفظ الّذي هو حقّ المشبه به أخذ منه عارية للمشبه ، فلو وقع فيه تغيير لما كان هذا هو اللفظ الّذي يختصّ المشبه به ، فلا يكون عارية ، فلهذا لا يلتفت في المثل إلى مضربه تذكيرا وتأنيثا وإفرادا وتنثية وجمعا ، بل إنّما ينظر إلى مورد المثل.

مثلا إذا طلب رجل شيئا ضيّعه قبل ذلك ، تقول : بالصيف ضيّعت اللبن ، بكسر تاء الخطاب ، لأنّ المثل قد ورد في امرأة ، وأمّا ما يقع في كلامهم من نحو : ضيّعت اللبن بالصيف على لفظ المتكلّم فليس بمثل ، بل مأخوذ من المثل وإشارة إليه. قاله العلامة التفتازانيّ في شرح التلخيص. وقال بعض المحقّقين : إنّما لم تفتح التاء من قولك : في الصيف ضيّعت اللبن ، إذا كان المخاطب مذكّرا ، لأنّ المذكّر المخاطب الّذي هو ضرب له المثل يشبه بالمخاطبة الّتي هي مورد المثل ، فهو مؤنّث ادّعاء.

تنبيه : ما ذكره المصنّف من أنّ حبّ فعل وذا فاعلها ، وإنّما باقيان على أصلهما هو المشهور ، وهو قول درستويه وابن برهان وابن خروف وابن كيسان وابن مالك ، ونسب إلى ظاهر مذهب سيبويه ، وقال ابن خروف بعد أن مثّل بحبّذا زيد : حبّ فعل ، وذا فاعله ، وزيد مبتدأ ، وخبره حبّذا.

هذا قول سيبويه ، وأخطأ عليه من زعم غير ذلك ، وذهب قوم منهم الأخفش وخطاب (١) إلى أنّهما ركّبا ، وغلبت الفعلية لتقدّم الفعل ، فصار الجميع فعلا ، وما بعده فاعل ، وذهب المبرّد وابن السرّاج ، ووافقهما ابن عصفور ، إلى أنّهما ركّبا ، وغلبت الاسميّة لشرف الاسم ، فصار الجميع اسما مبنيّا ، وما بعده خبره ، ونسب ابن عصفور هذا القول إلى سيبويه.

__________________

(١) خطاب بن يوسف بن هلال القرطبي ، كان من جلّة النحاة ومحققيهم والمتقدّمين في المعرفة بعلوم اللسان على الإطلاق ، اختصر الزاهر لابن الانباري ، وله حظّ من قرض الشعر ، وهو صاحب كتاب الترشيح ، ينقل عنه أبو حيّان وابن هشام كثيرا ، بغية الوعاة ١ / ٥٥٣.

٦٩٧

قلت : وقد مضي فيما نقلته عن الهمع من استدلال سيبويه على حرفيّته ، إذ ما التصريح منه باسميّة حبّذا ، والعهدة عليه ، واستدلّ القائلون ببقاء حبّذا على أصلهما بأنّ الأصل عدم التغيير وباقتصارهم على حبّ ، إذا عطف على حبّذا كقوله [من السريع] :

٧٦٠ ـ فحبّذا ربّا وحبّ دينا (١)

أي فحبّذا دينا ، فحذف ، ولم يتغيّر المعنى ، ولا يفعل ذلك بنحو إذما وأخواته من المركّبات الّتي تغيّر حكمها بالتركيب ، واستدلّ مدّعي غلبة الفعلية بقولهم فيما حكى لا يحبّذه ، فجاؤوا لها بمضارع ، وردّ بجواز حذف المخصوص كقوله [من الطويل] :

٧٦١ ـ ألا حبّذا لو لا الحياء وربّما

منحت الهوي ما ليس بالمتقارب (٢)

أي ألا حبّذا حالتي معك. ولو كان فاعلا لم يجز ، لأنّ الفاعل لا يجوز حذفه ، وأمّا يحبّذه فمضارع حبّذه ، إذا قال له حبّذا ، لا مضارع حبّذا ، واستدلّ مدّعي غلبة الاسميّة بإكثار العرب من دخول يا عليها من غير استيحاش كقوله [من البسيط] :

٧٦٢ ـ يا حبّذا جبل الرّيّان من جبل

وحبّذا ساكن الريّان من كانا (٣)

وقوله [من السريع] :

٧٦٣ ـ يا حبّذا القمراء واليل السّاج

وطرق مثل ملاء النسّاج (٤)

وبعدم الفصل بين حبّ وذا ، وبعدم تصرّف ذا بحسب المشار إليه.

«وبعده» أي بعد الفاعل المخصوص ، ولا يجوز تقدّمه عليه ، إذا لا يفصل بين حبّ وفاعلها ، وإن جاز ذلك في نعم على قول كما تقدّم ، لأنّ نعم هي الأصل المعقود عليه الباب ، ويجوز في الأصول لقوّتها ما لا يجوز في غيرها ، قاله ابن بابشاذ في شرح الجمل.

ولا تقدّمه على حبّذا بجملتها ، وإن جاز في نعم أيضا لما ذكر ، ولأنّها جارية مجري المثل كما مرّ ، ولئلا يتوهّم من قولك مثلا حبّذا كون المراد الاخبار بأنّ زيدا أحبّ ذا إن كان توهّما بعيدا ، نعم يجوز فصله من حبّذا بنداء كقول كثير [من الطويل] :

٧٦٤ ـ ألا حبّذا يا عزّ ذاك التساير

 ... (٥)

وبتمييز وحال كما سيأتي ، واختلف في إعرابه ، فقيل : هو مبتدأ ، والجملة من الفعل والفاعل قبله خبر ، والرابط ذا ، أو العموم إن قلنا : أريد الجنس ، وقيل : مبتدأ محذوف الخبر ، وقيل عكسه ، ويردّ هما أنّه يجوز حذف المخصوص ، فيلزم حذف الجملة

__________________

(١) قبله

«باسم الإله وبه بدينا

ولو عبدنا غيره شقينا».

(٢) هو لمرار (أو لمرداس) بن هماس الطائي.

(٣) هو لجرير بن عطية. اللغة : الريان : جبل ببلاد طي.

(٤) هو للحارثي. اللغة : الساج : الساكن ، الملاء : جمع الملاءه : الملحفة.

(٥) لم يوجد البيت في ديوان كثير.

٦٩٨

بأسرها من غير دليل وقيل عطف بيان ، وردّ بمجيئه نكرة واسم الإشارة معرفة كقوله [من البسيط] :

٧٦٥ ـ وحبّذا نفحات من يمانية

تأتيك من جبل الرّيّان أحيانا (١)

وقيل : بدل من ذا ، وردّ بأنّه على نيّة تكرار العامل ، وهو لا يلي حبّ ، وأجيب بعدم اللزوم بدليل أنّك أنت.

«ولك أن تأتي قبله» أي المخصوص «أو بعده بتمييز أو حال على وفقه» أي المخصوص في الإفراد والتذكير وفروعهما لاتّحادهما فيما صدقا عليه ، ولكونه عبارة عن المخصوص ، فلا جرم يوافقه ، وذكر أمثلة حبّذا جملة ، فقال : «حبّذا الزيدان» مثال لحبّذا إذا كان بعده المخصوص دون تمييز أو حال ، ونحو «حبّذا زيد راكبا» مثال لما كان بعده حال على وفقه في التذكير والإفراد ، ومثله حبّذا الزيدان راكبين ، والزيدون راكبين.

وكذا تأتي بالحال قبل المخصوص ، فتقول : حبّذا راكبا زيدا وراكبين الزيدان أو راكبين الزيدون ، وذو الحال هو ذا ، لا المخصوص ، لأنّ المخصوص لا يجيء إلا بعد تمام المدح أو الذّمّ لفظا أو تقديرا ، فالركوب في نحو الأمثلة المذكورة من تمام المدح ، ونحو «حبّذا امرأة هند» مثال لما كان قبله تمييز على وفقه في التأنيث والإفراد. ومثله حبّذا امرأتين الهندان وحبّذا نساء الهندات ، وكذا إذا كان بعده ، تقول : حبّذا هند امرأة والهندان امرأتين ، والهندات نساء. وإنّما جاز هنا تأخير التمييز عن المخصوص في السعة دون نعم وبئس كما مرّ ، لأنّ التمييز هنا عن الظاهر ، وهو ذا وهناك عن الضمير المستكن ، ففضل الظاهر على المضمر كما فضل عليه بجواز ترك التمييز هنا ، نحو : حبّذا زيد ، وجب الأتيان به اختيارا في نعم.

والعامل في الحال والتمييز حبّ اتّفاقا ، وإن كانت غير متصرّفة لأنّ الحال والتمييز تكفى هما رائحة الفعل. وهل تعمل في غيرهما؟ قال أبو حيّان : لا ينبغي أن يقدّم عليه إلا بسماع ، وقال غيره : تعمل في ما عدا المصدر كالظرف والمفعول له ومعه ، نحو : حبّذا زيد إكراما له ، وحبّذا وعمرا زيد بخلاف المصدر ، إذ هي غير متصرّفة ، فلا مصدر لها.

تنبيهات : الأوّل : ما ذكره المصنّف (ره) من أنّ المنصوب بعد المخصوص أو قبله يكون تمييزا أو حالا ، وهو الحقّ ، وقال الأخفش والفارسيّ والربعيّ : هو حال مطلقا ،

__________________

(١) هو لجرير. اللغة : النفحات : جمع النفحة : الطيب الّذي ترتاح له النفس ، الريان : اسم جيل ببلاد بني عامر.

٦٩٩

وأبو عمرو بن العلاء : تمييز مطلقا ، وابن عصفور : الجامد تمييز ، والمشتقّ حال ، وأبو حيّان : الجامد تمييز ، والمشتقّ إن أريد تقييد المدح به كقوله [من البسيط] :

٧٦٦ ـ يا حبّذا المال مبذولا بلا سرف

في أوجه البرّ إسرارا وإعلانا (١)

فحال وإلا فتمييز ، والمصنّف جوّز وقوعهما ، ولم يفرق بينهما ، فيحتمل أنّه قائل بقول ابن عصفور وبقول أبي حيان.

الثاني : اختلف في الأولى من تقديم الحال والتمييز على المخصوص وتأخيرهما عنه ، فقال الفارسيّ : الأولى التأخير ، وقال ابن مالك : الأولى التقديم ، وقال الجرميّ وابن الخروف : هما سواء في الحال ، ثمّ قال الجرميّ : تقديم التمييز قليل ، وقال ابن خروف أحسن.

__________________

(١) البيت بلا نسبة.

٧٠٠

التعجّب

ص : فصل : فعلا التعجّب فعلان وضعا لإنشاء التعجّب ، وهما : ما أفعله وأفعل به ، ولا يبنيان إلا ممّا يبنى منه اسم التفضيل ، ويتوصّل إلى الفاقد بأشدّ وأشدد به ، ولا يتصرّف فيهما ، وما مبتدأ اتّفاقا ، وهل هي بمعنى شيء ، وما بعدها خبرها ، أو موصولة ، وما بعدها صلتها ، والخبر محذوف؟ خلاف. وما بعد الباء فاعل عند سيبويه ، وهي زائدة ، ومفعول عند الأخفش ، وهى للتّعدية ، أو زائدة.

ش : هذا فصل في الكلام على فعلى التعجّب ، وهو انفعال يحدث في النفس عند الشعور بأمر جهل سببه ، وخرج عن نظائره ، ومن ثمّ قيل : إذا ظهر السب بطل العجب ، فلا يطلق على الله تعالى أنّه متعجّب ، لأنّه سبحانه لا يخفى عليه خافية ، وما ورد منه في كلامه عزّ وجلّ كقوله : (فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) [البقرة / ١٧٥] مصروف إلى المخاطب ، أي يجب أن يتعجّب العباد منه.

أسلوبه : وللتعجّب صيغ كثيره تدلّ عليه ، فمنها ما هو بالقرينة ، نحو قوله تعالى : (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ) [البقرة / ٢٨] وقوله (ع) : سبحان الله إنّ المؤمن لا ينجس (١) ، وقولهم : ناهيك به ، ولله درّه وواها له.

ومنها ما هو بالوضع ، وهو صيغتان ، يقال لهما : «فعلا التعجّب». وحدّهما المنصف (ره) بقوله : «فعلان وضعا لانشاء التعجّب» ، فخرج نحو : عجبت وتعجّبت ، لأنّها ليسا لإنشاء التعجّب بل للإخبار ، نحو : نعم الرجل زيد ، وبئس الرجل عمرو ، لأنّها وإن كانا فعلين للإنشاء فليسا لإنشاء التعجّب ، بل لإنشاء غيره ، وهو المدح والذّم ونحو : قاتله الله من شاعر ، ولا شلّ عشره (٢) ، فإنّما وإن كانا فعلين لإنشاء التعجّب ، لكن لا يدلّان عليه بالوضع بل بالقرينة.

«وهما» أي فعلا التعجّب «ما أفعله وأفعل به» ، نحو : ما أحسن زيدا وأحسن بزيد ، ولا يخفي أنّ فعلى التعجّب صارا علمين على هاتين الصيغتين بجملتها ، فالمفيد للتعجّب هو الصيغة كلّها لا الفعل فقط.

شروط الفعل الّذي يبنى منه الصيغتان القياسيتان بناء مباشرا : «ولا يبنيان إلا ممّا يبنى منه اسم التفضيل» ، وهو كلّ فعل ثلاثيّ تامّ متصرّف مثبت قابل للتفاضل مبنيّ للفاعل

__________________

(١) صحيح بخاري ، ١ / ١٨٧ ، رقم ٢٧٦.

(٢) لا شل عشره : أي أصابعه. لسان العرب ٢ / ٢٠٨٠.

٧٠١

غير مصوغ منه أفعل لغير تفضيل. فلا يبنيان من غير فعل ككلب وحمار ، فلا يقال : ما أكلبه ، ولا ما أحمره ، وشذّ ما أقمنه ، وما أجدره ، بنوا الأوّل من قولهم : هو قمن بكذا ، والثاني من قولهم : هو جدير بكذا ، والمعنى فيهما ما أحقّه بكذا.

ولا من غير ثلاثيّ ، والمراد به ما كان حروفه ثلاثة ، كما هو اصطلاح النّحويّين ، وشدّ ما أعطاه للدارهم ، وما أولاه للمعروف ، وما أتقاه ، وما أملأ القربة ، لأنّه من اتّقى بتشديد التاء ، وامتلأت ، وإن كان قد سمع تقى بمعنى خاف ، وملأ بمعنى امتلأ لندورهما ، ولا من ناقص ، ولا من جامد ، وشذّ ما أعساه وأعس به ، أي ما أحقّه وأحقق به ، ولا من منفيّ ، ولا من غير قابل للتفاضل ، ولا من مبنيّ للمفعول ، وشذّ ما أخضره من وجهين : الزيادة على الثلاثة ، والبناء للمفعول ، لأنّه من اختصر بالبناء للمفعول ، ولا من مصوغ منه أفعل لغير تفضيل من حيث أنّ كلّا منهما للمبالغة والتاكيد ، ويساويهما في الوزن.

تنبيه : قال الرضيّ : يزيد فعل التعجّب على اسم التفضيل بشرط ، وهو أنّه لا يبنى إلا ممّا وقع ، واستمرّ بخلاف التفضيل ، فإنّك تقول : أنا أضرب منك غدا ، ولا يتعجّب إلا ممّا حصل في الماضي واستمرّ ، حتّى يستحقّ أن يتعجّب منه ، أمّا الحال الّذي لم يتكامل بعد ، والمستقبل الّذي لم يدخل في الوجود ، والماضي الّذي لم يستمرّ ، فلا يستحقّ التعجّب منهما ، انتهى.

كيفية التعجّب إذا كان الفعل غير مستوف للشروط الثمانية : «ويتوصّل إلى الفاقد» بعض الشروط المذكورة ، إذا أريد التعجّب منه «بما أشدّ وأشدد» أو نحوهما ممّا مرّ ، ويجعل مصدر الفاقد منصوبا بعد «ما أشدّ» ونحوه ، ومجرورا بالباء بعد أشدد ونحوه ، فتقول في الأوّل : ما أشدّ أو أضعف دحرجته ، أو انطلاقه ، أو بياضه ، أو عرجه ، وفي الثاني أشدد بدحرجته أو بانطلاقه أو ببياضه أو بعرجه ، ويؤتي بمصدر المنفيّ والمبنيّ للمفعول غير صريح ، نحو : ما أكثر أن لا يقوم ، وما أعظم ما ضرب بالبناء للمفعول ، وأكثر بأن لا يقوم وأعظم بما ضرب ، وأمّا الفعل الناقص فإن قلنا : له مصدر ، وهو الصحيح ، أوتي به صريحا ، تقول : ما أشدّ كونه جميلا ، وأشدد بكونه جميلا ، وإن قلنا : لا مصدر له ، أوتي له بمصدر مؤوّل ، نحو : ما أكثر ما كان محسنا ، وأشدد بما كان محسنا ، وأمّا الجامد كنعم وغير القابل للتفاضل ك مات فلا يتعجّب منه ألبتّة.

تنبيه : لا يختصّ التوصّل بنحو أشدّ أو أشدد بالفاقد بعض الشروط. بل يجوز فيما استوفاه نحو : ما أشدّ ضرب زيد لعمرو ، وأشدد بضرب زيد لعمرو.

٧٠٢

«ولا يتصرّف فيهما» أي في فعلى التّعجّب المذكورين. قال ابن مالك : اتّفاقا ، ولا يرد عليه تجويز هشام أن يؤتي بمضارع ما أفعله ، فتقول : ما يحسن زيدا ، لأنّه قياس ، ولم يسمع ، فلا يقدح في الإجماع ، وعلّة جمودهما تضمّنها معنى حرف التعجّب الّذي كان يستحقّ الوضع ، ولم يوضع ، ولعدم تصرّفهما امتنع أن يتقدّم عليهما معمولهما ، وإن يفصل بينهما وبين معمولهما ، لا تقول : ما زيدا أحسن ، ولا بزيد أحسن ، وإن قيل : إنّ بزيد مفعول. وكذلك لا تقول ما أحسن يا عبد الله زيدا ، ولا أحسن يا زيد بعمرو ، ولا أحسن لو لا بخله بزيد ، واختلفوا في الفصل بظرف أو مجرور متعلّقين بالفعل.

فذهب الأخفش والمبرّد وأكثر البصريّين إلى المنع ، وذهب الفرّاء والجرميّ والمازنيّ والزجاج والفارسيّ وابن خروف والشلوبين إلى الجواز ، والصحيح لقولهم ما أحسن بالرجل أن يصدق ، وما أقبح به أن يكذب ، وقوله [من الطويل] :

٧٦٧ ـ أقيم بدار الحزم مادام حزمها

وأحر إذا حالت بأن أتحوّلا (١)

ولو تعلّق الظرف والمجرور بمعمول فعل التعجّب ، لم يجز الفصل به اتّفاقا ، كما قال ابن مالك في شرح التسهيل لا يقال : ما أحسن في المسجد معتكفا ، ولا أحسن عندك بجالس.

«وما» في ما أفعله اسم (٢) «مبتدأ اتّفاقا» ، أمّا كونه اسما فلأنّ في أفعل ضميرا يعود عليها ، والضمير لا يعود إلا على الأسماء ، وأمّا كونه مبتدأ ، فلأنّها مجرّدة عن العوامل اللفظيّة للإسناد إليها. قيل : وما روي عن الكسائيّ من أنّها لا موضع لها من الإعراب فشاذّ ، ولا يقدح في الأجماع.

«وهل هي» نكرة تامّة «بمعنى شيء»؟ وابتدأ بها لتضمّنها معنى التعجّب أو للابهام ، وما بعدها خبرها فموضعه رفع «أو» هي «موصولة» بمعنى الّذي فهي مبتدأ «وما بعدها صلتها» فلا محلّ له من الإعراب «والخبر محذوف» وجوبا ، فتقدير ما أحسن زيدا الّذي ، أحسن زيدا شيء عظيم ، فيه «خلاف».

قال سيبويه والجمهور بالأوّل ، والأخفش بالثاني ، وله قول آخر بأنّها نكرة ، موصوفة وما بعدها صفتها ، والخبر محذوف وجوبا ، والتقدير شي أحسن زيدا عظيم ، وردّ قولاه ، بأنّ فيه التزام حذف الخبر دون شيء يسدّ مسدّه (٣) ، ولا نظير له.

__________________

(١) هو لأوس بن حجر.

(٢) سقط اسم في «ح».

(٣) دون شيء مسدّه «ح».

٧٠٣

وقال الفرّاء وابن درستويه : هي استفهاميّة ، دخلها معنى التعجّب ، وما بعدها خبرها ، وردّ بأنّ مثل ذلك لا يليه غالبا إلا الأسماء ، نحو : (فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ) [الواقعة / ٨] ، وما ملازمة للفعل. ونقل ابن مالك هذا القول في شرح التسهيل عن الكوفيّين ، وهو موافق لقولهم باسميّة أفعل.

والأصحّ ما ذهب إليه سيبويه والجمهور ، لأنّ قصد المتعجّب الإعلام بأنّ المتعجّب منه ذو مزيّة ، إدراكها جليّ ، وسبب الاختصاص بها خفيّ ، فاستحقّت الجملة المعبّر بها عن ذلك أن تفتتح بنكرة غير مختصّة ، ليحصل بذلك إبهام متلوّ بإفهام ، ولا ريب أنّ الإفهام حاصل بإيقاع أفعل على المتعجّب منه ، إذ لا يكون إلا مختصّا ، فتعيّن كون الباقي وهو ما مقتضيا للإبهام.

«وما بعد الباء» من أفعل به «فاعل» لأفعل «عند سيبويه» وجمهور البصريّين «والباء زائدة» قالوا : إنّ أفعل لفظه الأمر ، ومعناه الخبر ، وهو في الأصل فعل ماض على صيغة أفعل بفتح العين بمعنى صار ذا كذا ، كما قالوا : أورق الشجر ، وأزهر النبات ، وأغدّ البعير ، بمعنى صار ذا ورق وذا زهر وذا غدّة ، ثمّ غيّرت الصيغة الماضويّة إلى صيغة الأمر لأجل المبالغة ، يقولون : كن ما شئت ، إذا أرادوا المبالغة ، فقبح إسناد صيغة الأمر إلى الاسم الظاهر ، فزيدت الباء في الفاعل لإصلاح اللفظ بصيرورته على صورة المفعول به المجرور بالباء كامرر بزيد ، وبذلك زيادتها بخلافها في نحو : (كَفى بِاللهِ) [الفتح / ٢٨] فيجوز تركها لعدم القبح. وضعف هذا القول من أوجه :

أحدها : استعمال أفعل للصيرورة قياسا ، وليس بقياس.

الثاني : وقوع الظاهر فاعلا لصيغة الأمر بغير لام ولم يسمع.

الثالث : زيادة الباء في الفاعل ، وهو قليل ، وإنّما المطّرد عكسه.

الرابع : جعل الأمر بمعنى الماضي ولم يعهد ، وإنّما المعهود عكسه ، نحو : اتقى الله امرء فعل خيرا يثب عليه ، أي ليتّق.

وما بعد الباء «مفعول به عند الأخفش» وجماعة من الكوفيّين والبصريّين.

وهي أي الباء للتعدية أو زائدة في المفعول به كما في قوله تعالى : (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة / ١٩٥] ، ومبني هذين الوجهين على أنّ الهمزة في أفعل للتعدية أو للصيرورة ، فإن كانت للتعدية ، وهو الأولى لقلّة همزة الصيرورة ، فالياء زائدة ، ولا يجوز أن تكون للتعدية ، وإلا اجتمع حرفا تعدية.

فعلى هذا يكون أحسن ، من قولك : أحسن بزيد ، أمرا من أحسنت زيدا ، أي جعلته حسنا ، ثمّ زيدت الباء ، فقيل : أحسن بزيد ، وإن كانت للصيرورة ، كما أجازه الزجاج ،

٧٠٤

فالباء للتعدية ، والأصل أحسن زيد ، أي صار ذا حسن ، ثمّ جئ بباء التعدية ، فقيل : أحسنت بزيد ، أي جعلته صائرا ذا حسن ، فمعنى الأمر من ذلك صيّر زيدا صائرا ذا حسن ، فالتصير مستفاد من باء التعدية ، وكونه صائرا ذا كذا مستفاد من صيغة أفعل الّتي همزتها بمعنى الصيرورة. وأفعل على هذا القول أعني كون ما بعد الباء مفعولا به أمر حقيقة ، لا بمعنى الماضي كما قال سيبويه.

وفيه ضمير كما في كلّ مثال أمر ، واختلف في مرجعه ، فقال ابن كيسان من الكوفيّين : الضمير للحسن المدلول عليه بأحسن ، كأنّه قيل : أحسن يا حسن بزيد ، أي دم به ، ولذلك كان الضمير مفردا على كلّ حال. قال الرضيّ : وفيه تكلّف وسماجة ، وأيضا نحن نقول : أحسن بزيد يا عمرو ، ولا يخاطب شيئان في حالة واحدة ، إلا أن يقول معنى خطاب الحسن قد انمحّي.

وقال الفرّاء من الكوفيّين والزجاج من البصريّين وابن خروف والزمخشريّ من المتأخرى ن : الضمير للمخاطب ، أي أمر لكلّ أحد بأن يجعل زيدا حسنا ، أي يصفه بالحسن ، فكأنّه قيل : صفه بالحسن كيف شئت ، فإنّ فيه منه كلّ ما يمكن أن يكون في شخص كما قال [من البسيط] :

٧٦٨ ـ وقد وجدت مكان القولي ذا سعة

فإن وجدت لسانا قائلا فقل (١)

قال الرضيّ : وهذا معنى مناسب للتعجّب بخلاف تقدير سيبويه ، وإنّما التزم إفراد الضمير على هذا القول ، لأنّه كلام جرى مجرى المثل ، والأمثال لا تغيّر كما تقدّم.

تنبيهات : الأوّل : ما ذكره المصنّف من أنّ أفعل بفتح العين وأفعل بكسرها فعلان ، هو الصحيح ، أمّا أفعل بكسر العين فأجمعوا على فعليته ، وشذّ ما ذهب إليه ابن الأنباريّ ، فقال : إنّه اسم. قال المراديّ : ولا وجه له ، وأمّا أفعل بفتح العين فالقول بفعليته مذهب البصريّين والكسائيّ من الكوفيّين للزومه مع ياء المتكلّم نون الوقاية ، نحو : ما أفقرني إلى رحمة الله ، ففتحته بناء كالفتحة في زيد ضرب عمرا ، وما بعده مفعول به وقال بقية الكوفيّين : هو اسم لقول العرب : ما أحيسنه وما أميلحه ، والتصغير من خصائص الأسماء.

وأجيب بأنّه شاذّ ، وقد مرّ الكلام على ذلك في أوّل الكتاب وعلى قولهم : ففتحته إعراب كالفتحة في زيد عندك ، وذلك لأنّ مخالفة الخبر للمبتدأ (٢) مقتض عندهم نصبه ، و

__________________

(١) البيت للمتنبي.

(٢) للانشاء «ح».

٧٠٥

أفعل إنّما هو في المعنى وصف لزيد لا لضمير ما ، وزيدا عندهم مشبّه بالمفعول به ، ولأنّ ناصبه وصف قاصر ، فاشبه قولك : زيد حسن الوجه ، بالنصب.

الثاني : ربّما يتوهّم من قولهم : وأفعل به ، لزوم الإتيان بالباء الزائدة مطلقا ، وليس مرادا. قال ابن هشام في حواشي التسهيل : يجوز حذف الباء إن كان المتعجّب منه أن المصدريّة وصلتها كقوله [من الطويل] :

٧٦٩ ـ ...

وأحبب إلينا أن نكون المقدّما (١)

أي بأن تكون دون أنّ المشدّدة وصلتها لعدم السماع ، فهذا حكم اختصّت به أن عن ان ، ونظيره عسى أن يقوم ، انتهى.

وفي الإرتشاف أنّ الباء زائدة لازمة إلا مع أن وصلتها ، فجاز حذفها ، وفي النهاية لا يجوز حذف الباء من أن وأنّ في التعجّب ، وفي شعر شريف الموسوي (٢) (ره) إسقاطها ، قال [من الكامل] :

٧٧٠ ـ أهون عليك إذا امتلأت من الكرى

إنّي أبيت بليلة الملسوع (٣)

انتهى.

وفي الهمع : ويجاء بعد أفعل بباء زائدة لازمة ، لا يجوز حذفها ، وقيل : يجوز حذفها مع أن وأنّ المصدريّتين ، فيحصل من هذه النقول في المسالة ثلاثه أقوال : جواز حذف الباء مطلقا ، ومنعه مطلقا ، وعليه صاحب النهاية والهمع ، والتفصيل وعليه الشيخان ابن مالك وابن هشام.

الثالث : لا يتعجّب إلا من معرفة أو نكرة مختصّة ، نحو : ما أحسن زيدا ، أو ما أسعد رجلا اتّقي الله ، لأنّ المتعجّب منه مخبر عنه في المعنى ، فلا يقال ما أسعد رجلا من الناس ، لأنّه لا فائدة في ذلك ، قاله في التصريح وغيره.

الرابع : لا يتعيّن ذكر المتعجّب منه ، بل يجوز حذفه في مثل ما أحيسنه ، إذا دلّ عليه دليل كقول علي (ع) [من الطويل] :

٧٧١ ـ جزى الله عنّي والجزاء بفضله

ربيعة ما أعفّ وأكرما (٤)

__________________

(١) صدره «وقال نبيّ المسلمين تقدّموا» ، وهو لعباس بن مرداس.

(٢) هو الشريف الرضي ولد في بغداد سنة ٣٥٩ ه‍. من أصل يرتقي إلى الحسين (ع) وقد توّلي نفابة الأشراف والطالبيين وأمارة الحج. له ديوان شعر وجمع نهج البلاغه ، وقد توفّي سنة ٤٠٦ ه‍ .. الجامع في تاريخ الأدب العربي ١ / ٨٣٢.

(٣) الكرى : النعاس.

(٤) ليس هذا البيت في الديوان المنسوب إلى الإمام علي (ع) بل قد جاء في الديوان.

جزي الله قوما قاتلوا في لقائهم

لدي البأس خيرا ما أعفّ وأكرما

ربيعة أعني إنّهم أهل نجدة

وبأس إذا لاقوا خميسا عرمرما

ديوان الامام علي (ع) ص ١٣٥.

٧٠٦

أي ما أعفّها وأكرمها.

وفي المثل أفعل به ، إن كان أفعل معطوفا على آخر مذكور معه مثل ذلك المحذوف نحو : (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ) [مريم / ٣٨] ، وقوله [من الرجز] :

٧٧٢ ـ أعزز بنا وأكف إن دعينا

يوما إلى نصرة من يلينا (١)

أي وأكف بنا. وأمّا قوله [من الطويل] :

٧٧٣ ـ فذلك إن يلق المنيّة يلقها

حميدا وإن يستغن يوما فأجدر (٢)

فشاذّ.

وإنّما جاز حذفه مع كونه فاعلا عند سيبويه ، والفاعل لا يحذف ، لأنّه بملازمتة الجرّ وبكون الفعل الّذي قبله في صورة ما فاعله مضمر ، والجارّ والمجرور بعده مفعول أشبه الفضلة ، فجاز حذفه اكتفاء بما تقدّم. وذهب الفارسيّ وجماعة إلى أنّه لم يحذف ، ولكنّه استتر في الفعل حين حذفت الباء كما في قولك : زيد كفى به كاتبا ، زيد كفى كاتبا ، وردّه ابن مالك بلزوم إبرازه حينئذ في التثنية والجمع ، وإنّ من الضمائر ما لا يقبل الاستتار ، ك نا من أكرم بنا.

الخامس : زاد بعضهم في التعجّب صيغة ثالثه ، وهي فعل بضمّ العين ، نحو : (كَبُرَتْ كَلِمَةً) [الكهف / ٥] ، وزاد الكوفيّون رابعة ، وهي أفعل بغير ما ، فأجازوا تحويل الثلاثيّ إلى صيغة أفعل ، فتقول : أحسنت رجلا ، واكرمت رجلا ، بمعنى ما أحسنك رجلا ، وما أكرمك ، وزاد بعضهم اسم التفضيل متمسّكا بقول سيبويه : إنّ أفعل وما أفعله وأفعل به في معنى واحد ، قاله في التصريح.

__________________

(١) لم أقف على قائل البيت.

(٢) هو لعروة بن الورد ، الملقّب بعروة الصعإليك. اللغة : المنيّة : الموت.

٧٠٧

أفعال القلوب

ص : فصل : أفعال القلوب : أفعال تدخل على الاسمية لبيان ما نشأت منه من ظنّ أو يقين. وتنصب المبتدأ والخبر مفعولين ، ولا يجوز حذف أحدهما وحده ، وهي : «وجد» و «ألفى» لتيقّن الخبر ، نحو : (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ ،) و «جعل» و «زعم» لظنّه ، نحو : (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً ،) و «ظنّ» و «خال» و «حسب» لهما ، والغالب فيها الظّنّ ، نحو : حسبت زيدا قائما.

مسألة : وإذا توسّطت بين المبتدإ والخبر ، أو تأخّرت ، جاز إبطال عملها لفظا ومحلّا ، ويسمّى «الإلغاء» نحو : زيد علمت قائم ، وزيد قائم علمت ، وإذا دخلت على الاستفهام أو النّفي أو اللّام أو القسم وجب إبطال عملها لفظا فقط ، ويسمّى «التعليق» ، نحو : (لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى ،) وعلمت لزيد قائم.

ش : هذا فصل في الكلام على «أفعال القلوب» ، وسمّيت بذلك ، لأنّ معانيها قائمة بالقلب ، وتسمّي أيضا أفعال الشّكّ واليقين ، واليقين هو التصديق الجازم المطابق الثابت ، قال بعضهم : وكأنّهم أرادوا بالشك الظّنّ ، وإلا فلا شيء منها بمعنى الشكّ المقتضي تساوي الطرفين ، وردّ بأنّه من خلط اللغة باصطلاح الميزانيين ، وإلا ففي اللغة الشكّ خلاف اليقين.

«أفعال تدخل على الجملة الاسمية لبيان ما نشأت» تلك الجملة «منه من ظنّ أو يقين» ، كما إذا قلت : ظننت زيدا قائما ، فقولك : علمت لبيان أنّ ما نشأت الجملة عنه ، حين تكلّمت بها ، وأخبرت بها عن قيام زيد إنّما هو الظنّ. وإذا قلت : علمت زيدا قائما ، فقولك : علمت لبيان أنّ منشأ الإخبار بهذه الجملة هو العلم ، وكذلك بواقي الأفعال ، والحاصل أنّ المقصود بالإفادة معاني هذه الأفعال لا الجملة الداخلة عليها ، وتلك الجملة فضلة متعلّقة بمعاني تلك الأفعال بخلاف الأفعال الناقصة ، فإنّ المقصود بالإفادة الجملة المدخولة لها.

وتنصب المبتدأ والخبر مفعولين ، فما كان مبتدأ يصير مفعولا أوّلا ، وما كان خبرا يصير مفعولا ثانيا ، نحو : حسبت زيدا قائما ، هذا مذهب الجمهور ، وذهب السهيليّ إلى أنّ المفعولين في باب ظنّ ليس أصلهما المبتدأ والخبر ، بل هما كمفعولي أعطى ، في أنّ الفعل استعمل معهما ابتداء ، قال : والّذي حمل النّحويّين على القول بدخول هذه الأفعال على المبتدإ والخبر أنّهم رأوا أنّه يجوز أن يكون من مفعوليها مبتدأ وخبر ، قال : وهذا باطل بدليل أنّك تقول : ظننت زيدا عمرا ، ولا تقول : زيد عمرو إلا على وجه التشبيه ، وأنت لم ترد ذلك مع ظننت ، إذ القصد أنّك ظننت زيدا عمرا نفسه لا شبه

٧٠٨

عمرو (١). وقال أبو حيّان : الصحيح قول النّحويّين ، وليس دليلهم ما توهّمه ، بل دليلهم رجوع المفعولين إلى المبتدإ والخبر ، إذا ألغيت هذه الأفعال ، انتهى ، فتدبّر.

قال بعضهم : وقد يقال معنى قول النحاة : إنّها تدخل على المبتدإ والخبر أنّها تدخل عليهما في الجملة ، لا أنّها لا تدخل إلا عليهما ، فلا يرد حينئذ ظننت زيدا عمرا وأمثاله ، ثمّ إنّ ما نقل عن السهيليّ مشكل ، كيف؟ وشواهد الدخول عليهما أكثر من أن تحصر ، وأشهر من أن تذكر ، وذهب الفرّاء إلى أنّ الثاني منصوب على التشبيه بالحال مستدلّا بوقوعه جملة وظرفا وجارّا ومجرورا ، وعورض بوقوعه معرفة وضميرا وجامدا ، وبأنّه لا يتمّ الكلام بدونه.

حذف المفعولين أو أحدهما : «ولا يجوز حذف أحدهما» أي المفعولين «وحده» اقتصارا بالاتّفاق ، لأنّ أصلهما المبتدأ والخبر ، فكما لا يجوز أن يؤتى بمبتدإ دون خبر ، ولا بخبر دون مبتدإ قبل دخول الناسخ ، فكذلك بعده ، وأمّا حذفه اختصارا فأجازه الجمهور ، ومنعه طائفة ، منهم ابن الحاجب.

وصححّه ابن عصفور وأبو إسحاق بن ملكون ، وهو قضية إطلاق المصنّف ، وحجّتهم أنّ المفعول في هذا الباب مطلوب من جهتين : من جهة العامل فيه ، ومن جهة كونه أحد جزئي الجملة ، فلمّا تكرّر طلبه إمتنع حذفه ، كذا قالوا ، وما قالوه منتقض بخبر كان ، فإنّه مطلوب من جهتين ، ولا خلاف في جواز حذفه اختصارا ، وقد ورد السماع هنا بالحذف ، قال تعالى : (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ) [آل عمران / ١٨٠] ، أي بخلهم ، فحذف المفعول الأوّل ، وكقوله [من الكامل] :

٧٧٤ ـ ولقد نزلت فلا تظنّي غيره

منّي بمنزلة المحبّ المكرم (٢)

أي فلا تظنّي غيره واقعا ، فحذف المفعول الثاني.

وأمّا حذفهما معا اختصارا فجائز بالإجماع ، نحو : (أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) [القصص / ٦٢]. وقوله [من الطويل] :

٧٧٥ ـ بأيّ كتاب أم بأيّة سنّة

ترى حبّهم عارا على وتحسب (٣)

__________________

(١) في «ح» من إلا على وجه التشبيه حتّى هنا محذوف.

(٢) هو لعنترة بن شدّاد العبسي. اللغة : المحبّ : اسم المفعول من أحبّ ، وهو القياس ، ولكنّه قليل في الاستعمال ، والأكثر أن يقال في اسم المفعول : المحبوب ، أو الحبيب ، مع أنّهم هجروا الفعل الثاني ، وفي اسم الفاعل قالوا : محبّ ، من الفعل المستعمل الّذي هو المزيد فيه. لسان العرب ١ / ٧١٣.

(٣) هو للكميت.

٧٠٩

أي تزعمونهم شركاء ، وتحسبه عارا على.

وأما حذفها اقتصارا فاختلفوا فيه على أقوال :

أحدها : المنع مطلقا ، وعليه الأخفش والجرميّ وابن خروف وشيخه ابن طاهر والشلوبين ، ونسبه ابن مالك لسيبويه لعدم الفائدة ، إذ لا يخلو الانسان من ظنّ ما أو علم ما ، فاشبه قولك : النار حارّة.

الثاني : الجواز مطلقا ، وعليه أكثر النّحويّين ، منهم ابن السّراج والسيرافيّ ، وصحّحه ابن عصفور لوروده ، قال تعالى : (وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [البقرة / ٢١٦] ، و (أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى) [النجم / ٣٥] ، أي يعلم ، وقال تعالى : (وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ) [الفتح / ١٢] ، وحكى سيبويه : من يسمع يخل ، وما ذكر من عدم الفاعدة ممنوع لحصولها بالإسناد إلى الفاعل.

الثالث : الجواز في أفعال الظّنّ دون أفعال العلم ، وعليه الأعلم ، واستدلّ بحصول الفائدة في الأوّل دون الثاني ، فإنّ الإنسان قد يخلو من الظّنّ ، فيفيد قوله : ظننت أنّه وقع منه ظّن ، ولا يخلو من علم ، إذ له أشياء يعلمها ضرورة كعلمه أنّ الاثنين أكثر من الواحد ، فلم يفد قوله : علمت شيئا ، وردّ بأنّه يفيد وقوع علم ما لم يكن يعلم.

الرابع : المنع قياسا ، والجواز في بعضها سماعا ، وعليه أبو العلاء إدريس (١) ، فيجوز في ظنّ وخال وحسب لوروده فيها ، ويمنع في الباقي ، ونسبه لسيبويه.

تنبيه : جرت عادة النّحويّين أن يقولوا بحذف المفعول اختصارا أو اقتصارا ، ويريدون بالاختصار الحذف لدليل ، وبالاقتصار الحذف لغير دليل ، ويمثّلونه بنحو : (كُلُوا وَاشْرَبُوا) [البقرة / ٦٠] ، أي أوقعوا هذين الفعلين ، وقول العرب : من يسمع يخل ، أي يقع منه خيلة ، والتحقيق أن يقال : إنّه تارة يتعلّق الغرض بالإعلام بمجرّد وقوع الفعل من غير تعيين من أوقعه ، أو من أوقع عليه ، فيجاء بمصدره مسندا إلى فعل كون عامّ ، فيقال : حصل حريق أو نهب ، وتارة يتعلّق بالإعلام بمجرّد إيقاع الفاعل للفعل ، فيقتصر عليها ، ولا يذكر المفعول ، ولا ينوى ، إذ المنوي كالثابت.

ولا يسمّى محذوفا ، لأنّ الفعل ينزّل بهذا القصد مترلة ما لا مفعول له ، ومنه : (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) [البقرة / ٢٥٨] ، إذ المعنى ربّي الّذي يفعل الإحياء والإماتة. وتارة يقصد إسناد الفعل إلى فاعله وتعليقه بمفعوله ، فيذكر أنّ نحو : ما أحسن زيدا ، وهذا النوع الّذي إذا لم يذكر مفعوله قبل محذوف ، قاله في المغني.

__________________

(١) إدريس بن محمد بن موسى الأنصاريّ القرطبيّ أبو العلا ، نحويّ أديب ، مات سنة ٦٧٤ ه‍. بغية الوعاة ١ / ٤٣٦.

٧١٠

ألفاظ أفعال القلوب : «وهي» أي أفعال القلوب «وجد» كوعد ، ومصدرها وجدان عن الأخفش ، ووجود عن السيرافيّ ، «وألفي» أثبتها الكوفيّون وابن مالك احتجاجا بقوله [من البسيط] :

٧٧٦ ـ قد جرّبوه فألفوه المغيّث إذا

 ... (١)

وأنكرها البصريّون وابن عصفور ، وقالوا : المنصوب ثانيا حال ، وتأوّلوا البيت بزيادة اللام ، وليس بشئ ، إذ التاويل خلاف الأصل ، فالصحيح قول الكوفيّين. وهما لتيقّن الخبر ، أي تفيدان في الخبر يقينا ، نحو قوله تعالى : (وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ) [الأعراف / ١٠٢] ، وقوله : (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ) [الصافات / ٦٩]. وعدّ غيره بمعناها فعلين أخرى ن :

أحدهما : تعلّم بمعنى اعلم كقوله [من الطويل] :

٧٧٧ ـ تعلّم شفاء النفس قهر عدوّها

 ... (٢)

قال ابن مالك : وهي جامدة ، لا يستعمل منها إلا الأمر. قاله أبو حيّان وتابع فيه الأعلم ، وليس بصحيح ، لأنّ يعقوب حكي : تعلّمت فلانا خارجا بمعنى علمت ، وقد يجاب بأنّه نادر ، والغالب فيها وقوعها على أنّ وصلتها كقوله [من الطويل] :

٧٧٨ ـ تعلّم رسول الله أنّك مدركي

 ... (٣)

وأما إذا كانت بمعنى تكلّف العلم ، فإنّها يتعدّى إلى واحد ، نحو : تعلّم المسالة ، وهي متصرّف بلا خلاف.

الثاني : درى في لغة ، كقوله [من الطويل] :

٧٧٩ ـ دريت الوفيّ العهد يا عرو فأغتبط

فإنّ اغتباطا بالوفاء حميد (٤)

والغالب فيها أن تتعدّى إلى واحد بالباء نحو : دريت بكذا ، فإذا دخلت عليها الهمزة تعدّت لآخر بنفسها ، نحو : ولا أدريكم.

قال أبو حيّان : عدّ درى من أفعال هذا الباب الكوفيّون وابن مالك ، وأنكرها البصريّون ، ولعلّ البيت من باب التضمين ، ضمّن دريت معنى علمت والتضمين

__________________

(١) تمامه «ما الروع عمّ فلا يلوي على أحد» ، ولم يسمّ القائل. اللغة : الروع : الفزع.

(٢) تمامه «فبالغ بلطف في التحيّل والمكر» ، وهو لزياد بن سيّار. اللغة : القهر : الغلبة ، التحيّل : استعمال الحيلة.

(٣) تمامه «وأنّ وعيدا منك كالأخذ باليد» ، وهو لأسيد بن أبي إياس الهذليّ ، أو لمسارية بن زنيم.

(٤) لم ينسب البيت إلى قائل معيّن. اللغة : اغتبط : أمر من الغبطة ، وهي أن تتمنّى مثل حال الغير من غير أن تتمنّى زوال حاله عنه.

٧١١

لا ينقاس ، ولا ينبغي أن يجعل أصلا حتّى يكثر ، ولا يثبت ذلك ببيت نادر محتمل للتضمين (١) ، انتهى.

«وجعل وزعم» بفتح العين ، ومصدرها زعم ـ مثلث الزاء ـ وهما «لظّنه» أي يفيدان في الخبر ظنّا ، نحو قوله تعالى : (وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً) [الزخرف / ١٩] ، وقال الشاعر [من الخفيف] :

٧٨٠ ـ زعمتني شيخا ولست بشيخ

إنّما الشيخ من يدبّ دبيبا (٢)

والأكثر وقوعها على أن وأنّ وصلتهما ، فتسدّ مسدّ مفعوليهما كما قال سيبويه والجمهور خلافا للأخفش ، حيث زعم أنّ المفعول الثاني محذوف ، وقول بعضهم : إنّ الخبر محذوف سهو ، نحو : (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا) [التغابن / ٧] ، وقول الشاعر [من الطويل] :

٧٨١ ـ وقد زعمت أنّي تغيّرت بعدها

ومن ذا الّذي يا عزّ لا يتغيّر (٣)

وقد يستعمل لليقين ، نحو : الله موف للناس ما زعموا ، ذكره الرضيّ ، وعبّر عنه بالتحقيق. قال السيرافيّ : والزعم قول يقترن به الاعتقاد ، صحّ أو لم يصحّ. وقال ابن دريد : أكثر ما يقع على الباطل ، وفي الإيضاح زعم بمعنى علم في قول سيبويه. وقال غيره يكون بمعنى اعتقد ، فقد يكون علما ، وقد يكون تقليدا ، ويكون أيضا ظنّا غالبا ، وقيل : يكون بمعنى الكذب قاله في الهمع.

وعدّ جماعة بمعناهما ثلاثة أفعال أخر :

أحدها : حجا والمضارع يحجو كقوله [من البسيط] :

٧٨٢ ـ قد كنت أحجو أبا عمر وأخا ثقة

حتّى ألمّت بنا يوما ملمّات (٤)

الثاني : عدّ ، أثبتها الكوفيّون وبعض البصرية ، ووافقهم ابن أبي الربيع وابن مالك ، كقوله [من الطويل] :

٧٨٣ ـ فلا تعدد المولى شريكك في الغني

ولكنّما المولى شريكك في العدم (٥)

أي لا تظنّ ، وأنكرها أكثرهم.

الثالث : هب ، أثبتها الكوفيّون وابن مالك ، كقوله [من المتقارب] :

__________________

(١) من باب التضمين حتّى هنا محذوف في «س».

(٢) البيت لأبي أميه أوس الحنفي. اللغة : يدبّ : يمشي مشيا رويدا.

(٣) البيت لكثير عزّة.

(٤) نسب هذا البيت إلى تميم بن مقبل ، وإلى أبي شنبل الأعربي. اللغة : أحجو : أظنّ ، ألمّت : نزلت ، الملمات : جمع ملمّة ، وهي النازلة من نوازل الدهر.

(٥) البيت للنعمان بن بشير. اللغة : لا تعدد : لا تظنّ ، المولى : هنا بمعنى الحليف أو الناصر ، العدم : الفقر.

٧١٢

٧٨٤ ـ فقلت أجرني أبا مالك

وإلا فهبني امرء مالكا (١)

وهي جامدة ، ولم تستعمل فيما سوي الأمر ، والغالب تعديتها إلى صريح المفعولين كما في البيت ، ووقوعها على أن وصلتها نادر ، حتّى زعم الحريريّ أنّ قول الخواصّ : هب أنّ زيد قائم لحن. قال ابن هشام ، وذهل عن قول القائل : هب أنّ أبانا كان حمارا ونحوه.

وأنكر البصريّون تعديتها إلى مفعولين ، واضطرب فيها ابن عصفور ، فمرّة قال :

يتعدّى إلى واحد بدليل تنكير الثاني ، ومرّة قال يتعدّى إلى اثنين بدليل مجيئه معرفة ونكرة. إلا أنّه جعله أمرا من وهب الّتي بمعنى صيّر.

«وعلم ورأى» وهما «للأمرين» أي الظنّ واليقين و «الغالب» منهما «اليقين» ، نحو قوله تعالى : (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ) [محمد / ١٩] ، (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ) [الممتحنة / ١٠] ، فالأولى لليقين ، والثانية للظّنّ ، وقوله تعالى : (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً* وَنَراهُ قَرِيباً) [المعارج / ٧ و ٨] الأولى للظّنّ ، والثانية لليقين.

«وظنّ وخال وحسب لهما» ، أي للأمرين الظّنّ واليقين «والغالب فيها الظنّ» وهو في ظنّ نحو قوله تعالى : (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ) [الجاثية / ٣٢] ، وقول الشاعر [من الطويل] :

٧٨٥ ـ ظننتك إن شبّت لظى الحرب صاليا

فعرّدت فيمن كان عنها معرّدا (٢)

واليقين فيها نحو : (يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ) [البقرة / ٤٦] وما أحسن قول بعض الأدباء يرثي المعظم عيسى [من الرجز] :

٧٨٦ ـ أظنّ قد مات النّدي

والظنّ قد يأتي بمعنى اليقين (٣)

والظّنّ في خال كقوله [من الطويل] :

٧٨٧ ـ إخالك إن لم تغضض الطّرف ذا هوي

يسومك ما لا يستطاع من الوجد (٤)

واليقين فيها نحو قوله [من المنسرح] :

٧٨٨ ـ ما خلتني زلت بعدكم ضمنا

أشكو إليكم حموّة الألم (٥)

__________________

(١) البيت لابن همام السلولي. اللغة : أجرني : اتّخذني جارا تدفع عنه وتحميه ، هبني : عدني واحسبني.

(٢) لم ينسب البيت إلى قائل معين. اللغة : شبّت : توقّدت ، الظى. الالتهاب ، صاليا : محترقا ، عرّدت : هربت.

(٣) اللغة : الندى : الجود والسخاوة والخير.

(٤) البيت مجهول القائل. اللغة : إخال : أظن والقياس أخال ، ولكن بكسر الألف أفصح وأكثر استعمالا ، تغضض الطرف : تخفضه استحياء وخزيا ، يسوم : يذهب حيث يشاء ، الوجد : السرور.

(٥) لم يعيّن قائله. اللغة : حموة الألم : سورته.

٧١٣

والظنّ في حسب نحو قولك : «حسبت زيدا قائما» ، أي ظننته قائما ، وقول الشاعر [من الطويل] :

٧٨٩ ـ وكنّا حسبنا كلّ بيضاء شحمة

ليالي لا قينا جذام وحميرا (١)

واليقين فيها نحو قوله [من الطويل] :

٧٩٠ ـ حسبت التقى والجود خير تجارة

رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا (٢)

تنبيهات : الأوّل : تأتي وجد بمعنى حزن وحقد ، فلا يتعدّى بنفسها نحو : وجدت على الميّت ، أي حزنت عليه ، ووجدت على المسيء ، أي حقدت عليه ، ويختلفان في المصدر ، فمصدر الأولى وجد ، والثانية موجدة. (٣)

وترد علم بمعنى عرف ، ورأي بمعنى ذهب من المراي أي المذهب ، وظنّ بمعنى اتّهم ، وحجا بمعنى نوي وقصد ، فيتعدّين إلى واحد ، نحو : (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً) [النحل / ٧٨]. وتقول : رأي أبو حنيفه حلّ كذا ، ورأى الشافعيّ حرمته ، وفقد لي مال فظننت زيدا ، أي اتّهمته ، ومنه : وما هو على الغيب بظنين [التكوير / ٢٤] ، أي بمتّهم على الغيب. وأمّا من قرأ بالضاد فالمعنى ما هو ببخيل ، وتقول : حجوت بيت الله ، أي نويته ، وقصدته.

وإنّما لم يحترز المصنّف عن هذه الأفعال ، وإن كان يشملها قولنا أفعال القلوب ، لأنّ معانيها قائمة بالقلب لعدم دخولها في الحدّ المقدّم ذكره.

الفرق بين علم وعرف : وتأتي هذه الأفعال وبقية أفعال الباب لمعان أخر غير قلبيّة ، فلا تتعدّي لمفعولين ، ولا حاجه إلى الاحتراز عنها ، لأنّها لم يشملها قولنا : أفعال القلوب ، فإن قلت قولك : ترد علم بمعنى عرف ، فتعدّى إلى واحد يفهم أنّ بين علم المتقدّمة وهذه فرقا ، فما الفرق بينهما؟

قلت : فرّق بينهما ابن الحاجب بأنّ قولك : علمت الشيء بمعنى عرفته ، لا يقتضي إلا متعلّقا واحدا ، لأنّ معناه : عرفت الشيء في نفسه ، ومعنى علمت زيدا قائما ، عرفته باعتبار كونه على صفة ، وخالفه الرضيّ ، فقال : لا يتوهّم أنّ بين علمت وعرفت فرقا معنويّا كما قال بعضهم ، فإنّ معنى علمت أنّ زيدا قائم ، وعرفت أن زيدا قائم واحد ، إلا أنّ عرفت لا تنصب جزئي الاسمية ، كما تنصبها علم لا لفرق معنويّ بينهما ، بل هو

__________________

(١) هو لزفر بن حارث الكلابي. اللغة : كلّ بيضاء شحمة : مثل للعرب يقول : ما كلّ بيضاء شحمة ولا كلّ سوداء تمرة.

(٢) هو للبيد بن ربيعة. اللغة : ثاقلا : ميتا.

(٣) سقطت هذه الفقرة في «س».

٧١٤

موكول إلى الاختيار العرب ، فإنّهم قد يخصّون إحدى المتساويين بحكم لفظيّ دون الآخر ، انتهى.

قال بعضهم : وهذا بناء على أنّ العلم والمعرفة مترادفان ، وهو قول بعض أهل الأصول والميزان ، ولبعضهم قول آخر : وهو أنّ العلم يتعلّق بالكليّات والمركّبات ، والمعرفة تتعلّق بالجزئيّات والبسائط. قال في شرح المطالع (١) : ومن هنا تسمع النّحويّين يقولون : علم يتعدّى إلى مفعولين ، وعرف يتعدّى إلى واحد ، فتأمّله ، انتهى.

الثاني : ألحقوا رأي الحلمية برأي العلمية في التعدّي لاثنين بجامع إدراك الحس الباطنيّ كقوله [من الوافر] :

٧٩١ ـ أراهم رفقتي حتّى إذا ما

تجافى الليل وانخزل انخزالا (٢)

فهم مفعول أوّل ، ورفقني بضمّ الرّاء المهملة وكسرها مفعول ثان.

ومصدرها الرويا ، نحو : (هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ) [يوسف / ١٠٠] ، قال ابن هشام في التوضيح (٣) : ولا يختصّ الرويا بمصدر الحلميّة ، بل قد يقع مصدرا للبصريّة خلافا للحريريّ وابن مالك بدليل : (وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) [الإسراء / ٦٠] ، قال ابن عباس : هي رؤيا عين ، انتهى.

ثمّ القول بأنّ رأي الحلميّة ملحقة برأي العلميّة هو المشهور في كلامهم ، وقال بعض المتأخرين : الأحسن أن يقال : رأى الحلميّة ملحقة برأى الظنّيّة ، لأنّ ما يرى في النوم أشبه بالظّنّ منه بالعلم ، انتهى ، فتدّبر.

الإلغاء : «وإذا توسّطت» أفعال القلوب سوي هب وتعلّم لعدم تصرّفها «بين المبتدإ والخبر ، أو تأخّرت» عنها «جاز» أي لا يمتنع ، ولا يجب إبطال عملها لفظا ومحلّا لاستقلال الجزئين كلاما ، فيمتنعان عن التأثّر عند ضعف العامل بالتأخّر عن كليهما أو أحدهما ، ويمكن أن يؤثّر فيهما العامل لقوّته ذاتا ، فيجوز «الوجهان ويسمّى» هذا الحكم ، وهو إبطال عملها لفظا ومحلّا «إلإلغاء». ووجه التسمية ظاهر ، «نحو : زيد علمت قائم» ، مثال لتوسّط الفعل بين المبتدإ والخبر ، «وزيد قائم علمت» مثال لتأخّره عنهما. وإلغاء التأخّر أقوي من إعماله بلا خلاف لضعفه بالتأخّر عن الجزئين ، والمتوسّط

__________________

(١) ما وجدت عنوان هذا الكتاب في المراجع.

(٢) هو لابن أحمر الباهلي. اللغة : الرفقة : الصحبة ، الجماعة ترافقهم في السفر ، تجافى : تباعد وأزال عن مكانه ، انخزل : انقطع.

(٣) أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك لابن هشام اشتهر بالتوضيح. كشف الظنون ١ / ١٥٤.

٧١٥

بالعكس ، لأنّ العامل اللفظيّ أقوي من الابتداء. وقيل : هما في التوسّط سواء ، لأنّ ضعف العامل بالتوسّط سوّغ مقاومة الابتداء له ، فلكلّ منهما مرجّح ، وصحّحه المراديّ.

تنبيهات : الأوّل : قال أبو حيّان : لجواز الوجهين مع التوسّط والتأخّر شرطان : أحدهما : أن لا تدخل لام الابتداء على الاسم ، نحو : لزيد ظننت قائم ، ولزيد قائم ظننت ، فإنّه حينئذ لا يجوز إلا الإلغاء. الثاني : أن لا ينفي ، نحو : زيدا منطلقا لم أظنّ ، وزيدا لم أظنّ منطلقا ، فإنّه لا يجوز إلا الإعمال ، لأنّه تعيّن بناء الكلام على الظّنّ المنفيّ ، ولا يبطل هذا بقوله [من البسيط] :

٧٩٢ ـ ...

وما إخال لدينا منك تنويل (١)

لأنّ النفي داخل في المعنى على ما بعد إخال.

الثاني : هذا الإلغاء بالنسبة إلى المفعولين إذا كانا اسمين ، وأمّا إذا كان المفعول الثاني فعلا ، وقدّم ، نحو : قام أظنّ زيد ، فالإلغاء باق على الجواز عند البصريّين ، وهو الّذي صحّحه في التسهيل ، وأوجبه الكوفيّون ، وقيل يؤيّد البصريّين قوله [من الوافر] :

٧٩٣ ـ شجاك أظنّ ربع الظاعنينا

 ... (٢)

روي برفع ربع ونصبه ، واعترض بأنا لا نسلم أنّ شجاك فعل ، بل مضاف ومضاف إليه مبتدأ ، وربع الظاعنينا خبر عنه على تقدير رفعه ، ومفعول أوّل مقدّم ، وربع الظاعنينا مفعول ثان ، وأظنّ عامل على تقدير نصبه ، وقال أبو حيّان : الّذي يقتضيه القياس أنّه لا يجوز إلا الإلغاء ، لأنّ الإعمال مترتّب على كون الجزءين كانا مبتدأ وخبرا ، وليسا هنا كذلك ، وإلا لأدّى إلى تقديم الخبر الفعلي على المبتدإ ، انتهى.

قال بعضهم : وبهذه الصورة وصورة لام الابتداء تحصل صورتان ، يجب فيهما الإلغاء ، فيستثنيان من قولهم : الإلغاء جائز لا واجب.

الثالث : قال بعض الشارحين في نظير عبارة المصنّف : إنّ كلامه قد يوهم وجوب الإعمال عند التقديم على المفعولين مطلقا ، حتّى لو تقدّم على الفعل شيء كمتى ، وما لم يجز الإلغاء هو رأي لبعضهم ، والجمهور على خلافه ، لكنّ الأرجح الأعمال ، ذكره المراديّ (٣). والحكم منصوص في الكافية ، وفي التسهيل بدون حكاية خلاف ، انتهى.

__________________

(١) صدره «أرجو وآمل أن تدنو مودّتها» ، وهو لكعب بن زهير. اللغة : تدنو : تقرب ، تنويل : عطاء.

(٢) تمامه «فلم تعبأ بعذل العاذلينا» ، اللغة : شجاك : أحزنك ، الربع : الدار ، الظاعن : من ظعن ، إذا سار ، لم تعبأ : لم تلتفت.

(٣) سقطت هذه الفقرة في «س».

٧١٦

هذا ، وخرج بقوله : إذا توسّطت ، أو تأخّرت ما إذا تقدّمت ، نحو : ظننت زيدا قائما ، فلا تلغى خلافا للكوفيّين والأخفش وابن الطراوة ، إلا أنّ الإعمال أحسن عندهم.

التعليق : «وإذا دخلت» أفعال القلوب سوى الفعلين المذكورين لما مرّ «على الاستفهام أو النفي» بما أو إن أو لا «أو» على «اللام» أي لام الابتداء «أو القسم» لفظا أو تقديرا «وجب إبطال عملها لفظا فقط» دون المحلّ الجائزة مراعاته لوجود المانع من العمل لفظا ، وهو اعتراض ما له صدر الكلام ، «ويسمّى» هذا الحكم «التعليق» آخذا من قولهم : امرأة معلّقة أو مفقودة الزوج ، تكون كالشيء المعلّق لا مع الزوج لفقدانه ولا بلا زوج لتجويزها وجوده ، فلا تقدر على التزوّج ، فالفعل المعلّق عن العمل ممنوع من العمل لفظا عامل محلّا.

قال ابن الخشاب : لقد أجاد أهل هذه الصناعة في هذا اللقب لهذا المعنى ، ولا فرق في الاستفهام بين أن يكون بالحرف ، نحو : (وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ) [الأنبياء / ١٠٩] ، أو الاسم ، سواء كان الاسم عمدة مبتدأ نحو : (لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى) [الكهف / ١٢] ، فأيّ اسم استفهام مبتدأ ، وأحصى خبره ، وهو فعل ماض ، وقيل : اسم تفضيل بحذف الزوائد ، وجملة المبتدإ والخبر معلّق عنهما نعلم ، أو خبرا ، نحو : علمت متى السفر أو مضافا إليه نحو : علمت أبو من زيد أو الخبر ، نحو : علمت صبيحة أيّ يوم سفرك أو فضله ، نحو : (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) [الشعرا / ٢٢٧] ، فأيّ منصوب على المصدريّة بما بعده ، أي ينقلبون أيّ انقلاب ، ولا يصحّ أن يكون منصوبا بما قبله ، لأنّ الاستفهام له الصدر ، فلا يعمل فيه ما قبله.

تنبيه : قال بعضهم : استشكل تعليق الفعل بالاستفهام في نحو : علمت أزيد عندك أم عمرو ، من حيث إنّ العلم بالشيء ينافي ما يقتضيه الاستفهام من الجهل به ، وأجاب ابن هشام عنه في المغني بأنّه على تقدير مضاف ، أي جواب أزيد عندك أم عمرو؟ والتحقيق ما قال بعضهم : إنّ متعلّق العلم هو النسبة ، ومتعلّق الجهل طرفها ، والعلم بالنسبة يجامع الجهل بطرفها ضرورة ، فلا حاجة إلى تقديره ، بل التحقيق أنّ متعلّق العلم هو النسبة إلى أحدهما مبهما ، ومتعلّق الجهل النسبة إليه معيّنا وفرق ما بينهما ، انتهى.

والنفي بما نحو : علمت ما زيد قائم وبإن نحو : علمت إن زيد قائم ، وبلا نحو : علمت لا زيد في الدار ولا عمرو ، وأمّا ما وإن فللزوم وقوعهما في صدر الجمل وضعا ،

٧١٧

وأمّا لا النافية الداخلة على الجملة الاسميّة فإنّها لا التبرئة المشابهة ، لأنّ المكسورة اللازم دخولها على الجمل ، قاله الرضيّ.

وذهب بعضهم إلى نفي صدارة لا وإن النافيتين مطلقا ، وعليه المغاربة ، ولذلك لم يذكروها في المعلّقات ، وفصّل بعضهم ، فقال : إن وقعتا في جواب القسم الملفوظ أو المقدّر نحو : علمت والله لا زيد في الدار ولا عمرو ، وعلمت والله إن زيد قائم ، وعلمت لا زيد قائم في الدار ولا عمرو ، وعلمت إن زيد قائم ، كان لهما الصدر لحلولهما محلّ أدواته وإلا فلا ، وعليه جري ابن هشام في المغني والجامع والشذور والقطر وشرحيهما.

ولام الابتداء نحو : علمت لزيد قائم ، وقوله تعالى : (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) [البقرة / ١٠٢] ، وأمّا نحو : علمت إن زيدا لقائم. فقال ابن هشام في شرح الشذور : ذكر جماعة من المغاربة أنّ من المعلّقات أنّ الّتي في خبرها اللام ، والظاهر أنّ المعلّق هو اللام [لا أنّ] ، إلا أنّ ابن الخبّاز حكى في بعض كتبه أنّه يجوز «علمت أنّ زيدا قائم» بالكسر مع عدم اللام ، وأنّ ذلك مذهب سيبويه ، فعلى هذا المعلّق أنّ ، انتهى.

والقسم الملفوظ نحو : علمت والله ليقومنّ زيد ، والمقدّر نحو قوله [من الكامل] :

٧٩٤ ـ ولقد علمت لتأتينّ منيّتي

إنّ المنايا لا تطيش سهامها (١)

أي والله لتأتينّ ، وذلك إذا لم نقل بأنّ قوله : لتأتينّ جواب لقوله : علمت ، بناء على أنّ أفعال القلوب لإفادتها التحقيق تجاب بما يجاب به القسم ، كما جزم به ابن هشام في المغني وغيره. وفي تصوير التعليق هنا نظر ، لأنّ الناسخ إنّما يدلّ على ما كان في الأصل مبتدأ وخبرأ وهو هنا منتف ، وذهب بعضهم إلى أنّ القسم مقدّر بعد هذه الأفعال مع جميع المعلقات المذكورة ، وأنّه هو المعلّق لا هي ، قال في الهمع.

تنبيهات : الأوّل : عدّ ابن مالك من المعلّقات لو ، كقوله [من الطويل] :

٧٩٥ ـ وقد علم الأقوام لو أنّ حاتما

أراد ثراء المال كان له وفر (٢)

وأبو علي الفارسي لعلّه قال في الجامع : وتختصّ بدري ، نحو : (وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) [عبس / ٣] ، ووافقه على ذلك أبو حيّان ، لأنّهما مثل الاستفهام في أنّها غير خبر ، وإنّ ما بعدها منقطع عمّا قبلها ، ولا تعمل فيه ، وبعضهم كم الخبريّة ، نصّ عليه ابن

__________________

(١) هو للبيد بن ربيعة. اللغة : المنية : الموت ، لا تطيش : لا تخيب ، بل تصيب المرمى ، السهام : جمع سهم ، وهو هنا استعارة مكينة عن وسائل الموت المختلفة.

(٢) هو لحاتم الطائي الجواد المشهور. اللغة : الثراء : كثرة المال ، وفر : كثير واسع.

٧١٨

هشام في شرح الشذور ، قال : وحمل عليه قوله تعالى : (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ) [يس / ٣١] ، وقدّر كم خبريّة منصوبة بأهلكنا ، والجملة سادّة مسدّ مفعولي يروا ، وأنّهم بتقدير بأنّهم كأنّه قيل : أهلكناهم بالاستقبال ، وهذا الإعراب والمعنى صحيحان ، لكن لا تتعيّن خبريّة كم ، بل يجوز أن تكون استفهاميّة ، ويؤيّده قراءة ابن مسعود : من أهلكنا ، انتهى.

الثاني : قد يتوهّم من بيان المصنّف اختصاص كلّ من الإلغاء والتعليق بأفعال القلوب ، وهو كذلك في الأوّل ، وكذا في الثاني على ما قاله ابن عصفور ، قال : لا يتعلّق فعل غير علم وظنّ حتّى يضمن معناهما ، وأرحج عندهم خلافه. قال ابن هشام في المغني : لا يختصّ التعليق بباب ظنّ ، بل هو جاز في كلّ فعل قلبيّ ، وقال في الجامع : يشارك أفعال القلوب في التعليق بالاستفهام فقط : نظر ، وأبصر ، وتفكّر ، وسأل وشبههنّ.

وفي الهمع ألحق بالأفعال المذكورة في التعليق لكن مع الاستفهام خاصّة أبصر نحو : (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ* بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) [القلم / ٦ و ٥] ، وتفكّر كقوله [من الطويل] :

٧٩٦ ـ ...

تفكّر أإيّاه يهنون أم قردا (١)

وسأل نحو : (يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ) [الذاريات / ١٢] وزاد ابن خروف نظر ، ووافقه ابن عصفور وابن مالك ، نحو : (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) [الغاشية / ١٧] ، قال ابن زبير (٢) : ولم يذهب أحد إلى تعليقها سوي المذكورين.

وزاد ابن مالك نسي كقوله [من الطويل] :

٧٩٧ ـ ومن أنتم إنّا نسينا من أنتم

 ... (٣)

ونازعه أبو حيّان بأنّ ما في البيت يحتمل الموصوليّة ، وحذف العائد ، نحو : من هم أنتم. وزاد ابن مالك أيضا ما قارب المذكورات من الأفعال الّتي لها تعلّق بفعل القلب نحو [من البسيط] :

٧٩٨ ـ أما ترى أي برق هاهنا (٤)

على أنّ رأي بصريّة : (وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ) [يونس / ٥٣] ، لأنّ استنبأ بمعنى استعلم ، فهو طلب للعلم : (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) [هود / ٧] ، ونازعه أبو حيّان

__________________

(١) صدره «حزقّ إذا ما القوم أبدوا فكاهة» ، وهو لجامع بن عمرو. اللغة : الحزق : السيئ الخلق البخيل.

(٢) لم أجد ترجمة حياته.

(٣) تمامه «وريحكم من أيّ ريح الأعاصير» ، وهو لزياد بن الأعجم. اللغة : الأعاصير جمع الإعصار : ريح تهبّ بشدّة.

(٤) ما وجدت البيت ، ولكنه جاء هذا المصرع في المغني ، ولم يذكر صدره وقائله.

٧١٩

بأنّ رأى في الأوّل علميّة ، وأيّكم في الأخير إنشائيّة موصولة ، حذف صدر صلتها ، فبنيت ، وهي بدل ، وضمير المخاطب بدل بعض. وأجاز يونس تعليق كلّ فعل غير ما ذكر ، وخرّج عليه : (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ) [مريم / ٦٩] ، والجمهور لم يوافقوه على ذلك.

الثالث : إذا تقدّم على الاستفهام أحد المفعولين نحو : علمت زيدا من هو ، جاز نصبه بالاتّفاق ، لأنّ العامل مسلّط عليه ، ولا مانع من العمل ، واختلفوا في رفعه ، فأجازه سيبويه ، وإن كان المختار عنده النصب ، ووجّه بأنّه لما كان زيد مستفهما عنه من حيث المعنى ، لأنّ المعنى علمت من زيد ، عومل معاملة مباشرة الاستفهام لفظا ، أو يقال : زيد في الواقع هو المعبّر عنه بمن ، ومن لها الصدر لدلالتها على الاستفهام ، فعومل معاملتها ، وهذه صورة يجوز فيها التعليق ، ولا يجب ، فينبغي أن يستثنى من قولهم : التعليق واجب لا جائز.

القول بمعنى الظنّ : تتمة : تجيز بنو سليم إجراء القول مجرى الظّنّ ، فتنصب به المبتدأ والخبر مفعولين مطلقا من غير اعتبار شرط من الشروط الآتية ، فيقولون : قلت زيدا قائما (١) ، وعليه روي قول امرئ القيس [من الطويل] :

٧٩٩ ـ إذا ما جرى شأوين وابتلّ عطفه

تقول هزير الريح مرّت بأثأب (٢)

واختلف هل يعملونه باقيا على معناه ، أو لا يعلمونه ، حتّى يضمنوه معنى الظّنّ ، على قولين : الأوّل للأعلم وابن خروف وصاحب البسيط ، واستدلّوا بقوله [من الرجز] :

٨٠٠ ـ قالت وكنت رجلا فطينا

هذا لعمر الله إسرائينا (٣)

إذ ليس المعنى على ظننت. والثاني للجمهور ، قال المراديّ : وهو الظاهر. وقال الرضيّ : إعلم أنّه قد يجيء القول بمعنى الاعتقاد ولا لفظ هناك ، سواء كان ذلك الاعتقاد علما أو ظنّا ، نحو : كيف تقول في هذه المسالة ، أي كيف تعتقد ، فيلحق بالظّنّ في نصب المفعولين ، وليس بمعنى الظنّ خلافا لظاهر كلام سيبويه وبعض المتأخرين. قال المصنّف

__________________

(١) إنّ «القول» متعدّد المعاني ، وإنّ الّذي يتّصل منها بموضوعنا معنيان ، أحدهما : التلفّظ المحض ، ومجرّد النطق ، والآخر : الظّنّ ، فإن كان معناه «التلفظ المحض ، ومجرّد النطق» فإنّه ينصب مفعولا به واحدا ، سواءأ كان الّذي جري به التلفّظ ووقع عليه القول كلمة مفردة أم جملة. وإن كان معنى «القول» ومشتقّاته هو «الظنّ» فإنّه ينصب المفعولين مثله. عباس حسن ، النحو الوافي ، الطبعة السابعة ، ناصر خسرو ، طهران ، ١٣٨٣ ه‍ ش ، ٢ / ٤٥.

(٢) اللغة : الشأوان : مثني شأو ، وهو الطلق السريع ، ابتلّ عطفه : سال عرقه على جانبيه ، هزيز الريح : صوتها ، الأثاب : الشجر.

(٣) هو لإعرابي. اللغة : الفطين : الذكي المتوقّد ، اسرائين : لغة في اسرائيل قلبت لامه بالنون.

٧٢٠

والأندلسيّ : لو كان بمعنى الظّنّ لم تستعمل في العلم ، وقد يقال لك : كيف تقول زيدا قائما ، فتجيب أعلمه قائما ، فهو إذن بمعنى الاعتقاد علما كان أو ظنّا ، انتهى.

وجمهور العرب لا يجوّز هذا الالحاق إلا بشروط تقدّم استفهام بالهمزة أو غيرها ، وكونه فعلا مضارعا لمخاطب أو اتّصال الاستفهام به كقوله [من الرجز] :

٨٠١ ـ متى تقول القلص الرّواسما

يحملن أمّ قاسم وقاسما (١)

وقوله [من الطويل]

٨٠٢ ـ علام تقول الرّمح يثقل عاتقي

إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت (٢)

وحكي الكسائيّ : أتقول للعميان عقلاء؟ أي أتظنّ؟ فإن فقد شرط ممّا ذكر تعيّنت الحكاية ، بأن لا يتقدّم استفهام ، أو يكون القول غير مضارع ، أو مضارعا لغير مخاطب أو يفصل بينه وبين الاستفهام ، واغتفر الفصل بالظرف والمعمول مفعولا أو حالا ، كقوله [من البسيط] :

٨٠٣ ـ أبعد بعد تقول الدار جامعة

شملي بهم أم تقول البعد محتوما (٣)

ونحو : أفي الدار تقول زيدا جالسا ، وقوله [من الوافر] :

٨٠٤ ـ أجهّالا تقول بني لؤيّ

لعمر أبيك أم متجاهلينا (٤)

ونحو : أمسرعا تقول زيدا منطقا ، وقيل : لا يضرّ الفصل مطلقا ولو بأجبنيّ ، نحو : أأنت تقول زيدا منطلقا؟ وعليه الكوفيّون وأكثر البصريّين ما عدا سيبويه والأخفش ، وذهب السيرافيّ إلى جواز إعمال الماضي بشروط المضارع ، والكوفيّون إلى جواز إعمال الأمر بشروطه أيضا.

وزاد ابن مالك في التسهيل وشرحه لإعمال المضارع شرطا خامسا ، وهو أن يكون للحال لا للاستقبال ، وأنكره أبو حيّان والمراديّ وابن هشام في بعض كتبه ، وقالوا : لا نعلمه لغيره ، وزاد ابن هشام : بل الظاهر من اشتراط الاستفهام أن يكون مستقبلا وإذا اجتمعت الشروط فتجوز الحكاية أيضا مراعاة للأصل ، نحو : أتقول زيد منطلق؟

__________________

(١) البيت لهدبة بن خشرم العذري. اللغة : القلص : جمع قلوص ، وهي الشابة الفتية من الإبل ، الرواسم : جمع راسمة وهو ضرب من سير الإبل السريع.

(٢) البيت لعمرو بن معدي كرب ، اللغة : الرمح : القناة في رأسها سنان يطعن به ، العاتق : المنكب ، كرّت : أقبلت.

(٣) لم يسمّ قائله. اللغة : الشمل : الاجتماع.

(٤) هو للكميت بن زيد. اللغة : المتجاهل : الّذي يتصنع الجهل ويتكلّفه وليس به جهل.

٧٢١

تنبيهات : الأوّل : إذا جرى القول مجرى الظّنّ في ذلك ، فهل يجوز فيه ما جاز في الظّنّ من الإلغاء والتعليق وكون الفاعل والمفعول ضميرين؟ قال في النهاية : نعم ، وأقرّه أبو حيّان في الإرتشاف ، وقال الشاطبيّ : لا ، قال في التصريح : ولا يبعد تخريجه على القولين ، فمن قال : إنّه يجري مجرى الظّنّ في المعنى والعمل قال بالجواز ، ومن قال في العمل فقط قال بالمنع ، انتهى.

الثاني : قال بعض المحقّقين : القول مع الإعمال بمعنى الاعتقاد ومع عدمه بمعنى اللفظ اللسانيّ ، هكذا ينبغي أن يفهم ، ويظهر أثر المعنيين في أنّ الأوّل لا يقتضي وجود لفظ ألبتّة ، والثاني يقتضي وجوده في الخارج في أحد الأزمنة الثلاثة ، انتهى.

٧٢٢

التنازع

ص : خاتمة : إذا تنازع عاملان ظاهرا بعدهما ، فلك إعمال أيّهما شئت ، إلا أنّ البصريّين يختارون الثاني لقربه ، وعدم استلزامه إعماله الفصل بالأجنبيّ ، والعطف على الجملة قبل تمامها ، والكوفيّين الأوّل لسبقه وعدم استلزامه الإضمار قبل الذكر ، وأيّهما أعملت أضمرت الفاعل في المهمل موافقا للظّاهر.

أمّا المفعول ، فالمهمل إن كان الأوّل حذف ، أو الثاني أضمر ، إلا أن يمنع مانع ، وليس منه ، نحو : حسبني وحسبتها منطلقين الزّيدان منطلقا ، كما قاله بعض المحقّقين.

ش : هذه خاتمة لمباحث الأفعال في الكلام على التنازع ، ويسمّيه الكوفيّون الإعمال بكسر الهمزة ، «إذا تنازع عاملان» مثنّى عامل بالمعنى الأعمّ أو الأخصّ ، وقد عرفتهما ، سواء اتّفقا في العمل ، أو اختلفا فيه.

ولم يقل فصاعدا اقتصارا على أقلّ مراتب التنازع وأكثرها ، فافهم. قاله المصنّف في حواشيه يعني أنّ التنازع قد يقع في أكثر من عاملين كما ستراه ، لكنّه اقتصر على ذكر العاملين بيانا لأقلّ ما يقع في التنازع ، ولأنّه أكثر استعمالا ، ولا خفي ما في عبارته من الطباق بين الأقلّ (١) والأكثر ، وتعبيره بالعاملين أحسن من تعبير ابن الحاجب بالفعلين لشموله الفعل وشبهه في العمل.

«ظاهرا» مفعول تنازع من باب تجاذبنا الثوب ، أي اسما ظاهرا ، فخرج المضمر ، وتبع في ذلك ابن الحاجب ، ووجّهه بأنّ العاملين إذا وجّها إلى مضمر استويا في صحّة الأضمار فيهما ، فلا تنازع نحو : ضربت وأكرمت ، وتعقبه ابن مالك بأنّ هذا منه تقرير بأنّه لا يتأتّى في المضمر صورة تنازع ، فلا وجه لهذا الاعتراض ، لأنّ قولنا : إذا تنازع عاملان لا يمكن تناوله لذلك ، وأجاب ابن هشام بأنّه قد يقال : إنّ هذا إنّما ذكر للإعلام من أوّل الأمر بصورة التنازع لا للاحتراز عن صورة يتأتّى فيها صورة التنازع في الضمير ، ولا يحكم النّحويّون بأنّه من التنازع.

«ما قام وقعد إلا زيد» من باب التنازع أو لا؟ : فإن قلت : الوجه ذكره ابن الحاجب من أنّ التنازع لا يتأتّى في المضمر أنّما يستمرّ في المضمر المتّصل ، فأمّا المنفصل فيمكن التجاذب بين العاملين فيه ، نحو : ما قام وقعد إلا أنا ، قلت : الصحيح أنّ هذا ليس من

__________________

(١) من كما ستراه حتّى هنا سقط في «س».

٧٢٣

باب التنازع ، بل محمول على الحذف ، وذلك أنّ المحقّقين على اشتراط أن لا يكون المعمول محصورا ، فلا تنازع في ما قام وقعد إلا زيد لأمرين :

أحدهما : إنّ الواقع بعد إلا إمّا أن يكون ظاهرا أو مضمرا ، وأيّا ما كان فهو غير متأتّ ، فإن كان ظاهرا فإنّه يقتضي أن تقول في نحو : ما قام وقعد إلا الزيدان وإلا الزيدون ، ما قاما أو قاموا أو قعدا أو قعدوا ، ولم يتكلّم بمثل هذا ، وإن كان مضمرا فإنّه إن كان حاضرا ، نحو : ما قام وقعد إلا أنا وإلا أنت لم يتأتّ الإضمار في أحدهما إذا أعملت الآخر ، لأنّك إمّا أن تضمر ضميرا غائبا ، فيلزم إعادة ضمير غائب على حاضر أو ضميرا حاضرا ، فتقول : ما قام وقعدت إلا أنا ، أو قعدت إلا أنت ، أو تقيس ذلك على إعمال الثاني ، فيلزم مخالفة قاعد التنازع ، لأنّك تعيد الضمير على غير المتنازع فيه ، لأنّ ضميري المتكلّم والمخاطب إنّما يفسّرهما حضور من هما له لا لفظه ، والضمير في باب التنازع إنّما يعود على لفظ المتنازع فيه ، وإن كان غائبا لزم إبرازه في التثنية والجمع ، وقد ذكرنا أنّه لم يتكلّم به.

الوجه الثاني : أنّ الإضمار في أحدهما يؤدّي إلى إخلاء العامل الآخر من الإيجاب ، لأنّ الفعل المنفيّ إنّما يصير موجبا بمقارنة إلا لمعموله لفظا أو معنى ، فإذا لم يقترن بها لفظا ولا معنى فهو باق على النفي ، والمقصود بخلاف ذلك ، وإذا امتنع التنازع فيما ذكرنا ، فاعلم أنّه محمول على الحذف ، وممّن نصّ على ذلك ابن الحاجب وابن مالك ، فأصل ما قام وقعد إلا أنا ، ما قام أحد ، ولا قعد إلا أنا ، فحذف أحد من الأوّل لفظا ، واكتفى بقصده ودلالة النفي والاستثناء عليه كما جاء : (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ) [النساء / ١٥٩] ، (وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) [الصافات / ١٦٤] ، أي ما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمننّ ، وما منّا أحد إلا له مقام.

وذهب بعضهم إلى أنّ نحو ذلك من باب المتنازع ، وليس بشيء لما شرحنا ، لكن يلزم على القول بالحذف حذف الفاعل ، وليس ممّا نحن فيه كالآيتين المذكورتين ، لأنّ المحذوف فيهما مبتدأ ، وهو جائز الحذف بخلافه في المثال ، فإنّ المحذوف فيه الفاعل ، ومن قواعد البصريّين أنّه لا يحذف ، بل زعم ابن عصفور في شرح الإيضاح أنّ حذف الفاعل لا يجوز عند أحد من البصريّين ولا عند الكوفيّين ، وهذا التركيب مسموع عن العرب قال [من البسيط] :

٨٠٥ ـ ما صاب قلبي وأضناه وتيّمه

إلا كواعب من ذهل بن شيبانا (١)

__________________

(١) قائله مجهول. اللغة : أضناه : من أضنى المرض الإنسان : أثقله ، تيمّه : استعبده وذهب بعقله. كواعب : جمع كاعب ، من كعبت الفتاه : نهد ثديها.

٧٢٤

وقال [من البسيط] :

٨٠٦ ـ ما جاد رأيا ولا جاد محاولة

إلا امرؤ لم يضع دنيا ولا دينا (١)

وتخريجه على مذهب الفرّاء في «قام وقعد زيد» ضعيف لضعفه وتخريجه على حذف إلا زيدا أو أنا من الأوّل لدلالة الثاني عليه فيه أيضا حذف الفاعل ، فما تنفكّ المسالة عن إشكال.

وقوله : «بعدهما» صفة ظاهرا ، أي ظاهرا واقعا بعدهما ، أي بعد العاملين ، واحترز بذلك عمّا إذا وقع قبلهما ، نحو : زيدا ضربت وأكرمت ، أو بينهما ، نحو : ضربت زيدا وأكرمت ، فإنّه يتعيّن المعمول في الصورتين ، لأن يكون للأوّل ، لأنّه طالب له من حيث المعنى ، ولم يجد معارضا ، فإذا جاء الثاني لم يكن له أن يطلبه لأنّه إنّما جاء بعد أخذ غيره له ، فلا يكون فيه مجال للتنازع.

وليس هذا بمتّفق عليه ، فقد ذهب بعض المغاربة إلى وقوع التنازع في الأوّل ، وجرى عليه الرضيّ. وعبارته : وقد يتنازع العاملان ما قبلهما إذا كان منصوبا ، نحو : زيدا ضربت وقتلت ، وإيّاك ضربت وأكرمت ، وذهب الفارسيّ إلى وقوعه في الثاني ، واستظهر المراديّ وقوعه فيهما ، واستغرب أبو حيّان القولين.

«فلك» جواب إذا «إعمال أيّهما شئت» فإن شئت أعملت الأوّل ، وإن شئت أعملت الثاني باتّفاق النّحويّين ، لأنّ كلّا مسموع ، وإنّما الخلاف في المختار كما سيأتي بيانه.

تنبيهات : الأوّل : فهم من قوله : «إذا تنازع عاملان» أنّه لا بدّ أن يكون كلّ منهما طالبا من حيث المعنى لما فرض التنازع فيه ، فلا تنازع بين «مطلت ونحبّ في الواعدين» من قول الشاعر [من الوافر] :

٨٠٧ ـ عدينا في غد ما شئت إنّا

نحبّ ولو مطلت الواعدينا (٢)

لعدم طلب كلّ منهما له ، لأنّ الممطول موعود لا واعد ، فالواعدين مفعول لنحبّ لا غير ، ومفعول مطلت محذوف ، أي ولو مطلتنا ، أو هو مترّل مترلة ما لا مفعول له ، أي ولو وقع منك مطل.

__________________

(١) لم يسمّ قائله. اللغة : جاد جودة : صار جيّدا.

(٢) هو لعبيد الله بن قيس الرقيات.

٧٢٥

لا تنازع بين العاملين أكّد أحدهما بالآخر : قال ابن هشام في الأوضح : ولا تنازع بين فعلين أو اسمين أكّد أحدهما بالاخر ، لأنّ الطالب للمعمول إنّما هو الأوّل ، وأمّا الثاني فلم يؤت به للإسناد ، بل لمجرّد التقوية للأوّل ولهذا قال الشاعر [من الطويل] :

٨٠٨ ـ فأين إلى أين النّجاة ببغلتي

أتاك أتاك اللّاحقون احبس احبس (١)

فاللاحقون فاعل أتاك الأوّل ، والثاني لمجرّد التقوية ، ولا فاعل له ، ولو كان من التنازع لقال : أتاك أتوك ، على إعمال الأوّل ، وأتوك أتاك على إعمال الثاني ، انتهى.

وفيه بحث ، وما ذكره هو مختار ابن مالك ، ووافقه إليها ابن النحاس وابن أبي الربيع. قال أبو حيّان : ولم يصرّح بالمنع في ذلك أحد سواهم ، بل صرّح الفارسيّ في قول الشاعر [من الطويل] :

٨٠٩ ـ فهيهات هيهات العقيق وأهله

وهيهات خلّ بالعقيق تواصله (٢)

بأنّه من باب التنازع ، وإلاضمار في أحدهما ، انتهى.

وقيل : المرفوع في البيتين فاعل بالعاملين ، لأنّهما بلفظ واحد ومعنى واحد ، فكأنّهما عامل واحد ، ففي المسالة أقول ثلاثة :

هل يوجد التنازع بين الحرفين : الثاني : ظاهر كلامه أنّه لا يشترط في العاملين المتنازعين أن يكون من غير نوع الحروف ، والجمهور على اشتراطه ، لأنّ الحروف لا دلالة لها على الحدث ، حتّى تطلب المعمولات ، وأجاز ابن العلج التنازع بين الحرفين مستدلّا بقوله : (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) [البقرة / ٢٤] ، فقال : تنازع إن ولم في تفعلوا ، وردّ بأنّ إن تطلب مثبتا ، ولم تطلب منفيّا ، وشرط التنازع الاتّحاد في المعنى ، ونقل ابن عصفور عن بعضهم أنّه جوّز تنازع لعلّ وعسى ، نحو : لعلّ وعسى زيد أن يخرج ، على إعمال الثاني ، ولعلّ وعسى زيدا خارج ، على إعمال الأوّل ، وردّ بأنّ منصوب عسى لا يحذف (٣).

شرط العاملين في التنازع : الثالث : ظاهر كلامه أيضا أنّه لا يشترط فيهما أن يكونا متصرّفين والجمهور على اشتراطه ، لأنّ التنازع يقع فيه الفصل بين العامل ومعموله ، و

__________________

(١) لم يعيّن قائل البيت. اللغة : البغلة : دابة معروفة ، ويروى النجاء وهو بمعنى الإسراع.

(٢) هو لجرير بن عطية. اللغة : العقيق : اسم مكان ، الخل : الصديق.

(٣) جاء في حاشية الصبّان : (ولا تنازع بين حرفين) لضعف الحرف ولفقد شرط صحّة الإضمار في المتنازعين ، إذ الحروف لا يضمر فيها ، وعندي فيه نظر ، لأنّ المراد بالإضمار في هذا الباب ما يشمل اعتبار الضمير ولو مع حذفه كما في ضربت وضربني زيد. حاشية الصبّان ، ص ١٠٠.

٧٢٦

الجامد لا يفصل بينه وبين معموله ، وعن المبرّد إجازته في فعلى التعجّب ، نحو : ما أحسن وأجمل زيدا ، وأحسن به وأجمل بعمرو ، والمانع لا يجوّز هذين التركيبين ، بل يجب عنده أن يقال فيهما : ما أحسن زيدا وأجمله ، وأحسن بزيد وأجمل به.

الرابع : قال ابن هشام في المغني : العاملان في باب التنازع لا بدّ من ارتباطهما إمّا بعطف ، نحو : قاما وقعد أخواك ، أو عمل أوّلهما في ثانيتهما ، نحو : (وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللهِ شَطَطاً) [الجن / ٤] ، أو كون ثانيهما جوابا للأوّل إمّا جوابية الشرط ، نحو : (تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ) [المنافقون / ٥] ، ونحو : (آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) [الكهف / ٩٦] ، أو جوابية السؤال نحو : (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) [النساء / ٧٦] ، ونحو ذلك من أوجه الارتباط ، ولا يجوز : قام قعد زيد (١).

هل يجري التنازع في جميع المعمولات : الخامس : ظاهر كلامه أنّ التنازع يجري في جميع المعمولات ، وهو رأي لبعضهم ، قال بعض الأئمة : والأصحّ أنّه لا يجري في المصدر والحال والتمييز ، انتهى.

وفي الجمع وشرحه : ويقع التنازع في كلّ معمول إلا المفعول له (٢) والتمييز وكذا الحال ، لأنّها لا تضمر خلافا لابن معط ، انتهى.

قلت : وكان ابن معط رجع عن هذا القول ، فقال في شرح الجزوليّة (٣) : تقول في الحال : إن تزرني ضاحكا إنّك في هذه الحالة ، ولا يجوز الكناية عنها ، لأنّ الحال لا تضمر. قال أبو حيّان : والأجود إعادة الحال كالأوّل. قال ابن معط : وتقول في الظرف على إعمال الثاني : سرت وذهبت فيه اليوم ، وعلى الأوّل سرت وذهبت فيه اليوم (٤) ، وفي المصدر على الثاني ، إن تضرب بكرا أضربك ضربا شديدا ، وعلى الأوّل أضربكه ضربا شديدا. وفي النهاية لابن الخبّاز : ويجوز التنازع في المفعول معه تقول : قمت وسرت وزيدا ، إن أعلمت الثاني ، وقمت وسرت وإيّاه إن أعلمت الأوّل ، انتهى.

إعمال العامل الثاني : «إلا» أنّ النحاة «البصريّين» ـ نسبة إلى البصرة بفتح الباء وكسرها وضمّها ثلاث لغات حكاها الأزهريّ (٥) ، وأفصحهنّ الفتح ، وهو المشهور ، و

__________________

(١) في جميع النسخ «قام وقعد زيد» وهذه الجملة صحيحة لأنّ بين العاملين ارتباطا بالعطف.

(٢) المفعول معه «ح».

(٣) ما وجدت عنوان الكتاب.

(٤) سقطت «سرت وذهبت فيه اليوم» في «ح وط».

(٥) محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة بن نوح الأزهري اللغويّ الأديب ، ولد سنة ٢٨٢ ه‍ ، وكان رأسا في اللغة ، ومن تصانيفه : التهذيب في اللغة ، مات سنة ٣٧٠ ه‍ ، بغية الوعاة ١ / ١٩.

٧٢٧

النسبة إليها بصريّ ، بكسر الباء وفتحها وجهان مشهوران ، ولم يقولوا بالضّمّ وإن ضمّت البصرة على لغة قاله النوويّ ـ «يختارون» إعمال العامل «الثاني لقربه» من المعمول ، فالأولى أن يستند به دون البعيد ، و «لعدم استلزام إعماله الفصل» بين العامل ومعموله بالأجنبيّ ، والعطف على الجملة قبل تمامها في نحو : قام وقعد زيد ، إذ إعمال الأوّل يستلزم الفصل بين العامل الّذي هو قام ، والمعمول الّذي هو زيد بالأجنبيّ الّذي هو الجملة المعطوفة ، ويستلزم العطف على الجملة الّتي هي قام زيد قبل تمامها الّذي هو زيد ، إذ التقدير : قام زيد وقعد ، وكلا الأمرين خلاف الأصل ، وإعمال الثاني لا يستلزم شيئا منهما ، قال الرضيّ : ولا تجيء هذه العلّة في غير العطف ، نحو : جاءني لأكرمه ، وكاد يخرج زيد.

إعمال العامل الأوّل : والنّحاة «الكوفيّون» يختارون إعمال العامل «الأوّل لسبقه» على غيره من العوامل «وعدم استلزامه الإضمار قبل الذكر» ، وهو عود الضمير على متأخّر لفظا ورتبة ، وإعمال الأوّل يستلزم ذلك ، وهو ضعيف. وأجيب بأنّ الإضمار قبل الذكر قد جاء مصرّحا به في غير هذا الباب كما في باب نعم وربّه رجلا وضمير الشأن ، فهو شائع من غير ضعف. وقدّم المصنّف نقل مختار البصريّين إشارة إلى أنّه المختار عنده ، ولا شكّ أنّ الاستقراء شاهد بأنّ إعمال الثاني أكثر. وقيل : هما سيّان في العمل ، لأنّ لكلّ مرجّحا ، حكاه ابن العلج في البسيط.

وإذا تنازع ثلاثة فالحكم كذلك بالنسبة إلى الأوّل والثالث ، قاله المراديّ ، وسكتوا عن المتوسّط ، فهل يلتحق بالأوّل لسبقه على الثالث أو بالثاني لقربه من المعمول بالنسبة إلى الأوّل ، أو يستوي فيه الأمران ، لم أر في ذلك نقلا ، قاله في التصريح.

تنبيه : قال في السراج ما نقله عن الكوفيّين ، هو الّذي تضافرت به نصوص النحاة عنهم ، وقال ابن النحاس : إنّه لم يجد ذلك على ما حكي عنهم.

إذا تنازع العاملان الفاعل : «وأيّهما» أي العاملين «أعلمت» الأوّل أو الثاني «أضمرت الفاعل في» العامل «المهمل» من العمل في الظاهر ، إذا اقتضى الفاعل ، فإن أعملت الثاني أضمرت الفاعل في الأوّل ، وإن أعملت الأوّل أضمرت الفاعل في الثاني «موافقا للظاهر» في الإفراد والتذكير وفروعهما ، لأنّه مفسّرة ، والموافقة بين المفسّر والمفسّر ملتزمة ، فتقول على إعمال الأوّل : ضربني وضربتهم قومك ، وعلى إعمال الثاني : ضربوني وضربت قومك.

٧٢٨

هذا مذهب البصريّين ، ومنع الكوفيّون من نحو المثال الثاني لاستلزامه الإضمار قبل الذكر. فذهب الكسائيّ وهشام والسهيليّ وابن مضاء إلى وجوب حذف الفاعل من الأوّل للدلالة عليه تمسّكا بظاهر قوله [من الطويل] :

٨١٠ ـ تعفّق بالأرطى لها وأرادها

رجال فبذّت نبلهم وكليب (١)

إذ لم يقل تعفّقوا ، ولا أرادوا ، قال في التصريح : ويمكن أن يجاب عنه بأنّه أعمل الثاني ، ولم يقل : تعفّقوا على لفظ الجمع ، لأنّه يجوز أن ينوى مفردا على مذهب البصريّين باعتبار تأويله بالمذكور ، انتهى. وذهب الفرّاء إلى أنّه يجب إعمال الأوّل فرارا من حذف الفاعل ومن الإضمار قبل الذكر ، وعنه قول آخر حكاه في البسيط : إنّه يقتصد في مثل ذلك على السماع ، ولا يكون قياسا.

قال الرضيّ : والنقل الصحيح عن الفرّاء في مثل هذا أنّ الثاني إن طلب أيضا للفاعلى ة ، نحو : ضرب وأكرم زيد ، جاز أن يعمل العالمان في المتنازع ، فيكون الاسم الواحد فاعلا للفعلين ، لكن اجتماع المؤثّرين التامّين على أثر واحد مدلول على فساده في الأصول ، وهم يجرون عوامل النحو كالمؤثّرات الحقيقيّة. قال : وجاز أن يؤتى بفاعل الأوّل ضميرا بعد المتنازع ، نحو : ضربني وأكرمني الزيدان هما ، جئت بالمنفصل لتعذّر المتّصل بلزوم الإضمار قبل الذكر ، وإن طلب الثاني للمفعوليّة مع طلب الأوّل لأجل الفاعلية ، نحو : ضربني وأكرمت زيدا هو ، تعيّن عنده الإتيان بالضمير بعد المتنازع كما رأيت ، كلّ هذا حذرا ممّا لزم البصريّين والكسائيّ من الإضمار قبل الذكر وحذف الفاعل ، انتهى.

والصحيح ما ذهب إليه البصريّون بشهادة السماع ، قال الشاعر [من الطويل] :

٨١١ ـ جفوني ولم أجف الأخلاء إنّني

لغير جميل من خليليّ مهمل (٢)

وقال [من البسيط] :

٨١٢ ـ هوينني وهويت الغانيات إلى

أن شبت فانصرفت عنهنّ آمالى (٣)

وإذا ثبت ذلك عن العرب وجب المصير إليه.

تنبيه : ما عزوته إلى الكسائيّ ومن وافقه من وجوب حذف الفاعل هو المشهور ، وفي شرح الإيضاح في باب الاستثناء حذف الفاعل لا يجوز عند أحد من البصريّين ولا الكوفيّين ، وما حكاه البصريّون عن الكسائيّ أنّه يجيز حذف الفاعل في قولك : ضربني و

__________________

(١) هو لعلقمة الفحل. اللغة : تعفّق : تعوّذ ، الأرطى : شجر من شجر الرمل.

(٢) البيت مجهول القائل. اللغة : الاخلاء : جمع خليل بمعنى صديق ، مهمل : اسم فاعل من الإهمال بمعنى الترك.

(٣) لم ينسب البيت إلى قائل معيّن. اللغة : هوي : أحبّ ، الغانيات : جمع الغانية ، وهي المرأة الغنيّة بحسنها وجمالها عن الزينة.

٧٢٩

ضربت الزيدين باطل ، بل هو عنده ضمير مستتر في الفعل مفرد في الأحوال كلّها ، انتهى.

إذا تنازع العاملان المفعول : «أمّا المفعول» فتارة يحذف ، وتارة يضمر ، فالعامل «المهمل» من العمل في الظاهر «إن كان هو الأوّل حذف» أي المفعول ، ولا يضمر فيه ، إذ لو أضمر ، والحال هذه لزم الإضمار قبل الذكر ، وذلك أنّما ارتكبناه للضرورة لأجل الفاعل اجتنابا لحذف العمدة ، وأمّا المفعول فهو فضله مستغني عنه ، فيجب حذفه ، قال تعالى : (آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) [الكهف / ٩٦] ، وقال : (هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ) [الحاقة / ١٩] ، وأجاز قوم إضماره ، وعليه ابن مالك ، كما لو كان المهمل الثاني ، ودفع بالفرق بين الإضمار قبل الذكر وبعده ، ولا خلاف في جوازه ضرورة كقوله [من الطويل] :

٨١٣ ـ إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب

جهارا فكن في الغيب أحفظ للؤدّ (١)

تنبيهات : الأوّل : المجرور حكمه حكم المفعول فيما ذكر ، فيجب حذفه ما لم يلتبس ، نحو : مررت ومرّ بي زيد ، فإن أوقع حذفه في لبس وجب إضماره مؤخّرا ، نحو : رغبت ورغب في زيد عنه ، إذ لو حذف لتوهّم أنّ المراد رغبت فيه.

الثاني : قضيّة إطلاقه حذف المفعول ، ولو كان العامل من باب ظنّ ، وهو الصحيح لما سيأتي ، وفيه ثلاثة أقوال أخر : قيل : يضمر قبل الذكر ، لأنّه عمدة ، وإن كان منصوبا فهو كالفاعل ، فلا يحذف ، بل يقال : ظننته أو ظنّني إيّاه زيدا قائما ، وقيل : يضمر مؤخّرا ذهابا إلى أنّه لا يحذف ، ولا يضمر قبل الذكر ، لأنّه منصوب ، فهو على صورة الفضلة ، فيضمر مؤخّرا ، نحو : ظنّني وظننت زيدا قائما إيّاه ، وقيل : يظهر ، فيقال ظنّني قائما ، وظننت زيدا قائما. وأصحّها الأوّل الّذي اقتضته عبارة المصنّف ، لأنّه حذف ، قال ابن عصفور : وهو أسدّ المذاهب ، لأنّ الإضمار قبل الذكر والفصل بين العامل والمعمول لم تدع ضرورة إليه ، وحذف الاقتصار في باب ظنّ قد تقدّم الدليل على جوازه ، انتهى. وشرط الحذف أن يكون المحذوف مثل المثبت إفرادا وتذكيرا وفروعهما ، فإن لم يكن مثله لم يجز حذفه ، نحو : علمني وعلمت الزيدين قائمين ، فلا بدّ أن يقال : إيّاه متقدّما أو متأخّرا ، ولا يجوز حذفه ، قاله في التصريح نقلا عن أبي حيان في النكت الحسان.

«أو» كان العامل هو «الثاني أضمر» ، أي المفعول ، وفي حكمه المجرور في المهمل مطابقا للظاهر ، ولا محذور فيه لرجوع الضمير إلى متقدّم رتبة ، وإن تأخّر لفظا ، لأنّه

__________________

(١) لم يسمّ قائله. اللغة : جهارا : عيانا ومشاهدة ، الودّ : المحبة ، ويروى أحفظ للعهد.

٧٣٠

معمول للأوّل ، فحقّه أن يليه ، نحو : قام وضربتهما أخواك ، وقام ومررت بهما أخواك ، وبعضهم يجير الحذف هنا أيضا كقول عاتكه بنت عبد المطّلب [من مجزوء الكامل] :

٨١٤ ـ بعكاظ يعشي الناظرين

إذا هم لمحوا شعاعه (١)

وهو ضرورة عند الجمهور ، لأنّ في الحذف تهيأة العامل للعمل ، وقطعه بغير معارض ، فيضمر وجوبا.

«إلا أن يمنع» الإضمار ، فيتعيّن الإظهار ، وذلك إذا كان المفعول خبرا عمّا يخالف المفسّر ، وهو المتنازع فيه في الإفراد وفرعيه والتذكير وضدّه ، لكن المصنّف لا يسلم أن تكون المسالة حينئذ من باب التنازع ، ولذلك قال : «وليس منه نحو : حسبني وحسبتهما منطلقين الزيدان منطلقا ، كما قاله بعض المحقّقين» خلافا لمن قال : إنّه منه ، وإنّ حسبني وحسبتهما تنازعا منطلقا ، واعمل فيه حسبني ، فوجب إظهار المفعول الثاني لحسبتهما ، وهو منطلقين لامتناع إضماره ، لأنّه إن أضمر مفردا ليطابق مرجعه خالف المفعول الأوّل ، وإن أضمر مثنّى ليطابق المفعول الأوّل ، إذ هما مبتدا وخبر في الأصل ، خالف مرجعه ، ولا يجوز ارتكاب الحذف فيه لكونه ثاني مفعولي حسبت ، وهو محذور كما عرفت.

وأجازه الكوفيّون لدلالة منطلقا عليه ، فيقولون : حسبني وحسبتها الزيدان منطلقا ، وأجازوا إضماره أيضا مقدّما على وفق المخبر عنه ، فيقولون : حسبني وحسبتهما إيّاه الزيدان منطلقا ، وجه كونه ليس من التنازع ، كما ذهب إليه المصنّف تبعا لجماعة من المحقّقين منهم ابن هشام وصاحب الوافي (٢) إلى أنّ العاملين لا يتوجّهان إلى أمر واحد ، لأنّ الأوّل يقتضي مفعولا مفردا والثاني مفعولا مثنّى ، فانتقي شرط التنازع ، وهو كون المتنازع مطلوبا لكلّ من العاملين من حيث المعنى ، فينتفي التنازع ضرورة.

وما قيل : من أنّهما تنازعا ذاتا متّصفة بالانطلاق من غير نظر إلى كونها مفردة أو مثنّاة ليس بشيء ، لأنّ التنازع لا يكون في مبهم ، كذا قيل. والأولى أن يقال : إنّ التنازع فيه صحيح ، لكن باعتبار كون منطقا مثلا في نحو المثال المذكور مفعولا ثانيا مع قطع النظر عن كونه مفردا أو مثنّى ، وأنت لا تنطق به مفردا إلا بعد الحكم به للأوّل ولا مثنّى إلا بعد الحكم به للثاني ، وإذا نطقت به مفردا بطل كون الثاني بطلبه ، ومن هنا ظهر

__________________

(١) اللغة : عكاظ : موضع كانت فيه سوق مشهورة ، يجتمع فيها العرب للتجارة والمفاخرة ، يعشي : مضارع من الإعشاء ، وأصله العشاء وهو ضعف البصر ليلا ، لمحوا : ماض من اللمح وهو سرعة إبصار الشيء ، الشعاع : ما تراه من الضوء مقبلا عليك كأنّه الجبال.

(٢) الوافي في نحو لمحمد بن عثمان بن عمر البلخي ، شرحه الشيخ الدمامينيّ المتوفى سنة ٨٣٨ ه‍ وسمّاه المنهل الصافي ، كشف الظنون ٢ / ١٩٩٨.

٧٣١

للمصنّف فساد دعوى التنازع ، ولو نظر إليه من جهة كونه مفعولا ثانيا مع قطع النظر عمّا يقتضيه كلّ من العاملين المذكورين لما نازع في صحّة التنازع ، ألا ترى أنّ العاملين إذا كان الأوّل منهما يطلب مرفوعا ، والثاني يطلب منصوبا تنازعهما فيه صحيح ، لكن مع قطع النظر من الإعراب ، فإنّك إن أعربته بالرفع بطل كون الثاني يطلبه ، لأنّه لا يطلب إلا منصوبا ، وإن أعربته بالنصب بطل كون الأوّل (١) يطلبه ، لأنّه لا يطلب إلا مرفوعا وذلك نحو : أكرمني وأكرمت زيدا وزيدا ، وهذا ممّا لا خلاف في أنّه من التنازع ، هكذا قرّره المالكيّ في الأوضح وهو جدير بالقبول ، ويرشدك إليه قول الفاضل الهنديّ : إنّ التنازع في القلب ، وأمّا بعد التركيب فلا تنازع.

تنبيهات : الأوّل : قضية كلام المصنّف (ره) عدم اشتراط كون المعمول غير سييّ مرفوع ، واشترطه بعضهم ليخرج نحو قول كثير [من الطويل] :

٨١٥ ـ قضى كلّ ذي دين فوفّى غريمه

وعزّة ممطول معنى غريمها (٢)

لأنّه لو قصد فيه إلى التنازع لأسند أحد اسمي المفعول إلى السييّ الّذي هو غريمها ، والآخر إلى ضميره ، فيلزم عدم ارتباط المهمل بالمبتدإ ، لأنّه لم يرفع ضميره ، ولا ما التبس بضمير ، فيحمل مثل ذلك على أنّ المتأخّر مبتدأ مخبر عنه بالعاملين المتقدّمين ، وفي كلّ منهما ضمير ، وهما وما بعدهما خبر عن الأوّل بخلاف السييّ غير المرفوع ، نحو : زيد أكرم وعظّم أباه.

واعترض الأوّل بأنّ عود الضمير من المهمل على الاسم المشتمل على ضمير المبتدإ يحقّق الالتباس والارتباط ، والثاني بأنّ ما علّل به امتناع التنازع في الأوّل يأتي أيضا في الثاني ، نحو : زيد ضربت وأكرمت أباه ، لأنّ أحد العاملين يعمل في السبب ، والمهمل يعمل في ضميره ، فيلزم عدم ارتباط ناصب الضمير بالمبتدإ ، فلا معنى لتقييد السييّ بالمرفوع ، ولم يشترط أكثرهم هذا الشرط كالمصنّف ، ونصّ عليه ابن خروف والشلوبين وابن السّيّد وابن مالك.

التنازع بين أكثر من عاملين ومعمولين : الثاني : قد يكون التنازع بين أكثر من عاملين كقوله [من البسيط] :

٨١٦ ـ أرجو وأخشى وأدعو الله مبتغيا

عفوا وعافية في الروح والجسد (٣)

_________________

(١) الثاني «ح».

(٢) اللغة : الغريم : الدائن ، صاحب الحق. ممطول : غير مؤدّي له حقه ، معنى : اسم مفعول من عني بمعنى عذب.

(٣) لم ينسب إلى قائل معيّن. اللغة : مبتغيا : طالبا.

٧٣٢

وقد يتعدّد المتنازع فيه كقوله (ص) : تسبّحون وتكبّرون وتحمدون دبر كلّ صلاة ثلاثا وثلاثين (١). فتنازعت ثلاثة وهي تسبّحون وتكبّرون وتحمدون في اثنين ، ظرف وهو دبر ، ومفعول مطلق وهو ثلاثا وأعمل الأخير فيهما ، وأعمل الأوّلان في ضميريهما ، وحذفا لأنّهما فضلتان ، ولا لبس ، والأصل تسبّحون الله فيه إيّاه وتكبّرون الله فيه إيّاه.

وهنا انقضى كلام المصنّف (ره) على ما يتعلّق بالأفعال ، فشرع في الكلام على ما يتعلّق بالجمل فقال :

__________________

(١) الترمذي ، ٢ / ٢٦٥ ، رقم ٤١٠.

٧٣٣
٧٣٤

الفصل الرابع الحديقة الرابعة

٧٣٥
٧٣٦

الحديقة الرابعة في الجمل وما يتبعها

ص : الجملة قول تضمّن كلمتين بإسناد ، فهي أعمّ من الكلام عند الأكثر ، فإن بدئت باسم ، فاسميّة ، نحو : زيد قائم ، (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ،) وإنّ زيدا قائم. إذ لا عبرة بالحرف. أو بفعل ، ففعلية كقام زيد ، وهل قام زيد؟ وهلّا زيدا ضربته؟ ويا عبد الله ، (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ ،) لأنّ المقدّر كالمذكور. ثمّ إن وقعت خبرا فصغرى ، أو كان خبرا لمبتدإ فيها جملة فكبرى ، نحو : زيد قام أبوه ، فقام أبوه صغرى ، والجميع كبرى. وقد تكون صغرى وكبرى باعتبارين ، نحو : زيد أبوه غلامه منطلق ، وقد لا تكون صغرى ولا كبرى ، كقام زيد.

ش : الحديقه الرابعة في الكلام على الجمل وما يتبعها من ذكر أقسامها وأحكامها. «الجملة» لغة جماعة الشيء ، كذا في القاموس ، واصطلاحا «قول» أي مقول استعمالا للمصدر بمعنى المفعول ، كاللفظ بمعنى الملفوظ ، وهو الملفوظ الموضوع لمعنى مفردا كان أو مركّبا مفيدا أو غير مفيد ، فهو أخصّ من اللفظ لاختصاصه بالموضع بخلافه كما مرّ بيانه في صدر الشرح ، هذا هو المشهور ، وهو الصحيح.

وقيل : إنّه حقيقة في المفرد ، وإطلاقه على المركّب مجاز ، وعليه ابن معط ، وقيل : حقيقة في المركّب ، سواء أفاد أم لا ، وإطلاقه على المفرد مجاز ، وقيل : حقيقة في المركّب المفيد ، وإطلاقه على المفرد والمركّب الّذي لا يفيد مجاز ، وبه جزم الجوينيّ (١) في تفسيره ، وقيل : إنّه يطلق على المهمل ، فيرداف اللفظ ، حكاه العلّامة أبو حيّان في شرح التسهيل في باب ظنّ ، وجزم به أبو البقاء العكبرى في اللباب. أمّا إطلاقه على غير اللفظ من الرأي والاعتقاد فمجاز اجماعا.

__________________

(١) عبد الله بن يوسف الجويني ، من علماء التفسير واللغة والفقه من كتبه «التفسير» كبير ، و «التبصرة والتذكرة» مات سنة ٤٣٨ ه‍ الأعلام للزركلي ، ٤ / ٢٩٠.

٧٣٧

«ضمّن كلمتين» حقيقة أو حكما ، أي يكون كلّ واحدة منهما في ضمنه ، إذ التثنية على ما اصطلحوا عليه اختصار العطف ، فكأنّه قال : كلمة وكلمة ، فالمتضمّن اسم فاعل ، هو المجموع ، والمتضمّن اسم مفعول ، هو كلّ واحد من الكلمتين ، فزيد قائم مثلا بصورته المجموعيّة متضمّن لزيد قائم بصورته الإفراديّة ، فلا يلزم اتّحاد المتضمّن والمتضمّن ، وخرج بهذا القيد المفردات.

«بإسناد» متعلّق بتضمّن ، أو صفة مصدر محذوف ، أي تضمّنا متلبّسا أو حاصلا أو ملصقا به ، أو صفة كلمتين ، أي كلمتين متلبّستين بإسناد إحداهما إلى الأخرى ، فإن قيل : التعريف غير جامع ، لأنّ الجملة الشرطيّة والجملة الّتي أحد جزئيها جملة ، نحو : زيد أبوه قائم ، لا يصدق التعريف عليهما ، إذ الأولى متضمّنة لجملتين ، والثانية لجملة وكلمة ، أجيب بأنّ تعرّضه لكلمتين لبيان أقلّ ما لا بدّ منه لا لنفي الزيادة ، فاشتمال الصورتين على أكثر من كلمتين لا يضرّ. واعلم أنّ المراد بالإسناد هنا هو ضمّ إحدى الكلمتين إلى الأخرى ، سواء حصل مع ذلك فائدة أم لا ، وفي قوله بإسناد بالتنكير إشارة إلى ذلك.

«فهي» أي الجملة «أعمّ من الكلام» عموما مطلقا لصدقها عليه وعلى غيره ، إذ شرطه الفائدة بخلافها ، فكلّ كلام جملة ، ولا عكس بالمعنى اللغويّ ، والأعمّ هنا بمعنى العامّ ، فمن لمجرّد الابتداء ، هذا بالنظر إلى المفهوم ، وأمّا بالنظر إلى موارد الاستعمال فهو على بابه ، قاله بعض المحقّقين. قال شيخنا جمال الدين محمد الشاميّ ـ متع الله بحياته ـ بل هو بالنظر إلى المفهوم على بابه أيضا ، لأنّ الجملة أكثر عموما للإفراد من الكلام ، فتدبّر ، انتهى. وما ذكر من كون الجملة أعمّ من الكلام ليس اجماعا بل هو «عند الأكثر». وقد ذهب بعضهم إلى أنّهما مترادفان ، وهو ظاهر كلام الزمخشريّ في المفصّل ، فإنّه بعد أن فرغ من حدّ الكلام ، قال : ويسمّى الجملة ، وفي قول المصنّف عند الأكثر نظر ، بل الظاهر أنّ الأكثر على أنّهما مترادفان.

قال البدر الدمامينيّ في التحفة : ظاهر كلام الأندلسيّ في شرح المفصّل أنّه رأي الجميع ، لأنّه قال في باب المبتدإ والخبر : الكلام والجملة في اصطلاحهم مترادفان ، انتهى. وفي «الأشباه والنظائر» قال الشيخ محب الدين ناظر الجيش : الّذي يقتضيه كلام النحاة تساوي الكلام والجملة في الدلالة ، يعني كلّما صدق أحدهما ، صدق الآخر ، فليس بينهما عموم وخصوص ، انتهى.

فظهر أنّ الأكثر على الترادف ، نعم قال الشيخ جمال الدين بن هشام في المغني : والكلام أخصّ من الجملة ، لا مرادف لها ، فإنّ الكلام هو القول المفيد بالقصد ، والمراد بالمفيد ما دلّ على معنى يحسن السكوت عليه ، والجملة عبارة عن الفعل وفاعله كقام

٧٣٨

زيد ، والمبتدأ وخبره كزيد قائم ، وما كان بمترلة أحدهما ، نحو : ضرب اللّصّ ، وأقائم الزيدان ، وكان زيد قائما ، وظننته قائما ، وبهذا يظهر لك أنّهما ليسا مترادفين ، كما يتوهّمه كثير من الناس ، والصواب أنّها أعمّ ، إذ شرطه الإفادة بخلافها ، ولهذا تسمعهم يقولون : جملة الشرط ، جملة الجواب ، جملة الصلة ، وكلّ ذلك ليس مفيدا ، فليس كلاما ، انتهى.

قال العلّامة السيوطيّ ، وقد نازعه بعضهم في ذلك ، وادّعي أنّ الصواب ترادف الكلام والجملة ، انتهى. وأجاب ناظر الجيش عمّا ذكره في جملة الشرط ونحوها بأنّ إطلاق الجملة عليها اطلاقا مجازيّا من باب إطلاق الشيء على ما كان عليه ، وأجاب غيره بأنّ تخلّف الحكم في جملتي الشرط والجزاء لا يقدح في كون كلّ جملة مركّبة تفيد ، إذ المراد في الأعمّ الأغلب ، وهذا كقولهم : إنّ المبدل منه في نيّة الطرح ، أي في الأعمّ الأغلب ، فلا يقدح ما يعرض من المانع في بعض الصور ، نحو : جاءني الّذي مررت به زيد ، للاحتياج إلى الضمير ، وله نظائر ، وكذا ذكر الدمامينيّ في شرح المغني ما محصّله أنّ الخلاف في المسألة اصطلاحيّ ، ولا مشاحة في الاصطلاح ، ونازعه الشمنيّ في ذلك ، والحقّ ما قال الدمامينيّ.

تنبيهات : الأوّل : ما فسّرت به الإسناد في حدّ الجملة هو قضية كلام جماعة في مثل هذا المقام ، إذ لو أريد بالإسناد النسبة التامّة كانت الجملة كالكلام في اعتبار الإفادة ، فلا يتفرّع عليه قوله ، فهي أعمّ من الكلام ، لكن قال بعضهم : تفسير الإسناد بالنسبة مطلقا يلزم منه انتقاض التعريف بالمركّب المشتمل على نسبة ناقصة كغلام زيد ، واختار بعض المحقّقين تفسير الإسناد هنا بالنسبة التامّة ، والمقصود كون المركّب الّذي هو الجملة مشتملا على الإسناد حالا أو أصلا ، فلا تكون الجملة كالكلام في اعتبار الإفادة ، فتأمّل.

الثاني : قال شيخ شيوخنا الحرفوشيّ في شرح التهذيب للمصنّف : ربّما أفهم كلام بعضهم أنّ الجملة أخصّ من الكلام ، وفيه نظر ، انتهى. قال تلميذه شيخنا العلّامة محمد الشاميّ : وما أفهمه كلام بعضهم نظرا إلى أنّ القرآن يطلق عليه الكلام ، ولا يطلق عليه الجملة ، ووجه النظر أنّ المانع من إطلاق الجملة على القرآن شرعيّ لإيهامها معنى الإجمال وإشعارها به لا لغويّ ، انتهى ، فتأمّل.

«فإن بدئت» أي صدرت الجملة «باسم» وصفا كان أو غيره فاسمها جملة «اسميّة» ، أي فتسمّى اسميّة ، نسبة إلى الاسم لتصديرها به ، ولا فرق بين أن يكون ذلك الاسم صريحا «نحو : زيد قائم» وهيها العقيق ، وقائم الزيدان ، عند من جوّزه.

٧٣٩

والتمثيل بنحو : زيد قام للجملة الاسميّة لا غير هو قول الجمهور ، لعدم ما يطلب الفعل ، وجوّز المبرّد وابن العريف (١) وابن مالك كونها فعلية على الإضمار والتفسير ، والكوفيّون على التقديم والتأخير ، أو مؤوّلا ، نحو قوله تعالى : (أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) [البقرة / ١٨٤] ، أي صومكم خير لكم (٢). لأنّ المؤوّل كالصريح في الحكم ، والمراد بالتصدّر المسند أو المسند إليه ، فلا يضرّ في التسمية ما تقدّم من الحروف لغرض ما ، نحو : أقائم الزيدان ، أو أزيد أخوك ، ولو غيّر الإعراب والمعنى نحو : «إنّ زيدا قائم» ولعلّ أباك منطلق ، وما زيد قائما «إذ لا عبرة بالحروف» في ذلك ، فالجمل المذكورة كلّها اسميّة لكونها مبدوّة بالاسم بالمعنى المذكور.

«أو» بدئت «بفعل» متصرّفا كان أو جامدا تامّا أو ناقصا فاسمها جملة «فعلية» ، أي تسمّى فعلية ، نسبة إلى الفعل لتصديرها به «كقام زيد» ، وضرب اللصّ ، وعسى زيد أن يقوم ، وكان زيد قائما ، وظننته قائما ، ويقوم زيد ، وقم ، «وهل قام زيد» ، ممّا تقدّم فيه الحرف ، إذ لا عبرة به كما تقدّم ، والمعتبر أيضا في الصدر ما هو صدر في الأصل ، فلا يضرّ أيضا تقدّم المعمول لموجب أو تجوّز ، فنحو : كيف جاء زيد ، و (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) [الحمد / ٥] ، و (فَرِيقاً هَدى) [الأعراف / ٣٠] ، (فَأَيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ) [غافر / ٨١] ، جملة فعلية ، لأنّ هذه الأسماء في نيّة التأخير.

وكذا نحو : «هلّا زيدا ضربته ، ويا عبد الله» ، (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ) [التوبة / ٦] ، (وَالْأَنْعامَ خَلَقَها) [النحل / ٥] ، (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى) [الليل / ١] ، «لأنّ» صدورها في الأصل أفعال ، والتقدير هلّا ضربت زيدا ، وأدعوا عبد الله ، وإن استجارك أحد ، وخلق الأنعام ، وأقسم بالليل ، و «المقدّر كالمذكور» في الحكم.

تنبيهات : الأوّل : زاد ابن هشام في أقسام الجملة الظرفية ، وهي المصدّرة بظرف أو جارّ ومجرور نحو : أعندك زيد؟ وأ في الدار زيد؟ إذا قدّرت زيدا فاعلا بالظرف أو الجارّ والمجرور لا باستقرّ المحذوف ، ولا مبتدأ مخبر به عنهما ، وسيأتي تفصيل الأقوال في هذه المسالة في محلّه إن شاء الله. وزاد الزمخشريّ وغيره الجملة الشرطيّة ، والصواب أنّها من قبيل الفعلية لما مرّ.

الثاني : قال ابن هشام في المعنى : ما يجب على المسؤول عنه أن يفصل فيه لاحتماله الاسميّة والفعلية لاختلاف التقدير أو لاختلاف النّحويّين ، لذلك أمثلة :

__________________

(١) الحسن بن الوليد بن نصر المعروف بابن العريف النحويّ ، وكان نحويّا مقدّما فقيها في المسائل. مات سنة ٣٦٧ ه‍. بغية الوعاة ١ / ٥٢٧.

(٢) سقطت هذه الجملة في «س».

٧٤٠

أحدها : صدر الكلام من نحو : إذا قام زيد فأنا أكرمه ، وهذا مبنيّ على الخلاف في عامل إذا ، فإن قلنا : جوابها فصدر الكلام جملة اسميّة ، وإذا تقدّمه من تأخير وما بعد إذا متمّم لها ، لأنّه مضاف إليه ونظير ذلك قولك : يوم يسافر زيد أنا مسافر وعكسه قوله [من الوافر] :

٨١٧ ـ فبينا نحن نرقبه أتانا

 ... (١)

إذا قدّرت ألف بينا زائدة ، وبين مضافة للجملة الاسميّة ، فإنّ صدر الكلام جملة فعلية ، والظرف مضاف إلى جملة اسميّة ، وإن قلنا : العامل في إذا فعل الشرط ، وإذا غير مضافة ، فصدر الكلام جملة فعلية ، قدّم ظرفها ، كما تقول : متى تقم فأنا أقوم.

الثاني : نحو : أفي الدار زيد؟ وأعندك عمرو؟ فإنّا إن قدّرنا المرفوع مبتدأ ، أو مرفوعا بمبتدإ محذوف ، تقديره كائن أو مستقرّ ، فالجملة اسميّة ذات خبر في الأولى ، وذات فاعل مغن عن الخبر في الثانية ، وإن قدّرنا فاعلا باستقرّ ففعلية ، أو بالظرف فظرفيّة.

الثالث : نحو : يومان في نحو : ما رأيته مذ يومان ، فإنّ تفسيره عند الأخفش والزّجاج بيني وبين لقائه يومان ، وعند أبي بكر وأبي على أمد انتفاء الرؤية يومان ، وعليهما فالجملة اسميّة لا محلّ لها ، ومذ خبر على الأوّل ، ومبتدأ على الثاني. قال الكسائيّ وجماعة : مذ كان يومان ، فمذ ظرف لما قبلها ، وما بعدها جملة فعلية ، فعلها ماض (٢) حذف فعلها ، وهي في محلّ خفض. وقال آخرون : المعنى من الزمن الّذي هو يومان ، ومنذ مركّبة من حرف الابتداء وذو الطائية واقعة على الزمان ، وما بعدها جملة اسميّة حذف مبتدأها ، ولا محلّ لها ، لأنّه صلته.

الرابع : ماذا صنعت ، فإنّه يحتمل معنيين : أحدهما : ما الّذي صنعته ، فالجملة اسميّة ، قدّم خبرها عند الأخفش ، ومبتدأها عند سيبويه. والثاني : أيّ شيء صنعت ، فهي فعلية قدّم مفعولها ، فإن قلت : مإذا صنعته ، فعلى التقدير الأوّل الجملة بحالها ، وعلى الثاني تحتمل الاسميّة بأن تقدّر ما ذا مبتدأ ، والفعلية بأن تقدّره مفعولا لفعل محذوف على شريطة التفسير ، ويكون تقديره بعد مإذا ، لأنّ الاستفهام له الصدر.

الخامس : (أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا) [التغابن / ٦] ، فالأرحج تقدير بشر فاعلا ليهدي محذوفا ، والجملة فعلية ، ويجوز تقديره مبتدأ ، وتقدير الاسميّة في : (أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ) [الواقعة

__________________

(١) تمامه «معلّق وفضة وزناد راع» ، وهو لرجل من قيس عيلان. اللغة : نرقبه : نرصده : الوفضة : الجعبة الّتي يجعل فيها السهام ، الزناد : جمع زند ، وهو العود الذي تقدح به النار.

(٢) جملة «فعلها ماض» سقطت في جميع النسخ ، ولكنها موجودة في المغني. مغني اللبيب ، ص ٤٩٤.

٧٤١

/ ٥٩] ، أرجح منه في : (أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا) لمعادلتها للاسميّة وتقدير الفعلية في قوله [من البسيط] :

٨١٨ ـ ...

فقلت أهي سرت أم عادني حلم (١)

أكثر رجحانا من تقديرها في (أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا) لمعادلتها الفعلية.

السادس : نحو قاما أخواك ، فإنّ الألف إن قدّرت حرف تثنية كما أنّ التاء حرف تأنيث في قامت هند أو اسما وأخوك بدل منها ، فالجملة فعلية ، وإن قدّرت اسما وما بعدها مبتدأ ، فالجملة اسميّة ، قدّم خبرها.

السابع : نعم الرجل زيد ، فإن قدّر نعم الرجل خبرا عن زيد فاسميّة ، وإن قدّر : زيد خبرا لمحذوف فجملتان فعلية واسميّة.

الثامن : جملة البسملة فإن قدّر : ابتدائي بسم الله فاسميّة ، وهو قول البصريّين ، أو أبدأ ببسم الله ففعلية ، وهو قول الكوفيّين ، وهو المشهور في التفاسير والأعاريب.

التاسع : قولهم : ما جاءت حاجتك ، فإنّه يروى برفع حاجتك ، فالجملة فعلية ، وبنصبها فالجملة اسميّة ، وذلك لأنّ جاء بمعنى صار ، فعلى الأوّل ما خبرها ، وحاجتك اسمها ، وعلى الثاني ما مبتدأ ، واسمها ضمير ما ، وأنّث حملا على معنى ما وحاجتك خبرها.

ونظير ما هذه قولك : ما أنت وموسى ، فإنّها أيضا تحتمل الرفع والنصب ، إلا أنّ الرفع على الابتدائيّة أو خبريّة على خلاف بين سيبويه والأخفش ، وذلك إذا قدّرت موسى عطفا على أنت ، والنصب على الخبريّة أو المفعوليّة ، وذلك إذا قدّرته مفعولا معه ، إذ لا بدّ من تقدير فعل حينئذ ، أي ما يكون أو ما تصنع. ونظير ما هذه في الوجهين على اختلاف التقديرين ، كيف أنت وموسى ، إلا أنّها لا تكون مبتدأ ولا مفعولا به ، فليس للرفع إلا توجيه واحد ، وأمّا النصب فيجوز كونه على الخبريّة أو الحالية.

العاشر : الجملة المعطوفة من نحو : قعد عمرو وزيد قام ، والأرجح الفعلية للتناسب ، وذلك لازم عند من يوجب توافق الجملتين المتعاطفتين ، وممّا يترجّح فيه الفعلية ، نحو : موسى أكرمه ، ونحو : زيد ليقم وعمرو لا يذهب ، بالجزم ، لأنّ وقوع الجملة الطلبيّة خبرا قليل. إلى هنا كلام المغني.

__________________

(١) صدر البيت «فقمت للطّيف مرتاعا فأرّقني» ، وهو لزياد بن حمل التميمي. اللغة : الطيف : الخيال الطائف في المنام ، مرتاعا : حال وهو اسم فاعل من الإرتياع من الروع بمعنى الخوف ، أرّقني : أسهرني ، سرت : سارت ليلا ، الحلم : رؤيا النوم.

٧٤٢

«ثمّ» الجملة بالنسبة إلى الوصفيّة وعدمها قسمان ، لأنّها «إن وقعت خبرا» عن مبتدإ «فاسمها جملة صغرى» أو تسمّى جملة صغرى ، «وإن كان خبر المبتدإ فيها» أي في الجملة «جملة» اسميّة أو فعلية «فكبرى» ، نحو قولك : «زيد قام أبوه» أو أبوه قائم ، «فقام أبوه» أو أبوه قائم جملة «صغرى» ، لأنّها وقعت خبرا عن مبتدإ ، وهو زيد ، «والجميع» من المبتدأ والجملة الّتي هي خبره جملة «كبرى» ، لأنّ خبر المبتدإ فيها جملة.

«وقد تكون» الجملة «صغرى وكبرى باعتبارين كما في نحو» : زيد أبوه غلامه منطلق. فمجموع هذا الكلام جملة كبرى لا غير ، وغلامه منطلق صغرى لا غير ، لأنّها خبر ، وأبوه غلامه منطلق كبرى باعتبار غلامه منطلق ، وصغرى باعتبار جملة الكلام.

قال ابن هشام : ومثله (لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي) [الكهف / ٣٧] ، إذ الأصل لكنّ أنا هو الله ربّي ، ففيها أيضا ثلاثة مبتداءات ، إذا لم يقدّر هو ضميرا له سبحانه ، ولفظ الجلالة بدل منه أو عطف بيان عليه ، كما جزم به ابن الحاجب ، بل قدّر ضمير شأن ، وهو الظاهر ، ثمّ حذفت همزة أنا حذفا اعتباطيّا ، وقيل : حذفا قياسيا بأن نقلت حركتها : ثمّ حذفت ، ثمّ أدغمت نون لكن في نون أنا.

تنبيهات : الأوّل : الجملة الكبرى كما تكون مصدّرة بالمبتدإ ، كما مرّ ، تكون مصدّرة بالفعل ، نحو : ظننت زيدا يقوم أبوه ، وتفسير المصنّف شامل لذلك ، وأمّا تفسير غيره بأنّها الاسميّة الّتي خبرها جملة ، فغير مطّرد لخروج المصدرة بالفعل.

الثاني : قال ابن هشام في المغني : قد يحتمل الكلام الكبرى وغيرها ولهذا النوع أمثلة :

أحدها : نحو : (أَنَا آتِيكَ بِهِ) [النمل / ٣٩] ، إذ يحتمل أن يكون فعلا مضارعا ومفعولا ، وأن يكون اسم فاعل ومضافا إليه مثل : (وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ) [هود / ٧٦] ، (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً) [مريم / ٩٥] ، ويؤيّده أنّ أصل الخبر الإفراد ، وأنّ حمزة يميل الالف من آتيك ، وذلك ممتنع على تقدير انقلابها من همزة.

الثاني : نحو : زيد قائم أبوه ، إذ يحتمل أن يقدّر أبوه مبتدأ ، وأن يقدّر فاعلا بقائم.

الثالث : نحو : زيد في الدار ، إذ يحتمل تقدير استقّر ، وتقدير مستقرّ.

الرابع : نحو : إنّما أنت سيرا ، إذ يحتمل تقدير تسير وتقدير سائر ، وينبغي أن يجري هنا الخلاف الّذي في المسالة قبلها ، انتهى.

قال الدمامينيّ : يشير إلى الخلاف الّذي جرى فيما يتعلّق به الظرف من نحو : زيد في الدار ، هل هو فعل نظرا إلى أنّ الأصل في العمل الأفعال ، فعند الاحتمال يكون الأولى تقدير ما هو الأصل ، أو هو اسم فاعل مثلا نظرا إلى أنّه خبر ، وأصل الخبر أن يكون

٧٤٣

مفردا ، فعند التردّد يقدّر ما هو الأصل ، وهذا الخلاف معروف ، ولم يذكره المصنّف في المسالة السابقة ، وأحال عليه لشهرته ، وفي قوله : وينبغي إشعار بأنّهم لم يصرّحوا بإجراء الخلاف في عامل المصدر من نحو : إنّما أنت سيرا ، وهو مثل مسالة الظرف من غير فرق ، فينبغي جريان الخلاف فيه أيضا.

«وقد لا تكون» الجملة «صغرى ولا كبرى ، كقام زيد» وزيد قائم ، وأ في الدار زيد؟ وأعندك زيد؟ إذ لم يصدق عليها تعريفها.

تنبيهات : الأوّل : قال ابن هشام في المغني ، وقد عبّر بقوله به صغرى وكبرى ، كما فعل المصنّف ، إنّما قلت : صغرى وكبرى موافقة لهم ، وإنّما الوجه استعمال فعلى أفعل بأل أو بالاضافة ، ولذلك لحّن من قال [من البسيط] :

٨١٩ ـ كأنّ صغرى وكبرى من فقاقعها

حصباء درّ على أرض من الذهب (١)

وقول بعضهم : إنّ من زائدة ، وإنّهما مضافان على حدّ قوله [من المنسرح] :

٨٢٠ ـ ...

بين زراعي وجبهة الأسد (٢)

يردّه أنّ الصحيح أن من لا تقحم في الإيجاب ، ولا مع تعريف المجرور ، لكن ربّما استعمل أفعل التفضيل الّذي لم يرد به المفاضلة مطابقا مع كونه مجرّدا ، قال يهجو [من الطويل] :

٨٢١ ـ إذا غاب عنكم أسود العين كنتم

كراما وأنتم ما أقام ألائم (٣)

أي لئام ، فعلى ذلك يتخرّج البيت ، وقول النّحويّين صغرى وكبرى ، وكذلك قول العروضيّين فاصلة صغرى ، وفاصلة كبرى ، انتهى.

في هذا الجواب نظر ، قال في الجامع (٤) لا يطّرد تأويل اسم التفضيل بما لا مشاركة فيه نحو : (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ) [الإسراء / ٢٥] ، (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم / ٢٧] ، خلافا للمبرّد. وقال ابن مالك في التسهيل : استعماله عاريا دون من وأن مجرّدا عن معنى التفضيل مؤوّلا باسم فاعل أو صفة مشبّهة مطّرد عند أبي العباس ، والأصحّ قصره على السماع ، انتهى. لكن قال ابن عقيل في شرحه : الوجه أنّ ذلك مطّرد ، وعلى ذلك المتأخّرون.

__________________

(١) هو لأبي نواس : اللغة : الفقاقع : جمع فقّاعة وهي نفّاخات ترتفع على سطح الماء والشراب ، الحصباء : هي صغار الحصي.

(٢) صدره «يا من رأي عارضا أسرّ به» ، وهو للفرزدق. اللغة : العارض : السحاب ، ذراعا الأسد : الكوكبان الدالان على المطر وكذا جبهه الأسد والذراعان والجبهه من منازل القمر.

(٣) هو للفرزدق. اللغة : أسود العين : اسم جبل ، ألائم : جمع ألأم بمعنى اللئيم.

(٤) جامع النحو لعبد الله بن مسلم بن قتيبة النحوي المتوفى سنة ٢٦٧ ه‍. كشف الظنون ١ / ٥٧٥.

٧٤٤

الثاني : تنقسم الجملة إلى ذات وجه وذات وجهين ، فذات الوجهين هي اسميّة الصدر فعلية العجز ، نحو : زيد يقوم أبوه ، وفعلية الصدر اسميّة العجز ، نحو : ظننت زيدا أبوه قائم ، وذات الوجه ، نحو : زيد أبوه قائم ، وظننت زيدا يقوم أبوه.

الجمل الّتي لها محلّ

ص : إجمال : الجمل الّتي لها محلّ سبع : الخبريّة ، والحالية ، والمفعول بها ، والمضاف إليها ، والواقعة جوابا لشرط جازم ، والتّابعة لمفرد ، والتّابعة لجملة لها محلّ.

والّتي لا محلّ لها سبع أيضا : المستأنفة ، والمعترضة ، التفسيريّة ، والصّلة ، والمجاب بها القسم ، والمجاب بها شرط غير جازم ، والتابعة لما لا محلّ له.

ش : هذه تتمّة في الكلام على تعداد «الجمل الّتي لها محل» من الإعراب ، والّتي لا محلّ لها منه. الجمل الّتي لها محلّ من الإعراب «سبع» على ما هو المشهور ، والحقّ أنّها تسع كما سيأتي بيانه.

وبدأ بالّتي لها محلّ من الإعراب لكونه أشرف من الّتي لا محلّ لها منه ، والّذي عكس ، نظر إلى الأصل ، وهو كون الجملة لا محلّ لها من الإعراب ، وإنّما كان كذلك ، لأنّها إذا كان لها محلّ من الإعراب (١) ، تقدّرت بالمفرد ، لأنّ المعرب أنّما هو المفرد ، والأصل في الجملة أن لا تكون مقدّرة بالمفرد.

وهي أي الجمل السبع الّتي لها محلّ من الإعراب ، إحداها : الجملة «الخبريّة» ، وهي الواقعة خبرا ، «و» الثانية الجملة «الحالية» ، وهي الواقعة حالا ، «و» الثالثة الجملة «المفعول بها ، و» الرابعة الجملة «المضاف إليها ، و» الخامسة الجملة «الواقعة جوابا لشرط جازم و» السادسة الجملة «التابعة لمفرد و» السابعة الجملة «التابعة لجملة لها محلّ» من الإعراب.

والجمل «الّتي لا محلّ لها» من الإعراب «سبع أيضا» : إحداها «المستأنفة» ، ويعبّر عنها بالابتدائيّة وما عبّر به المصنّف أولى لما سيأتي ، «و» الثانية الجملة «المعترضة و» الثالثة الجملة «التفسيريّة» وتسمّى المفسّرة «و» الرابعة الجملة «الصلة و» الخامسة الجملة «المجاب بها القسم و» السادسة «الجملة المجاب بها شرط غير جازم و» السابعة الجملة «التابعة لما لا محلّ له» من الإعراب.

__________________

(١) سقطت «لأنّها إذا كان لها محلّ من الإعراب» في «ط».

٧٤٥

وعند وصولي إلى هذا الموضع من الشرح عنّ (١) لي نظمها ، فقلت مستعينا بالله [من الرجز] :

٨٢٢ ـ الجمل المعربة المحلّ

سبع على المشهور فاستمل

فخبريّة وما قد وقعت

حالا ومفعولا بها قد أوقعت

وما إليها قد أضيف وكذا

جواب شرط جاء بالفاء أو إذا

وما أتت تابعة لمفرد

أو جملة لها محلّ فاعدد

أما الّتي ليس لها محلّ

فسبع أيضا وهي ما سأتلو

الابتدائيّة والّتي جرت

معترضا بها وما قد فسّرت

وصلة الموصول والجواب

لقسم وما بها يجاب

شرط أتي للفعل غير جازم

وما أتت تابعة لعادم

محلّ إعراب فخذها كلّها

منظومة في نسق واشكر لها

ونظمها الشيخ بدر الدين ابن أمّ قاسم المرادي ، فقال [من الكامل] :

٨٢٣ ـ جمل أتت لها محلّ معرب

سبع لأن حلّت محلّ المفرد

خبريّة حالية محكيّة

وذا المضاف لها بغير تردّد

ومعلّق عنها وتابعة لما

هو معرب أو ذو محلّ فاعدد

وجواب شرط جازم بالفاء أو

بإذا أو بعض قال غير مقيّد

وأتتك سبع مالها من موضع

صلة وعارضة وجملة مبتدي

وجواب أقسام وما قد فسّرت

في أشهر والخلف غير مبعد

وبعيد تخصيص وغير معلّق

لا جازم وجواب ذلك أورد

وكذلك تابعة لشيء ماله

من موضع فاحفظه غير مفنّد

__________________

(١) عنّ : ظهر.

٧٤٦

الجملة الخبريّة

ص : تفضيل : الأولى ممّا له محلّ الخبريّة ، وهي الواقعة خبرا لمبتدإ أو لأحد النواسخ ، ومحلّها الرفع أو النّصب ، ولا بدّ فيها من ضمير مطابق له ، مذكور أو مقدّر ، إلا إذا اشتملت على المبتدإ ، أو على جنس شامل له ، أو إشارة إليه ، أو كانت نفس المبتدإ.

ش : هذا تفضيل للجمل الّتي لها محلّ من الإعراب وبيان مواضعها ، والجمل الّتي لا محلّ لها منه ، وبيان كلّ واحدة من القسمين.

الجملة «الأولى ممّا له محلّ» من الإعراب الجملة «الخبريّة ، وهي الواقعه خبرا لمبتدإ أو لأحد النواسخ» المقدّم ذكرها ، ومحلّها من الإعراب الرفع في باب المبتدإ ، نحو : زيد أبوه قائم ، وباب إنّ نحو : إنّ زيدا أبوه قائم ، وباب لا الّتي لنفي الجنس ، نحو : لاربيبة قوم يجئ بخبر ، أو النصب في باب كان ، نحو : (بِما كانُوا يَظْلِمُونَ) [الأعراف / ١٦٢] ، وباب كاد ، نحو : (وَما كادُوا يَفْعَلُونَ) [البقرة / ٧١] ، وباب ما ولا المشبهتان بليس ، نحو : ما زيد أبوه قائم ، ولا رجل يصدق.

تنبيهات : الأوّل : قال ابن هشام : اختلف في نحو : زيد اضرب ، وعمرو هل جاءك؟ فقيل محلّ الجملة الّتي بعد المبتدإ رفع على الخبريّة ، وهو الصحيح ، وقيل : نصب بقول مضمر هو الخبر ، بناء على أنّ الجملة الإنشائيّة لا تكون خبرا ، انتهى.

قال الدمامينيّ : وإضمار القول لا يعيّن النصب ، إذ يجوز أن يقدّر مقول فيه ، كذا فيكون المحكيّ في محلّ رفع على أنّه نائب عن الفاعل ، ويجوز أن يقدّر أقول فيه ، كذا فيكون في محلّ نصب ، انتهى.

قلت : والخلاف في وقوع الجملة الانشائيّة خبرا مشهور ، وفي المسالة ثلاثة أقوال :

أحدها : منع وقوع الإنشائيّة خبرا ، وهو قول جماعة من الكوفيّين ، منهم ابن الأنباريّ نظرا إلى أنّ الخبر ما يحتمل الصدق والكذب ، قال غير واحد من المحقّقين : هو وهم ، نشأ من اشتراك لفظ الخبر بين ما يقابل الإنشاء وبين خبر المبتدإ. قال ابن هشام : لاتّفاقهم على أنّ هذا أصله الإفراد ، واحتمال الصدق والكذب أنّما هو من صفات الكلام ، وعلى جواز : أين زيد وكيف عمرو؟ وقال الرضيّ : ليس الخبر عند النّحاة ما يحتمل الصدق والكذب ، كما أنّ الفاعل عندهم ليس من فعل شيئا ، ففي قولك : أزيد عندك؟ يسمّون الظرف خبرا ، مع أنّه لا يحتمل الصدق والكذب. قال : ويدلّ على جواز كونها طلبيّة قوله تعالى : (بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ) [ص / ٦٠] ، وأيضا اتّفقوا على

٧٤٧

جواز الرفع في نحو قولهم : أمّا زيد فاضربه ، انتهى. قيل : وفي هذا الأخير نظر ، فإنّ اتّفاق غيرهم لا يلزمهم ، واتّفاقهم وغيرهم ممنوع ، فإنّهم يمعنون أن يقال : زيد اضربه ، انتهى.

الثاني : جواز الوقوع بتأويل قول محذوف هو الخبر ، فإذا قلت : زيد اضربه ، فالتقدير : زيد أقول لك أضربه ، أو مقول فيه اضربه ، فالجملة محكيّة ، وهو قول ابن السراج ، وإنّما التجأ إلى ذلك هربا من الوهم المقدّم ذكره.

الثالث : جواز الوقوع من غير تأويل ، وهو قول جماعة ، منهم ابن مالك والرضيّ والتفتازانيّ وابن هشام. قال ابن مالك في التسهيل : ولا يمتنع كونها طلبيّة خلافا لابن الأنباريّ ، ولا يلزم تقدير قول قبلها ، خلافا لابن السراج. لكن قال السّيّد الشريف في شرح المفتاح : إنّ التأويل هو المشهور ، وقرّره فيه ، وفي حواشيه بأن قال : لا يخفى أنّ المبتدأ إنّما وضع لينسب إليه حال من أحواله ، فيجب أن يلاحظ الخبر من هذه الحيثيّة ، ولنا أن لا ندّعي أن الخبر يجب أن يكون قائما له أو محمولا عليه بالمواطاة إيجابا أو سلبا ، حتّى ينتقص بالأمور الاعتباريّة ، وبالجمل الواقعة خبرا بصورة الاستفهام الداخل على المبتدإ ، بل يكتفي بأنّ الخبر يجب أن يكون ملفوظا من حيث إنّه حال من أحوال المبتدإ ، فإنّه كاف في إثبات ما نحن بصدده ، ويشهد لذلك ما تجده من الفرق بين زيدا ضربته ، وزيد ضربته ، فإنّ زيدا في الأوّل مفعول به ، لأنّه لم يلاحظ الفعل معه على وجه يكون حالا من أحواله ، بل إنّما ذكر لتعيين محل الضرب ، وفي الثاني مبتدأ ، لأنّه لوحظ معه الفعل من حيث إنّه حال من أحواله.

ولا شكّ أنّ نحو أضرب ، في قولك : زيدا أضربه ، ليس من أحوال زيد ، إذا جرى على ظاهره كما في قولك : اضرب زيدا ، وأمّا إذا أوّل بمقول في حقّه أضربه على معنى أنّه يستحقّ أن يؤمر بضربه ، فقد صار ملحوظا من حيث إنّه حال لزيد ، وفيه مبالغة يعرى عنها قولك : إضرب زيدا ، لأنّك هناك أمرت بضربه ، وأشرت إلى أنّه مستحقّ لذلك ، وقس عليه نحو قوله تعالى : (بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ) [ص / ٦٠] ، أي مقول في شأنكم هذا الدعاء ، أي تستحقّون أن يدعى عليكم به.

وأمّا مثل أين زيد؟ ومتى القتال؟ فليس ممّا نحن بصدده لأنّ الاستفهام هنا داخل في الحقيقة على النسبة بين المبتدإ المذكور والخبر المقدّر ، لا على الخبر وحده ، إذ المعنى أزيد حصل في الدار أو السوق؟ فلا يتصوّر تقدير القول ، إذ لم تقع الإنشائيّة خبرا للمبتدإ ، وليس المعنى زيد حصل في الدار أو في السوق ، ألا ترى أنّه لو قدّر باسم الفاعل كان الاستفهام داخلا في المبتدإ حقيقة ، ولو لا هذا لما وجب تقديم الكلمة المتضمّنة للاستفهام على المبتدإ هنا بخلاف زيد أين هو؟ فإنّه لا يجب تقديم الاستفهام على زيد ،

٧٤٨

لأنّه وقع فى صدر الجملة الواقعة خبرا ، فوجب تقدير القول ، وأمّا فى : أين زيد؟ فإنّما وجب التقديم ، لأنّ الاستفهام متعلّق بالنسبة الّتي هي بين زيد وخبره المقدّر معنى ، كأنّه قيل : أزيد في الدار أو في السوق؟ كما تقدّم ، فلا وجه لتقدير القول ، انتهى.

[التنبيه] الثاني : قال العلّامة الكافيجيّ (١) : لا يسوغ الإخبار بجملة ندائيّة ، نحو : زيد يا أخاه ، ولا مصدّرة بلكن أو بل أو حتّى بالأجماع في كلّ ذلك.

«ولا بدّ فيها» ، أي في الجملة الخبريّة «من ضمير» يربطها بما هي خبر عنه ، لأنّ الجملة من حيث إنّما جملة كلام مستقلّ ، فإذا قصد جعلها جزء الكلام ، فلا بدّ من رابطة تربطها بالجزء الآخر ليكون الجميع كلاما واحدا ، وإلا لم تحصل الفائدة ، لو قلت : زيد قام عمرو «مطابق» لما يعود إليه في الإفراد والتذكير وفروعهما ونحو : زيد جاء أبوه ، وهند قام أبوها ، والزيدان أو الهندان قام أبوهما ، والزيدون قام أبوهم ، والهندات قام أبوهن ، «مذكور» كزيد ضربته «أو» محذوف «مقدّر» إن علم ، وجرّ بمن التبعيضيّة كالسّمن منوان بدرهم ، أي منه ، أو بفي الظرفية كقوله [من المتقارب] :

٨٢٤ ـ فيوم علينا ويوم لنا

ويوم نساء ويوم نسر (٢)

أي نساء فيه ونسرّ فيه أو بمسبوق ممّاثل لفظا ومعمولا كقوله [من الوافر] :

٨٢٥ ـ صحّ فالّذي توصي به أنت مفلح

فلاتك إلا في الناس منافسا (٣)

أي أنت مفلح به ، أو باضافة اسم فاعل كقوله [من البسيط] :

٨٢٦ ـ سبل المعالى بنو الاعلين سالكه

والأرث أجدر من يحظى به الولد (٤)

أي سالكتها ، ومنع ذلك بعضهم ، أو نصب بوصف ، نحو : الدرهم أنا معطيك ، أي معطيكه ، وهو قليل ، أو نصب بفعل تامّ متصرّف ، والمبتدأ كلّ ، كقراءة ابن عامر في سورة الحديد : وكل وعد الله الحسنى [النساء / ٩٥] ، وبيت الكتاب [من الوافر] :

٨٢٧ ـ ثلاث كلّهنّ قتلت عمدا

فأخزى الله رابعة تعود (٥)

وقول أبي النجم [من الرجز] :

٨٢٨ ـ قد أصبحت أمّ الخيار تدّعي

علىّ ذنبا كلّه لم أصنع (٦)

__________________

(١) محمد بن سليمان بن سعد أبو عبد الله الكافيجي الحنفيّ ولد سنة ٧٨٨ ه‍ ، كان إماما في الكلام وأصول اللغة والنحو والمعاني والبيان ومن تصانيفه : شرح قواعد الإعراب وشرح كلمتى الشهادة ، وتوفّي سنة ٧٨٩ ه‍. بغية الوعاة ١ / ١١٧.

(٢) هو للنّمر بن تولب.

(٣) لم يسمّ قائله.

(٤) ما وجدت البيت.

(٥) لم يسمّ قائله.

(٦) البيت لأبي النجم العجلي. اللغة : أمّ الخيار : زوجة أبي النجم.

٧٤٩

قالوا : لأنّ كلّ لو نصب للزم وقوعه مفعولا ، وهو ممتنع ، لأنّها إذا أضيفت إلى مضمر لم تستعمل إلا مبتدأ أو تاكيدا كما قرئ بهما في قوله تعالى : (إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) [آل عمران / ١٥٤] ، لا يجوز أن تكون توكيدا في البيتين ، لأنّ المؤكّد بها نكرة.

قال ابن مالك : وكذا ما أشبه كلّا في العموم والافتقار نحو : أيّهم يسألني أعطي ، ورجل يدعو إلى الخير أجيب ، أي أعطيه وأجيبه ، الأوّل شرط إن جزمت الفعلين ، وموصول إن رفعتهما ، والثاني مشبه بالشرط ، فيحتاج إلى جملة تكون صفة له ليتمّ بها معناه ، كما يتمّ بالشرط معنى اسم الشرط ، وكما يتمّ بالصلة الموصول.

قال أبو حيّان : لا أعلم له سلفا في ذلك ، ويضعف الحذف إن كان المبتدأ غير ذلك كقراءة السلمى (١)(أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) [المائدة / ٥٠] بالرفع أي لا يبغونه ، وقوله [من السريع] :

٨٢٩ ـ وخالد تحمد ساداتنا

بالحقّ لا يحمد الباطل (٢)

برفع خالد وساداتنا أي يحمده ساداتنا.

أمّا المرفوع فقد صرّح غير واحد ، منهم ابن مالك وأبو حيان ، والرضيّ يمنع حذفه ، لأنّه عمدة ، وإنّما حذف في الصلة في بعض الأحوال لكونها أشدّ ارتباطا بالموصول من المبتدإ ، وأجاز بعضهم حذفه مبتدأ ، كما في قوله تعالى (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) [طه / ٦٣] ، عند من قدّر : إنّ هذان لهما ساحران : ونقل في المغني عن ابن عصفور إجازة حذفه في نحو : زيد هو القائم ، قال مع قوله هو وغيره : إنّه لا يحذف العائد في نحو : جاء الّذي هو في الدّار ، لأنّه لا دليل على المحذوف.

تنبيه : قال ابن هشام : قد يوجد الضمير في اللفظ ، ولا يحصل الربط ، وذلك في ثلاث مسائل :

إحداها : أن يكون معطوفا بغير الواو : نحو : زيد قام عمرو فهو أو ثمّ هو.

والثانية : أن يعاد العامل ، نحو : زيد قام عمرو قام هو.

الثالثة : أن يكون بدلا ، نحو : حسن الجارية أعجبتني هو ، فهو بدل اشتمال من الضمير المستتر العائد على الجارية ، وهو في التقدير كأنّه من جملة أخرى ، وقياس قول من جعل العامل في البدل هو العامل في المبدل منه أن تصحّ المسالة ، انتهى.

«إلا إذا اشتملت» الجملة الّتي هي خبر «على المبتدإ» لفظا ومعنى ، أو معنى فقط ، فلا يحتاج إلى ضمير ، بل هذا الاشتمال كاف في ربط الجملة بما هي خبر عنه ، فالأوّل

__________________

(١) لم أجد ترجمة له.

(٢) البيت مجهول القائل.

٧٥٠

نحو : (الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ) [الحاقة / ٢ و ١] ، فالحاقّة الأولى مبتدأ ، وما اسم استفهام مبتدأ ثان ، والحاقّة الأخير خبر ما ، والجملة خبر المبتدإ الأوّل ، والرابط بينهما اشتمالها عليه لفظا ومعنى ، والأصحّ أنّ ذلك ليس ضعيفا ، كما قال سيبويه ، ولا خاصّا بالشعر ، كما قال الأعلم ، ولا بمقام التهويل والتفخيم ، وإن كان أكثر ما يقع في ذلك نحو : (الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ) [القارعة / ٢ و ١] ، (وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ) [الواقعة / ٢٧].

الثاني : نحو : زيد جاءني أبو عبد الله ، كينة له ، أجازه الأخفش ، وتبعه ابن خروف ، ومنعه سيبويه والجمهور ، واستدلّ المجيز بقوله تعالى : (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) [الأعراف / ١٧٠] ، فالّذين مبتدأ ، وجملة يمسّكون بالكتاب صلة الّذين ، وجملة وأقاموا الصلاة معطوفة على الصلاة ، وجملة إنّا لا نضيع أجر المصلحين ، خبر المبتدإ ، والرابط بينهما اشتمالها عليه معنى ، فإنّ المصلحين هم الّذين يمسّكون بالكتاب ، وردّ بمنع كون الّذين مبتدأ ، بل هو مجرور بالعطف على (الَّذِينَ يَتَّقُونَ) [الأعراف / ١٦٩] ، ولئن سلم فالرابط العموم ، لأنّ المصلحين أعمّ من المذكورين ، أو الضمير المحذوف ، أي منهم ، أو الخبر محذوف ، والجملة قبله دليل ، والتقدير مأجورون ، قاله في المغني.

أو اشتملت «على شامل له» أي للمبتدإ ، فهذا الاشتمال أيضا مغن عن الضمير ، نحو : زيد نعم الرجل ، فزيد مبتدأ ، وجملة نعم الرجل خبره ، والرابط بينهما اشتمال الجملة على الجنس الّذي يشتمل زيدا وغيره ، وهو الرجل ، إذ اللام فيه للجنس المستغرق على ما هو المشهور ، ويلزم عليه جواز : زيد مات الناس ، وعمرو كلّ الناس يموتون ، لأنّ الجملة مشتملة على شامل للمبتدإ ، ولا قائل به ، وقيل : الرابط اشتمال الجملة على المبتدإ معنى ، بناء على قول الأخفش في صحّة تلك المسالة ، وعلى القول في أنّ أل في نعم وبئس للعهد لا للجنس.

«أو» اشتملت على «إشارة إليه» أي المبتدإ ، فتقوم هذه الإشارة مقام الضمير في الربط ، نحو قوله تعالى : (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ) [الأعراف / ٣٦] ، (وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ) [الأعراف / ٢٦] ، إذا قدّر ذلك مبتدأ تابعا للباس ، وخصّ ابن الحاج في المسالة بكون المبتدأ موصولا أو موصوفا ، والإشارة إشارة البعيد ، فيمتنع عنده : زيد قام هذا ، لمانعين ، وزيد قام ذلك ، لمانع ، والحجّة قوله تعالى : (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً) [الإسراء / ٣٦] ، كذا في المغني.

٧٥١

وعبارة الإرتشاف في النقل عن ابن الحاجّ : أكثر ما ورد فيه ذلك إذا كان المبتدأ موصولا أو موصوفا ، فيحتاج إلى إعادته بلفظ الإشارة المستعمل لما بعد كذلك ، وذاك وأولئك ، ويكون له موضع ليس للضمير ، لأنّه ليس في الضمير دلالة على البعد ، وظاهر هذا أنّه لا يمتنع عنده في ذلك وإن كان قليلا ، بل مفهومه أنّ ذلك كثير.

«أو كانت» الجملة «نفس المبتدإ» في المعنى ، فلا تحتاج إلى الضمير لارتباطهما به بلا ضمير ، لأنّها هو نحو : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) [التوحيد / ١] ، (فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [الأنبياء / ٩٧] ، على أظهر الوجهين من أنّ هو ضمير الشأن ، وهي ضمير قصة ، وكما في قولك : مقولي حسبي الله ، والتحقيق أنّ هذا ليس من الإخبار بالجملة بل بالمفرد على إرادة اللفظ كما في عكسه ، نحو : لا حول ولا قوّة إلا بالله كتر من كنوز الجنّة ، نبّه عليه المراديّ وغيره.

تتمّة : ويغني عن الضمير في الربط أربعة أمور أخر :

أحدها : العطف بفاء السببيّة لجملة ذات ضمير على جملة حالية منه هي الخبر ، أو العكس ، فالأوّل نحو : زيد يطير الذباب فيغضب ، ففي يغضب ضمير عائد على زيد ، قال [من الطويل] :

٨٣٠ ـ وإنسان عيني يحسر الماء تارة

فيبدو وتارات يجمّ فيغرق (١)

كذا قالوا. قال ابن هشام : وهو محتمل لأن يكون أصله يحسر الماء عنه ، أي ينكشف عنه. قال الدمامينىّ : لكن ما قالوه أظهر ، لأنّ الحذف خلاف الأصل ، ولا ضرورة تدعو إليه. والثاني كقوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) [الحج / ٦٣] ، ففاء السببية نزّلت الجملتين مترلة الجملة الواحدة ، ولهذا اكتفى فيهما بضمير واحد ، وحينئذ فالخبر مجموعهما كما في جملتي الشرط والجزاء الواقعين خبرا ، نحو : زيد إن قام يغضب عمرو ، والمحلّ لذلك المجموع ، فالرابط في الموضعين في الحقيقة إنّما هو الضمير ، فمعنى زيد يطير الذباب فيغضب زيد ، لما يطير الذباب يغضب ، نصّ عليه في المغني ، قال : وهو بديع. وسبقه إلى ذلك ابن أبي الربيع. وفي الإرتشاف عن ابن الحاجّ وجدت في الأسئلة الّتي سأل عنها ابن ولّاد (٢) أبا إسحاق الزجّاج قال : لا يجوز زيد يطير الذباب فيغضب عند البصريّين ، ويجوز عند الكوفيّين ، انتهى. وفيه عن ابن عصفور أنّ الرابط بالفاء متّفق عليه.

__________________

(١) هو لذي الرّمة : اللغة : إنسان العين : ناظرها ، يحسر الماء : ينضب عن موضعه ويغور ، يجمّ : يكثر ويرتفع.

(٢) أحمد بن محمد بن ولّاد النحويّ هو والده وجده ، كان بصيرا بالنحو ، صنّف المقصور والممدود ، مات سنة ٣٣٢ ه‍ ، المصدر السابق ١ / ٣٨٦.

٧٥٢

الثاني : العطف بالواو عند هشام وحده ، نحو : زيد قامت هند وأكرمها ، ونحو : زيد قام وقعدت هند ، بناء على أنّ الواو للجمع ، فالجملتان كالجملة كمسالة الفاء ، وإنّما الواو للجمع في المفردات لا في الجمل بدليل جواز : هذان قائم وقاعد دون هذان يقوم ويقعد ، قاله في المغني.

الثالث : الشرط المشتمل على ضمير هو الرابط في الحقيقة مدلول على جوابه بالخبر ، كزيد يقوم عمرو إن قام.

الرابع : أل النائبة عن الضمير ، وهو قول الكوفيّين وطائفة من البصريّين ، ومنه (وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى) [النازعات / ٤١ و ٤٢] ، أي مأواه ، ومن منع قدّر هي المأوي له.

تنبيه : اختلفوا في الرابط في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ) [البقرة / ٢٣٤] ، على أقوال :

أحدها : أنّه النون ، والتقدير وأزواج الّذين على حذف المبتدإ المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه وهو الّذين ، فالرابط النون العائد على المبتدإ المحذوف.

الثاني : أنّه كلمة هم محذوفة ، هي وما أضيف إليها على التدريج ، وتقديرهما إمّا قبل يتربّصن ، أي أزواجهم يتربّصن ، وهو قول الأخفش ، وقيل : المبرّد ، وإمّا بعده ، أي يتربّصن بعدهم ، وهو قول الفرّاء ، وقيل : الأخفش.

الثالث : أنّه الضمير القائم مقام الظاهر المضاف للضمير ، والأصل يتربّصن أزواجهم ، فجئ بالضمير مكان الأزواج لتقدّم ذكرهنّ ، فامتنع ذكر الضمير الّذي أضيف إليه الظاهر ، لأنّ النون لا تضاف لكونها ضميرا ، وحصل الربط بالضمير المذكور ، وقيل : التقدير ممّا يتلى عليكم حكم الّذين ، فالظرف خبر مقدّم ، والمبتدأ هو المضاف المحذوف ، أي حكم الّذين يتوفّون منكم ، ثمّ ابتدأ يتربّصن تفسيرا للمتلوّ ، فلا إخبار حينئذ بالجملة حتّى يحتاج لرابط. ونقل الطييّ في حاشية الكشاف هذا القول عن سيبويه ، وضعف بما فيه من حذف خبر مقدّم ومبتدأ مؤخّر وتقديم وتأخير ، وهو تكلّف.

٧٥٣

الجملة الحالية

ص : الثانية : الحالية ، وشرطها أن تكون خبريّة ، غير مصدّره بحرف الاسقبال ، ولا بدّ من رابط ، فالاسميّة ، بالواو والضّمير أو أحدهما ، والفعلية إن كانت مبدوّة بمضارع مثبت بدون قد ، فبالضّمير وحده ، نحو : جائني زيد يسرع ، أو معها فمع الواو ، نحو : (لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ) وإلا فكالاسميّة ، ولا بدّ مع الماضي المثبت من قد ولو تقديرا.

ش : الجملة الثالثة من الجمل الّتي لها محلّ من الإعراب الجملة الحالية ، وهي الواقعة حالا ، ومحلّها من الإعراب النصب ، وشروطها ثلاثة :

أحدها : «أن تكون خبريّة» منسوبة إلى الخبر ، نسبة الفرد إلى الكلية ، لأنّها خبر ، لكن هذا باعتبار الأصل دون الحال كما سيأتي ، فالنسبة على هذا على بابها ، لا يجوز أن تكون إنشائيّة ، لأنّها وإن كانت كخبر المبتدإ في المعنى إلا أنّها حكم خبريّ ، لأنّها قيد ، والقيود تكون ثابتة باقية مع ما قيّد بها ، والإنشاء لا خارج له ، بل يظهر له مع اللفظ ، ويزول بزواله ، فلا يصلح للقيد ، ولذا لا يقع الإنشائية شرطا ولا ظرفا ولا صفة إلا شاذّا ، هكذا قرّره الحديثيّ في شرح الجاجبية.

وقال الرضيّ : إنّما وجب كونها خبريّة ، لأنّ مقصود المجيء بالحال تخصيص وقوع مضمون عامله بوقت وقوع مضمون الحال ، والإنشائيّة إمّا طلبيّة أو إيقاعيّة بالاستقراء أو الطلبيّة لا يتيقّن حصول مضمونها ، فكيف يخصّص مضمون العامل بوقت حصول ذلك المضمون ، وأمّا الإيقاعيّة نحو : بعت واشتريت وزوّجت ، فغير منظور فيها إلى وقت يحصل فيه مضمونها ، بل المقصود بها مجرّد الإيقاع ، وهو مناف لقصد وقت الوقوع ، بل يعرف بالعقل ، لا من دلالة اللفظ ، اذ وقت التلفظ بلفظ الإيقاع وقت وقوع مضمونه ، انتهى.

وحكى ابن هشام الإجماع على أنّ الحالية لا تكون إلا خبريّة ، قال : أمّا قول الأمين المحليّ في قوله [من السريع] :

٨٣١ ـ أطلب ولا تضجر من مطلب

فآفة الطّالب أن يضجر

إنّ لا ناهية ، والواو للحال فخطأ ، والصواب أنّها عاطفة ، إمّا مصدرا يسبك من أنّ والفعل على مصدر متوهّم من الأمر السابق ، أي ليكن منك طلب وعدم ضجر ، أو جملة على جملة ، وعلى الأوّل ففتحة تضجر إعراب ، ولا نافية ، والنصب مثله في قولك : ائتني ولا أجفوك بالنصب ، وعلى الثاني فالفتحة للتركيب ، والأصل و

٧٥٤

لا تضجرن ، بنون التأكيد الخفية ، فحذفت للضرورة ، ولا ناهية ، والعطف مثله في : (وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) [النساء / ٣٦] ، انتهى.

قال الدمامينيّ في المنهل : يجوز أن يريد هذا القائل أنّ جملة النهي خبر مبتدإ محذوف ، والاسمية حالية. ووقوع الطلبيّة خبرا للمبتدإ بالتاويل غير مستنكر ، فالمعنى اطلب وأنت منهيّ عن الضجر ، ولا خطأ إذن في كون الواو للحال ، ولا ناهية ، على أنّي أقول إذا كانت الجملة الحالية في المعنى كخبر المبتدإ فلم لا يجوز وقوعها إنشائيّة مؤوّلة بالخبر ، كما يكون ذلك في خبر المبتدإ ، وكونها قيدا للعامل لا ينافي ذلك.

وقد صرّح التفتازانيّ في شرح التلخيص في قول أبي النجم (١) [من الرجز] :

٨٣٢ ـ ميّز عنه قترعا عن قترع

جذب الليالى أبطئي أو أسرعي (٢)

بأنّ قوله أبطئي أو أسرعي حال من الليإلى على تقدير القول ، أو كون الأمر بمعنى الخبر. وهذا الأخير عين ما كان قلناه ، انتهى.

وقد صرّح بذلك في شرح المفتاح أيضا ، وتبعه الشريف الجرجانيّ في شرحه على الكتاب المذكور ، ثمّ دعوى الإجماع على أنّ الحالية لا تكون إلا خبرا مقدّر حينئذ فيها بما نقله صاحب البسيط وغيره عن الفرّاء من جواز وقوع الأمر ونحوه حالا نحو : وجدت الناس أخبر ، نقله ، وأجيب بأنّه على تقدير مقولا فيهم.

الشرط الثاني : أن يكون غير مصدّرة بحرف الاستقبال كالسين وسوف ولن ، فلا يقال : مررت بزيد سيقوم ، أو سوف يقوم ، أو لن يقوم ، وذلك لمنافاة الحال والاستقبال في الظاهر ، وإن لم يكن حقيقة ، إذ الحال الّذي نحن فيه ليس هو الحال الّذي يدلّ عليه المضارع ، حتّى ينافي الاستقبال ، أشار إليه الرضيّ ، واعترضه الشريف الجرجانيّ بأنّ الحال الّذي نحن بصدده يجامع كلّا من الأزمنة الثلاثة على السواء ، ولا يناسب الحال بمعنى الزمان الحاضر المقابل للاستقبال إلا في إطلاق لفظ الحال على كلّ منهما اشتراكا لفظيّا ، وذلك لا يقتضي امتناع تصدير الجملة الحالية بعلم الاستقبال كما لا يخفى ، انتهى ، وقرّره بوجه آخر ، سيأتي إن شاء الله تعالى مع ما فيه.

تنبيهان : الأوّل : خرج بهذا الشرط الجملة الخبريّة الشرطيّة فلا تكون حالية ، قال المطرزيّ : لا تقع جملة الشرط حالا ، لأنّها مستقبلة ، فلا تقول : جاء زيد إن يسأل يعط ، فإن أردت صحّة ذلك جعلت الجملة خبرا لمن الحال له ، فقلت : وهو إن يسأل يعط ، و

__________________

(١) الفضل بن قدامة العجلي أبو النجم ، من أكابر الرجّاز ومن أحسن الناس إنشادا للشعر نبغ في العصر الأموي ، مات سنة ١٣٠ ه‍. المصدر السابق ، ٥ / ٣٧٥.

(٢) اللغة : القترع : هي الشعر حوإلى الراس والخصلة من الشعر تترك على رأس الصبي ، أو هي ما ارتفع من الشعر وطال.

٧٥٥

تكون الحال هي الجملة الاسميّة يعني فتزول من تصدير الحال بدليل الاستقبال ، لأنّ الحال حينئذ اثبات (١) اتّصاف صاحبها بمضمون الخبر الّذي هو الجملة الشرطيّة له ، وهو مقارن لزمن العامل ، فلا إشكال.

وقال صاحب الوافي : يجب تصدير الشرطيّة بضمير ذي الحال إلا عند انسلاخ معنى الشرط ، نحو : أنا آتيك إن أتيتني وإن لم تأتني ، وأكرمه وإن شتمك ، واطلبه ولو بالصين ، انتهى. قال شارحه : إذ المعنى في المثال الأوّل : آتيك على كلّ حال ، وإلا فكيف يصحّ أن يكون الشئ مشروطا بأمرين متناقضين ، وكلمة أن في هذا الموضع لا تكون لقصد التعليق والاستقبال ، وكذا كلمة لو لا تكون لانتفاء الشيء لانتفاء غيره ولا للمضيّ ، بل المعنى معها ثبوت الحكم ألبتّة ، انتهى.

والواو في المثالين الأخيرين قيل : حالية ، والمعنى : أكرمه وإن كان الحال أنّه شتمك ، واطلب العلم لو لم يكن بالصين ، ولو كان بالصين ، فهما كالمثال الأوّل ، وصوّبه ابن هشام في شرح «بانت سعاد» وقيل : اعتراضيّة ، وفيه نظر ، وفي البسيط أنّ الشرطيّة تقع حالا ، نحو : افعل هذا إن جاء زيد ، فقيل : تلزم الواو ، وقيل : لا تلزم ، وهو قول ابن جنيّ ، وفي الهمع ومن الخبريّة الشرطيّة ، فتقع حالا خلافا للمطرزيّ ، انتهى.

قال الهواريّ (٢) : إذا نظرت إلى قياس قولهم في الحال المقدّرة اقتضى أن يجوز تصدير الجملة الحالية بحرف الاستقبال ، وتكون الجملة حالا مقدّرة ، إذ الحال المقدّرة (٣) إنّما هي صفة مستقبلة يتقدّر وقوعها ، انتهى ، فتدبّر.

والشرط الثالث أنّه لا بدّ لها من رابط يربطها بما هي حال منه لما مرّ (٤) ، فالجملة الاسميّة تربط بالواو والضمير جميعا اعتناء بشأن الربط من حيث عدم دلالتها على عدم ثبوت الّذي هو من شأن الحال وظهور الاستئناف فيها ، فحسن زيادة رابط ، نحو قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ) [البقرة / ٢٤٣] ، (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى) [النساء / ٤٣] ، «أو بأحدهما» أي الواو فقط ، نحو : (لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) [يوسف / ١٤] ، وجاء زيد والشمس طالعة ، وإنّما جعلت الواو

__________________

(١) «حينئذ إثبات» سقط في «س».

(٢) محمد بن أحمد الأندلسيّ الهواريّ ، شاعر ، عالم بالعربية ، من كتبه «شرح الفية ابن مالك» و «شرح ألفيه ابن جابر» مات سنة ٧٨٠ ه‍. المصدر السابق ، ٦ / ٢٢٥.

(٣) سقطت «إذا الحال المقدّرة» في «ح».

(٤) يقول الزمخشري : ويجوز إخلاء هذه الجملة عن الراجع إلى ذي الحال إجراء لها مجري الظرف ، لانعقاد الشبه بين الحال وبينه ، تقول : «أتيتك وزيد قاتم» ، و «لقيتك والجيش قادم». المفصل في صنعة الإعراب ، ص ٩٨.

٧٥٦

فى هذا الباب رابطة بأنّها تدلّ على الجمع ، والغرض احتمال جملة الحال مع عامل صاحبها ، قاله في التصريح.

وزعم ابن جنيّ أنّه لا بدّ من تقدير الضمير ، فإذا قلت : جاء زيد والشمس طالعة ، فالتقدير وقت مجيئه ، ثمّ حذف الضمير ، ودلّت الواو عليه ، أو الضمير فقط نحو : (تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) [الزمر / ٦٠] ، وزعم الزمخشريّ أنّه نادر ، وصرّح ابن الحاجب في الكافية بضعفه.

قال ابن مالك رادّا على الزمخشريّ : وهي من المسائل الّتي حرّفته عن الصواب ، وأعجزت ناصريه عن الجواب ، وقد ثبته في الكشاف فجعل قوله تعالى : (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) [البقرة / ٣٦] ، في موضع نصب على الحال وكذا في (لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) [الرعد / ٤١]. قال ابن مالك : وانفراد الضمير عندي أقيس ، لأنّ الحال شبيه بالخبر والنعت ، وليس شئ منهما يربط بالواو ، انتهى.

وقد حكي عن الفرّاء مثل ما ذهب إليه الزمخشريّ ، وحكي أبو حيّان أنّ الزمخشريّ رجع عن قوله : ولا شكّ في أنّ الربط بالواو فقط أكثر من الربط بالضمير فقط ، صرّح به ابن مالك في شرح الكافية.

نكتة : قال ابن هشام في المغني قلت يوما : ترد الجملة الاسميّة الحالية بغير واو في فصيح الكلام خلافا للزمخشريّ كقوله تعالى : (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) [الزمر / ٦٠] ، فقال بعض من حضر : هذه الواو في أوّلها ، انتهى.

وقد تخلو الجملة من الواو والضمير معا ، فيقدّر الضمير ، نحو : مررت بالبرّ قفيز بدرهم ، أو الواو كقوله : يصف غائصا لطلب اللؤلؤ : انتصف النهار ، وهو غائص وصاحبه لا يدري ما حاله [من الكامل] :

٨٣٣ ـ نصف النّهار والماء غامره

ورفيقه بالغيب لا يدري (١)

وإنّما قدّرت الواو مع إمكان تقدير الضمير حملا على الكثير في هذا الباب ، كما مرّ.

تنبيه : تمتنع الواو في الجملة الاسميّة الواقعة بعد عاطف نحو قوله تعالى : (فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ) [الأعراف / ٤] ، فلا يقال : أو وهم قائلون كراهة اجتماع حرفي عطف صورة ، وفي الجملة الاسميّة المؤكّدة بمضمون جملة ، نحو : (الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ) [البقرة ٢ و ١] ، فكما لا تدخل الواو في التوكيد في نحو : جاء زيد نفسه ،

__________________

(١) هو للمسيب بن علس ، اللغة : نصف : ماض بمعنى انتصف ، والنهار فاعله ، غامره : اسم فاعل من غمره الماء أي غطّاه.

٧٥٧

لا تدخل هنا ، لأنّ المؤكّد نفس المؤكّد في المعنى ، ولو دخلت الواو لكان في صورة عطف الشيء على نفسه ، قاله في الأوضح ، وشرحه ، وهو وارد على قضية كلام المصنّف (ره).

«و» الجملة «الفعلية إن كانت مبدوّة بمضارع مثبت بدون قد فتربط بالضمير وحده ، نحو : جاء زيد يسرع» ، وقوله تعالى : (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) [المدثر ٦] ، أي لا تعط حال كونك تعدّ ما تعطيه كثيرا ، وتمتنع الواو ، لأنّه مترّل مترلة اسم الفاعل في المعنى ، وجار عليه في الحركات والسكون ، فاجري مجراه في امتناع الواو ، وأمّا ما جاء مع الواو من نحو : قمت وأصكّ وجه ، وقوله [من المتقارب] :

٨٣٤ ـ ...

نجوت وأرهنهم مالكا (١)

فقيل : على حذف المبتدإ ، والواو داخلة على جملة اسميّة ، أي وأنا أصكّ ، وأنا أرهنهم.

وقال الشيخ عبد القاهر : الواو فيها للعطف لا للحال ، والأصل : قمت وصككت ورهنت ، عدل عن لفظ الماضي إلى لفظ المضارع حكاية للحال الماضية ، ومعناها أن يفرض أنّ ما كان من زمان الماضي واقع في هذا الزمان فيعبّر عنه بلفظ المضارع.

«أو معها» أي مع قد فتربط بالضمير «مع الواو» وجوبا ، «نحو قوله تعالى : (لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ») [الصف / ٥] ، فجملة تعلمون حال من الواو في تؤذونني ، «وإلا» تكن الجملة الفعلية مبدوّة بمضارع مثبت ، بل كانت مبدوّة بمضارع منفيّ أو بماض مثبت أو منفيّ فكالجملة «الاسميّة» في أنّها تربط بالواو والضمير معا أو بأحدهما ، وهذا يقتضي جواز الأوجه الثلاثة في ذلك كلّه ، وليس على إطلاقه ، فلا بدّ من بيانه إمّا المبدوّة بالمضارع المنفيّ ، فإن كان النافي لا فهو كالمثبت في لزوم الضمير والتجرّد عن الواو نحو : (وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ) [المائدة / ٨٤].

فإن ورد بالواو قدّر مبتدأ على الأصحّ كقراءة ابن ذكوان (٢) : (فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِ) [يونس / ٨٩] بتخفيف النون ، نصّ على ذلك في التسهيل ، وجعل بعضهم ترك الواو أكثريّا ، والظاهر عدم التاويل ، وإن كان النافي غيرها جازت الأوجه الثلاثة ، والمسموع من ذلك لم ولما وما ، والقياس يقتضي إلحاق إن ، وأمّا لن فحرف استقبال ، لا مدخل له هنا.

__________________

(١) صدره «فلمّا خشيت أظافيرهم» ، وهو لعبد الله بن همام السلولي. اللغة : الأظافير : جمع أظفور وهو ماده قرنية في أطراف الأصابع ، والمراد هنا منه الأسلحة ، نجوت : أراد تخلّصت منهم.

(٢) القاسم بن اسماعيل أبو ذكوان الراوية ، كان علّامة أخباريا ، وله كتاب معاني الشعر ، بغية الوعاة ٢ / ٢٥١.

٧٥٨

وقال الأندلسيّ : المضارع المنفيّ بلم لا بدّ فيه من الواو ، كان مع الضمير أو لا ، قال الرضيّ : ولعلّ ذلك ، لأنّ نحو : لم يضرب ماض معنى ، كما أنّ ضرب ماض لفظا ، فكما أن ضرب لمناقضته للحال ظاهرا احتاج إلى قد المقرّبة له إلى الحال لفظا أو تقديرا ، كذلك لم يضرب يحتاج إلى الواو الّتي هي علامة الحالية لما لم يصحّ قد ، لأنّ قد لتحقيق الحصول ، ولم للنفي ، انتهى.

وذكر في التسهيل أنّ المضارع المنفيّ بما لا تغني فيه الواو عن الضمير ، وفي كلام غيره التمثيل بجاء زيد ، وما تطلع الشمس ، وأمّا المبدوّة بالماضي المثبت فإن كان تاليا ل إلا نحو : (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) [الحجر / ١١] ، أو متلوّا بأو كقوله [من البسيط] :

٨٣٥ ـ كن للخليل نصيرا جار أو عدلا

ولا تشحّ عليه جاد أو بخلا (١)

أو صلة لشرط ، نحو : لأضربنه إن أطاع وإن عصي ، لزم الضمير والخلوّ عن الواو ، أو كانت مؤكّدة ، نحو : زيد أخوك قد علمت ، تركت الواو أيضا ، وإن كان غير ذلك جازت الأوجه الثلاثة ، هذا التفضيل خلا عنه كثير من الكتب ، فاحفظه.

«ولا بدّ في الماضي المثبت من» ثبوت «قد ، ولو تقديرا» ، أي ولو كان ثبوتا مقدّرا ، أمّا المذكورة فكقوله تعالى : (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ) [البقرة / ٧٥] ، وهو كثير ، وأمّا المقدّرة فكقوله تعالى : (هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا) [يوسف / ٦٥] ، ونحو : (جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) [النساء / ٩٠].

هذا مذهب الفرّاء والمبرّد والفارسيّ وجماعة من محقّقي المتأخرين ، بل قيل : جميع البصريّين إلا الأخفش ، وذهب الكوفيّون والأخفش إلى أنّه لا حاجة إلى تقدير قد ، حيث تفقد لفظا لكثرة وقوع الماضويّة حالا بدون قد ، والأصل عدم التقدير لا سيّما فيما كثر استعماله ، واختاره أبو حيّان ، ووجّه بعضهم القول بأنّ قد إنّما اشترطت لتقريب الماضي من الحال ، فيصلح إذ ذاك لوقوعه حالا ، وفيه بحث سيأتي في حديقة المفردات ، إن شاء الله تعالى.

تنبيه : كلامه في لزوم قد ليس على إطلاقه بل فيه تفضيل ، وذلك أنّ الماضي إن كان تاليا ل إلا أو متلوّا بأو ، كان ترك قد أكثر من ثبوتها ، نحو : ما لقيته إلا أكرمني ، واضرب زيدا قام أو قعد. وقيل : بل الترك واجب ، وإن كان معه ضمير كان ثبوتها أكثر ، واجتماع الواو وقد حينئذ أكثر من انفراد أحدهما ، وانفراد قد أكثر من انفراد

__________________

(١) لم ينسب البيت إلى قائل معين ، اللغة : جار : ظلم ، لا تشحّ عليه : لا تحرص.

٧٥٩

الواو ، فنحو : جاءني زيد وقد خرج أبوه أكثر ، ثمّ قد خرج أبوه ، ثمّ وخرج أبوه ، فإنّ عدم الضمير لزمت الواو وقد كقوله [من الطويل] :

٨٣٦ ـ فجئت وقد نضّت لنوم ثيابها

لدي السّتر إلا لبسة المتفضّل (١)

ولا يقال : جاءني زيد قد خرج عمرو ، ولا وخرج عمرو. وقال الرضيّ : وأجاز الأندلسيّ على ضعف دخول قد في الماضي المنفيّ بما ، نحو : ما قد ضربه أبوه ، وليس بوجه لعدم السماع والقياس ، أيضا لكون قد لتحقيق وقوع الفعل وما لنفيه.

الجملة الواقعة مفعولا

ص : الثالثة : الواقعة مفعولا بها : وتقع محكيّة بالقول ، نحو : (قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ) ومفعولا ثانيا لباب ظنّ ، وثالثا لباب أعلم ، ومعلّقا عنها العامل ، نحو : (لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى ،) وقد تنوب عن الفاعل ، ويختصّ ذلك بباب القول ، نحو : يقال زيد عالم.

ش : الجملة الثالثة من الجمل الّتي لها محل من الإعراب الجملة الواقعة مفعولا ، ومحلّها من الإعراب النصب ، إن لم تنب عن الفاعل كما سيأتي ، وتقع مفعولا في ثلاث صور :

أحدها : أن تكون محكيّة بالقول ، ومعنى حكاية الجملة بالقول أن تحكى ومعها القول ، لأنّ الجملة إذا حكي بها القول فقد حكيت هي نفسها مع مصاحبة القول ، قاله البدر بن مالك ، نحو قوله تعالى : (قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ) [مريم / ٣٠] ، فجملة (إِنِّي عَبْدُ اللهِ) في محلّ نصب على المفعوليّة محكيّة ، يقال : والدليل على أنّها محكيّة (٢) : كسر أنّ بعد دخول قال.

وهل هي مفعول به أو مفعول مطلق نوعي كالقرفصاء في قعد القرفصاء ، إذ هي دالّة على نوع خاصّ من القول ، فيه مذهبان : الأوّل للجمهور ، والثاني اختيار ابن حاجب ، قال : والّذي غرّ الأكثرين أنّهم ظنّوا أنّ تعلّق الجملة بالقول كتعلّقها بعلم في علمت لزيد منطلق ، وليس كذلك ، لأنّ الجملة نفس القول ، والعلم غير المعلوم ، فافترقا ، انتهى.

__________________

(١) هو لامرئ القيس. اللغة : نضّت : خلعت ، اللبسة : حالة من حالات اللابس ، المتفضل : اللابس ثوبا واحدا ، إذا أراد الخفة في العمل.

(٢) سقطت «الدليل على أنّها محكيّة» في «ح».

٧٦٠

قال ابن هشام : والصواب قول الجمهور ، إذ يصحّ أن يخبر عن الجملة بأنّها مقولة ، كما يخبر عن زيد من ضربت زيدا ، بأنّه مضروب بخلاف القرفصاء في المثال ، فلا يصحّ أن يخبر عنها ، بأنّها مقعودة ، لأنّها نفس القعود ، وأمّا تسمية النّحويّين الكلام قولا فكتسميتهم إيّاه لفظا ، وإنّما الحقيقة أنّه مقول وملفوظ ، انتهى.

تنبيهات : الأوّل : الأصل أن يحكى لفظ الجملة كما سمع ، ويجوز أن يحكى على المعنى باجماع ، فإذا قال زيد : عمرو منطلق ، فلك أن تقول : قال زيد : عمرو منطلق ، أو المنطلق عمرو ، فإن كانت الجملة ملحونة حكيت على المعنى بإجماع ، فتقول في قول زيد عمرو قائم بالجرّ ، قال زيد : عمرو قائم بالرفع. وهل تجوز الحكاية على اللفظ؟ قولان ، صحّح ابن عصفور المنع ، قال : لأنّهم إذا جوّزوا المعنى في المعربة فينبغي أن يلتزموه في الملحونة.

الثاني : إذا حكيت كلام متكلّم عن نفسه ، نحو : انطلقت ، فلك أن تحكيه بلفظه فتقول : قال فلان : انطلقت ، ولك أن تقول : قال فلان : انطلق ، أو إنّه انطلق ، أو هو منطلق.

الثالث : هل يلتحق بالقول في هذا الباب ما يرادفه كالدعاء والنداء وكلّ ما في معنى القول ، فإذا وقع بعد نادى ودعا ووصّي ونحوها جملة كقوله : (وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ ... يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا) [هود / ٤٢] ، (دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا) [يونس / ٢٢] ، (وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَ) [البقرة / ١٣٢] ، فهل هي محكيّة بما قبلها من الأفعال إجراء لها مجرى القول ، أم نصبت بقول مقدّر؟ ذهب الكوفيّون إلى الأوّل والبصريّون إلى الثاني ، ويشهد لهم التصريح بالقول في نحو. (وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) [هود / ٤٥] ، ونحو : (إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا* قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) [مريم / ٤ و ٣].

الرابع : قال ابن بابشاذ في شرح الجمل : من أحكام هذه الجملة المحكية أنّه لا يجوز نعت أسمائها ولا تأكيدها ولا العطف عليها ، لأنّ هذا كلّه يخرجها عن نفس الحكاية ، ويؤدّي إلى إيقاع النعت والتوكيد على غير معنى ، فيلبس أن ذلك داخل في الحكاية ، تقول لمن قال : زيد منطلق ، قال فلان : زيد منطلق ، ولا يجوز أن تقول : قال فلان : زيد الظريف منطلق ، ولا زيد نفسه منطلق ، ولا زيد وعمرو منطلقان ، لأنّ ذلك كلّه لم يقله المحكيّ عنه ، انتهى.

٧٦١

أمّا العطف على الجملة نفسها فجائز ، سواء كان المعطوف مفردا أو جملة ، فإذا كان مفردا انتصب لفظا ، نحو : قال إمّا زيد قائم ، أو لفظا آخر ، وإذا كان جملة انتصب محلا كما سيأتي.

الخامس : قال ابن هشام : من الجمل المحكية ما قد يخفى ، فمن ذلك بعد القول : (فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ) [الصافات / ٣١] ، والأصل إنّكم لذائقون عذابي ، ثمّ عدل إلى التّكلّم ، لأنّهم تكلّموا عن أنفسهم ، كما قال [من الطويل] :

٨٣٧ ـ ألم تر أنّي يوم جوّ سويقة

بكيت فنادتني هنيدة ماليا (١)

والأصل مالك ، ومنه في المحكية بعد ما فيه معنى القول : (أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ* إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ) [القلم / ٣٨ / ٣٧] ، أي تدرسون فيه هذا اللفظ ، وتدرسون قولنا هذا الكلام ، وذلك إمّا أن يكونوا خوطبوا بذلك في الكتاب على زعمهم ، أو الأصل : إنّ لهم لما تخيّرون ، ثمّ عدل إلى الخطاب عن مواجهتهم.

السادس : قد تقع الجملة بعد القول غير محكية ، وهي نوعان :

محكية بقول آخر محذوف ، كقوله تعالى : (فَما ذا تَأْمُرُونَ) [الأعراف / ١١٠] ، بعد (قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ) [الأعراف / ١٠٩] ، لأنّ قولهم تمّ عند قوله : (مِنْ أَرْضِكُمْ) [الأعراف / ١١٠] ، ثمّ التقدير : فقال فرعون : بدليل قوله : (قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ) [الأعراف / ١١١] ، وقول الشاعر [من الرجز] :

٨٣٨ ـ قالت له وهو بعيش ضنك

لا تكثري لومي وخلّي عنك (٢)

التقدير قالت له : أتذكر قولي لي ، إذا لومك في الإسراف في الإنفاق ، لا تكثري لومي ، فحذف المحكيّة بالمذكور ، وأثبت المحكية بالمحذوف.

وغير محكية ، وهي نوعان دالّة على المحكية كقولك : قال زيد لعمرو في حاتم : أتظنّ حاتما بخيلا ، فحذف المقول ، وهو حاتم بخيل مدلولا عليه بجملة الإنكار الّتي هي من كلامك (٣) دونه ، وغير دالّة عليها نحو : (وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) [يونس / ٦٥].

والثانية : أن يقع مفعولا في باب ظنّ وأعلم ، فتقع «مفعولا ثانيا لباب ظنّ» ، نحو : ظننت زيدا يقرأ ، فجملة يقرأ من الفعل وفاعله المستتر فيه في موضع نصب على أنّها المفعول الثاني لظنّ ، ووقوعها مفعولا في هذا الباب كوقوعها خبرا في باب كان ، و

__________________

(١) البيت للفرزدق. اللغة : جوّ سويقة : اسم موضع.

(٢) لم يذكر قائله. اللغة : الضنك : الضيّق من كلّ شي (يستوي فيه المذكّر والمونث) ، خلّي : ابعدي عنّي.

(٣) من كلامك سقط في «ح».

٧٦٢

قد اجتمع وقوع الثاني من باب ظنّ وخبر كان ، وإنّ جملة في قول أبي ذؤيب [من الطويل] :

٨٣٩ ـ فإن تزعميني كنت أجهل فيكم

فإنّي شريت الحلم بعدك بالجهل (١)

«و» مفعولا «ثالثا لباب أعلم» ، نحو : أعلمت زيدا عمرا أبوه قائم ، فجملة أبوه قائم في موضع نصب على أنّها المفعول الثالث ، وإنّما لم تقع مفعولا ثانيا في باب أعلم ، لأنّ مفعوله الثاني مبتدأ في الأصل ، والمبتدأ لا يكون جملة.

«و» الثالثة أن تقع «معلّقا عنها العامل» ، وقد مرّ معنى التعليق في باب أفعال القلوب ، وأنّه لا يختصّ بها خلافا لابن عصفور ، بل هو جار في كلّ فعل قلبيّ ، فهي أعني الجملة في موضع المفعولين ، إن تعدّى العامل إلى اثنين ، نحو قوله تعالى : (لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى) [الكهف / ١٢] ، وفي موضع مفعول مقيّد بالجارّ ، إن تعدّي به نحو : (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ) [الأعراف / ١٨٤] ، (فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً) [الكهف / ١٩] ، (يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ) [الذاريات / ١٢] ، لأنّه يقال : تفكّرت فيه ، ونظرت فيه ، وسالت عنه ، ولكنّها علّقت هنا بالاستفهام عن الوصول في اللفظ إلى المفعول ، وهي من حيث المعنى طالبة له على معنى ذلك الحرف.

وفي موضع المفعول المسرح إلى أن تعدّى لواحد ، نحو : عرفت من أبوك ، لأنكّ تقول : عرفت زيدا ، ومنه على رأي ابن مالك [من البسيط] :

٨٤٠ ـ أما تري أيّ برق هاهنا (٢)

لأنّ الرؤية فيه عنده بصريّة كما تقدّم ، ورأى البصريّة وسائر أفعال الحواس إنّما يتعدّى لواحد بلا خلاف إلا سمع المعلّقة باسم عين ، نحو : سمعت زيدا يقرأ ، فقيل : متعدّية لاثنين ، ثانيهما الجملة ، وقيل : متعدّية لواحد ، والجملة حال ، أمّا متعلّقه بمسموع فمتعدّية لواحد اتّفاقا ، نحو : (يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ) [ق / ٤٢].

تنبيهات : الأوّل : اختلف في نحو : عرفت زيدا من هو ، فذهب الفارسيّ إلى أنّ الجملة في موضع المفعول الثاني لعرفت على تضمّنه معنى علمت ، واختاره أبو حيّان ، وردّ بأنّ التضمين لا ينقاس ، وهذا التركيب مقيس ، وذهب المبرّد والأعلم وابن خروف وغيرهم إلى أنّ الجملة في موضع نصب على الحال ، وردّ بأنّ الجمل الأنشائية لا تقع حالا ، وذهب السيرافيّ وابن عصفور وابن مالك وابن الصائغ وابن هشام إلى أنّ الجملة بدل من المنصوب ، ثمّ قال ابن عصفور : هي بدل كلّ من كلّ على حذف

__________________

(١) اللغة : شريت : ملكت بالبيع.

(٢) ما وجدت البيت ولكنه جاء هذا المصرع في المغني دون أن يذكر له صدره وقائله.

٧٦٣

مضاف ، والتقدير عرفت قصة زيد ، أو أمر زيد أبو من هو ، واحتّيج إلى هذا التقدير ، لتكون الجملة هي المبدل منه في المعنى. وقال ابن الصائغ هي بدل اشتمال ، ولا حاجة إلى تقدير.

الثاني : قال ابن هشام في المغني ، وقال جماعة عن المغاربة : إذا قلت : علمت زيدا لأبوه قائم ، أو ما أبوه قائم ، فالعامل معلّق عن الجملة ، وهو فاعل في محلّها النصب ، على أنّها مفعول ثان ، وخالف في ذلك بعضهم ، لأنّ الجملة حكمها في مثل هذا أن تكون في موضع نصب ، وأن لا يؤثّر العامل في لفظها ، وإن لم يوجد معلّق وذلك نحو : علمت زيدا أبوه قائم.

واضطرب كلام الزمخشريّ في ذلك ، فحكم في موضع من الكشاف بأنّه تعليق ، وقال في موضع آخر : لا يسمّى هذا تعليقا ، وإنّما التعليق أن يوقع بعد العامل ما يسدّ مسدّ معموليه جميعا كعلمت أيّهما عمرا ، ألا تري أنّه لا يفترق الحال بعد تقدّم أحد المنصوبين بين مجئ ماله الصدر وغيره ، ولو كان معلّقا ، لافترقا ، كما افترقا في علمت زيدا منطقا ، وعلمت أزيد منطلق.

قال الدماميني : فإن قلت : ما الّذي يترجّح من القولين المذكورين؟ قلت : كون العامل معلّقا بدليل قوله تعالى : (سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) [البقرة / ٢١١]. ألا ترى أنّ سل الّتي يراد بها طلب العلم لا المال إنّما يتعدّى إلى الثاني بالجارّ ، فلو كان وصول سل إلى كم كوصول ظنّ في نحو : ظننت زيدا أبوه منطلق ، لزم تعديته إلى اثنين بنفسه ، وذلك ممتنع ، وإذا ثبت أنّه علّق عن الثاني بدليل عدم وجود الجارّ لم يكن نصب العامل لأحد المفعولين لفظا مانعا من كونه معلّقا عن الآخر ، انتهى ، وفيه نظر ظاهر.

الثالث : فائدة الحكم على محلّ الجملة في التعليق بالنصب جواز ظهوره في التابع ، تقول : علمت من زيد وغير ذلك من أموره (١) ، وعلمت لزيد قائم وعمرا قاعدا ، بنصب جزءي الجملة المعطوفة ، كما نقله الرضيّ عن ابن الخشاب ، ومنه قول كثير [من الطويل].

٨٤١ ـ وما كنت أدري قبل عزّه ما البكى

ولا موجعات القلب حتّى تولّت (٢)

__________________

(١) سقطت «غير ذلك من أموره» في «ح».

(٢) اللغة : عزة : اسم امرأة كان الشاعر يحبّها ، موجعات : جمع موجعة ، وهي المؤلمة.

٧٦٤

يروى بنصب الموجبات بالكسرة عطفا على محلّ قوله ما البكى ، قال ابن هشام : رأيت بخطّ الإمام بهاء الدين بن النحاس ، أقمت مدّة ، أقول : القياس جواز العطف على محلّ الجملة المعلقّة عنها بالنصب ، ثمّ رأيته منصوصا ، انتهى.

ومّمن نصّ عليه ابن مالك ، ولا وجه للتوقّف فيه مع قولهم : إنّ المعلّق عامل في المحلّ ، وابن النحاس المذكور هو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن النحاس الحلبيّ النحويّ المشهور صاحب ابن مالك ، وأخذ منه جماعة من المشاهير ، منهم أبو حيّان وابن نباتة وغيرهما.

الرابع : إنّما يعطف على الجملة المعلّق عنها العامل مفرد فيه معنى الجملة ، كما مرّ من نحو : علمت من زيد وغير ذلك من أموره ، ولا تقول : علمت أزيد قائم وعمرو ، لأنّ مطلوب هذه الأفعال أنّما هو مضمون الجملة ، فإذا كان في الكلام مفرد يؤدّي معنى الجملة ، صحّ أن يتعلّق به وإلا فلا ، قاله في التصريح.

و «قد تنوب» الجملة الواقعة مفعولا عن الفاعل ، فيكون محلّها من الإعراب الرفع ، ويختصّ ذلك بباب القول ، لأنّ الجملة إنّما تقع نائبة إذا أريد بها لفظها ، كما سيأتي ، وهو غير متصوّر إلا في باب القول ، نحو : يقال : زيد عالم ، فجملة زيد عالم في محلّ رفع على أنّها نائبة عن الفاعل.

وفي شرح الجمل لابن بابشاذ إذا قلنا : قد قيل : زيد منطلق ، فموضع الجملة رفع لكونها مفسّرة لقول مقدّر ، كأنّه قال قد قيل قول : هو زيد منطلق ، ومن هاهنا لم يجز زيد منطلق ، قيل : لأنّه مفسّر للفاعل أي نائبة ، وهو لا يتقدّم على فعله ، انتهى. وكذا قال أبو البقاء في قوله تعالى : (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا) [البقرة / ١١] ، القائم مقام الفاعل مصدر ، وهو القول ، وأضمر لأنّ الجملة بعده تفسّره ، والتقدير وإذا قيل لهم قول هو لا تفسدوا ، انتهى.

وزعم ابن عصفور أنّ ذلك قول البصريّين ، والصواب ما ذكره المصنّف من أنّ النائب هي الجملة بعينهما ، لأنّها كانت قبل حذف الفاعل منصوبة ، فكيف انقلبت مفسّرة ، والمفعول به متعيّن للنيابة ، فإن قلت : أليس الصحيح أنّ الفاعل ونائبه لا يقعان جملة ، فكيف صحّ وقوع نائب الفاعل هنا جملة؟ قلت : الجملة هنا في حكم المفرد ، لأنّ المراد بها لفظها دون معناها ، ولهذا يقع مبتدأ ، نحو : لا حول ولا قوّة إلا بالله كتر من كنور الجنة ، وفي المثل زعموا مطيّة الكذب ، والجملة بل المركّب يصير بإرادة اللفظ اسما ، وكلّ اسم مفرد ، فنائب الفاعل هنا في الحقيقة مفرد لا جملة ، وكذا المبتدأ في المثالين المذكورين.

٧٦٥

تنبيه : ما ذكره المصنّف من اختصاص النيابة بباب القول لما مرّ هو المشهور ، وقيل : تقع أيضا في الجملة المقرونة بمعلّق ، نحو : علم أقام زيد : وقيل في الجملة مطلقا ، نحو : علم قام زيد ، وهو مبنيّ على جواز وقوع الفاعل ونائبه جملة ، وفي المسأله ثلاثة أقوال :

أحدها : المنع مطلقا ، وعليه الأكثر ، وهو المشهور كما ذكرنا.

الثاني : الجواز مطلقا ، نحو : يعجبني قام زيد ، وهو قول هشام وثعلب واحتجاجا بقوله [من الطويل] :

٨٤٢ ـ وما راعني إلا يسير بشرطة

 ... (١)

الثالث : التفضيل ، وهو إن كان الفعل قلبيّا ، ووجد معلّق عن العمل ، نحو : ظهر لي أقام زيد ، صحّ ، وإلا فلا ، وهو قول الفرّاء وجماعة من الكوفيّين ونسبوه إلى سيبويه ، وحملوا عليه : (ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ) [يوسف / ٣٥] ، ومنعوا : يعجبني يقوم زيد ، وعلى هذين القولين فيزاد في الجمل الّتي لها محلّ الجملة الواقعة فاعلا ونائبا عنه ، ومنع الأكثرون ذلك كلّه ، وأوّلوا ما ورد ممّا يوهمه ، فقالوا في يسير : إنّه على إضمار أن ، وفي بدا ضمير البداء المفهوم منه أو ضمير السجن المفهوم من الفعل.

وقال الدمامينيّ : ما أظنّ أنّ أحدا من الكوفيّين ولا غيرهم ينازع في أنّ من خصاص الاسم كونه مسندا إليه ، فيحمل ما ذكروه من جواز وقوع الفاعل جملة على أنّ معنى المصدر المفهوم من الجملة هو الفاعل المسند إليه معنى ، وغايته أن التاويل هنا وقع بغير واسطة حرف مصدريّ ، فهو كما يقول الكلّ في نحو : قمت حين قام زيد ، من أنّ الجملة وقعت مضافا إليها مع أنّ الإضافة من خصائص الاسم كالإسناد إليه ، لكن الجملة هنا مؤولة عندهم بمفرد ، أي حين قيام زيد. ولا بدع في هذا ، لأنّه وجد مطّردا في الإضافة في باب التسوية ، نحو : سواء على قمت أم قعدت ، أي قيامك وقعودك ، وفي لا تأكل السمك وتشرب اللبن ، أي لا يكن منك أكل سمك مع شرب لبن ، فهشام ومن قال بقوله ألحقوا مثل يعجبني يقوم زيد بتلك الأبواب.

الجملة الواقعة المضاف إليها

ص : الرّابعة : المضاف إليها : وتقع بعد ظروف الزمان ، نحو : (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ) وبعد حيث ، ولا يضاف إلى الجمل من ظروف المكان سواها ، والأكثر إضافتها إلى الفعلية.

__________________

(١) تمامه «وعهدي به قينا يفشّ بكير» ، ولم يسمّ قائله. اللغة : راعني : أعجبني ، القين : الحدّاد ، يفش : يخرج ما فيه من الريح. الكير : الجهاز يستخدمه الحدّاد للنفخ في النار لإشعالها.

٧٦٦

ش : الجملة «الرابعه» من الجمل الّتي لها محلّ من الإعراب الجملة «المضاف إليها» ، ومحلّها الجرّ ، فعلية كانت أو اسميّة. قال الدمامينيّ : لا ينبغي أن تنظم هذه في سلك الجمل الّتي لها محلّ من الإعراب ضرورة أنّ المراد منها ما يكون جملة حقيقة ، ولا يكون في معنى المفرد ، بل واقعة موقعه ، والمضاف إليه لا يكون جملة حقيقية ، وكيف وهو لا يكون إلا اسما ، أو ما هو في تأويل الاسم.

قال ابن الحاجب : لأنّ المضاف إليه في المعنى محكوم عليه ، لأنّه منسوب إليه ، أو لأنّ غلام زيد في معنى زيد له غلام أو مالك غلام ، هذا كلامه ، فإذا قلت : قمت حين قام زيد ، فالمعنى قمت حين قيام زيد (١) ، فلم تضف في الحقيقة إلا إلى المفرد دون الجملة ، انتهى.

وقال الشمنيّ : لا نسلم أنّ المراد من الجمل الّتي لها محلّ من الإعراب ما لا يكون في معنى المفرد ، بل المراد منها ما هو أعمّ من ذلك ، وما ادّعاه من الضرورة ليس بصحيح.

وتقع الجملة المضاف إليها بعد ظروف الزمان مضافة إليها ، سواء كانت مبنيّة أو معربة منصوبة على الظرفيّة أم لا ، نحو قوله تعالى : (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ) [مريم / ٣٣] ، فجملة ولدت في محل جرّ بإضافة يوم إليها ، ونحو قوله تعالى : (هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ) [المائدة / ١١٩] ، (وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ) [ابراهيم / ٤٤] ، ونحو قوله تعالى : (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ) [الأنفال / ٢٦] ، فجملة أنتم قليل في محلّ جرّ بإضافة إذ إليها ، ومثلها إذا عند الجمهور ، نحو قوله تعالى : (إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ) [النصر / ١] ، ولمّا عند من قال باسميّتها ، نحو : لمّا جاء زيد جاء عمرو ، وسيأتى الكلام على ذلك فى حديقة المفردات ، إن شاء الله.

والأصل فيما يضاف من أسماء الزمان إلى الجمل إذ وإذا ، فلا يضاف إليها غيرهما إلا إذا ساواهما في الإبهام ، أو قاربهما في ما مضي ، أو فيما يأتي ، وذلك ما لا يختصّ بوجه كوقت وحين ومدّة وزمان ، وما يختصّ بوجه دون كنهار وصباح ومساء وغداة وعشية ، فلو كان الزمان محدودا بالتثنية كيومين وليلتين لم تجز إضافته خلافا لابن كيسان لعدم السماع ، فلو كان غير مثنّى ودلّ على استحضار ما تحته من العدد استحضارا أوليا كأسبوع وشهر وعام وجمعة ، فقد نصّ المغاربة على جواز الإضافة ، ونصّ غيرهم على المنع والجمع غير محدود فتجوز إضافته ، قال [من الكامل] :

٨٤٣ ـ أزمان قومي والجماعة كالّذي

منع الرّحالة أن تميل مميلا (٢)

__________________

(١) سقطت هذه الفقرة في «س».

(٢) هو للراعي النميريّ. اللغة : الرحالة : السرج.

٧٦٧

وقال الآخر [من الطويل] :

٨٤٤ ـ ليإلى اقتاد الصبا ويقودني

 ... (١)

«و» تقع الجملة المضاف إليها «بعد حيث» من أسماء المكان مضافا إليها وجوبا ، نحو : جلست حيث زيد جالس ، «ولا يضاف إلى الجمل من ظروف المكان سواها» وقد مرّ وجه ذلك في باب الإضافة ، فليرجع إليه. «و» الاستعمال «الأكثر إضافتها» إلى الجملة «الفعلية» ، ومن ثمّ رجّح النصب في نحو : جلست حيث زيدا أراه.

تتمّة : ويضاف إلى الجملة سوي ما ذكر ستّة أخر.

أحدها : آية بمعنى علامة ، فإنّها تضاف جوازا إلى الجملة الفعلية المتصرّف فعلها مجرّدا ، كقوله [من الطويل] :

٨٤٥ ـ ألكني إلى سلمى بآية أومأت

بكفّ خضيب تحت كفّ مدرع (٢)

وقوله [من الوافر] :

٨٤٦ ـ بآية تقدمون الخيل شعثا

كأنّ على سنابكها مداما (٣)

أو مقرونا بما الزائدة عند سيبويه أو المصدريّة عند ابن جنيّ وابن مالك في قوله [من الوافر] :

٨٤٧ ـ ألا من مبلغ عنّي تميما

بآية ما تحبّون الطّعاما (٤)

أو النافية في قوله [من الطويل] :

٨٤٨ ـ ألكني إلى قومي السّلام رسالة

بآية ما كانوا ضعافا ولا عزلا (٥)

هذا قول سيبويه ، وزعم ابن جنيّ أنّها إنّما تضاف إلى المفرد ، نحو : (إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ) [البقرة / ٢٤٨] وأنّ الجملة بعدها على تقدير ما المصدريّة ، كأنّه رأى أنّ الإضافة إلى الجملة أنّما ينبغي أن يكون في الظروف ، وما أشبهها بوجه وأنّه بعيدة من الظروف ، وأنّما قدّر ما دون أن المعهودة التقدير ، لأنّ الفعل لم ير منصوبا في وقت ما ، ولأنّه لا يختصّ بالمستقبل ، وردّ ابن مالك عليه بقوله [من الطويل] :

٨٤٩ ـ ...

بآية ما كانوا ضعافا ولا عزلا (٦)

__________________

(١) تمامه «يحول بنا ريعانه ويحاوله» ، وهو لطرفة بن العبد. اللغة : الريعان : من كلّ شىء : أوّله وأفضله.

(٢) لم يذكر قائله. اللغة : ألاك : أبلغ ، أومأت : أشارت ، الكفّ : الراحة مع الأصابع. الخضيب : فعيل بمعنى المفعول يعني ما غيّر لونه بالحنّاء.

(٣) نسب البيت إلى الأعشى وإلى زيد بن عمرو بن الصعق. اللغة : يقدمون : يدخلون ويتقدّمون في الأمر ، الشعث : جمع أشعث ، وهو المغبر الرأس ، السنابك : جمع سنبك ، وهو طرف الحافر ، المدام : الخمر.

(٤) هو لزيد بن عمرو بن الصعق.

(٥) هو لعمرو بن شأس. اللغة : الضعاف : جمع ضعيف ، العزل : جمع أعزل : وهو الّذي لا سلاح له.

(٦) تقدّم برقم ٧٤٨.

٧٦٨

قال : لأنّ تقدير ما المصدريّة قبل ما النافية ممتنع ، والّذي رأى أنّها تصاف إلى الجملة وجه ذلك بأنّ الآية بمعنى العلامة مشابهة للوقت ، لأنّ الوقت حادث صار علما لحادث آخر ، كقولك : أتيتك طلوع النجم ، فصار طلوعها آية الإتيان وعلامته ، فمن ثمّ عوملت معاملة أسماء الأوقات في جواز الإضافة إلى الجملة ، وأمّا اشتراط الفعلية وتصرّف الفعل وكونه مثبتا أو منفيّا بما فمحال على السماع.

الثاني : ذو في قولهم : إذهب بذي تسلم ، والبا في ذلك ظرفيّة ، وذو صفة لزمن محذوف ، ثمّ قال الأكثرون هي بمعنى صاحب ، فالموصوف نكرة ، أي إذهب في وقت صاحب سلامة ، أي في وقت هو مظنّة السلامة ، وقيل : إنّها موصولة بمعنى الّذي على لغة طيّ ، وأعربت على لغة بعضهم ، فالموصوف معرفة ، والجملة صلة فلا محلّ لها ، والأصل إذهب في وقت الّذي تسلم فيه ، ثمّ اتّسع فيه ، فحذف الجارّ فصار تسلمه ، ثمّ حذف الضمير ، فلا إضافة فيه إلى الجملة.

قال المراديّ في شرح التسهيل : وإلى نحو هذا كان يذهب ابن الطراوة. قال ابن هشام : ويضعفه أنّ استعمال ذي موصولة بطيّ ، ولم ينقل اختصاص هذا الاستعمال بهم ، وأنّ الغالب عليها في لغتهم البناء ، ولم يسمع هنا إلا الإعراب ، وأنّ حذف العائد المجرور هو الموصول بحرف متّحد المعنى مشروط باتّحاد المتعلّق نحو : (وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ) [المومنون / ٣٣] ، أي منه ، والمتعلّق هنا مختلف ، وأنّ هذا العائد لم يذكر في وقت ، انتهى.

وربّما قالوا : بذي تسلم ما كان كذا مقسما به ، ويختلف فاعلا اذهب وتسلم بحسب المخاطب ، فيقال : اذهبي بذي تسلمين ، واذهبا بذي تسلما ، واذهبوا بذي تسلمون ، واذهبن بذي تسلمن.

الثالث والرابع : لدن وريث ، فإنّهما يضافان جوازا إلى الجملة الفعلية الّتي فعلها متصرّف ، ويشترط كونه مثبتا بخلافه مع آية كقوله [من الطويل] :

٨٥٠ ـ لزمنا لدن سألتمونا رفاقكم

فلا يك منكم للخلاف جنوح (١)

وقوله [من الطويل] :

٨٥١ ـ خليليّ رفقا ريث أقضي لبانة

من العرصات المذكّرات عهودا (٢)

وقد تضاف لدن إلى الجملة الاسميّة أيضا كقوله [من الطويل] :

__________________

(١) البيت بلا نسبة إلى قائل معيّن ، ويروى سألتمونا وفاقكم. اللغة : الجنوح : الميل.

(٢) لم يذكر قائله. اللغة : الريث : البطء ، اللبانة : الحاجة ، العرصات : جمع عرصة ، وهو الفضاء الواسعة من الدار ليس فيها بناء.

٧٦٩

٨٥٢ ـ ...

وتذكر نعماه لدن أنت يافع (١)

قال ابن مالك في شرح التسهيل : وهما أحقّ من ذلك من آية.

أمّا لدن فإنّها تدلّ على مبدإ الغاية زمانا ومكانا ، فإذا دلّت على مبدإ الزمان فجريها مجرى الأسماء المبهمة ليس ببدع.

وأمّا ريث فهو مصدر راث يريث ، إذا أبطأ ، فعومل في الإضافة إلى الجملة معاملة أسماء الزمان ، كما عوملت المصادر معاملة أسماء الزمان في التوقيت ، انتهى. فالأصل في مثل قولك : أنظرني ريث أفعل ، أنظرني مدّة ريث أن أفعل ، ثمّ أنيبت ريث عن المدّة ، وأضيفت إلى الجمل كما يجوز ذلك في المدّة ، وذهب ابن مالك في الكافية وشرحها إلى أنّ الفعل بعدهما على إضمار أن ، ويؤيّده ظهورها مع لدن في قوله [من الطويل] :

٨٥٣ ـ وليت فلم تقطع لدن أن وليتتنا

قرابة ذي قربي ولا حقّ مسلم (٢)

والخامس والسادس : قول وقائل ، كقوله [من الخفيف] :

٨٥٤ ـ قول يا للرّجال ينهض منّا

مسرعين الكهول والشّبّانا (٣)

وقوله [من الكامل] :

٨٥٥ ـ وأجبت قائل كيف أنت بصالح

حتّى مللت وملّني عوّادي (٤)

تنبيهات : الأوّل : يشترط في الجملة المضاف إليها خبريّتها ، فإن كانت الجملة اسميّة ، وصدرت بلا التبرئة بقي اسمها على ما كان عليه من بناء أو نصب ، فتقول : جئتك يوم لا حرّ ولا برد ، ويروى يوم لا حرّ ولا برد بالجرّ على إضافة يوم إلى الاسم بعد لا ، وإن صدرت بلا وما العاملتين كليس لم يختلف حكمها ، كقوله [من الطويل] :

٨٥٦ ـ وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة

بمغن فتيلا عن سواد بن قارب (٥)

الثاني : لا يلحق الرابط الجملة المضاف إليها إلا نادرا : قال ابن مالك : كلّ مضاف إلى جملة مقدّر الإضافة إلى مصدر من معناها ، ومن أجل ذلك لا يعود منها ضمير إلى المضاف إليها ، كما لا يعود من المصدر ، فإن سمع ذلك عدّ نادرا كقوله [من الوافر] :

٨٥٧ ـ مضت سنة لعام ولدت فيه

وعشر بعد ذاك وحجّتان (٦)

__________________

(١) صدره «إلى أنت ذو فودين أبيض كالنسر» ، ولم يذكر قائله. اللغة : الفود : الجناح.

(٢) لم يسمّ قائله.

(٣) لم يعيّن قائله.

(٤) لم يسمّ قائله. اللغة : مملت : من الملالة ، وهي السآمة ، العوّاد : جمع عائد وهو الّذي يزور المريض.

(٥) قاله سواد بن قارب وقدر رأى النبي (ص) في المنام ، فأسلم حين كونه غائبا عن النبي (ص) في المدينه ، فخاطب النبي (ص) بقصيدة منها هذا البيت. اللغة : الفتيل : شقّ في نواة التمر ، وهو مفعول لمغن.

(٦) هو من أبيات للنابغة الجعدي ، اللغة : الحجة : الحول والسنة.

٧٧٠

والمعروف أنّه إذا كان في الجملة ضمير فصّلت عن الإضافة وجعلت صفة ، كقوله تعالى : (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ) [البقرة / ٢٨١].

الثالث : ما يجب إضافته إلى الجمل وقد مرّ ذكره في باب الإضافة ، يجب بناؤه ، وغير الواجب يجوز الإعراب فيه على الأصل والبناء حملا على إذ وإذا ، فإن كان ما وليه فعلا مبنيّا ترجّح البناء للتناسب ، وإن كان فعلا معربا أو جملة ترجّح الإعراب عند الكوفيّين ، ووجب عند البصريّين وقد مرّ ذلك مستوفيا.

الجملة الواقعة جوابا لشرط جازم

ص : الخامس : الواقعة جوابا لشرط جازم مقرونة بالفاء أو إذا الفجائيّة ، ومحلّها الجزم ، نحو : (مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ ، إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ) وأمّا نحو : إن تقم أقم ، وإن قمت قمت ، فالجزم فيه للفعل وحده.

ش : الجملة «الخامسة» من الجمل الّتي لها محلّ من الإعراب الجملة «الواقعة جوابا لشرط جازم» ، وهو إن وأخواتها ، حال كونها أعني الجملة الجوابيّة «مقرونة بالفاء» ، سواء كانت اسميّة أم فعلية خبريّة أم أنشائيّة «أو» مقرونة «بإذا الفجائيّة» ، ولا تكون إلا اسميّة والأداة إن خاصّة كما مرّ.

«ومحلّها» أي الجملة من الأعراب «الجزم» ، لأنّها لم تصدر بمفرد يقبل الجزم لفظا أو محلّا ، فالمقرونة بالفاء «نحو» قوله تعالى : (مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ) [الأعراف / ٨٦] ، فجملة لا هادي له من لا واسمها وخبرها في محلّ جزم جوابا لشرط جازم ، وهو من ، ولهذا قرئ بجزم يذر عطفا على محل الجملة ، والفاء المقدّرة كالمذكورة نحو قوله [من البسيط] :

٨٥٨ ـ من يفعل الحسنات الله يشكرها

 ... (١)

والمقرونة بإذا نحو قوله تعالى : (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ) [الروم / ٣٦] ، فجملة (هُمْ يَقْنَطُونَ) في محلّ جزم لوقوعها جوابا لشرط جازم ، وهو إن. و «أمّا» إذا صدّرت الجملة بمفرد يقبل الجزم لفظا «نحو» قولك : «إن تقم أقم» أو محلّا نحو قولك : «إن قمت قمت ، فالجزم فيه» محكوم به «للفعل وحده» لا لجملة بأسرها ، وكذا القول في الشرط.

__________________

(١) تمامه «الشر بالشّر عند الله مثلان» ، وهو لعبد الرحمن بن حسان أو لكعب بن مالك.

٧٧١

تنبيهات : الأوّل : قال الدمامينيّ في شرح المغني : الّذي يظهر لي أنّ جملة الجزاء لا محلّ لها من الإعراب مطلقا ، سواء اقترنت بالفاء أم لا تقترن ، وسواء كانت جوابا لشرط جازم أو جوابا لشرط غير جازم ، لأنّ الجملة إنّما تكون ذات محلّ من الإعراب ، إذا صحّ وقوع المفرد في محلّها ، والجزاء لا يكون إلا جملة ، ولا يصحّ وقوعه مفردا أصلا ضرورة أنّ حرف الشرط لا يدخل إلا على جملتين دالّا على انعقاد السببيّة أو اللزوم بينهما ، فيكون مضمون أولاهما سببا في وقوع مضمون الثانية ، أو في الإخبار بها أو يكون مضمون الثانية لازما لمضمون الأولى على ما اختاره بعضهم ، وكان الداعي لهم إلى جعل جملة الجواب فيما ذكر ذات محلّ هو المحافظة على توفير ما يقتصيه أداة الشرط إمّا لفظا أو محلّا ، وجوابه أنّ توفير ذلك إنّما يصحّ فيما يقبله ، والجملة ليست قابلة هنا لذلك لا بحسب اللفظ ، وهو ظاهر ولا بحسب المحلّ ، إذ ليست واقعة في موضع المفرد كما قدّمناه ، انتهى.

وتأوّل الجزم في (يَذَرُهُمْ) ونحوه بتقدير شرط محذوف دلّ عليه ما قبله ، أي وإن لم يفعلوا يذرهم. قال بعضهم : ولا حاجة إلى ذلك مع إمكان تخصيص الإعراب بغير الجزم في قولهم : إنّما تكون الجملة ذات محلّ من الإعراب إذا وقعت موقع المفرد ، وهذا أسهل من مخالفة كلامهم ، وتأوّل بما ورد من ذلك بما لا حاجة إليه.

الثاني : صريح كلام المصنّف أنّ المحلّ في جواب الشرط الجازم محكوم به لمجموع الفاء وما بعدها ، وصرّح ابن هشام في المغني أنّه قول الجميع ، لكن وقع له عند الكلام على هذه الجملة أنّ الجزم محكوم به لما بعد الفاء ، وتعقّبه الشارح بأنّه لا وجه له ، فإنّ المجزوم لا يحلّ في هذا الموضع ، وكيف وهذه الفاء مانعة من جزم ما بعدها ، قال : وأمّا الّذي ذكره الجميع فربّما يتخيّل على ما فيه ، وذلك لأنّ الفاء وما بعدها لو وقع موقعهما ما هو مصدّر بمضارع لجزم ، فيحكم على المجموع بأنّه في محلّ جزم بهذا الاعتبار وهو معترض.

فإنّ المضارع المجزوم لم يقع وحده موقع الفاء وما بعدها ، وإنّما الواقع مجموع الجملة الّتي هو صدرها ، ولو كان المراد بالمفرد ما يظهر فيه الإعراب غير ملاحظ فيه ما يصحبه للزم الحكم على كثير من الجمل الّتي لا محلّ لها من الإعراب بأنّها ذات محلّ نظرا إلى هذا المعنى ، ألا ترى أنّ الواقعة جوابا لشرط غير جازم لا محلّ لها بالإجماع ، مثل إذا قام زيد فهو مكرم ، في أنّها يمكن أن تصدّر بمضارع مرفوع ، فتقول : إذا قام زيد أكرمه ، فلو اعتبر ما تقدّم للزم كون هذه الجملة ذات محلّ ، وهو باطل ، وعلى ذلك فقس ، انتهى.

٧٧٢

وقال الشمنيّ : إذا كان المراد بالمفرد ما يظهر فيه الإعراب الّذي يقتضيه العامل السابق غير ملاحظ فيه ما يصحبه لم يرد عليه هذا الّذي أورده.

الجملة التابعة لمفرد

ص : السادسة : التّابعة لمفرد ، ومحلّها بحسبه ، نحو : (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ) ونحو : (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ.)

ش : الجملة «السادسة» من الجمل الّتي لها محلّ من الإعراب الجملة «التابعة لمفرد ، ومحلّها» من الإعراب «بحسبه» ، أي بحسب متبوعها مرفوعا كان أو منصوبا أو مجرورا. وهي عند الجمهور نوعان :

أحدهما : المنعوت بها ، وهي في محلّ رفع في نحو قوله تعالى : (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ) [البقرة / ٢٥٤] ، وجملة لا بيع فيه من اسم لا وخبرها في محلّ رفع على أنّها نعت. وفي محلّ نصب في نحو قوله تعالى : (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ) [البقرة / ٢٨١] ، فجملة ترجعون في محلّ نصب على أنها نعت ليوم. وفي محلّ جرّ في نحو قوله تعالى : (لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ) [آل عمران / ٩] ، فجملة لا ريب فيه في محلّ جرّ على أنّها نعت ليوم.

تنبيه : للجملة المنعوت بها ثلاثه شروط : شرط في المنعوت ، وهو أن يكون نكرة إمّا لفظا كما مرّ ، أو معنى لا لفظا ، وهو المعرّف بأل الجنسية كقوله [من الكامل] :

٨٥٩ ـ ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني

 ... (١)

وشرطان في الجملة :

أحدهما أن تكون مشتملة على ضمير يربطها بالموصوف إمّا ملفوظ كما مرّ ، أو مقدّر كقوله تعالى : (وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) [البقرة / ٤٨] ، فإنّه على تقدير فيه أربع مرّات.

الثاني : أن تكون خبريّة فلا يجوز : مررت برجل اضربه.

والنوع الثاني : المعطوفة بالحرف ، نحو قوله تعالى : (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ) [الملك / ١٩] ، فجملة يقبضن في محلّ نصب عطفا على صافات ، وهو حال من الطير.

__________________

(١) تمامه «فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني» ، وهو لرجل من سلول : اللغة : الئيم : الشحيح ، الدني النفس ، يسبّني : يشتمني ، لا يعنيني : لا يقصدني.

٧٧٣

تنبيه : زاد الزمخشريّ وابن جنيّ وابن مالك وابن هشام الجملة المبدلة ، قال تعالى : (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) [الأنبياء / ٣] ، ثمّ قال : (هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ) [الأنبياء / ٣] ، قال الزمخشريّ : هذا في محلّ نصب بدلا من النجوي ومحتمل التفسير.

وقال ابن جنيّ في قوله [من الطويل] :

٨٦٠ ـ إلى الله أشكو بالمدينه حاجة

وبالشّام أخرى كيف يلتقيان (١)

جملة الاستفهام بدل من حاجة وأخرى أي إلى الله أشكو حاجتين تعذّر التقائهما ، والجمهور لم يذكروا ذلك ، وقال أبو حيّان : وليس كيف يلتقيان بدلا ، بل استئناف للاستبعاد ، انتهى. ولذلك لم يذكرها المصنّف (ره).

الجملة التابعة لما لها محلّ

ص : السابعة : التابعة لجملة لها محلّ ، ومحلّها بحسبها ، نحو : زيد قام وقعد أبوه ، بالعطف على الصغرى ، وتقع بدلا بشرط كونها أوفى بتأدية المراد ، نحو :

أقول له ارحل لا تقيمنّ عندنا

وإلا فكن في السرّ والجهر مسلما

ش : الجملة «السابعة» من الجمل الّتي لها محلّ من الإعراب الجملة «التابعة لجملة لها محلّ» من الإعراب ، «ومحلّها» أي التابعة «بحسبها» أي بحسب المتبوعة مرفوعة كانت ، أو منصوبة أو مجرورة.

وتقع أعني التابعة معطوفه «نحو : زيد قام ، وقعد أبوه بالعطف على» الجملة «الصغرى» ، وهي قام الّتي هي خبر في محلّ رفع. واحترز بذلك من تقديرها معطوفة على الكبرى ، لأنّها حينئذ لا محلّ لها لعطفها على جملة مستأنفة ومن تقدير الواو للحال ، لأنّها حينئذ لا تكون تابعة.

و «تقع بدلا بشرط كونها أوفى» من الجملة الأولى «بتأدية» المعنى «المراد نحو» قول الشاعر [من الطويل] :

٨٦١ ـ أقول له ارحل لا تقيمنّ عندنا

وإلا فكن في السّرّ والجهر مسلما (٢)

فجملة لا تقيمنّ عندنا في محلّ نصب بدل اشتمال من ارحل ، لما بينهما من الملابسة اللزوميّة ، وهي أوفى بتأدية المعنى المراد من الجملة الأولى ، فإنّ دلالتها على ما أراده من إظهار الكراهية لإقامته بالمطابقة بخلاف الأولى.

__________________

(١) هو للفرزدق.

(٢) تقدم برقم ٦٠٣.

٧٧٤

فإن قلت : هي إنّما تدلّ على طلب الكفّ عن الإقامة ، لأنّه موضوع للنهي ، وأمّا إظهار الكراهية المنهيّ فمن لوازمه ومتقضياته ، فدلالته عليه تكون بالالتزام دون المطابقة ، قلت : نعم ولكن صار قولنا : لا تقم عندي بحسب العرف حقيقة في إظهار كرامة إقامته وحضوره ، والتأكيد بالنون دالّ على كمال هذا المعنى ، فصار لا تقيمنّ عندنا دالّا على كمال إظهار الكراهة لإقامته بالمطابقة بخلاف الأولى ، قاله التفتازانيّ في شرح التلخيص.

ثمّ إنّما يصحّ التمثيل بهذا البيت للجملة الّتي لها محلّ بناء على قول علماء البيان من تمثيلهم به ، لأنّ الجملة الأولى محكيّة ، والثانية تابعة لها ، لكن قال ابن هشام : إذا قيل : قال زيد : عبد الله منطلق ، وعمرو مقيم ، فليست الجملة الأولى في محلّ نصب ، والثانية تابعة لها ، بل الجملتان معا في موضع نصب ، ولا محلّ لواحدة منهما ، لأنّ المقول مجموعها ، وكلّ منهما جزء للمقول كما أنّ جزئي الجملة الواحدة لا محلّ لواحد منهما باعتبار القول ، فتأمّله ، انتهى.

وهذا بعينه جار في البيت ، فإنّ مجموع الجملتين فيه ، وهما قوله : ارحل لا تقيمنّ عندنا ، هو المقول ، وكلّ واحد من الجملتين جزءه ، فلا يكون لها محلّ على مقتضي كلامه.

تنبيه : ما ذكره المصنّف من انحصار الجمل الّتى لها محلّ من الإعراب فى سبع جار على ما قرّروا ، كما قال ابن هشام فى المغنى ، والحقّ أنّها تسع ، والّذي أهملوه الجملة المستثناة. قال الدمامينيّ : لم يعترض للتنصيص عليها أحد قبل ابن خروف فيما أعلم ، فإنّه قال في قوله تعالى : (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ* إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ* فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ) [الغاشية / ٢٣ و ٢٢ و ٢١] ، من مبتدأ ، ويعذّبه الله الخبر ، والجملة في محلّ نصب على الاستثنناء المنقطع ، انتهى.

والجملة المسند إليها نحو : (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) [البقرة / ٦] ، إذا أعرب سواء خبرا وأنذرتهم مبتدأ. ونحو : تسمع بالمعيدي خير من أن تراه (١) ، إذا لم يقدّر الأصل أن تسمع ، بل قدّر تسمع قائما مقام السماع كما أنّ الجملة في نحو : (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ) [الكهف / ٤٧] ، ونحو (أَأَنْذَرْتَهُمْ ،) وإن لم يكن معها حرف سابك.

وزاد الدمامينيّ عاشرة ، وهي الّتي تقع صلة لأل ، إمّا مع القول بأن ذلك لا يكون للضرورة مطلقا ، كما يقول الجمهور ، أو مع القول بأنّ ذلك يجوز في السعة قليلا إن

__________________

(١) المعيدي هو تصغير رجل منسوب إلى معد ، يضرب مثلا لمن خبره خير من مرآته. لسان العرب ٤ / ٣٧٤٣.

٧٧٥

كانت فعلية مصدّرة بمضارع ، كما يقوله الأخفش وابن مالك ، فإنّ جملة الصلة في هذه الحالة تكون ذات محلّ من الإعراب لوقوعها موقع المفرد.

وردّه التقيّ الشمنيّ بأنّا لا نسلم أنّ كلّ جملة واقعة موقع المفرد لها محلّ من الإعراب ، وإنّما ذلك للواقعة موقع المفرد بطريق الأصالة ، وللواقع بعد أل الموصولة ليس للمفرد بطريق الأصالة ، لأنّهم قالوا : إنّ صلة الفعل في صورة الاسم ، ولذا تعمل بمعنى الماضي ، ولو سلم ، فإنّما ذلك للواقع موقع المفرد الّذي له محلّ ، والمفرد الّذي هو صلة أل لا محلّ له ، والإعراب الّذي فيه بطريق العارية ، فإنّها لما كانت في صورة الحرفيّة نقل إعرابها إلى صلتها بطريق العارية كما في إلا بمعنى غير ، وقد ألغز بذلك بعض الاندلسيين فقال [من الرجز] :

٨٦٢ ـ حاجيتكم لتخبروا ما اسمان

وأول إعرابه في الثاني

وذاك مبنيّ بكلّ حال

ها هو للناظر كالعيان

وفي حاشيه الكشّاف للتفتازانيّ والجمهور على أنّ اللام الّتي هي من الموصولات اسم موضوع برأسه ، ألزم دخول الاسم لكونه في صورة حرف التعريف ، وأظهر إعرابه في ذلك فهو اسم في صورة الحرف ، وصلته فعل في صورة الاسم ، انتهى.

الجمل الّتي لا محلّ لها من الإعراب

الجملة المستأنفة

ص : تفضيل آخر ، الأولى : ممّا لا محلّ له المستأنفة ، وهي المفتتح بها الكلام كقولك ابتداء : زيد قائم أو المنقطعة عمّا قبلها ، نحو : (وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ،) وكذلك جملة العامل الملغي لتأخّره ، أمّا الملغي لتوسّطه فجملة معترضة.

ش : هذا «تفضيل آخر» للجمل الّتي لا محلّ لها من الإعراب.

الجملة «الأولى ممّا لا محلّ له» من الإعراب الجملة «المستأنفة» وتسمّى الابتدائية أيضا ، والأوّل أوضح ، لأنّ الابتدائية تطلق أيضا على الجملة المصدّرة بالمبتدإ ، ولو كان لها محلّ. وهي أي الجملة المستأنفه نوعان.

أحدهما «المفتتح بها الكلام» ، أي الواقعة ابتداء لفظا ونيّة : «كقولك ابتداء زيد قائم» وقام زيد. ومنه الجملة المفتتح بها السور ، أو نيّة لا لفظا ، نحو : راكبا جاء زيد.

والثاني : «المنقطعة عمّا قبلها» ، أي الّتي قطع تعلّقها ، ممّا قبلها لفظا أو معنى ، فالأوّل نحو قوله تعالى : (وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) [يونس / ٦٥] ، مستانفة منقطعة

٧٧٦

عمّا قبلها ، لا محلّ لها من الإعراب ، وليست محكيّة بالقول لفساد المعنى ، إذ قالوا : إنّ العزّة لله جميعا لم يحزنه ، وإنّما المحكيّ بالقول محذوف تقديره : إنّه مجنون أو شاعر أو نحو ذلك ، ومثلها قوله تعالى : (فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ) [يس / ٧٦].

وفي جمال القرّاء (١) للسخاويّ إنّ الوقف على قولهم في الاثنين واجب ، والصواب أنّه ليس في جميع القرآن وقف واجب ، نعم إن وصل وقصد بذلك تحريف المعنى أثم.

«وكذلك» أي كالمذكور من الجملة المنقطقة «جملة العامل الملغي لتأخّره» نحو : زيد قائم أظنّ ، «أمّا» جملة العامل «الملغى لتوسّطه» نحو : زيد أظنّ قائم ، «فجملة» لا محلّ لها من الإعراب أيضا إلا أنّها جملة «معترضة» لا منطقعه. والثاني أعني الّتي قطع تعلّقها عمّا قبلها معنى نحو قوله تعالى : (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) [العنكبوت / ١٩] ، منقطعة عمّا قبلها ، لأنّ الرابط المعنويّ مفقود ، إذ إعادة الخلق لم تقع بعد ، فيقرروا برؤيتها مع أنّ الرابط اللفظيّ موجود ، وهو حرف العطف.

تنبيهات : الأوّل : يخصّ البيانيون الاستئناف بما كان جوابا عن سؤال مقدّر ، نحو قوله تعالى : (هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ* إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ) [الذاريات / ٢٥ و ٢٤] ، فإنّ جملة القول الثانية جواب لسؤال مقدّر تقديره فما ذا قال لهم ، ولهذا فصّلت عن الأولى ، فلم تعطف عليها وفي قوله : (سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) [الذاريات / ٢٥] جملتان ، حذف خبر الأولى ومبتدأ الثانية ، إذ التقدير سلام عليكم ، أنتم قوم منكرون ، ومنه قوله [من الكامل] :

٨٦٣ ـ زعم العواذل أننّي في غمرة

صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي (٢)

فإنّ قوله : صدقوا جواب سؤال تقديره : أصدقوا أم كذبوا؟ ومثله : (يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ* رِجالٌ) [النور / ٣٧ و ٣٦] فيمن بنى يسبّح للمفعول.

الثاني : قال ابن هشام : قد يحتمل اللفظ الاستئناف وغيره ، وهو نوعان : أحدهما إذا حمل على الاستئناف احتّى ج إلى تقدير جزء يكون معه كلاما نحو : زيد من قولك : نعم الرجل زيد ، والثاني ما لا يحتاج فيه إلى ذلك لكونه جملة تامّة ، وذلك كثير جدّا ، نحو الجملة المنفيّة في قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ

__________________

(١) جمال القرّاء وكمال الاقراء للشيخ علم الدين السخاويّ المتوفى سنة ٦٤٣ ه‍ ، وهو كتاب لطيف في فنه ، جمع فيه أنواعا من الكتب المشتملة على ما يتعلق بالقراءات والتجويد والناسخ والمنسوخ والوقف والابتداء. كشف الظنون ١ / ٥٩٣.

(٢) لم يعيّن قائله. اللغة : العوذال : جمع عاذلة من العذل بمعنى اللوم ، وأراد بها الجماعة لا النساء العوذال بدليل قوله صدقوا ، الغمرة : الشدّة ، تنجلي : تنكشف.

٧٧٧

خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) [آل عمران / ١١٨].

قال الزمخشريّ : الأحسن والأبلغ أن تكون مستأنفات على وجه التعلى ل للنهي عن اتّخاذهم بطانة من دون المسلمين ، ويجوز أن يكون لا يألونكم وقد بدت صفتين ، أي بطانة غير ما نعتكم فسادا بادية بغضاؤهم.

ومنع الواحدى (١) هذا الوجه لعدم حرف العطف بين الجملتين ، وزعم أنّه لا يقال : لا تتّخذ صاحبا يؤذيك أحبّ مفارقتك ، والّذي يظهر أنّ الصفة تتعدّد بغير عاطف ، وإن كانت جملة كما في الخبر ، نحو : (الرَّحْمنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ* عَلَّمَهُ الْبَيانَ) [الرحمن / ٤ و ٣ و ٢ و ١] ، انتهى ملخّصا.

الجملة المعترضة

ص : الثّانية المعترضة ، وهي المتوسطة بين شيئين ، من شأنهما عدم توسّط أجبنيّ بينهما ، وتقع غالبا بين الفعل ومعموله ، والمبتدإ وخبره ، والموصول وصلته ، والقسم وجواب ، والموصوف وصفته.

ش : الجملة «الثانية» من الجمل الّتي لا محلّ لها من الإعراب الجملة «المعترضة» وتسمّى الإعتراضية ، «وهي» الجملة «المتوسّطة بين شيئين» متلازمين ، «من شأنهما عدم توسّط أجنبيّ بينهما» لإفادة الكلام تقوية وتسديدا أو تحسينا.

وفي البسيط (٢) شرطها أن تكون مناسبة للجملة المقصودة ، بحيث تكون كالتأكيد أو التنبيه على حال

من أحوالها ، وأن لا تكون معمولة لشئ من أجزاء الجملة المقصودة ، وأن لا يكون الفصل بها إلا بين أجزاء المنفصلة بذاتها بخلاف المضاف والمضاف إليه ، لأنّ الثاني كالتنوين منه على أنّه قد سمع بينهما ، نحو : لا أخا فاعلم لزيد ، انتهى.

«وتقع غالبا بين» جزئي إسناد إمّا بين «الفعل ومعموله» سواء كان فاعله كقوله [من الطويل] :

__________________

(١) على بن أحمد محمد بن على الإمام أبو الحسن الواحدى ، مفسّر نحويّ ، أستاذ عصره واحد دهره ، صنّف : البسيط والوسيط والوجيز في التفسير ، أسباب الترول ، شرح ديوان المتنبي. بغية الوعاة ١ / ١٤٥.

(٢) البسيط شرح كبير على الكافية في النحو لابن حاجب ، صنفه السّيّد ركن الدين الأسترآبادي المتوفى سنة ٧١٧ ه‍. كشف الظنون ٢ / ١٣٧٠.

٧٧٨

٨٦٤ ـ وقد أدركتني والحوادث جمة

أسّنة قوم لا ضعاف ولا عزل (١)

أو مفعوله كقوله [من الرجز] :

٨٦٥ ـ وبدّلت والدهر ذو تبدّل

هيفا دبورا بالصّبا والشّمأل (٢)

وبين «المبتدإ وخبره» [من الطويل] :

٨٦٦ ـ وفيهّن والأيّام يعثرن بالفتى

نوادب لا يمللنه ونوائح (٣)

ومنه الاعتراض بجملة الفعل الملغي في نحو : زيد أظنّ قائم ، وبجملة الاختصاص نحو قوله (ص) : نحن معاشر الأنبياء لا نورث (٤) ، وقول هند بنت عتبة [من الرجز] :

٨٦٧ ـ نحن بنات طارق

نمشي على النمارق (٥)

أو بين ما أصله المبتدأ والخبر كقوله [من المنسرح] :

٨٦٨ ـ إنّ سليمى والله يكلؤها

ضنّت بشيء ما كان يرزؤها (٦)

وقوله [من الرجز] :

٨٦٩ ـ يا ليت شعري والمنى لا تنفع

هل أغدون يوما وشملي مجمع (٧)

إذا قيل بأن جملة الاستفهام خبر على تأويل شعري بمشعوري ، لتكون الجملة نفس المبتدإ فلا تحتاج إلى رابط ، وأمّا إذا قيل : إنّ الخبر محذوف ، أي موجود ، أو إنّ ليت لا خبر لها هنا ، إذا المعنى : ليتني أشعر ، فالاعتراض بين الشعر ومعموله الّذي علّق عنه بالاستفهام وبين جزئي صلة ، أمّا بين «الموصول وصلته» كقوله [من الكامل] :

٨٧٠ ـ ذاك الّذي وأبيك يعرف مالكا

والحقّ يدفع ترّهات الباطل (٨)

وقوله [من البسيط] :

٨٧١ ـ ماذا لا عتب في المقدور رمت أما

يكفيك بالنّجح أم خسر وتضليل (٩)

__________________

(١) نسب البيت إلى الجويرية بن زيد ، وإلى جريرة بن بدر الدارمي. اللغة : أدركتني : لحقتني ، الجمة : الكثيرة ، الأسنة : جمع سنان ، وهو حديد في طرف الرمح ، الضعاف : جمع ضعيف ، العزل : جمع أعزل بمعنى الّذي لا سلاح له.

(٢) هو لأبي النجم العجلي. اللغة : بدّلت : اتّخذت منه بدلا ، هيفا : ريح حارّة تأتي من قبل اليمن ، الدّبور : ريح تأتي من دبر الكعبة ، الصبا والشمال : ريحان معروفتان.

(٣) هو لمعن بن أوس ، اللغة : يعثرن بالفتى : يزللنه ، النوادب : جمع نادبة ، وهي الّتي تندب ، النوائح : جمع نائحة وهي التي تنوح.

(٤) مسند أحمد حنبل ، ٢ / ٤٦٣.

(٥) هو من أبيات لهند بنت عتبة بن ربيعة أمّ معاوية ، قالها يوم أحد تحرص بها المشركين على قتال رسول الله (ص). اللغة : النمارق : جمع النمرق والنمرقة : الوسادة الصغيرة أو الطنفسة فوق الرحل ، والمراد هنا البساط ، ونصب بنات على الاختصاص.

(٦) هو لإبراهيم بن هرمة ، اللغة : يكلأ : يحفظ ، ضت : بخلت ، يرزؤها : ينقصها.

(٧) لم يذكر قائله. اللغة : أغدون : أدخل في الغداة ، الشمل : تفرّق الأمر.

(٨) هو لجربر بن عطية. اللغه : الترهات : جمع ترّهة : الطريق الصغير المتشعب عن الطريق الأعظم.

(٩) تقدم برقم ٥٢٤.

٧٧٩

وأفهم كلام ابن مالك في شرح التسهيل أنّ القسمية ليست من الاعتراضية ، وليس كذلك ، بل هي نوع منها. وفي الإرتشاف عن نصّ الفارسيّ في الإغفال أنّه لا يجوز الفصل بالاعتراضية بين الصلة والوصول ، وإن جاز بين المبتدإ والخبر ، وانفصل بالاعتراض بينهما بالقسمية بالوقف عليه من كلامهم أو بين أجزاء الصلة نحو : الّذي جوده والكرم زين مبذول.

«و» بين «القسم وجوابه» كقوله تعالى : (فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ* لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ) [ص / ٨٥ و ٨٤] ، والحقّ أقول اعتراض.

وبين الموصوف والصفه كقوله تعالى : (فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ* وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ* إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) [الواقعة / ٧٧ و ٧٦ و ٧٥] ، فيها اعتراض بين الموصوف ، وهو قسم ، وصفته وهو عظيم ، بجملة لو تعلمون ، وبين أقسم بمواقع النجوم وجوابه إنّه لقرآن كريم بجملة وإنّه لقسم لو تعلمون عظيم.

تتمّة : وتقع أيضا بين الشرط وجوابه كقوله تعالى : (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ) [البقرة / ٢٤] ، وبين المجرور وجارّه ، اسما كان ، نحو : هذا غلام والله زيد ، وحرفا ، نحو : اشتريته بوالله ألف درهم ، وبين الحرف ومدخوله ، نحو [من الرجز] :

٨٧٢ ـ ليت وهل ينفع شيئا ليت

ليت شبابا بوع فاشتريت (١)

وقوله [من الوافر] :

٨٧٣ ـ كأنّ وقد أتي حول جديد

أثافيها حمامات مثول (٢)

وقوله [من الوافر] :

٨٧٤ ـ وما أدري وسوف إخال أدري

أقوم آل حصن أم نساء (٣)

وقوله [من الطويل] :

٨٧٥ ـ أخالد قد والله أوطات عشوة

 ... (٤)

وقوله [من الطويل] :

٨٧٦ ـ فلا وأبي دهماء زالت عزيزة

 ... (٥)

__________________

(١) هو من أبيات لرؤبة بن العجاج.

(٢) هو لأبي الغول الطهوي. اللغة : الأثافي : جمع أثفبة وهي حجارة يوضع عليها القدر ، الحمامات : جمع حمام وهو طائر معروف ، المثول : اللاصق بالأرض.

(٣) هو لزهير بن أبي سلمى ، اللغة : إخال : أظنّ.

(٤) تمامه «وما قائل المعروف فينا يعنّف» ، وهو لأخي يزيد بن عبد الله البجلي ، اللغة : أوطات عشوة : جعلت تسير على غير هدي.

(٥) تمامه «على أهلها ما فتّل الزند قادح» ، هو لتميم بن مقبل. اللغة : دهماء : اسم امرأة ، الزند : العود الّذي يقدح به النار.

٧٨٠

فوقعت في الأوّل بين الحرف وتوكيده ، وفي الثاني بين الحرف الناسخ ومعموله ، وفي الثالث بين حرف التنفيس والفعل ، والرابع بين قد والفعل وفي الخامس بين الحرف ومنفيه ، وكلّ ذلك يشمله قولنا بين الحرف ومدخوله.

تنبيهات : الأوّل : يجوز الاعتراض بأكثر من جملة خلافا للفارسي ، كقوله تعالى : (قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ) [آل عمران / ٣٦] ، فالجملة الاسميّة ، وهي والله أعلم بما وضعت بإسكان التاء ، والفعلية وهي ليس الذكر كالأنثي معترضتان بين الجملتين المصدّرتين بإنّي.

الثاني : كثيرا ما تشبه المعترضة بالحالية ويميّزها منها أمور :

أحدها : أنّه يجوز اقترانها بالفاء كقوله [من الكامل] :

٨٧٧ ـ وأعلم فعلم المرء ينفعه

أن سوف يأتي كلّ ما قدرا (١)

الثاني : أنّه يجوز كونها طلبيّة ، كقوله [من السريع] :

٨٧٨ ـ إنّ الثّمانين وبلّغتها

قد أحوجت سمعي إلى ترجمان (٢)

الثالث : أنّه يجوز تصديرها بدليل استقبال كلن في : (وَلَنْ تَفْعَلُوا) [البقرة / ٢] ، وقوله [من الوافر] :

٨٧٩ ـ ... وسوف إخال أدري

 ... (٣)

الرابع : أنّه يجوز اقترانها بالواو مع تصديرها بالمضارع المثبت كقول المبتني [من المنسرح] :

٨٨٠ ـ يا حادبي عيرها أحسبني

أوجد ميتا قبيل أفقدها

قفا قليلا بها على فلا

أقلّ من نظرة أزوّدها (٤)

قوله : أفقدها على إضمار أن ، وقوله أقلّ يروي بالرفع والنصب.

الثالث : للبيانيّين في الاعتراض اصطلاحات مخالفة لاصطلاح النّحويّين ، والزمخشريّ يستعمل بعضها كقوله في : (نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة / ١٣٣] ، يجوز أن تكون حالا من فعل نعبد ، أو من مفعوله لاشتمالها على ضميريهما ، وأن تكون معطوفة على نعبد ، وأن تكون اعتراضية مؤكّدة ، وأي ومن حالنا أنّا مخلصون له التوحيد ، ويردّ عليه مثل ذلك

__________________

(١) لم ينسب إلى قائل معين.

(٢) هو لأبي المنهال عوف بن محلم. اللغة : الترجمان : الذي ينقل إليك كلام غيرك عن لغته إلى لغتك.

(٣) تقدم برقم ٨٧٤.

(٤) اللغة : الحادبي : تثنية الحادبين ، سقطت نونه بالإضافه ، هو سائق الإبل بالغناء لها ، العير : الإبل الّتي تحمل الطعام ، النظرة : مصدر مرّة من النظر ، أزوّد : أعطى زادا.

٧٨١

من لا يعرف هذا العلم كأبي حيّان توهّما منه أنّه لا اعتراض إلا ما يقوله النحويّ ، وهو الاعتراض بين شيئين متطالبين ، قاله في المغني.

الجملة المفسّرة

ص : الثالثة «المفسّرة» وهي الفضلة الكاشفة لما تليه ، نحو : (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ) والأصحّ أنّه لا محلّ لها ، وقيل : هي بحسب ما تفسّره.

ش : الجملة «الثالثة» من الجمل الّتي لا محلّ لها من الإعراب «المفسّرة» ، وتسمّى التفسيرية ، «وهي» كما قال ابن هشام في المغني «الفضلة الكاشفة» لحقيقة «ما تليه» ، قال : احترزت بالفضلة من الجملة المفسّرة لضمير الشأن ، فإنّها كاشفة لحقيقة المعنى المراد به ، ولها موضع الإجماع ، لأنّها خبر في الحال أو في الأصل ، وعن الجملة المفسّرة في باب الاشتغال ، فقد قيل : إنّها تكون ذات محلّ كما سيأتي ، وهذا التقييد أهملوه ، ولا بدّ منه ، انتهى.

قال الدمامينيّ : وهذا التعريف غير مانع لصدقه على الجملة الحالية في قولك : أسررت إلى زيد النجوى ، وهي ما جزاء الإحسان إلا الاحسان ، إذ هي فضلة كاشفة الحقيقة ما تليه من النجوى ، فيلزم أن لا يكون لها محلّ من الإعراب ، وهو باطل ، ثمّ الجملة المفسّرة في باب الاشتغال لا تخرج بقيد الفضلة في مثل قولنا : قام زيد عمرا يضربه ، لأنّها هنا مفسّرة للحال ، وهي فضلة.

وأجاب الشمنيّ بأنّ المراد بالفضلة الجملة الّتي لا محلّ لها من الإعراب ، وفيه نظر ، فيكون قوله حينئذ الكاشفة لحقيقة ما تليه فصل أخرج به ما عدا هذه الجملة من الجمل الّتي لا موضع لها.

فإن قلت : جملة الموصول كاشفة ، وموضحة للموصول ، قلت : نعم ، لكنّها لا توضح حقيقة ، بل تشير إليه بحال من أحواله ، وبهذا ظهر أنّ ترك المصنّف لفظ الحقيقة من الحدّ ليس بجيّد ، بل كان الأولى ذكره ، كما فعل ابن هشام وغيره ، نحو قوله تعالى : (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [آل عمران / ٥٩] ، قال فى الكشاف : قوله خلقه من تراب جملة مفسّرة لما له شبه عيسى بآدم ، أي خلق آدم من تراب ولم يكن ثمّ أب ولا أمّ ، فكذلك حال عيسى.

٧٨٢

فإن قلت : كيف شبه به وقد وجد هو بغير أب ، ووجد آدم لغير أب وأمّ ، قلت : هو مثله في أحد الطرفين ، فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به ، لأنّ الممّاثلة مشاركة في بعض الأوصاف ، لأنّه شبه به في أنّه وجد وجودا خارجا عن العادة المستمرّة ، وهما في ذلك نظيران ، ولأنّ الوجود من غير أب وأمّ أغرب وأخرق للعادة من الوجود من غير أب ، فشبّه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم ، وأحسم لمادّة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب ممّا استغربه.

وعن بعض العلماء أنّه أسر بالروم ، فقال لهم : لم تعبدون عيسى؟ قالوا : لأنّه لا أب له ، قال : فآدم أولى ، لأنّه لا أبوين له ، قالوا : كان يحيي الموتى ، قال : فحزقيل أولى ، لأنّ عيسى أحيا أربعة نفر ، وحزقيل أحيا ثمانية آلاف ، فقالوا : كان يبرئ الاكمة والأبرص : قال فجرجيس (١) أولى ، لأنّه ذبح وأحرق ثمّ قام سالما ، انتهى كلام الكشاف.

وما وقع لابن هشام في المغني من أنّ خلقه وما بعده تفسير لمثل آدم ، لا باعتبار ما يعطيه ظاهر لفظ الجملة من كونه قدّر جسدا من طين ، ثمّ كوّن ، بل باعتبار المعنى ، أي إنّ شأن عيسى كشأن آدم في الخروج عن مستمرّ العادة ، وهو التولّد بين الأبوين ، ليس كما ينبغي ، بل خلقه وما بعده تفسير لمثل آدم قطعا باعتبار ما يعطيه ظاهر اللفظ ، لا باعتبار المعنى الّذي ذكره ، والظاهر أنّه أراد نقل كلام الزمخشري ، فلم يوف بالمقصود منه كما تري. قال الزمخشريّ : إنّما جعل الجملة مفسّرة لوجه الشبه لا للمشبه به ، فيحتاج حينئذ إلى أن يقال : وجه الشبه المستفاد من هذه الجملة ليس هو ما يعطيه لفظها من تقدير آدم جسدا من طين ، ثمّ تكوينه ، فإنّ هذا ليس مشتركا بين آدم وعيسى (ع) ، وإنّما وجه الشبه ما يعطيه معنى الجملة من الخروج عن مستمرّ العادة من التولّد بين أبوين ، وهذا قدر مشترك بينهما.

«والأصحّ أنّه لا محلّ لها» أي للجملة المفسّرة من الإعراب ، وهو مذهب الجمهور ، سواء كان ما يفسّره له محلّ أم لا ، و «قيل» : والقائل أبو على الشلوبين بفتح الشين المعجمة وسكون الواو وكسر الموحدّة وسكون المثنّاة التحتّى ة وبعدها نون ، هكذا ضبطه ابن خلكان ، إلا أنّه جعل بياء النسبة ، فقال : أبو على عمرو بن محمد بن عمر المعروف بالشلوبين الأشبيلي ، انتهى.

وهو خلاف المشهور في الألسن ، ثمّ قال : هذه النسبة إلى الشلوبين ، وهي بلغة أهل الأندلس : الأبيض الأشقر ، قال : إنّ الجملة المفسّرة «بحسب ما تفسّره» فإن كان له محلّ من الإعراب فكذلك هي ، وإلا فلا ، فالجملة في نحو : زيدا ضربته ، لا محلّ لها ، إذ

__________________

(١) حزقيل وجرجيس كانا من أنبياء إليهود.

٧٨٣

المحذوفه المفسّره مستأنفة ، فتكون المفسّرة لها كذلك وهي في نحو : (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) [القمر / ٤٩] ، ونحو : زيد الخبز يأكله ، بنصب الخبز في محلّ رفع ، لأنّ المحذوف في الآية خبر إنّ ، وفي المثال خبر المبتدإ ، وكلاهما في محلّ رفع ، وكذلك مفسّرهما ، ولهذا يظهر الرفع ، إذا قلت : زيد الخبز ياكله ، وقول الشاعر [من الطويل] :

٨٨١ ـ فمن نحن نؤمنه يبت وهو آمن

 ... (١)

فظهر الجزم ، قال ابن هشام : وكأنّ الجملة المفسّرة عنده عطف بيان أو بدل ، ولم يثبت الجمهور وقوع البيان والبدل جملة ، وجملة الاشتغال ليست من الجمل الّتي تسمّى في الاصطلاح مفسّرة ، وإن حصل بها تفسير ، انتهى. وفي الهمع وهذا الّذي قاله الشلوبين ، هو المختار عندي ، وعليه تكون الجملة عطف بيان أو بدلا.

تنبيه : المفسّرة ثلاثة أقسام : مجرّدة من حرف تفسير كالأية ، ومقرونة بأي كقوله [من الطويل] :

٨٨٢ ـ وترمينني بالطّرف أي أنت مذنب

 ... (٢)

ومقرونة بأن ، نحو : (فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ) [المومنون / ٢٧] وقولك : كتبت إليه أن افعل ، إن لم تقدّر الباء قبل إن ، فإن قدّرتها كانت أن مصدريّة لا تفسيريّة.

صلة الموصول

ص : الرابعة صلة الموصول ، ويشترط كونها خبريّة معلومة للمخاطب ، مشتملة على ضمير مطابق للموصول.

ش : الجملة «الرابعة» من الجمل الّتي لا محلّ لها من الإعراب جملة «صلة الموصول» ، اسميّا كان أو حرفيّا.

فالأول نحو : جاء الّذي قام أبوه ، فجملة قام أبوه لا محلّ لها ، لأنّها صلة الموصول ، والموصول وحده له محلّ بحسب ما يقتضيه العامل بدليل ظهور الإعراب في نفس الموصول في نحو : ليقم أيّهم في الدار ، ولأكرمنّ أيّهم عندك ، وامرر بأيّهم هو أفضل ، وفي التتريل : (رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا) [فصلت / ٢٩] وقرئ (لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ) [مريم / ٦٩] بالنصب ، وروي [من المتقارب] :

__________________

(١) تمامه «ومن لا نجره يمس منّا مفزّعا» ، وهو لهشام المريّ. اللغة : يبت : مضارع مجزوم من البيتوتة ، نجره : من أجاره أي جعله في جواره ، المفزّع : اسم مفعول من فزّع بمعنى أخاف وروّع.

(٢) تمامه «وتقلينني لكنّ إيّاك لا أقلي» ، اللغة : الطرف : العين ، تقلينني : تبغضينني.

٧٨٤

٨٨٣ ـ ...

فسلّم على أيّهم أفضل (١)

بالجرّ. وذهب أبو البقاء إلى أنّ المحلّ للموصول وصلته معا ، كما أنّ المحلّ للموصول الحرفيّ مع صلته ، وفرّق الأوّل بأنّ الاسم يستقلّ بالعامل ، والحرف لا يستقلّ.

الثاني : نحو : عجبت ممّا قمت ، أي من قيامك ، وفي هذا القسم يقال : الموصول وصلته في موضع كذا ، لأنّ الموصول حرف ، فلا إعراب له لفظا ولا محلّا ، وكذا قمت وحدها لا محلّ لها من الإعراب ، لأنّها صلة.

«ويشترط كونها» أي جملة صلة الموصول «خبريّة» ، لأنّ الموصول وضع صلة إلى وصف المعارف بالجمل ، نحو : جاء الّذي قام أبوه ، ومن شرط الجملة المنعوت بها أن تكون خبريّة ، هذا مذهب الجمهور ، وجوّز الكسائيّ الوصل بجملة الأمر والنهي ، نحو : الّذي اضربه ، أو لا تضربه ، وجوّزه المازنيّ بجملة الدعاء ، إذا كانت بلفظ الخبر ، نحو : الّذي يرحمه الله زيد.

قال أبو حيّان : ومقتضي مذهب الكسائيّ موافقته ، بل أولى لما فيها من صيغة الخبر ، وجوّزه هشام بجملة مصدّرة بليت ولعلّ وعسى ، نحو : الّذي ليته أو لعلّه منطلق زيد ، والّذي عسى أن يخرج زيد ، قال [من الطويل] :

٨٨٤ ـ وإنّي لرام نظرة قبل الّتي

لعلي وإن شطّت نواها أزورها (٢)

وتأوّله غيرهم على إضمار القول ، أي أقول لعلى أو الصلة أزورها ، وخبر لعلي مضمر ، والجملة اعتراض.

وأمّا جملة التعجّب فإن قلنا : إنّها إنشائيّة لم يوصل بها ، أو خبريّة ، فقولان : الجواز ، وعليه ابن خروف ، نحو : جاء الّذي ما أحسنه ، والمنع ، لأنّ التعجّب أنّما يكون من خفاء السبب ، والصلة تكون موضحة ، فتنافيا.

والصحيح جوازه بجملة القسم ، نحو : جاء الّذي أقسم بالله لقد قام أبوه ، وبجملة الشرط مع جزائه كما يخبر بها (٣) ، نحو : جاء الّذي إن قام عمرو قام أبوه ، ومنع قوم المسألتين لخلوّ إحدى الجملتين فيهما من ضمير عائد على الموصول ، وأجيب بأنّهما قد صارتا بمترلة جملة واحدة ، بدليل أنّ كلّ واحدة منهما لا تفيد إلا باقترانها بالأخرى ، فاكتفى بضمير واحد ، كما يكتفي في الجملة الواحدة ، والصحيح أيضا جوازه بجملة صدرها كان ، وقيل : لا ، لأنّها غيّرت الخبر عن مقتضاه ، وبشرط ، حيث تضمّن

__________________

(١) تقدّم برقم ٥١٠ و ٥١١.

(٢) هو للفرزدق. اللغة : رام : اسم فاعل من الرمي ، شطّت : بعدت ، النوى : البعد ، يقال : شطت بهم النوى : أمنعوا في البعد.

(٣) سقطت «كما يخبر بها» في «ح».

٧٨٥

الموصول معنى الشرط ، نحو : الّذي إن قام أبوه منطلق. وقيل : لا ، لاجتماع الشرطين ، والشئ لا يكون تمام نفسه ، وردّ بأنّ الثاني غير الأوّل لا نفسه ، قاله في الهمع.

تنبيه : إطلاقهم الخبريّة على جملة الصلة مجاز من قبيل تسمية الشيء باعتبار ما كان عليه لخلوّها الآن عن الإفادة ، وكذا الكلام في الجمل الخبريّة الواقعة خبرا للمبتدإ أو صفة للنكرة أو حالا ، فإنّها جمل ، وليست خبرا أي كلاما مقابلا للطلب ، وذلك لخروج نسبها عن كونها مقصودة بالذات ، فإذا قلت : زيد أبوه منطلق ، كان القصد إلى إثبات انطلاق الأب لزيد ، لا إلى إثبات الانطلاق لأبيه ، فإنّه مقصود تبعا ، فليس كلّ جملة كلاما ، ولا كلّ جملة غير إنشائية خبرا ، قاله السّيّد في شرح المفتاح.

«معلومة للمخاطب» لأنّك إنّما تأتي بالصّلة لتعرّف المخاطب الموصول المبهم بما كان يعرفه قبل ذكر الموصول من اتّصافه بمضمون الصلة إلا في مقام التهويل والتعظيم ، فيحسن إبهامها ، فالمعلومة كالّذي قام أبوه ، والمبهمة نحو : (فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ) [طه / ٧٨] ، ولم يعتبر ابن مالك هذا الشرط ، قال في شرح التسهيل : المشهور عند النّحويّين تقييد الجملة الموصول بها بكونها معهودة ، وذلك غير لازم ، لأنّ الموصول قد يراد له معهود ، فتكون صلته معهودة كقوله تعالى : (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ) [الأحزاب / ٣٧] ، وقد يراد به الجنس ، فتوافقه صلته كقوله تعالى :(كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً) [البقرة / ١٨١] ، وقد يقصد تعظيم الموصول ، فتبهم صلته كقوله [من الطويل] :

٨٨٥ ـ ...

فمثل الّذي لا قيت يغلب صاحبه (١)

«مشتملة» غالبا «على ضمير مطابق للموصول» في الأفراد والتذكير فروعهما ، كجاء الّذي قام أبوه ، والّتي قام أبوها ، واللّذان واللتان قام أبوهما ، والّذين قام أبوهم واللّاتي قام أبوهنّ (٢).

ويسمّى هذا الضمير عائدا كما مرّ ، ولا إشكال في مطابقته للموصول لفظا ومعنى ، إن طابق لفظ الموصول معناه كالامثلة المذكورة ، فإن خالف لفظه معناه ، بأن كان مفرد اللفظ مذكّرا ، وأريد به غير ذلك كمن وما ، جاز في العائد وجهان : مراعاة اللفظ ، وهو الأكثر نحو : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ) [الأنعام / ٢٥] ، ومراعاة المعنى ، وهو دونه نحو : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ) [يونس / ٤٢] ، ما لم يحصل من مطابقة

__________________

(١) صدره «فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوي» وهو لابن ميادة.

(٢) ويشترط في شبه الجملة ، وهي الظرف والجارّ والمجرور ، أن يكونا تامّين ، والمعنى بالتامّ أن يكون في الوصل بهما فائدة ، نحو : جاء الّذي عندك ، والّذي في المدرسة ، والعامل فيهما فعل محذوف وجوبا ، فإن لم يكونا تامّين لم يجز الوصل بهما ، فلا تقول : جاء الّذي بك ، ولا جاء الّذي اليوم ، لانتفاء الفائدة ،

٧٨٦

اللفظ لبس ، نحو : أعط من سألتك ، ولا يقال : من سألك ، أو قبح ، نحو : من هي حمراء أمّك ، فيجب حينئذ مراعاة المعنى ، أو يعضد المعنى سابق ، فيختار مراعاته نحو قوله [من الطويل].

٨٨٦ ـ وإنّ من النسوان من هي روضة

تهيج الرياض قبلها وتصوّح (١)

ويجوز الغيبة والحضور في ضمير المخبر به أو بموصوفه غير حاضر مقدّم لم يقصد تشبيهه بالمخبر به ، والحاضر يشمل المتكلّم والمخاطب نحو : أنا الّذي فعلت ، وأنا الّذي فعل ، وأنت الّذي فعلت ، وأنت الّذي فعل ، قال على (ع) [من الرجز] :

٨٨٧ ـ أنا الّذي سمّتني أمّي حيدره

 ... (٢)

وقال الآخر [من الطويل] :

٨٨٨ ـ أنا الرجل الضرب الّذي تعرفونه

 ... (٣)

وقال [من الطويل] :

٨٨٩ ـ وأنت الّتي حبّبت كلّ قصيرة

إلى ولم تعلم بذاك القصائر (٤)

وقال [من الطويل] :

٨٩٠ ـ وأنت الّذي آثاره في عدوّه

 ... (٥)

ومن أمثلة المخبر بموصوفة : أنت آدم الّذي أخرجتنا من الجنّة ، وأنت موسى الّذي اصطفاك الله ، ونقول : أنت فلان الّذي فعل كذا ، وإنّما جاز ذلك ، لأنّ المخبر عنه والمخبر به شئ واحد ، لكنّ اعتبار الخبر اكثر وأقيس.

وهل يختصّ ذلك بالّذي والّتي وتثنيتهما وجمعهما ، ويتعيّن في ما عدا ذلك الغيبة أو لا؟ قال أبو حيّان : والصواب الأوّل ، وزاد بعض أصحابنا ذو وذات الطائيّة والألف واللام ، وأجازه بعضهم في جميع الموصولات ، قال : وهو وهم منه ، فإن تأخّر المخبر عنه ، وتقدّم الخبر ، تعيّنت الغيبة عند الجمهور ، نحو : الّذي قام أنا ، أو الّذي قام أنت ، لأنّ الحمل على المعنى قبل تمام الكلام ممنوع. وأجاز الكسائيّ ذلك مع التأخير أيضا.

__________________

(١) هو لجران العود. اللغة : تصوّح : يبس حتّى تشقّق.

(٢) تمامه «ضرغام آجام وليث قسورة» ، اللغة : آجام : جمع أجمة ، وهي مأوي الأسد ، قسوره : أسد.

(٣) تمامه «خشاش كرأس الحيّة المتوقد» ، وهو لطرفة. اللغة : الخشاش : الرجل الخفيف ، المتوقد : النشيط.

(٤) هو لكثير عزة. اللغة : القصير : هنا الملازمة لخدرها ، القصائر : جمع قصيرة.

(٥) تمامه «من البؤس والنعمي لهنّ ندوب» ، وهو لعلقمة الفحل. اللغة : البؤس : المشقّة ، النعمى : الخفض والدعة ، الندب : جمع الندوب : السريع الخفيف عند الحاجة.

٧٨٧

وإن قصد تشبيهه بالمخبر به ، تعيّنت الغيبة اتّفاقا ، نحو : أنا في الشجاعة الّذي قتل مرحبا ، وأنت في الشجاعة الّذي قتل مرحبا ، يعني أمير المومنين عليا (ع) ، وذلك لأنّ المعنى على تقدير مثل ، ولو صرّح بها تعيّنت الغيبة ، وأوجب قوم الغيبة مطلقا ، وأوجبها قوم في السعة دون الضرورة ، وهما قولان واهيان يردّهما السماع.

وعلى الجواز بشرطه إن وجد ضميران ، جاز في أحدهما مراعاة اللفظ وفي الآخر المعنى قال [من الرجز] :

٨٩١ ـ نحن الّذين بايعوا محمّدا

على الجهاد ما بقينا أبدا (١)

وقال [من الطويل] :

٨٩٢ ـ أأنت الهلإلى الّذي كنت مرّة

سمعنا به والأريحيّ الملقّب (٢)

ومنع الكوفيّون الجمع بين الجملتين إذا لم يفصل بينهما ، نحو : أنا الّذي قمت وخرجت ، فلا يجوز عندهم : وخرج ، وأطلق البصريّون ، والسماع مع الكوفيّين إذا لم يرد إلا مع الفصل.

تنبيهات : الأوّل : زاد بعضهم على ما ذكر من الشروط في جملة الصلة أن لا تستدعي كلاما قبلها كجملة حتّى الّتي للغاية ، فلا يجوز : جاء الّذي حتّى أبوه قائم ، وجملة لكن الاستدراكيّة ، فلا يقال : جاء الّذي لكنّه قائم ، فإنّها لا تقع صلة (٣) ولا صفة ولا خبرا ولا حالا.

الثاني : قد يخلف الضمير المذكور اسم ظاهر ، فيقوم مقامه كقوله [من الطويل] :

٨٩٣ ـ سعاد الّتي أضناك حبّ سعادا

وإعراضها عنك استمرّ وزادا (٤)

أي حبّها.

وحكي أبو سعيد : الّذي رويت عن الخدريّ (٥) أي عنه. وقال الآخر [من الطويل] :

٨٩٤ ـ فيا ربّ ليلي أنت في كلّ موطن

وأنت الّذي في رحمة الله أطمع (٦)

أي في رحمته أو رحمتك. قال الفارسيّ : ومن الناس من لا يجيز هذا.

__________________

(١) لم يسمّ قائله.

(٢) مجهول قائله. اللغة : الأريحيّ : منسوب إلى الموضع الّذي بالشام ، أو بمعنى الواسع الخلق.

(٣) في «ح» سقط «صله».

(٤) لم ينسب إلى قائل معيّن. اللغة : أضناك : أورثك الضني ، وهو المرض الّذي كلمّا ظننت أنه برئ عاد ، الإعراض : الهجران والصدود.

(٥) سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخرزجي كان من علماء الصحابة وممّن شهد بيعة الرضوان وروى حديثا كثيرا ، مات سنة ٧٤ ه‍. الإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد الهادي الدمشقيّ ، طبقات علماء الحديث ، تحقيق أكرم البرشي ، الطبعة الثالثة ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، ١٤١٧ ه‍ ، ص ٩٨.

(٦) هو للمجنون.

٧٨٨

الثالث : أجاز ابن الصائغ خلوّ جملة الصلة من الضمير ، إذا عطف عليها بالفاء جملة مشتملة عليه ، نحو الّذي يطير فيغضب زيد الذباب ، لحصول الارتباط بالفاء وصيرورتهما جملة واحدة.

الرابع : الضمير العائد المذكور إن كان بعض معمول الصلة جاز حذفه مطلقا كحذف المعمول نحو : أين الرجل الّذي قلت؟ تريد قلت : إنّه يأتي ، أو نحوه : وإن لم يكن فأمّا أن يكون منفصلا أو متّصلا ، فإن كان منفصلا لم يجز حذفه ، نحو : جاء الّذي إيّاه أكرمت ، وما أكرمت إلا إيّاه ، وإن كان متّصلا فله أحوال :

أحدها أن يكون منصوبا ، فإن نصب بفعل ، أو وصف ، جاز حذفه ، نحو : (أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً) [الفرقان / ٤١] أي بعثه وقوله [من البسيط] :

٨٩٥ ـ ما الله موليك فضل فاحمدنه به

فما لدي غيره نفع ولا ضرر (١)

أي موليكه ، أو بغيرهما لم يجز ، نحو : جاء الّذي إنّه فاضل ، أو كأنّه قمر.

الثاني : أن يكون مجرورا ، فيجوز حذفه في صور :

إحداها : أن يجرّ بإضافة أو ناصبة له تقديرا ، نحو : (فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ) [طه / ٧٢] أي قاضيه ، فإن جرّ بإضافة غير صفة ، نحو : جاء الّذي وجهه حسن ، أو بإضافة صفة غير ناصبة ، نحو : جاء الّذي أنا ضاربه أمس ، لم يجز حذفه خلافا للكسائيّ.

ثانيهما : أن تجرّ بحرف جرّ ، ويجرّ الموصول أو الموصوف بالموصول بمثل ذلك الحرف لفظا ومعنى ومتعلّقا ما لم يمنع منه مانع ، نحو : مررت بالّذي أو بالرجل الّذي مررت ، أي به ، وقوله تعالى : (وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ) [المومنون / ٣٣] ، أي منه ، فإن جرّا معا بغير حرف ، نحو : جاء غلام الّذي أنت غلامه ، أو لم يجرّ الموصول ، نحو : جاء الّذي مررت به ، أو جرّ بحرف ، لا يماثل ما جرّ به العائد في اللفظ كحللت في الّذي حللت به ، أو ماثله لفظا لا معنى ، كمررت بالّذي مررت به على زيد ، أو لفظا ومعنى لا متعلّقا كمررت بالّذي فرحت به ، لم يجز الحذف في الصور كلّها ، وما سمع منه فيها فشاذّ.

قد يمتنع الحذف مع توفّر الشروط المذكورة لمانع ، وذلك إذا كان العائد المجرور محصورا ، نحو : مررت بالّذي ما مررت إلا به ، أو إنّما مررت به ، أو كان نائبا عن الفاعل ، نحو : مررت بالّذي مرّ به ، أو كان لا يتعيّن للربط ، نحو : مررت بالّذي مررت به في داره ، أو كان حذفه ملبّسا ، نحو : رغبت فيما رغبت فيه ، لأنّه لا يعلم أنّ الأصل فيه أو

__________________

(١) لم يذكر قائله. اللغة : موليك : اسم فاعل من أولاه النعمة ، إذا أعطاه إيّاها.

٧٨٩

عنه ، والصحيح جواز هذا ، لأنّ الحذف يدلّ على اتّفاق الحرفين. ولو كانا متباينين لم يجز الحذف ، لأنّه مشروط فيه اتّفاق الحرفين كما عرفت.

الحالة الثالثة : أن يكون مرفوعا ، فإن كان فاعلا أو نائبا عنه أو خبرا لمبتدإ أو لناسخ لم يجز الحذف ، نحو : جاءني اللذاني قاما أو ضربا ، وجاء الّذي الفاضل هو ، أو أنّ الفاضل هو.

وإن كان مبتدأ ، جاز بشروط :

أحدها : أن لا يكون بعد حرف نفي ، نحو : جاءني الّذي ما هو قائم.

الثاني : أن لا يكون بعد أداة حصر ، نحو : جاءني الّذي ما في الدار إلا هو ، أو الّذي إنّما في الدار هو.

الثالث : أن لا يكون معطوفا على غيره ، نحو : جاءني الّذي زيد ، وهو منطلقان.

الرابع : أن لا يكون معطوفا عليه ، نحو : جاءني الّذي هو وزيد فاضلان ، ولم يعتبر الفرّاء هذا الشرط ، فجاز حذفه ، وردّ بأنه لم يسمع ، وبأنّه يودّي إلى وقوع حرف العطف صدرا.

الخامس : أن لا يكون خبره جملة ولا ظرفا ولا مجررا ، كقوله تعالى : (الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ) [الماعون / ٦] ، وقولك : جاءني الّذي هو في الدار ، لأنّه لو حذف لم يدر أحذف من الكلام شئ أم لا ، لأنّ ما بعده من الجملة والظرف صالح لأن يكون صلة.

السادس : أن تطول الصلة ، شرط ذلك البصريّون ، ولم يشترط الكوفيّون ، فأجازوا الحذف من قولك : جاءني الّذي هو فاضل لوروده في قراءة : (تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) [الأنعام / ١٥٤] ، بالرفع ، أي هو أحسن وقوله [من البسيط] :

٨٩٦ ـ من يعن بالحمد لم ينطق بما سفه

ولم يحد عن سبيل الحلم والكرم (١)

أي بما هو سفة ، جعل البصريّون ذلك نادرا.

ومحلّ الخلاف في غير أيّ ، أما في أيّ فلا يشترط فيها الطول اتّفاقا ، لأنّها مفتقر إلى الصلة وإلى الإضافة ، فكانت أطول ، فحسن معها تخفيف اللفظ ، ومثال ما اجتمعت فيه الشروط والطول قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ) [الزخرف / ٨٤] ، أي هو إله.

لطيفة : قال أبو محمد الحريريّ في درّة الغواص من أوهام الخواص : إنّهم يقولون : الحمد لله الّذي كان كذا ، فيحذفون الضمير العائد إلى اسم الله تعالى الّذي به يتمّ الكلام ، وتتعقد الجملة وتنتظم الفائدة ، والصواب أن يقال : الحمد لله إذ كان كذا ، أو

__________________

(١) لم ينسب إلى قائل معيّن.

٧٩٠

يقال : الحمد لله الّذي كان كذا وكذا بلطفه أو بعونه أو من فضله وما أشبه ذلك ، ممّا يتمّ به الكلام المبتور ، يربط الصلة بالموصول.

وفي نوادر النّحويّين : أنّ رجلا قرع الباب على نحويّ ، فقال له : من أنت؟ فقال الّذي اشتريتم الأجر ، فقال له : أمنه؟ قال : لا ، قال : أله؟ قال : لا ، قال : إذهب فما لك في صلة الّذي شئ ، انتهى.

المجاب بها القسم

ص : الخامسة المجاب بها القسم ، نحو : (يس* وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ* إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ،) ومتى اجتمع شرط وقسم اكتفى بجواب المتقدّم منهم ، إلا إذا تقدّمها ما يفتقر إلى خبر ، فيكتفي بجواب الشرط مطلقا.

ش : الجملة «الخامسة» من الجمل الّتي لا محلّ لها من الإعراب الجملة المجاب بها القسم ، سواء ذكر فعل القسم وحرفه ، أم الحرف فقط ، أم لم يذكر ، فالأوّل نحو : قولك : أقسم بالله لأفعلنّ ، والثاني «نحو» قوله تعالى : (يس* وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ* إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) [يس / ٣ و ٢ و ١] ، والثالث : نحو قوله تعالى : (أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ) [القلم / ٣٩] فكلّ من جملة لأفعلنّ ، (وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ،) و (إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ ،) لا محلّ لها من الإعراب ، لأنّها جملة يجاب بها القسم.

تنبيهات : الأوّل : ممّا يجعل الجواب وغيره قول الفرزدق [من الطويل] :

٨٩٧ ـ تعشّ فإن عاهدتني لا تخونني

فكن مثل من يا ذئب يصطحبان (١)

فجملة النفي إمّا جواب لعاهدتني كما قال [من الطويل] :

٨٩٨ ـ أري محرزا عاهدته ليوافقن

فكان كمن أغريته بخلاف (٢)

فلا محلّ لها ، أو حال من الفاعل أو المفعول أو لكيهما ، فمحلّها النصب ، والأوّل أرجح ، لأنّ المعنى على المعاهدة والحلف على ذلك لا على الحلف في هذه الحاله على شئ آخر.

الثاني : منع ثعلب من وقوع الجملة القسمية خبرا ، فقيل في تعليله ، لأنّ نحو لأفعلنّ لا محلّ له ، فلو بني على المبتدإ ، فقيل : زيد ليفعلنّ صار له محلّ ، قال ابن هشام : وليس بشيء ، لأنّه أنّما منع وقوع الخبر جملة قسميّة لا جملة هي الجواب لقسم ، ومراده أن القسم وجوابه لا يكونان خبرا ، إذ لا ينفكّ إحداهما عن الآخر ، وجملتا القسم والجواب

__________________

(١) اللغة : تعش : أمر من التعشّي إذا أكل العشاء ، يصطحبان : مضارع افتعال من صحبه أي عاشره.

(٢) لم يسمّ قائله. اللغة : محرز : اسم رجل ، أغريته : حرّضته. ويروي أغزيته بمعنى أحمله عليه.

٧٩١

يمكن أن يكون لهما محلّ كقولك قال زيد : أقسم لأفعلنّ ، وإنّما المانع عنده إمّا كون جملة القسم لا ضمير فيها ، فلا تكون خبرا ، لأنّ الجملتين هنا ليستا كجملتي الشرط والجزاء ، لأنّ الجملة الثانية ليست معمولة لشئ من الجملة الأولى ، ولهذا منع بعضهم وقوعها صلة ، وإمّا كون جملة القسم إنشائيّة والجملة الواقعة خبرا فلا بدّ من احتمالها للصدق والكذب ، وعندي أنّ كلّا من التعليلين ملغية ، أمّا الأوّل فلأنّ الجملتين مرتبطتان ارتباطا صارتا به كالجملة ، وإن لم يكن بينهما عمل ، وأمّا الثاني فلأنّ الخبر الّذي شرطه احتمال الصدق والكذب هو الخبر قسيم الانشاء لا خبر المبتدأ.

قال : وزعم ابن مالك أنّ السماع ورد بما منعه ثعلب ، وهو قوله تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ) [العنكبوت / ٩] ، (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ) [العنكبوت / ٥٨] ، (وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ) [العنكبوت / ٦٩].

وعندي لما استدلّ به تأويل لطيف ، وهو أنّ المبتدأ في ذلك كلّه ضمّن معنى الشرط ، وخبره مترّل مترلة الجواب ، فإذا قدّر قبله قسم ، كان الجواب له ، وكان خبر المبتدإ المشبهة بجواب الشرط محذوفا للاستغناء عنه بجواب القسم المقدّر قبله ، ونظيره في الاستغناء بجواب القسم المقدّر قبل الشرط المجرّد من لام التوطئة قوله تعالى : (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَ) [المائدة / ٧٣] التقدير والله ليمسنّ ، وإن لم ينتهوا ليمسنّ ، انتهى.

اجتماع الشرط والقسم : «ومتى اجتمع» في الكلام «شرط وقسم» ملفوظ أو مقدّر «اكتفى بجواب المتقدّم منها» عن جواب المتأخّر لشدّة الاعتناء بالمتقدّم ، فالشرط المتقدّم نحو : إن جاء زيد والله أكرمه ، فالجواب المذكور للشرط ، وجواب القسم محذوف لدلالة جواب الشرط عليه ، والقسم المتقدّم الملفوظ به ، نحو : والله إن جاء زيد لأكرمته ، والمقدّر نحو قوله تعالى : (لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَ) [يوسف / ٣٢] ، فالجواب المذكور للقسم الملفوظ به في المثال والمقدّر في الآية ، وجواب الشرط فيهما محذوف وجوبا لدلالة القسم وجوابه عليه.

وجوّز الفرّاء ، وقيل : الكوفيّون ، وتبعهم ابن مالك جعل الجواب للشرط ، وإن تأخّر محتجّين بقوله [من الطويل] :

٧٩٢

٨٩٩ ـ لئن كان ما حدّثته اليوم صادقا

أصم في نهار القيظ للشّمس باديا (١)

ومنعه البصريّون ، وحملوا البيت على الضرورة أو زيادة اللام.

وجعل ابن مالك الجواب للقسم المؤخّر إن اقترن بالفاء لدلالته على الاستنئاف كقوله [من الطويل] :

٩٠٠ ـ فإمّا أعش حتّى أدبّ على العصى

فو الله أنسى ليلتي المسالم (٢)

وردّه أبو حيّان بأنّ القسم مع جوابه جواب الشرط ، ولذا اقترن بالفاء ، لا أنّه محذوف ، دلّ عليه جواب القسم.

«إلا إذا تقدّمها» أي القسم والشرط «ما يفتقر إلى الخبر» كالمبتدإ والاسم في بابي كان وإنّ والمفعول الأوّل في باب ظنّ ، والثاني في باب علم «فيكتفي بجواب الشرط» عن جواب القسم «مطلقا» ، سواء تقدّم أو تأخّر تفضيلا له بلزوم الاستغناء بجوابه عن جواب القسم ، لأنّ سقوطه مخلّ بالجملة بخلافه ، لأنّه لمجرّد التاكيد ، نحو : زيد والله إن يقم أقم ، وزيد إن تقم والله أقم ، فالجملة الشرطية هي الخبر والقسم تأكيد ، وجوابه محذوف ، وقضيّة كلامه لزوم الاكتفاء بجواب الشرط والحالة هذه ، فلا يجوز إجابة القسم حذف جواب الشرط ، وهو ما صرّح به ابن مالك في التسهيل والكافية.

وذهب ابن عصفور وغيره إلى ترجيح إجابه الشرط دون اللزوم ، وعليه جرى ابن مالك في الخلاصة حيث قال [من الرجز] :

٩٠١ ـ وإن تواليا وقبل ذو خبر

فالشرط رجّح مطلقا بلا حذر

وإذا تقدّم القسم وحده ، وما يفتقر إلى الخبر أو الصلة جاز البناء على أيّهما شئت ، وإن بنيت على المفتقر إلى الخبر أو الصلة فجواب القسم محذوف لدلالة الخبر والصلة عليه ، وإلا فهو وجوابه الخبر والصلة نحو : زيد والله يقوم ، وجاءني الّذي والله يقوم ، وزيد والله ليقومنّ ، وجاءني الّذي والله ليقومنّ.

تنبيهات : الأوّل : قضية إطلاق المصنّف أنّ الجواب للمتقدّم من الشرط والقسم مطلقا ، وهو مذهب الجمهور ، كما نقله أبو حيّان ، وفرق ابن مالك في التسهيل بين الشرط الامتناعي وغيره ، فأوجب جعل الجواب للامتناعي وإن تأخّر ، كما في صورة تقدّم ما يفتقر إلى الخبر نحو : والله لو قام زيد لقمت ، وو الله لو لا زيد لأتيتك ، وجواب القسم محذوف لدلالة جواب لو ولو لا عليه ، قال [من الطويل] :

__________________

(١) هو لامرأة من عقيل. اللغة : القيظ : شدّة الحرّ ، باديا : ظاهرا.

(٢) هو لقيس بن العيزارة : اللغة : أدبّ : أمشي مشيا رويدا ، المسالم : السلم.

٧٩٣

٩٠٢ ـ فأقسم أن لو التقينا وأنتم

لكان لكم يوم من الشّر مظلم (١)

وقالت امرأة من العرب [من الطويل] :

٩٠٣ ـ فو الله لو لا الله تخشى عواقبه

لزعزع من هذا السّرير جوانبه (٢)

وقال ابن هشام في حاشيته ، والحقّ أنّ لو ولو لا وجوابهما جواب القسم ولم يعترض شرط على قسم أصلا.

الثاني : الّذي قرّره ابن الحاجب لزوم الاكتفاء عن جوابه بجواب المتقدّم إذا كان هو القسم ، فإن كان المتقدّم الشرط جاز الاكتفاء عن جوابه بجواب القسم وبالعكس. قال بعض الأئمة : ولا أعلم له في ذلك موافقا ، بل المنقول في سائر الكتب أنّه يجب في هذه الحالة كون الجواب للشرط وجواب القسم محذوفا.

الثالث : حيث أغنى جواب القسم عن جواب لشرط لزم كونه مستقبلا ، لأنّه مغن عن مستقبل ودالّ عليه ، ولزم كون فعل الشرط ماضيا ، ولو معنى كالمضارع المنفيّ بلم ، لأنّ جواب الشرط لا يحذف إلا حيث كان فعله كذلك كما مرّ ، فلا يجوز أن يقال : والله إن يقم زيد لأقومنّ ، ولا والله إن لا يقم لأقومنّ ، ولا والله إن قام زيد لقمت ، إلا إذا وقع الماضي موقع المستقبل كقوله تعالى : (وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا) [الروم / ٥١] أي ليظلن.

الجملة المجاب بها شرط غير جازم

ص : السّادسة المجاب بها شرط غير جازم ، نحو : إذا جئتني أكرمتك ، وفي حكمها المجاب بها شرط جازم ، ولم يقترن بالفاء ولا بإذا الفجائية ، نحو : إن تقم أقم.

ش : الجملة «السادسة» من الجمل الّتي لا محلّ لها من الإعراب الجملة «المجاب بها شرط غير جازم» وهو إذا ولو ولو لا ولمّا وكيف ، نحو : «إذا جئتني أكرمتك» ، ولو جاء زيد لأكرمتك ، ولمّا جاء زيد أكرمتك ، وكيف تصنع أصنع.

«وفي حكمها» أي الجملة «المجاب بها شرط» غير «جازم» الجملة المجاب بها شرط جازم «ولم يقترن بالفاء ولا بإذا الفجائية ، نحو : إن تقم أقم» ، وإن قمت قمت ، أمّا الأوّل فلظهور الجزم في لفظ الفعل ، وأمّا الثاني فلأنّ المحكوم لموضعه بالجزم الفعل ، لا الجمله بأسرها ، فإن اقترنت بأحدهما كانت في محلّ جزم كما تقدّم.

__________________

(١) هو للمسيّب بن علس. اللغة : التقينا : استقبلنا كلّ منّا صاحبه.

(٢) اللغة : العواقب : جمع عاقبة بمعنى العقوبة ، زعرع : حرّك ، الجوانب : جمع جانب وهو الطرف.

٧٩٤

الجملة التابعة لما لا محلّ له

ص : السابعة التابعة لما لا محلّ له ، نحو : جاءني زيد فأكرمته ، جائني الّذي زارني وأكرمته ، إذا لم يجعل الواو للحال بتقدير قد.

ش : الجملة «السابعة» من الجمل الّتي لا محلّ لها من الإعراب الجملة «التابعة لما لا محلّ لها من الإعراب ، نحو : جاءني زيد فأكرمته» ، فجملة أكرمته لا محلّ لها ، لأنّها معطوفة على جملة جاءني زيد ، وهي لا محلّ لها ، لأنّها مستأنفة ، ومثلها نحو : جاءني زيد وأكرمته ، إذا لم تقدّر الواو الداخلة على أكرمته للحال بتقدير قد ، فإن قدّرت للحال بتقدير قد ، كانت الجملة في محل نصب على الحال من زيد.

تنبيه : قال الدمامينيّ في شرح المغني : إطلاق التبعيّة على الجملة الّتي لا محلّ لها من الإعراب مشكل ، فإنّ التابع هو الثاني بإعراب سابقه من جهة واحدة ، فلا بدّ أن يكون لمتبوعه محلّ من الإعراب ، فإن قلت : لعلّه أراد التبعيّة اللغويّة ، قلت : هذا مع كونه خروجا عن التّكلّم باصطلاح أهل الفن ، لا يجدي شيئا في مثل قولهم في قوله تعالى : (وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ* أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) [الشعراء / ١٣٣ و ١٣٢] ، إنّ الجملة الثانية لا محلّ لها لكونها بدلا من الصلة ، وكذا في قولهم : جاء زيد وذهب عمرو ، إنّ الثانية لا محلّ لها لكونها معطوفة على المستأنفه ، انتهى.

والأولى أن يقال في الجواب : إنّ إطلاق التابعة هنا مجاز لعلاقة المشابهة ، قال الشمنيّ : وينبغي أن يعلم أنّ العطف بالواو في الجمل الّتي لا محلّ لها لإفادة ثبوت مضمون الجملتين ، لأنّ مثل قولنا : ضرب زيد أكرم عمرو ، بدون العطف يحتمل الإضراب والرجوع عن الأوّل ، بخلاف ما إذا عطفت ، نصّ على ذلك عبد القاهر.

تتمة : يقول المعربون على سبيل التقريب : الجمل بعد النكرات صفات وبعد المعارف أحوال ، وشرح المسألة مستوفاة أن يقال : إنّ الجملة الخبريّة الّتي لم يطلبها العامل لزوما ، ويصحّ الاستغناء عنها إن وقعت بعد النكرة المحضة ، فهي صفة ، نحو قوله تعالى : (حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ) [الإسراء / ٩٣] ، فجملة نقرأه صفة الكتاب لا غير ، أو بعد المعرفة المحضة ، فهي حال عنها نحو قوله : (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) [المدثر / ٦] ، فجملة تستكثر حال من الضمير المستتر في تمنن المقدّر بأنت لا غير ، أو بعد غير المحضة منها ، فهي محتملة لهما ، فمثالها بعد النكرة قوله تعالى : (هذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ) [الأنبياء / ٥٠] ، فلك أن تقدّر جملة أنزلناه صفة للنكرة ، وهو الظاهر ، ولك أن تقدّرها حالا منها ، لأنّها قد تخصّصت بالوصف ، وذلك يقربها من المعرفة.

٧٩٥

قال ابن هشام : ولك أن تقدّرها حالا عن المعرفة ، وهو الضمير في : (مُبارَكٌ ،) إلا أنّه قد يضعف من حيث المعنى وجها الحال ، أمّا الأوّل فلأنّ الإشارة إليه لم تقع في حالة الإنزال كما وقعت الإشارة إلى البعل في حال الشيوخة في : (وَهذا بَعْلِي شَيْخاً) [هود / ٧٢] ، وأمّا الثاني فلاقتضائه تقييد البركة بحالة الإنزال ، انتهى.

ومثالها بعد المعرفة قوله تعالى : (كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً) [الجمعة / ٥] فإنّ المعرّف الجنسي يقرب في المعنى من النكرة ، فيصحّ تقدير : (يَحْمِلُ) حالا ووصفا ، وخرج بقيد الخبريّة نحو : هذا عبد بعتكه ، تريد بالجملة الإنشاء ، وهذا عبدي بعتكه ، كذلك فإنّ الجملتين مستأنفتان ، لأنّ الإنشاء لا يكون نعتا ولا حالا بقيد عدم طلب العامل لها لزوما جملة الخبر والمحكيّة بالقول وبصحّة الاستغناء عنها جمله الصلة ، فلا يجري عليها الحكم المذكور.

أحكام الجارّ والمجرور والظرف

ص : خاتمة : في أحكام الجارّ والمجرور والظرف : إذا وقع أحدهما بعد المعرفة المحضة فحال ، أو النكرة المحضة فصفة ، أو غير المحضة فمحتمل لهما ، ولا بدّ من تعلّقهما بالفعل أو بما فيه رائحته ، ويجب حذف المتعلّق إذا كان أحدهما صفة أو صلة أو خبرا أو حالا ، وإذا كان كذلك أو اعتمد على نفي أو استفهام جاز أن يرفع الفاعل ، نحو : جاء الّذي في الدّار أبوه ، وما عندي أحد ، و (أَفِي اللهِ شَكٌّ.)

ش : هذه تبصرة في «ذكر أحكام» ما يشبه الجملة وهو «الجارّ والمجرور والظرف» وذكر حكمهما في التعلّق.

حكمهما بعد المعارف والنكرات حكم الجمل ، وذلك أنّه «إذا وقع أحدهما بعد المعرفة المحضه» ، وهي الخالصة من شائبة التنكير فهو حال ، نحو : رأيت الهلال في الأفق أو بين السحاب ، ففي الأفق وبين السحاب «حال» ، لأنّه وقع بعد معرفة محضة. «أو» وقع بعد «النكرة المحضة» ، أي الخالصة ممّا يقربها من المعرفة ، «فهو صفة» ، نحو : رأيت طائرا على غصن أو فوق غصن ، فعلى غصن أو فوق غصن صفة لوقوعه بعد النكرة المحضة ، «أو» وقع بعد «غير المحضة» من المعرفة والنكرة «فمحتمل لهما» أي للحال والصفة.

فالواقع بعد غير المحضة من المعرفة نحو : يعجبني الثمر في الأغصان أو فوق الأغصان ، لأنّ المعرّف الجنسيّ كالنكرة ، فيجوز في كلّ من الجارّ والمجرور والظرف أن ى كون حالا وأن يكون صفة. والواقع بعد غير المحضة من النكرة نحو : هذا تمر يانع على

٧٩٦

أغصانه أو فوق أغصانه ، لأنّ النكرة الموصوفة كالمعرفة ، فيجوز في كلّ من الجارّ والمجرور والظرف أن يكون حالا ، وأن يكون صفة أخرى.

«ولا بدّ من تعلّقهما» أي الجارّ والمجرور والظرف «بالفعل» ماضيا كان أو مضارعا أو أمرا أو بما يشبهه ، أو بما أوّل بما يشبهه «أو بما فيه رائحته» ، فمثال التعلّق بالفعل وبشهه قوله تعالى : (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) [الحمد / ٧] ، فعليهم الأوّل متعلّق بالفعل ، وهو أنعمت ، وعليهم الثّاني متعلّق بشبهه ، وهو المغضوب ، ومثال التعلّق بما أوّل بشبه الفعل قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ) [الزخرف / ٨٤] ، أي وهو الّذي هو إله في السماء ، ففي السّماء متعلّق بإله ، وهو اسم غير صفة بدليل أنّه يوصف ، فيقال : إله واحد ولا يوصف به ، لا يقال : شيء إله ، وإنّما صحّ التعلّق به لتأوّله بمعبود ، ومثال التعلّق بما فيه رائحة الفعل قوله [من السريع] :

٩٠٤ ـ أنا أبو المنهال بعض الأحيان

 ... (١)

وقوله [من الرجز] :

٩٠٥ ـ أنا ابن ماوّية إذ جدّ النّقر

 ... (٢)

فتعلّق بعض وإذ بالاسمين العلمين لا لتأوّلهما باسم يشبه الفعل ، بل لما فيهما من معنى قولك : المشهور أو الشجاع أو الجواد.

وتقول : فلان حاتم في قومه ، فتعلّق الظرف بما في حاتم من معنى الجود ، وإنّما لم يكن بدّ من تعلّق الجارّ والمجرور والظرف بما ذكر ، لأنّ حرف الجرّ موضوع لإيصال معنى الفعل إلى الاسم ، فالّذي وصل معناه هو الّذي يتعلّق به الحرف كقولك : سرت من البصرة ، فمن أوصلت معنى السير إلى البصرة على معنى الابتداء ، وهو متعلّق به ، فإذا قال النحويّ : بم يتعلّق هذا الحرف؟ أو ما العامل فيه؟ فإنّما يعني ما الّذي أوصل هذا الحرف معناه ، والظرف لما كان مقدّرا بحرف الجرّ كان حكمها واحدا في ذلك.

فإن قلت : يقع في عبارة بعضهم الجارّ يتعلّق بكذا ، وفي عبارة أخرين الجارّ والمجرور ، وفي عبارة أخرين المجرور ، فما هو المحرّر من هذا العبارات؟ قلت : التحقيق أنّ العامل إنّما يعمل في الاسم الّذي يلي الجارّ لا في حرف الجارّ ، وإطلاق من قال : العامل في الجارّ كذا ، تسامح ، وقول من قال : الجارّ والمجرور يتعلّق بكذا ملموح فيه أنّ الجارّ يتترّل مترلة الجزء من المجرور به فجعل التعلّق لهما معا.

__________________

(١) تمامه «ليس على حسبي بضؤلان» ، وهو لابن دارة سالم بن مسافع. اللغة : الضؤلان : الضئيل ، ويروي الصوان من الصون بمعنى الحفظ.

(٢) وبعده «وجاءت الخيل أثابيّ زمر» ، وهو لعبد الله بن مارية الطائي. اللغة : جدّ : اشتدّ ، النقر : صوت تزجي به الفرس ، الأثابي : جمع أثبيّة : بمعنى الجماعة ، الزمر : جمع الزمرة : الجماعة.

٧٩٧

والحقّ ما قدمناه أوّلا ، فإذا قلت : مررت بزيد ، فزيد متعلّق بالفعل بمعنى أنّه معمول له بحسب المحلّ ، إذ هو في محلّ نصب على معنى أنّ الفعل يقتضي نصبه لو كان متعدّيا كما يقال بدل مررت بزيد : جاوزت زيدا.

هذا إذا لم يصر الجارّ والمجرور عوضا عن العامل ، أمّا إذا صار عوضا منه فيحكم على محلّهما جمعا بإعراب هو إعراب العامل ، فيقال محلّ من الكرام في قولك : مررت برجل من الكرام جرّ ، وفي زيد من الكرام رفع ، وفي جاء زيد بثيابه نصب ، كذا حرّره الإمام الحديثيّ في شرح الحاجبية.

تنبيهات : الأوّل : إذا لم يكن شيء من الأربعة المذكورة الّتي يتعلّقان بها موجودا قدّر كقوله تعالى : (وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً) [الأعراف / ٧٣] ، بتقدير أرسلنا ، ولم يتقدّم ذكر الإرسال ، ولكن ذكر النبيّ والمرسل إليهم يدلّ على ذلك ، ومثله : (فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ) [النمل / ١٢] ، ففي وإلى متعلّقان باذهب مقدّرا ، (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) [البقرة / ٨٣] أي وأحسنوا بالوالدين إحسانا ، مثل : (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي) [يوسف / ١٠٠] ، (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً) [الأحقاف / ١٥] ، مثل : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً)(١) [العنكبوت / ٨] ومنه باء البسملة ، كما تقدّم.

الثاني : هل يتعلّقان بالفعل الناقص؟ من زعم أنّه لا يدلّ على الحدث منع من ذلك ، والصحيح أنّها كلّها دالّة عليه كما تقدّم ، والمشهور منع تعلّقهما بأحرف المعاني مطلقا ، وقيل بجوازه مطلقا ، وفصّل بعضهم ، وفقال : إن كان نائبا عن فعل حذف ، جاز على طريق النيابة لا الإصالة ، وإلا فلا ، وهو قول أبي على وأبي الفتح ، زعما في نحو : يا لزيد ، أنّ اللام متعلّقة بيا ، بل قالا في يا عبد الله : إنّ النصب بيا. وأمّا الّذين قالوا بالجواز مطلقا فقال بعضهم في قول كعب [من البسيط] :

٩٠٦ ـ وما سعاد غداة البين إذ رحلوا

إلا أغنّ غضيض الطّرف مكحول (٢)

غداة البين ظرف للنفي ، أي انتفي كونها في هذا الوقت إلا كأغن.

وقال ابن حاجب في : (وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ) [الزخرف / ٣٩] ، إذ بدل من اليوم ، واليوم أمّا ظرف للنفع المنفي ، وأمّا لما في لن من معنى النفي ، أي انتفي في هذا اليوم النفع ، فالمنفيّ نفع مطلق ، وعلى الأوّل نفي مقيّد ، وقال أيضا : إذا قلت : ما ضربته للتأديب ، فإنّ قصدت نفي ضرب معلل ، فاللام متعلّقة بالفعل ، والمنفي ضرب

__________________

(١) سقطت هذه الأية في «ح».

(٢) البيت من قصيدة «بانت سعاد» لكعب بن زهير ، اللغة : الغداة : البكرة ، البين : الفراق ، أغنّ : صفة لمحذوف أي ظبي أغن من غنّ الظبي إذا خرج صوته من خياشيمه ، الغضيض : فعيل من غضّ طرفه إذ افتره وخفضه ، الطرف : العين ، محكول : مفعول من كحل عينه إذا زيّنها بالكحل.

٧٩٨

مخصوص ، وللتأديب تعليل للضرب المنفي ، وإن قصدت نفي الضرب على كلّ حال فاللام متعلّقة بالنفي والتعليل له ، أي انتفاء الضرب كان لأجل التأديب ، لأنّه قد يؤدّب بعض الناس بترك الضرب.

ومثله في التعلّق بحرف النفي : ما أكرمت المسيئ لتأديبه ، وما أهنت المحسن لمكافاته ، إذ لو علّق هذا بالفعل فسد المعنى المراد ، ومن ذلك قوله تعالى : (ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) [القلم / ٢] ، الباء متعلّقة بالنفي ، إذ لو علّقت بمجنون لأفاد نفي جنون خاصّ ، وهو الجنون الّذي يكون من نعمة الله تعالى ، وليس في الوجود جنون هو نعمة ، ولا المراد نفي جنون خاصّ ، انتهى ملخّصا. وهو كلام بديع ، إلا أنّ جمهور النّحويّين لا يوافقون على صحّة التعلّق بالحروف ، فينبغي على قولهم أن يقدّر أنّ المتعلّق بفعل دلّ عليه النافي ، أي انتفي ذلك بنعمة ربّك ، قاله في المغني.

المواضع الّتي يجب فيها حذف المتعلّق

الثالث : يستثنى من قولنا لا بدّ للجارّ من متعلّق ستّة أمور :

أحدها : الزائد مطلقا ، لأنّه إنّما دخل في الكلام تقوية وتوكيدا لإيصال معنى الفعل إلى الاسم واستثنى ابن هشام منه لام التقوية ، فحكم بأنّه يجوز القول بتعلّقها ، لأنّها ليست زائدة محضة ، كما أنّها ليست معدّية محضة ، قال بعضهم : الظاهر الجزم بالتعلّق ، وفي كلامهم على لام الجحود ما يؤيّد ما قلته ، فتأمّله.

الثاني والثالث : لعلّ في لغة عقيل ولو لا في لولاي ولولاك ولولاه على قول سيبويه : إنّها جارّة للضمير ، لأنّهما لم يدخلا لإيصال معنى عامل بل لإفادة معنى الترجّي والامتناع.

الرابع : ربّ كما ذهب إليه الرمانيّ وابن طاهر خلافا للجمهور ، لأنّها لم تدخل لتعدية عامل أيضا بل لإفادة التكثير والتقليل. قال ابن هشام والجمهور : وإن قالوا : إنّها عدّت العامل في نحو ربّ رجل صالح لقيته أو لقيت فخطأ ، لأنّه يتعدّى بنفسه ولاستيفائه معموله في المثال الأوّل ، وإن قالوا : إنّها عدّت محذوفا تقديره حصل أو نحوه ، كما صرح به جماعة ، ففيه تقدير لما معنى الكلام مستغن عنه ، ولم يلفظ به في وقت.

الخامس : الجارّ المكفوف عن عمل الجرّ ، لأنّه لم يبق حرف جرّ ، بل يفيد من جهة المعنى فقط ، فلا عامل له ، كما لا معمول له ، وممّن صرّح بذلك التفتازانيّ في حاشية الكشاف عند قوله تعالى : (وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ) [البقرة / ١٩٨].

٧٩٩

السادس : حروف الاستثناء الثلاثة ، وهي حاشا وأختاها [خلا وعدا] ، قال ابن هشام في المغني : لأنّها لتنحية الفعل عمّا دخلن عليه ، كما أنّ إلا كذلك ، وهو عكس معنى التعدية الّذي هو إيصال معنى الفعل إلى الاسم ، ولو صحّ أن يقال : إنّها متعلّقة لصحّ أن يقال (١) ذلك في إلا ، وإنّما خفض بهنّ المستثني ، ولم ينصب كالمستثنى بإلا لئلّا يزول الفرق بينهنّ أفعالا وأحرفا.

قال الدمامينيّ : وفيه نظر ، لأنّه ليس المراد من إيصال حروف الجرّ معنى الفعل إلى الاسم إيصاله إليه على وجه الثبوت ، بل المراد تعليقه به على وجه الّذي يقتضيه الحرف ، وهو هنا مفيد لانتفاء معنى الفعل ، فيتعلّق به على هذا الوجه ، وقد اتّضح هو في كتابه المذكور بهذا المعنى ، حيث قال في على الاستدراكية : وتعلّق هذه بما قبلها كتعلّق حاشا بما قبلها عند من قال به ، لأنّها أوصلت معناه إلى ما بعدها على وجه الإضراب والإخراج ، وأمّا الاستدال بأنّها بمترلة إلا ، وهي غير متعلّقة فساقط ، لأنّه لا يلزم من كون حرف بمعنى حرف آخر مساواته في جميع أحكامه ، ألا ترى أنّ إلا الّتي هذا الحرف بمعناها لا يعمل الجرّ ، وهذا الحرف يعلمه ، انتهى.

وزاد الفارسيّ والأخفش سابعا ، وهو كاف التشبيه ، فذهبا إلى أنّها لا يتعلّق بشيء كحروف الجرّ الزائدة ، وتبعهما ابن عصفور مستدلّين بأنّه إذا قيل : زيد كعمرو ، فإن كان المتعلّق استقرّ فالكاف لا تدلّ عليه بخلاف في من نحو : زيد في الدار ، وإن كان فعلا متناسبا للكاف نحو : أشبه ، فهو متعدّ بنفسه لا بالحرف ، قال ابن هشام : والحقّ أنّ جميع الحروف الجارّة الواقعة في موضع الخبر ونحوه يدلّ على الاستقرار. قال ابن الحاجب في شرح المفصل : الكاف في قولك : الّذي كزيد أخوك أوصلت معنى استقرار هذا المبهم إلى زيد على سبيل التشبيه.

«ويجب حذف المتعلّق إذا كان أحدهما» أي الجارّ والمجرور والظرف «صفة» نحو : (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ) [البقرة / ١٩] «أو صلة» نحو : (وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ) [الأنبياء / ١٩] «أو خبرا» نحو : زيد في الدار أو عندك ، وربّما ظهر في الضرورة كقوله [من الطويل] :

٩٠٧ ـ لك العزّ إن مولاك عزّ إن يهن

فأنت لدي بحبوبة الهون كائن (٢)

وفي شرح المفصّل لابن يعيش متعلّق الظرف الواقع خبرا ، صرّح ابن جنيّ بجواز إظهاره ، وعندي أنّه إذا حذف ونقل ضميره إلى الظرف لم يجز إظهاره ، لأنّه قد صار

__________________

(١) «لصح أن يقال» سقط في «ط».

(٢) لم يذكر قائل البيت. اللغة : البحبوبة : الوسط ، الهون : الذل والهوان.

٨٠٠

أصلا مرفوضا ، فأمّا إن ذكرته أوّلا فقلت : زيد استقرّ عندك ، فلا يمنع منه مانع ، انتهى. قال ابن هشام : وهو غريب.

«أو حالا» ، نحو : (فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) [القصص / ٧٩] ، أو رفع الاسم الظاهر ، نحو : أعندك أحد ، (أَفِي اللهِ شَكٌ) [إبراهيم / ١٠] ، أو استعمل مثلا كقولهم للمعرّس : بالرفاء والبنين ، أي أعرست ، أو حذف المتعلّق على شريطة التفسير ، نحو : يوم الجمعة صمت فيه ، أو كان الجارّ حرف قسم غير الباء ، نحو : (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى) [الليل / ١] ، (وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ) [الأنبياء / ٥٧] ، فلو صرّح بالفعل في ذلك وجبت الفاء ، فهذه ثمانية مواضع يجب فيها حذف المتعلّق.

تنبيهات : الأوّل : أنكر الكوفيّون وابنا طاهر وخروف تقدير المتعلّق في الخبر من نحو : زيد عندك وعمرو في الدار ، ثمّ اختلفوا ، فقال ابنا طاهر وخروف : الناصب المبتدأ (١) ، وزعما أنّه يرفع الخبر إذا كان عينه ، نحو : زيد أخوك ، وينصبه إذا كان غيره ، وأنّ ذلك مذهب سيبويه. وقال الكوفيّون : الناصب أمر معنويّ ، وهو كونهما مخالفين للمبتدإ ، ولا معوّل على هذين المذهبين.

الثاني : قال ابن هشام في المغني : هل المتعلّق الواجب الحذف فعل أو وصف لا خلاف في تعيّن الفعل في بابي القسم والصلة ، لأنّهما لا يكونان إلا جملتين ، وكذا يجب في الصفة في نحو : رجل في الدار فله درهم ، لأنّ الفاء تجوز في نحو : رجل يأتيني فله درهم ، وتمتنع في نحو : رجل صالح فله درهم (٢) ، أمّا قوله [من الخفيف] :

٩٠٨ ـ كلّ أمر مباعد أو مدان

فمنوط بحكمة المتعالى (٣)

فنادر.

واختلف في الخبر والصفه والحال ، فمن قدّر الفعل ، وهم الأكثرون ، فلأنّه الأصل في العمل ، ومن قدّر الوصف ، فلأنّ الأصل في الخبر والحال والنعت الإفراد ، ولأنّ الفعل في ذلك لا بدّ من تقديره بالوصف ، قالوا : ولأنّ تقليل المقدّر أولى ، وليس بشيء ، لأنّ الحقّ أنّا لم نحذف الضمير ، بل نقلناه إلى الظرف ، فالمحذوف فعل أو وصف ، كلاهما مفرد ، قال : والحقّ عندي أنّه لا يترجّح تقديره اسما ولا فعلا بل بحسب المعنى وبيان التقدير بحسب المعنى.

__________________

(١) أي إنّ المبتدأ «زيد» هو ناصب الظرف «عندك».

(٢) من لأن الفاء حتّى هنا سقط في «ح».

(٣) لا يعرف قائله.

٨٠١

وأمّا القسم فتقديره أقسم ، وأمّا في الاشتغال فتقديره كالمنطوق به ، نحو : يوم الجمعة صمت فيه ، وأمّا في المثل فيقدّر بحسب المعنى ، وأمّا في البواقي نحو : زيد في الدار ، فيقدّر كونا مطلقا ، وهو كائن ، أو مستقرّ ، أو مضارعهما ، إن أريد الحال أو الاستقبال ، نحو : الصوم اليوم أو في اليوم ، والجزاء غدا أو في الغد ، ويقدّر كان أو استقرّ أو وصفهما إن أريد المضي ، هذا هو الصواب ، وقد أغفلوه مع قولهم في نحو : ضربي زيدا قائما ، فإنّما التقدير : إذ كان قائما ، إن أريد المضي ، وإذا كان ، إن أريد الاستقبال ، ولا فرق ، وإذا جهلت المعنى ، فقدّر الوصف ، لأنّه صالح في الأزمنة كلّها ، وإن كانت حقيقته في الحال ، انتهى ملخّصا.

واعترضه الدمامينيّ بأنّه كيف يقدّر مع الجهل ما هو ظاهر في الحال الّذي هو من جملة الأمور المجهولة ، وهل هذا إلا تهافت ، قال وإن قلت : فماذا تصنع عند جهل المعنى ، قلت : لا يقدم حينئذ على تقدير شىء معيّن ، بل يردّد الأمر ، ويقال : إن أريد المضي قدّر كذا ، وإن أريد الحال قدّر كذا ، وإن أريد (١) الاستقبال قدّر كذا ، فتخرج حينئذ عن العهدة.

الثالث : قال التفتازانيّ في حاشية الكشّاف : ممّا يجب التنبيه له أنّه إذا قدّر في الظرف (٢) كان أو كائن فهو من التامّة بمعنى حصل وثبت ، والظرف بالنسبة إليه لغو لا الناقصة ، وإلا كان الظرف في موضع الخبر بتقدير كان أخرى وبتسلسل التقديرات.

الرابع : الظرف ـ والمراد به ما يتناول الجارّ والمجرور ـ قسمان : مستقرّ ، بفتح القاف ، ولغو ، فالمستقرّ ما كان متعلّقه عامّا واجب الحذف كما مرّ ، واللغو ما كان متعلّقه خاصّا ، سواء وجب حذفه كما في الاشتغال وغيره ممّا ذكر أو جاز ، نحو : يوم الجمعة ، جوابا لمن قال : متى قدمت ، ووجه تسمية الأوّل مستقرّا والثاني لغوا أنّه لمّا كان المتعلّق العامّ إذا حذف انتقل الضمير الّذي كان مستترا فيه إلى الظرف سمّي ذلك الظرف مستقرّا لاستقرار الضمير فيه ، فهو في الأصل مستقرّ فيه ، ثمّ حذفت الصلة اختصارا لكثرة دوره بينهم كقولهم فى المشترك فيه مشترك ، ولمّا كان الآخر لم ينتقل إليه شئ من متعلّقه سمّي لغوا أو ملغي ، كأنّه ألغي.

قال البدر الدمامينيّ في التحفة بعد ذكره ذلك : وهو الّذي سمعته من بعض أشياخنا ، ولا يخفى أنّه أولى ممّا قيل : إنّه إنّما سمّي مستقرّا ، لأنّ ناصبه هو استقرّ مقدّرا قبله ، أمّا أوّلا فلأنّ الظرف المستقرّ لا يلزم تقدير عامله باستقرّ على الخصوص ، بل يجوز أن يقدّر

__________________

(١) سقطت «وإن أريد» في «ط».

(٢) إذا قدّر في اللفظ «ح».

٨٠٢

بحصل وثبت ونحو ذلك ممّا يدلّ على كون عامّ ، فلم اشتقّ له الاسم من استقّر دون غيره ، وأمّا ثانيا فلأنّ الظرف اللغو أيضا من قولنا : صمت يوم الجمعة ، يصدق عليه أنّه مستقرّ اذ قد استقرّ في اليوم المذكور الصوم ، وإن لم يكن متعلّقه لفظ استقرّ.

وأجاب الشمنيّ بأنّه يكفي في تسمية مستقرّا تعلّقه بلفظ الاستقرار وما هو بمعناه ، لا بمعنى أنّه يلزمه معنى الاستقرار لترد الصورة الّتي ذكرها عن بعض شيوخه ، ولا يتأتّى على ما ذهب إليه السيرافيّ من أنّ الضمير حذف مع المتعلّق ، وأنّما يتأتّى على ما ذهب أبو علي ومن تبعه أنّ الضمير انتقل عن المتعلّق إلى الظرف.

الخامس : قد تقوم قرينة على أنّ المراد بالاستقرار العامّ أمر خاصّ ، ولا يقدح ذلك في الحكم بأن الظرف مستقرّ ، كما إذا قلت : زيد على الفرس ، فالأصل مستقرّ ، لكنّ المراد منه بحسب القرينة راكب ، فلهذا يجعل مستقرّا لا لغوا ، نصّ عليه التفتازانيّ في حاشية الكشّاف حيث قال الزمخشريّ على معنى متبرّكا باسم الله أقرأ ، فقال : هو يعني أنّ التقدير متلبّسا باسم الله ، ليكون المقدّر من الأفعال العامّة ، لكنّ المعنى بحسب القرينة على هذا ، فلهذا يجعل الظرف مستقرّا لا لغوا ، هذا كلامه.

قال الدمامينيّ : إذا قامت القرينة على أنّ المراد كون خاصّ ، فلم لم يقدّر ابتداء ، ويكون الظرف لغوا ، وأيّ فائدة في تقدير العامّ ، ثمّ الحكم بأنّ المراد منه الخاصّ الّذي دلّت عليه القرينة ، وقد قال هو قبل ذلك بنحو ورقة ، والنّحويّون إنّما يقدّرون متعلّق الظرف المستقرّ عامّا ، إذا لم توجد قرينة الخصوص.

السادس : الأصل أن يقدّر المتعلّق المحذوف مقدّما عليهما كسائر العوامل مع معمولاتها ، وقد يعرض ما يقتصي ترجيح تقديره مؤخّرا ، وما يقتضي إيجابه ، فالأوّل نحو : في الدار زيد ، لأنّ المحذوف هو الخبر ، وأصله أن يتأخّر عن المبتدإ ، والثاني نحو : إنّ في الدار زيدا ، لأنّ أنّ لا يليها مرفوعها ، ويلزم من قدّر المتعلّق فعلا أن يقدّره مؤخّرا في جميع المسائل ، لأنّ الخبر إذا كان فعلا لا يتقدّم على المبتدإ ، قاله ابن هشام في المغني. وقال في موضع آخر : يحتمل تقديره في نحو : في الدار زيد مقدّما لمعارضة أصل آخر ، وهو إنّه عامل في الظرف ، وأصل العامل أن يتقدّم على المعمول.

«وإذا كان» أحدهما أي الجارّ والمجرور والظرف «كذلك» أي صفة أو صلة أو خبرا أو حالا «أو اعتمد على نفي» بحرف أو فعل «أو استفهام جاز أن يرفع الفاعل» ظاهرا كان أو مضمرا ، نحو : مررت برجل في كمّه أو معه صقر ، و «جاء الّذي في الدار» أو عندك «أبوه» ، وزيد في الدار أو عندك أبوه ، وجاء زيد في كمّه أو معه صقر «وما» أو ليس في الدار أو «عندي أحد و (أَفِي اللهِ شَكٌّ») [إبراهيم / ١٠] ، أو أعندك أحد.

٨٠٣

تنبيهات : الأوّل : في المرفوع بعد المجرور والظرف في المواضع المذكورة ثلاثه مذاهب : أحدها : أنّ الأرجح كونه مبتدأ مخبرا عنه بالظرف أو المجرور ، ويجوز كونه فاعلا ، وكان وجهه استضعاف عمل الظرف في الظاهر. والثاني : أنّ الأرجح كونه فاعلا ، اختاره ابن مالك ، ووجهه أنّ الأصل عدم التقديم والتأخير. والثالث : أنّه يجب كونه فاعلا ، نقله ابن هشام الخضراويّ عن الأكثرين ، ولعلّ وجهه ما تقرّر من أنّ الإلباس محذور ، والتعليق عندهم بفعل ، فهو كقولك : قام زيد ، فيتعيّن أن يكون زيد في مثل ذلك فاعلا لا مبتدأ (١).

الثاني : قال في المغني حيث أعرب فاعلا ، فهل عامله الفعل أو الظرف أو المجرور لنيابتهما عن استقرّ وقربهما من الفعل لاعتمادهما ، فيه خلاف ، فالمذهب المختار الثاني لامتناع تقديم الحال في نحو : زيد في الدار جالسا ، ولو كان العامل الفعل لم يمتنع كقوله [من الطويل] :

٩٠٩ ـ فإن يك جثماني بأرض سواكم

فإنّ فؤادي عندك الدهر أجمع (٢)

فأكّد الضمير المستتر في الظرف ، والضمير لا يستتر إلا في عامله ، ولا يصحّ أن يكون توكيدا لضمير محذوف مع الاستقرار ، لأنّ التوكيد والحذف تنافيان ، ولا لاسم إنّ على محلّه من الرفع بالابتداء ، لأنّ الطالب للمحلّ قد زال ، واختار ابن مالك المذهب الأوّل مع اعترافه بأنّ الضمير مستتر في الظرف ، وهذا تناقض ، فإنّ الضمير لا يستكن إلا في عامله ، انتهى. وقد جرى المصنّف على مذهب المختار كما ترى ، وهو مذهب المحقّقين كما قاله غير واحد.

الثالث : إذا لم يعتمد الظرف والمجرور على ما ذكر نحو : في الدار أو عندك زيد ، فالجمهور يوجبون الابتداء ، والأخفش والكوفيّون يجيزون الوجهين ، لأنّ الاعتماد عندهم ليس بشرط ، ويردّه جواز دخول إنّ ونحوها على مثل هذا التركيب ، فينتصب الاسم ، إذ يصحّ أن يقال : إنّ في الدار زيدا ، فدلّ ذلك على أنّه مبتدأ في الأصل لا فاعل ، وإلا لم يدخل الناسخ. قال بعضهم : وللأخفش أن يجيب بأنّي لمّا وجدت العامل الأقوي أعملته ، وهو أن ، وقال ابن جنيّ : للجمهور أن يقولوا لم نجد عاملين أعمل أوّلهما ألبتّة ، بل يجوز أن تعمل أيّهما شئت.

__________________

(١) فيما يتعلّق بالمرفوع بعد المجرور والظرف يبدو أنّ أقرب المذاهب إلى الصواب هو الّذي يقول : كونه مبتدأ مخبرا عنه بالظرف أو المجرور ، لأنّ هذه الجملة اسميّة ، والاسم المرفوع بعد الظرف يرتفع بالابتداء ، لأنّه قد تعرّي من العوامل اللفظيّة ، وهو معنى الابتداء ، والمجرور والظرف متعلّقان بالمحذوف ، ولو قلنا : المرفوع فاعل على مذهب الكوفيّين فتقديره مثلا «حلّ في الدار زيد» ، وتقديم الظرف لا يدلّ على تقديم الفعل ، لأنّ الظرف معمول الفعل ، والفعل هو الخبر ، وتقديم معمول الخبر لا يدلّ على أنّ الأصل في الخبر التقديم.

(٢) نسب البيت إلى جميل بثينة وإلى كثير عزة. اللغة : الجثمان : الجسم ، الفؤاد : القلب.

٨٠٤

الفصل الخامس الحديقة الخامسة

٨٠٥
٨٠٦

الحديقة الخامسة

الهمزة

ص : الحديقه الخامسة في المفردات :

الهمزة حرف ترد لنداء القريب والمتوسّط ، للمضارعة وللتسوية ، وهي الدّاخلة على جملة في محلّ المصدر ، نحو : (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.) وللاستفهام ، فيطلب بها التصوّر والتصديق ، نحو : أزيد في الدّار أم عمرو؟ وأ في الدّار زيد أم في السّوق؟ بخلاف «هل» لاختصاصها بالتّصديق.

ش : «الحديقة الخامسة في المفردات» ، وهي منها حروف ، ومنها أسماء وظروف ، تضمّنت معنى الحروف ، ومنها ما يرد اسما وحرفا ، والمصنّف (ره) لم يستوف جميعها ، بل اقتصر منها على أدوات مهمّة ، يكثر دورانها ، وتشتدّ الحاجه إليها ، وجملة ما أورده أربع وعشرون كلمة.

أحدها : «الهمزة» وهي اسم محدث للألف المتحرّك ، واسمه الألف ، واسم الساكن لا ، والألف مشترك بينهما وبين الألف ، كذا قال بعض المحقّقين ، وفي كلام بعضهم ما يقتضي أنّ الألف تختصّ بالساكن ، والهمزة بالمتحرّك ، والحقّ أنّ الألف اسم للمتحرّك ، والساكن لغة ، لكنّه خصّ في عرف أهل هذا الفن بالساكن ، وخصّت الهمزة بالمتحرّك ، فما وقع فى كلام بعضهم من أنّ إطلاق الألف على المتحرّك حقيقة مبنيّ على اللغة ، وما وقع من كلام آخرين من أنّه مجاز مبنيّ على العرف. وهو حرف يرد على وجوه :

أحدها : أن يكون «حرف» نداء موضوع «لنداء القريب» كقول امري القيس [من الطويل] :

٩١٠ ـ أفاطم مهلا بعض هذا التّدلّل

وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي (١)

__________________

(١) البيت من معلقته. اللغة : مهلا : رفقا ، التدلّل : مصدر تدلّلت المرأة على زوجها ، أي تراها جرأة تغنّج ، كأنّها تخالفه وليس بها خلاف ، أزمعت : قصدت ، الصرم : الجهر.

٨٠٧

فإن قلت : ما المعين لحمل النداء هنا على نداء القريب؟ قلت : القرائن الموجودة قوله في هذه القصيدة يخبر بحاله مع هذه المرأة [من الطويل] :

٩١١ ـ تقول وقد مال الغبيط بنا معا

عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل

فقلت لها سيري وأرخي زمامه

ولا تبعديني من جناك المعلّل (١)

الغبيط بالغين المعجمة والظاء المهملة كرغيف رحل يشدّ عليه هودج المرأة ، والجني ما يجنى ، أي يقتطف من الثمرة ، عبّر به هنا عن اللّذة الّتي ينالها من هذه المرأة على طريق الاستعارة ، والمعلّل ترشيح ، والتعليل جني الثمرة مرّة بعد أخرى.

«والمتوسّط» أي ويرد لندائه ، وهذا لم يقل به أحد ، وإنّما هو عندهم لنداء القريب فقط ، نعم نقل ابن الخباز في شرحه على الدرّة الألفية عن شيخه أنّ الهمزة للمتوسّط ، وأنّ الّذي للقريب يا ، والمصنّف جمع بين القولين ، فجعلها للقريب والمتوسّط معا. قال ابن هشام : وما نقله ابن الخباز خرق لإجماعهم ، قالوا وذلك من وجهين : دعواه أنّ الهمزة للمتوسّط ، وإنّما هي عندهم لنداء القريب ، والثاني كون القريب لم يوضع لندانه غير يا ، وقول المصنّف أيضا خرق للإجماع ، لكنّه من وجه واحد.

قال الدمامينيّ : والقدح بخرق إجماع النحاة مبنيّ على أنّ إجماعهم في الأمور اللغويّة معتبر معيّن أتباعه ، ووقع فيه لبعض العلماء تردّد. وفي شرح مختصر ابن الحاجب الأصولي للشيخ بهاء الدين السبكيّ نقل بعض العلماء الإجماع على اعتبار الإجماع في الأمور اللغويّة ، مثل كون الواو للجمع المطلق ، وهذا الإشكال فيه إذا صدر من المجتهدين ، أمّا إجماع النّحاة الّذين عليهم المعوّل في علم العربيّة ، ولم يبلغوا رتبة الاجتهاد ، فالقياس أنّ إجماعهم لا يعتبر ، وفيه نظر.

وقد رأيت في الخصائص لابن جنّي : إعلم أنّ إجماع أهل البلدين أنّما يكون حجّة ، إذا لم يخالف المنصوص أو المقيس على المنصوص ، وإلا فلا ، لأنّه لم يرد في كتاب ولا سنّة أنّهم لا يجتمعون على الخطأ ، كما جاء النص بذلك في كلّ الأمّة ، وإنّما هو علم منتزع من استقراء هذه اللغة ، فكلّ من فرق له عن علّة صحيحة كان خليل نفسه ، إلا أنّا لا نسمح بمخالفة الجماعة الّتي طال بحثها ، انتهى ملخصا. وفي الاقتراح بعد كلام ابن جنيّ في الخصائص ، وقال غيره إجماع النحاة على الأمور اللغويّة معتبر خلافا لمن تردّد فيه ، وخرقه ممنوع ، ومن ثمّ ردّ ، انتهى.

__________________

(١) اللغة : عقرت بعيري : أدميت ظهره ، أرخي : أرسلي. جهل العشيقة بمترلة الشجرة ، وجعل ما نال من عناقها وتقبيلها وشمها بمترلة الثمر.

٨٠٨

وذكر ابن هشام في شرح التسهيل أنّ النداء بالهمزة قليل في كلام العرب ، وتبعه ابن الصائغ في حواشي المغني ، قال في الهمع : وما ذكراه مردود ، فقد وقفت لذلك على أكثر من ثلاثمائه شاهد ، وأفردتها بالتإلى ف.

الثاني : أن تكون للمضارعة بفتح الراء المهملة ، مصدر ضارعه ، أي شابهه ، نحو :

أقوم وأقعد ، قيل : وهمزة المضارعة في الأصل ألف قلبت همزة لتعذّر الابتداء بالساكن ، وحروف المضارعة أربعة ، يجمعها قولك : أنيت ، وقد مرّ ذكرها في صدر هذا الشرح.

الثالث : أن تكون «للتسوية ، وهي الداخلة على جملة» واقعة «في محلّ المصدر» وهذا أحسن من قولهم : الداخلة على جملة يصحّ حلول المصدر محلّها ، لأنّ الجملة هنا مؤوّلة بالمفرد تأويلا مطّردا ، فهي واقعة في محلّ المفرد «نحو» قوله تعالى : (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) [البقرة / ٦] ، أي سواء عليهم الإنذار وعدمه.

فان قلت : تأويل الجملة بالمفرد هنا مشكل ، لأنّه لا سابك في اللفظ ، فيلزم الشذوذ على ما صرّح به بعضهم مثل : تسمع بالمعيدي خير من أن تراه (١) ، برفع تسمع ، وعدم تقدير السابك ، وهو الحرف المصدريّ ، وادعاء الشذوذ هنا باطل ، لأنّ هذا تركيب فصيح كثير الاستعمال. قلت : سبك الجملة بالمفرد من غير حرف مصدريّ إنّما يكون شاذّا إذا لم يطّرد في باب ، أمّا إذا اطّرد في باب واستمرّ فيه ، فإنّه لا يكون شاذّا مثل : لا تأكل السمك ، وتشرب اللبن ، فإنّك إذا نصبت تشرب ، نصبته بأن مقدّرة ، فيصير اسما معطوفا في الظاهر على فعل ، وهو ممتنع إلا عند التأويل ، فاحتجنا إلى أن نتصيّد من الفعل الأوّل مصدرا من غير سابك ، ولا يعدّ مثل هذا شاذّا لاطّراده في بابه. وكذا إضافة اسم الزمان مثلا إلى الجملة نحو : جئت حين جاء زيد ، أي حين مجيء زيد ، فأوّلت الجملة بالمفرد من غير أن يكون هناك حرف مصدريّ ، وليس بشاذّ لاطّراده في بابه ، وهنا في باب التسوية أوّلت الجملة بالمفرد تأويلا مطّردا بدون أداة ، فلم يعد شاذّا ، قاله الدمامينيّ في التحفة ، وأفهم كلامه أنّ الشذوذ ينافي الفصاحة وكثرة الاستعمال ، وهو ممنوع.

تنبيهات : الأوّل : أجيز في سواء الآية المذكورة كونها خبرا عمّا قبلها ، أو عمّا بعدها ، أو مبتدأ ، وما بعدها فاعل على الأوّل ، ومبتدأ على الثاني ، وخبر على الثالث. قال في المغني : وأبطل ابن عمرون الأوّل بأنّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ، والثاني بأنّ المبتدأ المشتمل على الاستفهام واجب التقديم ، فيقال له : وكذا الخبر ، فإن أجاب بأنّه مثل زيد أين هو ، منعناه ، وقلنا : بل مثل كيف زيد ، لأنّ (أَأَنْذَرْتَهُمْ) إن لم يقدّر

__________________

(١) تقدّم في ص ٧٧٥.

٨٠٩

بالمفرد لم يكن خبرا لعدم تحمّله ضمير سواء ، وأمّا شبهته فجوابها أنّ الاستفهام هنا ليس على حقيقته ، فلا يجب التقديم. فإن أجاب بأنّه كذلك في نحو : علمت أزيد قائم ، وقد أبقي عليه استحقاق الصدريّة بدليل التعليق ، قلنا : بل الاستفهام مراد هنا ، إذ المعنى علمت ما يجاب به قول المستفهم : أزيد قائم ، وأمّا في الآية ونحوها فلا استفهام ألبتة ، لا من قبل المتكلّم ولا غيره.

الثاني : ربّما توهّم أنّ المراد بهمزة التسوية هي الواقعة بعد كلمة سواء بخصوصها ، بتخيّل أنّ التسوية مأخوذة من كلمة سواء ، وليس كذلك ، بل كما يقع بعدها ، يقع بعد ما أبالى وما أدري وليت شعري ونحوهنّ ، نحو : ما أبالى أقمت أم قعدت ، وما أدري أرحت أم غدوت ، وليت شعري أسافر زيد أم أقام ، فإنّ هذه الجمل كلّها في محلّ المصدر ، وهو الضابط.

الثالث : قضية كلام المصنّف أنّ الهمزة موضوعة لمعنى التسوية ، فتكون قسما برأسها غير همزة الاستفهام. وقال ابن هشام في المغني : قد تخرج الهمزة من الاستفهام الحقيقيّ ، فترد لمعان ، وعدّ منها التسوية ، وهذا يقتضي أنّ استعمالها في التسوية في غير ما وضعت له ، فتكون من قبيل المجاز ، وهو الأولى.

والرابع [من وجوه الهمزة] : أن تكون «للاستفهام» ، وحقيقته طلب المتكلّم من مخاطبه أن يحصل في ذهنه ما لم يكن حاصلا عنده ممّا سأله عنه. قال بعضهم : ينبغي أن يكون المطلوب أن يحصل ذلك في ذهن أعمّ من ذهن المتكلّم وغيره ، كما أنّ الاستغفار الّذي هو طلب المغفرة ، وهو الستر ، أعمّ من أن يكون المطلوب له هو المتكلّم أو غيره ، ويكون الاستفهام لغيرك أن يتكلّم المجيب بالجواب فيسمعه من جهل فيستفيده ، وردّه ابن هشام بأنّه لو صحّ ذلك لم يطلق العلماء على أنّ ما ورد منه في كلامه سبحانه مصروف إلى معنى آخر غير الاستفهام ، ولو كان كما ذكر لم يستحلّ حمله على الظاهر ، ويكون المراد منه أن يجيب بعض المخاطبين ، فيفهم الجواب من لم يكن عالما به ، انتهى.

واستحالة حمله على الظاهر محلّ بحث ، فقد قال الشيخ بهاء الدين السبكيّ (١) : قولهم الاستفهام لا يكون منه تعالى على حقيقته ليس على إطلاقه ، وإنّما يستحيل إذا كان مصروفا إلى المتكلّم بالكلام الاستفهاميّ ، وأمّا إذا كان مصروفا إلى غيره ممّن يطلب

__________________

(١) أحمد بن على العلّامة بهاء الدين ولد سنة ٧١٩ ه‍ ، أخذ العلم عن أبيه والأصبهاني وأبي حيان ، وكانت له اليد الطولي في اللسان العربيّ والمعاني والبيان ، صنف : عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح ، وشرح مطوّل على مختصر ابن الحاجب. بغية الوعاة ١ / ٣٤٢.

٨١٠

فهمه فلا يستحيل كما في قوله تعالى : (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ) [المائدة / ١١٦] ، فهو استفهام حقيقيّ ، طلب به إقرار عيسى (ع) في ذلك المشهد العظيم بأنّه لم يقل ، ليحصل فهم النصارى ذلك ، فيتقرّر عندهم كذبهم فيما ادّعوه ، انتهى ، فتأمّل.

ويرادف الاستفهام الاستخبار ، وقيل : الاستخبار ما سبق أوّلا ، ولم يفهم حقّ الفهم ، فإذا سئلت عنه ثانيا كان استفهاما ، حكاه ابن فارس (١) في فقه اللغة ، والهمزة أصل أدواته ، وما عداها نائب عنها ، قاله ابن مالك في المصباح.

فيطلب «بها» أي الهمزة «التصور» أي إدراك غير النسبة ، و «التصديق» أي إدارك وقوع النسبة ، وهو التصديق الإيجابيّ ، أولا وقوعها ، وهو التصديق السلبيّ ، فطلب تصوّر المسند إليه ، «نحو : أزيد في الدار أم عمرو ، وأدبس (٢) في الإناء أم عسل ، فإنّك عالم بكون شخص في الدار وشيء في الإناء ، وإنّما تطلب تعيينه ، وطلب تصوّر المسند نحو : أفي الدار زيد أم في السوق ، وأ في الخابية (٣) دبسك أم في الزّق (٤) ، فإنّك تعلم بأنّ زيدا محكوم عليه بالكينونة في الدار أو في السوق ، وأنّ الدبس محكوم عليه بالكينونة في الخابية أو الزّق ، وإنّما المطلوب تعيين ذلك.

هذا قول الجمهور ، وقال السّيّد الشريف : القول بأنّ الهمزة في مثل قولك : أدبس في الأناء أم عسل؟ لطلب تصوّر المسند إليه أو المسند أو غيرهما مبنيّ على الظاهر توسّعا ، والتحقيق أنّها لطلب التصديق أيضا ، فإنّ السائل قد تصوّر الدبس والعسل بوجه ، وبعد الجواب لم يزد له في تصوّرهما شيء أصلا ، بل بقي تصوّرهما على ما كان ، فإن قيل :

التصديق حاصل له حال السؤال ، فكيف يطلب؟ أجيب بأنّ الحاصل هو التصديق بأنّ أحدهما لا بعينه في الإناء ، والمطلوب بالسؤال هو التصديق (٥) بأنّ أحدهما بعينه فيه ، وهذان التصديقان مختلفان بلا اشتباه ، إلا أنّه لمّا كان الاختلاف بينهما باعتبار تعيّن المسند إليه في أحدهما وعدم تعيّنه في الآخر ، وكان أصل التصديق حاصلا ، توسّعوا ، فحكموا بأنّ التصديق حاصل ، وأنّ المطلوب هو تصوّر المسند إليه أو المسند قيد من قيوده ، انتهى.

وطلب التصديق نحو : أقام زيد؟ وأ زيد قائم؟ فإنّك عالم بأنّ بينهما نسبة إمّا بالإيجاب أو السلب وتطلب تعيينهما ، ولعلّ المصنّف إنّما لم يمثّل للتصديق نظرا إلى ذلك التحقيق ، فتأمّل.

__________________

(١) أحمد بن فارس من أئمة اللغة والأدب ، من تصانيفه «مقاييس اللغة» «المحمل» «الصاحبي في فقه اللغة» له شعر حسن ، مات سنة ٣٩٥ ه‍ ، الأعلام للرزكلي ١ / ١٨٤.

(٢) الدبس : عسل التمر.

(٣) الخابية : وعاء الماء الّذي يحفظ فيه (ج) الخوابي.

(٤) الزق : وعاء من جلد يجز شعره ولا ينتف للشراب وغيره (ج) أزقاق.

(٥) سقطت «المطلوب بالسؤال هو التصديق» في «ح».

٨١١

ومن العجيب ما وقع هنا لبعض المعاصرين من طلبة العجم من فهمه ، أنّ المثال الأوّل في كلام المصنّف للتصوّر والثاني للتصديق على طريقة اللف والنشر المرتّب وشرح كلامه بالفارسيّة على ذلك ، وهو وهم فاحش ، فاحذره.

تنبيه : المستفهم عنه بالهمزة هو ما يليها كالفعل في أضربت زيدا؟ إذا كان الشكّ في نفس الفعل ، أعني الضرب الصادر من المخاطب الواقع على زيد ، وأردت بالاستفهام أن تعلم وجوده ، فيكون لطلب التصديق ، ويحتمل أن يكون لطلب تصوّر المسند بأن يعلم أنّه قد تعلّق فعل من المخاطب بزيد ، لكن لا تعرف أنّه ضرب أو إكرام ، وكالفاعل في أأنت ضربت؟ إذا كان الشكّ في الضارب ، وكالمفعول في أزيدا ضربت؟ إذا كان الشكّ في المضروب ، وكذا قياس سائر المتعلّقات ، قاله التفتازانيّ في مختصر المطوّل بخلاف هل لاختصاصها بطلب التصديق فقط نحو : هل قام زيد؟ وهل زيد قائم؟ وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله. وبقية الأدوات مختصّة بطلب التصور ، نحو : من جاءك؟ وما صنعت؟ وكم مالك؟ وأين بيتك؟ ومتى سفرك؟ وكيف جئت؟

أن

ص : أن بالفتح والتّخفيف ، ترد اسميّة وحرفيّة : فالاسميّة : هي ضمير المخاطب ، كأنت ، وأنتما ، إذ ما بعدها حرف الخطاب اتّفاقا. والحرفيّة : ترد ناصبة للمضارع ، ومخفّفة من المثقّلة ، ومفسّرة ، وشرطها التوسّط بين جملتين ، أوّلهما بمعنى القول وعدم دخول جارّ عليها ، وزائدة ، وتقع غالبا بعد لمّا وبين القسم ولو.

ش : الثانية : «أن بالفتح والتخفيف» ، أي بفتح الهمزة وتخفيف النون ، ترد على وجهين «اسميّة وحرفيّة».

«فالاسميّة هي ضمير المخاطب كأنت وأنتما» أنتم وأنتنّ «إذا ما بعدها» وهو التاء «حرف خطاب اتّفاقا» ، يفتح في المذكّر ، ويكسر في المؤنّث ، ويوصل بميم في الجمع المذكّر ، وبميم وألف في المثنّى ، وبنون في جمع الإناث ، وتضمّ التاء في الثلاثة إجراء للميم مجرى الواو لقربهما مخرجا ، وليس نقل الاتّفاق على ذلك بصحيح ، بل هو مذهب الجمهور. وقال الفرّاء : إنّ أنت بكماله اسم ، والتاء من نفس الكلمة.

قال بعضهم : إنّ الضمير المرفوع هو التاء المتصرّفة كانت مرفوعة متّصلة ، فلمّا أرادوا انفصالها دعموها بمستقلّ لفظا ، كما هو مذهب بعض الكوفيّين وابن كيسان في إيّاك و

٨١٢

أخواتها ، وهو أنّ الكاف المتصرّفة كانت متّصلة ، فأرادوا استقلالها لفظا لتصير منفصلة ، فجعلوا إيّا عمادا لها ، قال الرضيّ : ما أرى هذا القول بعيدا من الصواب (١) في الموضعين.

قال بعض المتقدّمين : إنّ أنا مركّب من ألف أقوم ونون نقوم ، وأنت مركّب من ألف أقوم ونون نقوم وتاء تقوم ، ووهاه أبو حيّان ، والعجب من المصنّف كيف ينقل الوفاق هنا ، وأكثر كتب القوم ناطقة بالخلاف ، وقد سبقه على نقله صاحب الوافي أيضا ، واعترضه الدمامينيّ في شرحه بما ذكرناه ، ثمّ قال فإن قلت : لعلّ مراده اتّفاق البصريّين ، كما حمل عليه صاحب العباب عبارة اللباب حيث قيل في : وكذا اللواحق بإيّا إجماعا ، فقال : المراد إجماع البصريّين ، قلت : هذا لا يدفع الاعتراض ، فإنّ ابن كيسان من البصريّين ، وهو قائل بأنّ التاء في أنت هي الاسم ، وهي الّتي في نحو : قمت ، ولكنّها كثرت بأن نقله جماعة من الثقات عنه ، فلا إجماع من الكلّ ولا من البصريّين.

تنبيه : قضية اقتصار المصنّف على أنّ الاسميّة ضمير المخاطب أنّها لا تكون ضمير المتكلّم فيكون اختياره في أنا أنّ الضمير هو المجموع ، وهو مذهب الكوفيّين ، واختاره ابن مالك بدليل إثبات الألف وصلا في لغة ، ومذهب البصريّين أنّ الضمير إنّما هو أن تفتح وصلا ، ويؤتي بالألف وقفا لبيان الحركة كهاء السكت ، ولذلك تعاقبها كقول حاتم : هذا فزدي أنه ، وليست الألف من الضمير ، وقال الكوفيّون : الهاء في أنه بدل من الألف ، وحكي قطرب أنّ بعض العرب يقول : أن فعلت ، بسكون النون وصلا ووقفا ، أي أنا فعلت.

والحرفيّة ترد على أربعة أوجه :

أحدها : أن تكون ناصبة للمضارع ، وقد مرّ ذكرها في الحديقة الثالثة فيما يتعلّق بالأفعال.

الثاني : أن تكون مخفّفة من أنّ المثقّلة ، أي المفتوحة الهمزة المشدّدة النون ، فتقع بعد فعل لليقين ، أو ما نزّل مترلته من الظنّ بتأويل أن يكون غالبا متاخما للعلم ، انذارا من أوّل الأمر بأنّها ليست الناصبة للمضارع ، لأنّ إلى قين وما نزّل مترلته بالمخفّفة الّتي فائدتها التحقيق أنسب ، نحو : (أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً) [طه / ٨٩] ، (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى ،) [المزمل / ٢٠] ، (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ ،) [المائدة / ٧١] فيمن رفع تكون ، وقوله [من الكامل] :

٩١٢ ـ زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا

أبشر بطول سلامة يا مربع (٢)

__________________

(١) سقط من الصواب في «ح».

(٢) هو لجرير بن عطيّة.

٨١٣

وهي ثلاثية الوضع ، وفي إعمالها مذاهب :

أحدها : أنّها لا تعمل شيئا لا في ظاهر ولا في مضمر ، وتكون حرفا مصدريّا مهملا كسائر الحروف المصدريّة ، وعليه سيبويه والكوفيّون.

الثاني : أنّها تعمل في المضمر وفي الظاهر كأصلها ، نحو : علمت أنّ زيدا قائم ، وقرئ (أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها) [النور / ٩].

الثالث : أنّها تعمل جوازا في مضمر لا ظاهر ، وعليه الجمهور ، قال ابن مالك : فإن قيل : ما الّذي دعا إلى تقدير اسم لها محذوف وجعل الجملة بعدها في موضع خبرها ، وهلّا قيل : إنّها ملغاة ، ولم يتكلّف الحذف ، فالجواب أنّ سبب عملها الاختصاص بالاسم ، فمادام الاختصاص ينبغي أن يعتقد أنّها عاملة وكون العرب تستقبح وقوع الأفعال بعدها إلا بفصل ، انتهى.

وقد تقدّم لإعمالها تعليل آخر غير هذا في بحث المضمرات ، ثمّ الجمهور على أنّه يلزم أن يكون ذلك الضمير المحذوف ضمير شأن ، واختاره ابن الحاجب وابن هشام في القطر ، والأصحّ عدم لزوم ذلك ، وهو مذهب سيبويه وجماعة ، واختاره ابن مالك ، فمتى أمكن عوده إلى حاضر أو غائب معلوم كان أولي ، ولذا قدّر سيبويه في : (أَنْ يا إِبْراهِيمُ* قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا) [الصافات / ١٠٥ و ١٠٤] أنّك ، ولا يكون خبرها ، إلا جملة ، إمّا اسميّة مجرّدة صدرها المبتدأ ، نحو : (وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) [يونس / ١٠] ، أو الخبر كقوله [من البسيط] :

٩١٣ ـ ...

أن هالك كلّ من يحفي وينتعل (١)

أو مقرونة بلا نحو : (وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) [هود / ١٤] ، أو بأداة شرط نحو : (أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ) [النساء / ١٤٠] أو بربّ كقوله [من الطويل] :

٩١٤ ـ تيقّنت أن ربّ امريء خيل خائنا

أمين وخوّان يخال أمينا (٢)

أو فعلية ، فإن كان فعلها جامدا أو دعاء لم يحتج إلى اقتران بشيء ، نحو : (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) [النجم / ٣٩] ، (وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها) [النور / ٩] ، وإن كان متصرّفا غير دعاء قرن غالبا بنفي ، نحو : (أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً) [طه / ٨٩] ، (أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ) [القيامة / ٣] ، (أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ) [البلد / ٧] ، وبلو نحو :

__________________

(١) صدره : «في فتية كسيوف الهند قد علموا» ، وهو للأعشى. اللغة : الفتية : جمع الفتى ، يحفي : يمشي بلا نعل ، ينتعل : يلبس النعل.

(٢) لم يذكر قائله.

٨١٤

(أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ) [الأعراف / ١٠٠] أو بقد ، نحو : (وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا) [المائدة / ١١٣].

أو بحرف تنفيس ، نحو : (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ) [المزمل / ٢٠] ، وندر خلوّها من جميع ما ذكر كقوله [من الخفيف] :

٩١٥ ـ علموا أن يومّلون فجادوا

قبل أن يسألوا بأعظم سؤل (١)

وخرج عليه قراءة (لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ) [البقرة / ٢٣٣] ، وقوله [من البسيط] :

٩١٦ ـ أن تقرآن على أسماء ويحكما

منّي السّلام وأن لا تشعرا أحدا (٢)

وربّما عملت في ظاهر كقوله [من الطويل] :

٩١٧ ـ فلو أنك في يوم الرّخاء سألتني

طلاقك لم أبخل وأنت صديق (٣)

وهو مختصّ بالضرورة على الأصحّ.

والثالث : أن يكون «مفسّرة» بمترلة أي ، لكن تفارقها في أنّها لا تدخل على مفرد ، لا يقال : مررت برجل أن صالح. قال في الهمع : وكأنّهم أبقوا عليها ما كان لها من الجملة ، وهي مع هذا غير مختصّة بالفعل ، بل تكون مفسّرة للجملة الاسميّة والفعلية ، نحو : كتبت إليه أن قم ، وأرسل إليه أن ما أنت وهذا ، «وشرطها التوسّط بين الجملتين أوّلهما بمعنى القول وعدم دخول جارّ عليها» ولو زائدا نحو قوله تعالى : (فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ) [المومنون / ٢٧] ، (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ) [الأعراف / ٤٣] ، وباشتراط التوسّط بين الجملتين غلط من جعل منها قوله تعالى : (وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) [يونس / ١٠] ، لأنّ المتقدّمة عليها غير جملة ، وإنّما هي المخفّفة من الثقلية وباشتراط كون أولها بمعنى القول ، وردّ أبو عبد الله الرازيّ على الزمخشريّ حيث زعم أن الّتي في قوله تعالى : (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي) [النحل / ٦٨] مفسّرة ، قال لأنّ قبله وأوحى ، والوحي هنا إلهام باتّفاق ، وليس في الإلهام معنى القول ، قال : وإنّما هي مصدريّة ، أي باتّخاذ الجبال بيوتا ، انتهى.

وتعقّبه ابن الصائغ بأنّ إلهام الله تعالى لعباده بقوله وأمره ، فلم يمتنع تفسيره بأن اتّخذي ، قال الشمنيّ : وفيه نظر ، أمّا أوّلا فلأنّ الإلهام مفسّر في الكتب الكلاميّة بإلقاء

__________________

(١) لم يعلم قائله. اللغة : السؤل : ما سألته.

(٢) لم يذكر قائله.

(٣) لم يعز إلى قائل معين. اللغة : صديق : يجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول فيكون تذكيره مع أنّ المراد به أنثي قياسا ، لأن فعيلا بمعنى المفعول يستوي فيه المذكر والمؤنّث والمفرد وغيره غالبا كجريح وقتيل ، ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى فاعل ، ويكون تذكيره مع المؤنّث جاريا على غير القياس. ابن عقيل ، شرح ابن عقيل ، المجلّد الأوّل ، الطبعة السادسة ، تهران ، ١٤١١ ه‍ ، ص ٣٨٤.

٨١٥

مغني بالقلب بطريق الفيض ، نعم قال القشيريّ (١) : إنّه الخاطر الوارد على الضمير لألقاء الملك ، وإنّه من قبيل الملك ، وأمّا ثانيا فلأنّ الإلهام هنا لمن لا يفهم القول ولا الأمر ، وهو النحل ، انتهى.

وإذا قلت : كتبت إليه بأن افعل ، بادخال حرف الجرّ ، كانت أن مصدريّة ، لأنّها معمولة بحرف الجرّ ، وجعلها أبو حيّان زائدة ، وهو وهم منه ، فإنّ حروف الجرّ وإن كانت زائدة لا تدخل إلا على الاسم.

تنبيهات : الأوّل : زاد بعضهم اشتراط أن لا يكون في الجملة السابقة أحرف القول ، فلا يقال قلت له : أن افعل ، وفي شرح الجمل الصغير (٢) لابن عصفور أنّها قد تكون مفسّرة بعد صريح القول ، وفي البسيط اختلف في تفسير صريح القول ، فأجازه بعضهم ، وحمل عليه قوله تعالى : (ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ) [المائدة / ١١٧] ، ومنهم من يمنع من الصريح ، ويجيز في المضمر كقولك : كتبت إليه أن قم ، وذكر الزمخشريّ في قوله تعالى : (ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ)(٣). أنّه يجوز أن يكون مفسّرة لقول على تأويله بالأمر ، أي ما أمرتهم إلا بما أمرتني أن اعبدوا الله. قال ابن هشام : وهو حسن ، وعلى هذا فيقال في الضابط : أن لا يكون فيها حروف القول إلا والقول مؤوّل بغيره ، انتهى.

وقد انتقد أبو حيّان ، وصوّبه غيره تخريج الآية على التفسيريّة بأنّ ما بعد إلا مستثنى بها ، فلا بدّ أن يكون له موضع من الإعراب ، وأن التفسيريّة لا موضع لها.

الثاني : إذا ولي أن الصالحة للتفسير مضارع مثبت ، نحو : أوحيت إليه أن يفعل ، كان فيه الرفع على أنّها حرف تفسير ، والنصب على أنّها مصدريّة أو معه لا ، نحو : أشرت إليه أن لا يفعل ، كان فيه الوجهان لما ذكر ، والجزم أيضا على النهي ، ويكون أن فيه مفسّرة.

الثالث : أنكر الكوفيّون أن المفسّرة ، وهي عندهم الناصبة للفعل ، قال أبو حيّان : وليس ذلك بصحيح ، لأنّها غير مفتقرة إلى ما قبلها ، ولا يصحّ أن تكون المصدريّة إلا بتأويلات بعيدة ، انتهى.

__________________

(١) عبد الكريم بن هوازن النيسابوريّ القشيريّ ، شيخ خراسان في عصره ، من كتبه «التفسير الكبير» مات سنة ٤٦٥ ه‍. الأعلام للزركلي ، ٤ / ١٨٠.

(٢) الجمل في النحو للشيخ عبد القاهر الجرجانيّ المتوفي سنة ٤٧٤ ه‍ ، له شروح منها شروح ثلاثة لأبي الحسن على بن مؤمن بن عصفور النحويّ المتوفي سنة ه ٦٦٩. كشف الظنون ٢ / ٦٠٢.

(٣) سقطت الآية الشريفة في «ح».

٨١٦

قال ابن هشام : وقول الكوفيّين عندي أوجه ، لأنّك إذا قلت : كتبت إليه أن قم ، فليس قم نفس كتبت ، كما أنّ الذهب نفس العسجد في قولك : هذا عسجد أي ذهب ، ولهذا لو جئت بأن مكان أي لوجدت الطبع غير قابل له ، انتهى.

واعترضه الدمامينيّ بأنّه فهم أنّ الجماعة أرادوا أنّ قم في المثال المذكور تفسير لكتبت نفسه ، فأبطله بتغايرهما ، وليس الأمر كما فهم ، إنّما التفسير لمتعلّق كتبت ، وهو الشيء المكتوب ، وقم هو نفس ذلك الشيء.

قال الرضيّ : وأن لا تفسّر إلا مفعولا مقدّر اللفظ دالّا على معنى القول كقوله تعالى : (وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ) [الصافات / ١٠٤] ، فقوله : يا إبراهيم تفسير لمفعول ناديناه المقدّر ، أي ناديناه بلفظ هو قولنا : يا ابراهيم (١) ، وكذلك قولك : كتبت إليه أن قم ، أي كتبت إليه شيئا هو قم ، فأن حرف دالّ على أنّ قم تفسير للمفعول المقدّر لكتبت ، وقد يفسّر المفعول به الظاهر كقوله تعالى : (أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى * أَنِ اقْذِفِيهِ) [طه / ٣٩ و ٣٨] ، وأجاب عنه الشمنيّ بما يطول ذكره.

«و» الرابع : أن تكون «زائدة» ، وهي حرف ثنائيّ بسيط مركّب من الهمزة والنون فقط ، وذهب بعضهم إلى أنّها هي المثقّلة خفّفت ، فصارت مؤكّدة ، قال أبو حيّان : ولا تفيد عندنا غير التأكيد ، وزعم الزمخشريّ أنّه ينجرّ مع إفادة التوكيد معنى آخر ، فقال في قوله تعالى : (وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ) [العنكبوت / ٣٣] ، دخلت أن في هذه القصّة ، ولم تدخل في قصّة إبراهيم في قوله : (وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً) [هود / ٦٩] ، تنبيها وتاكيدا في أنّ الإساءة كانت تعقب المجيء ، فهي مؤكّدة للاتصال واللزوم ، ولا كذلك في قصة إبراهيم ، إذ ليس الجواب فيه كالأوّل.

وقال الأستاذ أبو علي : دخلت منبّهة على السبب ، وأنّ الإساءة كانت لأجل المجيء ، لأنّها قد تكون للسبب في قولك : جئت أن تعطي ، أي للاعطاء ، قال أبو حيّان : وهذا الّذي ذهب إليه كبراء النّحويّين.

و «تقع» أن الزائدة «غالبا بعد لمّا» الوجوديّة ، نحو : (فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ) [يوسف / ٩٦] ، وبين لو وفعل القسم مذكورا كان كقوله [من الطويل] :

٩١٨ ـ فأقسم أن لو التقينا وأنتم

لكان لكم يوم من الشّر مظلم (٢)

أو متروكا كقوله [من الوافر] :

٩١٩ ـ أمّا والله أن لو كنت حرّا

وما بالحرّ أنت ولا العتيق (٣)

_________________

(١) من الآية حتّى هنا سقط في «ح».

(٢) تقدم برقم ٩٠٢.

(١) من الآية حتّى هنا سقط في «ح».

٨١٧

وزعم ابن عصفور في المقرّب أنّها في ذلك حرف يربط جملة القسم بجملة المقسم عليه ، والّذي نصّ عليه سيبويه أنّها زائدة ، ونصّ في موضع آخر من الكتاب على أنّها بمترلة القسم الموطّئة ، وقال أبو حيّان : الّذي أذهب إليه في أن هذه غير هذه المذاهب الثلاثة ، وهو إنّها المخفّفة من الثقيلة ، وهي الّتي وصلت بلو كقوله تعالى : (أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا) [الجن / ١٦] ، وتقديره أنّه إذا قيل : أقسم أن لو كان كذا لكان كذا ، فمعناه أقسم أنّه لو كان كذا لكان كذا ، ويكون الفعل القسميّ قد وصل إليها على إسقاط حرف الجرّ ، أي أقسم على أنّه لو كان ، فصلاحيّة أن المشدّدة تدلّ على أنّها مخفّفة ، انتهى.

وتقع في غير الغالب في مواضع :

أحدها : بين الكاف ومجرورها ، وهو نادر كقوله [من الطويل] :

٩٢٠ ـ ...

كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم (١)

في رواية من جرّ ظبية.

الثانى : بعد إذا ، ذكره ابن مالك في شرح العمدة دون سائر كتبه ، وتبعه ابن هشام في المغني ، والسيوطي في الهمع ، كقوله [من الطويل] :

٩٢١ ـ فأمهله حتّى إذا أن كأنّه

معاطي يد من لجّة الماء غارف (٢)

الثالث : بعد حتّى نحو : قد كان ذلك حتّى أن كان كذا ، جزم به أبو حيّان في الإرتشاف ، وقال : إنّه مطّرد ، ولم يذكره غيره.

الرابع : بعد كي ، نحو : جئت لكي أن أكرمك ، وهو شاذّ ، وقاسه الكوفيّون.

تنبيه : معنى كون اللفظ زائدا أنّ أصل المعنى لا يختلّ بحذفه كذا قيل ، قال بعضهم : وهذا البيان يوجب كون نحو أن ولام الابتداء زائدا ، ولذا لم يكتف به الرضيّ ، وزاد مع أنّه لم يفد المعنى الّذي وضعه الواضع له ، فكأنّه لم يفد شيئا بخلاف أن واللام وألفاظ التوكيد أسماء كانت أو لا ، فإنّها باقية على ما وضعت له ، ويفهم من كلامه هذا أنّ المعنى الّذي تفهمه الحروف الزوائد من عوارض الاستعمال.

__________________

(٢) صدره «ويوما توافينا بوجه مقسّم» ، ونسب لباغت بن صريم ولكعب بن أرقم و... اللغه : توافينا : تجيئنا. بوجه مقسم : بوجه جميل حسن. وارق السلم : شجر السلم المورق.

(٣) هو لأوس بن حجر ، يصف بها رجلا بالإصطياد. اللغة : المعاطي : اسم فاعل من المعاطاة بمعنى المناولة ، اللجة : معظم البحر وتردد أمواجه.

٨١٨

إن

ص : وإن بالكسر والتخفيف ، ترد شرطيّة نافية ، نحو : (إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ) ومخفّفة من المثقّلة ، نحو : (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ) في قراءة التخفيف ومتى اجتمعت «ان» و «ما» فالمتأخّرة منهما زائدة.

ش : الثالثة إن بالكسر والتخفيف ، أي بكسر الهمزة وتخفيف النون الساكنة ترد على أربعة أوجه :

أحدها : أن تكون شرطيّة ، قدّم الكلام عليها في حديقة الأفعال ، فلا وجه لأعادته.

والثانية : أن تكون نافية ، وتدخل على الجملة الاسميّة ، نحو قوله تعالى : (إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ) [الملك / ٢٠] ، وعلى الجملة الفعلية الماضويّة ، نحو : (إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى) [التوبة / ١٠٧] ، والمضارعيّة ، نحو : (إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً) [الفاطر / ٤٠] ، وذهب بعضهم إلى أنّها إذا دخلت على الاسم فلا بدّ أن يكون بعدها إلا كهذه الآيات ، أو لمّا المشدّدة الّتي بمعناها كقراءة بعض السبعة : (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ) [الطارق / ٤] ، بتشديد لمّا ، أي ما كلّ نفس إلا عليها حافظ ، وردّ بقوله تعالى : (إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا) [يونس / ٦٨] ، (وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ) [الأنبياء / ١٠٩] ، (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) [الأنبياء / ١١١].

وإعمالها عمل ليس لغة أهل العالية ، حكي عنهم : إن أحد خيرا من أحد إلا بالعافية ، وسمع الكسائيّ أعرابيّا ، يقول : إن قائما ، فأنكرها عليه ، وظنّ أنّها أنّ المشدّدة وقعت على قائم ، قال : فاستنبئته ، فإذا هو يريد : إن أنا قائما فترك الهمزة ، وأدغم على حدّ : (لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي) [الكهف / ٣٨] ، والأكثرون على إهمالها ، وقد تقدّم نقل الخلاف في ذلك. قال ابن هشام : وممّا يخرج على الإهمال : إن قائم ، وأصله إن أنا قائم ، فحذفت همزة أنا اعتباطا ، وأدغمت نون إن في نونها ، وحذفت ألفها في الوصل.

«و» الثالث : أن يكون «مخفّفة من» أنّ «المثقّلة» ، أي المكسورة الهمزة المشدّدة النون ، فتدخل على الجملتين ، فإن دخلت على الاسميّة ألغيت غالبا لزوال اختصاصها بالأسماء ، نحو قوله تعالى : (إِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ) [يس / ٣٢] ، في قراءة التخفيف ، أي في قراءة من خفّف لما ، وهم من عدا ابن وعامر عاصم وحمزة.

وجاز إعمالها في غير الضمير استصحابا للأصل خلافا للكوفيّين ، نحو : (وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) [هود / ١١١] ، في قراءة نافع وابن كثير بتخفيف إن ولما ، ولا يجوز أنّك قائم بالتخفيف إلا في الضرورة ، وإن دخلت على الفعلية وجب إهمالها ، والأكثر كون الفعل ماضيا ناسخا ، نحو : (وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً) [البقرة / ١٤٣] ، (وَإِنْ كادُوا

٨١٩

لَيَفْتِنُونَكَ) [الإسراء / ٧٣] ، ودونه أن يكون مضارعا ناسخا ، نحو : (وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [القلم / ٥١] ، ويقاس على النوعين اجماعا ، وقول ابن مالك : إنّ الثاني سماع لا يقاس عليه ، قال أبو حيّان : ليس بصحيح ، ولا أعلم له موافقا ، وندر كونه ماضيا غير ناسخ كقوله : [من الكامل] :

٩٢٢ ـ شلّت يمينك إن قتلت لمسلما

حلّت عليك عقوبة المتعمّد (١)

وأندر منه كونه مضارعا غير ناسخ كقول بعضهم : إن يزينك لنفسك ، وإن يشينك لهيه ، ولا يقاس على النوعين إجماعا في الثاني ، وعلى الصحيح في الأوّل خلافا للأخفش ، وإذا أهملت ولم يظهر المعنى لزم الخبر اللام ، لئلا يتوهّم كونها نافية ، ولذلك تسمّى الفارقة ، وهل هي لام الابتداء أو لام أخري اجتلبت للفرق؟ خلاف ، قال أبو حيّان : وثمرة الخلاف تظهر عند دخول علمت أخواتها ، فإن كانت للفرق لم تعلّق ، وإن كانت لام الابتداء علّقت ، ويجب تركها في موضع لا يصلح للنفي كقوله [من الطويل] :

٩٢٣ ـ نحن أباة الضيم من آل مالك

وإن مالك كانت كرام المعادن (٢)

لأنّه للمدح ، ولو كانت نافية كان هجوا. ومع نفي الخبر كقوله [من الطويل] :

٩٢٤ ـ إن الحقّ لا يخفي على ذي بصيرة

وإن هو لم يعدم خلاف معاند (٣)

وكذا مع نفي خبر الناسخ الداخلة عليه ، نحو : إن كان زيد لم يقم ، ومنه قول معتمد بن عباد (٤) [من الرجز] :

٩٢٥ ـ أهلا بكم صبحتكم نحوي الديم

إن كان لم يحتج لي بكم حلم (٥)

وقد خفي إعراب هذا البيت على بعض الفضلاء من المعاصرين ، فتوهّم أنّ إن فيه شرطيّة ، واستشكل بمعناه ، وتحيّر في تقدير جواب الشرط ، حتّى نبّهته على أن إن هذه هي المخفّفة من الثقيلة لا شرطيّة.

الرابع : أن تكون زائدة ، وأكثر ما تزاد بعد ما ، إذا دخلت على جملة فعلية كقوله [من البسيط] :

__________________

(١) هو لعاتكة بنت زيد. اللغة : شلّت : أصيبت بالشلل ، ويبست فبطلت حركتها أو ضعفت ، حلّت : نزلت.

(٢) هو للطرماح. و «نحن أباة الضيم» ، يروى في مكانه «أنا ابن اباة الضيم» اللغة : أباة : جمع آب اسم فاعل من أبى يأبي ، أي امتنع ، الضيم : الظلم ، كرام المعادن : طيبة الأصول ، شريفة المحتد.

(٣) لم يسمّ قائله. اللغة : المعاند : المعارض.

(٤) المعتمد بن عباد ولد سنة ٤١٣ ه‍ ، وتوفّي سنة ٤٨٨ ه‍ ، كان ثالث سلاطين بن عبّاد في إشبيلية ، كان شاعرا وكاتبا مترسّلا ، له ديوان شعر ، شعره إخلاص عاطفة وصدق تجربة. حنا الفاخوري ، الجامع في تاريخ الأدب العربي ١ / ٩٦٦.

(٥) اللغة. الديم : جمع الديمة : المطر يطول زمانه في سكون.

٨٢٠

٩٢٦ ـ ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه

إذا فلا رفعت سوطي إلى يدي (١)

أو اسميّة كقوله [من الوافر] :

٩٢٧ ـ وما إن طبّنا جبن ولكن

منايانا ودولة آخرينا (٢)

وهذه الحالة تكفّ عمل ما الحجازيّة كما في البيت ، وقد تزاد بعد ما الموصولة الاسميّة كقوله [من الوافر] :

٩٢٨ ـ يرجّي المرء ما إن لا يراه

وتعرض دون أبعده الخطوب (٣)

وبعد ما المصدريّة كقوله [من الطويل] :

٩٢٩ ـ ورجّ الفتي للخير ما إن رأيته

على السنّ خيرا لا يزال يزيد (٤)

بعد ألا الاستفتاحيّة كقوله [من الطويل] :

٩٣٠ ـ ألا إن سرى ليلى فبتّ كئيبا

أحاذر أن تنأى النّوى بغضوبا (٥)

وأشار المصنّف إلى هذا الوجه من وجوه إن ، وهو ورودها زائدة بضابط حسن ، وهو قوله : «ومتى اجتمعت إن وما» الحرفيّة «فالمتأخّرة منهما زائدة» فإن في نحو قوله [من البسيط] :

٩٣١ ـ ما إن أتيت بشيء ...

 ... (٦)

هي الزائدة ، وما نافية ، وما في نحو قوله تعالى : (وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ) [الأنفال / ٥٨] ، (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ) [الأعراف / ٢٠٠] هي الزائدة ، وإن شرطيّة ، وسيأتي الكلام على ما الزائدة مستوفيا في محلّه إن شاء الله تعالى.

أنّ

ص : أنّ بالفتح والتّشديد حرف تأكيد ، وتؤوّل مع معموليها بمصدر من لفظ خبرها إن كان مشتقّا ، وبالكون إن كان جامدا ، نحو : بلغني أنّك منطلق ، وأنّ هذا زيد.

__________________

(١) هو للنابغة الذبياني. اللغة : السوط : ما يضرب من الجلد.

(٢) هو لفروة بن مسبك أو لعمرو بن قعاس وينسب للكميت. اللغة : الطب : العادة.

(٣) هو لجابر بن رألان. اللغة : دون أدناه : أقربها عنده حصولا ، الخطوب : جمع خطب : الأمر الشديد.

(٤) هو للمعلوط القريعي. اللغة : رجّ : أمر من باب التفعيل من الرجاء ، وهو ضد اليأس ، السن : العمر.

(٥) لم يسمّ قائله. اللغة : سري : سار ، بتّ : متكلم من البيتوتة ، الكئيب : الحزن والغم ، تنأى : تبعد ، النوي : الجهة الّتي ينوي بها المسافر من قرب أو بعد ، غضوب : اسم حبيبة الشاعر.

(٦) تقدّم برقم ٩٢٦.

٨٢١

ش : الرابعة «أنّ بالفتح والتشديد» ، أي بفتح الهمزة وتشديد النون ، وهي «حرف تأكيد» ينصب الاسم ، ويرفع الخبر ، كما مرّ. واستشكل بعضهم إفادتها للتوكيد ، بأنّك لو صرّحت بالمصدر المنسبك منها لم يفد توكيدا ، قال ابن أمّ قاسم : وليس الاستشكال بشيء.

قال ابن هشام : والأصحّ أنّها فرع عن إنّ المكسورة ، ومن هنا صحّ للزمخشريّ أن يدّعي أنّ أنّما بالفتح يفيد الحصر كإنّما ، وقد اجتمعا في قوله تعالى : (قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) [الأنبياء / ١٠٨] ، فالأولى لقصر الصفة على الموصوف ، والثانية بالعكس.

قال الدمامينيّ : وفيه نظر ، إذ لا يلزم من كونها فرعا إفادتها للحصر من حيث إنّ الفرع لا يلزم مساواته للأصل في جميع أحكامه ، نعم الموجب للحصر في إنّما بالكسر عند القائل به قائم في أنّما بالفتح ، وأمّا إنّ السبب في جعل أنّما بالفتح للحصر كون المفتوحة فرعا عن المكسورة فوجه مخدوش ، كما مرّ ، انتهى.

وكونها فرع المكسورة هو مذهب سيبويه والفرّاء والمبرّد وابن السّراج ، وعليه الجمهور ، قيل : إنّها أصل المكسورة ، وقيل : هما أصلان ، وهو الظاهر من صنع المصنّف هنا وفيما تقدّم.

«وتؤوّل» أي تسبك وتفسّر «مع معموليها» ، وهو الاسم والخبر ، إذ الأصحّ أنّها موصول حرفيّ أيضا «بمصدر من لفظ خبرها ، إن كان الخبر مشتقّا ، وبالكون إن كان جامدا» فالأوّل نحو : بلغني أنّك منطلق ، التقدير بلغي انطلاقك ، ومنه : بلغني أنّك في الدار ، التقدير استقرارك في الدار ، لأنّ الخبر في الحقيقة هو المحذوف من استقرّ ومستقرّ ، «و» الثاني نحو : بلغني «أنّ هذا زيد» تقديره : بلغني كونه زيدا ، لأنّ كلّ خبر جامد يصحّ نسبته إلى المخبر عنه بلفظ الكون ، تقول : هذا زيد ، وإن شيءت قلت : هذا كائن زيدا ، ومعناهما واحد ، قاله ابن هشام وغيره.

وقدّره الرضىّ بقولك : بلغني زيديّته ، فإنّ ياء النسبة إذا لحقت آخر الاسم وبعدها التاء أفادت معنى المصدر ، نحو : الفرسيّة والضاربيّة والمضروبيّة ، ثمّ هذا التأويل إذا كان ما يؤوّل مثبتا ، فإن كان منفيّا أتيت بلفظ عدم بدل أداة النفي ، وأضفته إلى المصدر الّذي تقدّره ، فتقول في نحو : بلغني أنّك لم تنطلق : بلغني عدم انطلاقك ، وفي نحو : بلغني أنّ هذا ليس زيدا ، بلغني عدم كونه زيدا أو عدم زيديّته.

وزعم السهيليّ أنّ الّذي يؤوّل بالمصدر إنّما هو أن الناصبة للفعل ، لأنّها أبدا مع الفعل المتصرّف ، وأنّ المشدّدة أنّما تؤوّل بالحديث ، فإذا قلت : بلغني أنّ زيدا قائم ،

٨٢٢

فالمعنى بلغني هذا الحديث : قال : وهو قول سيبويه ، ويؤيّده أنّ خبرها قد يكون اسما محضا ، نحو : علمت أنّ الليث الأسد ، وهذا لا يشعر بالمصدر ، انتهى. وقد مضي أنّ هذا يقدّر بالكون ، فلا تخرج بذلك عن المصدريّة ، ولك تقديره بالأسديّة ، كما قاله الرضيّ ، فيفيد معنى المصدريّة.

إنّ

ص : إنّ بالكسر والتشديد ترد حرف تأكيد ، تنصب الاسم ، وترفع الخبر ، ونصبهما لغة ، وقد تنصب ضمير شأن مقدّر ، فالجملة خبرها ، وحرف جواب كنعم ، وعدّ المبرّد من ذلك قوله تعالى : (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ ،) وردّ بامتناع اللّام في خبر المبتدإ.

ش : الخامسة «أنّ بالكسر والتشديد» أي بكسر الهمزة وتشديد النون ترد على وجهين :

أحدهما : أن تكون «حرف تأكيد» وإفادتها للتأكيد بدليل تلقّي القسم بها ، «تنصب الاسم وترفع الخبر» ، كما مرّ في الحديقة الثانية فيما يتعلّق بالأسماء ، «ونصبهما» أي نصبها للاسم والخبر «لغة» لبعض العرب كقوله [من الطويل] :

٩٣٢ ـ إذا اسودّ جنح الليل فلتأت ولتكن

خطاك خفافا إنّ حرّاسنا أسدا (١)

وفي الحديث : إنّ قعر جهنم سبعين خريفا (٢). وهذه اللغة ليست مختصّة بأنّ عند من أثبتها ، بل جارية في جميع الحروف المشبّهة ، نعم خصّها الفرّاء بليت ، والجمهور على إنكارها مطلقا وتاويل شواهدها كما مرّ مستوفيا.

«وقد تنصب» أي إنّ «ضمير شأن» محذوف «مقدّر» ، فتكون «الجملة» بعدها خبرها ، كقوله (ع) : إن من أشدّ الناس عذابا يوم القيامة المصوّرون (٣). الأصل إنّه أي الشأن ، والجملة خبره ، وخرّجه الكسائيّ على زيادة من في اسم إنّ ، والبصريّون غير الأخفش يأبونه ، لأنّ الكلام إيجاب ، والمجرور معرفة على الأصحّ ، وهم يخالفون في الشقّين ، ويشترطون كون المجرور نكرة ، وكونه بعد نفي أو شبهه ، وصرّح جماعة بأنّ حذف هذا الضمير ضعيف.

__________________

(١) تقدّم برقم ١٤٣.

(٢) تقدّم في ص ٢٢٤.

(٣) تقدّم في ص ٢٢٨ و ٤٧٧.

٨٢٣

قال ابن الحاجب في شرح المفصّل : فلا يجوز في سعة الكلام إن زيد قائم ، لأنّه ضمير منصوب (١) ، فلا يجوز أن يستتر ، وليس الموضع موضع حذف فيحذف. وقد جاء في الشعر محذوفا لا مستترا ، لأنّ الحرف لا يستتر فيه ، وفرق بين المحذوف والمستتر ، انتهى.

وإنّما قال : وليس الموضع موضع حذف لما مرّ من أنّه لا دليل عليه ولعدم ملائمته الاختصار ، إذ المقصود من الكلام المصدّر به التعظيم والتفخيم ، فلو حذف فات المقصود منه ، وخالف الأكثر فأجازوا حذفه في السعة من غير ضعف.

قال الرضيّ (ره) : وإنّما جاز حذف الشأن من دون ضعف لبقاء تفسيره ، وهو الجملة ، ولأنّه ليس معتمد الكلام ، بل المراد به التفخيم فقط ، فهو كالزائد ، وقال ابن مالك : يجوز حذف الاسم المفهوم معناه نظما ونثرا ، سواء كان ضمير شأن أو غيره ، ووقوع ذلك في الشعر أكثر ، وقلّ ما يكون المحذوف إلا ضمير شأن ، انتهى.

وقضية عبارة المصنّف أنّ المحذوف لا يكون إلا ضمير شأن ، وهو مذهب لبعضهم ، ثمّ حذفه ليس مختصّا بأنّ ، بل يجوز في سائر أخواتها كما تقدّم.

«و» الثاني أن تكون «حرف جواب كنعم» ، فيقع تصديقا للمخبر وإعلاما للمستخبر ووعدا للطالب ، فتقول : أنّ ، في جواب من قال : أقام زيد ، ومن قال : أذهب عمرو ، ومن قال : أكرم خالدا ، هذا مذهب سيبويه والجمهور ، وهو الصحيح ، وأنكر أبو عبيدة وقوعها في الكلام كذلك ، وحكى الأندلسيّ عنه أنّه قال في قولهم : إنّ بمعنى نعم ، إنّهم يريدون به التأويل لا أنّه في اللغة موضوع لذلك ، قال ابن مالك : والشواهد العربية قاطعة بثبوتها كقوله [من الطويل] :

٩٣٣ ـ قالوا أخفت فقلت إنّ وخيفتي

ما إن تزال منوطة برجائي (٢)

وكقول ابن الزبير لمن قال له : لعن الله ناقة حملتني إليك ، إنّ وراكبها ، أي نعم لعن الله راكبها. وجعل المبرّد والأخفش من ذلك قوله تعالى : (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) [طه / ٦٣] ، في قراءة من قرأ بتشديد النون وإثبات الألف في هذان ، وهم من عدا ابن كثير وأبا عمرو وحفصا ، وتبع المبرّد والأخفش على ذلك جماعة ، وردّ بأمور :

أحدها : أنّ مجيء إنّ بمعنى نعم شاذّ ، حتّى قيل : إنّه لم يثبت.

الثاني : امتناع اللام ، أي لام الابتداء في خبر المبتدإ ، وقد دخلت هنا لأنّ قوله : هذان مبتدأ ، وساحران خبره ، وإنّما امتنعت لام الابتداء في الخبر ، لأنّ لها الصدر ، ووقوعها في الخبر المفرد مناف لذلك لخروجها حينئذ عن الصدر ، وأجيب عن هذا بأنّها لام

__________________

(١) سقطت «لأنّه ضمير منصوب» في «ح».

(٢) لم يسمّ قائله. اللغة : المنوطة : المربوطة ، المعلّقة.

٨٢٤

زائدة ، وليست للابتداء ، أو بأنّها داخلة على المبتدإ المحذوف ، أي لهما ساحران ، أو بأنّها دخلت بعد إن هذه لشبهها بأنّ المؤكدة لفظا كما قال [من الطويل] :

٩٣٤ ـ ورجّ الفتى للخير ما إن رأيته

 ... (١)

فزاد إن بعد ما المصدريّة لشبهها في اللفظ بما النافية ، قال ابن هشام : ويضعف الأوّل أنّ زيادة اللام في الخبر خاصّة في الشعر ، والثاني أنّ الجمع بين لام التوكيد وحذف المبتدأ كالجمع بين المتنافيين.

الثالث من الأمور : أنّ ما قبل إنّ المذكورة لا يقتضي أن يكون جوابه نعم ، إذ لا يصحّ أن يكون جوابا لقول موسى : (وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى) [طه / ٦١] ، ولا يكون جوابا لقوله : (فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ) [طه / ٦٢] ، وهذا الردّ حكاه بعضهم عن أبي على الفارسيّ.

قال الدمامينيّ : وهو حسن ، وتعقّبه الشمنيّ بأنّه لا حسن فيه ، فإنّه على هذا الحمل جواب لإخبار بعضهم بعضا ، أو لاستخبار بعضهم عند إسرارهم النجوي كما حكاه الله تعالى لنا ، فليتأمّل ، فإنّه من المحاسن ، ويؤيّده قول صاحب الكشّاف : والظاهر أنهم تشاوروا في السّرّ ، وتجاذبوا أهداب (٢) القول ثمّ : (قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) [طه / ٦٣] ، فكانت نجواهم فى تلفيق هذا الكلام وتزويره خوفا من غلبتهما وتثبيطا للناس عن اتّباعها ، انتهى.

وقد مرّ لتأويل هذه القراءة وجوه أخر في باب أسماء الإشارة ، واستوفينا الكلام عليها هناك ، فليرجع إليه.

__________________

(١) تقدم برقم ٩٢٩.

(٢) أهداب : (ج) الهدب : الطرف.

٨٢٥

إذ

ص : إذ ، ترد ظرفا للماضي ، فتدخل على الجملتين ، وقد يضاف إليها اسم زمان ، نحو : حينئذ ويومئذ ، وللمفاجاة بعد «بينما» أو «بينا» ، وهل هي حينئذ حرف أو ظرف؟ خلاف.

ش : السادسة «إذ ، ترد ظرفا» للزمن «الماضي» ، ولا تقع للاستقبال عند الجمهور ، قال جماعة منهم ابن مالك : إنّها تخرج عن المعنى إلى الاستقبال ، واستدلّوا بقوله تعالى : (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها) [الزلزال / ٤] ، والجمهور يجعلون الآيه ونحوها من باب : (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ) [الكهف / ٩٩] ، أعني من تتريل المستقبل الواجب الوقوع مترلة ما وقع ، وقال ابن هشام : وقد يحتجّ لغيرهم بقوله تعالى : (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ* إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ) [غافر / ٧١ و ٧٠] ، فإنّ يعلمون مستقبل لفظا ومعنى لدخول حرف التنفيس عليه ، وقد عمل في إذ ، فيلزم أن يكون بمترلة إذا. قال الدمامينيّ : وفيه نظر ، إذ لا مانع من أن يتأوّل هذا بما تأوّل به الجمهور الآية السابقة ، فيقال : هذا من باب : (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ،) حرف التنفيس ليس بضادّ عن ذلك.

و «تدخل» إذ «على الجملتين» الاسميّة والفعلية لا معا ، بل على سبيل التناوب ، ودخولها على إحداهما واجب ، إذ لا تخلو عن الإضافة إلى الجملة لفظا أو تقديرا بتعويض التنوين عن الجملة المحذوفة كما مرّ.

وقد تخرج عن الظرفيّة ، فتقع اسما يضاف إليها اسم زمان ، وهو نوعان : غير صالح للاستغناء عنه ، نحو : (رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا) [آل عمران / ٨] ، فالظرف هنا وهو بعد لا يصلح للاستغناء عنه ، فيحذف لعدم ما يدلّ عليه ، ولو ترك مع أنّه مقصود وصالح للاستغناء عنه «فيحذف لعدم ما يدلّ عليه ، ولو ترك مع أنّه مقصود وصالح للاستغناء عنه «نحو حينئذ ويومئذ» ، تقول : أكرمتني فأثنيت عليك حينئذ ويومئذ ، واليوم والحين صالحان للاستغناء عنهما ، إذ يجوز أن تقول : فأثنيت عليك إذ أكرمتني ، والمعنى بحاله ، والإضافة في مثل هذا التركيب ، قال ابن مالك : من إضافة الموكّد إلى التأكيد ، والظاهر أنّها من إضافة الأعمّ إلى الأخصّ كشجر أراك (١) ، وذلك لأنّ إذ مضاف إلى جملة محذوفه ، فإذا قلت : جاء زيد وأكرمته حينئذ ، فالمعنى حين إذ جاء.

والثاني مخصّص بالإضافة إلى المجيء ، والأوّل عار من ذلك ، فهو أعمّ منه ، فلا يكون مؤكّدا له ، نعم يكون مفسّرا له ومبيّنا للمراد به ، كما يبيّن الأعمّ بالأخصّ ، فالإضافة فيه بيانيّة ، أي وأكرمته حينا ، وهو حين مجيئه ، فتأمّله.

__________________

(١) الاراك : شجر المسواك.

٨٢٦

تنبيه : الجمهور على أنّ إذ لا تكون إلا ظرفا أو مضافا إليها كما هو قضية اقتصار المصنّف على ذلك ، وذهب جماعة إلى أنّها قد تكون مفعولا به ، وهي المذكورة بعد فعل الأمر في أوائل القصص مثل : (وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ) [الأعراف / ٨٦] ، ويقدّرون اذكر حيث لا يذكر ، نحو : (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ) [البقرة / ٣٠] ، (إِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ) [البقرة / ٥٠] ، قالوا : يقع بدلا من المفعول به نحو : (اذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ) [مريم / ١٦] ، فإذ بدل اشتمال من مريم ، والجمهور يخرّجون الأوّل على أنّه ظرف لمفعول محذوف ، نحو : واذكروا نعمة الله إذ كنتم قليلا ، والثاني على أنّه ظرف لمضاف مفعول محذوف ، أي واذكروا قصة مريم ، ويؤيّد هذا القول التصريح بالمفعول في : (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً) [آل عمران / ١٠٣].

ووقع للزمخشريّ في قراءة بعضهم : (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ) [آل عمران / ١٦٤] ، أنّه يجوز أن يكون التقدير منه : إذ بعث ، ويجوز كون إذ في محلّ رفع كإذا في قول : أخطب ما يكون الأمير قائما ، أي لمن منّ الله على المؤمنين وقت بعثه. قال ابن هشام : فمقتضي هذا الوجه أنّ إذ مبتدأ ، ولا نعلم بذلك قائلا.

«و» ترد إذ «للمفاجاة» ، نصّ عليه سيبويه ، وهي الواقعة «بعد بينما أو بينا» كقوله [من البسيط] :

٩٣٥ ـ استقدر الله خيرا وارضينّ به

فبينما العسر إذ دارت مياسير (١)

وكقوله [من الطويل] :

٩٣٦ ـ وكنت كفيء الغصن بينا يظلّني

ويعجبني إذ زعرعته الأعاصر (٢)

وأنكر بعضهم وقوع إذ بعد بينا خاصّة دون بينما ، وجعله الحريريّ من الأوهام في درّة الغواص ، وليس كذلك. قال ابن مالك : ترك إذ بعد بينا وبينما أقيس من ذكرها ، وكلاهما عربيّ.

وقال الأصمعيّ : وقوع إذ وإذا في جواب بينا وبينما عربيّ ، قال الرضيّ : وكان الأصمعيّ لا يستفصح (٣) إلا تركهما في جوابهما لكثرة مجئ جوابها بدونهما ، والكثرة لا تدلّ على أنّ الكثور غير فصيح ، بل على أنّ الأكثر أفصح ، ألا ترى إلى قول أمير

__________________

(١) نسبوا هذا البيت إلى عنبر بن لبيد وإلى حريث بن جبلة. اللغة : استقدر الله خيرا : اطلب القدرة على الخير من الله ، المياسير : جمع ميسور ، وهو بمعنى اليسر خلاف العسر.

(٢) هو ليزيد بن الطثرية. اللغة : الفيء : الظلّ ، زعرعته : حركته بشدّة ، الأعاصر : جمع الاعصار : ريح تهبّ بشدة.

(٣) في «ح» لا يستقبح ، وفي شرح الرضيّ «لا يستفصح» الكافية في النحو ، لابن الحاجب ، شرحه رضي الدين الأسترآبادي ، لاط ، المجلّد الثاني ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ١٤٠٥ ه‍ ، ص ١١٣.

٨٢٧

المؤمنين علي (ع) وهو من الفصاحة : بحيث هو بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته (١) ، انتهى.

قلت : وهذه الفقرة الّتي استشهد بها ، من خطبته الشقشقيه (ع) ، وكثير من المعاندين ينكر هذه الخطبة ، ويقول : إنّها من كلام السّيّد الرضي جامع نهج البلاغة ، وليست من كلام علي (ع) ، بل قال بعضهم : إنّ جميع نهج البلاغه وضعه السّيّد الرضيّ ، ونسبه إلى علي (ع) وأنّه ليس من كلامه ، ذكر ذلك ابن خلّكان في تاريخه ، وهذا لا يقوله إلا عنيد جاهل أو متجاهل ، فإنّ كثيرا من خطبه المذكورة في ذلك الكتاب بل جميعها مذكور في كتب السير ، ولكنّ المعاند يقول ما شاء.

وأمّا هذه الخطبة الشقشقية فقال ابن أبي الحديد في شرحه نقلا عن ابن الخشاب : إنّه قال : والله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صنّفت قبل أن يخلق الرضيّ بمأتي سنة ، ولقد وجدتها مسطورة في كتب أعرفها ، وأعرف خطوط من هو من العلماء وأهل الأدب قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد والد الرضيّ ، ثمّ ذكر ابن أبي الحديد عن نفسه أنّه وجدها في تصانيف جماعة ذكرهم كانوا قبل أن يخلق الرضيّ (ره) (٢).

تنبيه : أصل بينا وبينما بين ، وأصله أن يكون مصدرا بمعنى الفراق ، تقول : بان عنّي زيد بينا ، أي فارقني فراقا ، ومعنى جلست بينكما ، أي مكان فراقكما ، وفعلت بين خروجك ودخولك ، فعلت زمان فراق خروجك ودخولك ، فحذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه. فبين ـ كما تبيّن ـ مستعمل في الزمان والمكان ، وهو إذ ذاك لازم للإضافة إلى المفرد ، فلمّا قصدوا إضافته إلى الجملة ، والإضافه إليها كلا إضافة ، لأنّ الإضافة في المعنى ليست إليها بل إلى المصدر الّذي تضمّنته ، زادوا عليه ما الكافة ، لأنّها الّتي تكفّ المقتضى عن الاقتضاء ، واشبعوا الفتحة ، فتولّدت ألف ، لتكون الألف دليل عدم اقتضائه للمضاف إليه ، لأنّه كان قد وقف عليه ، والألف فد يؤتي به للوقف كما في أنا و: (الظُّنُونَا) [الأحزاب / ١٠] ، وتعيّن حينئذ أن لا يكون إلا للزمان لما تقرّر من أنّه لا يضاف إلى الجمل من المكان إلا حيث ، وبين في الحقيقة مضاف إلى زمان مضاف إلى الجملة ، فحذف الزمان المضاف لقيام القرينة عليه ، وهي غلبة إضافة الأزمنة إلى الجمل دون الأمكنة وغيرها ، فيتبادر الفهم في كلّ مضاف إليها إلى الزمان ، فإذا قلت : بينا زيد قائم أقبل عمرو ، فالتقدير بين أوقات زيد قائم ، أي بين أوقات قيام زيد أقبل عمرو ، هكذا قرّره الرضيّ ، وهو مذهب الفارسيّ وابن جني ، واختاره ابن الباذش.

__________________

(١) في نهج البلاغة بترجمة جعفر الشهيدي «فيا عجبا بينا هو ...» خطبة الشقشقية ، ص ١٠.

(٢) سقطت هذه الفقرة في «ح».

٨٢٨

والجمهور على أنّ الجملة بعد بينا وبينما مضاف إليها نفسها دون حذف مضاف ، وأنّها في موضع جرّ ، ومقتضاه أنّ ما غير كافّة عن الإضافة وكذا الألف. وذهب قوم إلى أنّ ما والألف كافّتان ، والجملة بعدهما لا موضع لها من الإعراب ، والأوّل هو التحقيق ، وليست بينا محذوفة من بينما ، ولا ألفها للتأنيث خلافا لزاعمي ذلك.

«وهل هي» يعني إذ «حينئذ» أي حين إذ وردت للمفاجاة بعد بينما وبينا «ظرف» مكان أو زمان ، «أو حرف» يدلّ على المفاجاة في غيره أو مؤكّد أي زائد ، فيه «خلاف» ، فإذا قلت : بينا أو بينما أنا قائم ، إذ أقبل عمرو ، فعلى القول بزيادة إذ يكون الفعل الواقع بعدها هو العامل في بينا أو بينما ، كما يكون ذلك لو كانت إذ غير موجودة ، وهو واضح ، وعلى القول بأنّها حرف مفاجاة بعدها أو ظرف ، لا يمكن أن يعمل ما بعدها فيما قبلها ، لكن إذا قلنا بأنّها حرف مفاجاة (١) ، فالعامل في بينا وبينما فعل محذوف يفسّره ما بعد إذ ، وهو أقبل في المثال المذكور.

وعلى القول بالظرفيّة فقال ابن جنّي : عاملها الفعل الّذي بعدها ، لأنّها غير مضافة إليه ، وعامل بينا وبينما محذوف يفسّره الفعل المذكور ، وقال الشلوبين : إذ مضافة للجملة ، ولا يعمل فيها الفعل ولا في بينا وبينما ، لأنّ المضاف إليه لا يعمل في المضاف ولا فيما قبله ، وإنّما عاملها محذوف ، يدلّ عليه الكلام ، وإذ بدل منهما ، وقيل : العامل ما يلي بين ، بناء على أنّها مكفوفة عن الإضافة إليه ، كما يعمل تإلى اسم الشرط فيه ، وقيل : بين خبر لمبتدأ محذوف ، والتقدير في المثال بين أوقات قيامي إقبال عمرو ، ثمّ حذف المبتدأ مدلولا عليه بأقبل عمرو ، وقيل : مبتدأ ، وإذ خبره ، والمعنى حين أنا قائم حين أقبل عمرو.

تنبيه : ترد إذ للتعليل كقوله تعالى : (وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ) [الزخرف / ٣٩] ، أي لن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب لأجل ظلمكم في الدنيا ، وهل هذه حرف بمترلة لام العلّة أو ظرف ، والتعليل مستفاد من قوّة الكلام ، لا من اللفظ ، فإنّه إذا قيل : ضربته إذ أساء ، وأريد الوقت ، اقتضى ظاهر الحال أنّ الإساءة سبب الضرب؟ قولان ، والجمهور على الثاني.

__________________

(١) في «ح» من أو ظرف حتّى هنا محذوف.

٨٢٩

إذا

ص : إذا ترد ظرفا للمستقبل ، فتضاف إلى شرطها ، وتنصب بجوابها ، وتختصّ بالفعلية ، نحو : (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ ،) مثل (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ.) وللمفاجاة ، فتختصّ بالاسميّة ، نحو : خرجت فإذا السّبع واقف ، والخلاف فيها كأختها.

ش : السابعة «إذا ترد ظرفا» للزمن «المستقبل» وفيها معنى الشرط غالبا ، «فتضاف إلى شرطها» ، وهو الجملة الّتي بعدها لزوما ، «وتنصب بجوابها» عند الأكثرين ، وقيل : بشرطها ، وعليه جماعة من المحقّقين حملا لها على سائر أدوات الشرط ، وردّ بأنّ المضاف إليه لا يعمل في المضاف ، وأجيب بأنّها عند هولاء غير مضافة ، كما يقوله الجميع إذا جزمت كقوله [من الكامل] :

٩٣٧ ـ ...

وإذا تصبك خصاصة فتجمّل (١)

قال الدمامينيّ : ويلزم عليه أن تكون إذا ظرفا مبهما لا مختصّا ، وهي عند النحاة من الظروف المختصّة. فإن قلت : قد قال ابن الجاجب : إنّ تعيين الفعل في إذا يحصل بمجرّد ذكر الفعل بعده ، وإن لم يكن مضافا كما يحصل في قولنا : زمانا طلعت فيه الشمس ، قلت : ردّه الرضيّ بأنّه أنّما يحصل التخصيص في المثال بما ذكر بعده لكونه صفة له ، لا بمجرّد ذكر الفعل بعده ، ولو كان مجرّد ذكر الفعل بعد كلمة كافيا لتخصيصها لتخصّصت متى في قولك : متى قام زيد ، وهو غير مخصّص اتّفاقا ، انتهى.

وأمّا قول الأكثرين فأورد عليها أمور :

منها أنّ الشرط والجزاء عبارة عن جملتين ، تربط بينهما الأداة ، وعلى قولهم تصير الجملتان واحدة ، لأنّ الشرط لمّا كان معمولا لإذ لكونها مضافة إليه ، وإذا معمولا للجواب لزم دخول جملة الشرط في جملة الجواب ، لأنّ المعمول داخل في جملة عاملة ، فيلزم حينئذ دخول جملة الشرط فى جملة الجواب ، وأجيب بأنّ الأصل ذلك ، ولكنّهما قد تضمّنتا معنى الشرط ، وجعل الأوّل سببا للثاني.

ومنها أنّه يلزمهم في نحو : إذا جئتني اليوم أكرمتك غدا ، أن يعمل أكرمتك في ظرفين متضادّين ، وذلك باطل عقلا ، إذ الحدث الواحد المعيّن لا يقع بتمامه في زمنين ، وقصدا إذ المراد وقوع الإكرام في الغد لا في اليوم.

قال الرضيّ : والجواب أنّ إذا هذه بمعنى متى ، فالعامل شرطها ، أو تقول المعنى : إذا جئتني اليوم كان سببا لإكرامك غدا ، كما قيل في نحو : إن جئتني اليوم فقد جئتك أمس ، إن جئتني اليوم يكون جزاء لمجيئي إليك أمس.

__________________

(١) تقدّم برقم ٧٢٧.

٨٣٠

ومنها أنّ الجواب ورد مقرونا بإذا الفجائيّة ، نحو : (ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ) [الروم / ٢٥] ، وبالحرف الناسخ ، نحو : إذا جئتني فإنّي أكرمك ، وكلّ منهما لا يعمل ما بعده في ما قبله. وأجيب بأنّهم إنّما يقولون : إنّ العامل فيها جوابها ، إذا كان صالحا ، ولم يكن ثمّ مانع كإذا الفجائيّة وإن ونحوها ، فالعامل فيها حينئذ مقدّر يدلّ عليه الجواب.

وقال الرضيّ : الأولى أن نفصّل في ذلك ونقول : إن تضمّن إذا معنى الشرط فحكمه حكم أخواته من متى ونحوه ، وإن لم يتضمّن نحو : إذا غربت الشمس جئتك ، بمعنى أجيئك وقت غروب الشمس ، فالعامل فيها هو الفعل الّذي في محلّ الجزاء ، إن لم يكن جزاء في الحقيقة دون الأوّل الّذي في محلّ الشرط ، إذ هو مخصّص للظرف.

«وتختصّ» إذا «بالجملة الفعلية» على الأصحّ ، سواء كان صدرها مضارعا ، نحو : (إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا) [يونس / ١٥] أو ماضيا ، نحو : (إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ) [المنافقون / ١] ، وزعم الفرّاء أنّ إذا إذا كان فيها معنى الشرط لا يكون بعدها إلا الماضي ، وقال ابن هشام : إيلاؤها الماضي أكثر من المضارع ، وقد اجتمعا في قوله [من الكامل] :

٩٣٨ ـ والنفس راغبة إذا رغّبتها

وإذا تردّ إلى قليل تقنع (١)

ولا تدخل على الجملة الاسميّة ، «و» أمّا «نحو» قوله تعالى : (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ) [الانشقاق / ١] ، ممّا استند عليه الأخفش والكوفيّون من جواز دخول إذا على الجملة الاسميّة ، فمؤول (٢) مثل تأويل قوله تعالى : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ) [التوبة / ٦] ، فالسماء فاعل بفعل محذوف ، يفسّره المذكور ، والأصل إذا انشقّت السماء انشقّت ، كما أنّ أحد فاعل بفعل محذوف ، يفسّره المذكور ، والأصل وإن استجارك أحد ، لا إنّ السماء مبتدأ ، والفعل بعده خبره ، كما زعموا ، وفي هذه القياس نظر ، لأنّ الشرط المقيس عليه أن يكون متّفقا عليه عند الخصمين ، وليس هو هنا كذلك ، لأنّ

__________________

(١) هو لأبي ذويب.

(٢) هل تدخل إذا الظرفيّة على الجملة الاسميّة أو لا؟ خلاف بين النّحويّين ، ويذهب البصريّون إلى أنّه لا يجوز ، والكوفيّون والأخفش يجيزون دخولها على الجملة الاسميّة ، استنادا إلى الآية (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ.) واضطرب قول الدكتور إميل بديع يعقوب في كتابه «موسوعة النحو والصرف والإعراب ، فمرّة يقول : (ص ٣٦) تختصّ إذا بالدخول على الجملة الفعلية ، وإذا دخلت على اسم مرفوع ، أعرب فاعلا لفعل محذوف يفسّره الفعل الّذي يليه ، ومرّة (ص ١٠٤) يقول : أوّل البصريّون هذه الآية وأمثالها بأن جعلوا (السَّماءُ) فاعلا لفعل محذوف يفسّره الفعل المذكور ، ونحن لا نرى داعيا لهذا التمحّل في التقدير ، وعندنا أنّ إذا تضاف إلى الجملة الاسميّة ، كما تضاف إلى الجمل الفعلية.

يبدو أنّه لا يجوز إضافة إذا إلى الجملة الاسميّة الّتي خبرها مفرد ، فلا نقول : آتيك إذا زيد قائم ، لكن يمكن إضافتها إلى الجملة الاسميّة الّتي خبرها جملة فعلية ، لأنّه يمكن القول : إنّ مثل هذه الجمل فعلية في الأصل ، ثمّ للتأكيد يتقدّم الاسم على الفعل ، فالمرفوع بعد إذا مبتدأ ، وخبره جملة فعلية بعده ، ولا نحتاج إلى هذه التأويلات.

٨٣١

الأخفش والكوفيّين لم يوافقوا على أنّ أحدا في آلاية يتعيّن أن يكون فاعلا بفعل محذوف ، بل يجيزون ابتدائيّة ، لأنّ إن الشرطية لا تختصّ عندهم بالأفعال ، كما قاله غير واحد ، فلا فرق عندهم بين إذا وإن في عدم الاختصاص بالجمل الفعلية ، قاله في التصريح ، فتأمّل.

أمّا قول الشاعر [من الطويل] :

٩٣٩ ـ إذا باهليّ تحته حنظليّة

له ولد منها فذاك المذرّع (١)

فعلى إضمار كان ، وباهليّ مرفوعا بها ، والجملة بعدها خبر ، والتقدير إذا كان باهليّ تحته حنظليّة وقيل : حنظليّة فاعل باستقرّ محذوفا ، وباهليّ فاعل بمحذوف يفسّره العامل في حنظليّة ، ويردّه أنّ فيه حذف المفسّر ومفسّره جميعا ، ويسهّله أنّ الظرف يدلّ على المفسّر ، فكأنّه لم يحذف.

تنبيهات : الأوّل : الجمهور على أنّ إذا لا تخرج عن الظرفيّة كما هو قضية اقتصار المصنّف ، وزعم قوم أنّها تخرج عنها ، فقال الأخفش وتبعه ابن مالك : إنّها وقعت مجرورة بحتّى في قوله تعالى : (حَتَّى إِذا جاؤُها) [الزمر / ٧١]. وقال ابن جنيّ في : (إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ) [الواقعة / ١] ، فيمن نصب (خافِضَةٌ رافِعَةٌ) [الواقعة / ٣] ، إنّ إذا الأولى مبتدأ ، وإذا الثانية خبر ، والمنصوبين حالان ، والمعنى وقت وقوع الواقعة خافضة لقوم رافعة لآخرين هو وقت رجّ الأرض ، وتبعه ابن مالك على ذلك ، وقال ابن مالك : إنّها وقعت مفعولا به في قوله (ع) لعاشية : إنّي لا أعلم إذا كنت علىّ راضية وإذا كنت علىّ غضبي (٢).

والجمهور على أنّ حتّى في تلك الآية حرف ابتداء داخلة على الجملة بأسرها ، ولا عمل لها ، وأمّا : (إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ) فإذا الثانية بدل من الأولى ، والأولى ظرف ، وجوابها محذوف لفهم المعنى ، أي انقسمتم أقساما : (وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً) [الواقعة / ٧] ، وأمّا الحديث فإذا ظرف لمحذوف ، وهو مفعول أعلم أي شأنك معي ونحوه.

__________________

(١) هو للفرزدق. اللغة : باهليّ : نسبة إلى باهلة ، قبيلة من قيس بن غيلان ، حنظلية : نسبة إلى حنظلة ، قبيلة من تميم ، المذرع : الّذي أمّه أشرف من أبيه.

(٢) صحيح بخاري ٤ / ٧٢ ، رقم ١٥٧.

٨٣٢

الثاني : قد تخرج إذا عن الاستقبال ، وذلك على وجهين : أحدهما : أن تجئ للحال ، وذلك بعد القسم نحو : (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى) [الليل / ١] ، لأنّ الليل مقارن للغشيان. الثاني : أن تجيء للماضي ، كما جاءت إذ للمستقبل عند بعضهم ، نحو : (وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ) [التوبة / ٩٢] ، نزلت بعد الإتيان : (وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها) [الجمعة / ١١] ، نزلت بعد الروية والانفضاض.

وقوله [من الوافر] :

٩٤٠ ـ وندمان يزيد الكأس طيبا

سقيت إذا تغوّرت النجوم (١)

ويجوز أن يكون سقيت بمعنى أسقي ، وهو دليل جواب إذا ، أي إذا غربت النجوم أسقيه.

الثالث : تختصّ إذا بما تيقّن وجوده نحو : آتيك إذا احمرّ البسر (٢) أو رجّح نحو : آتيك إذا دعوتني ، بخلاف إن ، فإنّها تكون للمحتمل والمشكوك فيه والمستحيل كقوله تعالى : (قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ) [الزخرف / ٨١] ، لا تدخل على متيقّن ولا راحج ، وقد تدخل على متيقّن لكونه مبهم الزمان نحو : (أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ) [الأنبياء / ٣٤] ، ولكون إذا خاصّا بالمتيقّن والمظنون خالفت أدوات الشرط ، فلم تجزم إلا في الضرورة.

وقد تخرج عن معنى الشرط نحو : (وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) [الشورى / ٣٧] ، (وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ) [الشوري / ٣٩] ، فإذا في الآيتين ظرف لخبر المبتدإ بعدها ، ولو كانت شرطيّة والجملة الاسميّة جوابا لاقترنت بالفاء ، وقول بعضهم : إنّه على إضمارها ، مردود بأنّها لا تحذف إلا في الضرورة ، أو نادر من الكلام ، وقول الآخر : إنّ الضمير تؤكيد لا مبتدأ ، وإنّ ما بعده الجواب تعسّف ، وقول آخر : إنّ جوابها محذوف مدلول عليه بالجملة تكلّف من غير ضرورة ، ومن ذلك إذا الّتي بعد القسم نحو : (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى) [الليل / ١] ، (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى) [النجم / ١] ، إذ لو كانت شرطيّة كان ما قبلها جوابا في المعنى كما في قولك : أجيئك إذا جئتني ، فيكون التقدير إذا يغشى الليل وإذا هوي النجم أقسمت ، وهذا يمتنع ، لأنّ القسم الإنشائيّ لا يقبل التعليق ، لأنّ الإنشاء ثابت ، والثابت لا يقبل التعليق.

__________________

(١) هو للبرج بن مسهّر. اللغة : الندمان : النديم في الشرب ، تغوّرت : غربت.

(٢) البسر : تمر النخل قبل أن يرطب.

٨٣٣

الرابع : قد تستعمل إذا مع جملتيها لاستمرار الزمان في الأحوال الماضية والحاضرة والمستقبلة ، كما يستعمل الفعل المضارع لذلك ومنه : (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا) [البقرة / ١١] ، (وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا) [البقرة / ١٤] ، أي إنّ هذا عادتهم المستمرّة وشأنهم أبدا ، ومثله كثير.

وترد إذا «للمفاجاة فتختصّ» بالجملة «الاسميّة» على الأصحّ كما مرّ للفرق اللفظيّ بينهما بين الشرطيّة المناسبة لفعل ، ولا تحتاج إلى الجواب لعدم تضمّنها للشرط ، ولا يقع في صدر الكلام ، لأنّ الغرض من الإتيان بها الدلالة على أنّ ما بعدها حصل بعد وجود ما قبلها على سبيل المفاجاة ، فلا بدّ في حصول هذا الغرض من تقدّم شيء عليها ، ومعناها الحال لا الاستقبال ، نحو : خرجت فإذا الأسد بالباب ، ومنه : (فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى) [طه / ٢٠] ، (إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا) [يونس / ٢١] ، «والخلاف فيها كاختها» يعني إذ ، في كونها حرفا أو ظرفا ، وهل هو ظرف زمان أو مكان ، فذهب الأخفش والكوفيّون إلى أنّها حرف ، واختاره ابن مالك ، قال ابن هشام : ويرجّحه قولهم : خرجت فإذا إنّ زيدا بالباب بكسر إنّ ، لأنّ إنّ لا يعمل ما بعدها في ما قبلها ، انتهى.

وتقريره أنّ العامل هنا منحصر فيما بعد إنّ ، وإنّ لا يعمل ما بعدها في ما قبلها ، ولا عامل سواه ، فلا تكون إذا معمولة ، فلا تكون اسما ، لأنّ الاسم يستلزم المعموليّة ، وانتفاء اللازم يستلزم انتفاء الملزوم ، وليس فيها معنى الحدث فيكون فعلا ، فتعيّن أن تكون حرفا.

وذهب الزجاجّ والرياشيّ (١) إلى أنّها ظرف زمان ، ونسب للمبرّد ، وهو ظاهر كلام سيبويه ، واختاره الزمخشريّ وابن طاهر وابن خروف وابن عصفور والشلوبين ابقاء لها على ما ثبت لها. وزعم الزمخشريّ أنّ عاملها فعل مقدّر مشتقّ من لفظ المفاجاة ، وقال : التقدير في قوله تعالى : (ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ) [الروم / ٢٥] ، فاجأتم الخروج في ذلك الوقت. قال ابن هشام : ولا يعرف هذا لغيره ، وإنّما ناصبها عندهم الخبر المذكور في نحو : خرجت فإذا زيد جالس أو المقدّر ، نحو : فإذا زيد ، أي حاضر ، قال : ولم يقع الخبر معها في التتريل إلا مصرّحا به.

__________________

(١) العباس بن الفرج أبو الفضل الرياشيّ اللغويّ النحويّ ، قرأ على المازنيّ النحو ، وقرأ عليه المازنيّ اللغة. وكان عالما باللغة والشعر ، وصنّف : كتاب الخيل ، كتاب الإبل ، قتله الزنج بالبصرة سنة ٢٥٧ ه‍. بغية الوعاة ٢ / ٢٧.

٨٣٤

وذهب المبرّد والفارسيّ وأبو الفتح إلى أنّها ظرف زمان ، وعزي إلى سيبويه ، وتظهر فائدة الخلاف إذا قلت : خرجت فإذا الأسد ، فعلى الأوّل لا يصحّ كونها خبرا ، لأنّ الحرف لا يخبر به ولا عنه ، وكذا على الثاني ، لأنّ الزمان لا يخبر به عن الجنة إلا أن يقدّر مضاف ، أي فإذا حضور الأسد ، ويصحّ على الثالث أي فبالحضرة الأسد.

فإن قلت : فإذا القتال صحّت خبريّتها عند غير الأخفش والكوفيّين ، وتقول : خرجت فإذا زيد جالس أو جالسا ، فالرفع على الخبريّة ، وإذا نصب به ، والنصب على الحالية ، والخبر إذا قلنا : إنّها مكان ، وإلا فهو محذوف ، فإن قلت : الجالس أو القائم امتنع النصب لامتناع كون الحال معرفة.

مناظرة زنبوريّة

وهذا هو الوجه الّذي أنكره سيبويه على الكسائيّ لمّا سأله في المجلس الّذي جمعها بين يدي خالد بن يحيي البرمكي (١) في مناظرتهما المشهورة بالزنبوريّة ، وهي قولهم : كنت أظنّ أنّ العقرب أشدّ لسعة من الزنبور ، فإذا هو هي ، أو فإذا هو إيّاها.

وكان من خبر ذلك أنّ سيبويه لمّا قدم على البرمكة ، احتفل له يحيى ، وعزم على الجمع بينه وبين الكسائيّ ، فجعل لذلك يوما ، فحضر سيبويه ، وأحضر الفرّاء خلف وغيرهما من جماعة الكسائيّ ، وكاده القوم كيدا ، وأوّل من تقدّم إليه خلف فسأله ، فأجاب فيها ، فقال له أخطات ، ثمّ سأله ثانية وثالثة ، وهو يقول له كلّما أجاب : أخطات ، وبدون ذلك ينحرف مزاج الشاب الغريب ، ويذهب فكر الفطن الأريب ، فلم يزد سيبويه إلى أن قال لخلف : هذا سوء أدب ، فأقبل إليه الفرّاء مضمرا ما أظهره صاحبه ، مظهرا أنّه سينصف فيما يقول ، ويستعمل الأدب فيما يبديه ، ويعيده ، فقال : إنّ في هذا الرجل حدّة وعجلة ، ولكن ما تقول في كذا ، وسأله مسألة أخرى ، فأجابه ، فقال : أعد النظر ، وهي كلمة تدانى كلمة صاحبه ، فأدرك سيبويه أنّ مقصودهما إقحامه ، وأن يرفعا درجة شيخهما الكسائيّ عن مناظرته ، فإن كانت الغلبة لهما ، قيل : غلبه غلاملاه ، وإلا فإن يغلبا فخير عندهما من أن يغلب شيخهما ، فقال سيبويه : لست أكلّمكما ، أو يحضر صاحبكما ، يعني الكسائيّ.

فحضر الكسائيّ ، فقال : تسألني أو أسألك ، فقال له سيبويه : سل أنت ، فسأله عن هذا المثال الزنبوري ، فقال سيبويه : فإذا هو هي ، ولا يجوز النصب ، وسأله عن أمثال

__________________

(١) هو من البرامكة وهم أسرة فارسية من بلخ تولّي أبناؤها الوزارة في عهد العباسيين. عظم شأنهم وقرّبوا الشعراء واشتهروا بالكرم. المنجد في الأعلام ص ١١٨.

٨٣٥

ذلك ، نحو : خرجت فإذا عبد الله القائم والقائم ، فقال : كلّ ذلك بالرفع ، ولا يجوز بالنصب ، فقال له الكسائيّ : العرب ترفع كلّ ذلك ، وتنصبه ، فقال يحيى : قد اختلفتما ، وأنتما رئيسا بلديكما ، فمن يحكم بينكما؟ فقال له الكسائيّ : هذه العرب ببابك ، قد سمع منهم أهل البلدين ، فيحضرون ، ويسألون ، فقال يحيى وولده جعفر : انصفت ، فأحضرا ، فوافقوا الكسائيّ ، واستكان سيبويه ، وأقبل الكسائيّ على يحيى ، فقال : أصلح الله الأمير ، إنّه وفد إليك من بلده مؤمّلا ، فإن رأيت أن لا تردّه خائبا ، فأمره له بعشرة الآف درهم ، فخرج إلى فارس ، ويقال : كانت سبب علّته الّتي مات فيها ويقال : إنّ العرب رشوا على ذلك ، أو إنّهم علموا بمترلة الكسائيّ عند الرشيد ، ويقال : إنّهم قالوا : القول قول الكسائيّ ، ولم ينطقوا بالنصب ، وإنّ سيبويه قال ليحيى : مرهم إن ينطقوا بذلك فإنّ ألسنتهم لا تطوّع به.

وهذه حكاية عجيبة وموعظة غريبة. وللأديب أبي الحسن حازم بن محمد بن حازم (١) قصيدة طنّانة ، وهي من أفراد أدباء المغرب ، امتدح بها المنصور صاحب إفريقيّة أبا عبد الله محمد بن الأمير بن زكريّا يحيى بن عبد الواحد ، وضمنها مسائل من علم النحو ، ولعلّه أتى فيها على جميع أبوابه ، والموجود منها نحو ماتين وعشرين بيتا ، أجاد فيها نظم حكاية هذه الواقعة اللطيفة وأوّل القصيدة [من البسيط] :

٩٤١ ـ الحمد لله معلي قدر من علما

وجاعل العقل في سبل الهدى علما

ثمّ الصلاة على الهادي بسنّته

محمد خير مبعوث به اعتصما

ثمّ الدعا لأمير المومنين أبي

عبد الإله الّذي فاق الحبا كرما

خليفة خلقت أنوار عزّته

شمس الضحي ونداه بخلف الديما

سالت فواضله للمعتفي نعما

صالت نواصله بالمعتدي نقما

ومنها

مردي العداة بسهم من عزائمه

كأنّه كوكب للقذف قد رجما

أدام قول نعم حتّى إذا اطردت

نعماه من غير وعد لم يقل نعما

ومنها

يا أيّها الملك المنصور ملكك قد

شبّ الزمان به من بعد ما هرما

__________________

(١) حازم بن محمد حسن بن محمد بن خلف بن حازم ، شيخ البلاغة والأدب ، وأوحد زمانه في النحو واللغة وعلم البيان. صنف : سراج البلغاء في البلاغة : كتابا في القوافي. مولده سنة ٦٠٨ ومات سنة ٦٨٤ ، المصدر السابق ١ / ٤٩٠.

٨٣٦

فلو رأى من مضي أدنى مكارمكم

لم يذكروا بالندى معنى ولا هرما

إنّ الليإلى والأيام مذ خدمت

بالسعد ملكك اضحت أعبد أو أما

بذلت تقفيه من بيت ممتدح

أوردته مثلا في رعيك الأمّما

وكلت بالدهر عينا غير غافلة

من جود كفكّ تاسوا كلّ من كلما

ومنها

أمّا على إثر حمد الله ثمّ على

إثر الصلاة على من بلغ الحكما

وما تلا ذاك من وصل الدعا ومن

نشر الثناء على من أسبغ النعما

فاسمع لنظم بديع قد هدت فكري

له مقادة ملك أجزل القسما

حديقة تبتهج الأحداق بهجتها

من نحوها ناسم للنحو قدنسما

فاسمع إلى القول في طرق الكلام وما

علم اللسان به قد حدا ورسما

النحو علم بأحكام الكلام وما

من التعابير يعرو اللفظ والكلما (١)

وللكلام كمال في حقيقته

فإن ترد حدّه فاسمعه منتظما

إنّ الكلام هو القول الّذي حصلت

به الإفادة لما ثمّ والتأما

ومنها في باب المتعدّي لاثنين

فباب أعطى كسا منه ومنه سقا

كما تقول سقاك الله صوب سما (٢)

ومنه أولى وأتى مثل قولهم

أولاك ربي نعيم العيش والنعما

ومن المتعدّي إلى ثلاثة

قاس بالهمزة النقل ابن مسعده

في باب ظنّ وفيها خالف القدما

من باب كان واخواتها

نقول ما زلت مفضالا وما برحت

منك السجايا توإلى الجود والكرما

من نواصب المضارع

أعدد لكيلا وكيلا ثم كي ولكي

وليس تمنع من نصب زيادة ما

__________________

(١) يعرو : يصيب.

(٢) الصوب : المطر.

٨٣٧

من باب إذا الفجائية وهو مقصودنا هنا

والعرب قد تحذف الأخبار بعد إذا

إذا عنت فجأة الأمر الّذي دهما

وربّما نصبوا للحال بعد إذا

وربّما رفعوا من بعدها ربما

فان توالى ضميران اكتسى بهما

وجه الحقيقة من اشكاله غممّا

لذاك أعيت على الأفهام مسألة

أهدت إلى سيبويه الحتف والغممّا (١)

قد كانت العقرب العوجاء أحسبها

قدما أشد من الزنبور وقع حما

وفي الجواب عليها هل «إذا هو هي»

أو هل «إذا هو ايّاها» قد اختصما

وخطّأ ابن زياد وابن حمزة في

ما قال فيهما أبا بشر وقد ظلما

وغاظ عمرا علي في حكومته

يا ليته لم يكن في أمره حكما

وفجّع ابن زياد كلّ منتخب

من أهله إذ غدا منه يفيض دما

كفجعة ابن زياد كلّ منتخب

من أهله إذ غدا منه يفيض دما

فظلّ بالكرب مكظوما وقد كربت

بالنفس أنفاسه أن تبلع اكظما

قضت عليه بغير الحقّ طائفة

حتّى قضي هدرا ما بينهم هدما

من كلّ أجود حكما من سدوم قضى

عمرو بن عثمان ممّا قد قضى سدما

حساده في الورى عمت فكلّهم

تلفيه منتقدا للقول منتقما

فما النهى ذمّما فيهم معارفها

ولا المعارف في أهل النهى ذمّما

فأصبحت بعده الأنفاس كامنة

في كلّ صدر كان قد كظّ أو كظما

وأبحت بعده الانقاس باكية

في كلّ طرس كدمع سحّ وانسجما (٢)

وليس يخلو امرئ من حاسد أضم

لولا التنافس في الدنيا لما أضما

والغبن في العلم أشجى محنة علمت

وأبرح الناس شجوا عالم هضما

__________________

(١) الحتف : الهلاك ، الغمم : جمع الغمة بمعنى الغمّ.

(٢) الانقاس : جمع النقس : المداد ، الطرس : الصحيفة.

٨٣٨

قوله وربّما نصبوا ، أي ربّما نصبوا على الحال بعد أن رفعوا ما بعد إذا على الخبريّة ، وقوله : ربما في آخر البيت بالتخفيف توكيد لربّما في أوّله بالتشديد ، وفي بعض النسخ وربّما رفعوا من بعدها ربما ، والمعنى أنّهم قد ينصبون ما بعد إذا قليلا ، يرفعونه كثيرا ، فيكون ربّما الأولى للتقليل ، والثانية للتكثير ، والثالثة للتوكيد ، وغما في آخر البيت الثالث من أبيات هذه المسالة بفتح الغين المعجمة كناية عن الاشكال والخفا ، وغممّا في آخر البيت الرابع بضمّها جمع غمّة.

وابن زياد : هو الفرّاء ، واسمه يحيى ، وابن حمزة : هو الكسائيّ ، واسمه علي ، وأبو بشر : سيبويه ، واسمه عمرو ، وألف ظلما ضمير الاثنين ، إن بنيته للفاعل ، وللاطلاق إن بنيته للمفعول ، وعمرو وعلى الأوّلان : سيبويه والكسائيّ ، والآخران عمرو بن العاص وأمير المؤمنين علي (ع) وحكما الأوّل اسم ، والثاني فعل ، أو بالعكس ، دفعا للايطاء (١) ، وزياد الأوّل : والد الفرّاء ، والثاني : زياد بن أبيه ، وابنه المشار إليه ابن مرجانة لعنه الله المرسل في قتلة الحسين (ع) ، وأضم كغضب وزنا ومعنى ، والوصف منه أضم كفرح.

تنبيهان : الأوّل : ما أجاب سيبويه سوال الكسائيّ ، وهو فإذا هو هي ، هو الحقّ ، وهو وجه الكلام مثل : (فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ) [الأعراف / ١٠٨] ، (فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ) [طه / ٢٠] ، وأمّا فإذا هو إيّاها إن ثبت فخارج عن القياس واستعمال الفصحاء كالجزم بلن ، والنصب بلم والجرّ بلعلّ ، وسيبويه وأصحابه لا يلتفتون لمثل ذلك ، وإن تكلّم به بعض العرب ، وحكي الرضيّ أنّ الكسائيّ قال : لا يجوز إلا إيّاها ، وكذلك حكاه الأندلسيّ في شرح المفصّل ، والصواب ما حكيناه أوّلا من أنّه أجاز الوجهين ، فإنّ الكسائيّ لو أنكر الرفع فكان لسيبويه سبيل من تخطئته في الحال بما ورد في القرآن من الرفع ، وهو شائع فيه ، ولم ينقل ذلك ، فدلّ على أنّ الكسائيّ أجاز الرفع والنصب معا ، وقد ذكر في توجيه النصب أمور :

أحدها : أنّ إذا ظرف فيه معنى وجدت ورأيت ، فجاز له أن ينصب المفعول ، وهو مع ذلك ظرف مخبر به عن الاسم بعده ، قاله أبو بكر بن الخيّاط ، وهو خطأ ، لأنّ المعاني لا تنصب المفاعيل الصحيحة ، وإنّما تعمل في الظروف والأحوال ، ولأنّها تحتاج على زعمه إلى فاعل وإلى مفعول آخر.

__________________

(١) الإيطاء هو في علم العروض ، تكرار القافية لفظا ومعنى قبل سبعة أبيات أو عشرة ، وهو عيب من عيوبها. إميل بديع يعقوب وميشال عاصي ، المعجم المفصّل في اللغة والأدب المجلّد الأوّل ، الطبعة الأولى ، بيروت ، دار العلم للملايين ، ١٩٨٧ م ، ص ٢٧٥.

٨٣٩

الثاني : أنّ الأصل فإذا هو موجود إيّاها ، فحذف الخبر لدلالة الكلام عليه ، ومثل هذا : لئن ضربته لتضربنه السّيّد الشريف ، أي لتضربنه كائنا السّيّد الشريف أو موجود السّيّد الشريف ، فينصبون السّيّد الشريف باضمار كائن ونحوه ، فإذا حملت النصب في إيّاها على هذا تخرج ، قاله محمد بن بريّ (١) ، ولا يخفى عليك بطلانه وبعده عن المقيس عليه.

الثالث : أنّ ضمير النصب استتر في مكان ضمير الرفع ، قاله ابن مالك ، وقال ابن هشام : ويشهد له قراءة الحسن البصري : إياك يعبد [الحمد / ٥] ، بالياء المثنّاة من تحت مبنيّا للمفعول ، ولكنّه لا يتأتّى فيما أجازوه من قولهم : فإذا عبد الله القائم بالنصب ، فينبغي أن يوجّه هذا على أنّه نعت مقطوع أو حال على زيادة آل ، وليس ذلك ممّا ينقاس ، ومن جوّز تعريف الحال ، أو زعم أنّ إذا تعمل عمل وجدت ، وأنّها رفعت عبد الله بناء على أنّ الظرف يعمل ، وإن لم يعتمد فقد أخطأ ، لأنّ وجد ينصب الاسمين ، ولأن مجيء الحال بلفظ المعرفة قليل ، وهو قابل للتأويل.

الرابع : أنّه على اسقاط الخافض ، والأصل فإذا هوكها ، أي فإذا الزنبور كالعقرب ، والكوفيّون يجوّزون إدخال الكاف على الضمير ، وسيبويه يختصّ ذلك بالضرورة ، فحذفت كاف التشبيه ، وانتصب الضمير على نزع الخافض ، وليس بشيء لما مرّ في بابه.

الخامس : أنّه مفعول به ، والأصل فإذا هو يساويها أو يشبهها ، ثمّ حذف الفعل ، وانفصل الضمير ، وهذا الوجه لابن مالك أيضا ، ونظيره قراءة علي (ع) (لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) [يوسف / ١٤] بالنصب أي نوجد ، أو نرى عصبة.

السادس : أنّه مفعول مطلق ، والأصل فإذا هو يلسع لسعتها ، ثمّ حذف الفعل كما تقول : ما زيد إلا شرب الإبل ، أي إلا يشرب شرب الإبل ، ثمّ حذف المضاف من لسعتها ، وأقيم المضاف إليه مقامه ، وانتصب لنيابته عن المنصوب ، وانفصل لفقد ما يتّصل به ، نقله الشلوبين في حواشي المفصّل عن الأعلم ، وقال : هو أشبه ما وجّه به النصب.

السابع : أنّ إيّاها كناية عن الجملة ، والتقدير فإذا هو لسعته كلسعتها ، فكنى عن الجملة بقوله : إيّاها ، وانتصاب إيّاها على الحال لكونها كناية عن الجملة ، والجملة

__________________

(١) عبد الله بن بريّ أبو محمد المقدسيّ المصريّ النحويّ اللغويّ ، كان عالما بالنحو واللغة والشواهد ، وصنّف : اللباب في الرّد على ابن الخشاب ، الرّد على الحريري على درّة الغواص ، كانت ولادته سنة ٤٩٩ ه‍ ، ومات سنة ٥٨٢. المصدر السابق ٢ / ٣٤.

٨٤٠

نكره ، وإذا كانت كناية عن النكرة صارت في حكم النكرة ، كما صارت الهاء في قوله : ربّه رجلا نكرة في المعنى ، لكونها كناية عن نكرة ، قاله بعض النّحويّين ، وضعفه ظاهر.

الثامن : أنّه منصوب على الحال من الضمير في الخبر المحذوف ، والأصل فإذا هو ثابت مثلها ، ثمّ حذف المضاف فانفصل الضمير ، وانتصب في اللفظ على الحال على سبيل النيابة ، كما قالوا : قضية ولا أبا حسن لها ، على إضمار مثل ، قاله ابن الحاجب في أماليه. قال ابن هشام : وهو وجه غريب ، أعني انتصاب الضمير على الحال ، وهو مبنيّ على إجازة الخليل : له صوت صوت الحمار بالرفع صفة لصوت بتقدير مثل ، وأمّا سيبويه فقال : هذا قبيح ضعيف ، وممّن قال بالجواز ابن مالك ، قال : إذا كان المضاف إلى معرفة كلمة مثل ، جاز أن تخلفها المعرفة في التنكير ، فتقول : مررت برجل زهير بالخفض صفة للنكرة ، وهذا زيد زهيرا بالنصب على الحال.

[التنبيه] الثاني : يلزم إذا الفجائية الفاء الداخلة عليها ، واختلف فيها ، فقال المازنيّ وجماعة : هي زائدة للتأكيد ، لأنّ إذا الفجائية فيها معنى الاتباع ، ولذا وقعت في جواب الشرط موقع الفاء. وقال مبرمان : هي عاطفة لجملة إذا ومدخولها على الجملة قبلها ، واختاره الشلوبين ، وأيّده أبو حيّان بوقوع ثمّ موقعها في قوله تعالى : (إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ) [الروم / ٢٠] وقال الزجاج : هي للسببيّة المحضة كفاء الجواب.

أم

ص : أم ترد للعطف متّصلة ومنقطعة ، فالمتّصلة المرتبط ما بعدها بما قبلها ، وتقع بعد همزة التسوية والاستفهام ، والمنقطعة كـ «بل» حرف تعريف ، وهي لغة حمير.

ش : الثامنة «أم ترد» على وجهين :

أحدهما : أن تكون «للعطف» منقسمة إلى قسمين «متّصلة ومنقطعة».

«فالمتّصله» هي «المرتبط ما بعدها بما قبلها» ، بحيث لا يستغنى بأحدهما عن الآخر ، لأنّهما مفردان تحقيقا أو تقديرا ، ونسبة الحكم عند المتكلّم إليها معا ، أو إلى أحدهما من غير تعيين ، ولذلك سمّيت متّصلة.

قال الدمامينيّ : وعلى هذا فالاتّصال بين السابق واللاحق ، فاطلق عليها أنّها متّصلة باعتبار متعاطفيها المتّصلين ، فتسميتها بذلك أنّما هو لأمر خارج عنها ، وبعضهم يقول : سمّيت متّصلة ، لأنّها اتّصلت بالهمزة ، حتّى صارتا في إفادة الاستفهام بمثابة كلمة واحدة ، ألا ترى أنّها جميعا بمعنى أي ، فيكون باعتبار هذا المعنى في تسميتها أولى من

٨٤١

الوجه الأوّل ، لأنّ الاتّصال على هذا الوجه راجع إليها نفسها لا إلى أمر خارج عنها ، لكن هذا أنّما يتأتّي في المسبوقة بهمزة الاستفهام لا بهمزة التسوية ، فيرجّح الوجه الأوّل لشموله للنوعين.

وتسمّى أيضا معادلة ، لمهادلتها الهمزة في إفادة التسوية فيما إذا وقعت بعد همزة التسوية ، والاستفهام فيما إذا وقعت بعد همزة الاستفهام. «وتقع بعد همزة التسوية» وقد مرّ معناها نحو : (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) [المنافقون / ٦] ، «والاستفهام» نحو : أزيد عندك أم عمرو؟ وأ في الدار زيد ، أم في السوق؟ والمراد وقوعها بعدهما على سبيل التناوب ، لا معا كما هو الظاهر. والفرق بين الواقعة بعد همزة التسوية (١) والواقعة بعد همزة الاستفهام من أربعة وجوه :

الأوّل والثاني : أنّ الواقعة بعد همزة التسوية لا تستحقّ جوابا ، لأنّ المعنى معها ليس على الاستفهام ، وأنّ الكلام معها قابل للتصديق والتكذيب ، لأنّه خبر ، وليست تلك كذلك ، لأنّ الاستفهام معها على حقيقته ، ويطلب له وبها التعيين لأحد الشيئين بحكم معلوم الثبوت ، فإذا قيل : أزيد عندك أم عمرو؟ قيل في الجواب : زيد ، أو قيل : عمرو ، ولا يقال : لا ولا نعم ، لعدم التعيين ولا تصديق ولا تكذيب مع وجود الاستفهام ، لأنّه إنشاء.

الثالث والرابع : أنّ الواقعة بعد همزة التسوية لا تقع إلا بين جملتين ، ولا تكون الجملتان معها إلا في تأويل المفردين ، وتكونان فعليتين كما مرّ ، واسميّتين كقوله [من الطويل] :

٩٤٢ ـ ولست أبالي بعد فقدي مالكا

أموتي ناء أم هو الآن واقع (٢)

ومختلفين ، نحو : (سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ) [الأعراف / ١٩٣] ، والأخري تقع بين المفردين ، وذلك هو الغائب فيها كما مرّ ، وبين جملتين في معنى المفردين ، وتكونان فعليتين كقوله [من البسيط] :

٩٤٣ ـ فقمت للطّيف مرتاعا فأرّقني

فقلت أهي سرت أم عادني حلم (٣)

وذلك على الأرجح في هي من أنّها فاعل محذوف تفسّره سرت ، والتقدير : أهي سارية أم عائد حلمها ، أي أيّ هذين هي ، واسميّتين كقوله [من الطويل] :

__________________

(١) بعد همزة التسوية سقط في «ح».

(٢) هو لمتمم بن نويرة. اللغة : أبالي : المتكلّم من المبالات ، وهو الإكثرات بالشيء ، ناء : اسم فاعل من نأى بمعنى بعد.

(٣) هو لزياد بن منقذ. اللغة : الطيف : الخيال الطائف في المنام ، وأراد به هنا خيال المحبوبة المرئي في النوم ، مرتاعا حال وهو اسم فاعل من الارتياع من الروع بمعنى الخوف ، سرت : سارت ليلا ، الحلم : رؤيا النوم.

٨٤٢

٩٤٤ ـ لعمرك ما أدري وإن كنت داريا

شعيث ابن سهم أم شعيث ابن منقر (١)

الأصل أشعيث بالهمزة في أوّله ، والتنوين في آخره ، فحذفهما للضرورة ، والمعنى ما أدري أي النسبتين هو الصحيح.

ومختلفين ، نحو : (أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ) [الواقعة / ٥٩] ، وذلك على الأرجح في أنتم من كونه فاعلا ، كأنّه قيل : أيّنا.

تنبيهات : الأوّل : صرحّ ابن الحاجب وجماعة منهم ابن هشام بأنّه يجب في المتّصلة أن يليها أحد الأمرين المطلوب تعيين أحدهما ، ويلي الهمزة المعادل الأخر ، ليفهم السامع من أوّل الأمر الشيء المطلوب تعيينه ، تقول : إذا استفهمت عن تعيين المبتدإ : أزيد قائم أم عمرو؟ وإن شيءت : أزيد أم عمرو قائم؟ والأوّل هو الأكثر ، وتقول إذا استفهمت عن تعيين الخبر : أقائم زيد أم قاعد؟ وإن شئت أقائم أم قاعد زيد.

وفي كتاب سيبويه ما نصّه هذا باب أم ، إذا كان الكلام بها بمترلة أيّهما أو أيّهم ، وذلك قولك : أزيد عندك أم عمرو؟ وأزيدا لقيت أم بشرا؟ ثمّ قال : واعلم أنّك إذا أردت هذا المعنى ، فتقديم الاسم أحسن ، لأنّك لا تسأل عن اللقاء ، وإنّما تسأل عن أحد الاسمين في هذه الحال ، فبدأت بالاسم ، لأنّك تقصد قصد أن تبيّن أي الاسمين ، وجعلت الاسم الأخير عديلا للأوّل ، فصار الّذي لا تسأل عنه بينهما ، ولو قلت : ألقيت زيدا أم عمرا؟ لكان جائزا حسنا ، هذا كلامه ، وهو نصّ في أنّ التقديم في مثله أولويّ لا واجب ، كما قالوه.

ونصّ على ذلك ابن عصفور في المقرّب أيضا ، فقال : والأحسن توسّط الّذي لا يسأل عنه ، ويجوز تقديمه ، ويجوز تأخيره ، وذكر ذلك الرضيّ أيضا ، فقال : إذا ولي المتّصلة مفرد ، فالأولى أن يلي الهمزة قبلها مثل ما وليها ، سواء ليكون أم مع الهمزة بتأويل أي ، والمفردان بعدهما بتأويل المضاف إليه أي فيجوز نحو : أزيد عندك أم عمرو ، بمعنى أيّهما عندك ، وأ في السوق زيد أم في الدار؟ أي في أيّ الموضعين هو ، وتجوز المخالفة بين ما ولياهما ، نحو : أعندك زيد أم عمرو؟ وأ زيد عندك أم في الدار؟ وأ لقيت زيدا أم عمرا؟ جوازا حسنا كما قال سيبويه ، لكن المعادلة أحسن.

الثاني : قال الرضيّ : يجوز أن تأتي بعد سواء ونحوها بأو مجرّدا عن الهمزة ، نحو : سواء على قمت أو قعدت ، ومنع ذلك الفارسيّ ، قال : لأنّه يكون المعنى سواء على أحدهما ، ولا يجوز ذلك يعني أن أو لأحد الشيئين أو الأشياء ، والتسوية تقتضي شيئين فصاعدا ، فما

__________________

(١) هو للأسود بن يغير.

٨٤٣

تقضيه أو مناف لما تقتضيه التسوية ، وتبعه على ذلك ابن هشام في المغني ، فقال : لا يجوز العطف بعد همزه التسوية قياسا ، وقد أولع الفقهاء وغيرهم بأن يقولوا : سواء كان كذا أو كذا ، والصواب الإتيان بأم ، قال : وفي الصحاح تقول : سواء على قمت أو قعدت ، وهو سهو ، وفي الكامل للهذليّ (١) أنّ ابن محيصن (٢) قرأ من طريق الزعفرانيّ (٣) : أولم تنذرهم [البقرة / ٦] ، وهو من الشذوذ بمكان ، انتهى.

قال الرضيّ ، ردّا على الفارسيّ : ويردّ عليه أنّ معنى أم أحد الشيئين أو الأشياء ، فيكون معنى سواء علىّ قمت أم قعدت ، سواء علىّ أيّهما فعلت ، أي الّذي فعلت لتجرّد أي عن معنى الاستفهام ، هذا أيضا ظاهر الفساد ، وإنّما لزمه ذلك في أو وفي أم ، لأنّه جعل سواء خبرا مقدّما ، ما بعده مبتدأ ، والوجه أن يكون سواء خبر مبتدإ محذوف ، تقديره : الأمران سواء علىّ ، ثمّ بيّن الأمرين بقوله : أقمت أم قعدت ، والمعنى إن قمت وإن قعدت ، والجملة الاسميّة المتقدّمة دالّة على جزاء الشرط ، أي إن قمت أو قعدت فالأمران سواء عليّ ، انتهى.

وفي قوله : إنّ معنى أم أحد الشيئين أو الأشياء مسامحة ، إذ هي موضوعة لعطف أحد الشيئين أو الأشياء مرادا به من حيث هو أحدهما أو أحدها وليس معناها نفس أحد الشيئين أو الأشياء.

وفي البديع قال سيبويه : إذا كان بعد سواء همزة الاستفهام ، فلا بدّ من أم ، اسمين كانا أو فعلين ، تقول : سواء علىّ أزيد في الدار أم عمرو ، وسواء علىّ أقمت أم قعدت ، وإذا كان بعدها فعلان بغير ألف الاستفهام ، عطف الثاني بأو ، تقول : سواء علىّ قمت أو قعدت ، فتقديره إن قمت أو قعدت ، فهما علىّ سواء ، فعلى هذا سواء خبر مبتدإ محذوف ، أي الأمران سواء ، والجملة دالّة على جواب الشرط المقدّر ، انتهى. قال الدمامينيّ : بذلك تتبيّن صحّة قول الفقهاء ، وكان ابن هشام توهّم أنّ الهمزة لازمة بعد كلمة سواء في أول جملتيها ، وليس كذلك ، انتهى.

ولا خلاف في جواز (٤) العطف بأو بعد همزة الاستفهام قياسا ، ويكون الجواب عن الاستفهام بنعم أو بلا ، وذلك أنّه إذا قيل : أزيد عندك أو عمر؟ فالمعنى أحدهما عندك أم لا؟ وإن أجبت بالتعيين صحّ ، لأنّه جواب وزيادة ، ويقال : الحسن أو الحسين أفضل أم

__________________

(١) الكامل في القراءات الخمسين ـ لأبي القاسم يوسف بن على بن عبادة الهذليّ المغربيّ المتوفي سنة ٤٦٥ ه‍ وهو مشتمل على خمسين قراءة. كشف الظنون ٢ / ١٣٨١.

(٢) محمد بن عبد الرحمن بن محيصن أعلم قرّاء أهل مكة بالعربية ، انفرد بحروف خالف فيها المصحف ، فترك الناس قراءته ، ولم يلحقوها بالقراءات المشهورة. الأعلام للرزكلي ، ٦ / ١٨٩.

(٣) محمد بن يحيي أبو الحسن الزعفرانيّ النحويّ البصريّ ، قرأ على الفارسيّ الكتاب ، بغية الوعاة ١ / ٢٦٨.

(٤) سقط جواز فى «ح».

٨٤٤

ابن الحنفية؟ فعطف الأوّل بأو ، والثاني بأم ، ويجاب عندنا بقولك : أحدهما وعند الكيسانية (١) بابن الحنفية ، ولا تجوز أن تجيب بقولك : الحسن ، أو بقولك : الحسين ، لأنّه لم يسأل عن الأفضل من الحسن وابن الحنفيّة ، ولا من الحسين وابن الحنفية ، وإنّما جعل واحدا منهما لا بعينه قرينا لابن الحنفيّة ، فكأنّه قال أحدهما أفضل أم ابن الحنفيّة.

الثالث : قد تحذف أم والمعطوف بها كقوله [من الطويل] :

٩٤٥ ـ دعاني إليها القلب إنّي لأمره

سميع فما أدري أرشد طلابها (٢)

أي أم غيّ. قال ابن هشام : ولك أن تقول : لا حاجة إلى تقدير معادل في البيت لصحّة قولك : هل طلالبها رشد ، وامتناع أن يؤتى لهل بمعادل ، وقد يحذف المعطوف عليه بأم كقوله تعالى : (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ) [الزمر / ٩] التقدير : الكافر خير أم هو قانت آناء الليل.

أجاز بعضهم حذف معطوفها بدونها ، فقال في قوله تعالى : (أَفَلا تُبْصِرُونَ* أَمْ) [الزخرف / ٥٢ و ٥١] إنّ الوقف هنا وإنّ التقدير أم تبصرون ، ثمّ يبتدأ : (أَنَا خَيْرٌ) [الزخرف / ٥٢] ، وهذا باطل ، إذ لم يسمع حذف معطوف بدون عاطفة ، وإنّما المعطوفة جملة أنا خير ، وأمّا قولهم : أتفعل هذا أم لا؟ فالحذف إنّما وقع بعد لا ، ولم يقع بعد العاطف ، وأحرف الجواب تحذف الجمل بعدها كثيرا ، وتقوم هي في اللفظ مقام تلك الجمل فكأن الجملة هنا مذكورة لوجود ما يغني عنها.

«والمنقطعة» هي الّتي لم يرتبط ما بعدها بما قبلها ، بل كلّ منهما مستقلّ بفائدته ، لأنّهما جملتان ليستا في تقدير المفردين ، لذلك سمّيت منقطعة ، وقد تسمّى منفصلة ، وهي ثلاثة أقسام :

مسبوقة بالخبر المحض ، نحو : (تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ* أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ) [السجدة / ٣ و ٢].

ومسبوقة بالهمزة لغير الاستفهام ، نحو : (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها) [الأعراف / ١٩٥] ، إذ الهمزة في ذلك للانكار ، فهي بمترلة النفي ، والمتّصلة لا تقع بعده.

ومسبوقة باستفهام بغير الهمزة ، نحو : (هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ) [الرعد / ١٦].

ومعنى أم المنقطعة الإضراب «كبل» ، نحو قوله تعالى : (أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَ

__________________

(١) الكيسانية : فرقة إسلاميّة منقرضة قالت بإمامة محمد بن الحنفيّة.

(٢) وهو لأبي ذؤيب الهذلي ، اللغة : الرشد : خلاف الغيّ ، الطلاب : مصدر طالب بمعنى الطلب.

٨٤٥

النُّورُ) [الرعد / ١٦] ، أي بل هل ، لا يفارقها هذا المعنى عند الجمهور (١) ، والأكثر اقتصارها مع ذلك استفهاما طلبيّا كقولهم : إنّها لأبل أم شاء ، التقدير : بل أهي شاء ، ومعناه أنّك رأيت أشباحا من بعده ، فقلت : إنّها لأبل على سبيل الجزم ، ثمّ حصل شكّ في ذلك ، فقلت : أم شاء بقصد الإضراب ، واستئناف سؤال عن الشاء ، أو استفهاما إنكاريّا نحو : (أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ) [الطور / ٣٩] ، أي بل أله البنات ، إذ لو قدّرت للإضراب المحض لزم المحال ، وهو الإخبار بنسبة البنات إليه ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا ، وقد لا تقتضيه ألبتّة ، فيكون للاضراب وحده كما مرّ.

ونقل ابن الشجري عن جميع البصريّين أنّ أم أبدا بمعنى بل والهمزة جميعا ، وأنّ الكوفيّين خالفوهم في ذلك ، قال : والّذي يظهر قولهم إذ المعنى في نحو : (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ) [الرعد / ١٦] ، ليس على الاستفهام ، ولأنّه يلزم البصريّين دعوي التأكيد في نحو : (أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ) [الرعد / ١٦] ، (أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [النمل / ٨٤] ، (أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ) [الملك / ٢٠].

ووقع للدمامينيّ أنّه أجاب عن الثاني آخذا من كلام السعد التفتازانيّ في حاشية الكشّاف بأنّ أم الداخلة على الاستفهام ليست متّصلة ولا منقطعة ، وردّه بعض الأئمة فقال له : إنّه لا سلف له في ذلك ، وأنّ النحاة متّفقون على أنّ أم لا تخرج عن القسمين ألبتّة.

تنبيهات : الأوّل : قضية كلام المصنّف أنّ بل المنقطعة عاطفة أيضا ، وهو قول ابن جنيّ ، وبه جزم ابن هشام في المغني ، والجمهور على أنّها حرف ابتداء ، وقد مرّ بيانه.

الثاني : قد ترد أم محتملة للاتّصال والانقطاع ، فمن ذلك قوله تعالى : (أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) [البقرة / ٨٠] ، قال الزمخشريّ : يجوز في أم أن يكون بمعنى أيّ الأمرين كأين على سبيل التقدير لحصول العلم بكون أحدهما ، ويجوز أن تكون منقطعة.

الثالث : ذكر أبو زيد أنّ أم تقع زائدة ، وخرج عليه قوله تعالى : (أَفَلا تُبْصِرُونَ* أَمْ أَنَا خَيْرٌ) [الزخرف / ٥٢ و ٥١] ، قال : التقدير أفلا تبصرون أنا خير. قال ابن هشام : والزيادة ظاهرة في قول ساعد بن جؤية (٢) [من البسيط] :

٩٤٦ ـ يا ليت شعري ولا منجي من الهرم

أم هل على العيش بعد الشّيب من ندم (٣)

__________________

(١) عند الجمهور سقط في «ح».

(٢) شاعر هذلي من محضرمي الجاهليه الإسلام.

(٣) اللغة : المنجى : النجاة والخلاص ، الهرم : اقصى الكبر ، الشيب : بياض الشعر.

٨٤٦

والثاني : أن تكون «حرف تعريف» كأل ، «وهي لغة حمير» بكسر الحاء المهملة وسكون الميم وفتح الياء المثنّاه من تحت ، وبعدها راء مهملة ، أبو قبيلة من اليمن ، وهو حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب ، واسم سبأ عبد شمس ، وسبأ لقب له ، وهو يجمع قبائل اليمن عامّة ، والظاهر أنّ المراد بالحمير هنا الجميع على سبيل التغليب ، ونقلت هذه اللغة عن طىّ أيضا ، وهو أبو قبيلة أخرى من اليمن ، وهو طيّ بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن حمير. ووقع لبعض الأدباء الغرّ : وهذه اللغة لتميم ، وهو سهو محض فاحذره.

قال ابن مالك : لما كانت اللام تدغم في أربعة عشر حرفا ، فيصير المعرّف بها كأنّه من المضاعف العين الّذي فاؤه همزة ، جعل أهل اليمن ومن داناهم بدلها ميما ، لأنّ الميم لا تدغم إلا في ميم ، انتهى. وأنشدوا على هذه اللغة [من المنسرخ] :

٩٤٧ ـ ذاك خليلي وذو يواصلني

يرمي ورائي بامسهم وامسلمه (١)

وفي الحديث : ليس من امبرّ امصيام في امسفر (٢) ، كذا رواه النصر بن تولب. وقال بعضهم : إنّ هذه اللغة مختصّة بالأسماء الّتي لا تدغم لام التعريف في أوّلها ، نحو : غلام وكتاب ، بخلاف رجل وناس ولباس ، وحكي لنا بعض طلبة اليمن أنّه سمع في بلادهم من يقول : خذ الرمح واركب امفرس ، ولعلّ ذلك لغة لبعضهم ، لا لجميعهم ، ألا ترى إلى البيت السابق ، وأنّها في الحديث دخلت على نوعين ، انتهى.

قلت : وأقمت في اليمن أربعة عشر شهرا ، فلم أر من يفرق بين الأسماء الّتي تدغم في أوّلها لام التعريف وبين غيرها ، بل كلّهم يبدل اللام ميما في جميع الأسماء فيقول : امرجل ، كما يقول : امغلام.

تنبيهات : الأوّل : قال الأندلسيّ وابن يعيش : الراوية في البيت بالسهم بتشديد السين وإدغام اللام فيها وامسلمة بالميم الساكنة بعد الواو نقله عنهما في الفتح القريب (٣) وأقرّه.

الثاني : قال الأزهريّ : الوجه أن لا تثبت الألف في الكتابة : لأنّها ميم جعلت كالالف واللام ، ونقله عنه في الفتح أيضا ، وفيه مخالفة لظاهر كلامهم.

__________________

(١) البيت لبجير بن غنمة الطائي ، وهو جاهليّ مقلّ. اللغة : بأمسهم : أراد بالسهم ، وامسلمة : أراد السلمة ، الواحدة من السلم ، وهي الحجارة الصلبة.

(٢) صحيح البخاري ٣ / ٨١ رقم ٢٠٢.

(٣) الفتح القريب في حواشي مغني اللبيب ، شرح للشيخ جلال الدين عبد الرحمن السيوطيّ على شواهد المغني. كشف الظنون / ١٧٥٣.

٨٤٧

الثالث : ذكر ابن الحاجب في الشافية أنّ هذه اللغة ضعيفة ، وتعقبه بعض الأئمة ، فقال قد تكلّم بها سيد الفصحاء ، فالحكم عليها بالضعف لا يوافق عليه.

أمّا

ص : أمّا بالفتح والتّشديد ، حرف تفصيل غالبا ، وفيها معنى الشّرط للزوم الفاء ، والتزم حذف شرطها ، وعوّض بينهما عن فعلها جزء ممّا في حيّزها ، وفيه أقوال ، وقد تفارق التفضيل ، كالواقعة في أوائل الكتب.

ش : التاسعة «أمّا بالفتح والتشديد» ، أي بفتح الهمزة وتشديد الميم ، وقد تبدل ميمها الأولى ياء ، استثقالا للتضعيف ، كقول عمر بن أبي ربيعة [من الطويل] :

٩٤٨ ـ رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت

فيضحى وأيما بالعشيّ فيخصر (١)

وهي «حرف تفضيل غالبا» ، لا اسم على ما يتوهّم من تفسيرها بمهما يكن من شيء ، وكونها للتفضيل يدلّ عليه استقراء مواردها وعطف مثلها عليها قال تعالى : (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً) [البقرة / ٢٦] ، (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ* وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) [الضحى / ١٠ و ٩].

قد يترك تكرارها استغناء بذكر أحد القسمين عن الأخر ، بكلام يذكر بعدها في موضع ذلك القسم الآخر ، فالأوّل نحو : (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً* فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ) [النساء / ١٧٥ و ١٧٤] ، وقسيمه في المعنى وأمّا الّذين كفروا به فلهم كذا وكذا.

والثاني نحو : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ) [آل عمران / ٧] ، وقسيمه في المعنى ، وأمّا غيرهم فيؤمنون به ويكلون معناه إلى ربّهم بدليل قوله تعالى : (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا) [آل عمران / ٧] ، أي كلّ من المتشابه والمحكم من عند الله ، والإيمان بهما واجب ، فكأنّه قيل : وأمّا الراسخون في العلم فيقولون.

__________________

(١) اللغة : عارضت : غدت في عرض السماء ، يضحي : يبرز للشمس ، يخصر : يبرد ، والبيت كناية عن مواصلة السفر في النهار وفي العشي.

٨٤٨

«وفيها» أي في مفهوم أمّا «معنى الشرط للزوم الفاء» بعدها كما مرّ ، ولا جائز أن تكون الفاء للعطف لدخولها على الخبر ، ولا يعطف الخبر على مبتدائه ولا زائدة ، إذ لا يصحّ الاستغناء عنها ، فتعيّن أنّها فاء الجزاء. وقال أبو حيّان : هذه الفاء جاءت في اللفظ خارجة عن قياسها ، لأنّها لم تجئ رابطة بين جملتين ولا عاطفة مفردا على مثله ، والتعليل بكون أمّا في معنى الشرط ليس بجيّد ، لأنّ معنى أمّا كما قالوا مهما يكن من شيء ، وجواب مهما يكن من شيء لا يلزم فيه الفاء ، إذا كان صالحا لأداة الشرط ، والفاء لازمة بعد أمّا ، سواء كان ما دخلت عليه صالحا لها أم لم يكن ، ألا ترى أنّه يقال : مهما يكن من شيء لم أبال به ، ويمتنع ذلك في أمّا ، ويجب ذكر الفاء ، فدلّ على لزوم الفاء ليس لأجل ذلك ، انتهى.

وقد تحذف الفاء للضرورة كقوله [من الطويل] :

٩٤٩ ـ فأمّا القتال لا قتال لديكم

ولكنّ سيرا في عراض المواكب (١)

ويجوز حذفها في سعة الكلام إذا كان هناك قول محذوف كقوله تعالى : (فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ) [آل عمران / ١٠٦] ، الأصل فيقال : لهم أكفرتم ، فحذف القول استغناء عنه بالمقول فتبعته الفاء في الحذف ، وربّ شيء يصحّ تبعا ، ولا يصحّ استقلالا ، هذا قول الجمهور ، قال ابن هشام : وزعم بعض المتأخّرين أنّ فاء جواب أمّا لا تحذف في غير الضرورة أصلا ، وأنّ الجواب في الآية : (فَذُوقُوا الْعَذابَ) [آل عمران / ١٠٦] ، والأصل فيقال لهم : ذوقوا ، فحذف القول ، وانتقلت الفاء للمقول ، وإنّ ما بينهما اعتراض ، وكذا قال في الآية الجاثية : (أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ) [الجاثية / ٣١] ، قال : أصله فيقال : ألم تكن آياتي ، ثمّ حذف القول ، وتأخّرت الفاء عن الهمزة.

تنبيه : لم يذكر المصنّف معنى التوكيد لأمّا ، وقلّ من ذكره ، وقد أثبته جماعة من المتأخّرين ، وأحسن من قرّره الزمخشريّ ، فإنّه قال : فائدة أمّا في الكلام أن تعطيه فضل توكيد ، تقول : زيد ذاهب ، فإذا قصدت توكيد ذلك ، وأنّه لا محالة ذاهب ، وأنّه بصدد الذهاب ، وأنّه منه عزيمة ، قلت : أمّا زيد فذاهب ، ولذلك قال سيبويه في تفسيره : مهما يكن من شيء فزيد ذاهب ، هذا التفسير مدلّ بفائدتين : بيان كونه توكيدا ، وأنّه في معنى الشرط ، انتهى.

__________________

(١) هو للحارث بن خالد المخزومي ، اللغة : العراض : جمع عرض بمعنى الناحية ، المواكب : جمع موكب ، بمعنى الجماعة ركبانا أو مشاة.

٨٤٩

أمّا كونه في معنى الشرط فظاهر ، وأمّا وجه التوكيد فإنّه بمترلة التعليق بوجود شيء ما ، لأنّ معنى مهما يكن من شيء أن يقع هذا أو ذاك إلى ما لا يحصى ، وما دامت الدنيا باقية ، فلا بدّ من وقوع شيء فيها ، فيكون المعنى أنّ ذهاب زيد ثابت ألبتّة وعلى كلّ حال. قال الرضيّ : وليس مراد سيبويه من تفسير أمّا بمهما أنّها بمعناها ، وكيف وأمّا حرف ، ومهما اسم ، بل قصده إلى معنى البحت ، وأمّا بمعنى أنّ ، وأصل أمّا زيد فقائم ، أمّا يكن من شيء فزيد قائم ، أي إن يقع شيء في الدنيا يقع قيام زيد ، انتهى.

والتزموا حذف فعل أمّا الّذي هو الشرط لجريه على طريقة واحدة ، وهو يكن أو نحوه ، كما التزموا حذف متعلّق الظرف إذا وقع خبرا مثلا ، وللتنبيه على أنّ المقصود بأمّا حكم الاسم الواقع بعدها لا الفعل.

«وعوّض» ما «بينهما» أي بين أمّا والفاء اللازمة لما بعدها «عن فعلها» المحذوف لزوما «جزء ممّا في حيّزها» ، أي حيّز أمّا كراهة دخول حرف الشرط على فاء الجواب ، ونبّه بقوله : جزء على أنّه لا يعوّض أكثر من واحد لارتفاع الاستكراه بواحد.

«وفيه» أي في الجزء والمذكور «أقوال» ثلاثة.

أحدها : أنّه جزء من جزائها الواقع بعد الفاء ، وهو إمّا مبتدأ نحو : أمّا زيد فمنطلق ، وإمّا معمول لما وقع بعد الفاء ، سواء كان ما بعدها ما يمنع التقديم مع قطع النظر عن الفاء ، نحو : أمّا زيدا فإنّي ضارب أو لم يكن ، نحو : أمّا يوم الجمعة فزيد منطلق ، وذلك لأنّ لأمّا خاصّة في تصحيح التقديم لما يمتنع تقديمه ، وهذا القول عزاه بعضهم لسيبويه وليس بقوله ، وأنّما هو قول المبرّد وابن درستويه والفرّاء ، واختاره ابن الحاجب وابن مالك.

قال أبو حيان : قد رجع المبرّد عن هذا القول إلى قول سيبويه فيما حكاه ابن ولّاد (١) عنه ، قال الزجاجّ : رجوعه مكتوب عندى بخطّه ، فإن قلت : هذا القول لا تشمله عبارة المصنّف ، لأنّ ما وقع عوضا بين أمّا والفاء على هذا القول جزء ممّا في حيّز الجزاء لا ممّا في حيّز أمّا نفسها ، قلت : ما في حيّز الجزاء في حيّز أمّا أيضا.

الثانى : أنّه معمول الفعل المحذوف مطلقا ، أى سواء كان ما بعد الفاء ما يمنع التقديم ، أو لم يكن ، إذ العمل للمحذوف المقدّر في محلّه ، ولا عمل لما بعد الفاء ، فلا أثر لكونه ممّا يمنع التقديم أولا ، فإذا قلت : أمّا زيد فمنطلق ، فالتقدير مهما يذكر زيد فهو منطلق ، وإذا قلت : أمّا يوم الجمعة فزيد منطلق ، فالتقدير مهما تذكر يوم الجمعة فزيد منطلق ، وردّ

__________________

(١) أحمد بن محمد بن ولاد النحوىّ ، كان بصيرا بالنحو أستاذا ، صنّف المقصور والممدود ، مات سنة ٣٣٢ ه‍. بغية الوعاة ١ / ٣٨٦.

٨٥٠

بأنّه لو كان كذلك لجاز النصب في الأوّل بتقدير يحصل أو يذكر بالبناء للفاعل ، والرفع في الثانى بتقدير يحصل أو يذكر بالبناء للمفعول ، ولم يجز اتّفاقا.

وأمّا ما سمع من قول بعضهم : أمّا العبيد فذو عبيد ، وأمّا قريشا فإنّا أفضلها بالنصب في الموضعين ، فقال سيبويه : هى لغة خبيثة قليلة ، قال : ومع ذلك فلا يجوز هذا النصب الضعيف في المعرّف ، إلا إذا كان غير معيّن ، ليكون في موضع الحال كما في الجماء الغفير ، وأمّا إذا أردت بالعبيد عبيدا معينة ، فلا يجوز فيه إلا الرفع ، كما في قولك : أمّا البصرة فلا بصرة لك ، أمّا أبوك فلا أبا لك.

وما وقع لابن هشام في المغنى من قوله : وفي ذلك دليل على أنّه لا يلزم أن يقدّر مهما يكن من شيء ، بل يقدّر غيره ممّا يليق بالمحلّ ، إذ التقدير هاهنا مهما ذكرت فليس بشيء ، لأنّ هذا المسموع الّذي استند إليه لغة خبيثة بنصّ سيبويه ، فكيف يبنى عليه جواز التراكيب العربية ، هذا مع أنّها محتملة للتخريج على خلاف ما ادّعاه.

واستشكل الرضيّ مذهب سيبويه في نصبه على الحال ، وقال : بل هو مفعول به لما بعد الفاء ، لأنّ معنى ذو عبيد أي تملكهم ، وذلك كما روى الكسائىّ أمّا قريشا فإنّا أفضلهم ، أى أغلبهم فى الفضل.

القول الثالث : أنّه لم يكن ما بعد الفاء ما يمنع التقديم ، فهو جزء ممّا في حيّز جزائها ، نحو : أمّا يوم الجمعة فأنا مسافر ، وإن كان نحو : أمّا اليوم فإنّي جالس ، فهو معمول للفعل المحذوف ، لأنّ أن لا يعمل ما بعدها فيما قبلها ، هذا قول سيبويه والمازنىّ والجمهور.

وردّ بأنّ الفاء للجزاء ، وهى مانعة من عمل ما بعدها في ما قبلها ، فالباب كلّه من هذا القبيل ، فلا معنى للتفضيل ، ولا يخفى أنّهم لا يخالفون في أنّ ما بعد فاء الجزاء لا يعمل فيما قبلها ، لكنّهم أجازوه مع الفاء هنا دون غيرها من الموانع لما قاله سيبويه : إنّ ما جاز عمله بعد حذف أمّا والفاعل فيما قبل وإلا فلا ، ألا ترى أنّك لو حذفت أمّا والفاء في قوله تعالى : (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) [الضحى / ٩] ، وقلت : اليتيم فلا تقهر ، لكان جائزا بخلاف نحو : أمّا زيدا فإنّي ضارب ، إذ لو حذفت أمّا والفاء وقلت : زيدا أنّى ضارب لم يجز ، لأنّه لا يجوز تقديم معمول خبر أنّ عليها ، وكذا لا يجوز أمّا درهما فعندي عشرون ، إذ المميّز لا يعمل فيما قبله.

قال ابن الحاجب : والصحيح من هذه الأقوال الثلاثة هو الأوّل ، وهو أنّ الواقع بعد أمّا والفاء جزء من الجملة الواقعة بعد الفاء ، قدّم عليها لغرض العوضيّة ، وذلك لأنّ وضعها لتفضيل الأنواع ، وما ذكر بعدها أحد الأنواع المتعدّدة ، وذكره باعتبار ما

٨٥١

يتعلّق به من الجملة الواقعة بعد الفاء ، والغرض من التقديم الدلالة على أنّه هو النوع المراد تفضيل جنسه ، وكان قياسه أن يقع مرفوعا على الابتداء ، لأنّ الغرض الحكم عليه بحسب ما بعد الفاء ، لكنّهم خالفوا الابتداء إيذانا من أوّل الأمر بأنّ تفصيله باعتبار الصفة الّتي هو عليها في الجملة الواقعة بعد الفاء من كونه مفعولا به أو ظرفا أو مصدرا أو غير ذلك ، ألا ترى أنّك تفرق بين يوم الجمعة من قولك : يوم الجمعة ضربت فيه ، وقولك : ضربت في يوم الجمعة ، وإن كان في الموضعين مضروبا فيه ، إلا أنّه ذكر في الأوّل ليدلّ على أنّه حكم عليه ، ولمّا كان الحكم بوقوع الضرب فيه علم أنّ الضرب واقع فيه ، وفي الثانى ذكر ليدلّ على أنّه الذى وقع الضرب فيه من أوّل الأمر.

فلمّا كان كذلك قصد أن يكون الواقع بعد أمّا من أوّل الأمر على حسب ما هو عليه في جملته ، ولزم أن يكون على معناه وإعرابه الّذى كان له ، وبطل القول بكونه معمول الفعل المحذوف مطلقا ، أو بشرط أن لا يكون هناك مانع ، وتبيّن وجه ما قيل : إنّ لأمّا خاصّة في تصحيح التقديم لما يمتنع تقديمه ، وحاصله التنبيه على أنّ الواقع بعدها هو المقصود بالتفضيل والتخصيص من بين ما في الجملة الواقعة بعد الفاء.

تنبيه : قد يقع بعد أمّا جملة شرطيّة بعدها جواب مقرون بالفاء كقوله تعالى : (فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ* فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ) [الواقعة / ٨٩ و ٨٨] ، واختلف في هذا الجواب لأىّ الأداتين هو ، قال أبو حيان : الصحيح أنّه جواب أمّا ، وأداة الشرط جوابها محذوف لدلالة جواب أمّا عليه ، ولذلك لزم أن يكون فعل الشرط بعد إن ماضيا ، ولا يلزم مضيّه إلا عند حذف الجواب ، كأنّه قيل : مهما يكن من شيء فروح ، إن كان من المقرّبين ، فالفاء جواب الشرط الذى تقدّم ، وجواب إن محذوف ، وهذا مذهب سيبويه.

قال الرضىّ : والدليل على أنّه ليس جواب إن عدم جواز أمّا إن جئتنى أكرمك بالجزم ، ووجوب أمّا إن جئتنى فأكرمك ، مع أنّ نحو : إن ضربتنى أكرمك بالجزم أكثر من نحو : إن ضربتني فاكرمك ، انتهى.

وزعم الأخفش أنّ الجواب المذكور لأمّا وإن معا ، فالأصل عنده مهما يكن من شيء فإن كان من المقرّبين فروح ، ثمّ أنيب أمّا مناب مهما والفعل الذى بعدها ، فصار أمّا إن كان من المقرّبين فروح ، ثمّ قدّمت إن والفعل الّذى بعدها على الفاء ، فصار أمّا إن كان من المقرّبين ، فالتقت الفاءان ، فأغنت إحدهما عن الأخرى فصار فروح ، وقال أبو حيان : كلّها تقادير عجيبه ، ومع ذلك هى باطلة.

وقد أبطل أبو على ظاهر كلام الأخفش بأنّا لم نجد ألفا تكون جوابا لشيئين ، وتأوّل كلامه بأنّها لما كانت لأحدهما ، وأغنت عن الثاني ، صارت كأنّهما جواب

٨٥٢

شرطين ، قال : واضطرب قول أبى علي ، فمرّة قال : لا يفصل بين أمّا والفاء إلا بمفرد ، فالجواب المذكور لإن ، وجواب أمّا محذوف ، وهذا لا يصحّ ، لأنّه متى اجتمع طالبا جواب ، كان الجواب للأوّل منهما ، ومرّة قال بقول سيبويه ، وقال : الجملة إذا لم تستقلّ صارت بمترلة مفرد ، قال : وهذا هو الصحيح. فإذن في المسالة ثلاثة مذاهب : مذهب سيبويه ، ومذهب الأخفش ، مذهب أبي علي في أحد قوليه.

«وقد تفارق» أمّا «التفضيل» فتأتى مجرّدة عنه ، فتكون للاستئناف ، وهذا غير الغائب الّذى فهم من قوله : إنّها حرف تفضيل غالبا «كأمّا الواقعة في أوائل الكتب» والخطب ، وهى المفصول بينها وبين فائها ب بعد مقطوعا عن الإضافة غالبا ، نحو : أمّا بعد فكذا ، واختلف في أوّل من قالها ، فقيل : داود على نبينا وآله وعليه السّلام ، وقيل : يعرب بن قحطان ، وقيل : قس بن ساعدة ، وقيل : سحبان بن وائل ، وهو المشهور ، وهو القائل [من الطويل] :

٩٥٠ ـ لقد علم الحىّ اليمانون أنّنى

إذا قلت أمّا بعد إنّي خطيبها

قال الرضىّ : وقد التزم بعضهم لزوم التفضيل في أمّا وجواز السكوت على قولك : أمّا زيد فقائم ، يدفع دعوى لزوم التفضيل ، وفي حواشى التسهيل لابن هشام : والظاهر أنّ أمّا زيد فقائم ، لا يقال إلا إذا وقع تردّد في شخصين نسباهما أو أحدهما إلى ذلك ، فهي على هذا التفضيل أي ، وأمّا غيره فليس كذلك ، وهذا مقتضى إطلاق المصنّف ، يعنى ابن مالك وغيره أنّها للتفضيل ، نعم الذى هو غير لازم التكرار ، انتهى.

والحق ما ذهب إليه المصنّف ، وعليه جماعة من المحقّقين ، أنّها للتفضيل غالبا ، وقد تفارقه ، إذ لا معنى لتقدير تكرارها مع أمّا الواقعة في أوائل الكتب.

تنبيه : قد تحذف أمّا لكثرة الاستعمال ، نحو قوله تعالى : (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ* وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) [المدّثر / ٤ و ٣ و ٢] ، (هذا فَلْيَذُوقُوهُ) [ص / ٥٧] ، (فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس / ٥٨]. وإنّما يطّرد ذلك إذا كان ما بعد الفاء أمرا أو نهيا ، وما قبلها منصوبا به أو بمفسّر به ، فلا يقال : زيدا فضربت ، ولا زيدا فضربته ، بتقدير أمّا ، وأمّا قولك : وزيد فوجد ، فالفاء زائدة ، وإنّما جاز تقدير أمّا بالقيد المذكور ، لأنّ الأمر لإلزام الفعل لفاعله ، والنهي لإلزام ترك الفعل لفاعله ، فناسبا إلزام الفعل وتركه للمفعول ، وذلك بأن تقدّر أمّا قبل المنصوب ، وتدخل فائها على الأمر والنهي ، فإنّ ما قبل أمّا ملزوم لما بعدها ، قاله الرضيّ.

٨٥٣

إمّا

ص : إمّا بالكسر والتشديد ، حرف عطف على المشهور ، وترد للتفصيل ، نحو : (إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ،) وللإبهام والشّكّ وللتّخيير والاباحة ، وإمّا لازمة قبل المعطوف عليه بها ، ولا تنفكّ عن الواو غالبا.

ش : إمّا بالكسر والتشديد ، أي بكسر الهمزة وتشديد الميم وفتح همزتها لغة تميم وقيس وأسد ، وأنشد قطرب [من المتقارب] :

٩٥١ ـ سأحمل نفسي على آلة

فإمّا عليها وإمّا لها (١)

بالفتح ، وقد تبدل مى مها الأولى ياء مع كسرة الهمزة كقوله [من البسى ط] :

٩٥٢ ـ يا ليتما أمّنا شالت نعامتها

إيما إلى جنّة وإيما إلى النار (٢)

ومع فتحها كقول الآخر [من الطويل] :

٩٥٣ ـ تلقّحها أمّا شمال عريّة

وأمّا صبا جنح العشيّ هبوب (٣)

رواه الفرّاء بالياء وفتح الهمزة ، وهى مركّبة عند سيبويه من إن وما ، وقد تحذف ما كقوله [من الوافر] :

٩٥٤ ـ لقد كذبتك نفسك فأكذبنها

فإن جزعا وإن إجمال صبر (٤)

أي فإمّا جزعا وإمّا إجمال صبر. وقيل : هى بسيطه ، واختاره أبو حيان ، لأنّ الأصل البساطة لا التركيب ، ولا دليل في البيت لجواز كون إن فيه شرطيّة ، والجواب محذوف ، والتقدير : وإن كنت ذا جزع فلا جزع ، وإن كنت ذا إجمال صبر فاجمل.

وهي «حرف عطف على» القول «المشهور» ، والمراد إمّا الثانية في نحو قولك : جاءني إمّا زيد وإمّا عمرو ، وأنكر يونس والفارسيّ وابن كيسان كونها عاطفة ، ووافقهم ابن مالك لملازمتها الواو العاطفة غالبا ، ولا يدخل عاطف على عاطف ، قال : ولأنّ وقوعها بعد الواو مسبوغة بمثلها شبية بوقوع لا بعد الواو مسبوقة بمثلها في لا زيد ولا عمرو فيها ، ولا هذه غير عاطفة بإجماع ، فلتكن إمّا كذلك بل أولى.

وفى شرح المفصّل لابن الحاجب إنّ مجموع قولنا : وإمّا هو العاطف فى جاء إمّا زيد وإمّا عمرو ، قال : ولا يبعد أن يكون صورة الحرف مستقلّة حرفا في موضع وبعض حرف في موضع آخر كيا مع أيا ، وعلى هذا فلا يرد شيء ممّا احتجوا به ، فتأمّل.

__________________

(١) هو للخنساء. اللغة : الآلة : الحالة.

(٢) البيت للأحوص أو لسعد بن قرط. اللغة : شالت : ارتفعت ، النعامة : باطن القدم.

(٣) هو لأبي القمقام الأسدي. اللغة : الشمال : الريح الّتى تهب من ناحية القطب. عريّة : باردة ، الصبا : ريح معروفة.

(٤) هو لدريد بن الصمة.

٨٥٤

وزعم بعضهم أنّ إمّا عطفت الاسم على الاسم ، والواو عطفت إمّا على إمّا ، حكاه ابن الحاجب وجوّزه ، وقال : إنّه لا يبعد. قال ابن هشام : وعطف الحرف على الحرف غريب أي غير موجود ، وأورد عليه أيضا أنّ إمّا الأولى إذا لم تكن للعطف فكيف يصحّ عطف الثانية عليها بالواو المفيدة للجمع المستلزم لشركة المعطوف مع المعطوف عليه في الحكم ، انتهى.

ولا خلاف في أنّ إمّا الأولى غير عاطفة لاعتراضها بين العامل والمعمول في نحو :

قام إمّا زيد وإمّا عمرو بين أحد معمولى العامل ومعموله الآخر ، نحو : رأيت إمّا زيدا وإمّا عمرا ، وبين المبدل منه وبدله نحو قوله تعالى : (إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ) [مريم / ٧٥] ، فإنّ ما بعد الأولى بدل ممّا قبلها ، وادّعى ابن عصفور الإجماع على أنّ إمّا الثانية غير عاطفة أيضا كالأولى ، قال : وإنّما ذكروها في باب العطف لمصاحبتها لحرفه ، انتهى.

ولم يعدّها المصنّف في باب العطف من حروفه. قال الجرجانيّ : عدّها من حروف العطف سهو ظاهر.

«وترد» إمّا «للتفضيل» ، نحو قوله تعالى : (إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) [الإنسان / ٣] ، والظاهر أنّ انتصابها على الحال من الهاء في هديناه ، والمعنى ـ والله أعلم ـ بيّنا له الطريق ، وأوضحناه ، فالحال مقدّرة ، لأنّ المراد بالشكر العمل بما بيّن له ، وبالكفر عدم العمل به ، والعمل بذلك وعدمه ليس مقارنا للتبيين ، فاحتيج إلى الحكم بكون الحال مقدّرة. قال الزمخشرىّ : ويجوز أن يكونا حالين من السبيل ، أى إمّا سبيلا شاكرا وإمّا سبيلا كفورا ، كقوله تعالى : (وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ) [البلد / ١٠] ، فوصف السبيل بالشكر والكفر مجازا. وأجاز الكوفيّون كون إمّا هذه هي إن الشرطيّة وما الزائدة. قال مكي (١) : لا يجيز البصريّون أن يلى الاسم أداة الشرط ، حتّى يكون بعدها فعل يفسّره ، نحو : (وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ) [النساء / ١٢٨] ، وردّ عليه ابن الشجريّ بأنّ المضمر هنا كان بمترلة قوله [من البسيط] :

٩٥٥ ـ قد قيل ذلك إن حقّا وإن كذبا

 ... (٢)

وترد «للابهام» على السامع ، وهو الّذى يعبّرون عنه بالتشكيك ، كقوله تعالى : (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ) [التوبة / ١٠٦] ، فإن الله

__________________

(١) مكي بن أبي طالب صاحب الإعراب ولد سنة ٣٥٥ ه‍ ، كان من أهل التبحّر في علوم القرآن والعربية ، صنف : إعراب القرآن ، الموجز في القراءات ، الهداية في التفسير ، ومات سنة ٤٣٧ ه‍. بغية الوعاة. ٢ / ٢٩٨.

(٢) تمامه «فما اعتذارك عن شيء إذا قيلا» ، وهو للنعمان بن منذر.

٨٥٥

تعالى عالم بحقيقة حالهم ، وما يؤول إليهم ، ولكن أنزل الكلام في قالب لا يجزم السامع معه بأحد الأمرين معيّنا ، ولكنّه يشكّ ، والشكّ كقولك : جاءني إمّا زيد وإمّا عمرو ، إذا لم تعلم الجائي منهما.

و «التخيير» كقوله تعالى : (إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً) [الكهف / ٨٦] ، فخيّر بين تعذيبهم بالقتل على كفرهم ، وبين اتّخاذ الحسن فيهم بإرشادهم وتعليمهم الشرائع ، ويجوز أن يكون المراد بالتعذيب القتل ، وباتّخاذ الحسن الأسر ، لأنّه بالنظر إلى القتل إحسان ، لما فيه من بقاء الحياة مدّة ، والأوّل أولى ، والمشهور أنّه لا بدّ للّتى للتخيير أن تكون واقعة بعد الطلب ، فيكون التقدير في الآية ـ والله أعلم ـ (قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ) افعل (إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ) [الكهف / ٨٦] ، فأن وصلتها بعد أمّا الأوّلى في محلّ نصب على المفعوليّة بالفعل المحذوف ، وما بعد إمّا الثانية معطوف على الأوّل ، أى إمّا تعذيبهم ، وإمّا اتّخاذ الحسن فيهم.

«والاباحة» ، نحو : تعلّم إمّا فقها وإمّا نحوا ، وجالس إمّا الحسن وإمّا ابن سيرين. قال ابن هشام : ونازع في ثبوت هذا المعنى لـ «إمّا» جماعة مع إثباتهم إيّاه ل ـ «أو».

تنبيهات : الأوّل : هذه المعاني الخمسة ترد لـ «أو» أيضا كما تقدّم إلا أنّ إمّا يبنى الكلام معها من أوّل الأمر على ما جيء به لأجله من شكّ وغيره ، ولذلك وجب تكرارها في غير ندور ، و «أو» يفتتح الكلام معها على الجزم ، ثمّ يطرأ الشكّ أو غيره ، قاله في المعنى.

وفيه بحث ، قال الرضىّ : مبنى الكلام مع إمّا على أحد الشيئين أو الأشياء ، وأمّا أو فإن تقدّم إمّا على المعطوف عليه نحو : جاءني إمّا زيد أو عمرو ، فالكلام مبنىّ على ذلك ، وإن لم يتقدّم جاز أن يعرض للمتكلّم معنى أحد الشيئين بعد ذكر المعطوف عليه ، تقول مثلا : قام زيد قاطعا بقيامه ، ثمّ يعرض الشكّ أو يقصد الإبهام ، فتقول : أو عمرو ، ويجوز أن يكون شاكّا أو مبهما من أوّل الأمر ، وإن لم تأت بحرف دالّ عليه كما تقول مثلا : جاءني القوم ، وأنت عازم من أوّل الأمر على الاستثناء بقولك : إلا زيدا ، انتهى.

وهو صريح في عدم تعيين افتتاح الكلام مع أو على الجزم ، وقد يجاب بأنّ معنى افتتاح الكلام معها على الجزم أنّ ذلك بحسب الصورة الظاهرة مع أنّه قد يكون في الواقع كذلك ، وقد لا يكون ، ومعنى طروء الشكّ طروء الدالّ عليه لا أن يكون المتكلّم بها لا بدّ أن يكون جازما ثم يشكّ ، فتأمّله.

الثاني : التحقيق أنّ إمّا إنّما هي لأحد الشيئين أو الاشياء ، والمعاني المذكوره ليست مستفادة من نفس إمّا ، وإنّما يستفاد من غيرها باعتبار محلّ الكلام ، كما قالوا : ذلك في

٨٥٦

أو «وإمّا لازمه قبل المعطوف عليه بها» ، أى بإمّا العاطفة ، أي يلزم أن يكون قبل المعطوف عليه بها إمّا أخرى ، تقول : قام إمّا زيد وإمّا عمرو ، إيذانا من الأوّل الأمر بما بني عليه الكلام من شكّ أو غيره ، وقد سمع ترك إمّا الأولى كقوله [من الطويل] :

٩٥٦ ـ تلمّ بدار قد تقادم عهدها

وإمّا بأموات ألمّ خيالها (١)

والفرّاء يقيسه ، فيجيز : زيد يقوم وإمّا يقعد ، ويجريها مجرى أو ، والبصريّون لا يجيزون فيها إلا التكرير ، وما سمع منها بغير تكرير فنادر ، ولا يقاس عليه.

«ولا تنفكّ» أمّا الثانية «عن الواو غالبا» والمشهور أنّ هذه الواو زائدة لتأكيد العطف ورفع الالتباس بغير العاطفة على المشهور من أنّ إمّا عاطفة ، وقد علمت أنّ منهم من ذهب إلى أنّها هي العاطفة. وقضية كلام ابن الحاجب في شرح المفصّل أنّها من نسخ الكلمة لا زائدة ولا عاطفة ، ومن مجيئها بدون الواو في غير الغالب قوله [من الرجزء المجزوء] :

٩٥٧ ـ لا تفسدوا آبالكم

أيما لنا أيما لكم (٢)

بفتح الهمزة وإبدال الميم ياء وقوله [من البسيط] :

٩٥٨ ـ ...

أيما إلى جنة أيما الى النار (٣)

وقد يستغنى عن إمّا الثانيه بـ «وإلا» ، نحو : إمّا أن تتكلّم بخير وإلا فاسكت ، وقول المثقب العبدى (٤) [من الوافر] :

٩٥٩ ـ فإمّا أن تكون أخي بصدق

فأعرف منك غثي من سميني

وإلا فاطّرحني واتّخذني

عدوّا أتقيك وتتّقيني (٥)

وبأو كقوله [من الطويل] :

٩٦٠ ـ وقد شفّني أن لا يزال يروعني

خيالك إمّا طارقا أو مغاديا (٦)

تنبيه : ليس من أقسام إمّا الّتي فى قوله تعالى : (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً) [مريم / ٢٦] بل هذه إن الشرطيّة ، وما الزائدة ، ولذلك أكّد الفعل بالنون ، وجوابها قوله تعالى : (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً) [مريم / ٢٦] وهو ظاهر.

__________________

(١) نسبت البيت لذي الرمة وللفرزدق. اللغة : ألّم به وعليه : أتاه فترل به وزاره.

(٢) لم يسمّ قائله. اللغة : الآبال : جمع إبل.

(٣) تقدم برقم ٩٥٢.

(٤) هو العائذ بن محصن شاعر جاهلي من ربيعة ، اتصل بعمرو بن والنعمان بن منذر.

(٥) اللغة : الغث : النحيف ، خلاف السمين ، أتّقى : من الاتقاء بمعنى الاجتناب.

(٦) نسب البيت الى الأخطل. اللغة : شفّني : ضمّرني وأرّقني ، يروعني : يفزعني ، طارقا : من طرق : جاء ليلا ، مغاديا : ذاهبا أوّل النهار.

٨٥٧

أيّ

ص : أيّ ، بالفتح والتّشديد ، ترد اسم شرط نحو : (أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ،) واسم استفهام ، نحو : أيّ الرّجلين قام ، ودالّة على معنى الكمال ، نحو : مررت برجل أيّ رجل ، ووصلة لنداء ذي اللّام ، نحو : يا أيّها الرجل ، وموصولة ، ولا يعرب من الموصولات سواها ، نحو : أكرم أيّا اكرمك.

ش : الحادية عشر «أيّ بالفتح والتشديد» ، أي بفتح الهمزة وتشديد الياء ، ترد على خمسة أوجه :

أحدها : أن تكون «اسم شرط» ، نحو قوله تعالى : (أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) [الإسراء / ١١٠] ، بدليل جزم تدعوا ، أو إدخال فاء الرابطة على الجملة الاسمية ، وهى الجواب ، وقول الشاعر [من الخفيف] :

٩٦١ ـ أيّ حين تلمّ بي تلق ما شئ

 ... ت من الخير فاتّخذني خليلا (١)

والثانى : أن تكون اسم استفهام ، ويستفهم بها عمّا يميّز أحد الشيئين المتشاركين أو الأشياء المتشاركة في أمر هو مضمون ما أضيفت إليه ، نحو : أيّ الرجلين قام ، فالاستفهام هنا عمّا يميّز أحد المتشاركين في الرجلية. قال صاحب المفتاح : يقول القائل : عندى ثياب ، فتقول : أيّ الثياب ، فتطلب منها وصفا يميّزها عمّا يشاركها فى الثوبيّة ، انتهى.

وقد تخفّف ياء أيّ هذه كقوله [من الطويل] :

٩٦٢ ـ تنظّرت نصرا والسّماكين أيهما

عليّ من الغيث استهلّت مواطره (٢)

تنبيه : أيّ الشرطيّة والاستفهاميّة بمترلة كلّ مع النكرة وبمترلة بعض مع المعرفة ، تقول : أيّ غلام أتى؟ وأيّ غلامين أتيا؟ وأيّ غلمان أتوا؟ وأيّ رجل تضرب أضربه ، وأيّ رجلين تضرب أضربهما ، وأيّ رجال تضرب أضربهم ، كما إذا صرّح بلفظ كلّ مضافا إلى النكرة ، تقول : أيّ الغلامين أتى ، وأيّ الغلمان أتى ، وأيّ الرجلين تضرب أضربه ، وأيّ الرّجال تضرب أضربه ، كما تقول ذلك عند التصريح بلفظ بعض.

ويضافان إلى نكرة بلا شرط ، نحو : أيّ رجل عندك؟ وأيّ رجل تضرب أضربه ، وإلى المعرفة بشرط إفهام تثنية أو جمع أو قصد أجزاء أو تكريرها معطوفة بالواو ، نحو :

__________________

(١) لم يذكر قائله. اللغة : تلمّ بي : تأتيني.

(٢) هو للفرزدق. اللغة : تنظّره : تأمّله بعينه ، نصر : هو نصر بن سيّار ، السماكين : تثنية سماك ، وهما نجمان نيران في منازل القمر ، الغيث : المطر ، استهلت : صبّت ، المواطر : جمع ماطره ، أي صاحبة المطر ، وهي صفة للسحاب أي صبّت سحائبه المواطر.

٨٥٨

أيّ الرجلين عندك؟ وأيّهما عندك؟ وأيّ الغلامين أو أيّهما جاءك فأكرمه ، وأيّ الرجال أو أيّهم عندك؟ وأيّ الرجال جاءك فأكرمه ، وأيّ زيد أحسن؟ أي أيّ أجزائه ، وأيّ زيد رأيت أعجبني ، تقديره أيّ أجزاءه ، وأيّ زيد وأيّ عمرو جاءك؟ وأيّ بكر وأيّ خالد جاءك فأكرمه ، لأنّ المعنى حينئذ أيّهما جاءك ، كلّ ذلك يصحّ فيها معنى البعضيّة.

«و» الثالث : أن تكون «دالّة على معنى الكمال» ، فيقع صفة لنكرة مذكورة غالبة ، ويلزم إضافتها لفظا ومعنى إلى ما يماثل موصوفها لفظا ومعنى ، «نحو : مررت برجل أيّ رجل». قال ابن المالك : أو معنى لا لفظا ، نحو : مررت برجل أيّ انسان ، قيل : وإنّما قاله بمحض القياس ، ولا يعلم له فيه سماع. قال الفارسىّ : إذا قلت : مررت برجل أيّ رجل ، فرجل الأوّل غير الثانى ، لأنّ الأوّل واحد ، والثانى جنس ، لأنّ أيّا بعض ما يضاف إليه ، انتهى.

ودلالتها على معنى الكمال باعتبار ما تضاف إليه ، فإن أضيفت إلى مشتقّ من صفة يمكن المدح بها كقولك : مررت بفارس أيّ فارس ، فهي للكمال في الفروسيّة ، والثناء على الموصف خاصّ بهذه الجهة ، وإن أضيفت إلى غير مشتقّ كما في قولك : مررت برجل أيّ رجل ، فهى للكمال في الرجوليّة والثناء على الموصوف بكلّ ما يمدح به الرجل.

وفى شرح الحاجبيّة لنجم الدين سعيد معنى قولك : مررت برجل أيّ رجل ، وصف الرجل بكمال الرجوليّة ، قيل : فيه معنى التعجّب ، لأنّ المتعجّب إنّما يتعجّب من شيء خارج عن حدّ أشكاله ، فإذا خرج عن حدّها فقد استبهم أمره ، فيؤتى بكلمة الإبهام ، ومعناه برجل قد انتهى في كماله في الرجوليّة إلى حدّ يجب أن يستفهم عنه لخفاء سببه ، قال : وعبارتهم في تقرير معناه تدلّ على أنّ أيّا استفهاميّة ، لكن الاستفهام لا يجامع الوصف ، فالوجه أن يحمل على أنّها فى الأصل استفهاميّة ، لا أنّها الآن استفهاميّة ، واشترط أن تضاف إلى مثل المنعوت ، لأنّ المراد بها بيان كماله في الخصلة الدالّ هو عليها من الرجوليّة ونحوها ، فلا يجوز : جاء رجل أيّ عالم ، انتهى.

وإنّما لم يوصف بها المعرفة ، لأنّها لو أضيفت إلى معرفة كانت بعضا ممّا تضاف إليه ، وذلك لا يتصوّر في الصفة ، وقد يحذف موصوفها النكرة كقوله [من الطويل] :

٩٦٣ ـ إذا حارب الحجّاج أيّ منافق

 ... (١)

__________________

(١) تمامه «علاه بسيف كلّما هزّ يقطع» ، وهو للفرزدق. اللغة : هزّ : حرّك.

٨٥٩

أى منافقا أىّ منافق ، وهذا في غاية الندور ، لأنّ المقصود بالوصف بأيّ التعظيم ، والحذف مناف لذلك.

وذكر ابن مالك أنّ أيّا عند دلالتها على الكمال تقع حالا بعد المعرفة ، كقوله [من الطويل] :

٩٦٤ ـ فأومأت إيماء خفيّا لحبتر

ولله عينا حبتر أيّما فتى (١)

أنشده بنصب أيّ على الحال. قال أبو حيّان : ولم يذكر أصحابنا وقوعها حالا ، وأنشدوا البيت برفع أيّما على الابتداء ، والخبر محذوف ، والتقدير أيّ فتى هو. وأجاز الأخفش وقوعها نكرة موصوفة قياسا على من وما ، نحو : مررت بأيّ ، والجمهور على منعه لعدم ورود السماع به.

«و» الرابع : أن تكون «وصلة لنداء ذي اللام» ، نحو : يا أيّها الرجل ، وذلك أنّهم استكرهوا اجتماع أداتي تعريف ، وإن كان في إحداهما من الفائدة ما ليس في الأخرى كما تقدّم ، فحاولوا أن يفصلوا بينهما باسم مبهم يحتاج إلى ما يزيل إبهامه ، فيصير المنادى في الظاهر ذلك المبهم ، وفي الحقيقة ذلك المخصّص الّذى يزيل الإبهام ، ويعيّن الماهية ، فوجدوا ذلك الاسم أيّا ، إذا قطع عن الإضافة ، واسم الاشاره ، حيث وضعا مبهمين مشروطا إزالة إبهامها ، إلا أنّ أيّا أجدر بهذا الغرض ، لأنّها أحوج إلى الوصف من اسم الإشارة ، لأنّها وضعت مبهمة ، وإنّما يزال إبهامها باسم بعدها بخلاف اسم الإشارة ، فإنّ إبهامه كما يزال بالوصف يزال بالإشارة الحسيّة أيضا ، فلهذا جاز يا هذا ، ولم يجز يا أيّ ، والتزموا بعدها هاء التنبيه تنبيها على أنّ المنادى الحقيقيّ ما بعدها.

قيل : وللتعويض عن مضافها المحذوف ، وحكمها الفتح عند أكثر العرب ، ويجوز ضمّها فى لغة بني أسد (٢) وقرئ بالسبع : (يا أَيُّهَا السَّاحِرُ) [الزخرف / ٤٩] ، وقيل : إنّ هاء التنبيه فى يا أيّها الرجل ، ليست متّصلة بأيّ ، بل منقولة من اسم الإشارة ، والأصل يا أيّهذا الرجل ، فأيّ منادى ، ليس بموصوف ، وهذا الرجل استئناف بتقدير هو لبيان إبهامه وحذف ذا اكتفاء بها منها لدلالة الرجل عليها ، وعليه الكوفيّون.

وزعم الأخفش أنّ أيّا لا يكون وصلة ، وأنّ هذه موصولة ، حذف صدر صلتها ، وهو العائد ، والمعنى يا من هو الرجل. قال ابن هشام : ويردّه أنّه ليس لنا عائد يجب حذفه ، ولا موصول التزم كون صلته جملة اسميّة ، وله أن يجيب عنها بأنّ ما في قولهم : لا سيّما زيد بالرفع كذلك ، انتهى.

__________________

(١) هو للراعي النميرىّ. اللغة : أومأت : أشرت باليد أو بالحاجب أو نحوهما.

(٢) قبيلة من ربيعة من عرب الشمال أو العدنانيون.

٨٦٠

«و» الخامس : أن تكون «موصولة» ، وقد مرّ الكلام عليها فى باب الموصولات ، وأنّ ثعلب زعم أنّ أيّا لا تكون موصولة أصلا ، فليرجع إليه. «ولا يعرب من» أخواتها «الموصولات سواها» على اختلاف في اللّذان واللّتان وذو الطائفة ، وإنّما أعربت دون أخواتها ، لأنّ شبهها بالحرف في الافتقار معارض بلزومها الإضافة في المعنى ، والإضافة من خواصّ الأسماء ، فبقيت على مقتضى الأصل في الأسماء من الإعراب لسلامته من المعارض ، ولها أربع حالات.

إحداها : أن لا تضاف ، ولا يذكر صدر صلتها ، نحو : أكرم أيّا أكرمك.

الثانية : أن تضاف ، ويذكر صدر صلتها ، نحو : يعجبنى أيّهم هو قائم.

الثالثة : أن لا تضاف ، ويذكر صدر صلتها ، نحو : يعجبنى أيّ هو قائم.

الرابعة : أن تضاف ، ولا يذكر صدر صلتها ، نحو : أعجبنى أيّهم قائم.

وهي في ما عدا الحالة الرابعة معربة عند سيبويه وجمهور البصريّين ، ومبنيّة في الحالة الرابعة عندهم ، وطائفة من البصريّين قالوا بإعرابها مطلقا ، وهو قضية إطلاق المصنّف هنا ، لكن يأباه عدّها في المبنيّات مع أخواتها ، فتأمّل. وقد أسلفنا الكلام على إعرابها وبنائها مستوفيا هنالك (١).

تنبيه : لا تستعمل أيّ مقطوعة عن الإضافة لفظا ومعنى إلا في النداء والحكاية ، يقال : جاءني رجل ، فتقول : أيّ يا هذا ، وجاءني رجلان ، فتقول ، أيّان ، وجاءني رجال ، فتقول : أيّون ، وقطعها عن الإضافة فى غير هذين البابين أنّما هو بحسب اللفظ دون المعنى.

__________________

(١) حول أيّ في الآية الشريفة (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ) هناك خلاف طويل بين النحاة ، وذهب سيبويه إلى أنّه مبنيّ على الضمّ لسقوط صدر الجملة الّتي هي صلته ، حتّى لو جيء به لأعرب. وبعض الكوفيّين يقرؤونها بالنصب «أيهم» وهي لغة جيّدة (الكتاب ١ / ٤٦٥). وابن مالك أيضا يقبل رأي سيبويه ويقول :

أيّ كما وأعربت ما لم تضف

وصدر وصلها ضمير انحذف

(شرح ابن عقيل ١ / ١٦١)

أي أعربت «أيّ» إذا لم تضف في حالة حذف صدر الصلة ، وإذا أضيفت وحذف ضمير صدر الصلة بنيت. وقال الزّجّاج مستنكرا رأي سيبويه : ما تبيّن لي أنّ سيبويه غلط إلا في موضعين ، هذا أحدهما ، فإنّه يسلم أنّها تعرب إذا أفردت ، فكيف يقول ببنائها إذا أضيفت. ويقول الطبرسي في مجمع البيان : إنّ الصلة مثل المضاف إليه ، فكما أنّ المضاف إليه لمّا حذف بني المضاف ، فكذلك لمّا حذف العائد من الصلة إلى الموصول هنا بني (ح ٥ و ٦ ص ٨٨). ويذهب الكسائي ويونس إلى أنّ الفعل معمل في موضع (مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ) وكان أيّهم منقطعا من هذا الجملة ، وكانت جملة مستأنفة. وزعم بعض أنّ أيّا في الآية استفهاميّة ، وأنّها مبتدأ ، وأشدّ خبره ، ثمّ اختلفوا في مفعول نترع ، فقال الخليل محذوف ، والتقدير لنترعنّ الّذين ، وقال يونس : المفعول الجملة ، وقال الكسائي والأخفش : المفعول كلّ شيعة.

يبدو أنّه إذا قرئ «أيهم» بالنصب فهي بناء على أنّ أيّ معرب وهي كما قال سيبويه : لغة جيّدة. وابن مالك أيضا يشير إلى إعرابها ، حيث يقول :

وبعضهم أعرب مطلقا وفي

ذا الحذف أيّا غير أيّ يقتفي

(شرح ابن عقيل ١ / ١٦٣)

أي بعض النّحويّين أعرب «أيّا» مطلقا. وإذا قرئ (أَيُّهُمْ) بالضّمّ فالصحيح مذهب سيبويه ، ورأي سائر النحاة لا يناسب ترجمة الآية وتفسيرها ، لأنّ أيّ في موضع مفعول به.

٨٦١

بل

ص : بل حرف عطف ، وتفيد بعد الإثبات صرف الحكم عن المعطوف عليه إلى المعطوف ، وبعد النهي والنفي تقرير حكم الأوّل وإثبات ضدّه للثاني ، أو نقل حكمه إليه عند بعض.

ش : الثانية عشرة «بل» ، وهو «حرف عطف ، وتفيد بعد الإثبات» أى الإيجاب «صرف الحكم عن المعطوف عليه إلى المعطوف» ، نحو : قام زيد بل عمرو ، واضرب زيدا بل عمرا ، فيصرف الحكم بالقيام ، والأمر بالضرب عن زيد إلى عمرو ، ويصير المعطوف عليه مسكوتا عنه ، فلا يحكم عليه بشيء ، كأنّ المتكلّم قال : أحكم على الثاني ، ولا أتعرّض للأوّل ، لأنّه منفيّ عن الحكم عليه قطعا.

وفي كلام ابن الحاجب إنّها تقتضي في نحو : جاءني زيد بل عمرو عدم مجيء زيد قطعا ، أمّا إذا انضمّ إليها لا ، كجاءني زيد لا بل عمرو ، فتفيد عدم مجيء زيد قطعا.

وتفيد «بعد النهي أو النفي تقرير حكم الأوّل» ، وهو المعطوف عليه «إثبات ضدّه للثاني» ، وهو المعطوف ، نحو : ما جاءني زيد لا بل عمرو ، ولا تضرب زيدا بل عمرا ، فتقرّر حكم النفي والنهي لزيد مثبتا ضدّه لعمرو ، كما لو قلت : ما جاءني زيد لكن عمرو ، ولا تضرب زيدا لكن عمرا ، فيستفاد تقرير عدم مجيء زيد والنهي عن الضرب له وإثبات المجيء له والأمر بالضرب لعمرو ، هذا ما ذكره الجمهور ، وقال الرضىّ : ظاهر كلام الأندلسيّ أنّ الأوّل مسكوت عنه كما في الايجاب ، ثمّ استظهره ، وبه جزم المولى سعد الدين [التفتازانيّ].

«أو نقل حكمه» عطف على تقرير الحكم الأوّل ، أي تفيد بعد النفي أو النهي نقل حكم الأوّل «إليه» ، أي إلى الثاني. «عند بعض» أى بعض النحاة ، وهو المبرّد ، وتبعه عبد الوارث (١) ، فأجاز مع موافقها للجمهور فيما تقدّم أن تكون ناقلة حكم متلوّها لتاليها ، كما إذا وقعت بعد الإثبات ، فعلى قولها : يجوز ما زيد قائما بل قاعدا بالنصب ، وما زيد قائما بل قاعد بالرفع ، ويختلف المعنى ، فمع النصب يكون القعود منفيّا على معنى بل ما هو قاعدا ، ومع الرفع يكون مثبتا ، أي بل هو قاعد. قال غير واحد من الأئمة : وما أجازاه مخالف لاستعمال العرب.

__________________

(١) لعلّه أبو المكارم عبد الوارث بن عبد المنعم ، عالم فى النحو واللغة والأدب ، أخذ عن أبى العلاء المعرّي. مغنى اللبيب ، ص ١٥٢.

٨٦٢

تنبيهات : الأوّل : صريح كلامه أنّ بل يعطف بها مطلقا ، سواء كانت بعد الإيجاب أو غيره ، وهو مذهب البصريّين ، منع ذلك الكوفيّون بعد غير النفى وشبهه. قال هشام (١) : محال ضربت زيدا بل إيّاك. قال أبو حيّان : وهذا من الكوفيّين مع كونهم أوسع من البصريّين فى اتّباع شواذّ العرب دليل على أنّه لم يسمع العطف بهما فى الإيجاب أو على قلّته ، ولا يعطف بها بعد الاستفهام وفاقا.

الثانى : قضية إطلاقه أنّ بل تعطف الجمل كما تعطف المفردات ، والصحيح أنّ الداخلة على الجملة حرف ابتداء لا عاطفة ، وأنّها لا تكون عاطفة ، إلا إذا تلاها مفرد ، ومعناها الإضراب مطلقا ، فإن تلاها جملة كان معنى الإضراب إمّا الإبطال نحو : (وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ) [الأنبياء / ٢٦] أى بل هم عباد ، ونحو : (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِ) [المومنون / ٧٠] وإمّا الانتقال من غرض إلى آخر نحو : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى* بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا) [الأعلى / ١٦ و ١٥ و ١٤] ، ونحو : (وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ* بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا) [المومنون / ٦٣ و ٦٢].

وذكر ابن مالك في شرح كافيته أنّها لا تقع في التتريل إلا على هذا الوجه ، ووهمه في ذلك جماعة بدليل ورودها للإبطال في الأيتين السابقتين. قال الدمامينىّ : ومجمل هذا الكلام عند ابن مالك أنّها لا يقع بيقين في القرآن إلا للتنبيه على انتفاء أمر واستئناف غيره ، فلا يتمّ توهيمه بتينك الآيتين الشريفتين ، إذ ليس الإضراب على وجه الإبطال متعيّنا في شيء منهما لاحتمال أن يكون الإضراب فيهما عن القول لا عن القول المحكيّ ، ولا شكّ أن الإخبار بصدور ذلك منهم ثابت ، لا يتطّرق إليه الإبطال بوجه ، فيكون الإضراب فيهما لمجرّد الانتقال من أمر إلى استئناف آخر ، انتهى. وسبقه إلى ذلك ابن الصائغ في حاشية المغنى.

الثالث : علم ممّا تقرّر أنّ بل تكون للاستدارك كالإضراب. قال ابن هشام في المغنى : والنحويّون يقولون : بل حرف إضراب ، والصواب حرف استدارك وإضراب ، فإنّها بعد النفي والنهي بمترلة لكن سواء.

الرابع : تزاد لا قبل بل لتوكيد الإضراب بعد الإيجاب كقوله [من الخفيف] :

٩٦٥ ـ وجهك البدر لا بل الشّمس لو لم

يقض للشمس كسفه أو أفول (٢)

__________________

(١) لعلّه هشام بن معاوية الضرير أبو عبد الله النحويّ الكوفيّ ، أحد أعيان أصحاب الكسائيّ ، صنّف : مختصر النحو ، الحدود ، القياش ، توفّي سنة ٢٠٩ ه‍ ، بغية الوعاة ٢ / ٣٢٨.

(٢) لم يسمّ قائله. اللغة : الكسفة : فعلة من الكسوف وهو التغيير إلى السواد ، الأفول : الغروب.

٨٦٣

ولتوكيد تقرير ما قبلها بعد النفي والنهي ، ومنعها ابن درستويه بعد النفي ، وزاد ابن العصفور النهي قالا : لأنّه لم يسمع ، وردّ بقوله [من البسيط] :

٩٦٦ ـ وما هجرتك لا بل زادني شغفا

هجر وبعد تراخى لا إلى أجل (١)

وقوله [من الخفيف] :

٩٦٧ ـ لا تملّنّ طاعة الله لا بل

طاعة الله ما حييت استديما (٢)

قاله في الهمع تبعا لابن هشام في المغني ، وما ذكره من أنّها زائدة قبل بل لتوكيد الإضراب بعد الإيجاب محلّ نظر.

وقد قال الرضيّ : إذا ضممت لا إلى بل بعد الإيجاب نحو : قام زيد لا بل عمرو ، واضرب زيدا لا بل عمرا ، فمعنى لا يرجع إلى ذلك الإيجاب والأمر المتقدّم لا إلى ما بعد بل ففي قولك : لا بل عمرو ، نفيت بلا القيام عن زيد ، وأثبتّه لعمرو ، ولو لم تجيء بلا لكان قيام في حكم المسكوت عنه ، يحتمل أن يثبت وأن لا يثبت ، وكذا في اضرب زيدا لا بل عمرا ، أى لا تضرب زيدا ، بل اضرب عمرا ، ولو لا لا المذكورة لاحتمل أن يكون أمرا بضرب زيد ، وأن لا يكون مع الأمر بضرب عمرو ، هذا كلامه ، وهو نصّ في أنّ لا الواقعة قبل بل فيما ذكر ليست بزائدة ، بل أتى بها لتأسيس معنى لم يكن قبل وجودها ، فالقول بزيادتها ليس بشيء ، ومن حاول التقصّي عن ذلك يحمل الزيادة على معنى أنّها ليست للعطف فقد تمحّل.

حاشا

ص : حاشا ترد للاستثناء حرفا جارّا ، أو فعلا جامدا ، وفاعلها مستتر عائدا إلى مصدر ، يصاغ ممّا قبلها ، أو اسم فاعل ، أو بعض مفهوم ضمنا منه ، للتتريه ، نحو : حاشا لله ، وهل هي اسم بمعنى براءة ، أو فعل بمعنى برئت ، أو اسم فعل بمعنى أبرّأ ، خلاف.

ش : الثالثة عشرة «حاشا» ترد «للاستثناء حرفا جارّا» ، فيجرّ المستثنى بعدها كما مرّ في بابه ، «أو فعلا» متعدّيا «جامدا» قاصرا على لفظ الماضى فلا يتصرّف بمضارع ولا أمر لتضمّنه معنى إلا ، فينتصب المستثنى بعده كما مرّ ، و «فاعلها» حينئذ ضمير مستتر عائد إلى مصدر يصاغ ممّا قبلها ، سواء كان ما قبلها فعلا ، نحو : قام القوم حاشا زيدا ، المعنى

__________________

(١) لم يسمّ قائله. اللغة : هجر : ترك ، شغفا : مصدر شغف به وبحبّه بمعنى أحبّه وأولع به ، التراخي : زمان يسير.

(٢) البيت مجهول القائل.

٨٦٤

جانب هو ، أي قيامهم زيدا ، أو كلاما يتصيّد منه مصدر ، يمكن عود الضمير عليه ، نحو : القوم إخوتك حاشا زيدا ، المعنى : جانب هو ، أى انتسابهم إليك بالأخوّة زيدا ، فيفهم من ذلك أنّ زيدا ليس بأخ ، وهو المقصود بالاستثناء ، إذ لو كان أخا للمخاطب لم يتجاوز غيره بانتساب الأخوّة إليه ، وعبارة المصنّف هذه أحسن من عبارة غيره ، حيث قال : عائد إلى مصدر الفعل المتقدّم عليها لشمولها ، ولذلك أورد على تلك العبارة أنّه لا يطّرد فيها ذلك لانتقاضه بما إذا فقد الفعل كالصورة الثانية.

أو عائدا إلى «اسم فاعل مفهوم منه» أى ممّا قبلها ، سواء كان فعلا أو كلاما كما تقدّم ، فالمعنى على الأوّل في نحو : قام القوم حاشا زيدا ، جانب القائم منهم زيدا ، وعلى الثاني في نحو : القوم إخوتك حاشا زيدا ، جانب المنتسب إليك بالأخوّة زيدا ، فهذان قولان في مرجع الضمير ، الأوّل للكوفيّين ، والثاني لسيبويه.

وردّ الأوّل بأنّ فيه تقدير ما لم يلفظ به قطّ ، وذهب جمهور البصريّين إلى أنّه عائد على البعض المفهوم من الكلّ السابق ، فلمعنى في نحو : قام القوم حاشا زيدا ، جانب بعضهم زيدا ، واختاره ابن مالك في متن التسهيل ، ونكل عنه في شرحه ، وضعفه بأنّه يلزم من تقدير البعض أن يراد بالبعض من سوى المستثنى ، فيلزم إطلاق البعض على الكلّ إلا واحدا ، وهذا وإن صحّ ، فلا يحسن لقلّته في الاستعمال ، ثمّ اختار مذهب الكوفيّين. وذهب الفرّاء إلى أنّ حاشا فعل لا فاعل له ك قلّما لما أشربته من معنى إلا ، قال أبو حيان : فيمكن القول في خلا وعدا بذلك.

تنبيه : هذا الخلاف في مرجع الضمير المذكور جاز في الضمير الّذى هو فاعل عدا وخلا وما عدا وما خلا وليس ولا يكون ، وقد تقدّم الوعد في باب الاستثناء بذكره هنا ، إذا ولي حاشا مجرور باللام نحو : حاشا لله ، فليست للاستثناء ، وخرجت عن كونها حرفا بالاجماع ، وإنّما هي تتريهية ، وهل هي حينئذ اسم مصدر بمعنى براءة أي تتريها ، فتكون اسما مرادفا له ، تنتصب انتصاب المصدر الواقع بدلا من اللفظ بفعله فمن قال : حاشا لله ، فكأنّه قال : تتريها لله ، أو فعل ماض بمعنى برئت ، والمعنى في نحو : حاشا لله برئت لله أي لخوفه ومراقبته ، ومثل هذا التأويل لا يأتى فى نحو : (حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً) [يوسف / ٣١] ، لأنّه مقام تعجّب لا تبرئة ، أو اسم فعل بمعنى أبرّأ ، فمعنى حاش لله ، أبرّأ لله كما تقدّم ، فيه «خلاف».

فالأوّل قول جماعة من المحقّقين ، منهم ابن مالك وابن هشام والرضيّ ، واستدلّوه عليه بجواز تنوينها كقراءة أبي سماك (١) : حاشا لله بالتنوين ، فهذا مثل قولهم سقيا لزيد

__________________

(١) لم أجد ترجمة حياته.

٨٦٥

ورعيا لخالد. قرأ ابن مسعود : حاش الله بالاضافة ، فهذا مثل : (سُبْحانَ اللهِ) [يوسف / ١٠٨] و: (مَعاذَ اللهِ) [يوسف / ٢٣]. قال ابن هشام : وليستا جارّا ومجرورا ، كما توهّم ابن عطية ، لأنّها إنّما تجرّ في الاستثناء ، ولتنوينها في القراءة الأخرى ، ولدخولها على اللام في قراءة السبعة ، والجارّ لا يدخل على الجارّ ، انتهى.

وإنّما ترك التنوين في قراءة الجماعة لبنائها من حيث اشبهت حاشا الحرفية لفظا ومعنى ، لأنّ معنى الحرفيّة الاستثناء ومعنى التتريهية الإبعاد عن السوء ، وهما متقاربان ، وإنّما نوّنت في تلك القراءة لإلغاء الشبه المذكور ، فهي معربة كما أنّ بني تميم أعربوا حذام كذلك ، وزعم النبيليّ (١) ، أنّ حرفيّة حاشا لا تتوقّف على الاستثناء ، وردّ على ابن الحاجب تقييد حرفيّتها في باب حرف الجرّ بقوله : وخلا وعدا وحاشا للاستثناء ، وزعم أنّه يقال : حاشا زيد أن يقوم على الابتداء والخبر والتقديم والتأخير كما تقول : على زيد أن تقوم ، وهو خلاف المشهور.

والثانى : قول المبرّد وابن جنىّ والكوفيّين ، لكنّهم قالوا : المعنى في الآية جانب يوسف (ع) المعصية لأجل الله تعالى ، ولم يقولوا : إنّها بمعنى برئت كما قال المصنّف والمعنيان مختلفان ، فتدبّر.

واستدلّوا على فعليّتها بإدخالهم إيّاها على الحرف وتصرّفهم فيها بالحذف ، قال ابن هشام وغيره : هذان الدليلان ينافيان الحرفيّة ، ولا يثبتان الفعليّة أى لأنّ الاسم يشارك الفعل في كلّ منهما.

قال الرضىّ : استدلّ المبرّد على فعليّته بتصريفه ، نحو : حاشيت زيدا أحاشيه ، وما أحاشي من الأقوام من أحد ، وليس بقاطع ، لأنّه يجوز أن يكون مشتقّا من لفظ حاشا حرفا أو اسما كقولهم : لو ليت ، أى قلت : لولا ، ولا ليت ، أى قلت : لا لا ، وسبّحت ، أى قلت : سبحان الله ، ولبيّت ، أى قلت : لبيك ، وهذا هو الظاهر ، لأنّ المشتقّ الّذى هذا حاله بمعنى قول تلك اللفظة الّتى اشتقّ منها ، فالتسبيح قول سبحان الله ، والتسليم قول سلام عليك ، والبسملة قول بسم الله ، وكذا غيره ، ومعنى حاشيت زيدا ، قلت : حاشا زيد ، واستدلاله على فعليّته بالتصريف فيه ، والحذف نحو : حاش لله ليس بقويّ ، لأنّ الحرف الكثير الاستعمال قد يخذف منه ، نحو : سو أفعل في سوف أفعل ، انتهى.

الثالث : قول لبعض النحويّين ، قال ابن هشام : وزعم بعضهم أنّها اسم فعل معناه أتبرّأ ، أو برئت ، وحامله على ذلك بناؤها ، ويرده إعرابها في بعض اللغات ، انتهى.

__________________

(١) لم أجد ترجمة حياته.

٨٦٦

وفيه نظر ، إذ لا يلزم من كون الكلمة مبنيّة كونها اسم فعل ، وقال ابن الحاجب : هي اسم فعل بمعنى برأ الله ، واللام زائدة في الفاعل كما في : (هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ) [المؤمن / ٣٦].

تنبيه : في حاشا التتريهية ثلاث لغات : حاشا بإثبات الألفين ، وحشا بحذف الأولى ، وحاش بحذف الثانية ، وهو الغالب. قال المراديّ : وزاد في التسهيل حاش باسكان الشين. وقد قرئ بالأربع في : (حاشَ لِلَّهِ ،) قرأ أبو عمرو : حاشا ، وقرأ باقي السبعة : (حاشَ لِلَّهِ ،) بحذفها ، وقرأ بعضهم : حاشا لله بحذف الأولى ، وقرأ الحسن : (حاشَ لِلَّهِ ،) وفيه جمع بين ساكنين على غير حدّه. وظاهر كلام ابن مالك في الألفية أن اللغات الثلاث في حاشا الاستثنائية (١) ، وقال غيره : إنّ حاشا لم يستثن بها.

حتّى

ص : حتّى : ترد عاطفة لجزء أقوى أو أضعف ، بمهلة ذهنيّة ، وتختصّ بالظاهر عند بعض. وحرف ابتداء فتدخل على الجمل ، وترد جارّة فتختصّ بالظاهر ، خلافا للمبرّد ، وقد ينتصب بعدها المضارع بأن مضمرة لا بها ، خلافا للكوفيّين.

ش : الرابعة عشرة «حتّى ترد» على ثلاث أوجه :

أحدها : أن تكون «عاطفة لجزء» من المعطوف عليه ، أو لما هو كجزئه ، فالأوّل نحو : أكلت السمكة حتّى رأسها ، والثانى نحو : أعجبتنى الجارية حتّى كلامها ، لأنّ كلامها ليس جزء منها ، لكن لمّا كانت محلّ له نزّلت مترلة الجزء ، فإن عطفت ما يوهم أنّه ليس بجزء أوّل به وجوبا كقوله [من الكامل] :

٩٦٨ ـ ألقى الصّحيفة كى يخفّف رحله

والزّاد حتّى نعله ألقاها (٢)

في رواية من نصب نعله بالعطف على الصحيفة والزاد على تأويل ألقى ما يثقّله حتّى نعله ، فنعله بعض ما يثقّله.

قال ابن هشام : والذى يضبط ذلك أنّها تدخل حيث ى صحّ دخول الاستثناء ، ويمتنع ، ولهذا لا يصحّ : ضربت الرجلين إلا أفضلهما ، انتهى. قيل : يرد عليه الاستثناء من أسماء العدد.

__________________

(١) يقول ابن مالك :

وكخلا حاشا ولا تصحب ما

وقيل حاش وحشا فاحفظهما

(شرح ابن عقيل ١ / ٦٢١)

(٢) هو للمتلمّس أو لأبى مروان النحوىّ. اللغة : ألقى : طرح ، الزاد : طعام المسافر.

٨٦٧

قوله : «أقوى أو أضعف» صفتان لجزء ، أي أقوى من سائر أجزاء المعطوف عليه نحو : مات الناس حتّى الانبياء ، أو أضعف منه ، نحو : قدم الحاجّ حتّى المشاة ، وقد اجتمعا فى قوله [من الطويل] :

٩٦٩ ـ قهرناكم حتّى الكماة فكلّكم

يحاذرنا حتّى بنونا الأصاغر (١)

قال ابن يعيش : إذا قلت : ضربت القوم حتّى زيدا ، فلا بدّ أن يكون زيدا أرفعهم أو أدناهم ، ليدلّ بذكره على أنّ الضرب قد انتهى إلى الرفعاء أو الرضعاء ، فإن لم يكن زيد بهذه الصفة لم يكن لذكره فائدة ، إذ كان قولك : ضربت القوم يشتمل على زيد وعمرو وغيرهما ، فلمّا كان ذكر زيد يفيد ما ذكرناه ، وجب أن يكون داخلا في حكم ما قبله وأن يكون بعضا لما قبله ، فيستدلّ بذكره على أنّ الفعل قد عمّ الجميع ، ولذلك لا تقول : ضربت الرجال حتّى النساء ، لأنّ النساء لسن من الرجال ، ولا يتوهّم دخولهنّ ، وإنّما يذكر بعد حتّى ما يشتمل عليه الأوّل ، ويجوز أن لا يقع عليه الفعل لرفعته أو دنائته ، فبيّن بحتّى أنّ الأمر قد انتهى إليه.

«بمهلة ذهنيّة» متعلّق بعاطفة ، أى بحسب الذهن لا بحسب الخارج كما فى ثمّ ، إذ المناسب بحسب الذهن في نحو : مات الناس حتّى الأنبياء ، أن يتعلّق الموت أوّلا بغير الأنبياء ، ويتعلّق بعد التعلّق بهم بالأنبياء ، وإن كان موت الأنبياء بحسب الخارج فى أثناء سائر الناس ، وهكذا المناسب في الذهن تقدّم قدوم ركبان الحاجّ على رحالتهم ، وإن كان فى بعض الأوقات على عكس ذلك ، ومع هذا يصحّ أن يقال : قدم الحاجّ حتّى المشاة ، وظهر بذلك أنّه لا يعتبر فيها الترتيب الخارجىّ أيضا ، بل المعتبر فيها ترتيب أجزاء ما قبلها ذهنا من الأضعف إلى الأقوى أو بالعكس.

وذهب جماعة منهم ابن الحاجب والزمخشرىّ [إلى] أنّها تفيد الترتيب والمهلة كثمّ ، قال ابن مالك : هى دعوى بلا دليل ، ففي الحديث : كلّ شيء بقضاء وقدر حتّى العجز والكيس (٢) ، ليس في القضاء ترتيب ، وإنّما الترتيب في ظهور المقتضيات ، وقال الشاعر [من الطويل] :

٩٧٠ ـ لقومى حتّى الأقدمون ...

 ... (٣)

فعطف الأقدمون ، وهم سابقون.

__________________

(١) لم يذكر قائله ، اللغة : قهر : غلب ، الكماة : جمع كمى ، الشجاع المقدام الجرئ ، الأصاغر : جمع أصغر.

(٢) روي كل شيء بقدر ... ، الموطّأ ، ٢ / ٤٠٠ ، رقم ١٧٠٩.

(٣) تمامه : تمالأوا على كلّ أمر يورث المجد والحمدا» ، وهو مجهول القائل. اللغة : تمالأوا : اجتمعوا وتعاونوا.

٨٦٨

قال : وإنّما هى لمطلق الجمع كالواو ، والحقّ أنّها تفيد الترتيب والمهلة ، لكن ذهنا لا خارجا كما بيّنّاه ، وعليه جماعة من المحقّقين ، وهو كالتوسّط بين القولين.

«وتختصّ» حتّى العاطفة «بالظاهر عند بعض» أى بعض النحويّين ، فلا تعطف المضمر ، فلا يقال : ضربت الناس حتى إيّاك ، وقاموا حتّى أنت ، ذكره ابن هشام الخضراوىّ ، وقال ابن هشام الأنصارىّ فى المغنى : ولم أقف عليه لغيره ، وقال فى شرح اللمحة : هو حقّ حتّى يشهد بصحّته الاستعمال والقياس ، وقد أسلفنا بعض أحكام حتّى هذه فى باب عطف النسق ، فليرجع إليه.

جماعة باسم ابن هشام

فائده : ابن هشام جماعة : الأوّل : عبد الملك بن هشام صاحب السيرة ، والثاني : محمد بن يحيى بن هشام الخضراوىّ ، والثالث : محمد بن أحمد بن هشام اللخميّ ، والرابع : الشيخ جمال الدين عبد الله بن يوسف بن هشام الأنصاريّ الحنبليّ صاحب التصانيف المشهورة ، منها مغنى اللبيب ، قاله فى المزهر.

ولابن هشام الخضراويّ كتاب فى النحو يسمّى بالمغني أيضا ، وكثيرا ما يقول الرضيّ في شرح الكافية : قال ابن هشام في المغني ، فيظنّ من لا علم له أنّه الأنصاريّ ، وليس كذلك ، وإنّما هي الخضراويّ ، إذ لا يصحّ نقل الرضيّ عن مغني ابن هشام الأنصاريّ ، لأنّ الرضيّ أقدم منه زمانا ، فإنّ الرضيّ توفّي سنة ستّ وثمانين وستمائة ، وابن هشام الأنصاريّ ولد سنة ثمان وسبعمائة ، وتوفّي سنة إحدى وستين وسبعمائة. وإنّما نبّهت على ذلك ، لأنّ بعض الناس وقع في هذا الوهم ، فأحببت التنبيه عليه هنا بمناسبة ذكر الخضراويّ والأنصاريّ.

«و» الثانى : أن تكون «حرف ابتداء» أى حرف تبتدئ بعده الجمل ، أى تستأنف ، ولا يكون لها تعلّق بما قبلها من حيث الإعراب ، وإن وجب تعلّقها به من حيث المعنى ، فتدخل على الجملة الاسميّة كقوله [من الطويل] :

٩٧١ ـ ما زالت القتلى تمجّ دماءها

بدجلة حتّى ماء دجلة أشكل (١)

وعلى الفعليّة الّتى فعلها مضارع ، نحو : (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ) [البقرة / ٢١٤] في قراءة نافع ، والّتى فعلها ماض ، نحو : (حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا) [الأعراف / ٩٥] ، (حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ) [آل عمران / ١٥٢] ، وادّعى ابن مالك أنّها جارّه لإذ مضمرة في

__________________

(١) هو لجرير. اللغة : القتلى : جمع قتيل ، تمجّ : من مجّ الماء أو الشراب من فيه أى لفظه ، ورمى به ، الأشكل : الأبيض تخالفه حمرة.

٨٦٩

الأولى ، ولإذا في الثانية ، والأكثرون على خلافه ، وقد دخلت على الجملتين الاسميّة والفعليّة فى قوله [من الطويل] :

٩٧٢ ـ سريت بهم حتّى تكلّ مطيّهم

وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان (١)

فيمن راوه برفع تكلّ ، والمعنى حتى كلّت ، لكنّه جاء على حكاية الحال الماضية كقولك : رأيت زيدا أمس ، وهو راكب. ويحتمل أن يكون للحال حقيقة بأن يكون أخبر عن هذا فى حال كلال المطيّة ، كما تقول : سرت إلى المدينة حتّى أدخلها ، وأنت في حال الدخول ، وأمّا من نصب تكلّ ، فهى حتّى الجارّة ، ولا بدّ على النصب من تقدير مضاف ، أى إلى زمان كلال مطيّهم.

الثالث : أن تكون جارّة بمعنى إلى ، وقد تقدّم ذكرها في جملة حروف الجرّ ، فتختصّ بالظاهر كما مرّ ، فلا تجرّ المضمر خلافا للمبرّد والكوفيّين ، وأمّا قوله [من الوافر] :

٩٧٣ ـ أتت حتّاك تقصد كلّ فجّ

ترجّى منك أنّها لا تخيب (٢)

فضرورة ، قال ابن هشام : واختلف فى علّة المنع ، فقيل : هى أنّ مجرورها لا يكون إلا بعضا لما قبلها أو كبعض منه ، فلم يمكن عود ضمير البعض على الكلّ ، قال : ويردّه أنّه قد يكون ضميرا حاضرا كما في البيت ، فلا يعود على ما تقدّم ، وأنّه قد يكون ضميرا غالبا عائدا على ما تقدّم غير الكلّ ، كقولك : زيد ضربت القوم حتّاه ، وقيل : العلّة خشية التباسها بالعاطفة ، قال : ويردّه أنّها لو دخلت عليه لقيل فى العاطفة : قاموا حتّى أنت ، وأكرمتهم حتّى إيّاك بالفصل ، لأنّ الضمير لا يتّصل إلا بعامله ، وفي الخافضة حتّاك بالوصل كما في البيت ، وحينئذ فلا التباس ، ونظيره أنّهم يقولون في توكيد الضمير المنصوب : رأيتك أنت ، وفي البدل : رأيتك إيّاك ، فلم يحصل لبس ، وقيل : لو دخلت عليه قلبت ألفها ياء كما في إلى ، وهي فرع عن إلى ، فلا تحتمل ذلك.

قال الدمامينىّ : ولم يردّ هذا الوجه كما ردّ القولين الأخرين ، كان هذا من قبيل المرتضى عنده. وقد يقال : غايته أن لا يرتكب التغيير بالقلب لأجل الفرعية ، ولا يلزم من ذلك امتناع دخولها على المضمر مع بقاء ألفها بدون قلب ، لكن قال ابن الحاجب : حكمه ترك استعمال المضمر بعد حتّى أنّها لو دخلت عليه فقيل : حتّاه لاثبتوا مع المضمر ألفا فيما غيّرت ألف أمثاله إلى الياء كقولك : إليه وعليه ولديه ، وذلك كلّ

__________________

(١) هو لامرئ القيس. اللغة : تكلّ : تضعف وتتعب ، المطى جمع المطيّة وهى من الدواب ما يمتطى ، الجياد : جمع جواد وهو الفرس الجيد ، يقدن : مجهول من قاد ـ الدابة : مشى أمامها آخذا بمقودها ، الأرسان : جمع رسن وهو ما كان من الأزّمة على الأنف.

(٢) لم يسمّ قائله. اللغة : الفج : الطريق الواسع البعيد. لا تخيب : لا تحرم ولا تمنع.

٨٧٠

ألف آخر حرف أو اسم غير متمكّن اتّصل به مضمر ، ولو قلبوها ياء لخالفوا القاعدة الأصليّة في أنّ المضمر لا يغيّر الكلمة من غير حاجة ، وهنا لا حاجة لاستغنائهم عن حتّى بإلى ، انتهى.

وحاصله أنّه لمّا كان كلّ من قلب الألف وإقرارها مع المضمر ملزوما لمخالفة قاعدة طرحوه ، فلم يدخلوه إلا على الظاهر لكن في تمثيله للاسم غير المتمكّن بلدى نظر ، لأنّه معرب ، وكلّ معرب متمكّن.

«وقد ينتصب» الفعل «المضارع بعدها» ، أى بعد الجارّة «بأن مضمرة» ، نحو : سرت حتّى أدخلها بتقدير حتّى أن أدخلها ، «لا بها» ، أى حتّى نفسها «خلافا للكوفيّين» ، لأنّها قد عملت في الأسماء الجرّ نحو قوله تعالى : (حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) [القدر / ٥] ، فلو عملت في الأفعال (١) النصب ، لزم أن يكون لنا عامل واحد ، يعمل تارة في الأسماء ، وتارة في الأفعال ، ولا نظير له في العربيّة ، فإن قيل : إذا قلت : أيّ رجل تضرب أضرب ، عملت أيّ الجزم في الفعل والجرّ فى الاسم ، فإنّ خافض المضاف إليه هو المضاف على الصحيح.

أجيب بأنّ المراد ما يعمل في الأسماء لا يعمل في الأفعال من جهة عمله في الأسماء ، وعمل أيّ الجرّ في الأسماء ليس من جهة عملها الجزم في الأفعال ، فإنّ عملها الجرّ في الأسماء من جهة إضافتها ، وعملها الجزم في الأفعال من جهة تضمّنها معنى الشرط ، ثمّ ما ذكر من التعليل في منع كون حتّى هي الناصبة بنفسها لا يتوجه اعتراضا على جميع الكوفيّين ، بل على القائل منهم بأنّها ناصبة بنفسها كان جارّة بنفسها أيضا تشبيها بإلى ، وهو مذهب لبعضهم لا جميعهم.

قال في الهمع : وذهب الفرّاء منهم إلى أنها ناصبة بنفسها ، وليست الجارّة ، وعنده أنّ الجرّ بعدها أنّما هو لنيابتها مناب إلى ، وذهب الكسائيّ ، وهو إمامهم ، إلى أنّها ناصبة بنفسها أيضا ، وأنّها جارّة بإضمار إلى ، وهذا عكس مذهب البصريّين ، ثمّ إنّه جوّز إظهار إلى بعدها ، فقال : الجرّ بعد حتّى يكون بإلى مظهرة ومضمرة ، ومع قول الكوفيّين : إنّها ناصبة بنفسها ، وأجازوا إظهار أن بعدها ، قالوا : لو قلت : لأسيرنّ حتّى أن أصبح القادسيّة ، جاز ، وكان النصب بحتّى ، وأن توكيد كما أجازوا ذلك في لام الجحود. وعلى قول البصريّين لا يظهر ، وقد يظهر في المعطوف على منصوبها ، لأنّ الثواني تحتمل ما لا تحتمله الأوائل كقوله [من البسيط] :

__________________

(١) فى الاسماء «ح».

٨٧١

٩٧٤ ـ حتّى يكون عزيزا من نفوسهم

أو أن يبين جميعا وهو مختار (١)

وفيه دليل لقولهم : إنّ أن مضمرة بعدها.

تنبيه : قد يكون الموضوع صالحا لأقسام حتّى كقولك : أكلت السمكة حتّى رأسها ، فلك أن تنصب رأسها على أنّ حتّى عاطفة ، وأن ترفعه على أنّ حتّى ابتدائيّة ، وأن تجرّها على أنّها جارّة : وقد روى بالأوجه الثلاثه قوله [من البسيط] :

٩٧٥ ـ عممتهم بالندّى حتّى غواتهم

فكنت مالك ذي غيّ وذي رشد (٢)

وقوله [من الكامل] :

٩٧٦ ـ ...

 ... حتّى نعله ألقاها (٣)

إلا أنّ بينها فرقا من وجهين : أحدهما أنّ الرفع في البيت شاذّ ، لكون الخبر غير مذكور ، ففي الرفع تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه ، هذا قول البصريّين ، وأوجبوا إذا قلت : حتّى رأسها بالرفع أن تقول مأكول. والثاني أنّ النصب في البيت الثاني من وجهين : أحدهما : العطف ، والثاني : إضمار العامل على شريطة التفسير ، وفي البيت الأوّل من وجه واحد ، قاله فى المغني.

الفاء

ص : الفاء : ترد رابطة للجواب الممتنع جعله شرطا ، وحصر في ستّة مواضع ، ولربط شبه الجواب ، نحو : الّذي يأتيني فله درهم ، وعاطفة فتفيد التعقيب والترتيب بنوعيه ، فالحقيقيّ ، نحو : قام زيد فعمرو. والذكريّ : نحو : (وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) وقد تفيد ترتّب لاحقها على سابقها ، فتسمّى : فاء السّببيّة ، نحو : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ،) وقد تختصّ حينئذ باسم النتيجة والتّفريع ، وقد تنبئ عن محذوف ، فتسمّى فصيحة عند بعض ، نحو : (اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً.)

ش : الخامسة عشرة الفاء ، وهى حرف مهمل خلافا للكسائيّ في قوله : إنّها ناصبة في نحو : ما تأتينا فتحدّثنا ، والمبرّد فى قوله : إنّها خافضة فى نحو [من الطويل] :

٩٧٧ ـ فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع

 ... (٤)

__________________

(١) نسب البيت ليزيد بن خمار ، ولعدي بن يزيد. اللغة : يبين : يبعد وينفصل.

(٢) لم يسمّ قائله. اللغة : عمّ : شمل. والندى : الجود ، الغواة : جمع غاو ، وهو الضالّ.

(٣) تقدم برقم ٩٦٨.

(٤) نسب البيت ليزيد بن خمار ، ولعدي بن يزيد. اللغة : يبين : يبعد وينفصل.

٨٧٢

فيمن جرّ مثلا والمعطوف ، والصحيح أنّ النصب بأن ، وأنّ الجرّ بربّ مضمرين كما مرّ.

ترد الفاء على وجهين :

أحدهما : أن تكون «رابطة للجواب» أى جواب الشرط ، بالشرط متعلّق برابطة ، «الممتنع» صفة للجواب ، «جعله شرطا» ، وأمّا غير الممتنع جعله شرطا فلا حاجة فيه إلى رابطة بينه وبين الشرط ، لأنّ بينهما مناسبة لفظيّة من حيث صلاحيّة وقوعه موقعه. وحصر ذلك أى امتناع جعل الجواب شرطا في ستّة مواضع ، مرّ ذكره في حديقة الأفعال ، فليرجع إليه.

فإن قلت : هذا الضابط الّذى ذكر المصنّف ينتقض بنحو : (وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ) [المائدة / ٩٥] ، لدخول الفاء على الجواب مع صحّة جعله شرطا وبالمضارع المقرون بلا ، فقد جعلوه ممّا يجوز الإتيان بالفاء وتركه كقوله تعالى : (إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ) [فاطر / ١٤] ، قوله تعالى : (فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً) [الجن / ١٣] ، قلت : قد أجابوا عن الأوّل بأنّ الفاء إنّما دخلت لتقدير الجملة الفعليّة خبرا لمبتدإ محذوف ، وحينئذ فالجواب جملة اسميّة ، وهو أحد المواضع الّتي يمتنع جعل الجواب فيها شرطا ، والجواب عن الثاني بأنّ لا تستعمل تارة لنفي المستقبل ، وتارة لمجرّد النفي ، وعلى التقدير الأوّل لا يصحّ مجامعتها لحرف الشرط ، فتجيء الفاء (١) ، وعلى الثاني يمكن مجامعتها لحرف الشرط ، فتمتنع الفاء ، كذا قيل. وقد تقدّم أنّ ابن مالك يقدّر الجملة خبرا لمبتدإ محذوف في كلّ ما لم يمتنع جعله شرطا واقترنه بالفاء ، ولم يفرق بين المضارع المقرون بلا وغيره ، قال : ومن ذلك قوله تعالى : (فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً ،) ومثله قراءة حمزة : (أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى) [البقرة / ٢٨٢].

«و» كما ترد الفاء لربط جواب الشرط بالشرط ، ترد «لربط شبه الجواب» ، وهو ما كان مضمونه لازما لمذكور يشبه الشرط ، وهو ما كان مضمونه ملزوما لمذكور ، وذلك في المبتدإ إذا كان موصولا بفعل ، نحو : الّذي يأتينى فله درهم ، أو بظرف ، نحو : الّذى في الدار فله درهم ، أو موصوفا بأحدهما ، نحو : رجل يسعى في نجاته فلن يخيب ، ورجل عنده حزم فسعيد ، أو بالموصول بأحدهما ، نحو : الرجل الّذي يأتيني أو في الدار فله

__________________

(٢) في «ط» من على التقدير الأوّل حتّى هنا سقط.

٨٧٣

درهم ، فإنّ الموصول والموصوف حينئذ كاسم الشرط والصلة والصفة كالشرط ، فالخبر كالجزاء الّذي تدخله الفاء ، وظاهر كلام جماعة أنّ دخول الفاء حينئذ واجب ، وصرّح ابن مالك في التسهيل بأنّه جائز ، ونصّ عليه الرضيّ ، فقال : كان حقّ الخبر أن يلزمه الفاء لكونه كالجزاء ، لكن لمّا لم يكن جزاء الشرط حقيقة جاز تجريده منها مع قصد السببيّة ، نحو : الّذي يأتيني له درهم ، انتهى.

فإن قلت : ما الّذى يشعر بالسببيّة المقصودة عند التجريد من الفاء؟ قلت : ترتّب الحكم على الوصف ، قاله الدمامينيّ في التحفة.

«و» الثاني : أن تكون «عاطفة» وقد تقدّم عدّها من حروف العطف «فتفيد التعقيب» ، وهو وقوع المعطوف عقب المعطوف (١) عليه من غير مهلة وتراخ ، لكنّه في كلّ شيء بحسبه ، تقول : تزوّج فلان فولد له ، إذا لم يكن بينهما إلا مدّة الحمل مع لحظة الوطئ ومقدمته ، ودخلت البصرة فالكوفة ، إذا لم تقم فى البصرة ولا بين البلدين.

واعترض بقوله تعالى : (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى * فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى) [الأعلى / ٥ و ٤] ، فإنّ إخراج المرعى لا يعقبه جعله غثاء أحوى ، أي يابسا أسود ، وأجيب بوجهين : أحدهما : أنّ جملة (فَجَعَلَهُ غُثاءً) معطوفة على جملة محذوفة ، والتقدير فمضت مدّة ، فجعله غثاء أحوى. الثاني : أنّ الفاء في ذلك نائب عن ثمّ كما جاء عكسه كقوله [من المتقارب] :

٩٧٨ ـ ...

جرى فى الأنابيب ثمّ اضطرب (٢)

أى فاضطرب ، قال بعضهم : والجواب الأوّل لا يدفع الاعتراض ، فإنّ مضىّ المدّة لا تعقب ما قبله.

«و» تفيد «الترتيب بنوعيه» الحقيقيّ والذكريّ. «فالحقيقىّ» هو وقوع المعطوف بعد المعطوف عليه حقيقة في الوجود ، نحو : قام زيد فعمرو ، و (خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ) [الإنفطار / ٧] ، «والذكريّ» هو وقوع المعطوف بعد المعطوف عليه بحسب الذكر لفظا ، لا أنّ معنى الثاني وقع بعد زمان وقوع الأوّل ، وأكثر ما يكون ذلك في عطف مفصّل على مجمل هو في المعنى ، لأنّ موضع ذكر التفضيل بعد ذكر الإجمال «نحو» قوله تعالى : (وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ) [هود / ٤٥] ، وقوله تعالى : (فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللهَ

__________________

(١) في «ح» عقب المعطوف محذوف.

(٢) صدره «كهزّ الردينىّ تحت العجاج» ، وهو لأبي دؤاد الإيادى ، أحد وصافي الخيل. اللغة : الردينى : نسبة إلى الردينة اسم امراة تصلح القناة. العجاج : الغبار ، الأنابيب : جمع الأنبوية : ما بين العقدتين في القصبة.

٨٧٤

جَهْرَةً) [النساء / ١٥٣] ، ونحو : توضّأ فغسل وجهه ويديه ، ومسح رأسه ورجليه ، وتقول : أجبته ، فقلت : لبيك.

وكان المصنّف أشار باختيار الأية الأولى للتمثيل دون غيرها إلى عدم الاحتياج إلى ما ارتكبه الزمخشرىّ في الكشاف ، فإنّه قال : أريد بالنداء إرادة النداء ، ولو أريد النداء نفسه لجاء كما جاء قوله تعالى : (إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا* قالَ رَبِ) [مريم / ٤ و ٣] بغير فاء ، فأشار المصنّف إلى أنّه لا داعي لما ادّعاه من جعل نادى بمعنى أراد النداء ، فإنّ هذا من قبيل عطف المفصّل على المجمل ، وقال صاحب الانتصاف (١) : ويجوز وجه آخر لطيف المأخذ رقيق الحاشية ، وهو أن يكون النداء على بابه ، لكنّ المعطوف عليه مجموع النداء وما بعده ، فليس من عطف الشيء على نفسه ، بل من عطف المجموع على أحد أجزائه ، وهما متغايران ، انتهى.

وقد تكون للترتيب الذكرى في غير ذلك كقوله تعالى : (ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) [غافر / ٧٦] ، وقوله تعالى : (وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ) [الزمر / ٧٤] ، فإنّ ذكر الشيء أو مدحه يصحّ بعد جري ذكره ، وأنكر الفرّاء إفادتها الترتيب مطلقا. قال غير واحد : وهذا مع قوله : إنّ الواو تفيد الترتيب غريب ، لكن قال العينيّ : وما نسب إلى الفرّاء من أنّ الواو تدلّ على الترتيب غير صحيح ، انتهى.

وسبقه إلى ذلك السيرافيّ ، وقال : ولم أر ذلك فى كتاب الفرّاء ، واحتجّ الفرّاء بقوله تعالى : (أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً) [الأعراف / ٤] ، إذ مجيئ البأس سابق على الإهلاك ، وأجيب بأنّ المعنى أردنا إهلاكها أو هو على القلب ، والأصل جاءها بأسنا فأهلكناها ، وجعلها الرضيّ من قبيل عطف المفصّل على المجمل ، فالفاء للترتيب الذكرى ، قال : لأنّ تبييت البأس تفصيل للإهلاك المجمل.

قال الجرميّ : لا تفيد الفاء الترتيب في البقاع ولا في الامطار بدليل قوله [من الطويل] :

٩٧٩ ـ ...

بسقط اللّوى بين الدخول فحومل (٢)

وقولهم : مطرنا مكان كذا فمكان كذا ، وإن كان وقوع المطر فيهما فى وقت واحد ، وقيل : الفاء هنا بمعنى إلى ، وذهب بعضهم إلى أنّ الفاء تقع تارة بمعنى ثمّ ، و

__________________

(١) الانتصاف فى مسائل الخلاف لأبى سعيد محمد بن يحيى النيسابوريّ المتوفّى سنة ٥٤٨ ه‍. كشف الظنون ، ١ / ١٧٤.

(٢) تقدّم برقم ٥٤٥.

٨٧٥

منه قوله تعالى : (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً) [المومنون / ١٤] ، فالفاءات في ذلك بمعنى ثمّ لتراخي معطوفها ، وتارة بمعنى الواو كقوله [من الطويل] :

٩٨٠ ـ ...

 ... بين الدخول فحومل (١)

وزعم الأصمعىّ أنّ الصواب روايته بالواو ، لأنّه لا يجوز جلست بين زيد فعمرو ، وأجيب بأنّ التقدير بين مواضع الدخول فمواضع حومل ، كما يجوز جلست بين العلماء فالزهّاد ، وقال بعض البغداديّين : الأصل ما بين ، فحذف ما دون بين ، كما عكس ذلك من قال [من البسيط] :

٩٨١ ـ يا أحسن الناس ما قرنا إلى قدم

 ... (٢)

أصله ما بين قرن ، فحذف بينا وأقام قرنا مقامها ، قال : والفاء نائبة عن إلى ، وصحّت إضافة ما بين إلى الدخول لاشتماله على مواضع ، أو لأنّ التقدير بين مواضع الدخول. قال ابن هشام : وكون الفاء للغاية بمترلة إلى غريب ، وقد يستأنس له عندي بمجيء عكسه في نحو قوله [من الطويل] :

٩٨٢ ـ وأنت الّتي حبّبت شغبا إلى بدا

إلىّ وأوطاني بلاد سواهما (٣)

إذ المعنى شغبا فبدا ، وهما موضعان ، ويدلّ على إرادة الترتيب قوله بعده [من الطويل] :

٩٨٣ ـ حللت بهذا حلّة ثمّ حلّة

بهذا فطاب الواديان كلاهما (٤)

وقال : هذا معنى غريب ، لأنّي لم أر من ذكره.

«وقد تفيد» أي الفاء العاطفة «ترتيب لاحقها» وهو المعطوف «على سابقها» وهو المعطوف عليه أي تسبّبه عنه ، فتسمّي فاء السببيّة ، ويغلب ذلك في العاطفة جملة أو صفة ، فالأوّل نحو قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) [الحج / ٦٣] ، فإنّ إصباح الأرض مخضرّة مترتّب على إنزال الماء من السماء ، والثانى نحو قوله تعالى : (لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ* فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ) [الواقعة / ٥٣ و ٥٢] ، فإنّ ملأ البطون مترتّب على الأكل ، وقيل : الفاء في الآية الأولى بمعنى ثمّ

__________________

(١) تقدم برقم ٥٤٥ و ٩٧٩.

(٢) تمامه «ولا حبال محبّ واصل تصل» ، ولم يسمّ قائله. اللغه : القرن : الخصلة من الشعر ، الحبال : جمع حبل ، والمراد العلاقة.

(٣) هذا البيت ينسب لكثير عزّة ولجميل بثنية. اللغة : الشغب : اسم منهل بين مصر والشام ، بدا : موضع بين طريق مكة والشام.

(٤) اللغة : حللت : مخاطبة من الحلول بمعنى الترول ، الواديان : تثنية الوادي بمعنى كلّ منفرج بين الجبال والتلال والآكام.

٨٧٦

لتراخي معطوفها ، والحقّ أنّها للسببيّة. قال ابن الحاجب : وفاء السببيّة لا تستلزم التعقيب بدليل صحّة قولك : إن يسلم زيد فهو يدخل الجنّة ، ومعلوم ما بينهما من المهلة ، والتحقيق أنّها مستلزمة للتعقيب (١).

وقد مرّ أنّ التعقيب في كلّ شيء بحسبه ، وهو بهذا المعنى متحقّق في الأية. نعم قد تأتي الفاء لمجرّد السببيّة والربط لا غير ، نحو : إن جئتني فأنا أكرمك ، وحينئذ لا يلزمها التعقيب. وقول بعضهم وعلى هذا يحمل قول ابن الحاجب : إنّ الفاء السببيّة لا تستلزم التعقيب منظور فيه ، فإنّه إنّما قال ذلك جوابا عن الأية حيث نقض بها قولهم : إنّ الفاء العاطفة للتعقيب من غير مهلة ، فأجاب بأنّ الفاء فيها للسببيّة ، وهى لا تستلزم التعقيب ، فكيف يصحّ حمل إطلاقه على ذلك ، فتدبّر.

وجعل صاحب البحر (٢) جملة : (فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) معطوفة على جملة محذوفة قال : وإذا كان الاخضرار متأخّرا ، فثمّ جمل محذوفة ، أى فتهتزّ وتربو ، يبيّن ذلك قوله تعالى : (فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) [الحج / ٥] ، وفي حاشية الشمنيّ على المغني : الظاهر أن تصحّ على حقيقة ، فيكون الاخضرار في وقت الصباح من ليلة المطر ، ويحتمل أن يكون بمعنى تصير ، ولا يلزم ذلك ، والأوّل قول عكرمة (٣) ، وهو موجود في مكّة وتهامة ، وقال ابن عطية : وقد شاهدت في السوس الأقصى ، نزل المطر ليلا بعد قحط ، فأصبحت تلك الأرض الرملة الّتي نسفتها الرياح قد اخضرت بنبات ضيعف ، انتهى.

«وقد تختصّ» الفاء المذكورة «حينئذ» أى حين إذ أفادت ترتّب لاحقها على سابقها «باسم النتيجة والتفريع» ، فتسمّي فاء النتيجة وفاء التفريع ، ووجه التسمية ظاهر ، ولا يختصّ ذلك بالعاطفة ، بل فاء السببيّة مطلقا تسمّى بذلك ، إذ لا تلازم بين السببيّة والعطف.

وقد تكون سببيّة ، وهى غير عاطفة كما في الجزاء ، وقد تأتي العاطفة جملة أو صفة لمجرّد الترتيب نحو : (فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ* فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ) [الذاريات / ٢٧ / ٢٦] ، (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ) [ق / ٢٢] ، ونحو (فَالزَّاجِراتِ زَجْراً* فَالتَّالِياتِ ذِكْراً) [الصافات / ٣ و ٢].

__________________

(١) مستلزمة للتحقيق «ح».

(٢) لعلّه الشيخ أبو عبد الله محمد بن يوسف المعروف بابن المنيرة المتوفّى سنة ٥٠٣ ، صاحب «بحر النحو» نقص فيه مسائل كثيرة على أصول النحاة. كشف الظنون ١ / ٢٢٧.

(٣) أبو عبد الله عكرمه بن عبد الله ، اجتهد ابن عباس في تعليمه القرآن والسنن ، وهو أحد فقهاء مكّة وتابعيها ، وتوفّى سنة ١٠٧ ه‍. وفيات الأعيان ٣ / ٢٦٥.

٨٧٧

قال الزمخشرىّ : للفاء مع الصفات ثلاثة أحوال :

أحدها : أن تدلّ على ترتيب معانيها فى الوجود كقوله [من السريع] :

٩٨٤ ـ يا لهف زيّابة للحارث

الصّابح فالغانم فالآئب (١)

أي الّذي صبح ، فعنم ، فآب.

والثاني : أن تدلّ على ترتيبها في التفاوت من بعض الوجوه ، نحو قولك : خذ الأكمل فالأفضل ، واعمل الأحسن فالأجمل.

الثالث : أن تدلّ على ترتيب موصوفاتها في ذلك ، نحو : رحم الله المحلّقين فالمقصّرين.

«وقد تنبئ» أي الفاء السببية «عن محذوف» ، وهو السبب لما بعدها «فتسمّى فصيحة عند بعض» ، أى بعض أهل العربيّة لإفصاحها عن ذلك المحذوف ، بحيث لو ذكر لم تكن بذلك الحسن مع حسن موقع ذوقيّ ، لا يمكن التعبير عنه نحو قوله تعالى : (فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً) [البقرة / ٦٠] ، أى فضرب فانفجرت ، هكذا قدّره المصنّف في عين الحياة (٢) ، واقتصر عليه تبعا للسكاكيّ في المفتاح ، ثمّ قال : وحذف المعطوف عليه للدلالة على سرعة تحقّق الانفجار ، كأنّه حصل عقيب هذا الأمر ، وهذا التقدير هو الّذي يقتضيه سياق كلامه هنا أيضا ، وقدّره صاحب الكشّاف بتقديرين ، فقال : أى فضرب ، فانفجرت ، أو فإن ضرب فقد انفجرت. قال صاحب الكشف (٣) : ويرجّح الأوّل أنّه أقلّ تقديرا ، وأنّ الثاني يحتاج إلى إضمار قد ، وهو ضعيف ، انتهى.

وهل تسميتها فصيحة على التقدير الأوّل فحسب ، أو على الثاني فقط ، أو عليها معا ، ذهب إلى الأوّل جماعة ، قالوا : لأنّها على تقدير الشرط تكون جزائية لا فصيحة ، وعرّفوها بأنّها الفاء الّتي دلّت على محذوف غير شرط هو سبب لما بعد الفاء ، وهو ظاهر كلام صاحب المفتاح والمصنّف في عين الحياة ، وكلامه هنا كالصريح في ذلك ، إذ الضمير في قوله : وقد تنبئ عن محذوف عائد على الفاء السببيّة العاطفة لا مطلق السببيّة ، فتدبّر.

وكلام الزمخشرىّ في الكشّاف ظاهر في الثاني ، حيث قال : الفاء في فانفجرت متعلّق بمحذوف ، أي فضرب فانفجرت ، أو فإن ضرب فقد انفجرت ، كما قلنا في :

__________________

(١) هو لابن زيابة. اللغة : الصابح : المغير صباحا ، الغانم : آخذ الغنم والفئ ، آئب : راجع.

(٢) عين الحياة في التفسير من مؤلفات الشيخ البهائي.

(٣) لعلّه كشف المشكل في النحو لعلي بن سليمان اليمنىّ المتوفّى سنة ٥٩٩ ه‍ ، أو كشف النقاب عن غيمة الإعراب لإبراهيم بن أحمد بن الملا الحلبي المتوفّى بعد سنة ١٠٣٠ ه‍ ، كشف الظنون ٢ / ١٤٩٥ و ١٢١٠.

٨٧٨

(فَتابَ عَلَيْكُمْ) [البقرة / ٥٤] ، وهى على هذا فاء فصيحة لا تقع إلا في كلام بليغ ، قال الطيبىّ وغيره : هى على هذا فصيحة ، ظاهره أنّ الفاء على التقدير الثاني فصيحة ، ثمّ قال : ولا يبعد أن يقال : إنّ المراد من قوله على هذا أي على أنّها محتملة لهذين المعنيين ، انتهى.

والأكثرون على الثالث : وهو أنّ تسميتها فصيحة على التقديرين ، وهو الّذي حققّه العلّامة التفتازانيّ في شرح المفتاح ، قال : وجعلت فصيحة (١) على الوجهين لإفصاحها عن المحذوف أو وصفا لها بوصف صاحبها كالكتاب الحكيم ، أو لكونها فصيحة لما فيه من تقليل الحذف. وتوهّم بعضهم أنّ تسميتها فصيحة أنّما هو على التقدير الأوّل ، إذ على تقدير الشرط تكون جزائية لا فصيحة ، وذهب عليه أنّ كونها فصيحة بناء على إفادة المعنى البديع ، والوقوع بذلك موقع الحسن لا ينافى كونها جزائية في أصلها ، كما لا ينافي كونها عاطفة ، وأنّ المشهور فيما بينهم في الفاء الفصيحة ما يقع هذا الموقع من الجزاء ، حتّى جعلوا العلم فى ذلك قول الشاعر [من البسيط] :

٩٨٥ ـ قالوا خراسان أقضى ما يراد بنا

ثمّ القفول فقد جئنا خراسانا (٢)

أى إن كان أقصى المراد بنا خراسان فقد جئناها ، فلو ادّعى أنّ الفصيحة إنّما هي هذه لم يبعد ، انتهى.

ولا يلزم تقدير إن مع الشرط المحذوف ، بل يجوز تقدير إذا الشرطية أيضا ، بل هو الغائب ، تقول : زيد فاضل فأكرمه ، أي إذا كان كذا فأكرمه ، وفي التتريل : (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ* قالَ فَاخْرُجْ) [ص / ٧٧ و ٧٦] ، أي إذا كان عندك هذا الكبر (فَاخْرُجْ ، قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي) [ص / ٧٩] ، أي إذا كنت لعنتني فانظرني ، و: (قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ) [ص / ٨٠] ، أى إذا اخترت الدنيا على الآخرة : (فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ، قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ) [ص / ٨٢] ، أى إذا أعطيتني هذا المراد فبعزّتك لأغوينهم ، ومثله كثير في القرآن المجيد وغيره.

تنبيه : قد تكون فاء السببيّة بمعنى اللام السببيّة كقوله تعالى : (فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ) [ص / ٧٧] ، وتقول : أكرم زيدا فإنّه فاضل ، وهذا تدخل على ما هو الشرط في المعنى ، كما أنّ الفصيحة دخلت على ما هو الجزاء في المعنى في نحو : زيد فاضل فأكرمه ، إذ المعنى كما مرّ : إذا كان كذا فأكرمه ، وتعكسه هنا فتقول : أكرم زيدا فإنّه فاضل.

__________________

(١) من أن تسميتها حتّى هنا فى «ح» سقط.

(٢) هو للعباس بن الأحنف. اللغة : القفول : الرجوع.

٨٧٩

تتمة : ذهب بعضهم إلى أنّ الفاء ترد زائدة ، دخولها فى الكلام كخروجه كقوله [من الطويل] :

٩٨٦ ـ يموت أناس أو يشيب فتاهم

ويحدث ناس والصغير فيكبر (١)

وقوله [من الطويل] :

٩٨٧ ـ أراني إذا ما بتّ بتّ على هوى

فثمّ إذا أصبحت أصبحت غاديا (٢)

وهذا لم يثبته سيبويه ، وأجاز الأخفش زيادتها في الخبر مطلقا ، وحكى : أخوك فوجد ، وقيّد الفرّاء والأعلم الجواز بكون الخبر أمرا كقوله [من الطويل] :

٩٨٨ ـ وقائلة خولان فانكح فتاتهم

 ... (٣)

أو نهيا ، نحو : زيد فلا تضربه ، والمانعون يؤوّلون ذلك بتقدير هذه خولان في البيت ، وتقدير أمّا في المثال ، وما لا يحتمل التأويل فضرورة.

قيل : وترد الفاء للاستئناف كقوله [من الطويل] :

٩٨٩ ـ ألم تسأل الرّبع القواء فينطق

 ... (٤)

أى فهو ينطق ، لأنّها لو كانت عاطفة جزم ما بعدها ، أو سببيّة نصب ، ومنه : (فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [آل عمران / ٤٧] بالرفع ، أى فهو يكون ، وقوله [من الرجز] :

٩٩٠ ـ ...

يريد أن يعربه فيعجمه (٥)

أى فهو يعجمه ، ولا يجوز نصبه بالعطف ، لأنّه لا يريد أن يعجمه ، وقد مرّ عن ابن هشام أنّ التحقيق أنّ الفاء في ذلك كلّه للعطف ، وأنّ المعتمد بالعطف الجملة لا الفعل ، وإنّما يقدّر النحويّون كلمة هو ليبيّنوا أنّ الفعل ليس المعتمد بالعطف.

__________________

(١) لم يسمّ قائله.

(٢) هو لزهير.

(٣) تمامه «وأكرومة الحيين خلو كما هيا» ، لم يسمّ قائله. اللغة : خولان : اسم قبيلة ، الأكرومه : الّتي تثبت لها الكرم ، الخلو : الخالية عن الزوج.

(٤) تمامه «وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق» ، هو لجميل بثنية. اللغة : القواء : الخرب ، السملق : الأرض غير المنبتة.

(٥) صدره «زلّت به إلى الحضيض قدمه» ، وهو للحطيئة. اللغة : الحضيض : ما سفل من الأرض.

٨٨٠

قد

ص : قد ترد اسما بمعنى حسب أو يكفي نحو : قدني وقدي درهم ، وحرف تقليل مع المضارع ، وتحقيق مع الماضي غالبا ، قيل : وقد تقرّبه من الحال ، ومن ثمّ التزمت في الحالية المصدّرة به ، وفيه بحث مشهور.

ش : السادسة عشرة «قد ، ترد» على وجهين اسميّة وحرفيّة ، فالاسميّة على وجهين :

أحدهما : أن تكون «اسما بمعنى حسب» ، وتستعمل على وجهين : مبنيّة ، وهو الغالب لشبهها بقد الحرفيّة لفظا ، ولكثير من الحروف وضعا ، ويقال في هذه : قد زيد درهم بالسكون ، وقدني بالنون للمحافظة على بقاء البناء على أصله الّذي هو السكون خشية أن تزول عنه إلى الحركة. قال ابن أمّ قاسم : وقد لا تلحقها النون حينئذ ، فيقال : قدى. ومعربة : وهو قليل ، يقال : قد زيد درهم بالرفع ، كما يقال : حسبه درهم ، وقدي [درهم] ، بغير نون كما يقال : حسبي.

لم يثبت البصريّون إعرابها ، وإنّما هو مذهب كوفيّ ، قيل : وهو مشكل ، لأنّ الشبه الوضعيّ موجود ، وهو كاف في تحتّم البناء ، فما وجه الإعراب؟ فإن قيل : وجهه ملازمتها للإضافة ، ردّ بأنّه لو صحّ دافعا للبناء لم يبن في قد زيد درهم بالسكون ، وهي حالتها الغالبة.

استعمال حسب في العربيّة

تنبيهات : الأوّل : لحسب في العربيّة استعمالان.

أحدهما : أن تكون بمعنى كاف ، فستعمل استعمال الصفات ، فتكون نعتا للنكرة ، كمررت برجل حسبك من رجل ، أى كاف لك عن غيره ، وحالا لمعرفة كهذا عبد الله حسبك من رجل ، واستعمال الأسماء الجامدة ، فترفع على الابتداء ، نحو : (حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ) [المجادلة / ٨] ، وتنصب اسما ل إنّ ، نحو : فإنّ حسبك الله ، وتجرّ بالحرف ، نحو : بحسبك درهم ، وهذا يردّ على من زعم أنّه اسم فعل ، لأنّ العوامل اللفظيّة لا تدخل على أسماء الأفعال باتّفاق.

والثاني : أن تكون بمعنى لا غير في المعنى ، فتستمعل مفردة ، وهذه هي حسب المتقدّمة ، ولكنّها عند قطعها عن الإضافه تجدّد لها إشرابها هذا المعنى وملازمتها للوصفيّة أو الحاليّة أو الابتداء ، وبناؤها على الضمّ ، تقول في الوصفيّة : رأيت رجلا حسب ، وفي الحاليّة : رأيت زيدا حسب (١) ، قال الجوهريّ : كأنّك قلت : حسبى أو

__________________

(١) سقطت رأيت زيدا حسب في «ح».

٨٨١

حسبك ، فأضمرت ، ولم تنوّن ، انتهى. تقول في الابتداء : قبضت عشرة فحسب ، أي فحسبى ذلك ، فالمعنى في ذلك كلّه رأيت رجلا لا غير ، ورأيت زيدا لا غير ، وقضبت عشرة لا غير ، قاله في التوضيح وشرحه.

الثاني : توافق قد حسب في المعنى ، وفي الاستعمال مبتدأ ، والإضافة إلى الضمير والظاهر كما رأيت ، وتخالفها في أنّها مبنيّة غالبا ، وفي أنّ نون الوقاية تلحقها ، وفي أنّ الباء والناسخ لا يدخلان عليها فيما يظهر ، قال ابن هشام : ولم أر أحدا ذكر ذلك ، قال : وأمّا أنّها تقطع عن الإضافة فعندي فيه نظر.

و [الوجه] الثاني : أن تكون اسم فعل بمعنى يكفي ، وهو مبنيّة على السكون ، وتلزمها نون الوقاية عند الإضافة إلى ياء المتكلّم ، نحو : قدنى درهم ، أي يكفيني درهم ، قد زيدا درهم ، أي يكفي زيدا درهم ، وقوله [من الوافر] :

٩٩١ ـ قدني من نصر الخبيبين قدى

 ... (١)

تحمل قد الأولى أن تكون مرادفة لحسب على لغة البناء ، وأن تكون اسم فعل ، وأمّا الثانية فتحتمل الأوّل (٢) ، وهو واضح ، والثاني على أن تكون النون حذفت للضرورة ، كقوله [من الرجز] :

٩٩٢ ـ ...

إذ ذهب القوم الكرام ليسي (٣)

ويحتمل أنّه اسم فعل لم يذكر مفعوله ، فالياء للإطلاق ، والكسرة للساكنين.

تنبيه : جعل المصنّف قد بمعنى يكفي تبع فيه ابن هشام في المغني. قال شارحه : لا أدري لم جعلها بمعنى المضارع مع أنّ في مجيء اسم الفعل بمعناه كلاما ، وابن الحاجب يأباه ، وقد صرّح ابن أمّ قاسم أنّها بمعنى كفى ، انتهى.

قلت : جعل اسم الفعل بمعنى المضارع وعدمه يبتني على الخلاف في سبب بنائه ، فمن قال هو مشابهته الأمر أو الماضي في المعنى كما ذهب إليه ابن الحاجب لا يجيز جعله بمعنى المضارع ، لأنّه لو كان بمعناه أعرب ، ومن قال : هو مشابهته الحرف بلزوم النيابة عن الفعل وعدم مصاحبته العوامل ، كما ذهب إليه ابن مالك أجاز كونه بمعنى المضارع ، كما فسّروا أوّه وأفّ بمعنى أتضجّر وأتوجّع دون تضجّرت وتوجّعت ، ولعلّ ابن هشام إنّما جعل قد بمعنى يكفى إشارة إلى الرّدّ على من أنكر مجيء اسم الفعل

__________________

(١) بعده «ليس الإمام بالشيح الملحد» ، وهو لحميد بن مالك الأرقط ، أحد شعراء عصر بني أمية. اللغة : أراد بالخبيبين عبد الله بن الزبير ـ وكنيته أبو خبيب ـ ومصعبا أخاه ، قدني : حسبي وكفاني ، الشحيح : البخيل الدني ، الملحد : الجائر المائل عن الحق.

(٢) أي أن تكون مرادفة لحسب ، ولكن على لغة الإعراب لا البناء.

(٣) تقدم برقم ٣٩٠ و ٤٧٠.

٨٨٢

بمعنى المضارع ، فإنّه قال في شرح الشذور بعد إثباته : أنكر بعضهم هذا النوع ، وفسّر أوّه وأفّ بتوجّعت وتضجّرت ، وقال في غيره رادّا على من أنكر ذلك : مجيء اسم الفعل بمعنى المضارع محقّق ، لا شكّ فيه.

والحرفيّة ترد «حرف تقليل مع» الفعل «المضارع» المجرّد من ناصب وجازم وحرف تنفيس ، وهو أعني التقليل ضربان : تقليل وقوع الفعل ، نحو : قد يصدق الكذوب ، وقد يعثر الجواد ، وتقليل متعلّقه ، نحو : (قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ) [النور / ٦٤] ، أي إنّ ما أنتم عليه هو أقلّ معلوماته ، سبحانه ، وزعم بعضهم أنّها في هذه الأمثلة ونحوها للتحقيق ، وأنّ التقليل في المثالين الأوّلين لم يستفد من قد ، بل من قولك : الجواد يعثر ، والكذوب يصدق ، فإنّه إن لم يحمل على أنّ صدور ذلك منها قليل كان فاسدا ، إذ آخر الكلام يناقض أوّله.

وحرف «تحقيق مع» الفعل «الماضي غالبا» ، نحو : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها) [الشمس / ٩] ، (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) [المومنون / ١] ، ومع المضارع قليلا ، كما مرّ أنّ بعضهم حمل عليه قوله تعالى : (قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ ،) قال الزمخشريّ : دخلت قد لتوكيد العلم ، ويرجع ذلك إلى توكيد الوعيد ، وصرّح الرضيّ بأنّ قد إذا دخلت على الماضي أو المضارع فلا بدّ فيها من معنى التحقيق ، ثمّ إنّه يضاف في بعض المواضع إليها معان أخر ، إذا دخلت على الماضي أو المضارع.

«قيل : وقد تقرّبه» أي الماضي «من» زمان «الحال» ، إن لم يكن حالا ، ولذلك لا تدخل على نعم وبئس ، لأنّها للحال ، ولا معنى لتقريبه ، تقول : قام زيد ، فيحتمل الماضي القريب والبعيد ، فإذا قلت : قد قام ، اختصّ بالقريب ، «ومن ثمّ» أي ومن أجل أنّها تفيد تقريب الماضي من الحال «التزمت في» الجملة «الحالية المصدّرة به» أي بالماضي لفظا أو تقديرا عند جمهور البصريّين خلافا للأخفش والكوفيّين كما مرّ ، وذلك لأنّ الحال تدلّ على حصول صفة مقارنة لما جعلت الحال قيدا له ، وهو العامل الماضي لا مقارنة فيه للحال ، فإذا كان مع قد ، قرب منها ، فحسن وقوعه حالا ، هكذا قالوا ، «وفيه بحث مشهور».

وهو أنّ قد إنّما تقرّب الماضي من الحال بمعنى الزمان الحاضر الّذي هو زمان التكلّم لا بمعنى ما يبيّن كيفية الفعل ، فإنّ الحال بهذا المعنى الّذي كلامنا فيه على حسب عاملها قد تكون ماضيا ، وقد تكون حالا ، وقد تكون مستقبلا كما لا يخفى ، فما ذكروه غلط ، نشأ من اشتراك لفظ الحال.

٨٨٣

قال السيّد الشريف في شرح المفتاح : والجواب أنّ الأفعال إذا وقعت قيودا لما له الاختصاص بأحد الأزمنة كان مضيّها واستقبالها وحاليّتها بالنسبة إلى ذلك المقيّد لا إلى زمن التكلّم كما إذا وقعت مطلقة مستعملة في معانيها الأصلية ، ولا استبعاد فيما ذكرناه ، فإنّهم صرّحوا بأنّ ما بعد حتّى قد يكون مستقبلا بالقياس إلى ما قبلها وإن كان ماضيا بالنسبة إلى زمان التكلّم ، وعلى هذا فإذا قلت : جاءني زيد ركب ، فهم منه تقدّم الركوب على المجيء ، فلا تقارن الحال عاملها ، وإذا قلت : قد ركب ، قرّبه إلى زمان المجيء ، فيفهم مقارنته إيّاه كان ابتدا الركوب متقدّما ، إلا أنّه قارن المجيء في الدوام ، وإذا قلت : جاءني زيد يركب ، دلّ على تقاربهما ، وحينئذ تظهر صحّة كلام القوم في هذا المقام ، وفي وجوب تجريد الجملة الحاليّة عن علامة الاستقبال كالسين وسوف ولن ، إذ لو صدّرت بها تبادر منها كونها مستقبلة بالقياس إلى عاملها.

وأمّا ما يقال : من أنّهم استبشعوا أن يقع الماضي الصرف حالا بهذا المعنى الّذي نحن بصدده للتنافي بين الماضي والحال بمعنى آخر عن زمان التكلّم فاحتيج إلى إدخال قد المقرّب إلى الحال لتنكسر صورة ذلك التنافي ، فيزول الاستبشاع فممّا لا يلتفت إليه ذو طبع سليم ، إلى هنا كلامه.

قال الدمامينيّ بعد نقل هذا الكلام أقول : أشار بهذا القول الّذي لا يلتفت إليه إلى ما وقع للرضىّ في شرح الكافية ، وأمّا ما قرّره هو وارتضاه ، وإن كان بعضه مأخوذا من كلام التفتازانيّ في حاشية الكشّاف فلي في نظر ، وذلك أنّ ما قاله بعد اللتيا والّتي أنّ قد قرّبت الماضي الواقع قيدا من زمان العامل ففهمت مقارنتة له ، ولم يقم دليلا على فهم المقارنة ، وهى المطلوب ، لا ما ذكره من التقريب المذكور ، وهو لا يدلّ عليه بوجه ، قال : وقد يورد عليه مثل جاء زيد لم يضحك ، إذ مقتضى تقريره أنّ مضيّ هذا الفعل الواقع قيدا بالنسبة إلى المقيّد ، وهو جاء ، فيفهم منه عدم تقدّم الضحك على المجيء ، فلا تقارن الحال عاملها ، وجوابه أنّ النافي في هذا المثال ونحوه وإن دلّ على انتفاء متقدّم ، لكن الأصل استمرار ذلك الانتفاء ، حتّى تظهر قرينة انقطاعه ، نحو : لم يضحك أمس ، ولكنّه ضحك اليوم ، والغرض عدم هذه القرينة ، فإذن الاستمرار الّذي هو الأصل سالم عن المعارض ، فيحصل الدلالة على المقارنة ، فجاز بهذا الاعتبار وقوعه حالا ، وهذا بخلاف الماضي المثبت ، فإنّ وضع الفعل على إفادة التجدّد من غير أن يكون الأصل استمرار ، فلذلك قال من قال يحتاج الى قد المقرّبة من الحال ليفهم المقارنة ، وقد عرفت ما عليه.

٨٨٤

والظاهر ما ذهب إليه الأخفش والكوفيّون في المسالة ، والمقارنة مفهومة بدلالة سياق الكلام على الحالية ، ولا حاجة إلى تكلّف شيء من التعليلات ، فإن قلت : لا شكّ في جواز اقتران الماضي المثبت بقد إجماعا ، وعند وجودها يلزم أن يكون الماضي قريبا من الحال ، فيشكل كلام الكوفيّين ومن وافقهم لوجود التدافع في مثل : جاء زيد وقد ركب ، إذ وقوعه حالا يقتضى مقارنته للعامل الماضي ، وقد يقتضي قرب زمانه منه لاقترانه به. قلت : لا تدافع ، لأنّا لا نسلم أنّ قد حينئذ للتقريب ، بل هي للتحقيق ، سلمنا كونها للتقريب ، لكن لا نسلم التدافع ، إذ لا مانع من أن يكون زمان الركوب المفيد للمجيء الماضي كان قريبا منه بدليل قد ، ثمّ قارنه بدليل تقييده به لوقوعه حالا ، والحاصل أنّه إن وجدت قرينتان لا تضادّ بين مقتضيهما قربت على كلّ واحد ما يقتضيه ، فلا إشكال ، انتهى.

قلت : وفيه نظر ، فإنّ قد في بعض الصور لازمة إجماعا ، فلا تخلو إمّا أن تكون للتحقيق أو للتقريب ، أمّا الأولى فلا وجه للزومها هنا ، وأمّا الثانية فعلى مقتضى ما قرّره ينبغى أن تكون لازمة ، والإجماع على لزومها.

تنبيه : كان المصنّف إنّما أتى بصيغة التمريض في قوله : قيل : وقد تقرّبه من الحال نظرا إلى البحث المذكور ، وليس في محلّه ، فإنّ قد تقرّب الماضي من الحال بالإجماع ، والبحث أنّما يرد على تعليل التزامهم لها في الحاليّة المصدّرة به ، فكان الصواب أن يحكى بقيل قوله : ومن ثمّ ، ليتجه التمريض إلى البحث. وقد ذكرنا في صدر الكتاب لقد ستّة معان ، فلا نطول بالإعادة.

قط

ص : قط ترد اسم فعل بمعنى إنته ، وكثيرا ما تجيء بالفاء ، نحو : قام زيد فقط ، وظرفا لاستغراق الماضي منفيّا ، وفيها خمس لغات ، ولا تجامع مستقبلا.

ش : السابعة عشرة «قط ، ترد على ثلاثة أوجه» :

أحدها : أن تكون «اسم فعل» مبنيّا على السكون ، واختلف في معناها ، فقال الزمخشريّ في المفصّل والتفتازانيّ في المطول ـ وتبعها المصنّف ـ : هو «بمعنى إنته» ، وقال الجمهور : بمعنى يكفي ، كما قالوه في قد ، حتّى اختلفوا ، هل هما كلمتان مستقلّتان ، أو الدّالّ في قد بدل من الطاء ، فذهب إلى كلّ جماعة ، والأوّل أشهر ، ويقال فيها : قطني بنون الوقاية ، «وكثيرا ما تجيء» مقرونة «بالفاء» تزيينا للفظ ، نحو : «قام زيد فقط» ،

٨٨٥

قال التفتازانيّ : وكأنّه جزاء شرط محذوف ، وقدّره في نحو : اضرب زيدا فقط ، إذا ضربت زيدا فانته عن ضرب غيره ، قال : وإنّما قدّرنا الشرط تصحيحا للفاء ، انتهى.

وعلى هذا فالتقدير في نحو : قام زيدا فقط ، إذا علمت قيام زيد ، فانته عن طلب الحكم بقيام غيره. وقضية كلامه في شرح التخليص وكلام المصنّف هنا أنّما تجيء بدون الفاء ، لكنّه قليل ، وصرّح واحد من النحويّين أنّ قطّ في المثال المذكور بمعنى حسب المقطوعة عن الإضافة ، فالمعنى فيه قام زيد لا غير ، وهو الظاهر لقيام حسب مقامها من غير تكلّف.

قال ابن هشام في حواشى التسهيل : ولم يسمع ، يعنى قطّ في نحو المثال المذكور إلا مقرونا بالفاء ، وهي زائدة لازمة عندي ، قال : وكذا أقول في قولهم فحسب : إنّ الفاء زائدة ، انتهى.

قال الدمامينيّ : ولا ينبغى ارتكاب الزيادة ما وجد عنه مندوحة ، وقد قال ابن السيّد في كتاب المسائل : قطّ مفتوحة القاف ساكنة الطاء بمعنى الاكتفاء بالشيء والاجتزاء به هى عند البصريّين مضافة إلى ما بعدها ، كما تضاف حسب في قولك : حسبك درهم ، وفيها معنى القطع كالّتي في ظرف ، والكوفيّون يجيزون ما بعدها النصب ، فيجيزون قطّ عبد الله درهم ، ويقولون : معناه كفى عبد الله درهم ، أو يكفيه ، ولا يعرف ذلك البصريّون ، وقطّ هذه تستعمل بعد الإيجاب والنفي كقولك : أخذت درهما فقط ، وما أخذت درهما فقط ، وهذه هي الّتي تأتي معها الفاء ، لأنّ معنى أخذت درهما فقط ، أخذت درهما فاكتفيت به (١) ، انتهى. قال : فجعل الفاء عاطفة لا زائدة ، كما قال ابن هشام ، ولا جزائية كما قال التفتازانيّ ، والظاهر أنّه خير من قوليهما جميعا ، انتهى ، فتأمّل.

الثاني : أن تكون «ظرفا لاستغراق الماضي» ، أي لاستغراق جميع ما مضى من الأزمنة الماضية حال كون الماضي «منفيّا» ، نحو : ما رأيته قطّ ، أي في جميع الأزمنة الماضية. ونصّ ابن مالك في التسهيل والرضي في شرح الكافية على أنّه يستعمل دون نفي تارة معنى ولفظا وتارة لفظا لا معنى ، فالأوّل كقول بعض الصحابة (ره) قصرنا الصلاة مع رسول الله (ص) ونحن أكثر ما كنّا قط وآمنه. والثاني كما في الحديث أيضا أنّ أبيّا (٢) قال لعبد

__________________

(١) من وهذه هي الّتي حتّى هنا سقط في «ط».

(٢) أبي بن كعب بن قيس بن عبيد ، صحابيّ أنصاريّ ، من كتّاب الوحي ، أمره عثمان بجمع القرآن ، له ١٦٤ حديثا ، مات بالمدينة سنة ٢١ ه‍. الأعلام للزركلي ١ / ٨٢.

٨٨٦

الله (١) كاين تقرأ سورة الاحزاب؟ فقال عبد الله : ثالثا أو سبعين آية ، فقال : قطّ ، أي ما كانت كذا قطّ.

قال في القاموس وفي موضع من البخاريّ : جاء بعد المثبت منها في الكسوف ، أطول صلاة صلّيتها قطّ ، وفي سنن أبي داود ، توضّأ ثلاثا قطّ ، وأثبته ابن مالك في الشواهد لغة ، قال : وهي ممّا خفى على كثير من النحويّين ، انتهى. والجمهور على أنّ كلّ ذلك نادر ، لا يقاس عليه.

«وفيها» أي وفي قطّ الّتي ترد ظرفا لاستغراق الماضي «خمس لغات».

إحداها : قطّ ، بفتح القاف وتشديد الطّاء مضمومة ، وهي أفصحها وأشهرها ، قال ابن السّيّد واشتقاقها من قولك : قططت الشيء ، إذا قطعته ، فإذا قال المتكلّم : ما رأيته قطّ ، فقد قطع عن هذا ، وفصل فيه ، انتهى. وقال في المغني : معنى ما فعلته قطّ ، ما فعلته فيما انقطع من عمري ، لأنّ الماضي منقطع عن الحال والاستقبال.

الثانية : قطّ ، بفتح القاء وتشديد الطاء مكسورة على أصل التقاء الساكنين.

الثالثة : قطّ بضمّ القاف اتّباعا لضمّة الطاء المشدّدة.

الرابعة : قطّ بفتح القاف وتخفيف الطاء مضمومة ، حذفت الطاء الأولى الساكنة ، فبقيت المضمومة.

الخامسة : قط بفتح القاف وسكون الطاء مبالغة في التخفيف ، حذفت الثانية ، فبقيت الأولى الساكنة ، وهي مبنيّة بجميع لغاتها ، قيل : لتضمّنها معنى مذ وإلى ، إذ معنى ما فعلته قط ، مذ أن خلقت إلى الأن ، وقيل : لشبه الحرف في إبهامه لوقوعها على كلّ ما تقدّم من الزمان ، وقيل : لأنّها اشبهت الفعل الماضي ، لأنّها لزمانه ، وبنيت في الأشهر على حركة ، لئلّا يلتقى ساكنان ، وكانت ضمّه تشبيها بقبل وبعد ، أو لأنّه لو فتحت لتوهّم النصب بمقتضى الظرفية ، ولو كسرت لتوهّم الجرّ بمذ المتضمّنة معناها.

«ولا تجامع» فعلا «مستقبلا» ، وأمّا قول العامّة لا أفعله قطّ فلحن ، ولا يلتفت إليهم ، لأنّ استعمالها مع نفي الفعل الماضي قد ثبت عند أهل اللغة ، ولم يثبت مع نفي المضارع عندهم ، ويكفي في ذلك استقراء كلامهم وكتبهم ، ولا يقال : لا يلزم أن يكون خطأ لجواز أن يكون مجازا ، وعدم نقل هذا الاستعمال عن أئمة اللغة لا يمنعه لجواز أن يوجد مع عدم نقله عنهم ، لأنّا نقول : قد ثبت أنّ استعمالها الثاني قول العامّة ، وهو يلحق بأصوات الحيوانات عند أهل البلاغة ، فلا يعتبر أصلا حقيقة أو مجازا ، ولهذا لا يستدلّ بأقوالهم.

__________________

(١) ليس من الواضح من هو قصده.

٨٨٧

والثالث : من وجوه قط أن يكون بمعنى حسب ، وهذه مفتوحة القاف مخفّفة الطاء ، والغالب بنائها على السكون لوضعها على حرفين ، وتضاف إلى الاسم الظاهر وإلى ياء المتكلّم وكاف الخطاب ، نحو : قط زيد درهم وقطي وقطك ثلاثون ، وقد تعرب ، وهو قليل ، يقال : قط زيد درهم ، بالرفع ، كما يقال : حسبه درهم ، ويجوز أن تلحقها نون الوقاية ، إذا أضيفت إلى ياء المتكلّم ، فيقال : قطني ، كما يقال : قدني ، محافظة للبناء على السكون.

فائدة : تقابل قط ظرفا لاستغرق الماضي منفيّا عوض ظرفا لاستغراق المستقبل منفيّا ، تقول في المستقبل : لا أفعله عوض ، كما تقول في الماضي ما فعلته قط ، لكن عوض قد يرد للماضي أيضا كقوله [من الطويل] :

٩٩٣ ـ فلم أر عاما عوض أكثر هالكا

 ... (١)

وهو مبنيّ لشبهه بالحرف في إبهامه ، لأنّه يقع على كلّ ما يأتي من الزمان ، وبناؤه إمّا على الضمّ كقبل وبعد ، أو على الفتح طلبا للخفّة أو على الكسر على أصل التقاء الساكنين ، فإن أضيف إلى العائضين كقولهم : لا أفعله عوض العائضين (٢) ، أي دهر الداهرين ، والعائض الذي يبقى على وجه الدهر ، فكان المعنى ما بقي في الدهر داهر ، أو أضيف إليه كقوله [من الهزج] :

٩٩٤ ـ ولو لا نبل عوض في

خضمّاتي وأوصالي (٣)

أعرب في الحالين لمعارضة الشبه بالإضافة الّتي هي من خصائص الأسماء.

كم

ص : كم ترد خبريّة واستفهاميّة ، وتشتركان في البناء والافتقار إلى التمييز ولزوم التصدير ، وتختصّ الخبريّة بجرّ التمييز مفردا أو مجموعا ، والاستفهاميّة بنصبه ولزوم إفراده.

ش : الثامنة عشرة «كم» على وجهين : «خبريّة» بمعنى كثير ، «واستفهاميّة» بمعنى أيّ عدد ، وهي بسيطة بوجهيها خلافا للكسائيّ والفرّاء في زعمهما أنّها بوجهيها مركّبة من كاف التشبيه وما الاستفهاميّة ، حذف ألفها ، كما تحذف مع سائر حرف الجرّ ، نحو :

__________________

(١) تمامه «ووجه غلام يشتري وغلامه» ، ولم يسمّ قائله.

(٢) مجمع الأمثال ٢ / ١٧٩.

(٣) هو للفند الزماني. اللغة : خضمات : جمع خضمّة وهو ما غلظ من الساق والذراع ، الأوصال : جمع وصل ، وهو المفصل.

٨٨٨

بم ولم وعمّ ، وكثر الاستعمال لها ، فاسكنت للتخفيف ، وحدث لها بالتركيب معنى غير الّذي كان لكلّ واحد من مفرديها ، كما قاله النحويّون في لو لا وهلّا (١).

«وتشتركان» أى الخبريّة والاستفهاميّة في ثمانية أمور :

أحدها : «البناء» ، أمّا بناء الاستفهاميّة ، فلتضمّنها معنى همزة الاستفهام ، فإنّ قولنا :

كم رجلا عندك؟ معناه : أعشرون رجلا عندك؟ وأمّا بناء الخبريّة فلشبهها بالاستفهاميّة لفظا ومعنى ، أمّا لفظا فظاهر ، وأمّا معنى فمن جهة أنّ كلّا منهما لعدد مبهم ، وإن شئت قلت : بنيت بوجهيها لشبههما بالحرف وضعا ، وهو الأقرب.

«و» الثاني «الافتقار إلى التمييز» ، لمكان وضعهما على الإبهام ، ولشدّة افتقارهما إليه لم يحذف إلا لدليل ، كما إذا جرى ذكر العبيد ، فقلت : كم عندك؟ أى كم عبدا عندك؟ بالنصب في الاستفهاميّة ، وكم عبد عندك! بالجرّ في الخبريّة بحسب ما يقتضيه المقام بخلاف غيرهما من الأعداد ، فإنّها تدلّ على كميّة معيّنة ، فيجوز أن لا يؤتى لها بتمييز ألبتة ، لأنّ فيها فائدة من جهة الدلالة على الكميّة المعيّنة ، وإن جهل جنسها.

الثالث : «لزوم التصدير» على غير الجارّ ، حرفا كان أو اسما ، لأنّ ما قبلها إذا كان مضافا أو حرف جرّ يعمل فيهما ، واغتفر ذلك ، لأنّ تأخّر الجارّ عن مجروره ممتنع لضعف عمله ، فجوّز تقديم الجارّ عليهما على أن يجعل الجارّ اسما كان أو حرفا مع المجرور ككلمة واحدة مستحقّة للتصدير ، حتّى لا يسقط المجرور عن رتبته ، تقول : بكم رجل مررت! وغلام كم رجل ملكت! ويكون إعراب المضاف كإعراب كم ، لو لم يكن مضافا إليه ، وإنّما الّذي لا يعمل فيهما متقدّما الفعل أو شبهه لاستحقاقهما الصدر ، لأنّ كلتيهما للإنشاء ، وكلّ ما تضمّن معنى الإنشاء لزم تصديره ، لأنّه يغيّر الكلام من نوع إلى نوع ، فوجب تقديمه ، ليعلم من أوّل الأمر نوع الكلام ، ويتفرّع ذهن السامع ، لتفهمه ، وإلا فلو تأخّر لم يعلم هل الإنشاء راجع إلى ما مضى أو إلى شيء ، فيشوّش فكره.

وكون كم الاستفهاميّة للانشاء ظاهر ، وأمّا الخبريّ فلتضمّنها معنى إنشاء التكثير ، والإنشاء أنّما يؤدّي بالحروف غالبا ، فتكون متضمّنة لحرف دالّ على التكثير ، إمّا محقّق الوضع ، وهو من الاستغراقيّة أو ربّ ، إن قلنا بدلالتها على التكثير ، وإمّا مقدّر الوضع ، إن سلم عدم دلالة هذين الحرفين على التكثير ، فمن هذه الحيثيّة لزمت كم الخبريّة التصدير ، فإن قيل : كيف يتأتّى أن يكون في الخبريّة معنى إنشاء التكثير مع ما بين الخبر و

__________________

(١) قول الكسائيّ والفرّاء وسائر الكوفيّين بأنّ «كم» مركّبة من الكاف وما باطل ، بدليل دخول حرف الجرّ عليها ، نحو : بكم ريال اشتريت الكتاب؟ فالعقيدة الصحيحة هي أنّ «كم» اسم بسيط.

٨٨٩

الإنشاء من التنافي؟ فالجواب أنّ الإنشاء في كم من جهة التكثير القائم بنفس المتكلّم ، ولا وجود له في الخارج حتّى يقال باعتباره : إن طابق فصدق ، وإلا فكذب ، والإخبار في الكلام الّذي هي فيه ، وهو الّذي قيل له بسببه خبريّة أنّما هو باعتبار الكثرة لا باعتبار التكثير ، والكثرة أمر له ووجود في الخارج ، فإن طابق الكلام ذلك الأمر الواقع في الخارج كان صدقا ، وإن لم يطابق كان كذبا ، فإذا قلت : كم رجال عندى! فله جهتان : إحداهما التكثير الّذى قام بذهنك ، ولا وجود له في الخارج ، وبهذا الاعتبار تكون كم إنشائيّة ، والأخرى كثرة الرجال المخبر عنها بالعنديّة ، ولها وجود في الخارج ، وبهذا الاعتبار تكون كم الخبريّة ، هذا معنى ما قرّره ابن الحاجب ، وقد تقدّم نظيره في باب أفعال المدح والذم ، ومرّ نزاع الرضي له في ذلك ، فليرجع إليه.

الرابع : من الأمور الّتي تشترك فيه كم الخبريّة والاستفهاميّة الاسميّة ، خلافا لمن زعم أنّ الخبريّة حرف التكثير ، والدليل على اسميّتها دخول حرف الجرّ عليها ، نحو : بكم درهم اشتريت! وبكم شيء أحسنت إليك! والإضافه إليها ، نحو : غلام كم رجل ملكت! ووصل كم حبيب ظفرت! ووقوعها مسندا إليها لفظا ومعنى في نحو : كم رجلا جاءك! وكم ملك أحسن إليك! ومعنى لا لفظا نحو! كم عبدا أعتقت! وكم حرّا اعتقت! فإنّ المفعول به مسند إليه بحسب المعنى ، إذ قولك : ضربت زيدا في معنى زيد ضربته ، ولا معنى لاستبعاد ذلك أو إنكاره مع أنّه قد يكون نائبا عن الفاعل ، نحو : ضرب زيد ، فيكون مسندا إليه لفظا ومعنى ، وذلك لا يخرجه عن كونه مفعولا به على ما صرّح به ابن الحاجب.

الخامس : الإبهام ، وهو ظاهر ، لأنّهما وضعا كذلك.

السادس : جواز حذف تمييزهما بدليل كما مرّ ، خلافا لمن منع حذف تمييز الخبريّة.

السابع : الاختصاص بالنكرات كما صرّح في الرضيّ ، قال : أمّا الاستفهاميّة فلوجوب تنكير المميّز المنصوب ، وأمّا الخبريّة فلأنّها كناية عن عدد مبهم عند المخاطب ، ومعدود كذلك ، والغرض من إتيان المميّز بيان جنس ذلك العدد المبهم فقط ، وذلك يحصل بالنكرة فلو عرّف بقي التعريف ضائعا.

الثامن : امتناع كون مميّزهما منفيّا ، لا يقال : كم لا رجلا جاءك؟ ولا كم لا رجل صحبت! خلافا لمن أجازه ، نصّ عليه سيبويه.

«وتختصّ» كم «الخبريّة ب» وجوب «جرّ التمييز» ، أي مميّزها ، بإضافتها إليه كما في عشرة ومائة ، لا بمن مقدّرة خلافا للفرّاء ، وقيل : الكوفيّين قاطبة بدليل أنّه متى فصل كان منصوبا حملا على كم الاستفهاميّة ، كقوله [من البسيط] :

٨٩٠

٩٩٥ ـ كم نالنى منهم فضلا على عدم

إذا لا أكاد من الإقتار أحتمل (١)

«مفردا» كان مميّزها «أو مجموعا» ، تقول : كم عبد ملكت! أو كم عبيد ملكت! ، قال [من مجزوء المديد] :

٩٩٦ ـ كم ملوك باد ملكهم

ونعيم سوقة بادوا (٢)

وكونه مفردا أكثر في الاستعمال وأبلغ في المعنى ، حتّى ادّعى بعضهم أنّ الجمع على نيّة معنى الواحد ، فكم رجال على معنى كم جماعة من الرجال ، ودخل في المفرد ما يؤدّى معنى الجمع ، نحو : كم قوم صدقوني ، قاله في التصريح.

وإنّما كان مميّز الخبريّة مجرورا مفردا ، لأنّها كانت للتكثير ، وصار تمييزها كتمييز العدد الكثير ، وهو المائة والألف ، وجاز الجمع فيه ، ولم يجز في العدد الصريح ، لأنّ في لفظ العدد الكثير ما ينبئ عن كميّة الكثرة صريحا ، وكم الخبريّة ليست مثله في التصريح ، فجعل جمعه كأنّه نائب عن معنى التصريح في مثله ، وحكي عن تميم نصبه مطلقا ، وروي قول الفرزدق [من الكامل] :

٩٩٧ ـ كم عمة لك يا جرير وخالة

فدعاء قد حلبت عليّ عشارى (٣)

بالنصب إمّا حملا على هذه اللغة التميميّة ، وإمّا على تقديرها استفهاميّة استفهام تهكّم ، أي أخبرني بعدد عمّاتك وخالاتك اللّاتي كنّ يخدمنني ، فقد نسيته وعليهما فكم مبتدأ ، وخبره قد حلبت ، وإفراد الضمير حملا على لفظ كم ، أو على أنّه عائد على مجموع من تقدّم ، كما في قولك : النساء فعلت ، ويروى بالجرّ على قياس تمييز الخبريّة ، وبالرفع على أنّه مبتدأ.

وإن كان نكرة لكونه وصفا بلك وبفدعاء محذوفة مدلولا عليها بالمذكورة ، إذ ليس المراد تخصيص الحالة بوصفها بالفدع ، كما حذفت لك من صفة خالة استدلالا عليها ، بل الأولى ، والخبر قد حلبت ، ولا بدّ من تقدير قد حلبت أخرى ، لأنّ المخبر عنه فى هذا الوجه متعدّد لفظا ومعنى ، ونظيره : زينب هند قامت ، وكم على هذا الوجه ظرف أو مصدر ، والتمييز محذوف ، أي كم وقت أو حلبة ، وإذا نصب التمييز بفصل أو بغير فصل جاز كونه أيضا مفردا أو جمعا ، كما إذا جرّ.

__________________

(١) هو للقطامى ، اللغة : على عدم : مع عدم ، والعدم بمعنى الفقر والاحتياج ، الإقتار : مصدر أقتر بمعنى افتقر وضاق عيشه.

(٢) لم يذكر قائله. اللغة : باد : هلك ، سوقة : الرعية وما دون الملك.

(٣) اللغة : فدعاء : المرأة الّتى اعوجت إصبعها من كثرة حلبها ، يقال : الفدعاء هي الّتي أصاب رجلها الفدع من كثرة مشيها وراء الإبل ، العشار : جمع عشراء ، الناقة الّتي أتي عليها من وضعها عشره أشهر.

٨٩١

هذا مذهب الجمهور ، وذهب أبو علي والشلوبين وابن هشام الخضراويّ إلى التزام الإفراد ، لأنّ العرب التزمته في كلّ تمييز منصوب عن عدد أو كناية ككم الاستفهاميّة وكأيّن وكذا ، وردّ بأنّ ذلك فيما يجب نصبه ، لا فيما يجوز نصبه وجرّه. وهل يجوز جرّه مع الفصل بظرف أو مجرور؟ مذاهب ، أصحّها لا ، لما فيه من الفصل بين المتضايفين ، وذلك ممنوع إلا في ضرورة كقوله [من الرمل] :

٩٩٨ ـ كم بجود مقرف نال العلى

وكريم بخله قد وضعه (١)

الثاني : نعم ، وعليه يونس ، بناء على رأيه من جواز الفصل بين المتضايفين في السعة بذلك ، والكوفيّون بناء على رأيهم أنّ الجرّ بمن مقدّرة ، وإنّما جوّزوا عمل الجارّ المقدّر هاهنا ، وإن كان في غير هذا الموضع نادرا ، لكثرة دخول من على مميّز الخبريّة ، نحو : (كَمْ مِنْ مَلَكٍ) [النجم / ٢٦] ، (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ) [الأعراف / ٤] ، والشيء إذا عرف في موضع جاز تركه لقوّة الدلالة عليه (٢).

والثالث : الجواز ، إن كان الظرف أو المجرور (٣) ناقصا ، وهو ما لا يفهم بمجرّد ذكره وذكر معموله ما يتعلّق به ، نحو : كم بك مأخوذ أتاني! وكم اليوم جائع جاءني! والمنع إن كان تامّا. وعزا الأندلسيّ هذا القول إلى يونس ، وردّ بأنّ العرب لم تفرق بين الظرف التامّ والناقص في الفصل ، بل تجريهما مجرى واحدا ، ومن الفصل بالمجرور التّامّ قوله [من الكامل] :

٩٩٩ ـ كم في بني سعد بن بكر سيّد

ضخم الدّسيعة ماجد نفّاع (٤)

فإن كان الفصل بجملة لم يجز الجرّ في كلام ولا شعر عند البصريّين ، لأنّ الفصل بالجملة بين المتضايفين لا يجوز ألبتّة ، وجوّزه الكوفيّون بناء على أنّ الجرّ بمن لا بالاضافة ، وجوّزه المبرّد في الشعر فقط ، وروي قوله [من البسيط] :

١٠٠٠ ـ كم نالنى منهم فضل على عدم

 ... (٥)

__________________

(١) البيت لأنس بن زنيم. اللغة : المفرف : النّذل اللئيم الأب.

(٢) يذهب البصريّون إلى أنّ كم الخبريّة هي العاملة فيما بعدها الجرّ ، أي تضاف إلى مميّزها ، والكوفيّون إلى أنّ جرّ المميّز بمن المقدّرة ، يقول أبو البركات الأنباري : والّذي يدلّ على فساد ما ذهب الكوفيّون إليه أنّ حرف الجرّ لا يجوز أن يعمل مع الحذف ، إلا ربّ بعد الواو والفاء وبل. الإنصاف في مسائل الخلاف ، ١ / ٣٠٧. ويقول الزمخشريّ : والخبريّة مضافة إلى مميّزها ، عاملة فيه عمل كلّ مضاف في المضاف إليه ، فإذا وقعت بعدها «من» ، وذلك كثير في استعمالهم ، منه قوله تعالى ، (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ)(وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ ،) كانت منوّنة في التقدير ، كقولك : كثير من القري ومن الملائكة ، وهي عند بعضهم منوّنة أبدا ، والمجرور بعدها بإضمار «من». المفصّل في صنعة الإعراب ص ٢٢١.

(٣) إن كان الظرف أو المجرور سقط فى «ط».

(٤) هو للفرزدق اللغة : الدسيعة : العطية أو الجفنة ، النفّاع : صيغة مبالغة من النفع.

(٥) تقدم برقم ٩٩٥.

٨٩٢

بالجرّ. وإذا فصل بين كم الخبريّة ومميّزها بفعل متعدّ وجب الإتيان بمن لئلّا يلتبس المميّز بمفعول ذلك المتعدّي ، نحو قوله تعالى : (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) [الدخان / ٢٥] ، (وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ) [القصص / ٥٨].

«و» تختصّ كم «الاستفهاميّة» بوجوب «نصبه» أي تمييزها ، وظاهره أنّه لا يجوز جرّه مطلقا ، وهو قول لبعضهم ، وذهب الفرّاء والزجّاج وابن السّراج وآخرون إلى جواز جرّه مطلقا حملا لها على الخبريّة ، وفصّل قوم ، فقالوا : إن جرّت هي بحرف جرّ نحو : بكم درهم اشتريت؟ جاز الجرّ ، وإلا فلا ، ومع ذلك فالنصب هو الكثير ، ثمّ الجرّ حينئذ بمن مقدّرة حذفت تخفيفا ، وصار حرف الجرّ الداخل على كم عوضا منها ، هذا مذهب الخليل وسيبويه والفرّاء والجماعة ، وخالف الزجاجّ فقال : إنّه بإضافة كم لا بإضمار من ، وردّه أبو الحسن بأنّهم حين خفضوا بعدها لم يخفضوا إلا بعد تقدّم حرف جرّ ، فكونهم لم يتعدّوا هذا دليل لقول الجماعة.

«و» تختصّ بوجوب «لزوم إفراده» ، أى إفراد تمييزها ، خلافا للكوفيّين في جواز جمعه ، وما أوهمه يحمل على الحال ، ويجعل التمييز محذوفا ، فإذا قلت : كم لك غلمانا؟ فالتقدير كم نفسا استقرّوا لك غلمانا ، فحذف المميّز ، والجمع المنصوب حال من ضمير الظرف المستقرّ ، والعامل فيه الظرف ، أو عامله المحذوف ، فلو قلت كم غلمانا لك؟ لم يتمشّ هذا التخريج إلا على رأي الأخفش في تجويز تقديم الحال على عاملها المعنوىّ في مثل ذلك ، وذهب الأخفش إلى جواز جمعه إن كان السؤال عن الجماعات ، نحو : كم غلمانا لك؟ إذا أردت أصنافا من الغلمان ، قالوا : وإنّما كان مميّز الاستفهاميّة مفردا منصوبا ، لأنّها لما كانت كناية عن العدد جعلت عبارة عن وسط العدد ، وهو من أحد عشر إلى مائة ، وجعل مميّزها كمميّزه ، لأنّها لو جعلت كناية عن أحد الطرفين كان تحكّما وترجيحا من غير مرحّج لتساويهما في الظرفيّة بخلاف الوسطيّة ، إذ لا تساوى شيئا منهما.

كيف

ص : كيف : ترد شرطيّة ، فتجزم الفعلين عند الكوفيّين ، واستفهاميّة ، فتقع خبرا ، فى نحو : كيف زيد؟ وكيف أنت؟ ومفعولا ، في نحو : كيف ظننت زيدا؟ وحالا ، في نحو : كيف جاء زيد؟

ش : التاسعة عشرة كيف ، ويقال فيها : كي ، كما يقال في سوف : سو ، قال [من البسيط] :

٨٩٣

١٠٠١ ـ كي تجنحون إلى سلم وما ثئرت

قتلاكم ولظى الهيجاء تضطرم (١)

وهى اسم لدخول الجارّ عليها بلا تأويل في قولهم : على كيف تبيع الأحمرين؟ أي اللحم والخمر ، ولإبدال اسم الصريح منها كيف أنت؟ أصحيح أم سقيم؟ والإخبار بها مع مباشرة الفعل ، نحو : كيف كنت؟ فبالإخبار بها انتفت الحرفيّة ، وبمباشرة الفعل انتفت الفعليّة. وترد على وجهين :

أحدهما : أن تكون شرطيّة ، فيقتضي فعلين متّفقي اللفظ والمعنى ، نحو : كيف تصنع أصنع ، ولا يجوز : كيف تجلس أذهب باتّفاق ، وتجزم فعلين عند النّحاة الكوفيّين وقطرب من البصريّين مطلقا ، وقيل : بشرط اقترانها بما ، نحو : كيفما تكن أكن. قالوا : ومن ورودها شرطيّة قوله تعالى : (يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ) [المائدة / ٦٤] ، (يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ) [آل عمران / ٦] (فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ) [الروم / ٤٨] ، وجوابها في ذلك كلّه محذوف لدلالة ما قبلها. قال ابن هشام : وهذا يشكل على اطلاقهم أنّ جوابها يجب مماثلثه لشرطها ، انتهى.

قيل : ولقائل أن يقول : لا إشكال ، لأنّا لا نقدّر الجواب فعلا مثل الّذى قبلها ، وإنّما نقدّره فعلا مضارعا من المشيئة متعلّقا بالحدث الّذى قبلها ، والتقدير كيف يشاء الأمور يشاء الاتّفاق ، أى لا فرق بين الشيئين إلا بالتعلّق ، فصدق أنّ شرطها مماثل لجوابها ، وأنّ جوابها محذوف لدلالة ما قبلها ، لأنّ ما قبلها فعل اختياريّ ، والأفعال الاختياريّة لها دلالة على المشيئة واستلزام لها ، وكثيرا ما تطلق وتراد هي منها كقوله تعالى : (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) [المائدة / ٦] ، أى أردتم القيام لها.

والثاني : أن تكون استفهاميّة ، وهو الغالب فيها ، ويستفهم بها عن حال الشيء لا عن ذاته. قال الراغب (٢) : وإنّما يسأل بها عمّا يصحّ أن يقال فيه : شبيه وغير شبيه ، ولهذا لا يصحّ أن يقال في الله تعالى : كيف ، قال : وكلّما أخبر الله بلفظ كيف عن نفسه ، فهو استخبار على طريقة التنبيه للمخاطب أو التوبيخ له ، نحو : (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ) [البقرة / ٢٨] ، (كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً) [آل عمران / ٨٦] ، انتهى.

قال في المغني : الاستفهام بها إمّا حقيقىّ ، نحو : كيف زيد؟ أو غيره ، نحو : (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ) الآية ، فإنّه أخرج مخرج التعجّب.

__________________

(١) لم يسمّ قائله : اللغة : تجنحون : تميلون ، السلم : الصلح ، ثئرت : مجهول من ثار دمه ، أى طلب دمه وقاتل قاتله ، القتلى : جمع قتيل ، اللظى : النار ، الهيجاء : الحرب ، تضطرم : تشتعل.

(٢) الراغب الإصفهاني (الحسين بن محمّد) (ت ٥٠٢ ه‍) إمام من حكماء العلماء ، اشتهر بالتفسير واللغة ، من آثاره «المفردات في غريب القرآن». المنجد فى الأعلام ص ٢٦٠.

٨٩٤

وتقع كيف الاستفهاميّة خبرا في نحو : كيف زيد؟ وكيف كنت؟ فكيف في الأوّل خبر المبتدإ ، وفي الثاني خبر كان ، قدّم فيهما للزومه الصدر ، وتقع مفعولا في نحو : كيف ظننت زيدا؟ وكيف أعملته فرسك؟ فهي في الأوّل مفعول ثان لظنّ ، وفي الثاني مفعول ثالث لأعلم (١).

ومنهم من جعل هذا من قبيل الخبر أيضا ، لأنّ ثاني مفعول ظنّ وثالث مفعولات أعلم خبران في الأصل ، والمراد بنحو ذلك في النوعين أن تقع قبل ما لا يستغنى به عنها ، وهو ما لا يستقلّ بدونها كلاما كما في الأمثلة.

وتقع حالا في نحو : كيف جاء زيد؟ فكيف حال من زيد. والمراد بنحوه أن تقع قبل ما لا يستغنى به عنها ، أي يستقلّ بدونها كلاما ، لأنّه يصحّ أن يقال : جاء زيد ، ثمّ ادخلت كيف استفهاما عن هيئة مجيئه ، أي على حالة جاء زيد ، قال ابن هشام : وعندي أنّها تأتي في هذا النوع مفعولا مطلقا أيضا ، وأنّ منه : (كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ) [الفيل / ١] ، ولا يتّجه فيه أن يكون حالا من الفاعل ، انتهى. أي لأنّ في ذلك وصفه تعالى بالكيفية ، وهو ممتنع.

تنبيهات : الأوّل : عن سيبويه أنّ كيف ظرف ، وأنكره الأخفش والسيرافيّ ، وقالا : هي اسم غير ظرف ، ورتّبوا على الخلاف أمورا أحدها : أن موضعها عند سيبويه نصب دائما ، وعندهما رفع مع المبتدإ ونصب مع غيره. الثاني : أنّ تقديرها عند سيبويه في أيّ حال ، أو على أيّ حال ، وعندهما تقديرها في نحو : كيف زيد؟ أصحيح زيد؟ وفي كيف جاء زيد؟ أراكبا جاء زيد؟ ونحوه. الثالث : الجواب المطابق عند سيبويه أن يقال على خبر ونحوه ، هذا إن أجيب على اللفظ ، وإن أجيب على المعنى دون اللفظ ، قيل : صحيح أو سقيم ، أو عندهما على العكس.

وقال ابن مالك : لم يقل أحد إنّ كيف ظرف ، إذ ليست زمانا ولا مكانا ، ولكنّها لما كانت تفسّر بقولك : على أىّ حال لكونها سوالا عن الأحوال العامّة سمّيت ظرفا ، لأنّها في تأويل الجارّ والمجرور ، واسم الظرف يطلق عليها مجازا ، انتهى.

قال ابن هشام : وهو حسن ، ويؤيّده الإجماع على أنّه يقال : في البدل كيف أنت؟ أصحيح أم سقيم؟ بالرفع ، ولا يبدل المرفوع من المنصوب.

الثانى : زعم قوم أنّ كيف تأتي عاطفة ، وممّن زعم ذلك عيسى بن موهب (٢) في كتاب العلل ، وأنشد عليه [من الطويل] :

__________________

(١) سقطت هذه الفقرة في «ح».

(٢) لم أجد ترجمة حياته.

٨٩٥

١٠٠٢ ـ إذا قلّ مال المرء لانت قناته

وهان على الأدنى فكيف الأباعد (١)

وهذا خطأ ، لاقترانها بالفاء ، وإنّما هي هنا اسم مرفوع المحلّ على الخبريّة ، ثمّ يحتمل أنّ الأباعد مجرور بإضافة مبتدإ محذوف ، أي فكيف حال الأباعد ، فحذف المبتدأ على قراءة ابن جماز (٢) : (وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) [الأنفال / ٦٩] ، أو بتقدير فكيف الهوان على الأباعد؟ فحذف المبتدأ والجارّ ، أو هو مجرور بالعطف بالفاء ، وكيف مقحمة بين العاطف والمعطوف لإفادة الأولويّة بالحكم ، فلا يكون لها محلّ.

لو

ص : لو رد شرطيّة ، فتقتضي امتناع شرطها واستلزامه لجوابها ، وتختصّ بالماضي ولو مؤوّلا ، وبمعنى إن الشّرطيّة ، وليست جازمة خلافا لبعضهم ، وبمعنى ليت ، نحو : (لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ ،) ومصدريّة ، وقد مضت.

ش : العشرون لو ، ترد على أربعة أوجه :

أحدها : أن تكون «شرطيّة» امتناعية ، «فتقتضي» شرطا وجوابا ، وتفيد في نحو : لو جاءني زيد لأكرمته ، ثلاثة أمور :

أحدها : الشرطيّة ، أعني عقد السببيّة والمسببيّة بين الجملتين.

الثاني : تقييد الشرطيّة بالزمان الماضي ، وبهذا الوجه والذى بعده فارقت إن ، فإنّ تلك لعقد السببيّة والمسببيّة في المستقبل ، لهذا قالوا : الشرط بإن سابق على الشرط بلو ، ذلك لأنّ الزمان المستقبل سابق على الزمان الماضي ، ألا ترى أنّك تقول : إن جئتني غدا أكرمتك ، فإذا انقضى الغد ، ولم يجئ قلت : لو جئتني أمس أكرمتك. قال في التصريح : وفي الأسبق من الأزمنة خلاف ، قال الرازيّ : والحقّ قول الزّجاج : إنّ المقدّم هو المستقبل ، فإذا وجد صار حاضرا ، فإذا انقضى صار ماضيا ، انتهى.

الثالث : الامتناع ، واختلف النحاة في إفادتها له وكيفيّة إفادتها إيّاه على أقوال :

أحدها : أنّه لا تفيده بوجه ، وهو قول الشلوبين وابن هشام الخضراويّ ، زعما أنّها لا تدلّ على امتناع الشرط ولا على امتناع الجواب ، بل على التعليق في الماضي ، كما دلّت إن على التعليق في المستقبل ، ولم تدلّ بالإجماع على امتناع ولا ثبوت.

__________________

(١) لم يسمّ قائله : اللغة : لان : سهل وانقاد ، القناه : الرمح ، هان : ذل ، الأباعد : جمع أبعد وهو ضدّ الأدنى.

(٢) هو سليمان بن مسلم بن جماز (مات نحو ١٧٠ ه‍) ، وكان قارئا ضابطا من راوة أبي جعفر القارئ المدني. مغني اللبيب ص ٢٧٣.

٨٩٦

قال ابن هشام الأنصاريّ : وهذا الّذي قالاه كإنكار الضروريات ، إذ فهم الامتناع منها كالبديهىّ ، فإنّ كلّ من سمع : لو فعل ، فهم عدم وقوع الفعل من غير تردّد ، ولهذا جاز استداركه ، فتقول : لو جاءني زيد لأكرمته ، لكنّه لم يجئ.

الثاني : أنّها تفيد الشرط وامتناع الجواب جميعا ، وهو القول المشهور الجاري على ألسنة المعربين ، وعباراتهم لو حرف امتناع لامتناع ، أي امتناع الجواب لامتناع الشرط ، وردّ بعدم امتناع الجواب في مواضع كثيرة كقوله تعالى : (وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ) [لقمان / ٢٧] وقول عمر : نعم العبد صهيب (١) لو لم يخف الله لم يعصه ، فإنّ عدم النفاد محكوم به ، سواء وجد الخوف أم لا ، وأجيب بأنّ انتفاء الشرط والجواب هو الأصل فيها ، فلا ينافيه بقاء الجواب فيها مع انتفاء الشرط في بعض المواضع.

الثالث : وهو مختار المصنّف وفاقا لابن مالك ، واختاره جماعة من محقّقي المتأخّرين أيضا ، إنّها تفيد امتناع شرطها دائما مثبتا كان أو منفيّا ، واستلزامه أي شرطها لجوابها من غير تعرّض لامتناع الجواب ولا ثبوته ، فإذا قلت : لو قام زيد قام عمرو ، فقيام زيد محكوم بانتفائه فيما مضى ، وبكونه مستلزما ثبوته لثبوت قيام من عمرو ، وهل لعمرو قيام آخر غير اللازم عن قيام زيد؟ أو ليس له ، لا تعرّض في الكلام لذلك ، وعبارة ابن مالك في التسهيل : لو حرف شرط ، يقتضي امتناع ما يليه استلزامه لتاليه.

قال ابن هشام : وهذه أجود العبارات ، ثمّ الجواب إن لم يكن له سبب غير ذلك الشرط بحيث لم يخلفه غيره لزم امتناعه أيضا لملازمته له شرعا أو عقلا أو عادة ، فالأوّل نحو قوله تعالى في بلعم بن باعورا : (وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها) [الأعراف / ١٧٦] ، فلو هنا دالّة على أنّ مشيئة الله تعالى لرفع هذا المنسلخ منفيّة ، ويلزم من نفيها أن يكون رفع المنسلخ منفيّا ، إذ لا سبب للرفع إلا المشيئة ، وقد انتفت ، فيكون منفيّا ، لأنّ انتفاء السبب يستلزم انتفاء المسبّب ضرورة ، كما أنّ ثبوت السبب يستلزم ثبوت المسبّب كذلك لما بينهما من التلازم الشرعيّ.

والثاني : كقولك : لو كانت الشمس طالعة ، كان النهار موجودا ، فطلوع الشمس سبب لوجود النهار ، وقد انتفى بدخول لو عليه ، فينتفي وجود النهار ، لأنّ وجود

__________________

(١) صهيب بن سنان (ت / ٣٨ ه‍) صحابي ، أحد السابقين إلى الإسلام ، هاجر إلى المدينة ، وتوفّي بها. المنجد في الأعلام ص ٣٤٩.

٨٩٧

النهار (١) ليس له سبب غير طلوع الشمس ، وقد انتفى ، فيكون منفيّا ، لأنّ انتفاء السبب المساوي يستلزم انتفاء المسبّب لما بينهما من التلازم العقليّ.

والثالث : كقوله تعالى : (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا) [الأنبياء / ٢٢] ، أي السموات والأرض ، ففسادهما وهو خروجهما عن نظامها المشاهد مناسب لتعدّد الآلهة للزومه له على وفق العادة عند تعدّد الحاكم من التمانع في الشيء وعدم الاتّفاق عليه ، ولم يخلف التعدّد غيره فينتفي الفساد بانتفاء التعدّد المفاد بلو نظرا إلى الأصل فيها ، وإن كان القصد من الآية العكس ، لأنّها إنّما سيقت لإثبات الوحدانيّة ونفي التعدّد ، فوجب أن يقال : إنّ معناها انتفاء التّعدّد لانتفاء الفساد لما بينهما من التلازم العادي ، وإن كان للجواب سبب غير الشرط لم يلزم امتناعه ولا ثبوته ، إذ لا تعرّض لها إلى امتناع الجواب ولا ثبوته.

ثمّ تارة يكون ثبوته بالأولى نحو قول عمر : لو لم يخف الله لم يعصه ، فإنّه لا يلزم من انتفاء لم يخف انتفاء لم يعص ، حتّى يكون قد خاف وعصى ، لأنّ انتفاء العصيان ليس سببه الخوف فقط ، بل له سبب آخر ، وهو الحياء والمهابة والإجلال ، والأوّل وظيفة العوام ، والثاني وظيفة الخواصّ ، والمراد أنّ صهيبا من قسم الخواصّ ، وأنّه لو قدّر خلوّه من الخوف لم تقع منه معصية ، فكيف والخوف حاصل له ، وإنّما لم تدلّ لو على انتفاء الجواب هاهنا ، لأنّ دلالتها على ذلك أنّما هو من باب مفهوم المخالفة ، وفي هذا الأثر دلّ مفهوم الموافقة على عدم المعصية ، لأنّه إذا انتفت المعصية عند عدم الخوف فعند الخوف (٢) أولى ، وإذا تعارض هذان المفهومان قدّم مفهوم الموافقة.

وتارة يكون بالمساوي كقوله (ص) في درّة بنت أمّ سلمة ، لمّا بلغه تحدّث النساء أنّه يريد أن ينكحها : إنّها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلّت لي ، إنّها لابنة أخي من الرضاعة (٣). فإنّ حلّها له عليه (ع) منتف من وجهين ، لو انفرد كلّ منهما حرمت له (ص) : كونها ربيبته ، وكونها ابنة أخيه من الرضاعة ، وهما متساويان في منع الحدّ. وتارة يكون بالأدون كقولك فيمن عرض عليك نكاحها : لو انتفت أخوة الرضاع ما حلّت لي للنسب ، فإنّ حلّها منتف من وجهين ، لو انفرد كلّ منهما حرمت له أخوة الرضاع والنسب ، إلا أنّ حرمة الرضاع أدون من حرمة النسب.

__________________

(١) لأنّ وجود النهار سقط فى «ط».

(٢) في «ح» فعند عدم الخوف.

(٣) صحيح بخاري ، ٤ / ١٧ ، رقم ٣٩. وروي : لو أنّها.

٨٩٨

تنبيه : اشتهر في كتب العربيّة نسبة هذا الكلام وهو : نعم العبد صهيب ، لو لم يخف الله لم يعصه ، إلى عمر بن الخطاب ، قال القاضي بهاء الدين السبكيّ في شرح التلخيص : وقد نسب الخطيبيّ (١) هذا الكلام إلى النبيّ (ص) ، ولم أره في شيء من كتب الحديث لا مرفوعا ولا موقوفا ، لا عن النبيّ (ص) ولا عن عمر مع شدّة الفحص. قال الدمامينيّ في التحفة : كذا نسبه القرافيّ (٢) في الفروق إلى النبي (ص) ، وقد سألت عن ذلك بعض حفّاظ العصر ، فأخبرني أنّه بحث عن ذلك فلم يقف عليه ، ثمّ وقفت في الحلية لأبي نعيم الحافظ (٣) في ترجمة سالم مولى أبي حذيفة (٤) على حديث رفعه من طريق عمر بن الخطاب ، قال : سمعت رسول الله (ص) يقول : إنّ سالما شديد الحبّ لله عزّ وجلّ لو كان لا يخاف الله ما عصاه (٥).

«وتختصّ» لو «بالماضي» ، لأنّها إنّما تفيد الشرط فيه ، فلا يكون الشرط والجزاء معها إلا ماضين ، فمن حقّها أن لا تدخل إلا على الماضي ، «ولو» كان «مؤوّلا» كقوله تعالى : (وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ) [السجدة / ١٢] ، لأنّه لصدوره عمّن لا يكذب متحقّق الوقوع ، فالمضارع عنده بمترلة الماضي ، فهذا مستقبل في التحقيق ماض بحسب التأويل ، كأنّه قيل : قد انقضى هذا الأمر ، لكنّك ما رأيته ، ولو رأيته لرأيت أمرا فظيعا عجيبا.

تنبيه : اختلف في عدّ لو المذكورة من حروف الشرط. قال الزمخشريّ وابن مالك لو حرف شرط ، وأبى قوم تسميتها حرف شرط ، لأنّ حقيقة الشرط أنّما يكون في الاستقبال ، ولو إنّما هي للتحقيق في المضي ، فليست من أدوات الشرط ، قاله المراديّ في الجنى الداني ، والأوّل هو المشهور ، ولذا سمّاها المصنّف شرطيّة.

الثاني من وجوه لو أن تكون حرف شرط في المستقبل بمعنى «إن الشرطيّة» ، إلا أنّها لا تجزم على المشهور كقوله [من الطويل] :

١٠٠٣ ـ ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا

ومن دون رمسينا من الأرض سبسب

لظّل صدى صوتي وإن كنت رمّة

لصوت صدى ليلى يهشّ ويطرب (٦)

__________________

(١) لم أجد ترجمة حياته.

(٢) أحمد بن إدريس القرافيّ ، من علماء المالكيّة ، له مصنّفات منها «أنوار البروق في أنوار الفروق» «الخصائص» في قواعد العربية ، مات سنة ٦٤٨ ه‍. الأعلام للزركلي ، ١ / ٩٠.

(٣) أحمد بن عبد الله أبو نعيم حافظ ، مؤرخ ، من الثقات في الحفظ والرواية ، من تصانيفه «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء» و «معرفه الصحابة» مات سنة ٤٣٠ ه‍. المصدر السابق ، ١ / ١٥.

(٤) أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ، صحابي ، هاجر إلى الحبشة شهد بدرا وأحدا والخندق ، وقتل يوم اليمامة سنة ١٢ ه‍. المصدر السابق ، ٢ / ١٨٠.

(٥) ما وجدت عنوان الحديث.

(٦) هما لأبي صخر الهذلي. اللغة : الاصداء : جمع صدى ، وهو الّذي يجيبك بمثل صوتك في الجبال وغيرها ، الرمس : تراب القبر ، السبسب : المفارة ، الرمّة : العظام البالية ، يهش : من الهشاشة ، وهى الارتياح والخفة للشيء.

٨٩٩

قوله [من الكامل] :

١٠٠٤ ـ لا يلفك الراجيك إلا مظهرا

خلق الكرام ولو تكون عديما (١)

وإذا وليها حينئذ ماض أوّل بالمستقبل ، نحو : (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا) [النساء / ٩] ، وقيل قول توبة [من الطويل] :

١٠٠٥ ـ ولو أنّ ليلى الأخيليه سلّمت

عليّ ودوني جندل وصفائح

لسلّمت تسليم البشاشة أوزقا

إليها صدى من جانب القبر صائح (٢)

زقا بزاء وقاف : صاح ، والصدى هنا طائر يخرج من رأس المقتول ، إذا بلى بزعم الجاهلية ، ويتصحّف على كثير زقا برقا براء مهملة ، والصواب ما ذكرناه ، من غريب ما يحكى أنّ ليلى الأخيلية هذه مرّت بقبر توبة صاحب هذا الشعر فوقفت عليه ، وسلّمت ، وقالت : لم أعهدك يا توبة كاذبا ألست القائل [من الطويل] :

١٠٠٦ ـ ولو أنّ ليلى الأخيليّه سلّمت

 ... (٣)

وقد سلّمت فأين ما قلت؟ فبينا هي كذلك إذا طائر كان هناك فأحسّ بالبعير ففرّ طائرا يصيح ، فنفر البعير ، فسقطت ليلى من عليه ميتة ، ودفنت إلى جانبه.

وأنكر ابن الحاج مجيئها للتعليق في المستقبل ، قال في نقده على المقرّب : والقاطع بذلك أنّك لا تقول : لو يقوم زيد فعمرو منطلق ، كما تقول : إن يقم زيد فعمرو منطلق.

وقال بدر الدين بن مالك : عندي أنّها لا تكون لغير الشرط في الماضي ، وما تمسّكوا به من نحو قوله تعالى : (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا) [النساء / ٩] وقول الشاعر [من الطويل] :

١٠٠٧ ـ ولو أنّ ليلى الأخيلية سلّمت

 ... (٤)

لا حجّة فيه لصحّة حمله على المعنى ، وردّ بأنّ الحمل على المعنى ممكن في بعض المواضع دون بعض ، فممّا أمكن فيه قوله تعالى : (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا) إذ لا يستحيل أن يقال : لو شارفت فيما مضى إنّك تخلف ذريّة ضعافا لخفت عليهم ، لكنّك لم تشارف ذلك فيما مضى ، وممّا لا يمكن فيه ذلك قوله : (وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ) [يوسف / ١٧] ، لاستحالة أن يراد ولو كنّا صادقين فيما مضى ، ما أنت بمصدّق لنا لكنّا لم نصدّق.

__________________

(١) لم يسمّ قائله. اللغة : يلفك : من ألفى إذا وجد ، العديم : المعدم الّذي لا يملك شيئا.

(٢) هما لتوبة بن الحمير : اللغة : الجندل : الحجر ، الصفائح : الحجارة العريضة الّتي تكون على القبر ، البشاشه : طلاقه الوجه ، زقا : صاح ، الصدى : ذكر البوم ، أو هو ما تسمعه في الجبال كترديد لصوتك.

(٣) تقدم برقم ١٠٠٥.

(٤) تقدم برقم ١٠٠٥ و ١٠٠٦.

٩٠٠

قال ابن هشام : وكون لو بمعنى إن قاله كثير من النحويّين في نحو : (وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ) [يوسف / ١٧] ، (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [الصف / ٩] ، (قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) [المائدة / ١٠٠] ، (وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) [البقرة / ٢٢١] ، (وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَ) [الأحزاب / ٥٢] ونحو : أعطوا السائل ولو جاء على فرس (١) ، وقوله [من البسيط] :

١٠٠٨ ـ قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم

دون النساء ولو باتت بأطهار (٢)

وأمّا نحو : (وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) [الأنعام / ٢٧] ، (أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ) [الأعراف / ١٠٠] ، وقول كعب [من البسيط] :

١٠٠٩ ـ ...

أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل (٣)

فمن القسم الأوّل ، لا من هذا القسم ، لأنّ المضارع في ذلك مراد به المضىّ ، وتقرير ذلك أن تعلم أنّ خاصية لو فرض ما ليس بواقع واقعا ، ومن ثمّ انتفى شرطها في الماضي والحال ، لما ثبت من كون متعلّقها غير واقع ، وخاصية إن تعليق أمر بأمر مستقبل محتمل ، ولا دلالة لها على حكم شرطها في الماضي والحال ، فعلى هذا قوله [من البسيط] :

١٠١٠ ـ ...

 ... ولو باتت بأطهار (٤)

يتعيّن فيه معنى إن ، لأنّه خبر عن أمر مستقبل محتمل ، أمّا استقباله فلأنّ جوابه محذوف دلّ عليه شدّوا ، وشدّوا مستقبل ، لأنّه جواب إذا ، وأمّا احتماله فظاهر ، ولا يمكن جعلها امتناعية للاستقبال والاحتمال ، ولأنّ المقصود تحقّق ثبوت الطهر لا امتناعه ، وأمّا قوله [من الطويل] :

١٠١١ ـ لو تلتقى ...

 ... (٥)

وقوله [من الطويل] :

١٠١٢ ـ ولو أنّ ليلى ...

 ... (٦)

فيحتمل أنّ «لو» فيهما بمعنى «أن» على أنّ المراد مجرّد الإخبار بوجود ذلك عند وجود هذه الأمور في المستقبل ، ويحتمل أنّها على بابها ، وأنّ المقصود فرض هذه الأمور واقعة ، والحكم عليها مع العلم بعدم وقوعها.

__________________

(١) نهج الفصاحة ص ٦٧ ، رقم ٣٤٧.

(٢) هو للأخطل. اللغة : المآزر : جمع المئزر بمعنى الإزار.

(٣) صدره «لقد أقوم مقاما لو يقوم به» ، وهو من قصيدة بانت سعاد.

(٤) تقدم برقم ١٠٠٨.

(٥) تقدم برقم ١٠٠٣.

(٦) تقدم برقم ١٠٠٧.

٩٠١

والحاصل أنّ الشرط متى كان مستقبلا محتملا ، وليس المقصود فرضه الآن أو فيما مضى فهى بمعنى إن ، ومتى كان ماضيا أو حالا أو مستقبلا ، ولكن قصد فرضه الآن أو فيما مضى فهي الامتناعيّة.

الثالث : أن يكون للتمنّي بمعنى ليت إلا أنّها لا تنصب ولا ترفع ، نحو قوله تعالى : (فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الشعراء / ١٠٢] ، أى فليت لنا كرّة ، وقيل ولهذا نصب (فَنَكُونَ) في جوابها كما انتصب (فَأَفُوزَ) في جواب ليت في قوله تعالى : (يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ) [النساء / ٧٢]. قال ابن هشام : ولا دليل في هذا ، لجواز أن يكون النصب في (فَنَكُونَ) مثله في : (إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً) [الشورى / ٥١] وقول ميسون [من الوافر] :

١٠١٣ ـ ولبس عباءة وتقرّ عيني

أحبّ إلىّ من لبس الشفوف (١)

يعنى أن يكون منصوبا بأن مضمرة ، والمصدر المسبوك منها ومن صلتها اسم معطوف على الاسم المنصوب المتقدّم ، وهو كرّة ، أي ليت لنا رجوعا فكوننا من المؤمنين. وهل لو هذه قسم برأسها لا تحتاج إلى جواب كجواب الشرطيّة؟ أو هي الشرطيّة أشربت معنى التمنّي؟ أو إنّها المصدريّة أغنت عن فعل التمنّي لكونها لا تقع إلا بعد مفهم التمنّي؟ ثلاثة أقوال ، ظاهر كلام المصنّف الأوّل ، قال أبو حيّان : وهو الظاهر المنقول عن سيبويه ، ونصّ عليه شيخنا أبو الحسن بن الضائع وأبو مروان (٢) وعبيد بن عمرو بن هشام الخضراويّ في شرح قصيدة ابن دريد واختار أبو حيّان الثاني ، قال : والّذي يظهر أنّها لا بدّ لها من جواب ، لكنّه التزم حذفه لإشرابها معنى التمنّي ، لأنّه متى أمكن تقليل القواعد وجعل الشيء من باب المجاز ، كان أولى من تكثير القواعد وادّعاء الاشتراك ، لأنّه يحتاج إلى وضعين ، والمجاز ليس فيه إلا وضع واحد ، وهو الحقيقة ، انتهى.

وإلى القول الأخير صار ابن مالك ، وذلك أنّه أورد قول الزمخشرىّ ، وقد تجيء لو في معنى التمنّي ، نحو : لو تأتيني فتحدّثني ، فقال : إن أراد أنّ الأصل وددت لو تأتيني فتحدّثني ، فحذف فعل التمنّي لدلالة لو عليه فأشبهت ليت في الإشعار بمعنى التمنّي فكان لها جواب كجوابها فصحيح ، أو إنّها حرف وضع للتمنّي كليت فممنوع لاستلرامه منع الجمع بينها وبين فعل التمنّي ، كما لا يجمع بينه وبين ليت ، انتهى.

__________________

(١) تقدم برقم ٦٩٧.

(٢) لم أجد ترجمة حياته.

٩٠٢

يعنى واللازم باطل ، فإنّه يجمع بينهما كما تقول : أتمنّى لو قام زيد. قال الدمامينيّ : والظاهر أنّ هذا الوجه الّذى أبطله هو مذهب الزمخشريّ ، فيكون مذهبه أنّ لو قد ترد مفيدة للتمنّي بحسب الوضع ، وما أورده من استلزمه منع الجمع بينهما وبين فعل التمنّي لا يرد عليه ، فإنّها عند مجامعتها لفعل التمنّي تكون لمجرّد المصدريّة مسلوبة الدلالة على التمنّي ، فلا يمتنع الجمع إذ ذاك ولا إشكال ، لكن يحتاج إلى ثبوت أنّ الزمخشريّ موافق على مجيء لو مصدريّة.

الرابع : أن تكون مصدريّة بمعنى أن ، نحو : (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) [القلم / ٩] ، وقد مضت مشروحة في باب الموصول ، فليرجع إليه ، واقتضى اقتصاره في معنى لو على هذه الوجوه الأربعة أنّها لا ترد لغير ذلك.

وذكر في التسهيل أنّها قد تكون للعرض نحو : لو تترل بنا فتصيب خيرا ، وذكر ابن هشام اللخميّ أنّها تكون للتقليل ، نحو : تصدّقوا ولو بظلف محرق (١). وخرج عليه قوله تعالى : (وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ) [النساء / ١٣٥] ، وفيه نظر لجواز أن تكون في الموضعين ونحوهما بمعنى أن ، أو يقال : التقليل مستفاد من المقام لا من نفس لو.

تتمة : تشتمل على مسائل تتعلّق بلو الشرطيّة الامتناعيّة.

إحداها : أنّها خاصّة بالفعل كالمصدريّة ، وقد يليها اسم مرفوع معمول لمحذوف ، يفسّره ما بعده ، أو اسم منصوب كذلك ، أو خبر لكان محذوفة ، أو اسم هو في الظاهر مبتدأ ، وما بعده خبر.

فالأوّل : كقولهم : لو ذات سوار لطمتني (٢).

والثاني : نحو : لو زيدا رأيته أكرمته.

والثالث : نحو : فالتمس ولو خاتما من حديد (٣).

والرابع : نحو قوله [من الرمل] :

١٠١٤ ـ لو بغير الماء حلقي شرق

كنت كالغصّان بالماء اعتصاري (٤)

واختلف فيه ، فقيل : محمول على ظاهره ، وإنّ الجملة الاسميّة ، وليتها شذوذا كما قيل في قوله [من الطويل] :

__________________

(١) ما وجدت هذا الحديث ، ولكن في مسند أحمد بن حنبل : ردّوا السائل ولو بظلف شاة محرق. مسند الامام أحمد بن حنبل ، لاط ، دار الإحياء التراث العربي ، بيروت ، ٥ ، ١٩٩٤ / ٣٨١.

(٢) ذات سوار : الحرّة ، لأنّ الإماء عند العرب لا تلبس السوار ، هذه الجملة مثل ، قالته امرأة لطمتها من ليست بكفء لها ، ونسب أيضا إلى حاتم. لسان العرب ٤ / ٣٥٧٣.

(٣) صحيح بخاري ٤ / ٢٥ ، رقم ٥٥.

(٤) هو لعدى بن زيد. اللغة : شرق : من شرق بريقة إذا غضّ ، الغصان : من غصّ بالماء : وقف في حلقه فلم يكد يسغيه ، الاعتصار : شرب الماء قليلا قليلا لتزول الغصّة.

٩٠٣

١٠١٥ ـ ...

إلىّ فهلّا نفس ليلى شفيعها (١)

قيل : وهو مذهب الكوفيّين ، وتأوّله الفارسيّ من البصريّين على أنّ حلقي فاعل فعل محذوف ، يفسّره شرق ، وشرق خبر مبتدإ محذوف (٢) ، والأصل لو شرق حلقي هو شرق ، فحذف الفعل أوّلا والمبتدأ آخرا ، وفيه تكلّف. وتأوّله ابن خروف على إضمار كان الثانية واسمها ، وجملة ما بعد لو اسميّة خبر كان ، وقال المتنبّي [من الطويل] :

١٠١٦ ـ لو قلم ألقيت في شقّ رأسه

من السّقم ما غيّرت من خطّ كاتب (٣)

فقيل : لحن ، لأنّه لا يمكن أن يقدر : ولو ألقى قلم ، وقال ابن هشام : روي بنصب قلم ورفعه ، وهما صحيحان ، والنصب أوجه بتقدير ولو لابست قلما ، كما يقدّر في نحو : زيد حبست عليه ، والرفع بتقدير فعل دالّ عليه المعنى ، أي ولو حصل قلم ، أي ولو لوبس قلم ، وعلى الرفع فيكون ألقيت صفة لقلم ، ومن الأولى تعليليّة على كلّ حال متعلّقه بألقيت ، لا بغيّرت ، لوقوعه في حيّز ما النافية.

الثانية : يجوز أن تليها أنّ كثيرا ، نحو : (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا) [الحجرات / ٥] ، (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا) [البقرة / ١٠٣] ، وموضعها عند الجميع رفع ، ثمّ اختلف فى رفعه ، فقال سيبويه وجمهور البصريّين بالابتداء ، ولا تحتاج إلى خبر ، لاشتمال صلتها على المسند والمسند إليه ، واختصّت أنّ من بين سائر ما يؤوّل بالاسم بالوقوع بعد لو ، كما اختصّت غدوة بالنصب بعد لدن ، وقيل : الخبر محذوف ، ثمّ قيل : يقدّر مقدّما على المبتدإ ، أي ولو ثابت صبرهم على حدّ : (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا) [يس / ٤] ، وقال ابن عصفور : يقدّر مؤخّرا على الأصل ، أي ولو صبرهم ثابت.

وذهب المبرّد والكوفيّون والزّجاج والزمخشريّ إلى أنّه على الفاعلية ، والفعل مقدّر بعدها يدلّ عليه لو ، لأنّها تعطى معنى الثبوت ، والتقدير : ولو ثبت أنّهم صبروا ، كما قال الجميع في لا أكلّمه ما أنّ في السماء نجما ، ورجّح هذا بأنّ فيه إبقاء لو على اختصاصها بالفعل ، ويبعده أنّ الفعل لم يحذف بعد لو وغيرها من أدوات الشرط إلا مفسّرا بفعل بعده إلا كان ، والمقرون بلا بعد أن ، قاله ابن هشام في شرح قصيدة كعب.

قال الزمخشريّ : وإذا وقعت أنّ بعدها وجب كون خبرها فعلا ليكون عوضا عن الفعل المحذوف ، وردّه ابن الحاجب وغيره بقوله تعالى : (وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ

__________________

(١) صدره «ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة» ، وهو للمجنون ليلى العامرية. اللغة : نبئت : خبّرت.

(٢) سقط «شرق خبر مبتدأ محذوف» في «ح».

(٣) اللغة : ألفيت : مجهول من ألقاء بمعنى طرحه ، السقم : المرض.

٩٠٤

شَجَرَةٍ أَقْلامٌ) [لقمان / ٢٧] ، وقالوا : إنّما ذاك في الخبر المشتقّ لا الجامد كالّذي في الأية وفي قوله [من البسيط] :

١٠١٧ ـ ما أطيب العيش لو أنّ الفتى

حجر تنبو الحوادث عنه وهو ملموم (١)

وردّ ابن مالك قول هؤلاء بأنّه قد جاء اسما مشتقّا كقوله [من الرجز] :

١٠١٨ ـ لو أنّ حيّا مدرك الفلاح

أدركه ملاعب الرّماح (٢)

قال ابن هشام في المغني : وقد وجدت آية في التتريل ، وقع فيها الخبر اسما مشتقّا ، ولم يتنبّه لها الزمخشريّ ، كما لم يتنبّه لآية لقمان ، ولا ابن الحاجب ، وإلا لما منع من ذلك ، ولا ابن مالك ، وإلا لما استدلّ بالشعر ، وهي قوله تعالى : (يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ) [الأحزاب / ٢٠] ، ووجدت آية ، الخبر فيها ظرف ، وهي : (لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ) [الصافات / ١٦٨] ، انتهى.

قال الدمامينيّ في شرحه قول المصنّف : ولو حينئذ بقصور نظر هؤلاء الأئمة وتبجّح بالاهتداء إلى ما لم يهتدوا إليه ، ثمّ بأن أنّ ما اهتدى إليه دونهم ليس بشيء ، وذلك لو في هذه الأية الّتى أوردها ليست ممّا الكلام فيه ، لأنّها مصدريّة أو للتمنّي ، والكلام أنّما هو في لو الشرطيّة ، قال الرضيّ في شرح الحاجبيّة : أمّا قوله تعالى : (يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ ،) فلأنّ لو بمعنى أن المصدريّة ، ولييست بشرطيّة لمجيئها بعد فعل دالّ على التمنّي. وقال ابن الحاجب في منظومته [من الرجز] :

١٠١٩ ـ لو أنهّم بادون في الأعراب

لو للتّمنّي ليس من ذا الباب

انتهى :

قال السيوطيّ في الإتقان (٣) : وأعجب من ذلك أنّ مقالة الزمخشريّ سبقه إليه السيرافيّ ، وهذا الاستدراك وما استدرك به منقول قديما في شرح الإيضاح لابن الخبّاز ، لكن في غير مظنّته ، فقال في باب إنّ وأخواتها ، قال السيرافيّ : تقول : لو أنّ زيدا قام لأكرمته ، ولا يجوز لو أنّ زيدا حاضر لأكرمته ، لأنّك لم تلفظ بفعل يسدّ مسدّ ذلك الفعل ، هذا كلامه ، فقد قال الله تعالى : (وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ) [الأحزاب / ٢٠] ، فأوقع خبرها صفة ، ولهم أن يفرّقوا بأنّ هذه للتمنّي ، فأجريت مجرى ليت كما تقول : ليتهم بادون.

__________________

(١) هو لتميم بن أبي بن مقيل. اللغة : تنبو : تتباعد ، ملموم : اسم مفعول ، يقال حجر ملموم أي مستدير صلب.

(٢) هو للبيد بن ربيعة العامريّ. اللغة : الفلاح : النجاة والبقاء ، وأراد بملاعب الرماح عامر بن مالك الّذي يقال له : ملاعب الأسنة ، وهو ابن عمّ الشاعر.

(٣) الإتقان في علوم القرآن للشيخ عبد الرحمن السيوطيّ المتوفى سنة ٩١١ ه‍. كشف الظنون ١ / ٨.

٩٠٥

الثالثة : جوابها في الغالب إمّا مضارع منفيّ بلم ، نحو : لو لم يخف الله لم يعصه (١). أو ماض مثبت ، والغالب اقترانه باللام ، نحو : (وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا) [الأنفال / ٢٣] ، ومن غير الغالب : (لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً) [الواقعة / ٧٠] ، أو ماض منفيّ بما والغالب خلوّه من اللام ، نحو : (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ) [الأنعام / ١١٢] ، و (لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا) [الأنعام / ١٤٨] ، ومن غير الغالب قوله : [من الوافر] :

١٠٢٠ ـ ولو نعطى الخيار لما افترقنا

ولكن لا خيار مع الليالي (٢)

وقد يقترن باذن ، نحو : ولو جئتني إذن لأكرمتك ، وندر اقترانه بقد أو الفاء كقوله [من الكامل] :

١٠٢١ ـ لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة

تدع الحوائم لا يجدن غليلا (٣)

وقوله [من الكامل] :

١٠٢٢ ـ لو كان قتل يا سلام فراحة

لكن فررت مخافة أن أوسرا (٤)

قيل : وقد يكون جوابها جملة اسميّة مقرونة باللام كقوله تعالى : (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ) [البقرة / ١٠٣] ، وهو قول الزجاج ، قيل : الجملة مستأنفة ، وقيل : جواب قسم محذوف مغن عن جوابها ، وليس بجوابها ، وهو الصحيح ، وجواب لو محذوف لدلالة ما بعده عليه ، وتقديره لا يثبتوا ، وقوله : (لَمَثُوبَةٌ) تقديره : والله لمثوبة.

الرابعة : يحذف جوابها لدليل ، وهو كثير في القرآن المجيد وغيره ، قال تعالى : (وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ) [الرعد / ٣١] ، أى لكان هذا القرآن ، قال أبو حيّان : ويحسن حذفه في طول الكلام.

__________________

(١) تقدم في ص ٩٠٥.

(٢) لم يذكر قائله. اللغة : الخيار : الاختيار.

(٣) هو لجرير. اللغة : نقع : ارتوى ، الفؤاد : القلب ، الحوائم : جمع حائم وهو الّذى تدور حول الماء ولم يصل إليه ، الغليل : حرارة العطش.

(٤) لم يسمّ قائله. اللغة : سلام : منادى مرخم ، لذلك جاز فيه الفتح والبناء على الضمّ ، أصله سلامة.

٩٠٦

لولا

ص : لولا : حرف ترد لربط امتناع جوابه لوجود شرطه ، وتختصّ بالاسميّة ، ويغلب معها حذف الخبر إن كان كونا مطلقا ، وللتوبيخ ، ويختصّ بالماضي ، وللتحضيض والعرض ، فيختصّ بالمضارع ، ولو تأويلا.

ش : الحادية والعشرون «لولا ، حرف» بسيط لا مركّب ، كما اختاره القواس (١) في شرح الكافية ، قال : لأنّ الأصل عدم التركيب ، وقيل : مركّب من لو ولا. «ترد» على ثلاثة أوجه :

أحدها : أن يكون «لربط امتناع جوابه لوجود شرطه ، وتختصّ» بالدخول على الجملة «الاسميّة» على الصحيح ، كما سيأتي ، نحو : لولا زيد لأكرمتك ، أي لو لا زيد موجود ، فأفادت لو لا ربط امتناع الإكرام الّذي هو الجواب بوجود زيد الّذي هو الشرط. وأمّا قوله (ص) : لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسواك عند كلّ صلاة (٢). فالتقدير لو لا مخافة أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم أمر إيجاب ، وإلا لانعكس المعنى ، إذ الممتنع المشقّة ، والموجود الأمر ، كذا قال غير واحد.

قال بعضهم : ولك أن تقول : لولا على معناها ، والممتنع هو الوجوب الّذي يطلق عليه الأمر الموجود الندب ، وهو لا يطلق على الأمر حقيقة على الراجح عند أهل الأصول ، انتهى.

فإن قلت : وما تصنع في قوله تعالى : (وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ) [النساء / ١١٣] ، فإنّه وجد الهمّ منهم؟ قلت : أجيب بأنّ المعنى ولو لا فضل الله عليك ورحمته لأضلّوك ، إذ همّوا ، وأنت غير مطّلع على حقيقة الحال. قال البيضاويّ (٣) : ليس القصد في جواب لو لا هنا إلى نفي همّهم ، بل إلى نفي تأثيره فيه (ص).

وليس المرفوع بعد لو لا فاعلا بفعل محذوف خلافا للكسائيّ ، ولا بلو لنيابتها عنه خلافا لجماعة من المتقدّمين ولا بها أصالة خلافا للفرّاء ، بل هو مبتدأ مرفوع بالابتدا وفاقا لسيبويه والجمهور.

«ويغلب معها» أى لولا «حذف الخبر إن كان كونا مطلقا» ، هكذا وقع في غير نسخة هذا المتن ، والصواب ، ويجب معها ، إذ لا خلاف في وجوب حذفه معها في هذه

__________________

(١) لم أجد ترجمة حياته.

(٢) نهج الفصاحة ، حديث رقم ٢٣٥٧.

(٣) عبد الله بن عمر الشيرازىّ ناصر الدين البيضاويّ ، قاض ، مفسّر ، علّامة ، من تصانيفه «أنوار التتريل وأسرار التأويل» و «لب اللباب في علم الإعراب» مات سنة ٦٨٥ ه‍. الأعلام للزركلي ، ٤ / ٢٨٤.

٩٠٧

الصورة ، والمراد بالكون الوجود وبالإطلاق عدم التقييد بأمر زائد على الوجود ، وإيضاح ذلك أن يقال : إن كان امتناع الجواب لمجرّد وجود المبتدأ ، فالخبر كون مطلق ، نحو : لولا زيد لأكرمتك ، فالإكرام ممتنع لوجود زيد ، فزيد مبتدأ ، وخبره محذوف وجوبا ، وهو كون مطلق ، أي لو لا زيد موجود.

وإن كان امتناع الجواب لمعنى زائد على وجود المبتدإ فالخبر كون مقيّد كما إذا قيل : هل زيد محسن إليك ، فتقول : لولا زيد لهلكت ، تريد لو لا إحسان زيد لهلكت ، فالهلاك ممتنع لإحسان زيد ، فالخبر كون مقيّد بالإحسان ، وإنّما حذف الخبر مع لولا إذا كان كونا مطلقا ، لأنّه معلوم بمقتضاها ، إذ هي دالّة على امتناع الوجود ، والمدلول على امتناعه هو الجواب ، والمدلول على وجوده هو المبتدأ ، فإذا قيل : لولا زيد لأكرمتك ، لم يشكّ في أنّ وجود زيد منع من الإكرام ، فصحّ الحذف لتعيين المحذوف ، وإنّما وجب لسدّ الجواب مسدّه وحلوله محلّه.

فلو كان الخبر كونا مقيّدا بمعنى زائد على الوجود ، وجب ذكره إن لم يعلم ، نحو : لو لا زيد سالمنا ما سلم ، ومنه الحديث : لولا قومك حديثو عهد بكفر لأسست البيت على قواعد إبراهيم (ع) (١).

ويجوز الأمران إن علم : نحو : لولا أنصار زيد حموه ما سلم ، فيجوز إثبات حموه الّذي هو الخبر وحذفه لفهم معناه من الكلام ، ومنه قول المعرّيّ [من الوافر] :

١٠٢٣ ـ يذيب الرّعب منه كلّ عضب

فلولا الغمد يمسكه لسالا (٢)

فلو قيل : لولا الغمد لسالا لصحّ.

هذا التفضيل مذهب الرمانيّ وابن الشجري والشلوبين وابن مالك ، وقال الجمهور : لا يكون الخبر إلا كونا مطلقا محذوفا ، فإذا أريد الكون المقيّد وجب جعله مبتدأ ، فتقول في لو لا زيد حموه وتأوّلوا ما ورد بخلافه ، وقالوا : الحديث مرويّ بالمعنى ، ولحّنوا المعرىّ.

قال ابن هشام : وليس التلحين بجيّد ، لاحتمال تقدير يمسكه بدل اشتمال على أنّ الأصل أن يمسكه ، ثمّ حذفت أن وارتفع الفعل ، أو يمسكه جملة معترضة ، وخرّجه بعضهم على أنّ يمسكه حال من الضمير المستكن في الخبر ، أي فلولا الغمد موجود في حال كونه يمسكه ، وردّ بنقل الأخفش عن العرب أنّهم لا يأتون بالحال بعد الاسم الواقع

__________________

(١) جاء الحديث في النسائي بهذه الصورة : لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت البيت فبنيته على أساس إبراهيم. سنن النسائي ص ٦٩٦ رقم ٢٨٩٨.

(٢) اللغة : يذيب : من الإذابة ، وهي إسالة الحديد ونحوه من الجامدات ، الرعب : الفزع والخوف ، الغضب : السيف القاطع ، الغمد : غلاف السيف.

٩٠٨

بعد لولا ، كما لا يأتون بالخبر ، وزعم ابن الطراوة أنّ جواب لو لا أبدا هو خبر المبتدأ ، ويردّه أنّه لا رابط بينهما.

تنبيهات : الأوّل : إذا ولي لو لا مضمر فحقّه أن يكون ضمير رفع ، نحو : (لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ) [سبأ / ٣١] ، وسمع قليلا لولاي ولولاك ولولاه خلافا للمبرّد ، قال الشلوبين : اتّفق أئمة البصريّين على أنّهم يقولون ذلك ، فإنكار المبرّد هذيان.

ثمّ قال سيبويه والجمهور : هي جارّة للضمير ، واختصّت بجرّه ، وكما اختصّت الكاف وحتّى بجرّ الظاهر ، ولا جائز أن يكون مرفوعا ، لأنّها ليست ضمائر رفع ولا منصوبا ، وإلا لجاز وصلها بنون الوقاية مع ياء المتكلّم كالياء المتّصلة بالحرف ، ولأنّه كان حقّها أن تجرّ الاسم مطلقا لاختصاصها به ، لكن منع من ذلك تشبيهها بما اختصّ بالفعل من أدوات الشرط في ربط جملة بجملة فأرادوا التنبيه على موجب العمل فجرّوا بها المضمر ، ولا تتعلّق بشيء ، وموضع المجرور بما رفع في الابتداء ، والخبر محذوف.

وقال الأخفش والكوفيّون : الضمير مبتدأ ، ولو لا غير جارّة ، ولكنّهم أنابوا الضمير المجرور عن المرفوع كما عكسوا ، إذ قالوا : ما أنا كأنت ، ولا أنت كأنا ، وردّ بأنّ إنابة ضمير عن ضمير أنّما وقعت في الضمائر المنفصلة لشبهها في استقلالها بالأسماء الظاهرة ، وإذا عطف عليه اسم ظاهر نحو لولاك وزيد ، تعيّن رفعه ، لأنّها لا تجرّ الظاهر.

الثاني : يجوز أن يليها أنّ الثقلية أو المخفّفة منها أو الناصبة ، نحو : (فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ) [الصافات / ١٤٣] ، (لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا) [القصص / ٨٢] ، و (لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا) [الزخرف / ٣٣] ، قال في المغني : وتصير أن وصلتها مبتدأ محذوف الخبر وجوبا ، أو مبتدأ لا خبر له ، أو فاعلا بثبت محذوفا على الخلاف السابق في لو.

الثالث : جوابها كجواب لو إمّا مضارع منفيّ بلم كقوله [من الطويل] :

١٠٢٤ ـ ...

ولولاك لم يعرض لأحسابنا حسن (١)

أو ماض منفيّ بما ونحو : (وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً) [النور / ٢١] ، أو ماض مثبت ، ولم تجئ في القرآن بغير اللام نحو : (وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ) [النور / ١٤] ، واختلف كلام

__________________

(١) صدره «أتطمع فينا من أراق دماءنا» ، وهو لعمرو بن العاص يقوله لمعاوية بن أبي سفيان ، اللغة : أراق : أسال ، الأحساب : جمع حسب ، وهو كلّ ما يعدّه المرء من مفاخر قومه.

٩٠٩

ابن عصفور في حذفها منه ، فمرّة قال بأنّه ضرورة خاصّ بالشعر ، ومرّة قال بأنّه جائز في قليل من الكلام كقوله [من البسيط] :

١٠٢٥ ـ لولا الحياء وما في الدين عبتكما

ببعض ما فيكما إذ عبتما عورى (١)

هذا إذا لم يتقدّم القسم ، فإن تقدّم فلا بدّ من اللام كقول تلك المراة [من الطويل] :

١٠٢٦ ـ فو الله لو لا الله تخشى عواقبه

لزعزع من هذا السّرر جوانبه (٢)

وجاء جوابها مقرونا بقد مع اللام وبدونها كقوله [من البسيط] :

١٠٢٧ ـ لولا الأمير ولو لا حقّ طاعته

لقد شربت دما أحلى من العسل (٣)

وقوله [من البسيط] :

١٠٢٨ ـ كانوا ثمانين أو زادوا ثمانة

لولا رجاؤك قد قتلت أولادي (٤)

الرابع : يجوز حذف جوابها لدليل ، كما حذف جواب لو قال تعالى : (لَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ)(٥) [النور / ١٠] ، وفي الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين علي (ع) [من الطويل] :

١٠٢٩ ـ فلم أر كالدّنيا بها اغترّ أهلها

ولا كاليقين استأنس الدّهر صاحبه

أمرّ على رمس القريب كأنّما

أمرّ على رمس امرىء لم أناسبه

فو الله لو لا أنّنى كلّ ساعة

إذا شئت لاقيت امرا مات صاحبه (٦)

قال المصنّف في الكشكول : جواب لو لا محذوف ، تقديره لما خفّ حزني ، وقد وقع في شعر الحماسة التصريح بهذا المحذوف في قول نهشل (٧) [من الطويل] :

١٠٣٠ ـ وهون وجدي عن خليل إنّني

إذا شئت لاقيت امرءا مات صاحبه

قال : وشارح الديوان الفاضل المبيديّ (٨) : جعل لو لا في هذا البيت للتحضيض فخبط عشواء.

الثانى [من أوجه لولا] أن تكون «للتوبيخ» والتنديم على الشيء ، «وتختصّ» بالدخول على الجملة الفعليّة المبدوّة بالماضي ، تقول : لولا أكرمت زيدا ، على معنى أنّك تلوم المخاطب على ترك الإكرام ، وتوبّخه ، وتندمه عليه في الماضي ، ومثله قوله

__________________

(١) هو لابن مقبل.

(٢) تقدم برقم ٩٠٢.

(٣) لم يسمّ قائله.

(٤) هو لجرير.

(٥) في جميع النسخ (إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ).

(٦) اللغة : الرمس : القبر.

(٧) نهشل بن هرّ ، شاعر مخضرم ، أسلم ولم ير النبىّ (ص) وصحب عليا [ع] فى حروبه ، مات سنة ٤٥ ه‍. الأعلام للرزكلي ، ٩ / ٢٥.

(٨) لم أجد ترجمة حياته.

٩١٠

تعالى : (لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ) [النور / ١٣] (فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْباناً آلِهَةً) [الأحقاف / ٢٨] ، ومنه (وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ) [النور / ١٦] ، إلا أنّ الفعل أخّر ، والأصل لو لا قلتم إذ سمعتموه ، وقد يكون الفعل مضمرا مدلولا عليه ممّا بعده ، نحو : لولا زيدا أكرمته ، أو بما قبله كقوله [من الطويل] :

١٠٣١ ـ تعدّون عقر النّيب أفصل مجدكم

بني ضوطرى لو لا الكميّ المقنّنعا (١)

أى لو لا عددتم ، قال ابن هشام : وقول النحويّين : لولا تعدّون ، مردود ، إذ لم يرد أن يحضّهم على أن يعدّوا في المستقبل ، بل المراد توبيخهم على ترك عدّه في الماضي ، وإنّما قال : تعدّون ، على حكاية الحال ، فإن كان مراد النحويّين مثل ذلك فحسن.

الثالث : أن تكون «للتحضيض» بمهملة ومعجمتين ، «والعرض» بفتح العين وإسكان الراء المهتملين ، والفرق بينهما أنّ التحضيض طلب بحثّ وإزعاج ، والعرض طلب بلين وتأدّب «فتختصّ» بالدخول على الجملة الفعليّة المبدوّه «بالمضارع ، ولو» كان «تأويلا» ، أي مؤوّلا ، فالتحضيض نحو قوله تعالى : (لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ) [النمل / ٤٦] ، أي استغفروه ، ولا بدّ ومثله : (لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ) [الأنعام / ٨] ، فأنزل مؤوّل بالمضارع ، أي يترل ، والعرض نحو : لو لا تترل عندنا فتصيب خيرا ، ومثله : (لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ) [المنافقون / ١٠] فأخّرتني مؤوّل بالمضارع ، أي تؤخّر ، وإنّما اختصّت في ذلك بالفعليّة ، لأنّها لطلب الفعل ، وكذا إذا كانت للتوبيخ في الماضي ، إذ لا يوبّخ على ترك شيء ، إلا وهو مطلوب ، فيكون للطلب مطلقا ، فاشبهت لام الأمر ، فاختصّت بالفعل ، كما اختصّت لام الأمر به لكونها للطلب.

فإن قيل : طلب الفعل بعد مضيّ وقته مستحيل ، فلا يكون فيها إذا وقع بعدها الماضي دلالة على الطلب. فالجواب أنّها لا تنفكّ عن إفادة معنى الطلب في الوقت الّذي كان صالحا ، وإنّما أوقع بعدها الماضي تنبيها على أنّ المطلوب منه ذلك فوته حتّى انقضى وقته ، فصار كالتوبيخ واللوم على ترك المطلوب ، واقتضى اقتصار المصنّف في معاني لو لا على هذه الوجوه الثلاثة أنّها لا ترد لغيره.

قال الهرويّ (٢) : إنّها ترد للاستفهام ، وحمل عليه قوله تعالى : (لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ) [المنافقون / ١٠] ، (لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ) [الأنعام / ٨] ، ونافية بمترلة لم ، وجعل

__________________

(١) هو لجرير من قصيدة له يهجو فيها الفرزدق. اللغة : العقر : مصدر قولك عقر النافة ، أى ضرب قوائمها بالسيف ، النيب : جمع ناب ، وهي الناقة المسنة ، الضوطرى : الرجل الضخم اللئيم الّذي لا غناء عنده ، والضوطرى أيضا : المرأة الحمقاء ، الكميّ : الشجاع المنكمي في سلاحه : أي المستتر فيه. المقنعا : بصيغة اسم المفعول الذي على رأسه البيضة والمغفر.

(٢) أبو الحسن علي بن محمد نحويّ أديب من أواخر القرن الرابع ، أصله من هراة وسكن مصر ، له الأزهية والذخائر في النحو. مغني اللبيب ص ٣٦٢.

٩١١

منه : (فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ) [يونس / ٩٨] ، والجمهور لم يثتبوا ذلك ، والظاهر أنّها في الأولى للعرض ، وفي الثانية للتحضيض كما تقدّم ، وفي الثالثة للتوبيخ على ترك الإيمان قبل مجيء العذاب ، أي فهلّا كانت قرية واحدة من القرى المهلكة ثابت عن الكفر قبل مجئيء العذاب فنفعها ذلك ، وهو تفسير الأخفش والكسائى والفرّاء وعلى بن عيسى والنحاس ، ويؤيدّه قراءة أبّي فهلا ، ويلزم من هذا المعنى النفي ، لأنّ التوبيخ يقتضي عدم الوقوع.

تنبيه : ليس من أقسام لو لا الواقعة في نحو قوله [من الطويل] :

١٠٣٢ ـ ألا زعمت أسماء أن لا أحبّها

فقلت بلى لو لا ينازعنى شغلي (١)

لأنّ هذه كلمتان بمترلة قولك : لو لم ، والجواب محذوف ، أي لم ينازعني شغلي لزرتك ، وقيل : بل هي لو لا الامتناعيّة ، والفعل بعدها على إضمار أن المصدريّة على حدّ قولهم : وتسمع بالمعيدي خير من أن تراه ، قاله في المغني.

لمّا

ص : لمّا : ترد لربط مضمون جملة بوجود مضمون أخرى ، نحو : لمّا قمت قمت ، وهل هي ظرف أو حرف؟ خلاف ، وحرف استثناء ، نحو : (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ ،) وجارمة للمضارع كـ «لم» ويفترقان في خمسة أمور.

ش : الثانية والعشرون «لمّا ، ترد» على ثلاثة أوجه :

أحدها : أن تكون «لربط مضمون جملة بوجود مضمون أخرى» ، فتقتضي جملتين «نحو» قولك : «لمّا قمت قمت» ، فأفادت لمّا ربط قيام المتكلّم الّذي هو مضمون الجملة الثانية بقيام المخاطب الّذي هو مضمون الجملة الأولى ، يقال فيها : حرف وجود لوجود ، ووجوب لوجوب ، والمعنى قريب ، والمقصود أنّها تدلّ على تحقّق شيء لتحقّق غيره ، فهو واجب ، أى ثابت ، أو واقع ، أي موجود.

«وهل هي ظرف» بمعنى حين ، وعبارة ابن مالك بمعنى إذ ، قال ابن هشام : وهو حسن ، لأنّها مختصّة بالماضي وبالإضافة إلى الجملة ، «أو حرف» يرد لربط ما مرّ ، «خلاف». والقول بالظرفيّة مذهب ابن السّراج والفارسىّ وابن جنيّ وجماعة ، وردّ عليهم ابن خروف بجواز : لمّا أكرمتني أمس أكرمتك اليوم ، لأنّها إذا قدّرت ظرفا كان عاملها الجواب ، والواقع في اليوم ، لا يكون في أمس ، وأجيب بأنّ هذا مثل : (أَنْ

__________________

(١) هو لأبي ذويب الهذلي. اللغة : ينازعنى : يمنعنى.

٩١٢

كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ) [المائدة / ١١٦] ، والشرط لا يكون إلا مستقبلا ، ولكن المعنى إن ثبت أنّي كنت قلته ، وكذا هنا المعنى : لمّا ثبت اليوم إكرامك أمس أكرمتك.

والقول بالحرفيّة مذهب سيبويه ، وقال بعضهم : هو الصحيح ، ورحّجوا بأمور :

منها قوله تعالى : (فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ) [سبأ / ١٤] ، وقوله تعالى : (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ) [العنكبوت / ٦٥] ، وما بعد ما النافية وإذا الفجائيّة ، لا يعمل فيما قبلها.

ومنها إجماعهم على زيادة إن بعدها نحو ، (وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً) [العنكبوت / ٣٣] ، (فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ) [يوسف / ٩٦] ، ولو كانت ظرفا ، والجملة بعدها في موضع خفض بسبب الإضافة ، لزم الفصل بين المضاف والمضاف إليه بأن.

تنبيهات : الأوّل : ظاهر كلام المصنّف أنّ الخلاف أنّما هو في حقيقة لمّا ، لا في معناها ، وليس كذلك ، فإنّها عند القائل بالظرفية إنّما تدلّ على مجرّد الوقت ، وعند القائل بالحرفيّة تدلّ على الارتباط كما مرّ ، وإيضاحه أنّا إذا قلنا : لمّا جاء زيد جاء عمرو ، لم يقتض هذا اللفظ عند القائل بالظرفيّة أنّ وجود الأوّل سبب لوجود الثاني ، بل أنّ الثاني وجد عند وجود الأوّل ، وهل ذلك لتسبّبه عنه أو بطريق الاتّفاق لا تعرّض في اللفظ لذلك ، وأمّا القائل بالحرفيّة فيقول بالسببيّة.

الثانى : تختصّ لمّا هذه بالماضي لفظا أو معنى ، ويكون جوابها كذلك اتّفاقا ، نحو :

(فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ) [الإسراء / ٦٧] ، وجوّز ابن مالك كونه جملة اسميّة مقرونة بإذا الفجائيّة أو بالفاء ، نحو : (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ) [الأنبياء / ١٢] ، (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) [لقمان / ٣٢] ، وابن عصفور كونه فعلا مضارعا ، نحو : (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا) [هود / ٧٤] ، وقيل في آية الفاء : إنّ الجواب محذوف ، أي انقسموا قسمين : فمنهم مقتصد ، وفي آية المضارع أنّ الجواب : (جاءَتْهُ الْبُشْرى) على زياده الواو ، أو محذوف ، أى أقبل يجادلنا (١).

الثالث : قال في المغني : من مشكل لمّا هذه قول الشاعر [من الطويل] :

١٠٣٣ ـ أقول لعبد الله لمّا سقاؤنا

ونحن بوادي عبد شمس هاشم (٢)

فيقال : أين فعلاها؟ والجواب أنّ «سقاؤنا» فاعل بفعل محذوف يفسّره ، وهي بمعنى سقط ، والجواب محذوف ، تقديره قلت ، بدليل قوله أقول ، وقوله : شم أمر من

__________________

(١) فى «ح» من قيل في آية حتّى هنا سقط.

(٢) لم يذكر قائله. اللغة : السقاء : الدلو.

٩١٣

قولك : شمت البرق ، إذا نظرت إليه ، والمعنى لمّا سقط سقاؤنا ، قلت لعبد الله : شمه ، انتهى.

قال الدمامينيّ : ولا يخفى أنّه إنّما يحتاج إلى الجواب على رأى القائلين بأنّ لمّا حرف شرط ، وأمّا القائلون بأنّها ظرف بمعنى حين ، فلا يحتاج عندهم إلى التقدير ، بل يجعل متعلّقه بأقول الملفوظ به ولا حذف ، أي أقول لعبد الله حين وهى سقاؤنا ، انتهى.

والأولى تفسير وهى هنا بمعنى تخرّق وانشقّ : قال في القاموس : وهى كوعى وولى : تخرّق ، وانشقّ ، واسترخى رباطه ، وكان حقّه أن يكتب في البيت بالياء ، لأنّه فعل ثلاثيّ من ذوات الياء ، لكن كتب بالألف لأجل الألغاز ، وفي المزهر معنى البيت :

أقول لعبد الله لمّا سقاؤنا وهى ، أى ضعف ، ونحن بهذا الوادي : شم ، أى شم البرق عسى تعقبه المطر ، وقرينة هاشم لعبد شمس أبعدت فهم المراد.

والثاني : أن تكون حرف استثناء بمترلة إلا الاستثنائية في لغة هذيل ، حكاه الخليل وسيبويه والكسائي فتدخل على الجملة الاسميّة نحو قوله تعالى : (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ) [الطارق / ٤] ، في قراءة التشديد ، وهي قراءة ابن عامر وعاصم حمزه وأبي جعفر (١) ، فإن نافية ولمّا بمعنى إلا ، والمعنى والله أعلم ما كلّ نفس إلا عليها حافظ ، وقراءة ابن مسعود : وإن منا لما له مقام معلوم [الصافات / ١٦٤] ، أي إلا له ، وتدخل على الماضي لفظا لا معنى نحو : أنشدك الله لمّا فعلت كذا ، أى ما أسالك إلا فعلك ، وقد تحذف نحو : نشدتك ونحوها ، فيقال : بالله لمّا فعلت كذا ، أي سالتك ، أي نشدتك بالله إلا فعلت ، قال الشاعر [من الرجز] :

١٠٣٤ ـ قالت له بالله يا ذا البردين

لمّا غنثت نفسا أو اثنين (٢)

غنثت بالغين المعجمة وبعد النون ثاء مثلثة من الغنث ، وهو أن يشرب ثمّ يتنفّس.

وفيه ردّ ، لقول الفرّاء وأبي عبيده والجوهريّ : إنّ لمّا بمعنى إلا غير معروف في اللغة. قال أبو حيان : وهي قليلة الدور في كلام العرب وينبغى أن لا يتّسع فيها ، بل يقتصر على التراكيب الّتي وقعت في كلامهم ، وزعم الزجاجيّ أنّه يقال : لم يأت من القوم لمّا أخوك ، ولم أر من القوم لمّا زيدا ، بمعنى إلا أخوك وإلا زيدا ، وينبغى أن يتوقّف في إجازة هذه التراكيب ونحوها ، حتّى يثبت سماعها أو سماع نظائرها من لسان العرب.

__________________

(١) أبو جعفر يزيد بن قعطاع من قراء المدينة ، المتوفي سنة ١٣٠ ه‍. تاريخ قراءات القرآن الكريم ، ص ٣٠.

(٢) لم يذكر قائله. اللغة : البردان : تثنية برد ، ثوب ينسج باليمن.

٩١٤

الثالث : أن تكون «جازمة» للفعل «المضارع» ، كما تقدّم في الجوازم. «ويفترقان في خمسة أمور» :

أحدها : أنّ لّما لا تقترن بأداة الشرط ، لا يقال : إن لّما تقم ، ولم تقترن به نحو : (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ) [المائدة / ٦٧].

الثانى : أنّ منفي لّما يتّصل بالحال كقوله [من الطويل] :

١٠٣٥ ـ فإن كنت مأكولا فكن خير آكل

وإلا فأدركني ولّما أمزّق (١)

ومنفىّ لم يحتمل الاتّصال والانقطاع كما مرّ ، ولامتداد النفي بعد لّما لم يجز اقترانها بحرف التعقيب بخلاف لم ، تقول : قمت فلم تقم ، لأنّ معناه وما قمت عقيب قيامى ، ولا يجوز قمت فلمّا تقم ، بأنّ معناه : وما قمت إلى الآن.

الثالث : أنّ منفيّ لّما لا يكون إلا قريبا من الحال ، ولا يشترط ذلك في منفيّ لم ، تقول : لم يكن زيد في العام الماضي مقيما ، ولا يجوز لّما يكن.

الرابع : أنّ منفيّ لّما متوقّع ثبوته غالبا ، ألا ترى أنّ معنا : (بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ) [ص / ٨] ، أنّهم لم يذوقوه إلى الآن ، وأنّ ذوقهم له متوقّع بخلاف منفيّ لم كما تقدّم.

الخامس : أنّ منفيّ لّما جائز الحذف لدليل ، كقوله [من الوافر] :

١٠٣٦ ـ فجئت قبورهم بدء ولمّا

ونادت القبور فلم يجبنه (٢)

أى ولمّا أكن بدأ قبل ذلك أى سيّدا ، ولا يجوز حذف منفيّ لم إلا في الضرورة ، كما مرّ. قال ابن هشام : علّة هذه الأحكام كلّها أنّ لم لنفي فعل ، ولّما لنفي قد فعل.

ما

ص : ما ترد اسميّة وحرفيّة ، فالاسميّة ترد موصولة ونكرة موصوفة ، نحو : مررت بما معجب لك وصفة لنكرة ، نحو : لأمر ما جدع قصير أنفه ، وشرطيّة زمانيّة وغير زمانيّة واستفهاميّة ، والحرفيّة ترد مشبّهة بليس ، ومصدريّة زمانيّة وغير زمانيّة ، وصلة وكافّة.

ش : الثالثة والعشرون «ما ترد» على وجهين : «اسميّة وحرفيّة ، فالاسميّة ترد» على خمسة أوجه :

أحدها : أن تكون «موصولة» ، وقد مرّت مشروحة في باب الموصولات.

__________________

(١) هو للممزّق العبديّ.

(٢) لم يذكر قائله. اللغة : البدء : السيد والشاب العاقل ، والهاء في يجبنه للسكت.

٩١٥

والثانى : أن تكون «نكرة» ، وهي نوعان : «موصوفة» وتسمّى ناقصة ، وغير موصوفة ، وتسمّى تامّة.

فالموصوفه إمّا أن توصف بمفرد ، «نحو قولهم : مررت بما معجب لك» أي بشيء معجب لك ، وقول الشاعر [من الطويل] :

١٠٣٧ ـ لما نافع يسعى اللّبيب فلا تكن

لشيء بعيد نفعه الدّهر ساعيا (١)

أو بجملة كقوله [من الخفيف] :

١٠٣٨ ـ ربّما تكره النّفوس من الأم

 ... ر له فرجة كحلّ العقال (٢)

أى ربّ شيء تكرهه النفوس ، فحذف العائد هو الظاهر ، ويحتمل أن تكون ما كافّة ، ومفعول تكره محذوفا ، أي شيئا.

وغير موصوفة تقع في ثلاثة أبواب :

أحدها : التعجّب في نحو : ما أحسن زيدا ، عند سيبويه وجمهور البصريّين ، وهو الصحيح كما مرّ.

الثاني : في باب نعم وبئس على خلاف فيه. قال المراديّ في الجنى : تلخيص القول فيها بعد نعم وبئس أنّه إن جاء بعدها اسم نحو : نعمّا زيد ، وبئسما تزويج ولا مهر ، ففي ما ثلاثة مذاهب : أوّلها أنّ ما نكرة موصوفة ، نصبت على التمييز ، والفاعل مضمر ، والمرفوع بعدها هو المخصوص ، قيل : وهو مذهب البصريّين. قلت : ليس هو مذهب جميعهم. وثانيها : أنّها معرفة تامّة ، وهي الفاعل ، وهو ظاهر قول سيبويه ، ونقل عن المبرّد وابن السّراج والفارسيّ ، وهو أحد قولي الفرّاء. وثالثها : أنّ ما ركّبت مع الفعل ، فلا موضع لها من الإعراب ، والمرفوع بعدها هو الفاعل ، وقال به قوم منهم الفرّاء. وإذا جاء بعدها فعل نحو : (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا) [البقرة / ٩٠] ، ونعمّا صنعت ، فعشرة مذاهب :

أوّلها : أنّ ما نكرة منصوبة على التمييز ، والفعل صفتها ، والمخصوص محذوف.

وثانيها : أنّ ما نكرة منصوبة على التمييز ، والمخصوص ما أخرى نكرة محذوفة ، والفعل صفة لها.

وثالثها : أنّ ما اسم تامّ معرفة ، وهي فاعل نعم ، والمخصوص محذوف ، والفعل صفة له.

ورابعها : أنّها موصولة ، والفعل صلتها ، والمخصوص محذوف.

__________________

(١) لم يذكر قائله.

(٢) هو لأميه بن أبى الصلت. اللغة : الفرجة : الخروج من الغمّ ، العقال : الحبل الّذى يعقل به البعير.

٩١٦

وخامسها : أنّها موصولة ، وهي المخصوص ، وما أخرى تمييز محذوف ، والأصل نعم ما ما صنعت.

وسادسها : أنّ ما تمييز ، والمخصوص ما أخرى موصولة محذوفة ، والفعل صلة.

وسابعها : أنّ ما مصدريّة ، ولا حذف في الكلام ، وتأويله نعم صنعك ، وإن كان لا يحسن في الكلام نعم صنعك ، كما نقول : أظنّ أن تقوم ، ولا تقول : أظنّ قيامك.

وثامنها : أنّ ما فاعل ، وهي موصولة يكتفى بها بصلتها عن المخصوص.

وتاسعها : أنّ ما كافّة لنعم ، كما كفّت قلّ ، فصارت تدخل على الجملة الفعليّة.

وعاشرها : أنّ ما نكرة موصوفة مرفوعة بنعم.

والمشهور : من هذه المذاهب الثلاثة الأوّل (١) ، انتهى.

الثالث : قولهم : إذا أرادوا المبالغة في الإخبار عن أحد بالإكثار من فعل كالكتابة مثلا «إنّ زيدا ممّا أن يكتب» أي إنّه من أمر كتابة ، أي إنّه مخلوق من أمر ذلك الأمر هو الكتابة ، فما بمعنى شيء ، وأن وصلتها في موضع خفض بدلا منها ، والمعنى بمترلته في : (خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ) [الأنبياء / ٣٧] ، جعل لكثرة عجلته كأنّه خلق منها ، وزعم السيرافيّ وابن خروف ، وتبعهما ابن مالك ونقله عن سيبويه ، أنّها معرفة تامّة بمعنى الشيء أو الأمر ، وأن وصلتها مبتدأ ، والظرف خبره ، والجملة خبر لأنّ ، قال ابن هشام في المغني : ولا يتحصّل للكلام معنى طائل على هذا التقدير.

والثالث : [من أقسام ما الاسميّة] أن تكون صفة لنكرة ، وتفيد الإبهام وتأكيد التنكير ، ويعبّر عنها بالإبهاميّة ، ويتفرّع على الإبهام التعظيم ، نحو قولهم : لامر ما جدع قصير أنفه ، أي لأمر عظيم ، وقصير هذا هو ابن سعد صاحب جذيمة ، قيل فيه هذا المثل ، لما جدع أنفه للحيلة في طلب دم جذمية من الزبا ، والقصة مشهورة ، والتعميم كأعطه شيئا ما ، أي شيء كان ، والتحقير نحو : أعطاني شيئا ما ، أي حقيرا ، والنوعيّة كاضربه ما أي نوعا من الضرب ، ويختلف معناها بحسب المقامات.

وما ذهب إليه المصنّف من أنّ ما هذه اسم هو رأي قوم من النحويّين ، منهم ابن السّيّد وابن عصفور ، واختاره ابن الحاجب ، والمشهور أنّها زائدة منبّهة على وصف لائق بالمحلّ ، فتكون حرفا لا اسما. واختاره ابن مالك ، وأبطله ابن عصفور بقلّة زيادة ما في الأوائل والأواخر ، وبأنّها لو كانت زائدة لم يكن في الكلام ما يفيد معنى التعظيم

__________________

(١) في رأي ابن مالك لا فرق بين أن يكون بعد نعم ما (نعمّا) وبئس ما (بئسما) فعل أو اسم ، وفي كلتا الصورتين «ما» إمّا أن تكون نكرة منصوبة على التمييز ، وفاعل نعم ضمير مستتر ، أو اسم معرفة ، وهي الفاعل. يقول في الألفية :

و «ما» مميّز وقيل : فاعل

في نحو «نعم ما يقول الفاضل»

(شرح ابن عقيل ٢ / ١٦٦)

٩١٧

ونحوه. وزيّف ابن مالك القول بالاسميّة بأنّ زيادة ما عوضا عن محذوف ثابت في كلامهم ، نحو : إمّا أنت منطلقا انطلقت ، وحيثما تكن أكن ، فزادوها في الأوّل عوضا عن كان ، وفي الثاني عوضا عن الإضافة ، وليس في كلامهم نكرة موصوف بها جامدة جمود ما ، إلا وهي مردفة بمثل الموصوف ، نحو : مررت برجل أيّ رجل ، وطعمنا شاة كلّ شاة ، فالحكم على ما المذكورة بالاسميّة واقتضاء الوصفيّة حكم بما لا نظير له ، فوجب اجتنابه.

الرابع : أن تكون «شرطيّة» ، وهي نوعان : «زمانيّة وغير زمانيّة».

فالزمانيّة نحو قوله تعالى : (فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) [التوبة / ٧] ، أي استقيموا لهم زمان استقاموا لكم.

وغير الزمانيّة نحو قوله تعالى : (وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ) [البقرة / ١٩٧].

ومجيئها للزمان أثبته الفارسيّ وأبو البقاء وابن شابه (١) وابن مالك ، واستدلّ عليه ابن مالك بقوله [من الوافر] :

١٠٣٩ ـ فما تك يا بن عبد الله فينا

فلا ظلما نخاف ولا افتقار (٢)

وقال ابن هشام : وليس بقاطع لاحتماله للمصدر ، أى للمفعول المطلق والمعنى : أيّ كون تكن فينا طويلا أو قصيرا ، انتهى. ومن لم يثبت الزمانيّة حمل الآية أيضا على المفعول ، والمعنى أيّ استقامة استقاموا لكم فاستقيموا لهم.

والخامس : أن تكون «استفهاميّة» بمعنى أيّ شيء ، ويسأل بها عن أعيان ما لا يعقل وأجناسه وصفاته وأجناس العقلاء وأنواعهم وصفاتهم نحو : (ما هِيَ) [البقرة / ٦٨] ، (ما لَوْنُها) [البقرة / ٦٩] ، (ما وَلَّاهُمْ) [البقرة / ١٤٢] ، (ما تِلْكَ بِيَمِينِكَ) [طه / ١٧] ، (مَا الرَّحْمنُ) [الفرقان / ٦٠] ، ولا يسأل بها عن أعيان أولى العلم خلافا لمن أجازه ، وأمّا قول فرعون : (وَما رَبُّ الْعالَمِينَ) [الشعراء / ٢٣] ، فإنّه قال جهلا ، ولهذا أجابه موسى بالصفات ، قاله في الإتقان (٣).

ويجب حذف ألفها إذا جرّت ، وإبقاء الفتحة دليلا عليها ، سواء كان الجارّ اسما ، نحو : مجيء مه جئت ، وهذه الهاء لا ينطق بها وصلا ، وإنّما كتبت لأجل أنّها تجلب عند الوقف وجوبا حيث يكون الجارّ لما الاستفهاميّة اسما ، كما هو مقرّر في التصريف ، قاله

__________________

(١) لم أجد ترجمه حياته.

(٢) لم يسمّ قائله. اللغة : الافتقار : الاحتياج.

(٣) الإتقان في علوم القرآن للسيوطى المتوفى سنة ٩١١ ه‍.

٩١٨

الدمامينيّ في المنهل ، أو كان الجارّ حرفا ، نحو : فيم وإلام وعلام وبم ، وقال [من الطويل] :

١٠٤٠ ـ فتلك ولاة السوء قد طال مكثهم

فحتّام حّتام العناء المطوّل (١)

وربّما تبعت الفتحة الألف في الحذف ، وهو مخصوص بالشعر كقوله [من الرمل] :

١٠٤١ ـ با أبا الأسود لم خلّفتنى

لهموم طارقات وذكر (٢)

اختلف في علّة حذف الألف ، فقال ابن عقيل وغيره : التخفيف لكثرة الاستعمال ، وقال جماعه : علّته الفرق بين الاستفهام والخبر ، فلهذا حذفت في نحو : (فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها) [النازعات / ٤٣] ، (فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ) [النمل / ٣٥] ، (لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ) [الصف / ٢] ، وثبتت في : (لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ) [النور / ١٤] ، (يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) [البقرة / ٤] ، (ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ) [ص / ٧٥] ، وإنّما لم يعكس ، لأنّ ما الموصولة أكثر ، فأجري التكثير على الأصل من الإثبات ، وقال الرضيّ : علّته أنّ لما الاستفهاميّة صدر الكلام ، ولم يمكن تأخّر الجارّ عليها ، فقدّم عليها ، وركّب معها ، حتّى يصير المجموع ككلمة موضوعة للاستفهام ، فلا يسقط الاستفهام عن مرتبة التصدّر ، وجعل حذف الألف دليل التركيب ، ولم يحذف آخر من وكم الاستفهاميّتين مجرورتين لكونه صحيحا ، ولا آخر أيّ لجريه مجرى الصحيح في تحمّل الحركات ، انتهى.

وثبوت الألف في هذه الحالة قليل شاذّ كقراءة عكرمة وعيسى : عما يتساءلون [النباء / ١] ، وأمّا قول حسان [من الوافر] :

١٠٤٢ ـ على ما قام يشتمني لئيم

كخترير تمرّغ في دمان (٣)

فضرورة ، والدّمان كالرماد زنة ومعنى ، ولا يجوز حمل القراءة المتواترة على ذلك لضعفه ، ولهذا ردّ الزمخشريّ على من زعم أنّ ما في قوله تعالى : (فَبِما أَغْوَيْتَنِي) [الأعراف / ١٦] استفهاميّة ، لكنّه ناقض هذا حيث جوّز هو كونها فى : (بِما غَفَرَ لِي رَبِّي) [يس / ٢٧] ، استفهاميّة ، وإنّما لم تحذف الألف في نحو : لماذا فعلت ، لأنّ الألف هنا صارت حشوا بالتركيب ، فاشبهت الموصولة.

«والحرفيّة ترد» على أربعة أوجه :

__________________

(١) هو للكميت بن زيد. اللغة : الولاه : جمع وال ، العناء : المشقّة والتعب.

(٢) لم يسمّ قائله. اللغة : خلّف : أخّر ، الهموم : جمع همّ وهو الحزن ، الطارقات : جمع الطارقة وهو الأتى ليلا.

(٣) اللغة : يشتمنى : يسبّنى ، تمرّغ : تقلّب.

٩١٩

أحدها : أن تكون نافية «مشبهة بليس» ، وتعمل عملها في لغة الحجازيّين ، وقد مضت مشروحة في النواسخ.

«و» الثاني : أن تكون «مصدريّة» ، وتسمّى موصولا حرفيّا ، وهي نوعان :

«زمانيّة» : وتسمّى ظرفيّة ووقتيّة لنيابتها عن ظرف زمان ، نحو : (ما دُمْتُ حَيًّا) [مريم / ٣١] ، أي مدّة دوامي حيّا ، فحذف الظرف ، ونابت عنه ما وصلتها كما جاء في المصدر الصريح ، نحو : جئتك صلاة العصر ، وآتيك قدوم الحاجّ. وليس معنى كونها زمانيّة أنّها تدلّ على الزمان بذاتها ، لأنّها لو كانت كذلك لكانت اسما ، ولم تكن مصدريّة ، وقد زعم ذلك ابن السكّيت ، وتبعه ابن الشجريّ في قوله [من البسيط] :

١٠٤٣ ـ منّا الّذي هو ما إن طرّ شاربه

والعانسون ومنّا المرد والشّيب (١)

فقال : معناه حين طرّ شاربه. قال ابن هشام. وزيدت إن بعدها لشبهها في اللفظ بما النافية كقوله [من الطويل] :

١٠٤٤ ـ ورجّ الفتى للخير ما إن رأيته

 ... (٢)

والأولى تقدير ما في البيت نافية ، لأن زياده إن حينئذ قياسيّة ، ولأنّ فيه سلامة من الإخبار بالزمان عن الجثة ، ومن إثبات معنى واستعمال لما لم يثبتا وهما كونها للزمان مجرّدة ، وكونها مضافة ، انتهى.

تنبيهات : الأوّل : تعبير المصنّف بالزمانيّة أحسن من تعبير غيره بالظرفيّة لشمولها نحو : (كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ) [البقرة / ٢٠] ، فإنّ الزمان المقدّر هنا مخفوض ، أي كلّ وقت إضاءة ، والمخصوص لا يسمّى ظرفا ، نبّه عليه في المغني.

الثاني : لا تشارك ما في النيابة عن الزمان إن ، خلافا لابن جني ، وحمل علي قوله [من الطوي] :

١٠٤٥ ـ وتا لله ما إن شهلة أمّ واحد

بأوجد منّي أن يهان صغيرها (٣)

أي وقت أن يهان صغيرها ، وتبعه على ذلك الزمخشريّ. وخرّج عليه : (أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ) [البقرة / ٢٥٨] ، (إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) [النساء / ٩٢] ، أى وقت أن آتاه الله ، وحين أن يصدّقوا ، ومعنى التعليل في البيت والآيات ممكن ، وهو متّفق عليه ، فلا تعدل عنه.

__________________

(١) هو لأبي قيس بن رفاعة اليهودىّ. اللغة : طرّ : نبت ، العانس : من بلغ حدّ التزويج ولم يتزوّج ذكرا كان أو أنثى. المرد : جمع أمرد ، وهو بمعنى الّذي ما طرّ شاربه ، الشيب : جمع أشيب ، وهو المبيض الرأس واللحية.

(٢) تقدّم برقم ٩٢٩ و ٩٣٤.

(٣) لم يذكر قائله. اللغة : الشهلة : العجوزة ، أوجد : أكثر وجدا.

٩٢٠

«وغير زمانيّة» نحو : (عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ) [التوبة / ١٢٨] ، أى عنتكم ، (ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ) [التوبة / ١١٨] ، أي برحبها ، وتوصل الأولى في الغالب بفعل ماض اللفظ مثبت ، كما مرّ ، أو مضارع منفيّ بلم كقوله [من الطويل] :

١٠٤٦ ـ ولم يلبث الجهال أن يتهضموا

أخا العلم ما لم يستعن مجهول (١)

وندر قوله [من الوافر] :

١٠٤٧ ـ نطوّف ما نطوّف ثمّ نأوي

ذوو الأموال منّا والعديم (٢)

ولا يجوز كونها فيه غير زمانيّة ، لأنّه يلزم عليه أن تكون هي وما بعدها مفعولا مطلقا ، ولم يثبت ذلك ، وتوصل الثانية بفعل متصرّف غير أمر ، والأكثر كونه ماضيا ، وشذّ قوله [من الطويل] :

١٠٤٨ ـ ...

بما لستما أهل الخيانة والغدر (٣)

والأصحّ وصلها مطلقا بجملة اسميّة وفاقا للسيرافيّ والأعلم وابن خروف وابن مالك كقوله [من الكامل] :

١٠٤٩ ـ واصل خليلك ما التواصل ممكن

فلأنت أو هو عن قريب ترحل (٤)

وقوله [من البسيط] :

١٠٥٠ ـ ...

كما دماؤكم تشفى من الكلب (٥)

جعل الجمهور ما في هذا كافّة ، قال ابن مالك : والحكم عليها بالمصدريّة أولى ، لأنّها إذا كانت مصدريّة كانت هي وصلتها في موضع جرّ ، فلم يصرف شيء عمّا هو له ثابت بخلاف الحكم بأنّ ما كافّة. وزعم السهيليّ أنّ صلة ما لا بدّ أن يكون فعلا غير خاصّ ، بل مبهما يحتمل التنويع ، نحو : ما صنعت ، ولا تقول : ما جلست ، ولا ما تجلس ، لأنّ الجلوس نوع خاصّ ، ليس مبهما ، فكأنّك قلت : يعجبنى الجلوس الّذي جلست ، فيكون آخر الكلام مفسّرا بأوّله رافعا للإبهام ، فلا معنى حينئذ لها ، وردّ بقوله تعالى : (آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ) [البقرة / ١٣] ، (ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ) [التوبة / ١١٨] ، وقول الشاعر [من الوافر] :

١٠٥١ ـ يسرّ المرء ما ذهب الليالي

وكان ذهابهنّ له ذهابا (٦)

__________________

(١) لم يذكر قائلة.

(٢) هو للبرج بن مسهر الطائيّ. اللغة : طوّف حوله ، وبه ، أو عليه وفيه تطويفا وتطوافا : مبالغة فى طاف بمعنى دار وحام ، نأوي : نترل أو نرجع ، العديم : الفقير.

(٣) صدره «أليس أميرى في الأمور بانتما» ، وهو بلا نسبة.

(٤) ما وجدت البيت.

(٥) صدره «احلامكم لسقام الجهل شافية» ، وهو للكميت بن زيد.

(٦) لم يذكر قائله.

٩٢١

تنبيه : القول بحرفيّة ما هو ما ذهب إليه الجمهور ، وادّعى ابن الخروف الاتّفاق عليه ، وليس كذلك ، بل ذهب الأخفش وابن السراج إلى أنّها اسم موصول يفتقر إلى ضمير عائد عليها أسوة أمثالها من الموصولات ، فإذا قلت : أعجبني ما صنعت ، فالتقدير الصنع الّذي صنعته ، وردّ بقوله [من الطويل] :

١٠٥٢ ـ ...

بما لستما أهل الخيانة والغدر (١)

لأنّه لا يتأتّى فيه تقدير ضمير يعود عليها.

والثالث : أن تكون «صلة» أل زائدة. قال السخاويّ : من النحاة من قال في حروف الزيادة ، إذ جاءت صلة ، لأنّها قد وصل بها ما قبلها من الكلام ، ومنهم من يقول :

زائدة ، ومنهم من يقول : لغو ، ومنهم من يقول : توكيد ، وأبى بعضهم إلا هذا ، ولم يجز فيها إلا أن يقال : صلة ، ولا لغو ، لئلّا يظنّ أنّها دخلت لا لمعنى ألبتّة.

وقال ابن الحاجب في شرح المفصّل : حروف الزيادة سمّيت حروف الصلة ، لأنّها يتوصّل بها إلى زنة أو إعراب لم يكن عند حذفها. وقال الأندلسيّ : أكثر ما تقع الصلة في ألفاظ الكوفيّين ، ومعناه أنّه يصل به كلامه ، وليس بركن في الجملة ولا في استقلال المعنى ، كذا في الأشباه والنظائر. وقال صاحب العباب : تسمّى حروف الزيادة الصلة ، لأنّها يتوصّل بها إلى زيادة الفصاحة واستقامة وزن شعر أو حسن سجع أو تزيين لفظ أو غير ذلك من الفوائد اللفظيّة.

وما الزائده نوعان : عوض وغير عوض ، فالعوض في موضعين : أحدهما : في قولهم : إمّا أنت منطلقا انطلقت. والثاني نحو : قولهم : إفعل هذا إمّا لا ، فما فيهما عوض عن كان محذوفة لزوما كما مرّ ، وغير العوض تقع بعد الرافع كقولك : شتان ما زيد وعمرو ، وقول مهلهل (٢) [من المنسرح] :

١٠٥٣ ـ لو بأبانين جاء يخطبها

رمّل ما أنف خاطب بدم (٣)

وبعد الناصب نحو : ليتما زيدا قائم على الأعمال ، وبعد الجازم نحو : (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ) [الأعراف / ٢٠٠] ، (أَيًّا ما تَدْعُوا) [الإسراء / ١١٠] ، (أَيْنَما تَكُونُوا) [البقرة / ١٤٨] ، وقول الأعشى [من الطويل] :

__________________

(١) تقدم برقم ١٠٤٨.

(٢) عدي بن ربيعة التغلبي شاعر فارس جاهلي لقّب بالمهلهل لسهولة شعره كما لقّب بالزير لشدّة ميله إلى مجالسة النساء كان بطلا عنيدا من أبطال حرب البسوس الّتي دارت رحاها بين بكر وتغلب مدّة أربعين سنة. وقد أسر المهلهل ومات سنة ٥٣١. الجامع في تاريخ الأدب العربي ١ / ١٨٩.

(٣) اللغة : أبانان : جبلان يسمّى بأبان الأسود وأبان الأبيض ، رمّل : لطخ.

٩٢٢

١٠٥٤ ـ متى ما تناخي عند باب ابن هاشم

تراحي وتلقى من فواضله ندى (١)

وبعد الخافض حرفا كان ، نحو : (فَبِما رَحْمَةٍ) [آل عمران / ١٥٩] ، (عَمَّا قَلِيلٍ) [المومن / ٤٠] ، وقوله [من الخفيف] :

١٠٥٥ ـ ربّما ضربة بسيف صقيل

بين بصرى وطعنة نجلاء (٢)

أو اسما كقوله تعالى : (أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَ) [القصص / ٢٨] ، وقول الشاعر [من الكامل] :

١٠٥٦ ـ نام الخليّ وما أحسّ رقادي

والهمّ محتضر لدى وسادى

من غير ما سقم ولكن شفّني

همّ أراه قد أصاب فؤادي (٣)

قوله [من الطويل] :

١٠٥٧ ـ ...

ولا سيّما يوم بداره جلجل (٤)

أى ولا مثل يوم ، وقوله تعالى : (مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) [الذاريات / ٢٣].

وقيل : الخافض في قول بعضهم : ما خلا زيد وما عدا عمرو بالخفض ، وهو نادر.

وبعد أداة الشرط ، جازمة كانت ، كما مرّ ، وغير جازمة ، نحو : (حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ) [فصلت / ٢٠].

وبين المتبوع وتابعه في نحو : (مَثَلاً ما بَعُوضَةً) [البقرة / ٢٦]. قال الزجّاج : ما حرف زائد للتوكيد عند جميع البصريّين ، انتهى. ويؤيّده قراءة ابن مسعود. وبعوضة بدل. وقيل : ما اسم نكرة صفة لمثلا ، أو بدل منه ، وبعوضة عطف بيان على ما ، وزادها الأعشى مرّتين في قوله [من البسيط] :

١٠٥٨ ـ أمّا ترينا حفاة لا نعال لنا

إنّا كذلك ما نحفي وننتعل (٥)

وأمية بن أبى الصلت (٦) ثلاث مرّات في قوله [من الخفيف] :

١٠٥٩ ـ سلع ما ومثله عشر ما

عائل ما وعالت البيقورا

__________________

(١) اللغة : تناخي : مجزوم تناخين من أنخت البعير أي أبركته ، ابن هاشم : محمد (ص) ، تراحي : مجزوم تراحين من الراحة ، الفواضل : جمع فاضلة ، أي النعمة العظيمة ، الندى : الجود.

(٢) هو لعدى بن الرعلاء. اللغة : الصقيل : المجلو ، بصرى : بلدة بالشام ، الطعنة : الضربة بالرمح ، نجلاء : واسعة.

(٣) هما للأسود بن يعفر. اللغة : الخلي : الخالي من الهموم ، ما أحسّ : ما أجد ، الرقاد : النوم ، محتضر : حاضر ، الوساد : المخدة ، السقم : المرض ، شفّني : هزلني ، الفؤاد : القلب.

(٤) تقدّم برقم ٢.

(٥) اللغة : الحفاة : جمع الحافي وهو من لا نعل له ، النعال : جمع نعل ، نحفي : نمشي بغير نعل ، ننتعل ، نلبس : النعل.

(٦) شاعر جاهلي من قيس عيلان ، وكان مفطورا على التديّن ، وحرّم الخمرة ، وشكّ في الأوثان وأكثر شعره في الشؤون الدينيّة والتاريخيّة. مات سنة ٦٣٠ م. المصدر السابق ص ٢٨٦.

٩٢٣

وهذا البيت قال عيسى بن عمر : لا أدري ما معناه ، ولا رأيت أحدا يعرفه ، وقال غيره : كانوا إذا أرادوا الاستسقاء في سنة الجدب عقدوا في أذناب البقر وبين عراقيبها (١) السّلع بفتحين ، والعشر بضمّة ففتحة ، وهما ضربان من الشّجر ، ثمّ أوقدوا فيها النار ، وصعدوا بها الجبال ، ورفعوا أصواتهم بالدعاء ، قال [من البسيط] :

١٠٦٠ ـ أجاعل أنت بيقورا مسلّعة

ذريعة لك بين الله والمطر (٢)

ومعنى «عالت البيقورا» أنّ السنة أثقلت البقر بما حملتها من السّلع والعشر ، قاله في المغني.

الرابع : أن تكون «كافّة» ، ولم يجعلها مندرجة تحت الزائدة ، وإن لم يكن لها معنى ، لأنّ لها ، كما قال الرضيّ ، تأثيرا قويّا ، وهو منع العامل من العمل وتهيئته لدخول ما لم يكن له أن يدخله ، وهى ثلاثة أنواع :

أحدها : الكافّة عن عمل الرفع ، ولا تتّصل إلا بثلاثة أفعال : قلّ وكثر وطال ، وعلّة ذلك شبههنّ بربّ ، ولا تدخل حينئذ إلا على جملة فعليّة ، صرّح بفعليّتها كقوله [من الخفيف] :

١٠٦١ ـ قلّما يبرح اللبيب إلى ما

يورث المجد داعيا أو مجيبا (٣)

وأمّا قول المرّار [من الطويل] :

١٠٦٢ ـ صددت فأطولت الصّدود وقلّما

وصال على طول الصدود يدوم (٤)

فضرورة. وزعم المبرّد أنّ «ما» زائدة ، و «وصال» فاعل لا مبتدأ ، وزعم بعضهم أنّ «ما» مع هذه الأفعال مصدريّة لا كافّة.

والثانية : الكافّة عن عمل النصب والرفع ، وهي المتّصله بأنّ وأخواتها كما مرّ ، وزعم ابن درستويه وبعض الكوفيّين أنّ ما مع هذه الأحرف اسم نكرة مبهم بمترلة ضمير الشأن لما فيها من التفخيم والإبهام ، والجملة الّتي بعدها في موضع الخبر عنها ومفسّرة لها كالّتي بعد ضمير الشأن ، وردّ بأنّها لو كانت كذلك لاستعملت مع جميع النواسخ كضمير الشأن.

والثالثة : الكافّة عن الجرّ ، وتتّصل بأحرف وظروف. فالأحرف أحدها ربّ وأكثر ما تدخل حينئذ على الماضي كقوله [من المديد] :

__________________

(١) اللغة : العراقيب : جمع العرقوب وهو من الدابة : ما يكون في رجلها بمترله الركبة في يدها.

(٢) البيت لودّاك الطائيّ ، وليس فيه شاهد نحويّ ، ولكن ابن هشام ساقه تفسيرا للبيت السابق.

(٣) لم يذكر قائله. اللغة : يبرح : يزال ، اللبيب : العاقل.

(٤) هو للمرار سعيد بن الققعس من الشعراء الأمويّين. اللغة : صددت : من الصدود بمعنى الإعراض.

٩٢٤

١٠٦٣ ـ ربّما أوفيت في علم

ترفعن ثوبى شمالات (١)

لأنّ التكثير والتقليل أنّما يكونان فيما عرف حدّه ، والمستقبل مجهول ، وقد يليها المضارع ، نحو : ربّما يودّ ، وقيل : هو مؤوّل بالماضي ، وقد يليها الجملة الاسميّة خلافا للفارسيّ ، كقوله [من الخفيف] :

١٠٦٤ ـ ربّما الجامل المؤبّل فهيم

وعناجيج بينهنّ المهار (٢)

والثاني الكاف ، نحو : كن كما أنت ، وقوله [من الطويل] :

١٠٦٥ ـ أخ ماجد لم يحزني يوم مشهد

كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه (٣)

وقوله [من الطويل] :

١٠٦٦ ـ ألم تر أنّ البغل يتبع إلفه

كما عامر واللّؤوم مؤتلفان (٤)

وقيل : لا تكفّ الكاف بما وأنّ «ما» في ذلك مصدريّة موصولة بالجملة الاسميّة.

الثالث : الباء كقوله [من الخفيف] :

١٠٦٧ ـ فلئن صرت لا تحير جوابا

لبما قد ترى وأنت خطيب (٥)

ذكره ابن مالك ، وأنّ «ما» الكافّة أحدثت مع الباء معنى التقليل ، كما أحدثت مع الكاف معنى التعليل فى نحو : (وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ) [البقرة / ١٩٨] ، قال ابن هشام : والظاهر أنّ الباء والكاف للتعليل ، وأنّ «ما» معها مصدريّة ، قد سلم أنّ كلّا من الكاف والباء يأتي للتعليل مع عدم «ما» كقوله تعالى : (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ) [النساء / ١٥٩] ، (وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ) [القصص / ٨٢] ، وأنّ التقدير أعجب لعدم فلاح الكافرين ، ثمّ المناسب في البيت معنى التكثير لا التقليل.

الرابع : من ، كقوله [من الطويل] :

١٠٦٨ ـ وإنّا لممّا نضرب الكبش ضربة

على رأسه تلقى اللسان من الفم (٦)

قاله ابن الشجريّ ، والظاهر أنّ «ما» مصدريّة ، وأنّ المعنى مثله في : (خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ) [الأنبياء / ٣٧].

وأمّا الظروف فأحدها بعد ، كقوله [من الكامل] :

__________________

(١) البيت لجذيمة بن مالك الأبرش ، اللغة : أوفيت : أشرفت ، العلم ، الجبل ، الشمالات : رياح الشمال الشديدة.

(٢) هو لأبي دؤاد الإيادي شاعر جاهليّ اشتهر بوصف الخيل. اللغة : الجامل : جماعة الإبل ، المؤبل : كثير الإبل ، العناجيج : جمع عنجوج ، وهو من الخيل : الطويل العنق ، المهار : جمع مهر وهو ولد الفرس. والمعنى أنّه إذا قامت الحرب حشّد لها الإبل الكثيرة وأحسن الخيول مع أمهارها.

(٣) هو لنهشل بن حري. اللغة : ماجد كريم. لم يخزنى : لم يهنّى.

(٤) هو لزياد بن الأعجم.

(٥) هو لمطيع بن أياس أو لصالح بن عبد القدوس. اللغة : تحير : ترجح وتردّ.

(٦) تقدّم برقم ٣٢٨.

٩٢٥

١٠٦٩ ـ أعلاقة أمّ الوليّد بعد ما

أفنان رأسك كالثّغام المخلس (١)

وقيل : ما مصدريّة ، وهو الظاهر ، لأنّ فيه إبقاء «بعد» على أصلها من الإضافة ، ولأنّها لو لم تكن مضافة لنوّنت ، انتهى. وما استظهره مبنيّ على القول بجواز كون صلة ما جملة اسميّة ، وهو الصحيح ، كما تقدّم ، والجمهور على خلافه.

والثاني بين ، كقوله [من الخفيف] :

١٠٧٠ ـ بينما نحن بالأراك معا

إذ أتى راكب على جمله (٢)

وقيل : في ما هذه غير ذلك كما مرّ.

الثالث والرابع : حيث وإذ ، ويضمنان حينئذ معنى إن الشرطيّة ، فيجزمان فعلين كما مرّ في حديقة الأفعال.

هل

ص : هل حرف استفهام ، وتفترق عن الهمزة بطلب التصديق وحده ، وعدم الدخول على العاطف والشرط ، واسم بعده فعل ، والاختصاص بالإيجاب ، فلا يقال : هل لم يقم؟ بخلاف الهمزة ، نحو : (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ.)

ش : الرابعة والعشرون «هل» ، ويقال فيها : أل بإبدال هائها همزة ، وهي «حرف استفهام» موضوع لطلب التصديق ، وقيّده ابن هشام في المغني بالإيجابيّ ، قال : فلا يكون للتصوّر ولا للتصديق السلبيّ ، وتبعه على ذلك التقيّ السبكيّ في جمع الجوامع ، وهو كما قال الجلال المحليّ (٣) سهو ، سرى إليه من أنّ هل لا تدخل على النفى ، فلا يقال : هل لم يقم : والصواب أنّها لطلب التصديق مطلقا ، أي لطلب الحكم ، أهو نفي أو إثبات ، كما قال أهل البيان يقال في جواب هل قام زيد نعم أو لا.

«وتفترق» هل «عن الهمزة» بعشرة أوجه :

أحدها : اختصاصها «بطلب التصديق وحده» دون التصوّر ، والهمزة يطلب بها التصديق والتصوّر معا ، كما مرّ.

__________________

(١) هو للمرار الأسدى. اللغة : أمّ الوليد : كنية صاحبة الشاعر : الأفنان : جمع فنن وهو غصن وأراد به هنا غصن الشعر ، الثغام : شجرة بيضاء الثمر والزهر ، تنبت في قنّة الجبل ، واذا يبست اشتد بياضها ، المخلس : اسم الفاعل من أخلس الكلأ ، اذا اختلط رطبه بيابسه.

(٢) هو لجميل بثينة. اللغة : الأراك : اسم موضع ، الجمل : البعير.

(٣) محمد بن أحمد المحليّ الشافعيّ ، أصوليّ ، مفسّر عرّفه ابن العماد بتفتازانيّ العرب ، من كتبه : تفسير الجلالين وكتر الراغبين ، مات سنة ٨٦٤ ه‍. الأعلام للرزكلي ، ٦ / ٢٣٠.

٩٢٦

الثانى : «عدم الدخول على العاطف» ، وإنّما يقع بعده نحو : (فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ) [الأحقاف / ٣٥] ، وفي الحديث : هل ترك لنا عقيل من رباع (١). وقال الشاعر [من الطويل] :

١٠٧١ ـ وهل أنا إلا من غيّة إن غوت

غويت وإن ترشد غزيّة أرشد (٢)

وقال [من الخفيف] :

١٠٧٢ ـ ليت شعري هل ثمّ هل آتينهم

 ... (٣)

بخلاف الهمزة ، فإنّها تدخل على العاطف ، نحو : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا) [غافر / ٨٢] ، (أَفَلا تَعْقِلُونَ) [البقرة / ٧٦] ، (أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ) [يونس / ٥١].

وهذا حكم اختصّت به الهمزة دون سائر أخواتها تنبيها على إصالتها ، وباقي الأدوات كهل فلا تدخل على العاطف ، بل تتأخّر عنه ، كما هو قياس جميع أجزاء الجملة المعطوفة ، نحو : (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ) [آل عمران / ١٠١] ، (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) [التكوير / ٢٦] ، (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) [الأنعام / ٩٥] ، (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ) [الأنعام / ٨١] ، (فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ) [النساء / ٨٨].

هذا مذهب سيبويه والجمهور ، وخالفهم جماعة أوّلهم الزمخشريّ ، فزعموا أنّ الهمزة في المواضع المذكورة ونحوهما في محلّها الأصليّ ، وأنّ العطف على جملة مقدّرة بينها وبين العاطف محافظة على إقرار حرف العطف على حالة من غير تقديم ولا تأخير فيقدّرون في : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا) [غافر / ٨٢] ، وفي (أَفَلا تَعْقِلُونَ) [البقرة / ٧٦] ، امكثوا أفلم يسيروا ، أتجهلون فلا تعقلون. قال أبو حيّان : وهو تقدير ما لا دليل عليه من غير حاجة ، وقال ابن هشام : يضعفه ما فيه من التكلّف ، وأنّه غير مطّرد.

الثالث : عدم الدخول على الشرط بخلاف الهمزة بدليل : (أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ) [الأنبياء / ٣٤].

الرابع : عدم الدخول على اسم بعده فعل اختيارا (٤) ، ولذلك وجب النصب في نحو :

هل زيدا ضربته؟ لأنّ هل إذا كان في خبرها فعل وجب إيلاؤها إيّاه ، فلا يقال : هل زيد قام ، إلا في ضرورة خلافا للكسائيّ في تجويز إيّاه اختيارا (٥) ، قال الشاعر [من البسيط] :

١٠٧٣ ـ أم هل كبير بكى لم يقض عبرته

 ... (٦)

__________________

(١) البخاري ، كتاب الحج ص ١١١. عقيل ابن أبي طالب هو شقيق الإمام على (ع). الرباع : المنازل.

(٢) هو لدريد ابن الصم. اللغة : غزيّة : قبيلة ، غوت : أمعنت فى الضلال.

(٣) تمامه «أو يحولنّ من دون ذلك حمام» ، وهو للكميت بن زيد. اللغة : الحمام : الموت.

(٤) أي هذا هو المذهب المختار عند النحاة ، لأنّه أولى.

(٥) سقط اختيارا في «ط».

(٦) تمامه «إثر الأحبّة يوم البين مشكوم» ، وهو لعلقمة الفحل. اللغة : البين : الفراق.

٩٢٧

قال أبو حيّان : ويمتنع أن يكون مبتدأ وخبرا ، بل يجب حمله على إضمار فعل ، قال الرضيّ وغيره : وسبب ذلك أنّ الأصل هل أن يكون بمعنى قد فقيل أهل كقوله [من الرجز] :

١٠٧٤ ـ أهل عرفت الدّار بالغريين

 ... (١)

وكثر استعمالها كذلك فخذف الهمزة لكثرة الاستعمال استغناء بها عنها وإقامة لها مقامها ، وقد جاءت على الأصل ، نحو قوله تعالى : (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ) [الإنسان / ١] ، أى قد أتي ، وقد مختصّة بالفعل فكذلك هل ، لكنّها لما تطفّلت على همزة الاستفهام انحطّت رتبتها عن قد في اختصاصها بالفعل ، فاختصّت به فيما إذا كان في حيّزها ، لأنّها إذا رأته في حيّزها ، تذكّرت عهودا بالحمى ، وحنّت إلى الألف المألوف ، وعانقته ، ولم ترض باعتراض الاسم بينهما ، وإذا لم تره في حيّزها ، تسلّت عنه ذاهله ، انتهى. بخلاف الهمزة ، فتدخل على اسم بعده فعل اختيارا بدليل قوله تعالى : (أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ) [القمر / ٢٤] ، وتقول : أزيد قام على الابتداء والخبر.

والخامس : تخصيص المضارع بالاستقبال ، نحو : هل تسافر؟ بخلاف الهمزة ، نحو :

أتظنّه قائما؟

وأمّا قول ابن سيدة في شرح الجمل (٢) : لا يكون الفعل المستفهم عنه إلا مستقبلا فسهو ، قال الله تعالى : (فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا) [الأعراف / ٤٤].

السادس : عدم الدخول على أنّ بخلاف الهمزة بدليل قوله تعالى : (أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ) [/ ٩٠].

السابع : وقوعها بعد أم قال تعالى : (هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ) [الرعد / ١٦].

الثامن : إرادة النفي بها في الاستفهام ، ولذلك دخلت على الخبر بعدها إلا نحو :

(هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ) [الرحمن / ٦٠] ، والباء في قوله [من الطويل] :

١٠٧٥ ـ ...

ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم (٣)

بخلاف الهمزة.

__________________

(١) تمامه «لم يبق من أيّ بها يحلّين» ، وهو لخطام المجاشعيّ. اللغة : الغريان : بناءان طويلان ، يقال هما قبر مالك وعقيل نديمي جزيمة الأبرش ، وسمّيا الغريين ، لأنّ النعمان بن المنذر كان يغرّيهما بدم من يقتله في يوم بوسه. لسان العرب ٣ / ٢٨٩١.

(٢) الجمل فى النحو لابن إسحاق الزجاجىّ النحوىّ المتوفّى سنة ٣٣٩ ه‍. كشف الظنون ١ / ٦٠٣.

(٣) صدره «يقول إذا اقلولى عليها وأقردت» ، وقائله الفرزدق في هجاء جرير. اللغة : اقلولى : ارتفع. أقردت : سكنت.

٩٢٨

التاسع : أنّها تكون بمعنى قد ، وذلك مع الفعل ، وبه فسّر جماعة منهم ابن عباس والكسائيّ والفرّاء والمبرّد قوله تعالى : (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) [الإنسان / ١] ، وأنكره قوم منهم أبو حيّان قال : ولم يقم على ذلك دليل واضح.

العاشر : الاختصاص بالايجاب ، فلا تدخل على نفي ، لا يقال : هل لم يقم زيد ، بل هل قام زيد؟ بخلاف الهمزة ، فإنّها تدخل على الإيجاب ، نحو : (أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ) [الزخرف / ١٩] ، والنفي نحو قوله تعالى : (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) [الشرح / ١] ، (أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ) [آل عمران / ١٢٤] ، والهمزة في ذلك للإنكار الابطاليّ ، وهي الّتي تقتضي أنّ ما بعدها غير واقع ، ومن ثمّ لزم ثبوته هنا ، لأنّ نفي النفي إثبات ، والمعنى شرحنا ، وكفا كم الله ، والله سبحانه وتعالى أعلم.

وهنا انتهى غرض المصنّف (ره) من هذا التاليف ، وبانتهائه انتهى غرضنا أيضا من الشرح ، وقد جاء بحمد الله سبحانه شرحا حافلا وبإبراز مخدّرات المعاني والفوائد كافلا ، ولم آل جهدا في تحقيق مسائله وتحرير براهينه ودلائله ناسبا كلّ قول إلى قائله ، وعازيا كلّ نقل إلى ناقله غير غامط (١) ولا حاجد فضل أحد ، فبئس المرء من غمط وجحد ، وقد قيل : من بركه العلم وشكره عزوه إلى قائله وإثبات ذكره.

وسلكت فيه النهج الّذي يرتضيه الفضلاء ، وإن سخطه الجهلاء ، وأتيت به على الوجه الّذي يقصده الماهرون ، وإن انحرف عنه القاصرون غير مبال بإعراض الحاسدين ، ولا عائبي بإنكار المعاندين ، والمسؤول ممّن كرمت شيمته ، وغلت في سوق الانصاف قيمته أن يغتفر ما يعثر عليه من زلل ، ويستر ما يراه فيه من خلل ، وأن يمنّ بإصلاح الفساد وترويج الكساد ، وأجره على من لا يضيع لديه عمل ، ولا يخيب فيه أمل. لا إله غيره ، ولا مرجوّ إلا خيره ، وقد ختم المصنّف (ره) كتابه هذا بدعاء وقع إن شاء الله تعالى موقع الإجابة ، وقرنت سهامه المسدودة بالإصابة.

فقال : أللهمّ اشرح صدورنا بأنوار المعارف ، ونوّر قلوبنا بحقائق اللّطائف ، واجعل ما أوردناه في هذه الورقات خالصا لوجهك الكريم ، وتقبّله منّا إنك أنت السميع العليم. فإنّا نتوسّل إليك بحبيبك محمّد سيّد المرسلين. وإله الأئمة المعصومين ، صلوات الله سلامه عليهم أجمعين. والحمد لله ربّ العالمين.

قال المصنّف (ره) : وكان الفراغ من تسويد الأصل صحوة يوم الاثنين سابع شهر شوال سنة خمس وسبعين وتسعمائة ، ومن محاسن الاتّفاقات أنّ سابع شهر شوال هو تاريخ الإتمام ، وقد نظمه رحمه الله فقال [من الهزج] :

__________________

(١) غامط : محتقر.

٩٢٩

بسابع شهر شوال

جنينا ورد إكماله

وسابع شهر شوال

غدا تاريخ إتمامه

والحمد لله على الإتمام ، والصلاة على خير الأنام محمّد وآله عليهم أفضل الصلاة والسّلام. قال الشارح ، عفا الله تعالى عنه بمنّه ، وكان الفراغ من تبييض هذا الشرح المبارك مع تشويق البال (١) وكثرة الهمّ والبلبال (٢) وكوني في زمان وبلاد قد كسدت فيها سوق الفضل وطلّابه ، وقامت دولة الجهل وأحزابه ، فلم يعرف من العلم إلا اسمه ، ولم يبق منه أثر ، ولو لا خشية المبالغة قلت : إلا رسمه ، صبيحة يوم الاثنين لثلاث عشرة خلون من جمادي الأخرى إحدى شهور سنة تسع وسبعين وألف.

أحسن الله ختامها ، وأكمل على أحسن نسق نظامها ، وذلك بالديار الهنديّة ، وأنا أسأل الله جلّ جلاله من فضله وإنعامه أن يتمّ النعمة بقبوله كما منّ باتمامه ، وأن يجعله خالصا لوجهه عزّ وجلّ ورضوانه وأن ينفع به طالبيه بكرمه وإحسانه.

كتبه مؤلّفه الفقير إلى ربّه الغني علي صدر الدين المدنيّ بن أحمد نظام الدين الحسينيّ الحسنيّ ، عفا الله عنهما ، وبلغهما أمنهما ، والحمد لله ربّ العالمين ، والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ، ما ذرّ شارق ، وسمع بارق. آميّن.

__________________

(١) البال : الحال والشأن.

(٢) البلبال : شدّة الهمّ.

٩٣٠

فهرس المصادر والمراجع

١ ـ القرآن الكريم

٢ ـ ابن أزرق وابن سيرين ، دائرة المعارف بزرگ فارسي ، طهران ، شركة افست ، الطبعة الثانية ، ١٣٧٤ ه‍ ش.

٣ ـ ابن جني ، الخصائص ، بتحقيق محمد علي النجار ، بيروت ، دار الكتاب العربيّ ، لاط ، ١٣٧١.

٤ ـ ابن حاجب ، الكافية في النحو ، شرحه رضي الدين الأسترآبادي ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، لاط ، ١٤٠٥ ه‍ ق.

٥ ـ ابن الخراساني وابن الكثير ، دائرة المعارف الإسلاميّة الكبري ، طهران ، مركز دائرة المعارف الإسلاميّة الكبري ، الطبعة الأولى ، ١٧٧ ه‍ ش.

٦ ـ ابن خلّكان ، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان ، بيروت ، دار صادر ، لاط ، ١٩٧٧ م.

٧ ـ ابن عقيل ، شرح ابن عقيل ، الجزء الأول والثاني ، طهران ، ناصر خسرو ، الطبعة السابعة ، ١٤١١ ه‍ ق.

٨ ـ ابن مالك ، الألفية ، قم ، دفتر نشر نويد اسلام ، الطبعة الخامسة ، ١٤١٨ ه‍ ق.

٩ ـ ابن منظور ، لسان العرب ، (أربعة أجزاء) ، بيروت ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، الطبعة الأولى ، ١٤٢٦ ه‍ ق.

١٠ ـ أبو البقاء العكبري ، التبيان في إعراب القرآن ، تحقيق علي محمد البجاوي ، بيروت ، دار الجيل ، الطبعة الثانية ، ١٤٠٧ ه‍.

١١ ـ أبو الحجّاج يوسف ابن سليمان ، شرح ابيات سيبويه ، بيروت ، مؤسسة البلاغ ، الطبعة الأولى ، ١٤١٩ ه‍ ق.

١٢ ـ أبو عبيد ، معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع ، بيروت ، دار الكتب العلميّة ، الطبعة الأولى ، ١٤١٨ ه‍ ق.

١٣ ـ أحمد حنبل ، مسند أحمد حنبل ، بيروت ، دار إحياء التراث العربيّ ، لاط ، ١٩٩٤ م.

١٤ ـ اسكندري أحمد والآخرون ، المنتخب من أدب العرب ، القاهرة ، المطبعة الأميريّة ، لاط ، ١٩٥١ م.

١٥ ـ الأربلي علاء الدين ، جواهر الأدب في معرفة كلام العرب ، بيروت ، دار النفائس ، الطبعة الأولى ، ١٤١٢ ه‍ ق.

١٦ ـ أسعد النادري محمد ، نحو اللغة العربيّة ، بيروت ، المكتبة العصريّة ، الطبعة الثانيّة ، ١٤١٨ ه‍ ق.

١٧ ـ الأنباري كمال الدين أبو البركات ، الأنصاف في مسائل الخلاف ، بيروت ، المكتبة العصرية ، لاط ١٤١٩ ه‍ ق.

٩٣١

١٨ ـ الأفغاني سعيد ، من تاريخ النحو ، دار الفكر ، لاط ، لات.

١٩ ـ الأنصاري جمال الدين ابن هشام ، مغني اللبيب ، بيروت ، الطبعة الخامسة ، ١٩٧٩ م.

٢٠ ـ الأنصاري جمال الدين ابن هشام ، قطر الندي وبل الصدي ، قم ، مطبعة النهضة ، الطبعة الأولى ، ١٤١٤ ه‍ ق.

٢١ ـ الأنصاري جمال الدين ابن هشام ، شرح شذور الذهب ، قم ، دار الهجرة ، الطبعة الثالثة ، ١٤١٤ ه‍. ق

٢٢ ـ الأمين السّيّد محسن ، أعيان الشيعة ، المجلّد التاسع ، بيروت ، دار التعارف للمطبوعات ، لاط ، ١٤٠٣ ه‍ ق.

٢٣ ـ إميل بديع يعقوب ، موسوعة أمثال العرب ، بيروت ، دار الجيل ، الطبعة الأولى ، ١٤١٥ ه‍ ق.

٢٤ ـ إميل بديع يعقوب ، المعجم المفصّل في شواهد النحو الشعريّة ، بيروت ، دار الكتب العلميّة ، الطبعة الأولى ، ١٤١٣ ه‍. ق.

٢٥ ـ إميل بديع يعقوب ، موسوعة الصرف والنحو والإعراب ، طهران ، منشورات استقلال ، الطبعة الأولى ١٤٢٥ ه‍ ق.

٢٦ ـ إميل بديع يعقوب ، المعجم المفصل في علم العروض والقافية وفنون الشعر ، بيروت ، دار الكتب العلميّة ، الطبعة الأولى ، ١٤١١ ه‍ ق.

٢٧ ـ إميل بديع يعقوب ، المعجم المفصل في اللغة والأدب ، بيروت ، دار العلم للملايين ، الطبعة الأولى ، ١٩٨٧ م.

٢٨ ـ إياد خالد الطباع ، منهج تحقيق المطبوعات ، دمشق ، دار الفكر ، الطبعة الأولى ، ١٤٢٣ ه‍ ق.

٢٩ ـ البخاري أبي عبد الله ، صحيح البخاري ، بيروت ، دار الأرقم ، الطبعة الثالثة ، ١٤١٨ ه‍ ق.

٣٠ ـ البستاني بطرس ، أدباء العرب ، بيروت ، دار الجيل ، لاط ، لات.

٣١ ـ البستاني فؤاد إفرام ، المجاني الحديثة عن مجاني الأب شيخو ، بيروت ، دار المشرق ، لاط ، لات.

٣٢ ـ البستاني فؤاد إفرام ، دائرة المعارف ، بيروت ، لاط ، ١٩٦٤ م.

٣٣ ـ البغدادي ، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، الطبعة الأولى ، ١٤١٨ ه‍ ق.

٣٤ ـ الترمذي ، سنن الترمذي ، بيروت ، دار الفكر ، لاط ، لات.

٣٥ ـ البغدادي إسماعيل باشا ، هديّة العارفين في أسماء المؤلّفين وآثار المصنّفين ، بيروت ، دار الإحياء التراث العربي ، لاط ، ١٩١٥ م.

٩٣٢

٣٦ ـ التفتازاني سعد الدين ، شرح المختصر ، قم ، منشورات دار الحكمة ، لاط ، لات.

٣٧ ـ التفرشي مصطفي ، نقد الرجال ، الجزء الرابع ، بيروت ، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث ، الطبعة الأولى ، ١٤١٩ ه‍ ق.

٣٨ ـ التونجي محمد ، المعجم المفصّل في علوم اللغة ، بيروت ، دار الكتب العلميّة ، الطبعة الأولى ، ١٤١٤ ه‍ ق.

٣٩ ـ الجرجاني عبد القاهر ، دلائل الإعجاز ، بيروت ، المكتبة العصرية ، لاط ، ١٤٢٤ ه‍ ق.

٤٠ ـ حاجي خليفه ، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون ، بيروت ، دار إحياء التراث العربي ، لاط ، لات.

٤١ ـ الحر العامليّ ، وسائل الشيعة ، الجزء العاشر ، لاط ، موسسه آل البيت ، لات

٤٢ ـ حرز الدين محمد ، معارف الرجال في تراجم العلماء والأدباء ، قم ، منشورات مكتبة آية الله المرعشي ، لا طبع ، ١٤٠٥ ه‍ ق.

٤٣ ـ حمدان محمود موسي ، مسائل الخلاف بين النّحويّين البصريين والكوفيين في ضوء النظر البلاغي ، القاهرة ، مكتبة وهبة ، الطبعة الأولى ، ١٤٢٢ ه‍ ق.

٤٤ ـ خرمشاهي بهاء الدين وآخرون ، دائر المعارف التشيّع ، طهران ، نشر شهيد محبتي ، الطبعة الأولى ، ١٣٧٥ ه‍ ش.

٤٥ ـ الخوانساري محمد باقر ، روضات الجنّات ، الجزء السابع ، قم ، مكتبة اسماعيليان ، لاط ، ١٣٩٢ ه‍ ق.

٤٦ ـ ديوان إمام علي (ع) ، جمعه وضبطه حسين الأعلمي ، بيروت ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، الأولى ، ١٤١٩ ه‍ ق.

٤٧ ـ ديوان امرئ القيس ، تحقيق محمد رضا مروة ، بيروت ، الدار العالمية ، الطبعة الأولى ، ١٤١٣ ه‍ ق.

٤٨ ـ ديوان الأخطل ، شرح راجي الأسمر ، بيروت ، دار الكتاب العربي ، الطبعة الأولى ، ١٤١٣ ه‍ ق.

٤٩ ـ ديوان جرير ، شرح يوسف عبد ، بيروت ، دار الجيل ، الطبعة الأولى ، لاط ، لات.

٥٠ ـ ديوان الشريف الرضيّ ، صحّحه إحسان عباس ، بيروت ، دار صادر ، لاط ، ١٩٩٤ م.

٥١ ـ ديوان شيخ بهايي ، با مقدمة استاذ سعيد نفيسي ، نشر چگامه ، لاط ، ١٣٦١ ه‍ ش.

٥٢ ـ ديوان عمر بن أبي ربيعة ، تحقيق فايز محمد ، بيروت ، دار الكتاب اللبناني ، الطبعة الأولى ، ١٤١٢ ه‍ ق.

٥٣ ـ ديوان الفرزدق ، شرح إيليا الحاوي ، بيروت ، دار الكتاب اللبناني ، الطبعة الأولى ، ١٩٨٣ م.

٥٤ ـ ديوان كثيّر عزّة ، شرح قدري مايو ، بيروت ، دار الجيل ، الطبعة الأولى ، ١٤١٦ ه‍ ق.

٩٣٣

٥٥ ـ ديوان المتنبيّ ، شرح عبد الرحمن البرقوقي ، بيروت ، دار الكتاب العربي ، لاط ١٤٠٧ ه‍ ق.

٥٦ ـ الدرويش محي الدين ، إعراب القرآن الكريم وبيانه ، دمشق ، الطبعة الأولى ، ١٤٠٠ ه‍ ق.

٥٧ ـ الدقر عبد الغني ، معجم القواعد العربية ، قم ، منشورات حميد ، الطبعة الأولى ، ١٤١٠ ه‍ ق.

٥٨ ـ الزجّاج ، معاني القرآن الكريم وإعرابه ، تحقيق عبد الجليل عبده ، بيروت ، عالم الكتب ، الطبعة الأولى ، ١٤٠٨.

٥٩ ـ الزركلي خير الدين ، الأعلام ، الطبعة الثالثة ، ١٣٨٩ ه‍.

٦٠ ـ الزمخشري أبو القاسم جار الله ، المفصل في صنعة الإعراب ، تحقيق ، إميل بديع يعقوب ، بيروت ، دار الكتب العلميّة ، الطبعة الأولى ، ١٤٢٠ ه‍ ق.

٦١ ـ الزمخشري أبو القاسم جار الله ، الكشّاف ، بيروت ، دار الكتاب العربي ، لاط ، ١٤٠٧ ه‍ ق.

٦٢ ـ الزوزني ، شرح المعلقات السبع ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، الطبعة الثانية ، ١٤٢٣ ه‍ ق.

٦٣ ـ السجستاني أبو داود ، سنن أبي داود ، بيروت ، دار الفكر ، الطبعة الأولى ١٤٢١ ه‍ ق.

٦٤ ـ سزگين فؤاد ، تاريخ التراث العربيّ ، قم ، مكتبة آية الله المرعشي ، الطبعة الثانية ، ١٤١٢ ه‍ ق.

٦٥ ـ سيبويه ، الكتاب ، الجزء الأول والثاني ، بيروت ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، الطبعة الثالثة ، ١٤١٠ ه‍ ق.

٦٦ ـ السيوطي جلال الدين عبد الرحمن ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، الجزء الأول والثاني ، بيروت المكتبة العصرية ، لاط ، ١٣٨٤ ه‍ ق.

٦٧ ـ السيوطي جلال الدين ، البهجة المرضية في شرح الأفية ، الجزء الأول والثاني ، قم ، مؤسسة دار الهجرة ، الطبعة الأولى ، ١٤١٩ ه‍ ق.

٦٨ ـ السيوطي جلال الدين ، شرح شواهد مغني اللبيب ، المجلد الأول والثاني ، لاط ، لات.

٦٩ ـ السيوطي جلال الدين بن أبي بكر ، الجامع الصغير ، بيروت ، دار الكتب العلميّة ، الطبعة الأولى ، ١٤٢٣ ه‍ ق.

٧٠ ـ السيوطي جلال الدين ، الاقتراح في علم أصول النحو ، تحقيق أحمد محمد قاسم ، نشر أدب حوزة ، لاط ، لات.

٧١ ـ الشرتوني رشيد ، مبادئ العربية ، قم ، مؤسسة مطبوعات دار العلم ، الطبعة السادسة ، ١٣٦٩ ه‍ ش.

٧٢ ـ شريف محمد باقر ، جامع الشواهد ، قم ، مكتبة الفيروزآبادي ، لاط ، ١٤١٢ ه‍ ق.

٧٣ ـ الطبرسي ، مجمع البيان ، الجزء الخامس ، بيروت ، دار المعرفة ، الطبعة الثانية ، ١٤٠٨ ه‍.

٧٤ ـ الطنطاوي محمد ، نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة ، بيروت ، الطبعة الأولى ، ١٤١٧ ه‍ ق.

٧٥ ـ الطهراني آغا بزرگ ، طبقات أعلام الشيعة ، طبع جامعة طهران ، لاط ، ١٣٧٢ ه‍ ش.

٩٣٤

٧٦ ـ عباچي أباذر ، علوم البلاغة في البديع والعروض والقافية ، طهران ، سمت ، الطبعة الأولى ، ١٣٧٧ ه‍ ش.

٧٧ ـ عباس حسن ، النحو الوافي ، الطبعة السابعة ، ناصر خسرو ، طهران ، ١٣٨٣ ه‍ ش

٧٨ ـ العسكري ، أبو هلال ، جمهرة الأمثال ، بيروت ، دار الجيل ، الطبعة الثانية ، ١٤٠٨ ه‍ ق.

٧٩ ـ الغلاييني مصطفي ، جامع الدروس العربية ، صيدا وبيروت ، المطبعة العصرية ، الطبعة العاشرة ، ١٣٨٨ ه‍ ق.

٨٠ ـ الفاخوري حنا ، الجامع في تاريخ الأدب العربي ، بيروت ، دار الجيل ، لاط ، لات.

٨١ ـ فريد وحدي محمد ، دائر المعارف القرن العشرين ، بيروت ، دار المعرفة ، الطبعة الثالثة ، ١٩٧١ م.

٨٢ ـ فضلي عبد الهادي ، تاريخ قراءات قرآن كريم ، مترجم : سيد محمد باقر حجتي ، قم ، منشورات اسوه ، لاط ، ١٣٧٨ ه‍ ش.

٨٣ ـ القزويني ، سنن ابن ماجه ، بيروت ، دار الفكر ، الطبعة الأولى ، ١٤٢١ ه‍ ق.

٨٤ ـ القميّ الشيخ عباس ، سفينة البحار ، الجزء الثاني ، بيروت ، دار المرتضى ، لاط ، لات.

٨٥ ـ الكتبي محمد بن شاكر ، فوات الوفيات ، بيروت ، دار الكتب العلميّه ، الطبعة الأولى ، ١٤٢١ ه‍ ق.

٨٦ ـ كحّالة عمر رضا ، معجم المؤلّفين ، بيروت ، دار إحياء التراث العربي ، لاط ، لات.

٨٧ ـ ملك بن أنس ، الموطأ ، بيروت ، دار المعرفة ، الطبعة الثانية ، ١٤٢٠ ه‍ ق.

٨٨ ـ محمد هارون عبد السّلام ، قواعد تحقيق المخطوطات ، بيروت ، دار الكتاب الجديد ، الطبعة الرابعه ، ١٩٧٠ م.

٨٩ ـ محمد بن يعقوب أبو الفرج ، الفهرست ، بيروت ، دار الكتب العلميّة ، الطبعة الأولى ، ١٤١٦ ه‍ ق.

٩٠ ـ محمد بن علي بن الصبان ، حاشية الصبان علي شرح الأشموني ، قم ، منشورات زاهدي ، ١٤١٢ ه‍.

٩١ ـ محيسن محمد سالم ، القراءات وأثرها في علوم العربيّة ، بيروت ، دار الجيل ، الطبعة الأولى ، ١٤١٨ ه‍ ق.

٩٢ ـ المدرس الأفغاني محمد علي ، الشواهد المنتخبة لكتاب السيوطي ، قم ، منشورات سيد الشهداء ، لاط ، ١٤١١ ه‍ ق.

٩٣ ـ مدرسي محمد علي ، ريحانة الأدب ، منشورات خيام ، الطبعة الرابعة. لات.

٩٤ ـ المدني السّيّد علي صدر الدين ، سلافة العصر ، مصر ، الطبعة الأولى ، ١٣٢٤ ه‍.

٩٥ ـ المدني السّيّد علي صدر الدين ، الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة ، بيروت ، مؤسسة الوفاء ، الطبعة الثانيّة ، ١٤٠٣ ه‍.

٩٣٥

٩٦ ـ المدني السّيّد علي صدر الدين ، رياض السالكين ، الجزء الأول ، مؤسسة النشر الإسلامي ، الطبعة الرابعة ، ١٤١٥ ه‍.

٩٧ ـ مطلوب أحمد ، معجم المصطلحات البلاغية وتطورها ، بيروت ، مكتبة لبنان ناشرون ، الطبعة الثانية ، ١٩٩٦ م.

٩٨ ـ معروف يحيي ، العروض العربي البسيط ، طهران ، سمت ، الطبعة الأولى ، ١٣٧٨ ه‍ ش.

٩٩ ـ المقريّ أبو ماهر ، أخبار النّحويّين ، مصر ، الطبعة الأولى ، ١٩٨١ م.

١٠٠ ـ المنجد صلاح الدين ، قواعد تحقيق المخطوطات ، بيروت ، دار الكتاب الجديد ، الطبعة الرابعة ، ١٩٧٠ م.

١٠١ ـ المنجد في الأعلام ، دار الفقه ، مطبعة سپهر ، الطبعة الثانية ، ١٤٢٢ ه‍ ق.

١٠٢ ـ الميداني ، مجمع الأمثال ، تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم ، بيروت ، دار الجيل ، الطبعة الثانية ، ١٤٠٧ ه‍ ق.

١٠٣ ـ الميداني نيشابوري أبو الفضل ، أساس العربيه (الهادي للشادي) ، تصحيح فيروز حريرچي ، نشر جامعه طهران ، لاط ، ١٣٦١ ه‍ ش.

١٠٤ ـ النسائي ، سنن النسائي ، بيروت ، دار الفكر ، الطبعة الثانيّة ، ١٤٢١ ه‍ ق.

١٠٥ ـ نظام طهراني نادر ، تاريخ الأدب في عصر الانحطاط ، طهران ، نشر فرهيخته ، الطبعة الأولى ، ١٣٨٠ ه‍ ش.

١٠٦ ـ نهج الفصاحة ، مترجم أبو القاسم پاينده ، منشورات جاويدان ، لاط ، ١٣٦٢ ه‍ ش.

١٠٧ ـ النيسابوري أبو الحسين مسلم ابن الحجّاج القشيري ، صحيح مسلم ، بيروت ، دار الكتب العلميّة ، الطبعة الأولى ، ١٤١٨ ه‍ ق.

١٠٨ ـ هروي نجيب مايل ، نقد وتصحيح متون ، مشهد ، منشورات ميقات ، لاط ، ١٣٦٩ ه‍ ش.

١٠٩ ـ القمي الشيخ عباس ، سفينة البحار ، الجزء الثاني ، بيروت ، دار المرتضي ، لاط ، لات.

١١٠ ـ ياقوت ، معجم الأدباء ، بيروت ، دار الفكر ، الطبعة الثالثة ، ١٤٠٠ ه‍ ق.

٩٣٦

الفهرس

مقدّمة

١

وشرف علم العربية

٤١

أسلوب التصحيح

٦

معنى الإشارة إلى المصنفات وإنّها مجازية

٤٣

التعريف بالمخطوطات

١٠

النسبة إلى المركّب الإضافي المعرّف صدره بعجزه

٤٤

مخطوطة مجلس الشوري الإسلامي (مخطوطة الأمّ)

١٠

معنى علم العربية وعلم الأدب وانقسامه إلى اثني عشر قسما

٤٤

مخطوطة جامعة طهران

١١

معنى الفائدة والغرض والغاية

٤٥

مخطوطة الطبع عي الحجر

١٢

معنى الصّمد ومعنى الإيمان

٤٧

مخطوطة سبهسالار

١٣

الفصل الأوّل : الحديقة الأولى

٤٩

ترجمة الماتن

١٤

معنى النحو في الأصل وحدّه اصطلاحا

٥١

ترجمة الشارح

١٩

فائدة علم النحو وموضوعه وتعريف الكلمة واللفظ

٥٣

مقدمة الشارح

٢٣

معنى الوضع والمفرد ومعنى الاحتراز بالجنس

٥٥

التعريف بالمؤلّف والكتاب

٢٤

معنى المركب وهل هو موضوع أم لا

٥٦

الكلام علي اسم الجلالة وكلمة التوحيد والرحمن الرحيم

٢٧

للمفرد ستة معان

٥٧

استعمال السيد في غير الله تعالي وفيه ثلاثة أقوال

٣٣

أقسام الكلمة الثلاثة وأدلة انحصار فيها

٥٨

معنى الآل وأصله واستعماله والكلام على سيّما ولا سيّما

٣٣

الكلام ومعناه لغة وحدّه اصطلاحا

٥٩

طرف من ذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام

٣٧

معنى المفيد والفائدة في الاصطلاح

٦٠

أقوال حول ولادة علي (ع)

٣٧

انقسام الكلام إلى خبر وإنشاء

٦٣

معنى الإسلام وحكاية كسر الأصنام الّتي كانت على البيت الشريف

٣٩

الاسم والفعل والحرف

٦٤

معنى النواصب وحكاية لطيفة في ذلك

٤٠

أوّل من وضع النحو وحكاية وضعه

٩٣٧

استعمال لفظ الخصوص وما يتفرّع منه

٦٦

المذكر هو الأصل

٩٠

أقسام التنوين ومعنى التقفية والتصريع والعروض والضرب

٦٧

إذا قصد لفظ الاسم جاز تذكيره وتأنيثه

٩٠

ما اذا ولي «يا» ما ليس بمنادى

٧١

ما يعرف به تأنيث ما لم تظهر العلامة فيه

٩١

حدّ الفعل وخواصه

٧٣

المؤنث اللفظي والحقيقي

٩٢

لقد ستّة معان

٧٤

قد يذكّر المؤنث وبالعكس

٩٢

حدّ الحرف

٧٥

إذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر

٩٢

تقسيم الاسم إلى اسم عين واسم معنى ومشتقّ

٧٦

أقسام الفعل ، أحدها الماضي

٩٣

المعرفة ، وأقسامها سبعة

٧٨

الاستخدام

٩٣

العلم وانقسامه إلي مرتجل ومنقول

٧٩

تاء التأنيث

٩٤

انقسام العلم إلي مفرد ومركب

٨٠

الفعل المضارع ، الخلاف في مدلوله من الزمان

٩٥

انقسام العلم إلي اسم ولقب وكنية

٨١

سين الاستقبال

٩٦

فلان وفلانة وأسماء الأيّام

٨٢

فعل الأمر ، تحقيق نفيس في زمان فعل الأمر

٩٧

التصغير لا يبطل العلمية

٨٣

نونا التوكيد الخفيفة والثقيلة

٩٩

المعرفة بالأداة والخلاف في ال

٨٣

أحكام أقسام الفعل

١٠١

تقسيم أل إلى عهدية وجنسية وزائدة

٨٤

حكم الفعل الماضي

١٠١

البتّة والكلام علي إعرابها ومعناها

٨٤

ما خالف فيه المصنّف النحاة من أنّ المعتلّ الاخر مبنيّ على السكون

١٠١

نيابة أل عن الضمير المضاف إليه

٨٥

حكم الفعل المضارع

١٠٢

اسم الإشارة

٨٦

النكرة في الإثبات قد تكون للعموم

١٠٤

الموصول والمضمر

٨٧

حذف حركة الإعراب

١٠٥

المضاف إلي أحد المعارف

٨٧

حكم فعل الأمر

١٠٥

المعرّف بالنداء

٨٧

فصل في حد الإعراب والبناء وأنواعها

ترتيب المعارف

٨٨

تقسيم الاسم إلي مذكر ومؤنث

٨٩

٩٣٨

ومعنى الإعراب لغة واصطلاحا

١٠٧

ضابط فيما يجمع بألف وتاء قياسا

١٢٣

معنى العامل

١٠٨

الفعل المضارع

١٢٤

تقسيم الإعراب إلي لفظي وتقديري

١٠٩

المثنّى

١٢٤

الصحيح في الإعراب أنّه زائدة على ماهية الكلمة

١١٠

القمرين والعمرين

١٢٤

أنواع الإعراب

١١١

التغليب من المجاز

١٢٥

التعبير بالأنواع أولى من التعبير بالألقاب

١١١

المشاكلة

١٢٥

تحقيق ربط الخبر بالمبتدإ إذا كان معطوفا عليه

١١١

أشكال التغليب مطلقا من باب المجاز

١٢٦

تعليل الوضعيات والسؤال عن مبادي اللغات ممنوع

١١٢

نحو القمرين والعمرين يحفظ ولا يقاس عليه

١٢٦

البناء ومعناه لغة واصطلاحا

١١٣

يشترط في كل ما يثّنى عند الأكثرين سبعة أمور

١٢٦

الحركات والسكون من صفات الأجسام

١١٤

حكم بنية الاسم إذا ثنّي

١٢٧

الخلاف في ألقاب المعربات والمبنيات ، هل يطلق كلّ منهما على الآخر

١١٥

ملحقات

١٢٧

حيث والكلام علي بنائها ومعناها

١١٦

الكلام علي نون المثنّى

١٢٩

أمس ومنذ

١١٧

جمع المذكّر السالم

١٢٩

الخلاف في الكلم هل هو جمع أم لا

١١٨

لغز للبدر الدماميني

١٣١

سوف

١١٩

ملحقات الجمع المذكر السالم

١٣٢

فصل في علامات الرّفع

١٢٠

عشرون وبابه

١٣٢

جمع التكسير

١٢١

عالمون ليس جمعا لعالم بل اسم جمع له والأعراب ليس جمعا لعرب

١٣٢

جمع المؤنث السالم

١٢٢

من الملحقات

١٣٣

الكلام علي نون الجمع المذكور وملحقاته

١٣٤

الأسماء السّتة

١٣٤

الأفعال الخمسة

١٣٧

٩٣٩

فصل في علامات النصب

١٣٨

الكلام في إثبات واسطة بين المعرب والمبني

١٦٠

فصل في علامات الجر

١٤٠

الفاعل

١٦٢

المراد بالمنصرف

١٤١

العامل في الفاعل

١٦٥

الكلام علي ابنم وامرئ

١٤٢

نصب الفاعل ورفع المفعول

١٦٥

ما وجد بيد اليهود بخط علي (ع) كتبه علي بن أبو طالب

١٤٢

انقسام الفاعل إلى ظاهر ومضمر

١٦٥

حدّ ما لا ينصرف

١٤٤

ملازمة الفعل تاء التأنيث في باب الفاعل

١٦٨

الكلام علي عرفات

١٤٥

الأصل تقدم الفاعل على المفعول

١٧٣

علامة الجزم

١٤٥

وجوب تأخير الفاعل وتقديم المفعول

١٧٤

الصحيح والمعتلّ في اصطلاح النحويّين والصرفيّين

١٤٦

حذف فعل الفاعل

١٧٧

فصل في الإعراب التقديري

١٤٨

نائب الفاعل

١٧٨

الاسم المقصور

١٤٨

حكم بناء الماضي للمفعول إذا اعتلت عينه وهو ثلاثي

١٧٩

وجه المناسبة لا يوجب التسمية

١٤٩

لا يقع نائب الفاعل ثاني باب علمت ولا ثالث باب أعلمت

١٨٠

الاسم المضاف إلي إلياء كغلامي

١٤٩

لا يقع نائب الفاعل مفعولا له ولا معه

١٨١

المضارع المتصل به نون تأكيد غير مباشرة

١٥١

تعيين المفعول به له وإن لم يكن فالجميع سواء

١٨٢

الاسم المنقوص

١٥٢

المبتدأ والخبر

١٨٥

الفعل المضارع المعتلّ الألف كيحيا

١٥٣

حذف الخبر وجوبا

١٨٩

كتابة نحو يحيا والفرق بينه علما وفعلا

١٥٣

حذف خبر المبتدإ جوازا

١٩٢

المضارع المعتلّ بالواو أو الياء

١٥٣

حذف المبتدإ وجوبا

١٩٤

جمع المذكر السالم المضاف إلي الياء

١٥٤

الخبر

١٩٥

الفصل الثاني : الحديقة الثانية

١٥٧

انقسام الخبر إلى الجامد والمشتق

١٩٦

المعرب والمبني وأسباب البناء

١٥٩

٩٤٠

قاعدة في تقدم المبتدإ وتأخير الخبر إذا كانا معرفيتن

١٩٨

بعضهم

٢٢١

لا يخبر بالزمان عن الذات

٢٠١

لا تجيء كأنّ للتحقيق ولا للتقريب

٢٢١

قد يتعدّد الخبر لفظا ومعنى

٢٠١

جواز الاشتغال من الحروف

٢٢٢

نواسخ المبتدإ والخبر

٢٠٣

محل مجرور لعلّ من الإعراب عند من جرّ بها

٢٢٤

الأفعال الناقصة

٢٠٤

في لعل ست عشرة لغة

٢٢٤

حكاية أبي عمرو مع عيسي بن عمرو

٢٠٧

عمل الأحرف المشبهه بالفعل

٢٢٤

حالات خبر الأفعال المذكورة مع اسمها إذا كانا معرفتين أو نكرتين

٢٠٨

أجاز جماعة نصب خبر الأحرف المشبهة بالفعل

٢٢٤

جواز توسط الخبر بينها وبين الاسم

٢٠٩

عدّ بعضهم من أخوات أن عسى

٢٢٥

جواز تقدم الخبر عليها

٢١٠

لا يتقدّم أحد معمولي إنّ وأخواتها عليها

٢٢٦

قد يتقدّم المعمول حيث لا يتقدّم العامل

٢١٠

لا يتقدم خبر إنّ واخواتها على اسمها إلّا إذا كان ظرفا

٢٢٦

جواز كون الأفعال الناقصة تامّة

٢١٢

علّة توسّعهم في الظرف والجرور

٢٢٧

معنى التصرف في الأسماء

٢١٤

الاقول في الظرف والجرور هل هما نفسهما الخبر أم لا

٢٢٧

جواز حذف نون مضارع كان المجزوم بالسكون

٢١٤

قد يحذف كلّ من اسم إن واخواتها وخبرها

٢٢٧

الأوجه الأربعه في نحو : الناس مجزيّون بأعمالهم

٢١٦

الكلام على ليت شعري

٢٢٩

وقوع افعل في الكلام لا بمعنى تفضيلية بعد المشاركة

٢١٧

تلحق الأحرف المشبهة بالفعل ما فتكفّها عن العمل

٢٢٩

الأحرف المشبهة بالفعل

٢١٩

بحث في سبب إفادة إنّما للحصر بين الأصوليين والنحويين

٢٣٠

معنى الاستدرك

٢٢٠

محل فتح همزة انّ بعد حيث والكلام على ذلك

٢٣٣

كاف التشبيه لا يتعلق دائما عند

الكلام على لا جرم ومعناها

٢٣٥

٩٤١

الكلام على المعطوف علي اسم إنّ وأخواتها

٢٣٥

المفعول به

٢٧١

شروط العطف علي المحل

٢٣٧

الأصل تأخّر المفعول عن الفعل

٢٧٢

ما ولا المشبهتان بليس

٢٤٠

قد يتقدم المفعول عن الفعل جوازا ووجوبا

٢٧٣

لطيفة يسأل الناس عنها أهل الأدب

٢٤١

الحصر والاختصاص مترادفان أم لا

٢٧٤

رفع المبتدإ ونصب الخبر بلا النافية لغة أهل الحجاز دون غيره

٢٤١

ناصب المفعول به والكلام على إضماره

٢٧٦

شروط إعمال ما ولا المشبهتين بليس

٢٤١

المفعول المطلق

٢٧٧

لا يجوز الجمع بين حرفين متفقي المعنى إلّا مفصولا بينهما

٢٤٤

إعراب خلق الله السموات

٢٧٨

الكلام على لات

٢٤٥

عامل المفعول المطلق

٢٨٠

إن النافية والكلام علي إعمالها

٢٤٨

إعراب أنت الرجل علما

٢٨٠

لا النافية للجنس

٢٤٩

حذف عامله جوازا ووجوبا

٢٨١

تسمّى لا المذكورة لا التبرئة

٢٥٠

لبيك وسعديك

٢٨٥

معنى لا نولك أن تفعل

٢٥٥

المفعول له

٢٨٧

في لا حول ولا قوة إلا بالله خمسة أوجه

٢٥٥

ناصب المفعول له

٢٩٠

يكثر حذف خبر لا إذا علم عند حجازيين وعند التميميين

٢٥٨

المفعول معه

٢٩١

أفعال المقاربة

٢٥٨

عامل المفعول معه

٢٩٢

قد تأتي عسى للإشفاق والخلاف في فعليتها

٢٦٠

الخلاف في المفعول معه هل هو قياسي أم سماعي

٢٩٧

كاد إثباتها نفي ونفيها إثبات

٢٦٨

المفعول فيه

٢٩٨

تختص عسى وأوشك باستغنائهما عن الخبر

٢٦٩

المنصوب بترع الخافض

٣٠١

يشترط في حذف الجار مع أن وأنّ تعيينه لأمن اللبس

٣٠٢

حكم كي حكم أن وأنّ في جواز حذف الجر معها قياسا

٣٠٤

الحال

٣٠٧

٩٤٢

ممّا يشكل قولهم : جاء زيد والشمس طالعة

٣٠٩

سبب تسمية حروف الجر

٣٦٠

الحال الثابتة

٣١٠

الحروف التي تجرّ الظاهر والمضمر

٣٦١

الحال الجامدة

٣١١

الحروف التي تجرّ الظاهر

٣٧٧

الحال الموطئة

٣١٣

المستثنى

٣٨٨

الحال المقدّرة

٣١٥

سبب تسمية المستثنى المتصل والمنقطع

٣٩٠

الحال المحكية

٣١٦

إعراب المستثنى المفرّغ

٣٩١

الأصل تأخّر الحال عن صاحبها

٣١٦

وقوع التفريغ في التوابع

٣٩٢

حكاية غريبة

٣١٨

عامل المستثنى

٣٩٤

يجب تقدم الحال على صاحبها إن كان نكرة محضة

٣١٩

حكم المستثنى إذا تقدّم على المستثنى منه

٣٩٥

لا تجيء الحال من المضاف إليه إلا بشروط

٣٢٢

حكم المستثنى غير الموجب

٣٩٦

الأسماء اللازمة للحالية

٣٢٤

إعراب لا اله إلا الله

٣٩٨

التمييز

٣٢٥

حكم المستثنى بخلا وعدا وحاشا

٤٠١

وجوه افتراق التمييز عن الحال

٣٢٧

حكم المستثنى بليس ولا يكون

٤٠٣

إذا كان التمييز مشتقا احتمل الحال

٣٢٩

سبب قراءة سيبويه النحو

٤٠٤

ناصب التمييز

٣٣٤

المستثنى بما خلا وبما عدا

٤٠٤

المضاف إليه

٣٣٥

حكم المستثنى بغير

٤٠٦

في عامل الجرّ في المضاف اليه

٣٣٦

إعراب غير

٤٠٧

ما يمتنع اضافته من الأسماء

٣٣٦

الاستشهاد بالأحاديث في النحو

٤٠٨

ما تجب إضافته من الأسماء

٣٣٧

أدوات الاستثناء

٤١٠

الإضافة اللفظية

٣٤٦

باب الاشتغال

٤١٢

الإضافة المعنوية

٣٤٧

حالات الاسم المشتغل عنه

٤١٣

قد يكتسب المضاف التذكير والتأنيث من المضاف إليه

٣٥٤

المواضع الّتي يترجح فيها نصبه

٤١٨

المجرور بالحرف

٣٥٩

تساوي الأمران

٤٢١

الوصف العامل كالفعل

٤٢٢

٩٤٣

متى يترجح الرفع علي النصب

٤٢٣

تدخل هاء التنبيه أسماء الإشارة

٤٨٠

المنادى

٤٢٣

تحلق كاف الخطاب أسماء الإشارة

٤٨٠

نداء المعرفة باللام

٤٢٧

الموصول

٤٨٣

حذف حرف النداء

٤٢٨

الموصولات الحرفية المشهورة

٤٨٤

وقوع اللهمّ في النداء

٤٣١

الموصول الاسمي

٤٨٧

وقوع اللهمّ في غير نداء

٤٣٢

الموصول المشترك

٤٩٢

أحكام المنادى في الإعراب

٤٣٢

ال الموصولة

٤٩٤

عامل المنادى

٤٣٣

أي الموصولة

٤٩٦

الإشكال في يا طالعا جبلا

٤٣٤

ذو الموصولة

٤٩٨

المنادى المضاف إلي الياء

٤٣٨

ذا الموصولة

٤٩٨

توابع المنادى

٤٤٤

المركب

٥٠٥

مميز أسماء العدد

٤٥٠

وجه تسمية سيبويه بسيبويه

٥٠٩

المبنيات : المضمر

٤٦١

التوابع

٥١٢

الضمير المنفصل والمتصل

٤٦٣

الأقوال في عامل التابع

٥١٣

لا يجوز المنفصل إلا لتعذّر المتصل

٤٦٤

النعت

٥١٤

مواضع تعذّر المتّصل

٤٦٤

فوائد النعت

٥١٥

جواز الوجهين في سلنيه وشبهه

٤٦٦

اشتقاق النعت

٥١٦

ضمير الشأن والقصّة

٤٦٨

الأمور التي يتبع النعت متبوعه فيها

٥١٧

مواضع عود الضمير إلى المتأخّر

٤٧٢

الاسماء في الوصف

٥٢٠

ضمير الفصل

٤٧٥

تعدّد النعت لمتعدّد

٥٢٠

اسم الإشارة

٤٧٦

النعت المقطوع

٥٢١

ما يشار به إلى المفرد المذكر ومثناه

٤٧٦

حذف النعت

٥٢٣

تأويل إنّ هذان لساحران

٤٧٧

المعطوف بالحروف

٥٢٤

ما يشار به إلى المثنّى

٤٧٩

التوكيد

٥٤١

الاشارة للمؤنث بلفظ المذكر

٤٧٩

التوكيد اللفظي والمعنوي

٥٤٢

ما يشار به إلى الجمع

٤٧٩

التوكيد المعنوي وألفاظه

٥٤٥

٩٤٤

كلا وكلتا

٥٤٧

أحوال معمول الصفة المشبهة

٥٩٧

التوكيد بكلّ وجميع وعامة

٥٤٨

اسم التفضيل

٦٠٤

البدل

٥٥٥

شروط ما يصاغ منه أفعل التفضيل

٦٠٥

أنواع البدل

٥٥٦

صوغ اسم التفضيل ممّا لم يستوف الشروط

٦٣٩

الفرق بين بدل الكلّ من الكلّ وعطف البيان

٥٥٧

كيفية استعمال اسم التفضيل

٦١٠

إبدال الظاهر من المضمر

٥٦٢

عمل اسم التفضيل

٦١٦

عطف البيان

٥٦٥

الاسم الّذي لا ينصرف

٦٢٠

ما افترق فيه عطف البيان والبدل

٥٦٩

أسباب منع الاسم من الصرف

٦٢١

الأسماء العاملة المشبهة بالأفعال

٥٧٠

العجمة

٦٢٤

أنواع الاشتقاق

٥٧٤

الوجوه التي تعرف بها عجمة الاسم

٦٢٥

سبب إعمال المصدر

٥٧٤

الجمع

٦٢٧

شرط عمل المصدر

٥٧٥

التأنيث

٦٢٩

إعراب تابع ما أضيف إليه المصدر

٥٧٧

العدل

٦٣٢

تقدّم معمول المصدر عليه

٥٧٨

التعريف

٦٣٥

المصدر يعمل منونا ومضافا ومقرونا باللام

٥٧٩

زيادة الألف والنون

٦٣٦

اسم المصدر

٥٨١

التركيب

٦٣٨

اسم الفاعل واسم المفعول

٥٨٤

وزن الفعل

٦٣٩

عمل اسم الفاعل المقترن بأل

٥٨٥

الوصف

٦٤٠

حكم تابع ما أضيف اسم الفاعل إليه

٥٨٩

الصفة

٦٤١

اسم المفعول وإعماله

٥٩١

يصرف الممنوع من الصرف ويمنع المصروف للضرورة

٦٤٣

الصفة المشبهة

٥٩٣

الفصل الثالث : الحديقة الثالثة

٦٤٧

ما افترقت فيه الصفة المشبهة واسم الفاعل

٥٩٤

فيما يختص بالأفعال

٦٤٩

إعراب الفعل المضارع

٦٤٩

٩٤٥

رفع المضارع

٦٥٠

التعجب

٧٠١

يرتفع المضارع بالتجرد عن الناصب والجازم

٦٥٠

أسلوبه

٧٠١

المضارع المنصوب ونواصبه

٦٥٠

شروط الفعل الذي يبنى منه الصيغتان القياسيتان بناء مباشرا

٧٠١

أن بعد العلم غير ناصبة

٦٥٦

كيفية التعجب إذا كان الفعل غير مستوف للشروط الثمانية

٧٠٢

تنصب إذن المضارع بثلاثة شروط

٦٥٨

أفعال القلوب

٧٠٨

كتابة إذن

٦٦٠

حذف المفعولين أو أحدهما

٧٠٩

نصب المضارع بأن مضمرة جوازا

٦٦١

ألفاظ أفعال القلوب

٧١١

نصب المضارع بأن مضمرة وجوبا

٦٦٣

الفرق بين علم وعرف

٧١٤

جزم المضارع

٦٧١

الإلغاء

٧١٥

ما تشترك فيه لم ولمّا وما تنفرد به كلّ

٦٧٣

التعليق

٧١٧

الجوازم التي تجزم فعلين

٦٧٦

القول بمعنى الظنّ

٧٢٠

اقتران الجواب بالفاء

٦٨٠

التنازع

٧٢٣

قد تحلّ في بعض المواضع «إذا» محل الفاء

٦٨٣

«ما قام وقعد إلا زيد» من باب التنازع أو لا

٧٢٣

عطف مضارع على جواب الشرط

٦٨٣

لا تنازع بين العاملين أكّد احدهما بالآخر

٧٢٦

عطف مضارع على فعل الشرط

٦٨٤

هل يوجد التنازع بين الحرفين

٧٢٦

حذف فعل الشرط وجوابه

٦٨٤

شرط العاملين في التنازع

٧٢٦

أفعال المدح والذّم

٦٨٦

هل يجري التنازع في جميع المعمولات

٧٢٧

نعم وبئس وما جرى مجراهما

٦٨٩

إعمال العامل الثاني

٧٢٧

فاعل أفعال المدح والذم

٦٩٠

إعمال العامل الأول

٧٢٨

اختلاف النحاة في الجمع بين التمييز والفاعل الظاهر في كلام واحد

٦٩٣

إذا تنازع العاملان الفاعل

٧٢٨

إعراب المخصوص

٦٩٤

إذا تنازع العاملان المفعول

٧٣٠

حبذا ولا حبذا

٦٩٦

التنازع بين أكثر من عاملين ومعمولين

٩٤٦

٧٣٢

أنّ

٨٢٢

الفصل الرابع : الحديقة الرابعة

٧٣٥

إنّ

٨٢٣

الحديقة الرابعة في الجمل وما يتبعها

٧٣٧

إذ

٨٢٦

الجمل الّتي لها محلّ

٧٤٥

إذا

٨٣٠

الجملة الخبرية

٧٤٧

مناظرة زنبورية

٨٣٥

الجملة الحالية

٧٥٤

أم

٨٤١

الجملة الواقعة مفعولا

٧٦٠

أمّا

٨٤٨

الجملة الواقعة المضاف إليها

٧٦٦

إمّا

٨٥٤

الجملة الواقعة جوابا لشرط جازم

٧٧١

أيّ

٨٥٨

الجملة التابعة لمفرد

٧٧٣

بل

٨٦٢

الجملة التابعة لما لها محلّ

٧٧٤

حاشا

٨٦٤

الجمل التي لا محلّ لها من الإعراب

٧٧٦

حتّى

٨٦٧

الجملة المستأنفة

٧٧٦

جماعة باسم ابن هشام

٨٦٩

الجملة المعترضة

٧٧٨

الفاء

٨٧٢

الجملة المفسرة

٧٨٢

قد

٨٨١

صلة الموصول

٧٨٤

استعمال حسب في العربية

٨٨١

المجاب بها القسم

٧٩١

قط

٨٨٥

اجتماع الشرط والقسم

٧٩٢

كم

٨٨٨

الجملة التابعة لما لا محلّ له

٧٩٥

كيف

٨٩٣

أحكام الجار والمجرور والظرف

٧٩٦

لو

٨٩٦

المواضع التي يجب فيها حذف المتعلّق

٧٩٩

لولا

٩٠٧

الفصل الخامس : الحديقة الخامسة

٨٠٥

لمّا

٩١٢

الهمزة

٨٠٧

ما

٩١٥

أن

٨١٢

هل

٩٢٦

إن

٨١٩

فهرس المصادر والمراجع

٩٣١

فهرس الأحاديث

٩٣٧

٩٤٧